Return to Article Details Power and Political Criminalization of the Opposition in the Maghreb and al,Andalus of the 10th century CE/4th century AH

السلطة والتجريم السياسي للمعارضة ببلاد المغرب والأندلس خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي

Power and Political Criminalization of the Opposition in the Maghreb and al,Andalus of the 10th century CE/4th century AH

سعيد بنحمادة

Said Benhammada

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى الحديث عن مظاهر التجريم السياسي التي انتهجتها الخلافتان الفاطمية والأموية ضد المعارضة. فالصراع السياسي الذي عرفته بلاد المغرب والأندلس، خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، بين العُبيديين الشيعة في أفريقيا ونظرائهم الأمويين السنّة في الأندلس، واتخذ طابعًا مذهبيًا وعقديًا، أدى إلى تجريمهما لكل سلوك مناوئ، وتحويل مواقف المعارضة من بُعد مذهبي وعقدي إلى مفهوم سياسي؛ لأن الإسماعيليين والمروانيين أحسّوا بقوة العلماء الذين شكّلوا سلطة فكرية مؤطرة للمجتمع. لذلك، اصطبغت المعارضة بصبغة دينية وسياسية، أجبرت الخلافتين على النحت من المعجم الديني؛ لمحاربة رموزها، في إطار السعي إلى التجريم السياسي لسلوكهم، وفي سياق تداخلت فيه السياسة بالعقيدة والمذهب.

Abstract

This study discusses the policy of political criminalization adopted by the Fatimid and Umayyad Caliphates against their internal opposition. The political conflict experienced by the Maghreb and al-Andalus during the 10 th century between Shi’i ‘Ubaydis in Ifriqiyya and their Sunni Umayyad counterparts in al-Andalus, which took a doctrinal form, led to both of them criminalizing the other; opposition positions thus shifted from the realm of the confessional and the doctrinal to a political concept. The Ismailis and the Marwanids were both aware of the power of the Ulema, who constituted an intellectual authority framing society, and opposition was thus given a both religious and political coloring, whose symbols both Caliphates were forced to fuse elements from the religious dictionary in order to combat as part of attempts to politically criminalize their behavior – in a context where the political overlapped with doctrine and confession.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الأندلس
  • الفاطميون
  • الأمويون
  • التجريم السياسي
Keywords:
  • Maghreb
  • Al-Andalus
  • 10th century AD / 4th century AH
  • Fatimids – Umayyads
  • Political Criminalization
  • Opposition
  • Creed
  • Confession

مقدمة

مثّل القرن 4 ه/ 10 م مرحلة انعطاف حضاري بسبب التحولات العميقة التي تعلّقت بالبنى السياسية والثقافية مشرقًا ومغربًا. ولعل قيام ثلاث خلافات يدلّ على ذلك؛ إذ تزامن وجود الخلافة العباسية في بغداد مع قيام الخلافة الفاطمية بإفريقية، والخلافة الأموية في قرطبة. وكان لبلاد المغرب والأندلس نصيبهما من ذلك المنعطف التاريخي؛ إذ لم يقتصر الصراع بين أمويي قرطبة والعبيديين على التدافع السياسي، وإنما امتد إلى الجهود الدعائية لنشر مذهبيهما؛ الأمر الذي جعل المعارضة تتحول من المفهوم السياسي إلى العقدي الذي نتج منه تجريم كل سلوك، أو ردة فعل، يقف في وجه الاستقطاب الأموي أو الفاطمي، وهو ما يمكن اعتباره بمنزلة جريمة سياسية مخلّة بأمن الدولة في العصر الوسيط. ومن ثم، فإن الإشكال الجوهري للتجريم السياسي للمعارضة، في سياق بلاد المغرب والأندلس، منذ القرن 4 ه/ 10 م، يكمن في التحول الذي مسّ المفهوم والمرجعية والوظيفية وما ترتّب على ذلك من مآلات، شملت بنية السلطة والمجتمع والمؤسسات، لكون النظم الأمنية انتقلت من السلطة الدينية لقاضي الجماعة إلى السلطة الزمنية للحاكم؛ فلم تعد الأحكام تستند إلى ضوابط شرعية وعرفية، بحسب الاجتهاد القضائي، وإنما غدت إفرازًا للواقع السياسي والحربي، وأصبح كل خارج عن الشرعية الرسمية مجرمًا، بالمفهوم المرجعي لإحدى الخلافتين اللتين بالغ خطابهما الرسمي في تمجيد "البطولات السياسية والعقدية" للخلفاء. ونستحضر في ذلك التجريم الدوافع العقدية للخلافتين، وضحاياه من أهالي بلاد المغرب والأندلس؛ لأن السلطتين الشيعية والسنية برّرتا ممارستيهما بأن المخالفين لا يعارضون الخلفاء سياسيًا فحسب، وإنما صوّرتاهم بأنهم مناوئون للأمة و"منافقون"، يجب الحد من خطورتهم الفكرية والاجتماعية، بالقتل، أو التعذيب، أو المصادرة، وغيرها من أنواع العقوبات1. وبالمثل، فإن لفظ السياسة المضاف إلى التجريم، نقصد به المكون المذهبي والعقدي للخلافتين؛ فمعارضة الحكم الفاطمي معارضة للنظرية السياسية للإمامة؛ لأن الإمام لديهم "معيَّ من عند الله بالنصوص، إما الجلية، ومعناه التي أظهرها النبي عليه السلام للأمة [...] وإما بالنصوص الخفية، وهي نص من الله ورسوله على تعيين الإمام واسمه ونسبه، وكذا في كل عصر"2. في حين يرى الأمويون، على غرار الفكر السياسي السني، أن "تعيين الإمام راجع إلى اختيار الخلق"3. وبهذا المعنى، فإن التجريم السياسي للمعارضة حاول من خلاله الفاطميون والأمويون محاصرة القوى المناوئة لمرجعية نظام الحكم ومشروعيته، وبدوافع سياسية أو مذهبية أو عقدية؛ إذ إن موضوع التجريم والمستهدفين منه هو ما حدد طبيعة ردات فعل الخلافتين إزاءه؛ للحيلولة دون شيوع المواقف الرافضة للنظرية السياسية الشيعية أو السنية في الخلافة، كما رام تنفيذها العبيديون والمروانيون، وإن لم يكن للضحايا نزوع وبواعث سياسية جلية إزاء السلطتين الزمنيتين في بلاد المغرب والأندلس.

أولً: السياق التاريخي للتجريم السيايس للمعارضة ومساقاته

استندت الفعالية السياسية في بلاد المغرب والأندلس خلال القرن 4 ه/ 10 م إلى المكون القبلي، والميول العقدية التي مثّلت "إطارًا روحيًا يضبط قواعد الضبط الاجتماعي الإسلامي الذي اندمج فيه طواعية النظام القبلي البدوي والحضري المغربي"4. وهو ما يفسر تنوع

  1. القاضي النعمان بن محمد بن منصور، افتتاح الدعوة، تحقيق فرحات الدشراوي (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1986)، ص 306، 319.
  2. عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، ج 4 (الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم الآداب، 2005)، ص 248.
  3. المرجع نفسه.
  4. كزافييه دو بلانهول، تاريخ أرض الإسلام: الأسس الجغرافية للتاريخ الإسلامي، ترجمة معاوية سعيدوني (تونس: دار الغرب الإسلامي، 2008)، ص 133  -  139.

مكونات الجغرافيا السياسية والقبلية العقدية، واختلاف الفاعلين المؤثرين في المجال والحقبة المذكورين؛ حيث كان الصراع السياسي والعقدي بين الخلافة الفاطمية العبيدية الشيعية بإفريقية منذ إعلانها في عام 296 ه/ 909 م، والقيام الرسمي للخلافة الأموية الأشعرية المالكية في الأندلس في عام 316 ه/ 928 م. وبناء عليه، "فإن الصراع الأندلسي الفاطمي يكتسي [...] صبغتين متكاملتين: الأولى عسكرية، والثانية دعائية سياسية ومذهبية"5. وعُقدت في فلك ذلك الصراع الأحلافُ القبلية التي تباينت وضعيتها، بحسب الخلافة الموالية لها؛ لإنتاج التوازن السياسي والاجتماعي آنذاك، ما جعل هذا القرن يجسّد فترة الخلخلة وإعادة بناء الخريطة القبلية ببلاد المغرب والأندلس، في إطار جدلية المجتمع والسلطة والثقافة في المعيش اليومي، وتجليات ذلك من حيث "العقائد والعادات والفنون، وطرز الاندماج البيئوي مع الطبيعة والذاكرة الجماعية، ونظام القرابة، وتقسيم العمل، وكل المعطيات التي تشكّل أرضية الوجود اليومي"6، في سياق سياسي وعقدي وجّه مساقات العالِم والسلطان وشيخ القبيلة. وبذلك يعكس التجريم السياسي للمعارضة الصراع بين السلطة السياسية للخلفاء والسلطة الدينية للعلماء، ما دام أن الأمر، في ظل التنافس بين الخلافتين، ارتكز على إدانة السلطتين الفاطمية والأموية لكل تمرّد اجتماعي وفكري، يحاول الأهالي من ورائه الدفاعَ عن استقلالهم الذاتي7. إن تعريف التجريم السياسي للمعارضة، وفق منظور سياقي، ينبّهنا إلى مكونات الظاهرة السيادية ببلاد المغرب والأندلس خلال القرن 4 ه/ 10 م، في علاقتها بالفاعلين المباشرين والمنفعلين، على السواء، حيث وجود دولة الخلافة، وسلطة الإمارة، والمجال الحيوي للقبيلة؛ فيكون التجريم السياسي للقوى المعارضة، بحسب ما نرومه، في مركز دائرة بنيوية معقدة المستويات تجمع بين الانشطار والانصهار؛ إذ توجد الخلافة العليا التي انشطرت إلى ثلاث خلافات: عباسية، وفاطمية، وأموية. وما يلي هذا المستوى يتشكل من إمارات مغربية محلية مثّل استقلالها الذاتي هدفًا للصراع بين الخلافتين، وتدَخُّلً غير مباشر من العباسيين عبر حلفائهم الأغالبة بإفريقية؛ فاصطدمت الرغبة في الاستقلال بالصمود في فرض السيادة الدينية والسياسية، لينبثق مفهوم التجريم المتماهي مع كل تيار معارض للفاطميين أو الأمويين. وشكّلت القبائل المكون الثالث في هذه البنية، وهدفها الذود عن الخصوصية المحلية8. وكان من تجليات ذلك الصراع الثنائي بين الخلافتين، وبتسخيرهما الزعامات القبلية المحلية ببلاد المغرب، أن أفرزا جدلً فكريًا بين الموالين للسلطتين والمعارضين لهما، إذ عملت السلطتان على توظيف أحد جيوب الخلاف بين المسلمين، والمتعلق بقضية الإمامة التي تعتبر "أعظم خلاف بين الأمة [...] إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سُلَّ على الإمامة في كل زمان"9. وتجدر الإشارة إلى التفاوت في جغرافيا التجريم السياسي للمعارضة في بلاد المغرب والأندلس خلال القرن 4 ه/ 10 م؛ حيث إن ثقل الوجود الإسماعيلي بإفريقية، مقارنة بالمغرب الأقصى، جعل كثافة إدانتهم للمعارضين تُسجَّل في المغرب الأدنى، وبالأخص في القيروان، حيث حيوية علماء المالكية هناك، في مقابل اليد الطولى للأمويين في أقصى بلاد المغرب والأندلس، وهو ما تنبّه إليه بعض الباحثين الذين تعرّضوا للتكوين الديني للنظرية السياسية في تفسير الصراع بين الأندلس وإفريقية خلال هذه الفترة10.

  1. فرحات الدشراوي، الخلافة الفاطمية بالمغرب (296 - 365 ه/ 909 - 975 م): التاريخ السياسي والمؤسسات، ترجمة حمادي الساحلي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994)، ص 334.
  2. محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح (الدار البيضاء: مركز الإنماء القومي؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص 104.
  3. هاشم العلوي القاسمي، مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن الرابع الهجري/ منتصف القرن العاشر الميلادي، ج 2 (المحمدية: مطبعة فضالة، 1995)، ص 246، 247.
  4. المرجع نفسه، ص 247.
  5. محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق أحمد فهمي محمد، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 13.
  6. العلوي القاسمي، ج 2، ص 245؛ عبد القاهر البغدادي، الفَرق بين الفِرَق وبيان الفرقة الناجية منهم، تحقيق محمد عثمان الخشت (القاهرة: مكتبة ابن سينا، 1988)، ص 32.

وقد مرّ الصراع بين الخلافتين بمراحل استُعملت فيها وسائل الترغيب والترهيب، من قبيل السفارات الاستقطابية، كما هي الحال في عام 316 ه/ 928 م، لمّا بعث الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر (300 - 350 ه/ 913 - 961 م) القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى، لاستمالة القبائل، "فلم يلبث أن هَويت إليه أفئدة كثير من زعمائهم، بين مصحح في ولايته، مستجيب لدعوته، مغتنم لعطيته، مستعينين على مدافعة من قد هدّ ركنه من بني عبيد الله إمام الشيعة، المقتحم أرضه عليه ودونه"11. قبل أن يعمد الأمويون إلى تثبيت وجودهم العسكري بسبتة، التي اتخذوها قاعدة حربية في صراعهم ضد الفاطميين منذ عام 319 ه/ 931 م12. ويبدو أن الخلفاء الأمويين لم يكونوا مطمئنين إلى ولاء بعض شيوخ القبائل لهم؛ بسبب تقلّب مواقفهم، إذ كان عبد الرحمن الناصر "منطويًا على الحذر من بوادرهم، معتقدًا قلاهم والازورار عنهم، مقتصرًا على من أظهر مكاتبته منه وموالاته على بعد واحتراس من كيادهم، مطيّبًا لهم بالإهداء والرفد، غير مستدع لهم إلى العبور عليه ولا مستكثر منهم بالإمداد لهم"13. وإن استحدثت منهم الخلافة فرقة عسكرية ضمن جيشها، وسميت "البرابر الطنجيين"، كان من مهماتها التصدي للتدخل الفاطمي ببلاد المغرب14. أما سياق التجريم السياسي للمعارضة من لدن الفاطميين، فهو يُخفي البعد العقدي؛ إذ يجب أن نميز فيه بين مرحلتي الدعوة والدولة لدى العبيديين15، فقد استهدفت الدعاية الإسماعيلية تطويع المنطقة قبل إعلان الخلافة؛ ذلك أن "بني عبيد لما ملكوا القيروان، أظهروا تبديل مذهب أهل البلد، وأجبروا الناس على مذهبهم؛ [...] فارتاع أهل البلد من ذلك"16، و"منعوا من بث العلم، وسجنوا العلماء في دورهم"17. وقد كان لذلك أثر جلي في المشهد الديني بإفريقية منذ أول حملة عسكرية تمشيطية في عام 298 ه/ 910 م، وبعدها حملة مصالة بن حبوس المكناسي منذ عام 305 ه/ 917 م التي استهدفت تاهرت الرستمية الإباضية، ونكور بني صالح وفاس الإدريسية السنيتين، وسجلماسة المدرارية الخارجية، مناصَ ا في ذلك من لدن موسى بن أبي العافية الذي كان مواليًا للفاطميين، قبل دخوله في طاعة الأمويين في عام 319 ه/ 932 م، وكانت غاية الفاطميين من تلك الحملات محاولة عزل الأندلس عن بلاد المغرب18. وفي الحملة الثانية لمصالة بن حبوس، في عام 309 ه/ 921 م، ستبرز المواقف التجريمية للفاطميين من معارضيهم ببلاد المغرب، فقد اعتَقل ابنُ حبوس الأميرَ يحيى بن إدريس وصادر أمواله، خوفًا من زعامته السياسية والروحية، وانتمائه إلى الأدارسة الشيعة الزيدية19، الأمر الذي جعل الفاطميين يحاربون إمارة مثّلت لهم "معارضة سياسية وعقدية"، واكتسبت مشروعيتها من مبايعة الأهالي

  1. أبو مروان بن حيان، المقتبس، تحقيق ب. شالميتا وف. كورينطي وم. صبح، ج 5 (مدريد: المعهد الإسباني العربي للثقافة؛ الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1979)، ص 256.
  2. أبو العباس أحمد بن محمد بن عذاري، البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب، تحقيق بشار عواد معروف ومحمود بشار عواد، مج 2 (تونس: دار الغرب الإسلامي، 2013)، ص 187.
  3. أبو مروان بن حيان، المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق عبد الرحمن علي الحجي (بيروت: دار الثقافة، 1965)، ص 190.
  4. ابن حيان، المقتبس، تحقيق شالميتا وكورينطي وصبح، ص 88.
  5. بوبة مجاني، الإسماعيليون في بلاد المغرب العربي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2014)، ص 13  -  50.
  6. عبد الرحمن الدباغ، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور ومحمد ماضور، ج 2 (القاهرة: مكتبة الخانجي؛ تونس: المكتبة العتيقة، [د. ت.])، ص 298.
  7. المرجع نفسه، ج 3، ص 39.
  8. القاضي النعمان، ص 276  -  282.
  9. العلوي القاسمي، ج 2، ص 252؛ أبو الحسن الأشعري، مق لات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1 (بيروت: المكتبة العصرية، 1990)، ص 136؛ البغدادي، ص 36. والزيدية يقولون بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في أيام خروجه، وكان ذلك في عهد هشام بن عبد الملك (71 - 125 ه/ 691 - 743 م.)

لأمرائها، فتحولت إلى سلطة حاكمة منذ النصف الثاني من القرن 2 ه/ 8 م؛ ف "الضربة التي وجّهها الجيش العبيدي الفاطمي، بقيادة مصالة بن حبوس، لأدارسة فاس، أعطت تشتت الأمراء ورجال دولة قائمة ولو في فترة ضعفها وملاحقتهم في كل مكان"20، ولا سيما أن قيام إمارة الأدارسة ورسوخها بالمغرب اعتمدا على تكييف الهياكل الاجتماعية المحلية أكثر من الاقتصار على الأسس المذهبية؛ إذ "تطورت الإمارة الإدريسية تطورًا قبليًا ولم تتطور تطورًا مذهبيًا، وما تعرض النظام القبلي لهزة اجتماعية إلا وتعرضت الإمارة الإدريسية للنتائج نفسها"21. وفي الوقت الذي تزايد فيه النفوذ البحري للبيزنطيين شرق البحر الرومي، والنورماندي غربه، وانشغال الخلافتين بهما، اقتصر الفاطميون والأمويون على التأديب الجماعي للمعارضة القبلية ببلاد المغرب؛ لردع "الانفعال الاجتماعي" والتمردات عبر حملات التهدئة، ومواجهة "بؤر الفكر السياسي"22، في ظل تعدد المذاهب والعقائد، وخضوع بلاد المغرب والأندلس، وقتئذ، لثلاثة تيارات كبرى مؤثرة سياسيًا وفكريًا: الخوارج، والسنة، والشيعة، مع وجود جيوب عقدية أخرى كالاعتزال23. اضطرت الخلافتان إلى المراهنة على الدعاية؛ لكسب المشروعية من خلال توفير العدالة والأمن الاجتماعيين، في إطار الترغيب الذي يسبق الترهيب والتجريم السياسي للمعارضين. فأبو عبد الله الشيعي (ت. 298 ه/ 910 م) لما استقر برقادة، وبعد القضاء على الأغالبة، "أمر مناديًا فنادى بالقيروان بالأمان التام للعامة ورجوع من كان تنحى عن وطنه إليه، فرجع الناس إلى أوطانهم وقرّوا في قرارهم، وأخرج العمال إلى البلدان ونادى فيها بالأمان وبطلب أهل الدعارة والفساد، فأنكاهم عقوبة، فسكنت الدهماء، وأمنت السبل، ومشت السيارة، وخاف أهل الأذى والدعارة، وقتلوا حيث ما ثقفوا، وطلبوا أين توجهوا، وأمر بقطع شرب المسكر وكل ما ظهر من المنكر، ونشر العدل وأذاعه، واستوت الأمور واعتدلت، واشتدت المملكة وقويت، وأمن كل خائف"24. وهو الخطاب نفسه الذي روجت له الخلافة الأموية التي جعلت من الأمن الاجتماعي والنفسي قاعدة لمشروعيتها الدينية والسياسية؛ فقد استغل الخليفة الناصر مناسبة استقباله السفير البيزنطي بقرطبة، ليدفع المنذر بن سعيد البلوطي (ت. 255 ه/ 965 م)؛ لإبراز المجهود الأمني بالأندلس، والتعريض في الوقت ذاته بالفاطميين. ومما جاء في خطبة البلوطي: "وإني أذكّركم بأيام الله عندكم، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمّت شعثكم، بعد أن كنتم قليلً فكثركم، ومستضعفين فقواكم، ومستذلين فنصركم! ولّه الله رعايتكم، وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحطت بكم شعُل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير، من ضيق الحال ونكد العيش والتقتير! فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد العافية بعد استيطان البلاء. أنشدكم الله - معاشر الملأ! - ألم تكن الدماء مسفوكة فحنقها؟ والسبل مخوفة فأمنها؟ والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها؟ ألم تكن البلاد خرابًا فعمرها؟ وثغور المسلمين مهتضمة فحماها وزهّرها؟"25. داعيًا إلى تجديد الولاء السياسي والمذهبي للخلافة الأموية؛ لأن في "التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها، حفظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء، وأن بقوام الطاعة تقام الحدود، وتوفى العهود، وبها وصلت الأرحام، وصحت الأحكام، وبها سد الله الخلل، وآمن السبل، ووطأ الأكناف، ورفع الاختلاف"26.

  1. العلوي القاسمي، ج 2، ص 244.
  2. المرجع نفسه، ص 255.
  3. المرجع نفسه، ص 242.
  4. محمود إسماعيل، الأدارسة في المغرب الأقصى (172 - 375 ه): حقائق جديدة (الكويت: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 1989)، ص  49 - 69؛ محمد الطالبي، الدولة الأغلبية: التاريخ السياسي، 184 - 296 ه/ 800 - 909 م، ترجمة المنجي الصيادي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1995)، ص 631  -  788.
  5. القاضي النعمان، ص 246، 247. انظر نص "كتاب الأمان" و"كتاب العدل"، ص 253  -  257، 270  -  275.
  6. أبو الحسن النباهي، المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1983)، ص 67.
  7. المرجع نفسه، ص 68.

إن مدخلات التجريم السياسي للمعارضة ومخرجاته، وفق سياق بلاد المغرب والأندلس خلال القرن 4 ه/  10 م، تكمن أساسًا في الصراع بين بنية السلطة لدى الخلافتين وبنية القبيلة ببلاد المغرب؛ فإذا كان العبيديون والأمويون يتنافسون لبسط سيادتهم على المجال المذكور، ونشر عقيدتيهم، فإن مرامي زعماء القبائل والعلماء تستهدف المحافظة على الاستقلال المجالي والاجتماعي والفكري، ومن ثم كان الصراع بين البعد الوحدوي الكلي (الخلافة) والبعد التنظيمي المحلي (القبيلة)، فأدى إلى ممارسة الخلافتين عنفًا ماديًا ورمزيًا، تعددت أشكاله ووظائفه في حق كل مناوئ لهما.

ثانيًا: أثر التجريم السيايس للمعارضة في المعيش اليومي

كان لهذه المرحلة التي اتسمت بالصراع السياسي والعقدي تجليات فكرية، منها وجود العلماء الراسخين في علم الجدل والمناظرات، ولا سيما الذين تولوا الخطط الدينية والإدارية منهم، والذين تعرّضوا لمحن؛ بسبب مخالفتهم لعقيدة إحدى السلطتين، فكان ذلك داعيًا إلى متابعتهم، والتضييق عليهم في معيشهم اليومي27.

1. التدابير الأمنية للخلافة الفاطمية إزاء المعارضة

تعدّ المسألة الأمنية من النظم التي حظيت باهتمام الفاطميين بإفريقية، لما لها من دور في كبح جماح المعارضين للمشروع العقدي العبيدي؛ لذلك، طبّق متولّو تلك الخطط مشروع السلطة؛ للدفاع عن مشروعيتها في الحكم، من خلال ما أ وكل إليهم من اختصاصات واسعة ومتداخلة28. والمتتبع للمعجم الدلالي لتلك النظم يقف على تعددها. فقد سُميت الشرطة، وعامل المعونة الذي كان يوجد في الأقاليم خارج العاصمة، وتكمن مهمته في "معونة أهل الأحكام من القضاة وأصحاب المظالم والدواوين في تنفيذ أحكامهم في حبس من أمروا بحبسه، وإطلاق من رأوا إطلاقه، وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه"29. أما ليلً، فالمسؤولية الأمنية بالمدن كانت من اختصاص الأعوان والعسس المكلفين بتأمين الدروب والأحياء، مستعينين في ذلك بالكلاب، وشملت وظيفتهم الأمنية أيضًا مطاردة رموز المعارضة؛ فالمنصور الفاطمي (386 - 411 ه/ 996 - 1020 م) استخدم هؤلاء لتعقّب "صاحب الحمار"؛ حتى يحُولوا دون وصول المؤونة إليه في قلعة كيانة التي حوصر بها30. أما "الدوارة"، فهم صنف آخر من الشرطة يوكل إليهم، بأمر من الخليفة العبيدي أو من أحد ولاته، تعقّب المعارضين للدولة ومذهبها، مثل الشعراء الذين هجا أحدهم الخليفة المعز لدين الله، فنكّل به31. وبتأملنا ما سبق، يظهر أن صاحب الشرطة لدى الفاطميين بإفريقية قد ارتبطت وظائفه عمومًا بالنظر في الجرائم، وتنفيذ العقوبات، ومنها تلك التي تدخل في نطاق التحقيق، والتأكد من مخالفة المذهب الشيعي32، إما امتثالً لتعليمات الخلفاء أو لأحكام القضاة

  1. القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق محمد بن شريفة، ج 5 (المحمدية: مطبعة فضالة، 1982)، ص 98  -  99.
  2. الدشراوي، ص 583  -  608.
  3. قدامة بن جعفر، الدواوين من كتاب الخراج وصناعة الكتابة لقدامة بن جعفر الكاتب، دراسة وتحقيق مصطفى الحياري (عمان: الجامعة الأردنية، 1986)، ص 18.
  4. إدريس عماد الدين القرشي، عيون الأخبار وفنون الآثار، تحقيق مصطفى غالب (بيروت: دار الأندلس، 1984)، ص 423.
  5. أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي، رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم، تحقيق بشير البكوش، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994)، ص 298، 498.
  6. المرجع نفسه، ص 137  -  138.

الإسماعيلية، وإما تنفيذًا لأوامر "صاحب المحرس" أو "صاحب الخبر" المكلف بالأمن العام، وإبلاغ الحكام الشيعة أخبار العلماء والعامة بالمدن؛ إذ كان من بين أدواره التجسس على فقهاء المذهب المالكي33. ويبدو أن السجون الفاطمية بإفريقية كانت تقام بناء على تمييز بين الجرائم؛ إذ خصص بعضها للصوص، في مقابل مرافق يودع فيها معارضو الدولة، ومن دخل في شاكلتهم؛ فأبو جعفر أحمد بن نصر بن زياد الهواري (ت. 317 ه/ 929 م) سجن في "بيت الدم مع السراق وأصحاب الدماء [...] شهرين، ثم أخرج [...] بعد ذلك من ذلك البيت إلى البيت الذي يُحبس فيه جميع الناس"34. ومما يذكر في هذا الصدد "سجن الزيادية"35، وسجن "دار البحر"36، وسجن "الفلقة"37. ومن مظاهر تضييق العبيديين على المعارضة أنهم اتخذوا إجراءات تمكّنهم من التحكم في الحياة اليومية بالمدن38، من قبيل ضرب الأبواق ليلً في الأزقة، إيذانًا بحظر التجول، ليبدأ بعد ذلك تدخّل رجال الشرطة والعسس؛ ف "كان البوق إذا ضُ ب فمشى أحد بعد ضربه ضربوا عنقه؛ لأنه لا يمشي حينئذ إلا من يسرق أو يخرج لضرب من الفساد. فكان معد [ابن إسماعيل الأمير الفاطمي (342 - 365 ه/ 953 - 975 م)] قد ثقف البلد تثقيفًا شديدًا بالعسس والحرس والرصد الشديد"39. وكان أصحاب الشرطة ينتشرون في القيروان في مجموعات، تضم "رابطة وعساسة وكلابًا"40، فكان منهم من يترصد ب "رحبة بن أبي داود"، و"السماط على دار ابن أسود الداعي"، و"سوق ابن هشام، وعنده رصد وكلاب"41، و"بئر أم عياض"42. مكّنت هذه التغطية من تسهيل المراقبة، وهو ما تفسّ ه صكوك الاتهام التي حررها بنو عبيد ضد رموز المعارضة؛ إذ "كان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام والتستر، كأنهم ذمة، تجري عليهم في أكثر الأيام محن شديدة"43. دليلنا في ذلك أن أبا الحسن القابسي (ت. 403 ه/ 1012 م) سئل عن "عدد الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعبّاد؟ فأجاب: هم نحو أربعة آلاف رجل ليردّوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فيا حبذا لو كان رافضيًا فقط، ولكنه زنديق"44. وتؤكد الروايات العبيدية نفسها مثل تلك المتابعات، وتبرّرها بمسوغات عقدية وسياسية، فقد خصص القاضي النعمان.(ت 363 ه/ 974 م)، أحد مؤرخي الخلافة الفاطمية، فصلً ضمن كتابه افتتاح الدعوة عن "أخبار المنافقين على المهدي عليه السلام وما آلت أمورهم إليه"، و"ذكر من نكث في ذلك الوقت من أهل إفريقية ممن أَعطَى الأمان وعقوبتهم على النكث والعدوان "45. وأدرج

  1. محمد بن حارث الخشني، أخبار الفقهاء والمحدثين، تحقيق ماريا لويسا آبيلا ولويس مولينا (مدريد: المجلس الأعلى للأبحاث العلمية؛ معهد التعاون مع العالم العربي، 1991)، ص 231.
  2. الدباغ، ج 3، ص 8.
  3. المالكي، ج 2، ص 476.
  4. الدباغ، ج 3، ص 40.
  5. المرجع نفسه، ص 46.
  6. محمد الصالح مرمول، السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الإسلامي (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1983)، ص 155.
  7. المالكي، ج 2، ص 487.
  8. المرجع نفسه، ص 488.
  9. المرجع نفسه.
  10. المرجع نفسه.
  11. القاضي عياض، ج 5، ص 300.
  12. أبو الحسن القابسي، فتاوى أبي الحسن القابسي، تحقيق الحسين أكروم، ج 2 (الرباط: دار أبي رقراق، 2017)، ص 427.
  13. القاضي النعمان، ص 306، 319. وتمثل مؤلفات القاضي النعمان أنموذجًا للخطاب المدافع عن النظرية العقدية والسياسية للفاطميين في بلاد المغرب والأندلس؛ لأنه ممن أوكل إليهم نقل العلم إلى "المؤمنين"، نيابة عن "الأئمة"، نذكر من ذلك افتتاح الدعوة، ودعائم الإسلام، وتأويل الدعائم، والهمة في آداب اتباع الأئمة، واختلاف أصول المذاهب.

في المجالس والمسايراتفصلً، نعت فيه الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر ب "الخاسر"، في مقابل تلقيب المعز الفاطمي ب "أمير المؤمنين"46. وهو ما يبرّر الإمعان في التنكيل بالمالكية الذين توبعوا بسبب معارضتهم لعقيدة السلطة، فأوذوا في "أموالهم [...] وقتل من قتل منهم في مصيرهم وبين جماعتهم"47. لقد كثرت العقوبات وتنوعت، وغدا للخليفة الفاطمي صلاحيات واسعة، وسلطة تقديرية في تكييف التّهم والجرائم؛ حتى يسهل تنزيل الأحكام وفق المنظور العقدي للخلافة؛ ذلك أنه لما "التأث أمر المغرب، أخرج [عبيد الله المهدي الشيعي (296 - 322 ه/ 908 - 933 م]) إليه القائم، فأصلحه، ودمّر من نجم فيه، وانصرف بعد بلوغه ما أراده، ورُف ع أن قومًا ممن أجاب دعوته مراقون عن الدين، واستحلوا المحارم ورفضوا الظاهر، فعاقبهم على قدر ذنوبهم، فقتل قومًا منهم، وسجن آخرين، وخلّدهم في المحابس مصفدين إلى أن فنوا عن آخرهم، ومحَّص المؤمنين، وأغلق باب رحمته مدة من السنين"48. ويُعد أبو إسحاق بن البرذون (ت. 297 ه/ 909 م) أنموذجًا للعلماء المعارضين للعبيديين، ما جعله عرضة للتعذيب على أيديهم، فقد عُرف عنه "الذب عن مذهب مالك بن أنس"49، وهو ما جيّش عليه بطش الفاطميين الشيعة الذين استفزتهم جهوده المذهبية تلك؛ إذ "كان شديد التحكك للعراقيين والمناقضة والملاحاة لهم، فدارت عليه بذلك دوائر دولتهم، ضُ ب بالسياط مرة أيام الصديني القاضي، ثم سعى عليه العراقيون عند دخول الشيعي القيرواني [...] وكانت الشيعة بالقيروان تميل إلى أهل العراق لموافقتهم إياهم في مسألة التفضيل، ورخصة مذهبهم، ورفعوا عليه [وعلى ابن هذيل] لأبي عبد الله الشيعي [...] أنهما يطعنان في دولته، ولا يفضلان عليًا [...] فحبسهما، ثم أمر عامل القيروان [...] بضرب ابن هذيل خمسمائة سوط، وبضرب رقبة ابن البرذون"50. غير أن العامل أخطأ في العقوبة، "فضرب ابن البرذون، وقتل ابن هذيل، ثم تنبه من الغد فقتله"51، بعد أن استتابه حتى يرجع عن إسلامه السني فرفض، "ثم ربطت أجسامهما بالحبال، وجرتهما البغال مكشوفين بالقيروان، وصلبا نحو ثلاثة أيام، ثم أنزلا ودفنا"52. إن السياق الذي حصل فيه هذا التنكيل ليجلي طبيعة التجريم السياسي للمعارضة؛ لأن إعدام العال مين المذكورين تمّ عقب دخول الفاطميين القيروان، وهو ما يعني أن العبيديين أرادوا سن تشريع يحدد الضوابط العقدية التي إذا خالفها العلماء وزعماء القبائل والعامة أُدرجوا في خانة المعارضين للسلطة والمهددين لأمنها، وهو ما تؤكده ملابسات هذه الواقعة، فقد نعت عاملُ القيروان ابنَ البرذون ب "الخنزير" إمعانًا في الإذلال النفسي، وأن خدَمة الدولة الفاطمية أتوا به رفقة ابن هذيل إلى زعيمهم عبيد الله المهدي يريدون منهما الإقرار برسالته فأبيا؛ "فأمر عبيد الله بذبحهما وربطهما إلى أذناب البغال"53، في محاولة منه لوأد المعارضة السياسية في مهدها، بعدما كانا قد تلقيا من المهدية كتابًا من العبيديين يخيَّان فيه بين الدخول في الدعوة الفاطمية أو التعذيب حتى الموت فأبيا، فرد عبيد الله الشيعي على ذلك الرفض بقوله: "ما جعل الله لي ولا لأحد أن يعطيهم ما منعهم الله [...] فمن يأتي بما يكره الإمام التقي، كان سبيله سبيل أهل الذمة، إذا أبانوا ما في قلوبهم من بغض النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسعنا فيهم إلا القتل"54.

  1. القاضي النعمان بن محمد بن منصور، المجالس والمسايرات، تحقيق الحبيب الفقي وإبراهيم شبوح ومحمد اليعلاوي (بيروت: دار المنتظر، 1996)، ص 164.
  2. القاضي النعمان، افتتاح الدعوة، ص 323.
  3. المرجع نفسه، ص 329.
  4. القاضي عياض، ج 5، ص 117.
  5. المرجع نفسه، ص 118.
  6. المرجع نفسه، ص 118.
  7. المرجع نفسه، ص 119.
  8. المرجع نفسه، ص 120.
  9. المرجع نفسه.

وإذا كان ابن البرذون، وغيره من العلماء، قد صمد في وجه الفاطميين، فإن أخاه عبد المالك قد انخرط، على العكس من ذلك، في سلكهم؛ فقد كان شافعي المذهب قبل أن يتشيع55. وهكذا يتبين الأثر العقدي في تعامل السلطة الفاطمية مع المعارضة السنية، وإدراجه رموزها ضمن أهل الذمة، ويبرر في الوقت نفسه تشددها في ضبط المشهد الديني بإفريقية؛ إذ "منع عبيد الله في هذا الحين الفقهاء أن يفتوا بمذهب مالك، وأمرهم ألا يفتوا إلا بمذهبهم الذي ينسبونه إلى جعفر بن محمد، ويسمونه مذهب أهل البيت، من سقوط طلاق البتة، وإحاطة البنات بالميراث، وغير ذلك، وغلظ الأمر على المالكية من هذا الحيز، ومُنعوا من التحليق والفتيا، فكان من يأخذ منهم ويتذاكر معهم، إنما يكون سرًا، وعلى حال خوف ورقبة"56. وفي عام 308 ه/ 920 م نالت العقوبة من حسين بن مفرج الذي يعتبر ممن "امتحن من المدنيين على يد ابن عبدون القاضي، فضم هو وأبو عبد الله السدري [...] إلى المهدية، فضربا ثم قتلا ثم صلبا، لكلام حفظ عنهما في الشيعي"57(. أما أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح الحداد.(ت 330 ه/ 941 م)، من أهل القيروان، الذي أسهم في تفعيل "المقاومة الجدلية" ضد بني عبيد، معوّلً في ذلك على "الاختبار، والنظر، والمناظرة [...] عالمًا بالفقه [...] والرد على الفِرَق، ومن أدهى الناس وأعرفهم في ما اختلفوا فيه "58، فقد كادت مناظراته لقادة الفاطميين أن تودي بحياته، لولا قوة أفكاره التي مكّنته من الاستماتة في وجه علمائهم وقادتهم الدعويين؛ "فقد ناظرهم مناظرة القرين المساوي، لا بل مناظرة المتعزز المتعالي، لم يحجم لهيبة سلطان، ولا خاف ما خيف عليه من سطوتهم"59. وقد تعددت القضايا التي ناظر فيها العبيديين، وبمحضر أبي عبيد الله الشيعي، في جوانب سياسية مثل ولاية الإمام علي كرم الله وجهه، و"أن محمدًا ليس بخاتم النبيئين"، و"أن أصحاب محمد يرتدون بعده"، وصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي عليه السلام60. وكانت قوة شكيمة ابن حداد في الدفاع عن الإسلام السني هو ما اعتبر جريمةً قدَح من خلالها الفاطميون فيه؛ فقد ناظر يومًا داعي العبيديين، "فغضب من كلامه رجل من كتّابه، يلقب بشيخ المشايخ، وقام له بالرمح، فكفه عنه بعض من حضر ذلك المجلس، وقال له: شيخ كبير ومبارك، ثم عطف على أبي عثمان فقال له: يا شيخ لا تغضب، هذا الشيخ أتدري كم يغضب لغضبه؟ اثنا عشر ألف سيف، فقال له أبو عثمان: لكن أنا يغضب لي الواحد القهار، الذي أهلك عادًا وثمودًا"61. ومن ثم نتبين المكانة الاجتماعية التي كانت لابن الحداد في مجتمع لم يتوانَ حكامه في المتابعة السياسية لمخالفيهم في العقيدة، إلى درجة أن الأمير العبيدي ضحّى بأقرب خدَمه لما أقر هذا الأخير برمزية ابن الحداد في القيروان إعجابًا به؛ لأن ذلك يعتبر جريمة تستوجب القتل، لكونه أعلى من قيمة من يعارض عقيدة السلطة62. وعمد الفاطميون إلى التجسس على مخالفيهم، والتضييق عليهم في نشر العلم، ومنهم ابن الحداد نفسه الذي كان تحت مراقبة الشرطة العبيدية، وبإيعاز من عامل القيروان، فبينما هو جالس مرة في "أسطوانه، إذ مر به صاحب المحرس، فنظر إليه وحوْله جلساؤه، وزال عنه، فقال بعضهم: إنما مر إلى العامل يخبره خبرك واجتماع الناس عندك"63.

  1. المرجع نفسه، ص 121.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص 131.
  4. المرجع نفسه، ص 78، 79.
  5. المرجع نفسه، ص 82.
  6. المرجع نفسه، ص 82 - 84؛ إبراهيم التهامي، جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة (بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، 2005)، ص 325  -  337.
  7. القاضي عياض، ج 5، ص 84.
  8. المرجع نفسه، ص 85.
  9. المرجع نفسه، ص 87.

وهكذا يتضح نوع القضايا التي كان العبيديون يتابعون بسببها العلماء المالكية، وهي تعبير عن صراع بين السلطة ومعارضيها، واستوجبت تجريمًا سياسيًا من الشيعة. ولم يكن أبو جعفر أحمد بن نصر بن زياد الهواري (ت. 317 ه/ 929 م) أقل شأنًا في هذا الصدد من ابن الحداد، فمبعث جريمته هو استماتته أيضًا في الدفاع عن المذهب المالكي؛ ولذلك لحقته المحنة في عام 308 ه/ 920 م، سجن على إثرها مع جملة من العلماء؛ إذ إنه "كان يجلس في مسجد رحبة القرشيين، وكان يجلس إليه من أتاه فخطر به صاحب المحرس يومًا، ومعه بعض المشارقة [الشيعة ببلاد المغرب]، فاستفظعوا جلوسه واجتماع الناس حوله، فوكل صاحب المحرس عليه وعلى من كان معه الشرط [...] فصار إلى ابن أبي المنهال [القاضي] فأرسل إليه جماعة من أعوانه، فوقفوا عليه، ثم أمر به إلى السجن، من غير أن يدخل عليه"64. إن السبب في هذه الملاحقة هو الانتصاب لتدريس علوم تجيّش المعارضة الفكرية ضد السلطة الرسمية وعقيدتها، وهو ما يفسر التشديد والعقاب الذي تعرّض له ابن زياد الهواري، وغيره من أهالي القيروان، على يد القاضي الذي "استنطقهم رجلً رجلً، ثم كتب بخبرهم إلى عبيد الله، فأعرض عبيد الله عن خبرهم، فبقي في السجن"65 مدة، قبل إطلاق سراحه. وحين توفي صلُي عليه سرًا في داره؛ توقيًا من بطش "قضاة الوقت" الفاطميين66، ومنهم محمد بن عمر المروزي الذي عُرف بتعذيبه لرموز المذهب المالكي بإفريقية، فرادى وجماعات، حتى اقترن اسمه بالمحن التي استهدف من خلالها أهالي القيروان؛ إذ "كان له تشيع قديم ونظر في الفقه من قول الأئمة، وجعل إليه تولية القضاة والحكام بسائر البلدان"67. ويعتبر أبو القاسم محمد بن محمد بن خالد القيسي الطرزي (ت. 317 ه/ 929 م)، والي المظالم، ممن "امتحن على يد المروزي قاضي الشيعة، ضربه في الجامع على رأس الناس، وحبسه مع أهل الجرائم، وفعل ذلك المروزي بجماعة من رجال المدنيين ومن يحسب في جملتهم [...] وقوم مرابطين من أهل تونس"68، منهم أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون (ت. بعد 306 ه/ 918 م)، الذي نال حظه من القاضي المذكور الذي هدده بالتصفية وأشبعه ضربًا69. وكذلك فعل أبو عبيد الله الشيعي بأحمد بن أحمد بن زياد الفارسي (ت. بعد 316 ه/ 928 م) الذي كتب في عقد صداق شرطًا مخالفًا لرأي الشيعة؛ ف "ضربه بالعصا بطحًا"70. وبالمثل جرى لأبي جعفر أحمد القصري (ت. 322 ه/ 933 م) الذي آخذه القاضي الصديني الذي "حبسه بسبب أنه [...] ينتقص أبا حنيفة"71. أما أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم (ت. 333 ه/ 944 م) فقد "دارت عليه محنة الشيعي، حبسه وقيده مع ابنه مدة بسبب بني الأغلب والتهمة في السلطان"72، شأنه شأن كثير ممن "سجن أيضًا في أيام المشارقة"73. وتماديًا في تجريم المعارضة، عمد الفاطميون إلى التأكد من الشعائر الفردية للأهالي، واختبار مدى توافقها مع المذهب الرسمي للسلطة وعقيدتها، تحت طائلة التعذيب؛ فكان التجريم بسبب مخالفة بعضهم الفرائض الدينية، كما حددها الإمام العبيدي، حيث

  1. المرجع نفسه، ص 96  -  97.
  2. المرجع نفسه، ص 97.
  3. المرجع نفسه.
  4. القاضي النعمان، افتتاح الدعوة، ص 247؛ مجاني، ص 60  -  67، 72.
  5. القاضي عياض، ج 5، ص 105.
  6. المرجع نفسه، ص 108  -  109.
  7. المرجع نفسه، ص 113.
  8. المرجع نفسه، ص 138.
  9. المرجع نفسه، ص 324.
  10. المرجع نفسه، ج 6، ص 26.

تحوّل التعبد غير المطابق لمذهب السلطة إلى جريمة تستوجب المتابعة. فمحمد بن سليمان القطان "امتُحن على يد المروزي قاضي الشيعة، رُفع إليه أنه ينتقصه ويطعن في أحكامه، هو وآخر من أصحابه يُعرف بأحمد النجار [...] فأحضرهما إلى الجامع، وقال لابن سليمان: شهد عندي العدول أنك تنتقص أمير المؤمنين، وتطعن في إمامته، فضربه ثلاثمائة درة. وقال لأحمد النجار: ثبت عندي أنك صمتَ يوم الفطر ولم تفطر بإفطار أمير المؤمنين ردًا عليه. وذلك أن الشيعة تصوم قبل رمضان بيوم، وتفطر قبل الناس بيوم"74. أما أبو بكر محمد بن اللباد (ت. 333 ه/ 944 م)، فقد قاطع إحدى صلوات الجنازة؛ بسبب إمامة ابن أبي المنهال، قاضي الفاطميين، لها، فأغرى العبيديون هذا الأخير به، "فوجّه وراءه في جماعة منهم [...] وعقد عليه محضرًا بشهادة القوم، بفتحه بابه، وانتصابه للفتوى [...] بخلاف مذهب أمير المؤمنين، وأنه يلبس السواد، ويخطب في الأعياد، و[يدعو] لبني أمية [...] فأمر ابن أبي المنهال بسجنه[...] فأقام مسجونًا [حتى تشفع له ابن أخيه لدى القاضي] على ألا يفتي ولا يجتمع إليه الناس، ولا يفتي إلا بمذهب السلطان"75. ويبدو أنه لم يلتزم ذلك؛ إذ كان يخرج إلى المسجد، "فيأتي الطلبة بابه، فتفتح لهم خادمة، فإذا اجتمعوا أتته، فيدخل، وتغلق عليهم فيقرأون [...] وكانوا ربما جعلوا الكتب في أوساطهم حتى تبتل بأعراقهم، فأقاموا على ذلك إلى أن توفي"76. وقد سخّرت السلطة العبيدية علماءها للتنقيص من نظرائهم المالكية في المجالس العلمية؛ فمحمد بن مسرور الإبزاري (ت. 295 ه/ 907 م) كان ضريرًا ويعاني تعقف أصابع يديه، فكان "بعض فقهاء العراق بالقيروان، إذا جلس مع أصحابه يمد يديه، ويعقف أصابعه، يحيكه إذا تكلّم في حلقته، ليضحك أصحابه"77. ولم يسلم المتصوفة من ملاحقات الفاطميين، غير أن هؤلاء تهيّبوا من السلطة الروحية للأولياء، ولذلك كان تجريمهم لهم أقل مما ألحقوه بالعلماء. ولنا في حالة أبي عثمان سعدون بن أحمد الخولاني (ت. بعد 324 ه/  935 م) ما يؤكد ذلك؛ إذ كان "يخرج في الحراسة والبروز على الحصون، فربما خرج في أربعة آلاف خباء ممن يجتمع إليه، حتى خافت منه الشيعة"78. وهكذا تتضح مظاهر التجريم السياسي الذي نهجه الفاطميون ضد مخالفيهم، والذي يجد مرجعيته في معارضة التشيع الذي اتخذوه أساسًا لسلطتهم ببلاد المغرب، فتحوّل العلماء المعارضون إلى ضحايا لحقتهم أنواع التعذيب والتنكيل؛ بسبب حرصهم على الدفاع عن المذهب المالكي السني.

2 ي. الخلافة الأموية والتجريم السياس للمعارضة

أدرك الأمويون طبيعة الصراع الذي نشب بينهم وبين العبيديين، وهو صراع لا يقتصر على الرغبة في بسط السيادة على المجال الجغرافي لبلاد المغرب والأندلس فحسب، وإنما هي حرب عقدية بين خلافتين، قامت كل واحدة منهما على رؤية عقدية ومذهبية في السياسة والمجتمع والثقافة. وتجلّ هذا المنظور لدى الأمويين منذ إعلان عبد الرحمن الناصر الخلافة السنية بقرطبة عام 316 ه/ 928 م؛ إذ دشن حملة استقطاب واسعة في صفوف زعماء القبائل الأندلسية والمغربية؛ لثنيهم عن موالاة الفاطميين، والتشهير بالمشروع العبيدي وصاحبه "عبيد الله الشيعي، المنتزي على بلد إفريقية، المضلل للناس بما شرع من بدعته الغالية، وإطفاء من نور السُّنة"79.

  1. المرجع نفسه، ج 5، ص 140.
  2. المرجع نفسه، ص 292  -  293.
  3. المرجع نفسه، ص 293  -  294.
  4. المرجع نفسه، ص 142.
  5. المرجع نفسه، ص 136.
  6. ابن حيان، المقتبس، تحقيق شالميتا وكورينطي وصبح، ص 255.

ويبدو أن هذه الخطة الدعائية مكّنت الأمويين من استمالة بعض الزعامات القبلية المحلية، "وعاظُّوا عبيد الله الشيعي، صاحب إفريقية [...] وقلّبوا مجانّهم إليه ونصبوا الحرب لرجاله، فكفكفوهم عن الإيغال في بلدهم من قاصية المغرب"80. ولا سيما أن المشروع الأموي لم يكن ليقتصر على بسط النفوذ السياسي والروحي على الغرب الإسلامي فحسب، وإنما كان طموح خلفاء قرطبة ينصبّ على المطالبة بإرث بني مروان بالمشرق81. غير أن سياسة الترغيب التي سنّها الناصر لم تُنسه التشدد في ملاحقة المعارضين المستقوين بالفاطميين. ولعل في كيفية تعامله مع عمر بن حفصون الثائر بجيان وإلبيرة ما يؤكد ذلك؛ فقد نعته الخطاب شبه الرسمي بنعوت تصبّ في التجريم السياسي لكل معارض للخلافة؛ فسمّته "الخبيث" و"الفاسق"، و"المارق"، و"اللعين"، ومن "ذوي الخلاف والمعصية"، و"المارد"، و"المرتد"82، وسميت مدينته، بُبَشتَ، التي انطلقت منها ثورته "مدينة المجرمين "83. فما كان من الناصر إلا أن شنّعليه حملة عسكرية؛ ففي عام 316 ه/  928 م فتح الناصر مدينة ببشتر، "ثم أمر بهدم المسجد الجامع الذي كان اتخذه اللعين عمر بن حفصون أول ثورته، خدعة لمن كان معه من فسقة المسلمين [...] إذ كان اللعين أسّسه على غير تقوى من الله ورضوان، [...] فسوّي بالأرض وأحرق منبره الذي حُمل عليه الدعاء للعين المرتد ونسله الخبيث، وجرى عليه ذكر وليّه عبيد الله الشيعي الذي كان علق حبله وتشبث بدعوته"84. وتواصل التجريم السياسي للمعارضة في عهد الحكَم المستنصر (350 - 366 ه/ 961 - 976 م)، فقد فرّ عبد الملك بن سميت، المعروف بخنوص، من الدولة الأموية إلى الفاطميين، فاعتقله محمد بن سليمان بن نقورة، التاجر بسواحل إفريقية في عام 361 ه/ 972 م، "فتحيل عليه هذا التاجر محمد بن سليمان، وكاتب صاحب الشرطة العليا قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس أن يوجه إليه بمركب معمر مع من يثق به؛ فأرسل نحوه مركبًا مناسبًا"85، أقلَّه، وابنه، إلى مدينة الزهراء، حيث أحيلا على صاحب المدينة بها، محمد بن أفلح؛ "وأغلظ له وأمر بضمه وضم ابنه إلى السجن بالزهراء"86. وهو السجن الذي كان يتوفّر على جناح خاص باعتقال المعارضين للخلافة الأموية، وكان يحظى بالزيارات الدورية للخلفاء؛ ففي السنة المذكورة "ركب [...] أمير المؤمنين إلى الدويرة المبتناة في هذا العام قرب سجن الزهراء في الدار المنسوبة إلى السقائين فامتحنها وثقفها من جهاتها، ثم نقل إليها من داخل السجن عبد الملك بن شعيب المعروف بخنوص الموصد في قيوده مع ابنه، وقاسم الموثق قبلهما في السجن بالاتهامبالتشريق"87، أي: التشيع للفاطميين. وأن أبا زكريا يحيى بن محمد بن زكرياء بن القطام الطليطلي (ت. 393 ه/ 1002 م)، "ذبح بعد انصرافه من صلاة العيد بالناس [...] نقم عليه بعض ولاة البلد شيئًا فقتله"88، بمعية جملة من علماء مدينة طليطلة89. وبذلك لم يخرج التجريم السياسي للمعارضة من الأمويين عما سنّه الفاطميون، لتبرير ملاحقتهم لكل من يهدد سلطتهم السياسية والمذهبية ببلاد المغرب والأندلس.

  1. المرجع نفسه، ص 256، 257.
  2. المرجع نفسه، ص 305.
  3. المرجع نفسه، ص 60  -  61، 64، 66  -  68، 220.
  4. المرجع نفسه، ص 233.
  5. المرجع نفسه، ص 219  -  220.
  6. ابن حيان، المقتبس، تحقيق الحجي، ص 86  -  87.
  7. المرجع نفسه، ص 87.
  8. المرجع نفسه، ص 88.
  9. القاضي عياض، ج 5، ص 232.
  10. الخشني، ص 379.

ثالثًا: ردة فعل العلمء ضد التجريم السيايس من السلطة

كان من الطبيعي أن يصدر عن ضحايا مثل هذا التضييق ردات فعل إزاء الخلافتين، ولا سيما الفاطمية منهما، وهي مواقف تبلورت على أساس عقدي، الأمر الذي ولّد تيارًا معارضًا منظمًا، عرف قادته ب "مشيخة القيروان"، على الرغم من التعذيب والسجن، ف "هذا يموت، وهذا يضُرب، وهذا يُسجن، وهم صابرون لا يفرون، ولو فروا لكفرت العامة دفعةً واحدة"90. وقد تعددت تلك المواقف، فقد أصر بعضهم، وهو في ساحة المعركة ضد بني عبيد وحصار المهدية، أن يقرأ كتاب الإمامة لمحمد بن سحنون91(، أو إقامة المجالس العلمية المستفزة لبني عبيد، وهو ما عرف بالقيروان وقتئذ ب "مجلس السبت"، أو رفض تولي القضاء للفاطميين، أو الصلاة وراء أئمتهم92، أو عدم تسلّم أموالهم93، حتى إن أحد العلماء فضّل رعاية البقر في مقابل بقائه بالقيروان؛ لكي لا يستغل العبيديون مكانته الرمزية؛ "فكان إذا أصبح يأخذ مصحفه في مخلاته، وعصاته، ويخرج، حتى إذا ساق البقر وأبعده عن العمارة، أقبل على قراءة القرآن؛ فإذا أقبل الليل أتى، فسلمه الله من فتنة بني عبيد، وخمل ذكره"94. أما أبو بكر عتيق بن أبي صبيح الجزيري القيرواني (من أهل القرن 4 ه/ 10 م) "فبلغ أمره بني عبيد، فرفعوه مع ابنه محمد، وطلبوهما بالدخول في دعوتهم ويليا قضاء صقلية، فأبيا، فعذبوهما شديدًا وفرقوا بينهما، ويقولون لكل واحد عن الآخر: إنه دخل في دعوتهم، فيقول لهم كل واحد عن الآخر: دعه يفعل ما يحب، لن يغني عني من الله شيئًا"95. في حين آثر غيرهما الدعاء على الفاطميين، وآل على "نفسه ألا يشبع من طعام ولا نوم، حتى يقطع الله دولة بني عبيد"96. وكان أحد العلماء يدعو عليهم بقوله: "اللهم أدخلني في شفاعة أسود رمى فيهم بحجر"97، وفي ذلك مؤشر على التيار العلمي والاجتماعي الذي عقد رموزه العزم على عدم الدخول في طاعة بني عبيد، أو التسليم لهم في أمر بلاد المغرب، والتحريض ضدهم بالدعاية لمقاطعتهم، و"ذمهم والتحذير منهم"98، وتشويه معالمهم من قبيل تسمية عاصمتهم المهدية ب "المردية" و"المهدومة"99. ويعد أبو علي حسن بن خالد البلوي (ت. 407 ه/ 1016 م) أنموذجًا آخر لتعقب الفاطميين العلماء المناوئين لهم، فقتل طعنًا بالسكاكين؛ إذ "دخل عليه قوم من المشارقة والشرط مع محمد بن لصوية [أحدهم، وهو من قبيلة كتامة]، عامل محمد بن حسن على

  1. الدباغ، ج 2، ص 292. ومن نماذج ذلك ما قام به قاضي الفاطميين بإفريقية محمد بن عمر المرودي، من تنكيل بقاضي طرابلس وقاضي صقلية ومحتسب القيروان وغيرهم، انظر: المرجع نفسه، ج 2، ص 291، 331، 348؛ ج 3، ص 10، 57. والقاضي إسحاق بن أبي المنهال في عهد أبي عبيد الله الشيعي، فهو "رجل سوء، امتُحن على يديه جماعة من الصلحاء والعلماء المدنيين؛ فضرب بعضهم، وحبس بعضهم"، منهم أبو جعفر أحمد بن نصر بن زياد الهواري (ت. 317 ه/ 929 م) الذي سجن على يديه في عام 308 ه/ 920 م مدة تسعة أشهر في المهدية، على الرغم من مرضه المزمن بالإسهال. وأبو بكر محمد بن محمد بن اللباد (ت. 333 ه/ 944 م) الذي "سجن أيامًا ثم أطلق ومنع الفتوى والاستماع واجتماع الطلبة عليه حتى توفي، وكان [منهما من] يأتيان إليه في خفية، وربما جعلا الكتب في أوساطهما وحجزتهما حتى تبتل بأعراقهما خوفًا من بني عبيد أن ينالوهم بمكروه [...] كان أصل محنته أنه صلى على جنازة استؤذن لها، وقد حضر ابن أبي المنهال القاضي بجنازة أخرى [...] فصلى أبو بكر، وصلى وراءه ابن أبي المنهال، ثم قدمت الجنازة الأخرى وصلى عليها ابن أبي المنهال فجلس أبو بكر ومد رجليه واستدبر القبلة ولم يصل وراءه؛ فشق ذلك على ابن أبي المنهال، فبعث وراءه ودار بينهما كلام في ذلك؛ فأمر بسجنه"، انظر: المرجع نفسه، ج 3، ص 8، 25، 26؛ مجاني، ص 67، 68.
  2. القاضي عياض، ج 5، ص 324.
  3. المرجع نفسه، ص 290، 292، 314.
  4. المرجع نفسه، ج 6، ص 37؛ التهامي، ص 308  -  325.
  5. القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، تراجم أغلبية مستخرجة من مدارك القاضي عياض، تحقيق محمد الطالبي (تونس: المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 1968)، ص 337.
  6. القاضي عياض، ترتيب المدارك، ج 6، ص 34.
  7. المرجع نفسه، ج 5، ص 313.
  8. المرجع نفسه، ج 6، ص 27.
  9. المرجع نفسه، ص 54، 57.
  10. المرجع نفسه، ج 5، ص 300.

القيروان [...] وهو في مسجده ومعه جماعة من الناس؛ فقتلوا أبا محمد الغرياني الفقيه، وآخر بدويًا، ظانين أنه أبو علي؛ فلما عرفوا مالوا على أبي علي بسكاكينهم، وجردوا جماعة ممن كان في المسجد فحملوا أبا علي على داره وقد وقعت فيه ثلاث جراحات، إحداها في صدغه أخذت إلى قفاه، واثنتان في جانبه الأيسر أنفذتا مقاتله، توفي في داره بعد العشاء الآخرة، وبقي دمه بالمحراب"100. ولما ثارت العامة غضبًا على مقتل الشيخ، حاول عامل القيروان استرضاءهم؛ "فجاء برجلين فقال إنهما اللذان قتلاه؛ فقتلهما"101. وفصل "صاحب المظالم" بين أبي بكر الورّاق وميمون بن عبد الهواري الشاعر الذي عيّ الوراق بالتشيع، قبل أن يقتله الفاطميون في عام 409 ه/ 1018 م102. وبالمثل راجت الكرامة والرؤيا التي بشّت بالشهادة لمن قُتل في المواجهة ضد الفاطميين، فقد رأى أحدهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أمَّنه وطمأنه103. وأن أبا الفضل العباس الممسي (ت. 334 ه/ 945 م) الذي قتله بنو عبيد، رآه من أخبر عنه أنه عاينه بعد موته، وهو في "علبة، وعليه ثياب [...] فسألته، وكان يكلمني، وكأنه يكلم قومًا معه، فقال لي: قد جمعنا الله وأصحابنا من أهل العلم، فنحن نتناظر في العلم كما ترى عند مالك بن أنس رضي الله عنه"104. وربيع القطان (ت. 334 ه/ 945 م) الذي قال عنه أحد القيروانيين: "رأيتُ ربيعًا القطان، بعد أن قتل، فسألته عن حاله، فقال لي: تارة تزخرف لنا الجنان، وتارة يشرف علينا الحور والولدان، وتارة تهتك لنا الحجُب"105. وفضلً عن ذلك، تداول المجتمع أخبار مقتل أولئك العلماء، واحتفظت الذهنية الجمعية بصور وتمثلات لضحايا العنف والتصفية الجسدية للعلماء المالكية الذين قضوا نحبهم على يد الخلافة الفاطمية، وهو ما تدل عليه قصائد الرثاء التي تعدد نظمها لهذا الغرض106. وبموازاة ذلك ناصر المالكية الحركات السياسية والعسكرية التي وقفت في وجه الفاطميين؛ إذ شارك بعضهم في ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الزناتي ضد بني عبيد107، وتكشف هول ما تعرّض له أهالي إفريقية من محن؛ بسبب إصرار غالبيتهم على عدم التشيع؛ إذ "لما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينًا الأعمى السبّاب [...] في الأسواق للسب بأسجاع لُقّنها، يتوصل منها إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم، في ألفاظ حفظها، كقوله: العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى، وغير ذلك، وعلقت رؤوس الحمر والكباش على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلقة، مكتوب فيها أسماء الصحابة، اشتد الأمر على أهل السنة؛ فمن تكلم أو تحرك قتل ومثّل به، وذلك في أيام الثالث من بني عبيد، وهو إسماعيل الملقب بالمنصور ([334 - 341 ه/ 945 - 952 م)]، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة [942 م]، فقام على بني عبيد، والناس يتمنون قائمًا عليهم، فتحرك الناس لقيامه، واستجابوا له، وفتح البلاد ودخل القيروان"108. ومما يعطي هذه الثورة أهميتها، في سياق التجريم السياسي للمعارضة ورموزها، أنها قامت على أساس عقدي؛ فابن كيداد ثار باسم الخوارج، وحتى إن سانده السنة في تمرده، فإن المسوغ هو أن كلا التيارين، الإباضي والمالكي بالقيروان، مضافًا إليهما بعض الحنفية، كان ضحية التطبيق السياسي للنظرية الشيعية في الخلافة بإفريقية؛ لذلك، "نفر الناس مع أبي يزيد [...] وخرج فيهم فقهاء القيروان وصلحاؤهم، ورأوا أن الخروج معه متعيّ لكفرهم [الفاطميون]؛ إذ هو من أهل القبلة، وقد وجدوه يقاتلونهم معه"109.

  1. الدباغ، ج 3، ص 153.
  2. المرجع نفسه، ص 154.
  3. أبو الحسن علي بن رشيق القيرواني، أنموذج الزمان في شعراء القيروان، تحقيق محمد العروسي المطوي وبشير البكوش (تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986)، ص 419  -  420.
  4. الدباغ، ج 6، ص 56.
  5. المرجع نفسه، ج 5، ص 308.
  6. المرجع نفسه، ص 319.
  7. المرجع نفسه، ص 308  -  309، 319  -  320.
  8. الدشراوي، ص 247  -  313.
  9. الدباغ، ج 5، ص 303  -  304.
  10. المرجع نفسه، ص 304؛ التهامي، ص 115.

ولذلك أظهر بعض العلماء المالكية براغماتية في التعامل مع هذا الوضع؛ إذ كان أحدهم "يشير بيده إلى أصحاب أبي يزيد: هؤلاء من أهل القبلة، وهؤلاء ليسوا من أهل القبلة، يريد بني عبيد، فعلينا أن نخرج مع هذا الذي من أهل القبلة لقتالهم؛ فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة بني يزيد، والله يسلط عليه إمامًا عادلً يخرجه عنا"110. وكانت الثورة قد رفعت في البداية خطابًا سياسيًا سنيًا، من خلال الترحم على الخليفتين الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، والحض على المذهب المالكي، لذلك سمي زعيمهم "شيخ المؤمنين"111. وتُظهر الاحتفالية الحربية التي رافقت هذه الثورة البعدَ النفسي لرموز المالكية الذين ناصروها، والانعكاسات الوجدانية التي خلّفها تجريم المعارضة من الخلافة الفاطمية؛ فقد خرج مع أبي يزيد مخلد الثائر "الفقهاء والصلحاء معلنين في الأسواق بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والرضا عن أبي بكر وعمر والصحابة حتى ركزوا بنودهم عند الجامع [...] منها بندان أصفران، مكتوب في أحدهما البسملة و’محمد رسول الله‘، وفي الآخر: ’نصر من الله وفتح قريب على يدي الشيخ أبي يزيد‘، اللهم انصر وليك على من سبَّ أولياءك"112. وزيادة في ترسيخ البعد العقدي للثورة، باعتبارها ردة فعل على مذهبية المتابعات العبيدية لأهالي القيروان السنة، كفّر ابن كيداد هؤلاء في خطبة دعائية، "أبلغ فيها، وحرض الناس على جهاد الشيعة، وأعلمهم بما لهم فيه من الثواب، ثم لعن عبيد الله الشيعي وابنه [...] فخرج وخرج الناس معه لقتال الشيعة الفجّار"113. ومن خلال برنامج الثورة وشعاراتها، تتضح مساقاتها، وسبب المعارضة المذهبية للفاطميين؛ لأن الثوار ركزوا على التوحيد والنبوة وأفضلية الخلفاء الراشدين، إلى درجة مجاملة المالكية لقائد الثورة برفع شعارات تعود إلى الخوارج الأوائل114. وقد اعتبر الفاطميون هذه الثورة "فتنة"، وأن قائدها "دجال لعين"، وتدخل ضمن الجرائم السياسية الموجهة ضد الخلافة وعقيدتها؛ فكان خلفاؤهم يذكرون "أيام الفتنة وبعضَ من كان اتبع مخلد اللعين فيها وتولاه ونزع إليه"، ويعتبرونهم من "حزب الشيطان، وحشو الجحيم وحطب النيران، من كان منهم [...] ومات على ذلك غير تائب منه، ولا راجع عنه"115. فجندوا ضدها عصبية كتامة، وعبؤوا الإمكانات المالية، حيث بلغ مقدار ما خصصوه لذلك "مائة ألف دينار واثني عشر ألف ألف درهم"116. وسخّروا ضدها دعاية واسعة ذات ميول عقدية، تكفّر ابن كيداد النكاري، حيث تليت الخطب الرسمية من "أمير المؤمنين" الفاطمي تؤكد شرعية السلطة، وتشنع ما قام به الثائر المذكور، وتعتبر "أن هذا اللعين النكاري قد استشرى أشره، واستوبأ مرتعه، وحملته الأماني الغرارة، والنفس التي هي بالسوء أمارة، على أن غمط نعمة الله عليه، وسول له الشيطان الذي هو قرينه ألا غالب له، وإنما أرخى له أمير المؤمنين في زمامه، ليعثر في فضل خطامه، فلعنه الله لعنًا وبيلً، وأخزاه خزيًا طويلً، وصيره إلى نار تلظى "117. وفي المقابل تشيد الخطبة بالولاء

  1. الدباغ، ج 5، ص 304.
  2. المرجع نفسه، ج 6، ص 73  -  74. وممن خرج مساندًا ثورة ابن كيداد: أبو الفضل الممسي، وربيع بن سليمان القطان، وأبو العرب تميم، وأبو إسحاق السبائي، وأبو عبد الملك مروان بن نصرون الزاهد، وأبو حفص عمر بن محمد العسال، وعبد الله بن محمد الشقيقي، وإبراهيم بن محمد المعروف بالعشاء الحنفي، انظر: المرجع نفسه، ج 5، ص 304، 319.
  3. ابن عذاري، مج 1، ص 229.
  4. المرجع نفسه، ص 229  -  230. ويبدو أن الانتماء العقدي قد تحكّم في التحالف الظرفي بين الخوارج والمالكية؛ إذ انقلب ابن كيداد على أنصار السنة في الثورة، وعرّضهم للفاطميين حتى يقتلوهم ويتخلص من الطرفين معًا، انظر: القاضي عياض، ج 5، ص 306  -  307.
  5. القاضي عياض، ج 5، ص 305  -  306.
  6. القاضي النعمان، المجالس، ص 72.
  7. المرجع نفسه، ص 551.
  8. منصور الجوذري، سيرة الأستاذ جوذر، تحقيق محمد كامل حسين ومحمد عبد الهادي شعيرة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1954)، ص 54.

السياسي والمذهبي لقبيلة كتامة المذكورة، لأن أهلها "خبيئة الله لهذا الحق المحمدي الفاطمي المهدي حتى أظهره الله وأعلاه"، مشبهة إياهم ب "حواريي عيسى، وأنصار محمد صلى الله عليه"118.

خاتمة

وخلاصة القول إن الصراع الفاطمي - الأموي لأجل بسط النفوذ السياسي والعسكري والمذهبي على بلاد المغرب والأندلس، خلال القرن 4 ه/ 10 م، أدى إلى تجريم المعارضة من الخلافتين الشيعية والسنية؛ فاتخذ المناوئون للدولتين العبيدية بإفريقية والمروانية بالأندلس مواقف تماهى فيها المنحى السياسي مع المضمون المذهبي والعقدي؛ فانبرى شيوخ القبائل والعلماء والمتصوفة للتصدي للسلطتين المذكورتين اللتين لم تتوانيا في مواجهة تلك المعارضة، بتجريم خطابها وسلوكها تجريمًا سياسيًا، ومتابعة رموزها، وإلحاق مظاهر التعذيب بهم. وهو ما يدل على أهمية إعادة قراءة بعض المفاهيم والنظم في سياقها الحضاري ببلاد المغرب والأندلس، ويجعل من القرن 4 ه/ 10 م مفتاحًا لفهم ما أعقبه من منعطفات حضارية، حتى إن غادر العبيديون بلاد المغرب إلى مصر؛ لأنهم حرضوا بني هلال على الدولة الزيرية، لما خلع هؤلاء طاعتهم، فتحوّل الهلاليون إلى معطى بنيوي في الوقائع والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية بالمنطقة إلى نهاية العصر الوسيط؛ ما أضفى على التجريم السياسي دلالات تركيبية أشد تعقيدًا.

  1. المرجع نفسه، ص 54.

المراجع

عمان: الجامعة الأردنية، 1986.

ابن حيان، أبو مروان. المقتبس في أخبار بلد الأندلس. تحقيق عبد الرحمن علي الحجي. بيروت: دار الثقافة، 1965.

والعلوم الإنسانية، 1979.

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق عبد السلام الشدادي. الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم الآداب، 2005.

ومحمود بشار عواد. تونس: دار الغرب الإسلامي، 2013.

ابن محمد بن منصور، القاضي النعمان. افتتاح الدعوة. تحقيق فرحات الدشراوي. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1986.

.________ المجالس والمسايرات. تحقيق الحبيب الفقي وإبراهيم شبوح ومحمد اليعلاوي. بيروت: دار المنتظر، 1996.

تونس: المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 1968.

المركز الثقافي العربي، 1996.

العصرية، 1990.

التهامي، إبراهيم. جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة. بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، 2005.

العلمية؛ معهد التعاون مع العالم العربي، 1991.

الخانجي؛ تونس: المكتبة العتيقة، [د. ت.].

ابن جعفر، قدامة. الدواوين من كتاب الخراج وصناعة الكتابة لقدامة بن جعفر الكاتب. دراسة وتحقيق مصطفى الحياري..________ المقتبس. تحقيق ب. شالميتا وف. كورينطي وم. صبح. مدريد: المعهد الإسباني العربي للثقافة؛ الرباط: كلية الآداب ابن عذاري، أبو العباس أحمد بن محمد. البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب. تحقيق بشار عواد معروف ابن موسى بن عياض السبتي، القاضي عياض. تراجم أغلبية مستخرجة من مدارك القاضي عياض. تحقيق محمد الطالبي..________ ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك. تحقيق محمد بن شريفة. المحمدية: مطبعة فضالة، 1982. أركون،. محمدتاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة هاشم صالح. الدار البيضاء: مركز الإنماء القومي؛ بيروت: إسماعيل، محمود. الأدارسة في المغرب الأقصى (172 - 375 ه): حقائق جديدة. الكويت: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 1989. الأشعري، أبو الحسن. مق لات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: المكتبة البغدادي، عبد القاهر. الفَرق بين الفِرَق وبيان الفرقة الناجية منهم. تحقيق محمد عثمان الخشت. القاهرة: مكتبة ابن سينا، 1988. الجوذري، منصور. سيرة الأستاذ جوذر. تحقيق محمد كامل حسين ومحمد عبد الهادي شعيرة. القاهرة: دار الفكر العربي، 1954. الخشني، محمد بن حارث. أخبار الفقهاء والمحدثين. تحقيق ماريا لويسا آبيلا ولويس مولينا. مدريد: المجلس الأعلى للأبحاث الدباغ، عبد الرحمن. معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان. تحقيق محمد الأحمدي أبو النور ومحمد ماضور. القاهرة: مكتبة الدشراوي، فرحات. الخلافة الفاطمية بالمغرب (296 - 365 ه/ 909 - 975 م): التاريخ السياسي والمؤسسات. ترجمة حمادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994.

دو بلانهول، كزافييه. تاريخ أرض الإسلام: الأسس الجغرافية للتاريخ الإسلامي. ترجمة معاوية سعيدوني. تونس: دار الغرب الإسلامي، 2008.

الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد. الملل والنحل. تحقيق أحمد فهمي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992. الطالبي، محمد. الدولة الأغلبية: التاريخ السياسي، 184 - 296 ه/ 800 - 909 م. ترجمة المنجي الصيادي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1995.

العلوي القاسمي، هاشم. مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن الرابع الهجري/ منتصف القرن العاشر الميلادي. المحمدية: مطبعة فضالة، 1995.

القابسي، أبو الحسن. فتاوى أبي الحسن القابسي. تحقيق الحسين أكروم. الرباط: دار أبي رقراق، 2017.

القرشي، إدريس عماد الدين. عيون الأخبار وفنون الآثار. تحقيق مصطفى غالب. بيروت: دار الأندلس، 1984.

القيرواني، أبو الحسن علي بن رشيد. أنموذج الزمان في شعراء القيروان. تحقيق محمد العروسي المطوي وبشير البكوش. تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986.

المالكي، أبو بكر عبد الله بن محمد. رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم. تحقيق بشير البكوش. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994.

مجاني، بوبة. الإسماعيليون في بلاد المغرب العربي. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2014.

مرمول، محمد الصالح. السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الإسلامي. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1983. النباهي، أبو الحسن. المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1983.