ندوة أسطور: المؤرخ العربي ومصادره - مقدمة
Arab Historians And Their Sources
الملخّص
التأمت بمعهد الدوحة للدراسات العليا جماعة من الباحثين من جامعات عربية مختلفة في ثلاثة أيام لتنكب على مناقشة موضوع "المؤرخ العربي ومصادره". وقد يبدو هذا الموضوع لأول وهلة مستهلكًا؛ فما عسى هؤلاء أن يقدموا؟ غير أن تتبع أشغال الندوة بيّن أن موضوع تعامل المؤرخ مع مصادره هو موضوع متجدد بامتياز. دارت أشغال هذا اللقاء العلمي حول أربعة محاور ودراسة حالتين. ويتعلق المحور الأول بتجارب في الأرشيف، همَّت طريقة استعماله وصعوباته وأهمية الأجنبي منه في معالجة العديد من قضايا التاريخ العربي.
Abstract
On 29,30 April, Ostour – in collaboration with the Department of History at the Doha Institute for Graduate Studies – held a seminar titled Arab Historians And Their Sources in Doha, Qatar, with the participation of academics from various Arab universities. The seminar considered four main themes and two case studies. The first theme was archive experiences, the importance and difficulties of working out how to approach the archive and the importance of foreign archives to studying many topics in Arab history. The second theme was the variety of sources available to historians. The third theme was modern history. The fourth theme was otherness and sources, within which participants touched on … and travel becomes a source for writing the history of the other. The first case study was Ottoman sources and how Arab historians have approached them. The second case study was the history of Palestine. Here researchers discussed historians and researchers' approaches to sources in the history of Palestine in various periods and within various fields of study. In this issue part one of the proceedings of the seminar are made available, discussing Arab historians' experiences with the archive. Further parts will be published in later issues of Ostour .
- ندوة أسطور
- المصادر التاريخية
- فلسطين
التأمت بمعهد الدوحة للدراسات العليا جماعة من الباحثين من جامعات عربية مختلفة في ثلاثة أيام لتنكب على مناقشة موضوع "المؤرخ العربي ومصادره". وقد يبدو هذا الموضوع لأول وهلة مستهلكًا؛ فما عسى هؤلاء أن يقدموا؟ غير أن تتبع أشغال الندوة بيَّ أن موضوع تعامل المؤرخ مع مصادره هو موضوع متجدد بامتياز. دارت أشغال هذا اللقاء العلمي حول أربعة محاور ودراسة حالتين. ويتعلق المحور الأول بتجارب في الأرشيف، همَّت طريقة استعماله وصعوباته وأهمية الأجنبي منه في معالجة العديد من قضايا التاريخ العربي. ووقف المشاركون في المحور الثاني عند مسألة تعدد مصادر المؤرخ. إن كتابة التاريخ أضحت أكثر انفتاحًا على مصادر متنوعة، وتعدد المصادر يسمح بكتابة تاريخ مجالات تعذر على الباحثين مقاربتها من خلال المصادر المسماة "تقليدية". ففي هذا المحور، عولج موضوع تاريخ الضحك في المجال العربي، والنكتة باعتبارها تعبيرًا رمزيًا دفينًا يحتلّ مساحة واسعة في المخزون الثقافي للمجتمع العربي وقيمه وتقاليده وأعرافه. ووقف بحث آخر عند أهمية الأرشيف الفوتوغرافي في كتابة تاريخ فلسطين في العصر الحديث. وقد بيَّ البحث كيف استُعملت الصورة في بناء سرديات مختلفة ومتناقضة حول تاريخ فلسطين. وفي المحور نفسه، وقف بحث آخر عند أهمية الأدب الشعبي في كتابة التاريخ السياسي والاجتماعي للحركة الوطنية في تونس. أما المحور الثالث فقد عرض فيه المتدخلون لكيفية معالجة إشكالية المصدر في حقل بحثي جديد انفتح عليه مؤرخو البلاد العربية مؤخرًا؛ إذ يتعلق الأمر بتاريخ الزمن الراهن. لقد كان من العوائق الكبيرة في هذا الحقل "أنه تاريخ من دون مصادر أرشيفية"، وهو ما يعتبر حجة للمناهضين لهذا الحقل التاريخي، وقد اصطدم مؤرخو الزمن الراهن بالعقبات القانونية التي لا تسمح للمؤرخ بالاطلاع على الوثائق قبل مضيّ نحو 30 سنة إلى 50 سنة، وفي بعض الحالات مئة سنة، وهو ما يجعل الباحث يتوجه إلى التعويض عن هذا النقص بالاستناد إلى الوثائق الخاصة والمذكرات والرواية الشفوية. بيد أن هذا الاستناد تواجهه مشكلات جمة تتمثل أساسًا في انتقائيتها وتضاربها؛ ما يجعل السؤال الذي انطلق منه الباحث في بداية بحثه مشروعًا، فأيهما أسبق من الآخر؛ السؤال قبل المدونة المصدرية أم العكس؟ وقد توقف الباحث عند هذا الإشكال فنبه إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر في التعامل مع بعض هذه المصادر، وانتبهت باحثة أخرى إلى أهمية تنويع النصوص وعرضت لتاريخ الجزائر الراهن متنقلةً بين الصحافة، من خلال الوقوف عند نموذجين من الصحافة الجزائرية الناطقة باللغة العربية، والحالة المدنية المتمثلة في دراسة عقود عدلية؛ من أجل تحديد الشبكات الحرفية في قسنطينة. وفي الاتجاه نفسه، عالج باحث آخر إشكالية التنوع والتوظيف في مصادر الثورة المهدية بالسودان، وأكد أهمية المنهج البحثي الذي يعين المؤرخ في توظيف المصادر التاريخية توظيفًا موضوعيًا. أما المحور الرابع من هذه الندوة فناقش فيه المشاركون موضوع الغيرية والمصادر. وتعرضوا في إطاره للكتابات الرحلية عندما تتصدر الرحلة مدونة المؤرخ، وتصبح الرحلة أساسًا مصدريًا لكتابة تاريخ الغير، وتنتقل الرحلة من مصدر مساعد إلى مصدر أساسي لما تحفل به من معلومات ربما لا توفرها الوثيقة الرسمية أو النصوص التاريخية التقليدية. وقد ركز الباحث، بالأساس، على متون الرحلة المغربية إلى المشرق العربي الإسلامي. وفي الاتجاه نفسه، عالج باحث آخر استعمالات المصادر في علاقة الأقليات بالغيرية؛ حيث تنبه لخصوصيات سرديتين في تونس خلال الفترة العثمانية هما: سرديات يهود جربة، والسرديات الأباضية، كل ذلك في سبيل إعادة مساءلة منطق فاعلي الوثائق المدروسة؛ سواء من حيث مقاصدهم أو مصالحهم فيما بينهم ضمن الواقع المعيش. وتوجه دارس ثالث إلى تحليل أثر فكر المؤرخ في توجيه مسار القراءة والتفسير، من خلال مقاربة حول نص الجبرتي بين محمد جلال كشك ولويس عوض، وتظهر هذه
الدراسة اختلاف المؤرخين في مقاربة نصوصهم، فكلاهما اعتمد كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار لعبد الرحمن الجبرتي في قضية محددة؛ هي خروج النسوة إلى المجال العام المصري زمن الحملة الفرنسية، غير أنهما انتهيا إلى نتائج متناقضة باعتبار اختلاف الخلفيات والقناعات، ومن ثم يكون الوقوف عند تطويع النصوص لخدمة القناعة. أما الحالتان اللتان جرت دراستهما فتتعلق أولاهما بحالة المصادر العثمانية، وقد تعامل المؤرخون العرب مع هذه النصوص؛ إذ توقف باحث عند أهمية النصوص العثمانية في الكشف عن تاريخ البلاد العربية في الفترة العثمانية، وتوقف عند الصعوبات التقنية الباليوغرافية اللغوية التي تواجه مستغلي الأرشيفات العثمانية. وتوقف باحث آخر عند المقارنة بين المصادر العثمانية والمصادر المغربية في رواية تاريخ العثمانيين والمغرب حتى في التواريخ العالمية، وانتهى إلى أن هناك تجاهلً متبادلً بين هذه المصادر، وهو تجاهل يعكس طبيعة المواقف السياسية. ودرس باحث ثالث الاختلاف بين المؤرخ التقليدي والمؤرخ العصري الذي يتجسد أساسًا، في مدى الاكتفاء بالمصادر المحلية أو الانفتاح على الفضاء الرحب؛ لما تتيحه المصادر الكونية من أجل بناء نص تاريخي متكامل. أما الحالة الثانية فتتعلق بتاريخ فلسطين، وفي هذا المحور تطرق باحثون إلى تعامل المؤرخين والباحثين مع مصادر تاريخ فلسطين في فترات مختلفة، وفي مجالات بحثية متباينة، فجرى تناول التاريخ الحضري الفلسطيني وأهمية الوثائق الوقفية بكل أشكالها؛ من أجل استغلالها في مجالات تتجاوز التاريخ الحضري، والإجابة عن أسئلة تطرحها مدرسة التاريخ الجديد. وكان تاريخ المهمشين في فلسطين وسؤال المصادر حاضرًا على نحو قوي؛ حيث جرى اللجوء إلى سجلات المحاكم الشرعية وإعادة قراءتها، وإلى روايات زمن النكبة في سبيل استكشاف تاريخ الجماعات المهمشة منذ الفترة العثمانية إلى النكبة، بيد أن هذا السفر بين السجلات والروايات الشفوية، بالرغم من أهميته، يُعد غير كاف؛ لأن عمل المؤرخ يحتاج إلى الأسئلة البحثية المناسبة والمنهج النظري القويم لتأطير الحكاية قبل الغوص في تفاصيلها. ستُنشر أعمال هذا اللقاء العلمي، تباعًا، في مجلة أسطور للدراسات التاريخية، قبل أن نفرد لها كتابًا سيصدر ضمن منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في المستقبل. وفي هذا العدد، سنقتبس القسم الأول من أعمال الندوة ممثلً في تجارب مؤرخين وباحثين عرب مع الأرشيف، أجنبيًا كان أم محليًا. يتعلق الأمر بثلاثة أبحاث مختلفة: الأول مع أرشيف محلي، والثاني والثالث مع أرشيفين أجنبيين يتفاوتان في علاقتهما بالعالم العربي؛ من أرشيف دولة استعمارية لها أطماع ومصالح في مشرق البلاد العربية ومغربها، إلى أرشيف دولة لم تكن لها أطماع استعمارية، ولكن كانت لها مصالح اقتصادية وسياسية في المغرب بحكم العلاقات التاريخية التي ربطت البرتغال بالمغرب، والتي جعلت أرشيفها يزخر بآلاف الوثائق عن التطورات السياسية والاقتصادية في المغرب. عملت الأبحاث الثلاثة على رصد خصوصيات هذه الأرشيفات والعناية بقيمتها وبأرصدتها التي تسعف في إثارة قضايا تصطبغ بحاضر المؤرخ. كما ركزت على الصعوبات التي يواجهها مستغلو هذه الأرشيفات، وهي صعوبات متنوعة: الأولى، لغوية؛ حتى عندما يتعلق الأمر بالوثائق المكتوبة باللغة العربية. وسواء تعلق الأمر بالأرشيف الفرنسي والأرشيف البرتغالي، واجه مستغلو هذه الأرشيفات صعوبات كبيرة في التعامل مع الطريقة التي كُتبت بها وثائق هذه الأرشيفات. فلغة القرن الثامن عشر البرتغالية ليست هي اللغة الحديثة، وإن كان الأمر أهون بالنسبة إلى الأرشيف الفرنسي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. والثانية، باليوغرافية؛ إذ ركز كل الباحثين على مسألة الخطوط التي كُتبت بها وثائق الأرشيفات المحلية والأجنبية، وهو ما يتطلب من الباحث المستغل الإحاطة بقراءة الخطوط. واضطرهم ذلك إلى تكريس جهود لتعلم طرائق قراءة الوثائق.
أما الصعوبة الثالثة فتتعلق ببنية الوثائق، وبنية الوثيقة مرتبطة أشد الارتباط ببنية المؤسسات التي تصدر عنها هذه الوثائق. ومن ثمة سعى عبد الحميد هنية إلى التساؤل عن الأسباب التي كانت من وراء وضع الدفاتر الجبائية والسياقات التي أنجزت فيها هذه الدفاتر. ومن جهته، نبه وجيه كوثراني إلى أن وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية ذات طبيعة مختلفة تحكم في مضمونها نوعية الذين صدرت عنهم، ولكنها في المجمل تقدم "معرفةً ما" هي جزء من العلمية التاريخية (جزء من سلطة معرفة موظّفة ومستخدمة.) واعتبرها وثائق "المطبخ السياسي" ومواده وعدته وأشياءه الصغيرة والكبيرة، المخفية منها والمحكية، المسكوت عليها والمعلنة. وكذلك كانت الوثائق البرتغالية التي استفاد منها عثمان المنصوري في دراسة العلاقات بين المغرب والبرتغال خلال الفترة 1790 - 1844. أما الصعوبة الرابعة فمرتبطة بزمن استغلال هذه الأرشيفات بالنسبة إلى الباحثين الثلاثة، فكلهم اشتغلوا بهذه الوثائق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ حيث كانت هذه الأرشيفات أقل تنظيمًا مما عليه الآن، سواء تعلق الأمر بالأرشيف التونسي أو بغيره من الأرشيفات. ومن ثمة تأتي أهمية رصد هذه التجارب التي تسمح بالتأريخ لتعامل المؤرخين مع هذه الأرشيفات. كيف انتقل هؤلاء الباحثون في التعامل مع هذه الأرشيفات من مصدر لمعلومات إلى مرحلة تتميز بالقراءة الواعية للنصوص المتحصل عليها؟ وكيف تحوّل الأرشيف معهم من مصدر معلومات إلى موضوع للتفكير والتأمل؟ عالج الباحثون الثلاثة قضايا مختلفة، ففي حين ركز عبد الحميد هنية على قضايا الملكية والتملك في البلاد التونسية خلال الفترة العثمانية، توقف وجيه كوثراني عند ثلاثة قضايا؛ هي مسألة الخلافة والبديل الذي اقترحته وزارة الخارجية الفرنسية والجهود التي بذلتها فرنسا من أجل تحقيق مشروعها، والموقف من سايكس - بيكو وموقف مختلف الفاعلين الفرنسيين منه، وأخيرًا الموقف الفرنسي من تقسيم سورية والتعويل على الاستفادة من التعدد الطائفي والإثني في بلاد الشام. أما عثمان المنصوري فقد توقف عند رواية الوثائق البرتغالية للأحداث التي عرفها المغرب في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر. ولكن ما يجمع الباحثين الثلاثة هو أن عيونهم ظلت متفتحة على الكيفية التي تعامل بها الباحثون قبلهم من الأجانب مع هذا الركام الوثائقي، لقد ظلت الوثائق التي نشرها هنري دوكاستر وجماعته توجه إلى حد بعيد تعامل عثمان المنصوري مع مختلف الأرشيفات البرتغالية. كما أن عبد الحميد هنية اضطر إلى استثمار جهد كبير من أجل ما يسميه "حل العقد المعرفية الاستشراقية التي تمنعه من دراسة الوثائق المتعلقة بالتملك وفهمها على أحسن حال". أما وجيه كوثراني، وإن لم يُظهر في دراسته، هذه العلاقة مع الدراسات الأجنبية فإنها كانت حاضرة على نحو خفي عندما تعرض لقضايا تعرض لها باحثون فرنسيون قبله، من أمثال جاك توبي في كتابه فرنسا الإمبريالية: من 1890 إلى 1914. عبد الرحيم بنحادة أستاذ التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا