في الاشتغال على أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية: كشف معطيات في مسائل اجتماعية وسياسية (الخلافة، سايكس – بيكو، تقسيم سورية)
Researching the Archive of the French Foreign Ministry: Data Analysis in Social and Political Affairs
الملخّص
من خلال تجربة عملي في محفوظات وزارة الخارجية الفرنسية، ومن خلال اشتغالي البحثي على إشكاليات انتقال ما أسميته الاجتماع السلطاني – العصباني، المتمثل بالدولة العثمانية وصيغ سلطاتها الأهلية الوسيطة في بلاد الشام، وبالتحديد في سورية ولبنان، إلى زمن الاجتماع الوطني المتمثل بنشأة "الدولة الوطنية"، كنت أتوخى أن أجد معطيات للإجابة عن سؤالين مترابطين: أولً: ما كانت عليه أوضاع السلطات الأهلية )التقليدية( من أمراء محليين ومشايخ وزعماء طوائف وقبائل وعائلات نافذة وقوى إنتاج )تجار، حرف، فلاحون( بعد أن فعل فعله التغلغل الغربي الرأسمالي في بنيات المجتمع الأهلي، ولا سيما في غضون القرن التاسع عشر؟ وثانيًا: ما كانت نظرة الدبلوماسية الفرنسية، بل على نحو أشمل، ما كانت عليه استراتيجيات فرنسا وسياساتها، وقد كانت، إلى جانب بريطانيا، فاعلً أساسيًا في رسم السياسات الكولونيالية وتحديد مناطق النفوذ في المنطقة بل في تصور كيانات سياسية بديلة وتحديدها؟
Abstract
Historian and visiting professor at the Doha Institute for Graduate Studies, Qatar.
- ندوة أسطور
- سايكس-بيكو
- أرشيف
- وزارة الخارجية الفرنسية
Researching the Archive of the French Foreign Ministry:
مقدّمة
من خلال تجربة عملي في محفوظات وزارة الخارجية الفرنسية، ومن خلال اشتغالي البحثي على إشكاليات انتقال ما أسميته الاجتماع السلطاني – العصباني، المتمثل بالدولة العثمانية وصيغ سلطاتها الأهلية الوسيطة في بلاد الشام، وبالتحديد في سورية ولبنان، إلى زمن الاجتماع الوطني المتمثل بنشأة "الدولة الوطنية"، كنت أتوخى أن أجد معطيات للإجابة عن سؤالين مترابطين: أولً: ما كانت عليه أوضاع السلطات الأهلية (التقليدية) من أمراء محليين ومشايخ وزعماء طوائف وقبائل وعائلات نافذة وقوى إنتاج (تجار، حرف، فلاحون) بعد أن فعل فعله التغلغل الغربي الرأسمالي في بنيات المجتمع الأهلي، ولا سيما في غضون القرن التاسع عشر؟ وثانيًا: ما كانت نظرة الدبلوماسية الفرنسية، بل على نحو أشمل، ما كانت عليه استراتيجيات فرنسا وسياساتها، وقد كانت، إلى جانب بريطانيا، فاعلً أساسيًا في رسم السياسات الكولونيالية وتحديد مناطق النفوذ في المنطقة بل في تصور كيانات سياسية بديلة وتحديدها؟ لا شك في أن الإجابة عن السؤال تتطلّب العودة إلى مصادر أهلية ومحلية ككتب التراجم والأعيان والسير والمذكرات، وأرشيفات أهلية، لكنّ معطيات تذخر بها مراسلات القناصل في عواصم الولايات العثمانية، كبيروت ودمشق والقدس وحلب، وكذلك تقارير خبراء ومستشارين ورجال أعمال وغرف تجارة (كليون ومرسيليا)، ورجال دين (لا سيما من الإرسالية اليسوعية)، كانت مفيدة في إلقاء الضوء على وضع تاريخي مزدوج، بل ملتبس، فمن جهة، ثمة وصف في المراسلات القنصلية وفي تقارير الخبراء (لا سيما في هذه الأخيرة) لحالات اجتماعية واقتصادية وسكانية (ديموغرافية) ولأرقام ومقابلات مع شخصيات، فهي من هذه الجهة تنقل واقعًا (إمبريقيًا)، أو تزعم نقل واقع، ولكن من جهة ثانية تقدم "منظورًا" لهذا الواقع محملً بتفسير خاص، وغالبًا بتأويل مشبع بالإسقاطات الأيديولوجية (الغربية)، وموظف في سياسات واستراتيجيات ومصالح محددة، ومع هذا يبقى "معطى تاريخيًا" يمكن، بل يجب، التعامل معه كجزء لا يتجزأ من العملية التاريخية نفسها. فهذه التقارير والمراسلات تختلف عن تصريحات المسؤولين العلنية، كما تختلف عن طبيعة القرارات الكبرى ونصوص الاتفاقات والمعاهدات المنجزة والتي غالبًا ما يعود إليها المؤرخون التقليديون: إن المراسلات القنصلية وتقارير الخبراء والمستشارين تقدم "معرفةً ما" هي جزء من العملية التاريخية (جزء من سلطة معرفة موظّفة ومستخدمة). إنها وثائق "المطبخ السياسي" ومواده وعدته وأشياؤه الصغيرة والكبيرة، المخفية منها والمحكية، المسكوت عليها والمعلنة. إذًا ماذا نجد في هذا المطبخ؟ أو بالأحرى ماذا وجدت في هذا المطبخ مما كان له علاقة (وأقصد بالعلاقة هنا العلاقة المعرفية) بالإشكاليات البحثية التي كنت بصدد معالجتها؟ إنها كثيرة، تتوزع أوراقها التي هي رسائل وتقارير ومذكرات ودراسات على مجموعات منظمة في ملفات، هي أشبه بمجلدات، وتنتظم هذه الملفات في سلاسل Series وتحمل كل سلسلة عنوانًا يشير إلى بلد أو منطقة وحقبة زمنية معينة.
ومن نماذج هذه السلاسل التي عدتُ إلى بعض محتوياتها في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية:
الموانئ والسكك الحديدية، وغير ذلك. وهذا في الجانب الكمي والتحليلي من المعرفة الديموغرافية والسوسيولوجية والاقتصادية.
مع زعماء طوائف أو كتّاب (كالمقابلة التي أجراها قنصل دمشق مع محمد كرد علي.)
الشرقية إلى مسائل، أي دولة أو دول تقترح كبدائل في ظل مشروع الانتداب الفرنسي، وغير ذلك. نكتفي في هذه الورقة بكشف ما في هذه الوثائق حول ثلاث مسائل: ӵ ӵ أولً: مسألة الخلافة. ӵ ӵ ثانيًا: حول الموقف الفرنسي من سايكس – بيكو. ثالثًا: في الحوار السري بين الرئيس الفرنسي ميلّران والجنرال الفرنسي غورو: مخطط تنظيم سورية.
أولً: مسألة الخلافة
ӵ Turquie (1912 - 1914). ӵ ӵ Turquie - Guerre (1914 - 1918). ӵ
ӵ Levant , Syrie - Liban (1918 - 1929). ӵ ӵ Levant - Palestine (1918 - 1929). ӵ
يرتبط المضمون الذي يسعى له المؤرخ في خضم الكم الهائل من الأوراق الذي تحويه هذه الملفات باهتمامات ذهنية وفرضيات لديه، تؤدي دور الموجه للاختيار والانتقاء، علمًا أن اكتشافاتٍ لما هو غير متوقع، تبقى محتملة الورود أثناء التفتيش والتصفح والتفحص، وهي عمليات لا نهاية لها إلا بقرار إرادي ملزم بوقتٍ محدود وزاد معلوم من الوثائق. تحوي هذه الملفات على سبيل المثال تقارير خبراء – ومنهم من أهل الاختصاص الأكاديمي – وفيها دراسات في الديموغرافيا والسكان، وتوزعهم المناطقي والديني والمذهبي، بل أيضًا مقاربات في الأنثروبولوجيا الدينية والاجتماعيات الدينية السياسية في البلاد، كمقاربات عن مختلف الطوائف والإثنيات في بلاد الشام؛ عن الموارنة والدروز والعلويين، والجركس والشيعة والسنة، كما نجد تقارير خبراء في الاقتصاد والثروات الطبيعية والزراعية وتأهيل
وفي جانب آخر، جانب التحليل الاجتماعي – السياسي والثقافي للقوى السياسية في البلاد وللنخب المحلية واتجاهاتها، نجد التقارير التفصيلية عن الصحف وأصحابها، والكتّاب واتجاهاتهم وكيف السبيل إلى استمالتهم، كما نجد محاضر قناصل عن مقابلات أجروها
وفي الجانب السياسي – الاستراتيجي، ولا سيما في موضوع مصير الإمبراطورية العثمانية وولاياتها في المشرق، نجد تقارير ودراسات في مآل ما ستسفر عنه مناطق النفوذ في سياق الصراع والتنافس بين القوى الأوروبية ولا سيما بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا. ومن مفردات هذا الصراع، مسألة الخلافة واحتمال تداعياتها، زعامة الشريف حسين، بواكير الوعي القومي العربي، الصلات ما بين مشرق ومغرب، ما بين سورية ومصر، سايكس – بيكو وردّات الفعل عليها، كيف ينبغي التعامل مع "المسألة السورية" بعد أن تفككت المسألة
عندما دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا، وانطلقت دعوة "الجهاد" من الجانب التركي في وجه "حلف الكفار"، كما جاءت الصفة في نص الدعوة، حتى كان الحلفاء بدورهم يستخدمون الأسلحة نفسها (الدينية) للتصدي لهذه الدعوة. ففضلً عن تحركات بريطانيا إلى جانب الشريف حسين، حيث طرحت في أذهان المخططين الإنكليز أهمية نقل قيادة العالم الإسلامي من أيدي الترك إلى أيدي العرب انصب الجهد الدبلوماسي لدى الحلفاء وانصبّت الجهود الفكرية (بل البحثية) المرافقة على دحض دعوة الجهاد
التي صدرت عن السلطان (باعتباره خليفة) وعن شيخ الإسلام وبيان بعدها الشرعي عن الإسلام، وتقديم التحليلات المختلفة عن الخلافة ومسألة الوحدة الإسلامية ومستقبل المدينتين الإسلاميتين المهمتين في الجزيرة العربية؛ مكة والمدينة. من جانب فرنسا تلجأ وزارة المستعمرات إلى إعداد مذكرة في هذا الشأن بموضوع "الوحدة الإسلامية والخلافة" يعدها جهاز المعلومات، ويرسلها وزير المستعمرات إلى وزير الشؤون الخارجية، اعتمادًا على مراقبة التحركات الدبلوماسية البريطانية في القاهرة، ولا سيما أن بواكير نسج العلاقة مع الشريف حسين (شريف مكة) وأبنائه كانت قد بدأت منذ عام 1912، والتي أسفرت لاحقًا عن مراسلات حسين مكماهون المعروفة: وجوهرها مملكة عربية مشرقية. الموقف الفرنسي يلخصه وزير المستعمرات في رسالته: "إن فرنسا هي أيضًا مهتمة جدًا بمستقبل مكة والمدينة [...] إن أي نظرة مستقبلية تستهدف أي تعديل محتمل في الوضع الحالي للحجاز، يجب أن تستتبع منطقيًا تفاهمًا مشتركًا بين بريطانيا وفرنسا وروسيا وإمكانية دعوة إيطاليا إلى الانضمام إلى ذلك." معروفة هي، وبالتفاصيل، الخطوات والمسارات اللاحقة على مستوى الأحداث والقرارات والإجراءات، لكن المذكرة، التي هي أشبه بتقرير يعكس معارف دراسة أو دراسات معتمدة حول مسألة الخلافة الإسلامية، تحمل - إذا ما شئنا أن نؤرخ للأفكار، ولا سيما للأفكار السياسية لدى خبراء الدبلوماسيات – معانيَ ودلالات للإجابة عن أسئلة مؤرخ معاصر من مثل: مدى انطباق مؤسسة الخلافة على الحال العثماني، وماهية الأبعاد السياسية والاستراتيجية التي تستدعيها أو تستحضرها في العالم الإسلامي وفي العالم، بل ماهية ما تعنيه في العقل السياسي لدى النخب محليًا، أو في المقابل، لدى العقل السياسي الكولونيالي. وهنا الفرنسي بالتحديد. تحمل مذكرة وزارة المستعمرات التاريخ التالي: باريس، 31 كانون الأول/ ديسمبر 1914، علمًا أن مذكرة أخرى، أعدّها خبراء وزارة الشؤون الخارجية أيضًا "أحداث الشرق والخلافة"، كتبها أحد الخبراء حيث حملت اسمه Gaillard. M، وتاريخها 7 آذار/ مارس 1915. تبدأ المذكرة الأولى بإعلان "أن فتوى شيخ الإسلام في الدعوة إلى الجهاد لم تر في العالم المحوري الرد الذي كان يُنتظر ضد الحلفاء، ذلك أن الإمام في إطلاقه عملية الجهاد معتمدًا على قوة ’كافرة‘ نزع عن دعوته الصفة الشرعية الضرورية لنجاح مثل هذا المشروع المتوخى." من هنا يتساءل كاتب المذكرة "عما إذا كانت اللحظة مناسبة، حيال النشاط الجرماني التركي المتذرع بالوحدة الإسلامية أن يثير معارضة خليفة جديد تتوافر فيه جميع الشروط العقائدية الضرورية." يستعرض كاتب المذكرة شخصيتين، ويتساءل أي شخصية يمكن أن تدعى إلى مثل هذا الدور الإسلامي؟ سلطان مراكش، بصفته شريفًا ونظرًا إلى الدور الذي قامت به الأسرة الشريفة منذ قرون، هو مؤهل بكل تأكيد لادعاء الإمامة، لكن بصفته "محميًا فرنسيًا" français Protégé مما يفقده حيال هذا الشأن، ميزة الاستقلال الضرورية في نظر المسلمين. أكثر من ذلك، يضيف من جهة أخرى أن "ليس لنا مصلحة في تقوية سلطته المعنوية والتي لا نظير لها في مراكش، فهي تجسد فعلًاتجاهًا إسلاميًا خاصًا Shisme، وفي إمكانها أن تقوم كسلطة مغربية في مواجهة سلطة خليفة المشرق. ونحن لا يمكن إلا أن نتمنى غياب وحدة الطاعة في الإسلام. وإذ ا، تستبعد المذكرة ترشيح سلطان مراكش عن هذه الوظيفة المرشحة للنقل من إسطنبول إلى مركز عربي ملائم.)(المرشح الثاني في المذكرة هو شريف مكة، تقول المذكرة "إن موقع شريف مكة يبدو من ناحية هذه النقطة الأخيرة، أكثر ملاءمة، فهو من ناحية شرعية محق تمامًا في المطالبة بالخلافة، وهو يمثل في مواجهة الإسلام العثماني الرسمي، الإسلام العربي القديم، ولأنه حامي الأماكن المقدسة فإنه يحظى بهذه الصفة باحترام جميع المحمديين. إذًا فإن هذه الشخصية اللامعة في العالم الإسلامي هي القادرة على أن تقف ضد الاغتصاب العثماني."
على أن المذكرة تعود فتستذكر أو تستدرك أن الحراك الدبلوماسي البريطاني هو المؤهل للتفكير في هذا المشروع والقادر عليه. تصرّح المذكرة: "فإلى بريطانيا يعود الأمر في تفحص الدور الذي ينبغي إعطاؤه في هذه الشخصية [...] فهذه الدولة الكبرى لها مصلحة في إقامة نظام خلافة على أبواب مصر، بتنظيم مركز ديني يجمع شمل العرب في قلب الجزيرة العربية." تضيف المذكرة بعدًا آخر عالميًا يمكن أن تسعى إليه بريطانيا؛ احترام معتقدات 62 مليونًا من المسلمين الهنود. "تخليص مدن الإسلام المقدسة من السيطرة العثمانية لتنشئ في مهد العقيدة الإسلامية وتحت إشرافها الضمني استقلالً لا يسع مسلمي العالم بأسرهم أن يكنُوا له اعتبارًا." وبمعزلٍ عما آلت إليه الاتصالات البريطانية مع الشريف حسين آنذاك، وبمعزل أيضًا عن موقف الشريف حسين من التسمية الاصطلاحية لمنصبه المتصور (أو المتخيل) مستقبلً (ويبدو أن الدبلوماسية الفرنسية لم تكن على علم بتفاصيلها آنذاك أي حين كتابة المذكرة الأولى) فإن السياسة الفرنسية كان يهمها بالدرجة الأولى، تداعيات هذا المتغير الكبير، أي مركز الزعامة الإسلامية العالمية، على نفوذها "المكتسب" في شمال إفريقية (المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا... إلخ) وعلى مشروعها المستقبلي في سورية الكبرى (أي بلاد الشام.) تخفف المذكرة من قلق الاستراتيجيا الفرنسية في هذا الأمر فتخلص إلى الاستنتاج: "ومن وجهة النظر الفرنسية، لن يكون هناك ثمة تغيير باستثناء أن الإمام المنصّب وفقًا للتقليد السني، سيمارس - بصفته العربية - جاذبية أكبر على مسلمينا في إفريقية الشمالية. ولكن ليس لنا أن نقلق بسبب ذلك. فالخليفة الجديد لن يفكر في أي لحظة في تحقيق وحدة إسلامية لم توجد قط في التاريخ حتى في أروع عصور محمد." على أن المذكرة الثانية والتي تحمل عنوان "أحداث الشرق والخلافة"، والمؤرخة بتاريخ 7 آذار/ مارس 1915 تقدّم أفكارًا تتقاطع بعضها مع المذكرة الأولى ولكنها تضيف عناصر تاريخية وأيديولوجية وجيوسياسية أكثر "عمقًا" وواقعية من ناحية معرفية، وكذلك من ناحية تلائم التفكير الاستراتيجي الكولونيالي مع معطيات الواقع. تبدأ المذكرة بالقول: "إن الحرب الأوروبية واحتمال انتصار دول الوفاق الثلاثي، يمكن أن يؤديا إلى تغير عميق في وضعية سلطان إسطنبول حيال الإسلام، وأن من الضروري أن نرصد منذ الآن النتائج من أجل تعيين الاتجاه المناسب لسياستنا الإسلامية في شمال إفريقية وموريتانيا والسودان." مقدمات هذا الرصد تتمثل أولً باكتشاف ما تسميه المذكرة "الخلل" التاريخي الذي أصاب نموذج "الخلافة" التأسيسي الأول في العهدين الراشدي وصدر الإسلام. بعد ذلك ثمة انشقاقات كرست واقعًا تاريخيًا تجزيئيًا يصعب بل يستحيل تجاوزه. يسترجع كاتب المذكرة أحداثًا من مثل "السلاطين المغاربة من مرابطين موحدين خلقوا من خلال إعلان استقلالهم عن خلافات المشرق، نوعًا من إسلام مغاربي امتد طويلً في كل المغرب من تونس إلى مراكش"، ومن جهة الشرق "الانشقاق الشيعي فصل فارس عن الجماعة الإسلامية." أما بالنسبة إلى أسرة بني عثمان التي "استولت على الخلافة" على الرغم من سنة الرسول القائلة باختيار الخليفة من قريش بحسب قوله (وهو قول مختلف عليه)، فتشدد المذكرة على جانب مهم في عمليات الاستيلاء واستمرارها كسلطة (أي كسلطان مستمر وممتد وبمعنى Pouvoir)، وهو الجانب الذي تسميه المذكرة "القوة المادية" للإسلام. تقول المذكرة "هذا السلطان التركي لم يعترف بسلطانه إلا حيث امتدت قوته العسكرية. وإذا كان السلطان حتى الساعة، لا يزال يتمتع بشيء من النفوذ في ممتلكاته الأفريقية، ليس لأنه يعتبر ’أميرًا للمؤمنين‘، بل لأنه لا يزال يمثل التعبير الأمثل والأعلى لقوة الإسلام المادية". وتستنتج المذكرة: "وفي هذه الحالة، تؤدي الفكرة الدينية دورًا أقل ممّا تؤديه فكرة المقاومة (أو المعارضة) السياسية الموجهة هنا ضد القوة الأوروبية المهيمنة". ولهذا يلاحظ كاتب المذكرة "أن الجيل الشاب من ذوي الاتجاهات الحديثة هو الأكثر إظهارًا للتعاطف مع الأتراك، في كل من الجزائر وتونس ومصر." أما عن شباب "تركيا الفتاة" فيرى الكاتب أن تعاطفهم مع فكرة "الحرب المقدسة" (أي دعوة الجهاد)، هو تعاطف سياسي بحت. ثم يجمل القول: "الشباب المسلم الذي تربى - كما يقول - في أجواء الأفكار الحديثة وكان على احتكاك مع الأوروبيين تأسرهم فكرة تجميع عناصر الإسلام لمقاومة أوروبا ونيل استقلالهم."
وفي المقابل، يرصد الكاتب حالةً إسلاميةً لا تزال قائمة وصحيحة حتى اليوم هي حالة المحافظين. يقول: "أما إخوانهم في الدين ممن نشأوا نشأة إسلامية محافظة ’في التقليد الإسلامي‘ فإنهم يأخذون في الاعتبار أن المفهوم القديم لأمير المؤمنين، لم يعد ممكنًا في الدول المسلمة الحديثة أو الواقعة نوعًا ما في التبعية لأوروبا، وجل ما يطمحون إليه هو أن يحافظوا على نوع من روابط تقليدية حيال زعيم روحي يدعى له في الصلاة، وهذه البقية الباقية من الخلافة ترضي ضميرهم، وأنه خلف هؤلاء تسير الجماهير الجاهلة." على قاعدة هذا الفهم، يتوقع الكاتب السيناريوهات التالية بعد هزيمة الدولة العثمانية: استمرار السلطان العثماني في منصبه (حتى في حال تدويل القسطنطينية كاحتمال)، ولكن سيصبح ضعيفًا ومحدود الصلاحيات في إطار انحسار تركية في آسيا الصغرى. قبول افتراض الشريف حسين سلطانًا على الأماكن المقدّسة في الحجاز، وزعيمًا روحيًا لعالم إسلامي يحتك به كل عام عبر موسم الحج. أما تونس والجزائر والمغرب فيتساءل الكاتب عن "أي موقف ينبغي أن نتبناه حيال أملاكنا في الشمال الغربي الأفريقي؟." يفرد من أجل الإجابة عن هذا السؤال بقية المذكرة. في المنطلق، يشدّد الكاتب على أن "مصلحة فرنسا (مصلحتنا) تقضي بأن نترك الإسلام يتجزأ. ولهذا – يضيف - ينبغي من طرفنا أن نظهر التأييد لشريف مكة في المشرقين من دون أن نعينه على التوسع في المغرب. وهذا يقودنا نحو تصور لإعادة بناء الإسلام المغربي في ظل السلطة الروحية لسلطان المغرب." لكن الصعوبة التي يتنبّه لها الكاتب هي عملية استباع أو استدراج تونس والجزائر إلى الاعتراف بالسلطة الروحية لسلطان المغرب والذي هو ومن زاوية تاريخية وعرقية مستقل عن سلطان تركيا. يعرض الكاتب المشكلة كالتالي: "أن تونس تقبل رسميًا سيادة سلطان القسطنطينية، وباسم هذا الأخير تقام الصلاة في المساجد". وهذا الواقع لم يغب عن انتباه سلطات الوصاية الفرنسية منذ بداية الحرب، ولكن تركت الأشياء على حالها، لكي لا تستثير شعورًا غير مجدٍ لدى المسلمين المثقفين الكثر ذوي النفوذ في تونس. "أما في الجزائر، فتجري الصلاة باسم الخلفاء الأولين الأربعة. وهذه صيغة يؤخذ بها في حال عدم وجود أمير للمؤمنين معترف به. والناس في الجزائر اعتادوا هذه الصيغة. وهنا لا وجود لجماعة من المثقفين المسلمين المحليين. أما المدارس الموجودة والتي يديرها مواطنونا فلا تشبه أبدًا جامعات الأزهر في القاهرة، والزيتونة في تونس، والقرويين في فاس." إذًا، لا مشكلة بالنسبة إلى الجزائر، لأن كاتب المذكرة متيقن آنذاك أن فرنسا ممسكة بالوضع، ومسيطرة على المدارس، وليس هناك من مركز ديني (قطب ديني) قادرٍ على استقطاب ديني سياسي مستقل. "إعادة البناء" الذي يقترحه الكاتب ويسميه "إصلاحيًا" يقوم على التوجه نحو حلين أو مقترحين؛ الأوّل: إضافة اسم "الباي" إلى جانب اسم سلطان المغرب في خطبة الصلاة. وهذا الاقتراح يشكك في قبوله، "فقد لا يستقبل على نحو مشجع" ويترك هذا الأمر في انتظار "استشارة الحماية الفرنسية في تونس". والثاني، وهو الأهم، وتُطلب المباشرة به: البدء أولً بإقامة علاقة بين علماء تونس وعلماء المغرب، أي على نحو أساسي بين جامع القرويين وجامع الزيتونة، حيث تجري محاولة إقناع علماء تونس بقبول الاعتراف بالسلطة الروحية لسلطان المغرب، وعلى موازاة ذلك، تكليف علماء "بتنظيم التعليم العالي الإسلامي وقضايا الحبوس." ويختم الكاتب مذكرته بالاستنتاج التالي: "لا شك في أن مثل هذه الروابط التي ستنشأ مع الجزائر ومع تونس هي اصطناعية. ولذا ينبغي ألا ننتظر في البداية حماسًا كبيرًا من أجل سيادة السلطان-الشريف (سلطان المغرب) قبل أن تتأكّد (هذه السيادة) مع الوقت
والعادة. وعلى كل حال فإن المستقبل هو الذي لا بد من رؤيته. ذلك أن إعادة بناء الإسلام المغربي ستقدم لاحقًا فائدة عظمى، ليس فقط للعرب البربر في شمال إفريقية ولكن أيضًا للسكان المسلمين في الصحراء وموريتانيا. فهؤلاء نظرًا إلى بدائيتهم، وسوء استيعابهم للإسلام وطواعيتهم الأكثر وضوحًا من إخوانهم البيض، سيكونون إلى حدّ ما بمنأى عن التأثيرات التي لا ننالها بوسائلنا. ومن هنا فإن هؤلاء يمكن أن يتلقوا توجيهات أكثر اتفاقًا مع رؤانا السياسية."
ثانيًا: حول الموقف الفرنيس من سايكس – بيكو
حملت اتفاقية سايكس – بيكو، منذ انكشافها أثر الثورة البلشفية في عام 1917، تفسيرات وتأويلات وردّات فعل مختلفة الإيقاعات والتأثيرات والتداعيات، جاءت بالنسبة إلى النخب العربية المشرقية ناكثةً بوعود بريطانيا للشريف حسين، كما جاءت بالنسبة إلى السياسة الإنكليزية وبعد مجريات المعارك العسكرية التي اتضح فيها غلبة الدور العسكري البريطاني على جميع الجبهات المقاتلة، بحصة لها أقل بكثير من اعتبارات ميزان القوى على الأرض، وبصيغةٍ - وقد اكتشف البترول في الموصل من جهة وأقطع وعد بلفور للصهاينة من جهة أخرى – لا تلبي مصالحها في العراق وفلسطين، أي آمالها في بترول العراق وحساباتها الاستراتيجية والصهيونية في فلسطين والتي هي (أي فلسطين) جسر وصلٍ أو حاجز قطعٍ بين سورية ومصر. أما بالنسبة إلى الفرنسيين، فجاءت سايكس - بيكو "مخيبةً" لآمال عدد من القطاعات الفاعلة الفرنسية، وفي مقدّمة تلك القطاعات رجال الأعمال الفرنسيون، ولا سيما الممثلون في غرفة تجارة ليون وغرفة تجارة مرسيليا، وكذلك الإرسالية اليسوعية، وأدبيات أكاديمية كولونيالية، مثلتها على نحو أساسي مجلة Francaise Asie ’ L والمباحث الكثيرة التي جمعتها بيبلوغرافيا Masson. يجد الباحث في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية وثائق كثيرة حول مواقف هذه الأوساط من سايكس - بيكو. وقد توقفت في مبحثي حول هذا الموضوع على أربع وثائق، هي رسائل "عرائض" Petitians مقدمة إلى وزير الشؤون الخارجية الفرنسي، وهي: رسالة غرفة تجارة ليون المؤرخة في 15 كانون الثاني/ يناير 1915، ومعنونة كالتالي:
La chambre de commerce de Lyon à Monsieur le Ministre des Affaires étrangères , Juin 1915 dans F. M. A. E , série Turquie - Guerre 1914 - 1918. Dossier 869 , folio 28.
مذكرة غرفة تجارة مرسيليا، بتاريخ 26 تموز/ يوليو 1915. مذكرة غرفة تجارة ليون بتاريخ 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1918.
F. M. A. E. serie Levant 19181929 -, Dossier 3 folio 192 - 193.
تقرير الرئيس العام للإرسالية اليسوعية بتاريخ 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918. تشدد مذكرة 1915 على "وحدة سورية الطبيعية"، فتنطلق أساسًا، من تعيين إطار رقعة المصالح الاقتصادية الفرنسية في الشرق وحدودها. هذه "الرقعة" هي "سورية، كما يعرفها تجارُنا، التي يُطالبون بها لفرنسا بصورة غير قابلة للجدال؛ وهي تمتد من طوروس إلى مصر، وتشتمل على كيليكيا، كما على فلسطين." أما المصالح الاقتصادية الفرنسية التي تبرر ذلك، فتُعبّ عنها رسالة غرفة ليون كما يلي: "إن سورية بلد منتج للحرير، وهذا يعني أنها جزء من سوق ليون الكبيرة التي أصبحت بدورها ومنذ فتح قناة السويس أهم مركز للعالم للمواد الحريرية. إن سورية تُصدّر إلينا نحو 500 ألف كيلو من الحرير سنويًا، أي ما يُعادل في السنة العادية 25 مليونًا من الفرنكات. هذا ولم يكتف مواطنونا باستيراد المنتوجات
التي يُعدّها أهل البلاد، بل بادروا بأنفسهم إلى إنشاء "حلالات" في لبنان، كما أن عمليات شراء الشرانق التي تتطلب رساميل كبيرة كانت تؤمن بواسطتهم، أنهم يعرفون جيدًا مراكز الإنتاج والأراضي الزراعية ولديهم علاقات شخصية مع أهالي البلاد"4. بيد أن رسالة غرفة ليون بتركيزها على إنتاج الحرير لا تستطيع أن تبرر "اقتصاديًا" مطلبها في سلخ سورية "كاملة" Integral من الإمبراطورية العثمانية، ورسم هذه الحدود الواسعة لها (من طوروس حتى مصر، ومن الفرات حتى البحر)، فإنتاج الحرير يتركز زراعة وصناعةً وتصريفًا على شريطٍ ساحلي، وبصورة خاصة في جبل لبنان وبيروت. لذلك تتكامل خطى الرأسمالية الفرنسية في مطالبتها الحكومة الفرنسية في السيطرة على سورية "كاملة" و"طبيعية" من خلال تحرك غرفة تجارة مرسيليا أيضًا، وذلك بعد أسابيع من رفع مذكرة غرفة تجارة ليون. فمرفأ مرسيليا، الفرنسي المتوسطي هو الذي كان يُصدّر ويستقبل من المشرق وإليه. وتجار مرسيليا أقدر على معرفة قيمة مناطق "سورية" من الناحية التجارية (الأسواق والمدن والمرافئ والمواصلات)، ومن ثم على تبرير المطلب وفق اتساع المصالح الفرنسية ومناطق وجودها وإمكانات إنمائها8. تحدد رسالة غرفة تجارة مرسيليا مطلبها بالصيغة التالية: "إن سورية الكاملة (Intégrale) هي التي تمتد شمالً من جبال طوروس والجبال المقابلة لها (Taurus - Anti) إلى خط ينطلق جنوبًا من العريش على المتوسط، ويتجه نحو مرفأ العقبة في نهاية خليج العقبة الذي هو عبارة عن لسان بحري في البحر الأحمر. ومن الفرات شرقًا حتى البحر غربًا." تضيف غرفة تجارة مرسيليا: "لا يُمكننا في الواقع أن نرضى، كما كان الأمر في وقت معيّ، بسورية التي تقتصر على رقعة ساحلية تمتد من اللاذقية إلى غزة وإلى وادي العاصي والأردن. إنما يجب أن تضم سورية حتمًا كل ولاية حلب مع مرفأ الإسكندرون التابع لها، وكذلك كل ولاية أضنة في حدودها الإدارية الحالية. ومن دون شك فإن فلسطين وولايتي بيروت (مع لبنان) وسورية (دمشق) لا يمكن التغاضي عنها." لكن "أماني" رجال الاقتصاد كانت تصطدم بحدود إمكانات الدولة الفرنسية وحدود مشاركتها في الحرب، ولا سيما من ناحية الجبهة الشرقية. فغلبة الدور العسكري البريطاني من ناحية العراق ومن ناحية السويس، كانت تفرض تقسيمًا لمناطق النفوذ في بلاد الشام يأخذ في الاعتبار حسابات بريطانيا الاقتصادية والاستراتيجية في الشمال الشرقي (الموصل) والجنوب (فلسطين)، وهذا ما عبّت عنه، على كل حال، صيغة سايكس - بيكو المعروفة، ووعود بريطانيا للشريف حسين، وترجمه الصراع الدبلوماسي البريطاني - الفرنسي بعد الحرب9. فالمشاريع التي أنتجتها الحرب لم تكن قط بحجم الآمال الفرنسية التي علقت في مرحلة ما قبل الحرب، أو في المرحلة التي "نبّهت" فيها غرفتا تجارة ليون ومرسيليا الحكومةَ وطالبتها بسورية "كاملة." بانتهاء الحرب، تعود غرفة تجارة ليون على الفور، وكان خبر اتفاقية سايكس - بيكو قد شاع، لترفع في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 رسالة إلى وزير الخارجية تُذكّره برسالتها الأولى المُقدّمة في 7 حزيران/ يونيو 191510، وتعترض فيها الآن على اتفاقية 1916:. تقول "إن حصة فرنسا في سورية تبدو مختلفة كليًا عن تلك التي حق لنا أن نأمل بها. لقد انحسرت الآن إلى شريط ساحلي بسيط، حيث لم يعد لسورية تلك السِمة الجغرافية التي عرفناها قبل الحرب. حُذِفت منها ثلاث مناطق مهمة: حلب، الموصل، دمشق. وهي مناطق ستُقام عليها إمارات عربية، بل أكثر من ذلك، إن إنكلترا تحتفظ لنفسها بمرافئ عكا وحيفا، بينما يعلن مرفأ الإسكندرون مرفأ حرًا."[...]
2 La Chambre de commerce de Lyon à Monsieur Le ministre des affaires Etrangères, Lyon, Juin 1915 ; F. M. A. E, serie Turquie-Gerene (1914 - 1918) dossier 869 , p. 28. 3 Lettre à Monsieur le ministre des affaires étrangères sur la question de la Syrie d’une note sur la valeur ééconomique..ثمة نسخة موجودة في أرشيف المكتبة الشرقية، جامعة القديس يوسف، بيروت
5 F. M. A. E., série Levant (1918 - 1929), Syrie – Liban, vol. 3 , pp. 192 - 193.
تضيف رسالة غرفة تجارة ليون: "إذًا من الناحية الاقتصادية تقلّصت سورية كثيرًا، حيث لم يعد لها سوى مرفأين: طرابلس وبيروت. وفي المقابل فإن حيفا التي هي الآن رأس خط حديد واسع المجرى يمكن أن تُصبح خلال بضعة أعوام نهاية شبكة تمتد من الهند إلى المتوسط. تستقطب حركة تجارة الداخل كلها، وبذلك تكون أفضل من بيروت التي هي نهاية لخط طوله 96 كم، ويتخلله 35 كم ’سلسلة أسنان‘ (crémaillère à). ومن ناحية نفوذنا التاريخي في الشرق، فإن منح دمشق إلى إمارة عربية يُعدّل كليًا السمة التقليدية لسورية، فبهذا لا تعود إلا بلدًا منفوخًا من الأعلى (يقصد الشريط الساحلي) وغارقةً، عدا ذلك في المجهول؛ إذ من يستطيع أن يعرف من سيكون الأمراء العرب الذين سيحكمون دمشق؟ بأي شكل ولمصلحة من سيستثمرون هذا ’الامتياز الديني‘ المرتبط بمدن الإسلام؟ أيجب أن تُعطى إنكلترا هذه الحواضر المقدسة كلها: دمشق، بغداد، القاهرة، مكة، التي كانت سابقًا مراكز الخلفاء الأقوياء؟ أليست فرنسا هي أيضًا قوة إسلامية؟ ومصير مستعمراتنا في شمال إفريقية، ألا يتوقف إلى حد ما على الحالة الفكرية التي تهيمن في المشرق؟." بناء على هذه الأسباب، تطالب غرفة تجارة ليون بإعادة النظر في بنود اتفاقية 1916، والمبرر الظرفي هو "أن أحداثًا عدّلت الموقف. فمن جهة زوال روسيا القيصرية، ومن جهة ثانية دخول دولة عظمى هي الولايات المتحدة الأميركية الحرب." تكرر رسالة غرفة تجارة ليون تذكيرها برسالة 1915، وبمطالب الفرنسيين المقيمين وذوي المصالح في سورية: "الذين تستحق تجربتهم ومعرفتهم ببلاد الشرق أن تؤخذا في الاعتبار. إن ما يطلبه هؤلاء باعتباره شيئًا أساسيًا لمصالحنا ونفوذنا هو أن تُضم دمشق وحلب، واستطرادًا الموصل، إلى منطقة النفوذ المخصصة لفرنسا". هذه الأفكار يستعيدها على نحو أوضح تقرير كتبه الرئيس العام للإرسالية اليسوعية في سورية الذي عاش فترة طويلة في البلاد. والتقرير يُلحق برسالة مؤرخة في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، موجهة من رئيس مجلس الوزراء ووزير الحربية إلى وزير الخارجية، بهدف الاطلاع عليه والاستفادة منه. يقدم التقرير ثلاثة اعتراضات على اتفاقية 1916 سايكس – بيكو: بالنسبة إلى دمشق والموصل وحلب، يشير التقرير إلى "أن هذه الأراضي هي أراضٍ سورية، وأن فصلها عن هذه البلاد، لدمجها في دولةٍ سيكون مركزها السياسي في مكة، هو فصل اعتباطي." من شأن التخلي عن مرافئ حيفا وعكا لبريطانيا واعتبار مرفأ الإسكندرون مرفأً حرًا أن "يحرم فرنسا المنفذ الطبيعي لتجارة أكثر من نصف أملاكها. ذلك أن حركة التجارة ستختار طريق دمشق - حيفا، مُفضلة إياها على خط دمشق - بيروت. وهذا الاختيار سيفرض نفسه بصورة أكبر عندما تُصبح حيفا في غضون وقت قصير رأس خط حديد يربط بين الهند والمتوسط. وينتج أيضًا من فتح مرفأ الإسكندرون بصورة حرة، أن تخسر فرنسا إمكانية الاستفادة من رسوم أي ترانزيت في شمال سورية." اعتراض ثالث ربما يكون أخطر وهو ناتج من كون دمشق ستُفصَل عن سورية لِتُضَم إلى كونفدرالية عربية؛ بذلك تفقد فرنسا إمكانية الاستفادة من إحدى المدن الإسلامية المقدسة. وفي المقابل، فإن روابط إنكليزية من شأنها أن تشد هذه الكونفدرالية إلى إنكلترا "بذلك تكون حليفتنا قد وضعت يدها على مدن الإسلام الثلاث: مكة، دمشق، القاهرة. ولن نكون حينها مبالغين إذا شددنا على مخاطر النتائج المتأتية من هذا الوضع. فمن تلك المراكز التي تستأثر باحترام كل مسلم يمكن أن تنشأ تيارات وأفكار وشعارات لا نستطيع أن نمارس عليها أي رقابة. ويمكن أن يمتد تأثيرها إلى شتى أنحاء إمبراطوريتنا الإسلامية. إذًا ليس في التخلي عن دمشق خسارة فحسب لممتلكاتنا الآسيوية، بل أيضًا خطر مهم على توازن ممتلكاتنا في شمال إفريقية."
6 Ibid. 7 Ibid., pp. 276 - 278.
نشأ صراع دبلوماسي حاد بين الدولتين، استُخدمت فيه الصراعات المحلية في المنطقة، ومن بينها الاتجاهات السياسية والوفود. وأسفر هذا الصراع عن اتفاق 15 أيلول/ سبتمبر 1919، الذي شكل التمهيد لمقررات مؤتمر سان ريمو. فمقابل جلاء الجيش البريطاني عن سورية وكيليكيا تحلّ القوى الفرنسية بديلً منها. في المقابل نال الإنكليز من الفرنسيين المكاسب الآتية: عدم المطالبة بإدخال ولاية الموصل ضمن الحدود السورية. عدم المنازعة في تقرير مصير فلسطين، أي أن تكون هذه الأخيرة لبريطانيا. عدم المنازعة في وضع العراق تحت الانتداب البريطاني. 4 4. بقاء مقاطعة شرق الأردن تحت الاحتلال البريطاني. بهذا الاتفاق تحددت ضمنًا الخطوط العامة ل "سورية الفرنسية". ولكي "ترسّخ" هذه الهيمنة الفرنسية كان لا بد من أمرين؛ ضرب الحركة العربية في دمشق، وإزاحة فيصل، وإثبات أن لا جدوى من تطبيق اتفاق فيصل – كليمنصو، وتنظيم سورية تنظيمًا يضمن السيطرة عليها عبر مشاريع الكونفدرالية والتجزئة. من الملاحظ أن الأمر الأول دُرس درسًا مستفيضًا في العديد من الكتب الوثائقية والعامة. أما الأمر الثاني فلم يُدرس على حد علمنا دراسة وافية. استوقفنا عدد كبير من الوثائق حول هذا الموضوع، منها دراسات وتقارير ذات طابع سوسيولوجي يعود بعضها إلى ما قبل الحرب، ومنها أيضًا مراسلات سرية تمت بين المسؤولين، ولا سيما غورو وميلران في المرحلة الأولى من تنظيم الانتداب على سورية. وارتكزت المشاريع الإدارية السياسية التي حملتها المراسلات إلى حد بعيد على التقارير والدراسات السوسيولوجية الوصفية (المونوغرافيات.)
ثالثًا: في الحوار -يالسري بين الرئيس الفرن س ميلّران والمفوض السامي الفرنيس الجرال غورو: مخطط تنظيم سورية
بعد معركة ميسلون (24 تموز/ يوليو 1920)، وترحيل الإنكليز فيصل في اليوم الثاني، ودخول غورو دمشق بمشهدية "بطولية" مصطنعة لتغطية انسحاب القوات الفرنسية من كيليكيا أمام المقاومة التركية التي قادها مصطفى كمال في الأناضول، يجري حوار سري، بواسطة برقيات تلغرافية مشفرة بين الرئيس الفرنسي ميلّران Millerand والجنرال غورو تمتد نحو 17 يومًا (6 - 23 آب/ أغسطس 1920)، والموضوع الرئيس لهذه البرقيات "مخطط لتنظيم الانتداب الفرنسي في سورية"، وهو عنوان البرقية الأولى التي يبعثها الرئيس الفرنسي إلى الجنرال غورو بعد احتلال هذا الأخير دمشق. البرقيات التي جرى تفكيك شفرتها في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، محفوظة في سلسلة المشرق Levant Serie، سورية – لبنان، ملف 125، وموزعة على صفحات (أوراق) مرقمة 193 - 233. يقترح الرئيس الفرنسي في مخططه المرسل إلى غورو صيغة بديلة لما يسميه "الملكية القومية" وهي كما يشرحها "إن النظام الذي يستجيب بصورة أفضل لمصالح سورية ومصالحنا أيضًا هو سلسلة دول مستقلة جمهورية الشكل républicaine à autonomies serie Une
على طراز جمهوري، تتناسب مع تنوع الأعراف والديانات والحضارات وتتحد في فيدرالية تحت السلطة العليا للمفوض السامي ممثل الدولة المنتدبة، وبذلك لا تكون الوحدة وحدة إدارة مركزية، بل وحدة اقتصادية (جمركية مالية.") يبدأ ميلّران بالبلاد التركية والكردية ويقصد المناطق التي يسكنها أتراك وأكراد في شمالي سورية وجنوبي كيليكيا، يقرر أنه "لا يمكن أن ندخل (هذه المناطق) في الفدرالية السورية، فأراضي عينتاب، بيره جك، كلِّس هي أراضٍ تركية وشرق الفرات مع أورفه وماردين أراض كردية وهي مناطق تقع في الشمال والشمال الشرقي، تفتقر إلى أي رابطة قومية مع سورية". المقترح هو تجنب إقامة إدارة عسكرية فرنسية مباشرة، بل تسليم الحكم مدة من الزمن لباشا محلي تركي في الأراضي التركية، وباشا كردي في الأراضي الكردية. إضافة إلى تلوين الديموغرافيا الكردية شرق الفرات "بتوطين عناصر كلدانية وأشورية." بالنسبة إلى القبائل العربية، يطمئن ميلّران أن هذه القبائل ليس لديها تعاطف مع النظام الحجازي (إشارة إلى الشريف حسين في الحجاز) وتبدو – كما يقول – "مستعدة للتفاهم معنا"، ويقترح طريقةً أو أسلوبًا للتعامل معها "أن ننظم علاقاتنا بها" بواسطة ما يسميه "التكليف" Investiture وعن طريق ضباط ارتباط فرنسيين، وحيث "يطلب منهم الأمن على أطراف المدن الأربع (حلب، حمص، حماة، دمشق) وفتح طرق الصحراء أمام التجارة"، مقابل "الخدمات والهدايا والاعتبارات التي تقدّم لهم" وهذا من شأنه "ضمان العلاقات الجيدة." وبالنسبة إلى لبنان، يرى ميلّران أن ثمة ثلاثة شروط مع الحالة اللبنانية: عدم ضم لبنان إلى الكونفدرالية أو الفدرالية السورية (التي سيقترحها.) فرنسة لبنان بأكبر قدر ممكن، ومن أجل ذلك يجب أن تقوم سلطة فرنسية مهمة وتمثيلية تتمتع باستقلالية واسعة تبقى في بيروت ولبنان حتى لو جعل مركز المفوضية العليا في مكان آخر. تكوين لبنان كبير بإلحاق البقاع (أي السهل الضروري لحياة الجبل) وجبل عكار (أي شمال السلسلة الجبلية حيث أكثر سكانها من المسيحيين) حتى النهر الكبير، عازلين بذلك طرابلس، المركز السني، ويضيف: "ويبدو أنه من الصعب ألّ ندمج بلبنان، وذلك على الرغم من اعتراضات الموارنة، سنجق صيدا، أي المسلمين، المتاولة الشيعة سكان بلاد صور وصيدا الذين لا يمكن أن نتركهم معزولين بين لبنان والمستعمرات الصهيونية التي تجتاح شمال فلسطين". فأقل ما يمكن هو أن يربط سنجق صيدا بلبنان بشكل فدرالي مع بعض "الاستقلالية". أما بالنسبة إلى مدينتي بيروت وطرابلس فيرى: أن تكون بيروت عاصمة للبنان،
. Autonomie municipale et budgetaire مع استقلالية بلدية ومالية
أما طرابلس، فيراها "مدينة إسلامية سنية"، "لا ترغب في الالتحاق ببلاد مسيحية"، ويقترح معالجة أمرها (مصيرها) كما هي حال المدن السورية الأخرى، كجزء من "الكونفدرالية السورية" التي يقترحها (متضمنة في المخطط.) بعد هذا العرض الذي يقدمه ميلّران بشأن أوضاع المناطق التي يعتبرها ذات "طابع خاص" ينتقل إلى تنظيم المناطق التي يرشحها كوحدات إدارة سياسية للكونفدرالية السورية. يقول: يمكن أن نتصوّر من الآن مجموعات مستقلة autonomes Groupes هي من الشمال إلى الجنوب: 1) سنجق الإسكندرون، 2) municipe حلب، 3) المجموعة النصيرية، 4) municipe حمص، 5) municipe طرابلس، 6) municpe دمشق، و 7) حوران وتتضمن هذه الأخيرة مجموعتين: الدروز والمسلمين السنة. يقترح ميلّران لتنظيم مجموعة مبدأ "الاستقلالية الواسعة كنظام الكانتون"، ويرى أن التعداد الذي قدّمه للمجموعات لا يدّعي أنه نهائي، لكنه يخيل أنه يتضمّن المجموعات المتشكلة "عضويًا" في بلاد تفتقر إلى التقليد السياسي والرأي العام، كما أنها اعتادت تلقي كل شيء من السلطة. إذًا، "يجب أن تكون سياساتنا مرنة جدًا: أن نشكّل ’مجموعة‘ Groupe حيث هي موجودة، وأن نقبل بأن يكون لكل مجموعة تنظيمها الخاص الذي يناسبها." وهذا التنظيم الداخلي الخاص، لا يخرج عن إطار الصلاحيات البلدية والأمنية المحلية بإشراف رقابة فرنسية، بل إنه يستبعد صراحة مفهوم النظام البرلماني والاجتماعات الديمقراطية، "فهذا لا يستجيب لأي حقيقة في الظرف الراهن من تطور التربية العامة
للبلاد. والدولة المنتدبة تعتبر أن الهدف من تنظيم سورية هو أن ينطبق هذا التنظيم واقعيًا على مصلحة جماهير السكان، لا على مصلحة الجماعات المسيّسة"، ومن أجل مخاطبة الرأي العام الدولي ورغبة القطاع المتقدم من الرأي المحلي كما يقول، يقترح: "ثمة مجال لخلق رابط فدرالي بين مختلف هذه الكيانات المستقلة. هذا الرابط يتمثل بالمفوضية العليا ممثلة الدولة المنتدبة، وتكون هذه المفوضية ’الجهاز التنفيذي الذي لا تهيمن عليه أي سلطة محلية."‘ وينهي ميلّران برقياته المتتالية إلى غورو بطرح مسألة دقيقة هي اختيار عاصمة الكونفدرالية السورية، والمراكز الأخرى التي تناسب الحواضر الكبرى في سورية. يقول في ذلك: "إن بيروت تناسب أن تكون مقرًا لمحكمة القضاء الأعلى cour Haute حيث يهيمن العنصر الفرنسي، كذلك فإنها تصلح لأن تكون مركزًا اقتصاديًا للعلاقات مع الخارج." إلا أن ميلّران يحتار بين الحواضر الثلاث لاختيار عاصمة الكونفدرالية يقول: "بين دمشق وحلب وبيروت يصعب الاختيار"، لكن يضيف: "يمكن اعتماد حل مختلط: تكون حلب مقر المفوضية العليا، وبيروت مقر محكمة القضاء الأعلى. أما دمشق فلأنها كانت دائمًا مركزًا ثقافيًا إسلاميًا، فقد نجعلها مقرًا لجامعة، ذلك أنه يبقى دائمًا أن نحذر من خطر أن تتحوّل دمشق إلى مركز ديني للمعارضة."
رد الجرال غورو
هذه المسائل التي يعرضها الرئيس ميلّران في مخططه شكلت موضوعات للنقاش عبر برقيات متتالية بعث بها الجنرال غورو ردًا على اقتراحات الرئيس الفرنسي في الفترة 13 - 20 آب/ أغسطس 1920. بينما كان ميلّران يقترح تعددية واسعة في تجزئة سورية إلى كيانات يتم ضمها في اتحاد كونفدرالي أو فدرالي واحد، وبينما كان يرى أيضًا ضرورة إعطاء لبنان استقلالية مرحلية خارج هذا الإطار الفدرالي، كان الجنرال غورو يرى ضرورة قيام تجزئة محدودة لسورية وضرورة أن تقوم فدرالية سورية – لبنانية، أو أن يوضع لبنان في الكونفدرالية السورية. هذا الموقف تحمله برقياته المرسلة إلى الرئيس ميلّران، بتاريخ 20 آب/ أغسطس. ويقول في إحداها: "أعتقد أننا إذا أردنا اليوم طرح الاستقلال التام للبنان حيال الكونفدرالية المجاورة، فإن أهمية مصالح الطرفين المشتركة من وجهة النظر الاقتصادية سوف تقود حتمًا إلى اتحاد لبناني سوري يتُرجم نفسه أخيرًا باندماج كامل للبنان في الكونفدرالية." أما بشأن عدد الكيانات السياسية التي يقترحها ميلّران في سورية فيجيب غورو عن هذا الاقتراح: "أما فيما يتعلّق بتقسيم هذه الكونفدرالية، إلى ثماني أو تسع مجموعات فإن ذلك يترتب عليه نتائج خطيرة. فمن وجهة نظر سياسية بشكل عام، قد يخدم هذا التدبير فكرة الوحدة بدلً من أن يقضي عليها، وذلك أن إنشاء مجموعات صغيرة لا تستطيع تأمين وجودها بنفسها يجعلها تتكاتف وتتقارب بدافع الإحساس المشترك بوحدة المصالح." يقترح غورو في المقابل، أن تنحصر التجزئة في ثلاث أو أربع دول. يقول: "على العكس فإنه من السهل الإبقاء على التوازن في ثلاث أو أربع دول كبيرة يتيح لها وضعها أن تكفي نفسها بنفسها، ويساعدنا عند الحاجة في تأليب بعضها على بعضها الآخر. وهذا واقع حساس تبدو بوادره بين دمشق وحلب." يبدو من خلال القراءة المتتابعة للبرقيات، وما حصل فعليًا في التاريخ أن اقتراح مشروع الفدرالية والكونفدرالية سُك ت عنه ليصار إلى تأكيد ما اقترحه غورو بدايةً: في برقية أرسلت بتاريخ 13 آب/ أغسطس يصر غورو على ما يلي: "إني أطلب اليوم من سعادتكم بنحو خاص وملحّ أن تسمحوا لي، وفق الشروط المذكورة، آنفًا بإعلان قيام دولة لبنان الكبير في وقت قريب جدًا، وجعل بيروت عاصمته، وطرابلس الشام ملحقة به"، بل يضيف: "إني عازم على أن تكون بداية العمليات إلغاء المنطقة الغربية وإعلان دولة لبنان الكبير في 15 آب/ أغسطس."
ملحق وثيقة فرنسية توضح السياق التاريخي للمذكرة التي حملت وجهة النظر الفرنسية في مسألة الخلافة الوثيقة أدناه رسالة وجهها وزير المستعمرات الفرنسي إلى وزير الشؤون الخارجية عام 1915 يطلب فيها منه الاطلاع على مذكرة كتبها "جهاز المعلومات" في وزارته حول "مسألة الخلافة" للتفكر في ما سيؤول إليه مصير الدولة العثمانية وولاياتها ولا سيما في إطار التحرك الدبلوماسي البريطاني المتمحور حول موقع الخلافة والبدائل المطروحة، ومصالح فرنسا في هذه السيناريوهات.
المراجع
العربية
إسماعيل، عادل. وإميل خوري. السياسة الدولية في الشرق العربي. بيروت: دار النشر للسياسة والتاريخ، 1965.
بيروت: دار صادر، 1974.
زين، زين نور الدين. الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سورية ولبنان. بيروت: دار النهار، 1971.
العربي. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1976.
الحكيم، حسن. الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السورية في العهدين العربي والفيصلي و لانتدابي الفرنسي، 1915 - 1946. كوثراني، وجيه. لاتجاهات لاجتماعية– السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي، 1860 – 1920. التاريخ الاجتماعي للوطن