تجربة بحث في الأرشيفات العثمانية في تونس خلال العهد الحديث
A Reseach Experience in Tunisia’s Modern Ottoman Archives
الملخّص
كيف يمكن أن تفيدنا الأرشيفات لاستحضار الماضي في غيريته ؟ dans son altérité وهل يمكن أن يُستحضر الماضي من خلال الأرشيفات من دون أن يُصطبغ بحاضر المؤرخ وبمدى قدرته الذاتية على استنطاق هذه الأرشيفات؟ وكيف يمكن أن يكون وضع المعرفة التاريخية عندما تستند إلى أرشيفات مصطبغة بالمنظومة التي كانت وراء وضعها، سواء كانت هذه المنظومة متمثلة في الدولة، أو في العائلة، أو في هيئة أخرى؟ وكيف يمكن أن نحد من تأثير الفراغات التي تتركها بالضرورة أرشيفات الدولة، خاصة أنها وضعت أولًا وبالذات لتلبية حاجة الإدارة المركزية؟ وكيف يمكن أن نحد من وقع الأرشيف وتأثيره اللاشعوري في المؤرخ عن طريق العبارات والكلمات المحفوفة بخطاب الإدارة المركزية، أو بمعيارية المجتمع كلّه في لحظة معيَّنة؟ لمعالجة هذه القضايا، أنطلق من التفكير في تجربتي الشخصية في التعامل مع الأرشيفات العثمانية لدراسة جوانب من تاريخ البلاد التونسية خلال الفترة الحديثة )القرون 17 و 18 و 19 (، وهي تجربة ترجع إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. ولم تكن لي في بداية تجربتي هذه دراية خاصة بالاشتغال بالأرشيفات، ولا بالمسائل المتعلقة باستعمالاتها، فأشرح كيف تعاملت مع هذه الوثائق، مبينًا تعثراتي والحلول التي اهتديت إليها لتخطي "المطبات" التي اعترضتني، وأبين كيف تعلمت أن أنتقل من مرحلة كنت أجمع فيها المعطيات من الخزان الأرشيفي وأنتقيها بعفوية كاملة قصد توظيفها لما سأراه مفيدًا لبحثي، إلى مرحلة أكثر جدوى تتمثل في كوني أصبحت أقرأ من خلال المعطيات الأرشيفية ولا أكتفي بجمعها.
Abstract
Professor of Histor, Head of History Program at the Doha institute for Graduate Studies, Qatar
- ندوة أسطور
- أرشيف
- تونس
- الدولة العثمانية
مقدمة
كيف يمكن أن تفيدنا الأرشيفات لاستحضار الماضي في غيريته؟ altérité son dans وهل يمكن أن يُستحضر الماضي من خلال الأرشيفات من دون أن يُصطبغ بحاضر المؤرخ وبمدى قدرته الذاتية على استنطاق هذه الأرشيفات؟ وكيف يمكن أن يكون وضع المعرفة التاريخية عندما تستند إلى أرشيفات مصطبغة بالمنظومة التي كانت وراء وضعها، سواء كانت هذه المنظومة متمثلة في الدولة، أو في العائلة، أو في هيئة أخرى؟ وكيف يمكن أن نحد من تأثير الفراغات التي تتركها بالضرورة أرشيفات الدولة، خاصة أنها وضعت أول وبالذات لتلبية حاجة الإدارة المركزية؟ وكيف يمكن أن نحد من وقع الأرشيف وتأثيره اللاشعوري في المؤرخ عن طريق العبارات والكلمات المحفوفة بخطاب الإدارة المركزية، أو بمعيارية المجتمع كلّه في لحظة معيَّنة؟ لمعالجة هذه القضايا، أنطلق من التفكير في تجربتي الشخصية في التعامل مع الأرشيفات العثمانية لدراسة جوانب من تاريخ البلاد التونسية خلال الفترة الحديثة (القرون 17 و 18 و 19)، وهي تجربة ترجع إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. ولم تكن لي في بداية تجربتي هذه دراية خاصة بالاشتغال بالأرشيفات، ولا بالمسائل المتعلقة باستعمالاتها، فأشرح كيف تعاملت مع هذه الوثائق، مبينًا تعثراتي والحلول التي اهتديت إليها لتخطي "المطبات" التي اعترضتني، وأبين كيف تعلمت أن أنتقل من مرحلة كنت أجمع فيها المعطيات من الخزان الأرشيفي وأنتقيها بعفوية كاملة قصد توظيفها لما سأراه مفيدًا لبحثي، إلى مرحلة أكثر جدوى تتمثل في كوني أصبحت أقرأ من خلال المعطيات الأرشيفية ولا أكتفي بجمعها. إن التفكير في ذاتية التمشي الذي أعتمده في هذه الورقة أساسي، بل يشكل جزءًا من المعرفة في هذا الموضوع، فالجانب الذاتي في الأرشيفات يقابله الجانب الذاتي في التعامل معها. هكذا بعد أن استعملت لعدة سنوات خلَت الأرشيفات لدراسة جوانب شتى من تاريخ البلاد التونسية، ها أنا أتوقف بعد أربعين سنة تقريبًا للحظة تفكير، أ عيد النظر في هذه التجربة، وفي الطريقة التي تعاملت بها مع هذه الأرشيفات، فهو عود إلى البدء، أبرز النجاحات في تجربتي وكذلك الإخفاقاتُ.
أولً: دراسة التاريخ المحيل بمدونة أرشيفية جاهزة
مع بداية الستينيات من القرن الماضي، أي بعد بضع سنوات من استقلال البلاد التونسية عن الاستعمار الفرنسي، بدأت تظهر نزعة جديدة لدى المؤرخين التونسيين نحو الاهتمام بالوثائق المحلية. وجاءت هذه النزعة كردة فعل على اتجاه ساد في الكتابات التاريخية
خلال فترة الاستعمار، تميز بالاعتماد على المصادر الأجنبية بصورة تكاد تكون كاملة. وكان يتعهد هذه الكتابات بالدرجة الأولى مؤرخون فرنسيون، ليست لهم معرفة بمحتويات الأرشيفات المحلية وبأهميتها. ثم هم لا يطمئنون إلّ إلى المصادر الأجنبية مثل الأرشيفات الفرنسية، وهي بالنسبة إليهم أساسية لبناء معرفة تاريخية سليمة. وبالنسبة إلى البحوث التاريخية المتعلقة بالعهد الحديث بالتحديد، كانت المصادر المعتمدة مستخرجة أساسًا من الأرشيفات الفرنسية، ومن كتب الرحالة الأجانب بصورة عامة1، ومما تُرجم من مصنفات المؤرخين التي ترجع إلى تلك الفترة2. ولم يكن هنالك اهتمام كبير إلى حد ذلك التاريخ بالأرشيف المحلي وبالمصادر العربية الأخرى. ومع نهاية الستينيات من القرن العشرين، بدأت البحوث التاريخية المتعلقة بالعهد الحديث التي أنجزها مؤرخون تونسيون تقوم بالدرجة الأولى على استغلال وثائق الأرشيف الوطني3؛ وهو توجه ما فتئ يتأكد بصورة تدريجية كلما تقدمنا في الزمن4، بحيث كان التوجه نحو الأرشيفات المحلية منطلقًا لعدة دراسات أسست لمعرفة تاريخية ذات بال، غيرت جذريًا وجهة الإستغرافيا التونسية، لكن في هذا الدفع الجديد للإستغرافيا التونسية قلَّما نجد مؤرخًا يركز في بحوثه على دراسة الأرشيف العثماني لأجل كتابة منوغرافيا تاريخية تتناول بالدراسة جهة معينة في البلاد التونسية؛ إذ تميزت هذه الفترة بإنجاز دراسات ذات طابع شمولي، تتناول تاريخ البلاد التونسية في مجملها خلال فترة زمنية معينة5. فكانت البداية في اتجاه كتابة تاريخ محلي مع رسالة الدكتوراه الحلقة الثالثة التي أقدمت على إنجازها حول واحات الجريد في الجنوب الغربي للبلاد التونسية، وعلاقتها بدولة البايات بين سنتي 1676 و61840، وهي تجربة تقطع مع البحوث السابقة ذات الطابع الشمولي، والميزة الأخرى لهذا البحث كونه يرتكز أساسًا على الدفاتر الجبائية التي أنشأتها دولة البايات حول منطقة الجريد. وتكاد تمثل هذه الدفاتر المصدر الوحيد لتناول واقع المجموعات المحلية بهذه الجهة بالدرس خلال العهد الحديث7. وهو ما لا
Jean Ganiage, Les Origines du protectorat Français en Tunisie (1861 - 1881) , 2 ème éd. (Tunis: Maison tunisienne de l'édition, 1968).
Mohamed Sghîr Ben Youssef, Târîkh al-mašra‘ al-mulkî fî salt'anat 'Awlâd ‘Alî at-Turkî , Victor Serres & Mohammed Lasram (trad.), Mechra el-Melki: Chronique Tunisienne (1705 - 1771): Pour servir à l'histoire des quatre premiers beys de la famille Husseï nite , 2 ème éd. (Tunis: Éditions Bouslama, 1978).
Mohamed-Hédi Chérif, "Introduction de la piastre espagnole ‘riyal’ dans la Régence de Tunis au début du XVIIe siècle," in: Les Cahiers de Tunisie , tome XVI, no. 61 - 62 - 63 - 64 , 1 er- 2 ème - 3 ème - 4 ème trim. (1968), pp. 45 - 55 ; Mohamed-Hédi Chérif, "L'Histoire économique et sociale de la Tunisie au XVIIIe siècle à travers les sources locales: Enseignements et perspectives," in: J. Berque & D. Chevalier (éds.), Les Arabes par leurs archives (XVIe-XXe siècles) (Paris: CNRS, 1976), pp. 101 - 118 ; Lucette Valensi, Fellahs Tunisiens: L' É conomie rurale et la vie des campagnes aux XVIIIe et XIXe siècles (Paris: La Haye Mouton, 1977); Taoufik Bachrouch, Formation sociale barbaresque et pouvoir à Tunis au XVIIe siècle (Tunis: Publications de l'Université de Tunis, 1977); Khalifa Chater, Dépendance et mutations précoloniales: La régence de Tunis de 1815 à 1857 (Tunis: Publications de l' Université de Tunis, 1984).
Valensi; Mohammed-Hédi Chérif, Pouvoir et société dans la Tunisie de H'usayn Bin ‘Alî (1705 - 1740) , vol. 1 , 2 (Tunis: Publications de l'Université de Tunis, 1984 - 1986); Bachrouch; Taoufik Bachrouch, Le Saint et le prince en Tunisie: Contribution à l'etude des groupes sociaux dominants 1782 - 18 81 (Tunis: Publications de l'Université de Tunis, 1989); Chater.
Abdelhamid Henia, Le Jérid: Ses rapports avec le beylik de Tunis (1676 - 1840) (Tunis: Publications de l’École normale supérieure de Tunis, 1980).
الأوروبية وكتب الرحالة، انظر: Chérif, "L'Histoire économique," pp. 222 - 223.
يمكن التعرف إليه فقط بالاعتماد على المصنفات الإخبارية والمصادر الأجنبية؛ إذ لا يهتم هذا الصنف من المصادر إلا بالمدن الكبرى، وبرجالات الدولة، وبالنخب العالمة والدينية، بصورة عامة. واختياري موضوع واحات الجريد التونسي يعدّ تكيفًا مع طبيعة المادة الوثائقية المتوافرة حول الجهة. وكنت محظوظًا في تجربتي هذه، لأن هذه المستندات الأرشيفية كانت متوافرة في ما يسمى اليوم بالأرشيف الوطني التونسي، لذلك يمكن القول إني وضعت يدي على مدونة أرشيفية جاهزة وفي متناولي، وهو كل ما يتمناه أي باحث لكي يشتغل بكل أريحية، فانطلقت في مشروعي البحثي بشيء من الطمأنينة: موضوع محدد في الزمان والمكان، ومدونة مصدرية ثرية ومحدودة.
ثانيًا: يف بداية التجربة مع الدفاتر الجبائية
شرعت في التنقيب في الدفاتر الجبائية، وهي وثائق تتضمن معلومات غزيرة ودقيقة. وسؤالي في ذلك هل تساعد الدفاتر الجبائية على فتح نافذة ننظر من خلالها إلى واقع منطقة الجريد خلال الفترة المعنية؟ في الوهلة الأولى التي باشرت فيها تصفح هذه الدفاتر، بدا لي أني وضعت يدي على الأداة التي سأنفذ بواسطتها إلى واقع جهة الجريد. وفي حقيقة الأمر، كنت حينئذ أبحث في هذه الدفاتر عن مجرد إثباتات لفرضيات جئت بها مسبقًا. لذلك سخرت جهدي لكي أجمع من دون هوادة المادة الغزيرة المتوافرة في هذه الوثائق. أنسخ وأنسخ المعطيات وكأنني عثرت على كنز من المعلومات، تلك هي غنيمتي من الأرشيف، وهي لا تعدو أن تكون أكثر من عملية نقل لما كنت أعتقد أنه يمثل معلومات ثمينة، وأُرتب هذه المعطيات في جذاذات مختلفة قصد استثمارها في استعمالات متوقعة لا أفقه بعدُ كليًا أبعادها المعرفية بصورة جلية، فلم أكن أعرف حقًا في تلك اللحظة ما عسى أن أفعل بهذه المعطيات؛ كل ما أراه أنها معطيات تبدو ثمينة ومتنوعة، وكنت أقول سأرى لاحقًا ما عسى أن أفعل بها. هكذا أنظر إلى الدفاتر على أنها عبارة عن خزانة معطيات خام أجمعها عسى أن أوظفها لبناء معرفة تاريخية. في الواقع، كنت أتقدم في الاشتغال بهذه الأرشيفات وكأني في طريق مظلم، ومع ذلك كنت أنتشي عندما أرى الجذاذات تتكاثر أمامي، وأشعر كأنني أكتشف أشياء، من دون معرفة مسبقة إلى أي وجهة ستقودني. في الحقيقة كانت رؤيتي للدفاتر تقوم على نظرة صنمية للوثيقة، وهنا تكمن بالذات سذاجتي كباحث؛ سذاجة الباحث المبتدئ الذي لا يعرف كيف يرسم مشروعه حتى يفقه الغاية التي يريد أن يصل إليها، وأنا مثل الذي أُلقي به في اليمِّ وقيل له إياك إياك أن تغرق، وكان الغرق آتيًا لا محالة. كانت تجربتي هذه مع الدفاتر الجبائية صادمة؛ إذ تفطنت بعد مدّة زمنية من الاشتغال على هذه الدفاتر إلى قصورها، على الأقل من وجهة نظري في تلك اللحظة، وذلك على الرغم من دقة المعلومات التي وفرتها، فأيقنت أنها تكشف عن جوانب وتخفي في المقابل جوانب أخرى، ثم بدت لي المعلومات التي توفرها ذات رتابة مزعجة، فهي لا تتغير في معظمها من سنة إلى أخرى، وتمتد فترة عدم التغيير بالنسبة إلى بعض المعطيات أحيانًا إلى عقود طويلة. إن اللافت للانتباه هو الجمود الذي ميز مقادير الضرائب العادية الموظفة على الأهالي بداية من عهد علي باشا (1735 - 1756) إلى تاريخ إنهاء العمل بالنظام الجبائي المعمول به في سنة 18408 وطالت مدة رصد هذه الرتابة، وأصبحتُ في حيرة من أمري، أسأل نفسي عمّا يمكن أن أجنيه من معطيات لا تتغير كثيرًا من سنة إلى أخرى.
لكنني تفطنت إلى أن عدم تغيير بعض المعطيات وتكرارها طيلة ردح من الوقت لا يعني استمرار الممارسات الجبائية وجمودها في الواقع المعيش، بل يكشف عن سياسة معينة يتعين عليَّ تحديد ملامحها واستنتاجها من خلال بعض الممارسات التي لا تظهر دائمًا بصورة جلية. فهمت، إذًا، أن هناك حجابًا يحول دون فهم هذه المصادر، فكانت الصدمة بمجرد الشعور بانسداد الأفق الذي يمنعني من المضي قدمًا في النفاذ إلى كنه هذه المصادر حتى أتلمس واقع منطقة الجريد التونسي، فكان من الضروري أن أراجع نفسي، وأتوخى منهجية مغايرة قصد معالجة هذه الدفاتر بطريقة مثلى وبأكثر جدوى. وفهمت أنه مهما كانت دقة المصادر وثراؤها فهي لا تبني البحث بذاتها، وعلى المؤرخ ألّ يعتمدها بعفوية وألّ يأخذها على ظاهرها، وهي القناعة الأولى التي حصلت لي مع تجربتي البحثية في الدفاتر الجبائية بالأرشيف التونسي. هكذا استفقت من سذاجتي وأدركت أن عملي كان في البداية من دون جدوى كبيرة، وتفطنت إلى قصور المنهج الذي اعتمدته في تناولي دراسة هذه الدفاتر. واضح أن الأرشيف لا يُفهم بصورة عفوية، ولا يُفهم بمجرد النظر إليه، فهو يحتاج إلى إحاطة واستحضار معطيات خارجية حتى يفصح عن مكنونه. هكذا تبيَّ لي أنه من الضروري الحفر في كلمات الأرشيف للكشف عما تخفيه من معان ودلالات، ظاهرها وخفيها؛ إذ لا تبوح الأرشيفات بهذه الدلالات ولا تفصح عنها، بل على المؤرخ استنتاجها بقراءة ما تخفيه الكلمات. كشفت لي تجربتي إلى حد هذه المرحلة عن ضرورة التخلي عن الفكرة السائدة التي تَعتبرُ الدفاتر الجبائية مجرد خزانة أجمع منها ما طاب لي من المعطيات التاريخية، وكشفت لي أيضًا عن ضرورة مقاومة فكرة أن المصادر مهما كان نوعها تبوح بمخزونها بسهولة ومن أول وهلة، بل وجب عليَّ وضعها، بصورة متواصلة، تحت آلة التأويل والمساءلة. وهذا لا يتم من دون أخذ المسافة اللازمة لكي أتهيأ لِمُساءلة مصادري؛ ذلك أن استنطاق المصادر الأرشيفية للكشف عن مميزاتها الذاتية، وللكشف أيضًا عن الواقع التاريخي الذي تخبرني عنه، يمثل أهم الأعمال الموكلة لي كمؤرخ، وخَلْق المسافة اللازمة بيني وبين الأرشيف جرني إلى التفكير في كيفية بناء هذه الدفاتر، وفي الشروط الموضوعية لإنتاجها؛ حتى أفهم السياقات التي لازمت عملية وضع هذه الوثائق، وكذلك ما تظهره وما تخفيه.
ثالثًا: الدفاتر الجبائية ورشوط إنتاجها
مهما كانت طبيعة المصادر الأرشيفية فهي تبقى دائمًا خاضعة لشروط إنتاجها، باعتبارها مادة غير جامدة من وضع أفراد ومؤسسات في سياقات معينة، فإبراز الجوانب الذاتية التي كانت وراء عملية وضع هذه الأرشيفات وبنائها من شأنه أن يساعدني على تخطي المطبات التي تفرزها، لأن المعرفة التي تُنتج من خلال الدفاتر الجبائية هي في تبعية للسياق الذي وضعت فيه، لذلك تفطنت إلى أن التفكير في هذه الشروط ومساءلة حمولة مكونات الدفاتر الجبائية يساعدني على استغلال أمثل للمعطيات وبأكثر جدوى. واضح أن الأرشيف الجبائي يفرض أقنعة تَنتُج من الطريقة التي وضعت بها الدولة هذه الأرشيفات، لذلك تبدو في أول وهلة مبهمة وعصية على الفهم والاستثمار. وجب، إذًا، الكشف عن هذا القناع، ورفع الحجاب حتى يتسنى الولوج إلى كنه الوثيقة الأرشيفية؛ ذلك أنها كُتِبت بخلفية سياسية وإدارية، وبرؤية معينة، بحيث يكون من الصعب الكشف عن معناها، وما تثيره من معلومات من دون التعرف إلى هذه الرؤية. وحصلت لي قناعة أنه لا يمكن أن أقرأ من خلال هذه الوثائق وأستثمرها بصورة مجدية من دون الكشف عن الشروط
الموضوعية التي كانت وراء وضعها من طرف كُتَّاب الإدارة المركزية في باردو، والاستفادة من هذه الدفاتر تكون أيضًا رهينة فك رموز المصطلحات التي يعتمدها الكتاب في الإدارة المركزية لتحريرهم القائمات الجبائية المخصصة لكل مجموعة معينة9. وبالرغم من كل ذلك فإنه يمكن أن نتبين من خلال هذه الدفاتر الواقع المؤسساتي في ذلك الوقت، خاصة سير المؤسسات وسلوكياتها، لأن أشكال التدوين في هذه الدفاتر الجبائية تعكس بالضرورة طبيعة المؤسسة وخصوصياتها في اللحظة ذاتها10. فطريقة تقديم قائمات الضرائب والميزانيات الخاصة بكل مجموعة تخضع لقواعد ثابتة، وهو ما ينم عن وجود تنظيم محكم وموحد، وكذلك وجود هيكل إداري يسهر على تقنين كل ذلك. هكذا؛ بمجرد الاهتداء إلى ضرورة الكشف عن الشروط الموضوعية لبناء الأرشيف الجبائي، فتحتُ لنفسي آفاقًا بحثية جديدة، فأعدت النظر في طريقة تعاملي مع هذه المصادر، واهتديت إلى استنتاج مفاده أنني كنت أنظر في الدفاتر الجبائية بشكل سطحي، وأكتفي بجمع المعلومات التي تتضمنها، ولم أكن أقرأ من خلالها ولا أ سائل هذه الشروط التي كانت وراء وجودها وكيفية تضمينها وترتيبها في هذه الدفاتر، فكان ذلك الاكتشاف الذي مكنني من تغيير زاوية النظر إلى الدفاتر والولوج إلى أعماق هذا النوع من الوثائق، والذي لم أعتده، ولم أقرأ شيئًا من قبل حول كيفية التعامل معه، لذلك لا خيار لي في إعادة النظر في هذه الدفاتر، لأنها تمثل بالنسبة إليَّ المصدر الوحيد المتاح في ذلك الوقت لإنجاز الأطروحة. خلصت تدريجيًا إلى قناعة مفادها أن هذه الدفاتر لا تكشف في النهاية سوى عن الجانب الذي يخص المركز السياسي، وتحجب الجوانب التي تخص أطرافًا أخرى، فهي تحجب بصورة كلية أدوار العناصر المحلية خاصة. لذا، كان عليَّ أن أ سائل هذا الجانب الخفي في الدفاتر الجبائية ودلالة ذلك، ففتحت لنفسي بذلك بابًا جديدًا للقراءة من خلال هذه المصادر، فأصبحت لي رؤية أخرى حولها: أحاول النظر من خلالها للكشف عن أدوار الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الذين عملوا على وضعها على صورتها تلك برتابتها وتكرارها طيلة سنوات، وكذلك في الكشف عن سبب غياب الفاعلين من أهالي المنطقة دافعي الضرائب. حتى مكنتني زاوية النظر هذه من إمكانية البحث عن العلاقة المركبة بين أعوان الدولة من ناحية وأهالي منطقة الجريد من ناحية ثانية، فما كان عائقًا للمعرفة التاريخية لهذه المنطقة أصبح بصورة تدريجية مصدر معرفة، وهو درس تعلمته في بدايات تجربتي البحثية هذه: أقرأ من خلال المصادر ولا أكتفي بالنظر إليها لمجرد جمع المعطيات الواردة فيها.
Taoufik Bachrouch, "Sur la fiscalité muradite: Présentation d'une source et des premiers résultats d'une enquête en cours," in: Les Cahiers de Tunisie , tome XX, no. 79 - 80 (1972), pp. 125 - 146 ; Bachrouch, Formation sociale; Chérif, Pouvoir et société; Henia; Abdelhamid Henia, Propriété et stratégies sociales à Tunis à l'époque moderne (XVIe-XIXe Siècles), (Tunis: Faculté des sciences humaines et sociales de Tunis, 1999); Abdelhamid Henia, "Techniques fiscales et Pratiques des scribes (kâtib) pour une maîtrise du territoire en Tunisie aux XVIIIe et XIXe siècles," in: Hassan Elboudrari & Daniel Nordman (eds.), Les Savoirs de l’administration: Histoire et société au Maghreb du XVIe au XXe siècle (Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz, 2015), pp. 75 - 97 ;
11 Jean Boutier, "L’Usage historien des archives," in: Jean Boutier et al., Corpus, sources et archives , série: Études et travaux de l’IRMC (Tunis: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2001), pp. 9 - 32.
اهتديت في ذلك أيضًا إلى أن المصدر الوحيد لا يمكن أن يساعد المؤرخ سوى على الكشف عن بعض الجوانب وتبقى جوانب أخرى خفية. هكذا وجدت نفسي مع الدفاتر الجبائية أمام مصدر وحيد فأصبحت سجينًا له، فأحادية المصدر تخلق أحادية النظرة، لهذا كان الواقع المحلي مغيبًا أو مطموسًا في الدفاتر الجبائية13. والخطر كل الخطر أن يأخذ المؤرخ نتائج هذه النظرة الأحادية على أنها الصورة الكاملة التي يسعى لإبرازها، فتعدد مصادر المعرفة ضروري للاقتراب من الكشف عن الواقع التاريخي في شكله المركب، فاقتنعت أن استقراء الأرشيفات في إطار ما يسمى بتقاطع المصادر ضروري لتخطي الفخاخ الناجمة عن إخفاء المعلومات، سواء عن قصد أو عن غير قصد، حتى تصبح في هذه الحالة عملية إحدى الاستراتيجيات المعتمدة من طرف المؤرخ لتخطي الفخاخ التي تضعها الأرشيفات. لا تكشف الدفاتر الجبائية عن كيفية استخلاص الضرائب، أو المقاييس المعتمدة لتحديد الضريبة التي يدفعها الفرد من الأهالي، لأن الضرائب التي يفرضها البايليك تبرز بشكل جماعي، ويقوم الأعيان أصحاب النفوذ المحلي بعملية توزيعها على مختلف المساهمين من الأهالي، وهو الشيء الذي لا تكشف عنه الدفاتر الجبائية، فهي لا تكشف أصلً عن أي شكل من أشكال نظام توزيع هذه الضرائب، لأن توزيعها لم يكن من مهمات جهاز الإدارة المركزية، ولا يهم سوى الأهالي الممثلين في الأعيان. ولا تكشف الدفاتر الجبائية أيضًا عن العلاقات الاجتماعية التي ترافق عملية جمع الضرائب من الأهالي والتناقضات الاجتماعية التي تفرزها، ولا إمكانية للكشف عن هذه الجوانب سوى الالتجاء إلى وثائق أخرى غير الإدارية، فبات من الأكيد إذًا أن أبحث عن وثائق أخرى تكشف عن وجهة نظر من الداخل، أي وجهة نظر الأهالي، وتزيح اللثام عن الواقع المحلي في كل تجلياته. فتح ذلك أمامي فكرة ضرورة الكشف عن أدوار الفاعلين المحليين في العملية الجبائية والمقصين تمامًا من دفاتر البايليك، وفهمت منذ البداية أن هذه الوثائق لا يمكن أن تكون إلّ "دفينة" لدى العائلات المحلية، فزرت الجريد التونسي زيارات متعددة حتى أكون أكثر التحامًا بالعباد والتراب، أي بالواقع المحلي. وهذه الزيارات لم تكن في الحسبان في البداية؛ إذ لم يكن في تقليد الممارسة الإستغرافية في البلاد التونسية آنذاك القيام بالعمل الميداني، على الأقل بالنسبة إلى دراسة الفترات التاريخية السابقة عن الاستعمار، أي العهد الحديث. وكانت الفائدة التي جنيتها من استجوابات أهالي المنطقة ومن الوثائق المحلية التي سلموني إياها كبيرة جدًّا، مما جعل بحثي يصبح أكثر انغماسًا في الواقع المحلي، ويأخذ بعدًا أنثروبولوجيًا واضحًا. والمهم أن ذلك مكنني من مقارنة نظرة المركز السياسي التي تفرضها المصادر الأرشيفية بنظرة الأهالي من الداخل كما أستشفها من خلال محادثاتي معهم، وخاصة من خلال الوثائق العائلية التي وضعوها على ذمتي14(، فمكنتني هذه الوثائق من الكشف عن جوانب عديدة كانت مغمورة عندما كنت أطلع فقط على الدفاتر الجبائية. وبالرجوع إلى الوثائق العائلية، استطعت التعرف إلى نظام توزيع الضرائب بين الأهالي، والصعوبات التي كان يلقاها الأهالي لتسديد الضرائب، وكذلك إلى المستفيدين من هذه الوضعيات الحرجة التي تحصل لضعفاء الحال. كل ذلك بعلاقة مع الضغط الذي يفرضه وجود المحلة15 في منطقة الجريد على الأهالي، ذلك أن المحلة تبقى رابضة في الجريد إلى أن تستوفي جمع الضرائب المطلوبة.
12 Abdelhamid Henia, "Archives ottomanes en Tunisie et histoire régionale," in: A. EL-Moudden & A. Benhadda (coord.), Les Études Ottomans au Maghreb à travers les archives locales et méditerranéennes (Rabat: La Faculté des lettres et des sciences humaines, 2005), pp.
تكشف الوثائق العائلية كيف أن المحلة تشكل بمجمل مكوناتها عبئًا ثقيلً على الأهالي (من انتهاكات وتسلط أعوانها وضرورة تأمين العلف للدواب المرافقة، وغيرها من المصاريف الثقيلة المرتبطة بتواصل بقاء المحلة في المنطقة)، لذلك يعمل الأهالي على التخلص من وجودها على أراضيهم، لكن مهما كان الأمر لا يحصل ذلك إلا بعد استيفاء عملية خلاص الضرائب المطلوبة، فيقع الضغط على المتلكئين أو غير القادرين على دفع المطلوب منهم، فينتهز أصحاب الجاه المادي (الأغنياء) الفرصة لاستغلال ضعفاء الحال لحملهم على التداين لديهم برهن أرزاقهم أو بيعها بأثمان بخسة. وطبعًا، لا تقول الدفاتر الجبائية أي شيء عن هذه الجوانب التي لا تهم سوى الأهالي، سواء كانوا مستفيدين أو متضررين، فالوثائق العائلية وحدها هي التي تكشف عن هذه الجوانب. وبالرجوع إليها استطعت أن أقلل من تأثير هذا الخلل المتمثل في عدم التوازن في الرؤى إلى واقع منطقة الجريد خلال الفترة المعنية بالدراسة، فتعدد زوايا النظر في هذه الحالة ضروري لتحسس هذا الواقع في تجلياته المركبة. لا شك في أن الأرشيف الجبائي كان يؤمِّن مهمة تحقيق المركزة السياسية والإدارية على منطقة الجريد. كما يجب ألّ ننسى أن هذه المنطقة نائية وبعيدة جدًا عن المركز السياسي، ثم إنها عُرفت منذ العهد الحفصي بنزعتها الاستقلالية16، لهذا كان إحكام السيطرة على هذه المنطقة مشروعًا سياسيًا قائمًا بصورة متواصلة طيلة العهد الحديث، علمًا أن المركزة السياسية في إطار بناء الدولة المجالية في البلاد التونسية في ذلك التاريخ تمثل القيمة السياسية الأولى، تمامًا مثلها في ذلك مثل الدول بالمعنى الحديث للكلمة المعاصرة لها، ولذلك لا تزيح هذه الأرشيفات اللثام عن الجوانب التي تتناقض مع مبدأ تحقيق هذه المركزة السياسية والإدارية الكاملة في منطقة الجريد، فهي تحجب لتحقيق ذلك كل ما له علاقة بالأدوار التي كان يؤمنها الأعيان المحليون في العملية الجبائية، والذين كانوا يتحركون في إطار مجموعاتهم في اتجاه يكاد يكون معاكسًا تمامًا لما كانت تطمح إلى تحقيقه من دون هوادة الإدارة المركزية طيلة العهد الحديث. وكان هؤلاء الأعيان يمارسون نفوذهم المحلي، ويقتطعون جزءًا من العائدات الجبائية بطريقتهم الخاصة تحجبها الدفاتر الجبائية كليًّا، وتعقد السلطة المركزية، في إطار استراتيجية سياسية، اتفاقًا ضمنيًا مع الأعيان المحليين يقضي مبدأ الاعتراف المتبادل بمجال نفوذ كل طرف: نفوذ مركزي بيد الباي ومن يمثله في الجهة مثل مؤسستي "القايد" و"المحلة" من ناحية، ونفوذ محلي عتيد يمثله الأعيان المنتظمون في مجالس محلية من ناحية ثانية، فتكشف الدفاتر عن المجال الأول، وتخفي (تقريبًا كليًا) مجال النفوذ المحلي، وتكشف الوثائق العائلية وحدها عن مجال النفوذ المحلي. هكذا، لكل أرشيف نظرة إلى الأمور وإلى الواقع تختلف عن أخرى؛ فالدفاتر الجبائية تبرز رؤية الإدارة المركزية في باردو التي لا يهمها سوى ما تستخلصه من ضرائب (نقدًا وعينًا). أما الجوانب العملية المتعلقة باستخلاص الضرائب، وخاصة تحديد القدرة الدفوعية لكل أفراد المجموعات بمنطقة الجريد، فهي من اختصاص الأعيان المحليين، بحيث تكون هناك جوانب عديدة لا تفصح عنها الدفاتر الجبائية. وعندما تكشف أحيانًا عن بعضها، فعادةً ما تكون بصورة مقتضبة وتبقى في أغلب الحالات غامضة ومبهمة، ومن ثم تحتاج إلى قراءة بين السطور لفك رموزها، لكن نرى أحيانًا كيف أن الآلة الإدارية تكشف رغم أنفها عن بعض الجوانب من هذا الذي تريده مخفيًا، فبإبراز الفارق décalage بين الجوانب المعلنة والجوانب المخفية (التي لا تفصح عنها الدفاتر الجبائية) نستطيع من خلاله أن نبني في نهاية المطاف معرفة. هكذا يكون بناء معرفة أحيانًا من خلال رصد غياب المعرفة.
تبدو، إذًا، الدفاتر الجبائية نتاجًا لتمثل وتصور. وبالكشف عن المنظومة المتحكمة في وضعها، يتضح أن المعطيات التي تتضمنها تحمل في طياتها خطابًا يشي بمنطقها الخاص، ويكشف عن مضامينها الحاملة لمعناها، فالوثيقة الأرشيفية هي في نهاية المطاف فعل في سياق معين ومن زاوية نظر معينة، من الضروري أن نحيلها على واضعها، وعدم الوضوح في هذا الجانب يمنعنا من التفكير فيها، ومن ثم يمنعنا من الاستفادة منها. هكذا أصبحت أركز النظر في هذه الوثائق من حيث هي قبل كل شيء نتاج لفعل اجتماعي، وأصبحت لا أكتفي بجمع المعطيات من مختلف هذه الوثائق، وإنما أقرأ من خلالها أساسًا وأستخلص المعاني، فاهتديت إلى المنطق الذي يحتكم إليه النظام الجبائي المعمول به في منطقة الجريد وغير المعلن عنه في المصدر، واهتديت إلى المنطق الذي تحتكم إليه الممارسات الجبائية التي تبدو غامضة من أول وهلة. نفهم، إذًا، أننا لسنا إزاء أرشيفات تفصح تلقائيًا عن الواقع حتى نبني بها سردية تاريخية عادية، وإنما أمام أرشيفات تقدم مادة مصدرية تفرض علينا استنباط لغة خاصة وأسئلة معينة حتى تفصح عن الجوانب الخفية، وعن الجوانب التي تبدو غامضة من أول وهلة، ومع ذلك لا يمكن أن يذهب بنا الظن إلى أننا استنفدنا بذلك كل معاني محتوياتها. لكن صعوبات الباحث مع الأرشيفات لا تكون فقط بعلاقة مع عملية إنتاج الوثيقة، فهي أيضًا في ما هو خارج الوثيقة ذاتها؛ إذ إن عدم فهم الوثيقة وإدراك معناها لا يتأتى من الوثيقة ذاتها أيضًا، كما رأينا مع الدفاتر الجبائية، وإنما من الجهاز المعرفي الذي يتوافر للباحث عند لحظة مباشرة الوثيقة، وهو ما ظهر لي شخصيًا عند مباشرة التعامل مع الأرشيفات لاستقراء قضايا الملكية العقارية وأشكال التملك في مدينة تونس وضواحيها، قصد إنجاز دكتوراه الدولة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي17.
رابعًا: عندما تصبح المعرفة حول قضايا التملك عائقًا أمام الفهم السليم للأرشيفات
كانت تجربتي في دراسة وثائق الملكية العقارية مختلفة عن تجربتي مع الدفاتر الجبائية ولاحقة لها، فقد تغيرت المادة الأرشيفية، وتغير موضوع البحث. عند تناولي موضوع الملكية في مدينة تونس ومجالها الريفي خلال العهد الحديث، كان هدفي يتمثل في استثمار المصادر الأرشيفية في مجال الملكية العقارية، وكانت هذه المصادر على نوعين: فمنها ما نجده في أرشيف الدولة، ومنها ما يتعلق أساسًا بأرشيف الأوقاف بشكل عامّ؛ سواء كانت أوقافًا عامة (خيرية)، أو أوقافًا خاصة (أهلية - عائلية)18. وكان مشروعي يتمثل في استقراء هذه الأرشيفات للكشف عن أشكال التملك و الاستراتيجيات الاجتماعية التي تتخللها. وما إن أبدأ في الاشتغال بالوثائق ذات الصلة بالملكية العقارية في مدينة تونس حتى تحصل الصدمة وانسداد الأفق. كان ذلك ناتجًا من طبيعة الأدوات التحليلية والتصنيفات المعرفية المتوافرة في الكتابات التاريخية المتاحة لمعالجة قضايا التملك. وكان التمشي
. Propriété et stratégie
Sophie Ferchiou, (dir.), Hasab wa nasab: Patrimoine, alliance et en Tunisie, séries: Sociétés arabes et musulmanes 7 (Paris: Éditions du CNRS, 1992); Abdelhamid Henia, "Circulation des Biens et Liens de parenté à Tunis: XVIIe-début XXe siècle," in: Ferchiou, pp. 517 - 250 ; Abdelhamid Henia, Propriété et stratégies, p. 433.
الذي اعتمدته في البداية هو أن أتسلح منهجيًا أولً بما تقدمه هذه الكتابات التاريخية من تصنيفات معرفية قبل الغوص في الوثائق ذاتها، والمشكلة التي اعترضتني منذ البداية هي: بأي أدوات معرفية أعالج قضايا التملك التي تكشف عنها الأرشيفات المتوافرة؟ طبعًا، لست أول من درس قضايا الملكية وأشكال التملك في البلاد التونسية. أ نجزت دراسات كثيرة، خاصة في فترة الاستعمار الفرنسي ومباشرة بعدها19. ومن المفارقة أن تشكل الحصيلة المعرفية والمفاهيمية التي راكمتها هذه الدراسات أول عقبة وجدتها في مسار بحثي في الأرشيفات المتعلقة بالملكية العقارية. من المعلوم أنّ البلاد التونسية عرفت بداية من سنة 1881 انتصاب الاستعمار الفرنسي، وهو حدث أثَّر بعمق في هياكلها المادية والذهنية، ففرض معارف جديدة، وأدخل تصنيفات مبتكرة في مجالات عدة من الحياة المادية والاجتماعية، بحيث أعاد استنباطها. والمهم أنه أنتج علمًا قائمًا بذاته، وهو "العلم الاستعماري" الذي شمل كل الحياة المادية والثقافية بالبلاد التونسية. لم يتأسس هذا العلم الذي مُورس في البلاد التونسية في سنة 1881، بل ظهر قبل ذلك، وبالتحديد غداة احتلال الجزائر في سنة 1830، عندما عمل الفرنسيون على استكشاف منطقة شمال إفريقية عمومًا وأنظمتها الاجتماعية والسياسية، وتحول الاستكشاف بالتدريج إلى بحث علمي استعماري سُخر لتمهيد البلاد، وإضفاء مشروعية على عملية وضع اليد على الأملاك العقارية فيها لغاية التهيئة للاستيطان الفرنسي. صرف هذا "العلم الاستعماري" همته بدرجة أساسية لإعادة استنباط أشكال التملك للأرض، لما لهذا الجانب من ارتباط وثيق بالاستعمار الاستيطاني بصورة عامة، فأعاد كتابة التاريخ العقاري في منطقة شمال إفريقية، وأنتج في نهاية المطاف قناعات ومعارف جديدة حول قضايا التملك مستندة إلى القانون العقاري الفرنسي. وكانت "المعرفة الاستعمارية" المنتجة تحدد كيفية فهمنا لواقع الملكية؛ لا في فترة الاستعمار فحسب، وإنما أيضًا في الماضي، أي قبل الاستعمار، بل يمكن القول إنها أصبحت تمنعنا أصلً من قراءة المصادر حول الملكية بطريقة سليمة.
Max Van Berchem, La Propriété territoriale et l'impôt foncier sous les premiers califes: Étude sur l'impôt du Kharâdg (Genève: H. Georg, libraire de l'universite, 1886); J. Chailley-Bert, "La Colonisation agricole en la Tunisie," Revue générale des sciences pures et appliquées (1896), pp. 1112 - 1116 ; Paul Lescure, Du double régime foncier de la Tunisie: Droit musulman et loi foncière (Tunis: Imprimerie française B. Borrel, 1900); M. Pouyanne, La Propriété foncière en Algérie (Alger: Jourdan, 1900); M. Gounot, "Le Régime de la propriété foncière en Tunisie", in: Congrès de l'Afrique du Nord (1908), pp. 593 - 599 , accessed on 27 / 5 / 2019 , at: https://bit.ly/ 2 JeVAC 8 ; H. Coste, Les Impôts Achour et Hokor dans le département de Constantine (Alger: Jourdan, 1911); P. Dumas, Les Populations indigènes et la terre collective de tribu en Tunisie (Tunis: Imprimerie française, 1912); CH. Saumagne, "Sur la législation relative aux terres incultes de L'Afrique Romaine," Revue Tunisienne (Janvier-Juin 1922), pp. 57 - 116 ; H. de Montety, Une loi agraire en Tunisie: Étude de la législation établie en vue d'assurer la fixation au sol des indigènes sur les terres habous (Cahors: IMP. Coueslant, 1927); H. de Montety, Code du droit d'occupation des fonds Ruraux Habbous en Tunisie (Tunis: Imprimerie de la renaissance, 1932); H. de Montety, "Adaptation du jurisme occidental aux réalités sociales tunisiennes en Matière Foncière," IBLA , vol. 5 , no. 2 (Avril 1942), pp. 144 - 152 ; A. Scemla, Le Contrat d'enzel en droit tunisien (Paris: Domat-montchrestien, 1935); Robert Brunschvig, La Berbérie orientale sous les Hafsides des origines à la fin du XV siècle , vol. 1 , 2 (Paris: Adrien-Maisonneuve, 1940 et 1947).
A. Bessis et al., Le Territoire des Ouled Sidi Ali Ben Aoun: Contribution à l'étude des problèmes humains dans la steppe tunisienne (Paris: P.U.F, 1956); J. Poncet, "Un problème d'histoire rurale: Le Habous Aziza Othmana au Sahel," Les Cahiers de Tunisie , no. 31 , 3 ème trim. (1960), pp. 137 - 156 ; J. Poncet, La Colonisation et l'agriculture européennes en Tunisie depuis 1881: Étude de géographie historique et économique (Paris: La Haye Mouton, 1962); J. Poncet, "Statut foncier et rapports sociaux dans la Tunisie d'avant 1881 ," in: C.E.R.M., Sur le féodalisme (Paris: Éd. sociales, 1974), pp. 188 - 210 ; A. Benachenhou, Régime des terres et structures agraires au Maghreb (Alger: Éditions populaires de l'armée, 1970); Abdelmajid Bouslama, "L'évolution du Régime de la Propriété immobilière en Tunisie," Revue juridique et politique: Indépendance et coopération , vol. 24 , no. 4 (1970), pp. 683 et sq; Valensi, Fellahs Tunisiens ; Jacques Berque, L'Intérieur du Maghreb: XVe-XIXe siècle (Paris: Gallimard, 1978).
بات من الضروري بالنسبة إليَّ أن أعالج مصادري من منظور إبستيمولوجي مغاير. ولتحقيق ذلك كان عليَّ أن أسائل هذه "المعرفة الاستعمارية" في مجال التملك ذات الخلفيات الأيديولوجية، لأنها وضعت بدرجة أساسية لخدمة المنظومة الاستعمارية القاضية بوضع اليد على أكثر ما يمكن من الأراضي. ولمواجهة هذا العلم، كان عليّ أن أطرح الأسئلة التالية: كيف أعيد النظر في البناء المعرفي الاستعماري في ما يتعلق بالملكية العقارية؟ وما هو البعد الإبستيمولوجي في ذلك؟ وما هي الأسئلة التي ساعدتني على القطع مع الدراسات التي أنجزت حول موضوع الملكية في الفترة الاستعمارية وحتى في الفترة الأولى بعد الاستقلال؟ هكذا بدأت الخروج من الانسداد المعرفي بإعادة التفكير أولً في التصنيفات المعرفية ذاتها، وخاصة بإعادة تفكيكها ومساءلتها؛ فبدلً من أن أنطلق منذ البداية في دراسة قضايا التملك خلال الفترة الحديثة بالاعتماد على الأرشيفات المعنية، كان عليَّ أولً أن أستثمر الجهد في حل العقد المعرفية الاستشراقية التي تشكل حاجزًا أمام دراسة وثائق الملكية وفهمها على أفضل حال. وكان الحل هو التخلص من العبء الاستشراقي والانطلاق بعد ذلك في دراسة قضايا الملكية وأشكال التملك، ولم يكن ذلك ممكنًا منذ البداية من دون الوعي بقصور الجهاز المفاهيمي الاستشراقي المتوافر، ومن دون تفكيكه واستبداله بتصنيفات معرفية تتخطى المعوقات التي فرضها العلم الاستعماري. هكذا تخلصت من السطوة المعرفية التي بناها المستشرقون، واتجهت إلى معالجة قضايا التملك خلال الفترة السابقة عن الاستعمار بأدوات ومصطلحات أخرى لا تمتُّ بصلة إلى ما أنتجه العلم الاستعماري. وكانت الطريقة التي اعتمدتها للخوض في قضايا التملك هذه أن أنطلق من تصنيفات الفاعلين في الفترة السابقة للاستعمار، التي أرصدها من الأرشيف ذاته، وأن أطرح أسئلة حولها في علاقة وطيدة بالسياق التاريخي للفترة الحديثة، وهو التمشي الذي أسميته لاحقًا منهج "أهلنة" المعرفة20؛ وبهذا التمشي لا يكون الحذر في الطريقة المتوخاة في قراءة الوثائق ومساءلتها فقط، بل في الطريقة المعتمدة لتوظيف المفاهيم والأدوات التحليلية المناسبة، والتخلي عن كل ما يشبه الإسقاط أيضًا.
خاتمة
ما هي الاستنتاجات التي نخرج بها من إعادة النظر في التجربة البحثية في الأرشيفات المتعلقة بتاريخ البلاد التونسية خلال العهد الحديث؟ عمومًا مرَّت تجربتي في الاشتغال بالأرشيفات بثلاث مراحل أساسية، وذلك من دون تخطيط مسبق: تميزت الأولى بالعفوية والسذاجة في التعامل مع الوثائق. ومن الغريب أن يُواكب هذه المرحلة إحساس بالنشوة وبلذة الاكتشاف السهل. في مرحلة ثانية يتضح لي أن تلك النشوة، وكذلك ما اعتقدته اكتشافًا هو في الحقيقة مجرد سراب. وسرعان ما ينتابني إحساس بانسداد الأفق، فتكون الصدمة مع الشعور بالإحباط. تأتي بعد ذلك وقفة التأمل، فكانت بالنسبة إليَّ مرحلة المساءلة والكشف عن مواضع الإعاقة، والبحث عن آلة التأويل، واستنباط الأسئلة المناسبة، والوصول إلى حلول منهجية تساعدني في النهاية على الخروج من عنق الزجاجة، خاصة عند الاهتداء إلى طريقة مجدية للتعامل مع هذه الأرشيفات وخصوصيتها.
كانت هذه المراحل الثلاث تتكرر بالطريقة نفسها تقريبًا مع الأرشيفات من تجربة إلى أخرى، ولا أظن أن هنالك "وصفة" محددة تكون صالحة للتعامل بصورة مثلى مع كل الأرشيفات. تلك هي، إذًا، خلاصة تجربتي الخاصة مع الأرشيفات التي اشتغلت بها. إنها تجربة ذاتية جدًا، ولا أظنها تحصل لباحث آخر بالصورة نفسها، والإفصاح عن الجانب الذاتي في هذا المجال مفيد، ويمكن أن يكون مصدر معرفة في حد ذاته، ذلك أن البحث هو قبل كل شيء فعل اجتماعي، له سياقاته وإكراهاته. ويحسن أن نفكر فيه من هذه الزاوية، لأنه يشكل في نهاية المطاف مكوِّنًا من بين مكونات المعرفة. كشفت لي تجربتي أيضًا أن الأرشيفات تحمل في طياتها فخاخًا يمكن أن تحدَّ من الفهم الحقيقي للواقع الذي أروم الكشف عنه إذا لم أنتبه إليها. في تجربتي مع الأرشيف الجبائي المتعلق بمنطقة الجريد التونسي، كان عليَّ أن أتخلى عن فكرة عبادة الأرشيف archive ’ l de fétichisation la كونها تكشف عن كل الجوانب ما دامت صادرة عن الإدارة المركزية، وكونها أيضًا "موضوعية" (هكذا أُولت أو صُنفت من طرف بعض الدراسات) وتختلف عن كتابات "الإخباريين" المتقطعة والمشحونة بالخطاب المنحاز إلى جانب السلطة المركزية. إن الأرشيفات ليست أكثر "موضوعية" في الحقيقة؛ إذ لا تكشف سوى عن جوانب وتهمل أخرى، فالأرشيف يخضع بالأساس لإكراهات الإدارة المركزية التي سهرت على وضعه، ومن الضروري الكشف عن هذه الإكراهات إذا أردنا الولوج إلى أعماق معاني الأرشيفات، وإذا أردنا أن نعرف أيضًا كيف نقرأ من خلالها. من هنا بات من الضروري أن نقرأ المصادر الأرشيفية على أنها فعل اجتماعي له سياقاته ورهاناته، حتى نتعرف إلى المنطق أو المنظومة التي تتحكم في عملية إنشائها، وأن المعرفة التي تُبنى انطلاقًا من هذه الأرشيفات هي أيضًا نتاج لفعل اجتماعي يكون مصدره الباحث ذاته الذي يخضع بدوره لسياقات الحاضر بكل ما يحمله من إكراهات معرفية وغير معرفية. من دون قراءة الأرشيفات على أنها نتاج (اجتماعي وحرفي وسياسي)، قد لا نفهم الشيء الكثير منها. هذا يعني أن نفكر أولً في الكيفية التي أنتجت بها هذه الأرشيفات وسياقاتها. يمكن أن نقرأ من خلالها أشياء كثيرة قد لا نراها لو اقتصرنا فقط على البحث عن المعلومات المعزولة والمتناثرة فيها، والبحث عن المعلومة الخارقة للعادة قد يخفي عنَّا إمكانية اكتشاف العادي الذي هو أمام أعيننا أحيانًا، وهو الذي يساعدنا حقًا على فهم أدوار الفاعلين الذين كانوا وراء وضع الوثيقة الأرشيفية. هكذا يجب على المؤرخ في هذه الوضعيات أن يؤول المصدر الأرشيفي باستمرار، وهذا يعني أنه يجب عليه دائمًا أخذ المسافة اللازمة من الأرشيف، فالكشف عن النقائص التي تحملها الأرشيفات يمكن أن يساعد على الكشف عن الآليات التي كانت وراء ذلك النقص. هكذا يتبين أن الوثائق الأرشيفية هي إنتاج وممارسة أكثر منها خزانة معلومات. فهي نتاج لفعل اجتماعي في وضعها، كما أن استعمالها لبناء معرفة تاريخية هو أيضًا نتاج لممارسة وتجربة بحثية، ويجب أن ننظر إلى هذه المعرفة التاريخية على أنها قبل كل شيء نتاج لفعل المؤرخ وإمكاناته الذاتية في سياق حاضره، فالكتابة التاريخية فعل ينهل من حاضر المؤرخ ومن إمكاناته المنهجية والمعرفية، أي إنها في نهاية المطاف نتاج لفعل اجتماعي أيضًا، فهي إذًا ليست نتاجًا صرفًا للأرشيفات؛ ذلك أن الأرشيفات لا تبني المعرفة التاريخية، ولا تعطيها بصورة تلقائية أصل. واضح أن معرفة الماضي لا تتقدم إلا من خلال توسيع حقول المصادر الوثائقية والتجديد في النظر فيها ومن خلالها. وطبعًا، يكون ذلك متلازمًا مع التجديد في طرق استجوابها ومساءلتها. وحتى نستفيد من مخزون الأرشيفات، يجب أن نعيد دائمًا استنباطها من حيث كونها مدونة مصدرية متجددة، نطرح عليها الأسئلة المناسبة لكي نجعلها تبوح من جديد بأسرارها التاريخية. والاستثمار المجدي
للوثائق يمر حتمًا عبر التغيير المتجدد في زاوية النظر وفي كيفية تحليل الوثيقة ومساءلتها. ومن خلال تدقيق النظر في الوثائق والتحقيق فيها بصورة متجددة تتغير الاستنتاجات الأولية، ذلك أن البحث تجربة معرفية، وهو مسار ونهج. ما الذي استنتجته من هذا الفعل الانعكاسي في تجربتي البحثية؟ أو بتعبير آخر ماذا علمني هذا التفكير في تجربتي البحثية في الأرشيفات العثمانية في تونس؟ ما قدمته في هذه الورقة هو إعادة التفكير في التجربة البحثية الأولى التي وظفت فيها هذه الوثائق الأرشيفية منذ أكثر من أربعين سنة مضت، فهو رجوع إلى البدء، وبذلك يكتمل محيط الدائرة bouclée est boucle la، لغاية معرفية متجددة. وهو بصورة أو بأخرى فعل انعكاسي اجتماعي على النمط الذي تصوره بورديو Bourdieu21. والمسافة في هذا المجال ضرورية حتى يستطيع المؤرخ التفكير في تجربته مع الأرشيف: في ما حققه من نتائج، وفي ما أخفق فيه. هكذا تبدو العلاقة بين المؤرخ والأرشيف ممتدة في الزمن؛ فهي متجددة لا تنتهي. وبالرجوع إلى التفكير في الممارسة الأرشيفية تصبح القراءة في الأرشيفات وفي كيفية التعامل معها من درجة ثانية degré second au lecture une، فالمسألة بالأساس ثقافية معرفية، فكلما تقدم المؤرخ في الزمن نضجت أفكاره وتعمق فهمه لمصادره ولموضوعاته، فيحصل العود إلى المصادر الأرشيفية، وتحصل إعادة التفكير فيها كلما توفرت أسئلة جديدة وأدوات تحليلية مبتكرة لمعالجتها، فأسئلة الحاضر حول أرشيفات الماضي هي في نهاية المطاف نتاج لمعارف تتراكم بصورة تدريجية. هناك إذًا تماثل symétrie في التعامل بين المصادر الأرشيفية والكتابة التاريخية في الزمن الحاضر، مما يضع تاريخية عمل المؤرخ، والمؤرخ ذاته أيضًا، في قلب التمشي الذي يعتمده لمعالجة مصادره الأرشيفية. كل ذلك يبين كيف أن الحاضر المتجدد (أي حاضر المؤرخ) يفعل فعله في استقراء الأرشيفات، وأن المعرفة التاريخية، وإن اعتمد بناؤها على مصادر من الماضي، تبقى في نهاية المطاف نتاج فعل اجتماعي وليد حاضر المؤرخ. هكذا يصبح المؤرخ وذاتيته في قلب رحى المعرفة التاريخية. بهذه النظرة نضع المؤرخ في الصورة التي يرسمها بنفسه، تمامًا كما نضع الفنان داخل اللوحة التي يرسمها.
Jérémy Clairat, "Les Mises en scène d’un sociologue: Pierre Bourdieu par lui-même. Sources et ressources de la réflexivité," in: O. ihl & P. Veitl, Séminaire, "Les Mises en Scène du politique," Université Pierre Mendès France, Institut d’études politiques de Grenoble (2003 - 2004), accessed on 27 / 5 / 2019 , at: https://bit.ly/ 2 Ma 5 U 2 Y
Joseph Morsel, "Traces? Quelles traces? Réflexions pour une histoire non passéiste," Revue historique , vol. 4 , no. 680 (Janvier 2016), pp. 813 - 868.
المراجع
العربية
الأرشيف الوطني التونسي، الدفتر رقم 620.
الإمام، رشاد. سياسة حمودة باشا في تونس. تونس: منشورات الجامعة التونسية، 1980.
برنشفيك، روبار. تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15. نقله إلى العربية حمادي الساحلي. ج 1 و 2.
بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988.
عبد السلام، أحمد. المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م: رسالة في تاريخ الثقافة. نقله من الفرنسية إلى العربية
أحمد عبد السلام وعبد الرزاق الحليوي. تونس: بيت الحكمة، 1993.
هنية، عبد الحميد. "الملكية والأسرة لدى بعض القبائل التونسية في بداية القرن الثامن عشر." الكراسات التونسية. مج 30.
العددان 121 - 122 (1982.)
________. "عندما يخترق دفتر جبائي الأجيال". كراسات الأرشيف. الدفتر الجبائي رقم 1. تونس: منشورات الأرشيف الوطني
التونسي، 2010.
________. "التجديد في الكتابة التاريخية عبر منهج ’أهلنة‘ المعرفة". ورقة مقدمة في مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية. المركز
العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة 23 - 25 / 3 / 2019.
الأجنبية
• Bachrouch, Taoufik. Formation sociale barbaresque et pouvoir à Tunis au XVIIe siècle. Tunis: Publications de
l’université de Tunis, 1977.
• ________. Le Saint et le prince en Tunisie: Contribution à l’etude des groupes sociaux dominants 1782 - 1881. Tunis:
Publications de l’Université de Tunis, 1989.
• Ben Youssef, Mohamed Sghîr. Târîkh al-mašra‘ al-mulkî fî salt’anat ‘Awlâd ‘Alî at-Turkî. Victor Serres &
Mohammed Lasram (trad.). Mechra el-Melki: Chronique tunisienne (1705 - 1771): Pour servir à l’histoire des quatre
premiers beys de la famille Husseï nite. 2 ème éd. Tunis: Éditions Bouslama, 1978.
• Benachenhou, A. Régime des terres et structures Agraires au Maghreb. Alger: Éditions populaires de l’armée, 1970.
• Berchem, Max Van. La Propriété territoriale et l’impôt foncier sous les premiers califes: Étude sur l’impôt du
kharâdg. Genève: H. Georg, libraire de l’universite, 1886.
• Berque, J. & D. Chevalier (éds.). Les Arabes par leurs archives (XVIe-XXe siècles). Paris: CNRS, 1976.
• Berque, Jacques. L’Intérieur du Maghreb: XVe-XIXe Siècle. Paris: Gallimard, 1978.
• Bessis, A. et al. Le Territoire des Ouled Sidi Ali Ben Aoun: Contribution à l’étude des problèmes humains dans la
steppe tunisienne. Paris: P.U.F, 1956.
• Bouslama, Abdelmajid. "L’Évolution du régime de la propriété immobilière en Tunisie," Revue juridique et
politique: Indépendance et coopération. vol. 24 , no. 4 (1970).
• Boutier, Jean et al. Corpus, sources et archives , serie: Études et travaux de l’IRMC. Tunis: Institut de recherche sur
le Maghreb contemporain, 2001.
• Brunschvig, Robert. La Berbérie orientale sous les hafsides des origines à la fin du XV siècle. vol. 1 , 2. Paris:
Adrien-Maisonneuve, 1940 et 1947.
• C.E.R.M., Sur le féodalisme. Paris: Éd. Sociales, 1974.
• Chailley-Bert, J. "La Colonisation agricole en la Tunisie," Revue générale des sciences pures et appliquées (1896).
• Chater, Khalifa. Dépendance et mutations précoloniales: La régence de Tunis de 1815 à 1857. Tunis: Publications de
I’ Université de Tunis, 1984.
• Chérif, Mohammed-Hédi. Pouvoir et société dans la Tunisie de H’usayn Bin ‘Alî (1705- 1740). Series publications de
l’Université de Tunis. 4 ème série: Histoire. vol. 1 , 2. Tunis: Publications de i’Université de Tunis, 1984 - 1986.
• Congrès de l’Afrique du Nord (1908). at: https://bit.ly/ 2 JeVAC 8
• Coste, H. Les Impôts Achour et Hokor dans le département de Constantine. Alger: Jourdan, 1911.
• Montety, H. de. Une loi agraire en Tunisie: Étude de la législation établie en vue d’assurer la fixation au sol des
indigènes sur les terres habous. Cahors: IMP. Coueslant, 1927.
• ________. Code du droit d’occupation des fonds ruraux Habbous en Tunisie. Tunis: Imprimerie de la renaissance, 1932.
• ________. "Adaptation du jurisme occidental aux réalités sociales tunisiennes en matière foncière," IBLA. vol. 5 ,
no. 2 (Avril 1942).
• Dumas, P. Les Populations indigènes et la terre collective de tribu en Tunisie. Tunis: Imprimerie française, 1912.
• Elboudrari, Hassan & Daniel Nordman (eds.). Les Savoirs de l’administration: Histoire et société au Maghreb du
XVIe au XXe siècle. Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz, 2015.
• EL-Moudden, A. & A. Benhadda (coord.). Les Études ottomans au Maghreb à travers les archives locales et
méditerranéennes. Rabat: La Faculté des lettres et des sciences humaines, 2005.
• Ferchiou, Sophie (dir.). Hasab wa nasab: Patrimoine, alliance et en Tunisie. Series: Sociétés arabes et musulmanes
7. Paris: Éditions du CNRS, 1992.
• Ganiage, Jean. Les Origines du protectorat français en Tunisie (1861- 1881). 2 ème éd. Tunis: Maison tunisienne de
l’édition, 1968.
• Henia, Abdelhamid. Le Jérid: Ses Rapports avec le Beylik de Tunis (1676 - 1840). Tunis: Publications de l’Ecole
Normale Supérieure de Tunis, 1980.
• ________. Propriété et stratégies sociales à Tunis à L’époque moderne (XVIe-XIXe Siècles). Tunis: Faculté des
Sciences humaines et sociales de Tunis, 1999.
• Ihl, O. & P. Veitl Séminaire. "Les Mises en scène du politique," Université Pierre Mendès France. Institut d’études
politiques de Grenoble (20032004-). at: https://bit.ly/ 2 Ma 5 U 2 Y
• Morsel, Joseph. "Traces? Quelles traces? Réflexions pour une histoire non passéiste." Revue Historique. vol. 4 , no.
680 (January 2016).
• Les Cahiers de Tunisie. no. 31 , 3 ème trim. (1960).
• ________. Tome XVI. no. 6164-63-62- , 1 er- 2 ème- 3 ème- 4 ème trim (1968).
• ________. Tome XX. no. 79 - 80 (1972).
• Lescure, Paul. Du double régime foncier de la Tunisie: Droit Musulman et loi foncière. Tunis: Imprimerie française
B. Borrel, 1900.
• Poncet, J. La Colonisation et l’agriculture européennes en Tunisie depuis 1881: Étude de géographie historique et
économique. Paris: La Haye Mouton, 1962.
• Pouyanne, M. La Propriété foncière en Algérie. Alger: Jourdan, 1900.
• Saumagne, CH. "Sur la législation relative aux terres incultes de L’Afrique Romaine." Revue Tunisienne
(Janvier - Juin 1922).
• Scemla, A. Le Contrat d’enzel en droit tunisien. Paris: Domat-Montchrestien, 1935.
• Valensi, Lucette. Fellahs tunisiens: L’Économie Rurale et la vie des campagnes aux XVIIIe et XIXe siècles. Paris:
La Haye Mouton, 1977.