Return to Article Details My Experience in the Portuguese Archives

تجربتي مع الأرشيف البرتغالي

My Experience in the Portuguese Archives

عثمن المنصوريOtmane

Mansouri

الملخّص

تعود تجربتي مع الأرشيف الأوروبي عمومًا، والأرشيف البرتغالي خصوصًا، إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام 1980 ، حصلت على الشهادة التي تخوّلني إعداد دبلوم الدراسات العليا، فاتصلت بعبد اللطيف الشادلي، فعرض عليّ البحث في موضوع التجارة والتجار بالمغرب في القرن السادس عشر. وكان واضحًا لنا منذ البداية أن المصادر المغربية التقليدية لا يمكنها بطبيعتها أن تفيد كثيرًا في معالجة هذا الموضوع. ونظرًا إلى صعوبة الموضوع، أوصاني الأستاذ المشرف بالتريّث قبل تسجيله، والقيام بجولة في المظان الموجودة، والتأكد من قابلية هذا المشروع للإنجاز، وأشار عليّ بأن أنقّب في مجموعة المصادر الأصلية لتاريخ المغرب، علّني أجد فيها غايتي من المعلومات التقنية الضرورية للتعامل مع موضوع التجارة. وبعد قضائي لعدة شهور في استطلاع ما تحويه هذه المجموعة من مادة، تبيّن لي أن الأمر جدير بالمجازفة، فأخبرت أستاذي أنني قررتُ الاشتغال في الموضوع، وسجّلته في عام 1980 . في هذه الفترة كان اهتمام الباحثين ومؤطريهم منصبًّا على فترتَ التاريخ الوسيط والمعاصر، وعلى الدراسات المونوغرافية والتاريخ العام والديني والاجتماعي، ولم يتعدى عدد .الأبحاث المسجلة في مجال التاريخ الاقتصادي أصابع اليد الواحدة. بعد مناقشة هذه الرسالة عرض عليّ الأستاذ الشادلي أن أشتغل على موضوع العلاقات المغربية - البرتغالية، على أساس استغلال الأرشيف البرتغالي الذي تبيّ من خلال الموضوع الأول أنه غني ومنوّع، ويحتاج إلى من يستغلّه استغلالً جيدًا لمعرفة العديد من الجوانب الخفية في تاريخ المغرب نفسه، وفي علاقاته بالبرتغال والدول الأوروبية. قسمت هذا العرض إلى قسمين، وفي كل منهما قدَّمت تجربتي في التعامل مع المادة الأساسية التي اشتغلت بها في إعدادي موضوع التجارة والعلاقات المغربية - البرتغالية.

Abstract

My Experience in the Portuguese Archives

الكلمات المفتاحية:
  • ندوة أسطور
  • أرشيف
  • البرتغال

مقدمة

تعود تجربتي مع الأرشيف الأوروبي عمومًا، والأرشيف البرتغالي خصوصًا، إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام 1980، حصلت على الشهادة التي تخوّلني إعداد دبلوم الدراسات العليا، فاتصلت بعبد اللطيف الشادلي، فعرض عليَّ البحث في موضوع التجارة والتجار بالمغرب في القرن السادس عشر1. وكان واضحًا لنا منذ البداية أن المصادر المغربية التقليدية لا يمكنها بطبيعتها أن تفيد كثيرًا في معالجة هذا الموضوع. ونظرًا إلى صعوبة الموضوع، أوصاني الأستاذ المشرف بالتريّث قبل تسجيله، والقيام بجولة في المظان الموجودة، والتأكد من قابلية هذا المشروع للإنجاز، وأشار عليّ بأن أنقّب في مجموعة المصادر الأصلية لتاريخ المغرب، علّني أجد فيها غايتي من المعلومات التقنية الضرورية للتعامل مع موضوع التجارة. وبعد قضائي لعدة شهور في استطلاع ما تحويه هذه المجموعة من مادة، تبيّ لي أن الأمر جدير بالمجازفة، فأخبرت أستاذي أنني قررتُ الاشتغال في الموضوع، وسجّلته في عام 1980. في هذه الفترة كان اهتمام الباحثين ومؤطريهم منصبًّا على فترتَ التاريخ الوسيط والمعاصر، وعلى الدراسات المونوغرافية والتاريخ العام والديني والاجتماعي، ولم يتعدَّ عدد الأبحاث المسجلة في مجال التاريخ الاقتصادي أصابع اليد الواحدة2. بعد مناقشة هذه الرسالة عرض عليّ الأستاذ الشادلي أن أشتغل على موضوع العلاقات المغربية - البرتغالية، على أساس استغلال الأرشيف البرتغالي الذي تبيّ من خلال الموضوع الأول أنه غني ومنوّع، ويحتاج إلى من يستغلّه استغلالً جيدًا لمعرفة العديد من الجوانب الخفية في تاريخ المغرب نفسه، وفي علاقاته بالبرتغال والدول الأوروبية. قسمت هذا العرض إلى قسمين، وفي كل منهما قدَّمت تجربتي في التعامل مع المادة الأساسية التي اشتغلت بها في إعدادي موضوع التجارة والعلاقات المغربية - البرتغالية.

أولً: تجربتي مع المصادر الأصلية لتاريخ المغرب3

1. تعريف بالمصادر الأصلية لتاريخ المغرب

يأتي إصدار هذه المجموعة في إطار مشروع ضخم، بدأ قبل فرض الحماية الفرنسية على المغرب، وذلك في عام 1905، تحت إشراف الكونت هنري دو كاستر. مع طاقم من الباحثين المتخصصين الذين عملوا على البحث في أرشيف بعض المكتبات الأوروبية عن

  1. باحث ومؤرخ، رئيس الجمعية المغربية للبحث التاريخي. Researcher and historian, Head of the Moroccan Association for Historical Research.
  2. نشُر هذا البحث تحت عنوان: عثمان المنصوري، التجارة بالمغرب في القرن السادس عشر: مساهمة في تاريخ المغرب لاقتصادي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001)، 501 صفحة.
  3. ثلاث رسائل كلها من الفترة الحديثة، انظر: عمر أفا، دليل الأطروحات والرسائل الجامعية المسجلة بكليات الآداب بالمغرب 1961  -  94 19، ج 3 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1996)، ص 286.
  4. تحيّ المترجمون في ترجمة Maroc Du Histoire ’ L de Inédites Sources Les، فمنهم من سمّاها الغميسة، ومن سمّاها الأصلية، ومن سمّاها مصادر لم تنشر، ومنهم من اكتفى بتسميتها مصادر دوكاستر، نسبة إلى صاحب المشروع هنري دوكاستر.

كل الوثائق الموجودة فيها والمتعلّقة بتاريخ المغرب، أو علاقاته بالدول الأوروبية، واقتصر عملهم على الدول التي كانت لها علاقات مهمة بالمغرب في الفترتين الحديثة والمعاصرة، وهي فرنسا وإسبانيا وإنكلترا والبرتغال والأراضي المنخفضة. وعملوا على رصد هذه الوثائق وجردها وتصويرها وجمعها، ثم ترتيبها كرونولوجيًا، بحسب المكتبات والدول التي توجد فيها. وبعد ذلك أ عدت للنشر، عن طريق مجموعة من العمليات المرافقة للنصوص، أوّلها ضبط المضامين بالشرح اللغوي وتوضيح الإشكالات الباليوغرافية وتفسير المصطلحات والتعريف بالأعلام والأماكن، وتوضيح النصوص بالخرائط والرسوم البيانية والجداول، وترجمتها وتلخيصها وتعزيزها بمقالات عامة توضح السياقات التي رافقت الأحداث والمحطات الكبرى التي تتطرق إليها. قُدّمت الوثائق مرتبة بحسب الأعوام، بالمنهجية نفسها المعتمدة في كل المجلدات، حيث تُعطى الوثيقة رقمًا ترتيبيًا يوضع في أعلى الصفحة، مع عنوان يوضح نوعيتها (رسالة، عقد، اتفاق، تقرير، وغير ذلك). وتحته ملخص في بضعة أسطر لمضامين الوثيقة باللغة الفرنسية، ويليه مكان صدورها وتاريخها إن كان معروفًا. وإذا كانت الوثيقة باللغة العربية تقدّم مرقونة وكاملة، ومعها صورة النص الأصلي، ثم ترجمتها كاملة إلى الفرنسية، وكذلك الشأن إن كانت بالفرنسية، أما إن كانت بلغة أخرى مثل الإسبانية أو البرتغالية، فيقدّم لها بملخص يترجم مضمونها بالفرنسية. صدرت في إطار هذا المشروع مجلدات قاربت الثلاثين، استمرت أزيد من ستين عامًا، حيث أكمل المشروع باحثون آخرون، وقدّموا إلى الباحثين في تاريخ المغرب مادة غنية ومميزة. وبحكم اشتغالي على القرن السادس عشر، ركزت في بحثي على المجلدات المتضمنة الوثائق المنتمية إلى هذا القرن، وهي الأجزاء الثلاثة الأولى من المجموعة الفرنسية عن الأسرة السعدية، والجزء الأول من مجموعة الأراضي المنخفضة والأجزاء الإسبانية والإنكليزية والبرتغالية، ما يُعطي في الأخير 15 مجلدًا، يراوح عدد صفحات كل واحد منها بين 400 و 700 صفحة.

2. طريقة تعاملي مع المصادر الأصلية لتاريخ المغرب

لم يكن الحصول على هذه المجلدات في متناول أمثالي من الباحثين في الثمانينيات، لارتفاع ثمنها وعدم وجودها في مكتبات البيع، وكان عليّ الانتقال من مدينة المحمدية إلى المكتبة العامة بالرباط، للاطلاع عليها في قاعة المطالعة، لأنها من الكتب التي لا تُعار. وكان عليّ أيضًا أن أقوم بمسح كامل لها، بحثًا عن جميع الإشارات والمعلومات التي لها علاقة بالتجارة والتجار في القرن السادس عشر، وتسجيلها مع ملاحظاتي عليها وتوثيقها بالمجلد والصفحة، مع ضرورة الاستغلال الجيد للوقت المحدود المُتاح لي، خارج أوقات العمل، وفي العطل المختلفة، والعمل على نسخ الوثائق الأهمّ بخط اليد أو بالتصوير (الفوتوكوبي) الذي كان في بداياته مكلفًا، ولا يمكنه تلبية طلبات العدد الكبير من روّاد المكتبة. بحثتُ في البداية عن المعلومات المباشرة التي لها علاقة واضحة ووثيقة بالتجارة، مثل النقود والسلع والأثمان والأسواق والموازين، لكن اتضح لي بعد بضعة أسابيع، أن هذه الطريقة لن تجديني نفعًا. فغيّت استراتيجيتي، بأن نظرت إلى الموضوع نظرة أوسع، وأدخلت فيه العوامل المؤثرة في النشاط التجاري والعلاقات بالدول الأوروبية، وخصصت للعمل دفترًا كبيرًا، أسجل فيه كل المعلومات التي أحصل عليها، مرتبة وموثّقة، وجعلته المرجع الأساسي للمادة التي سأشتغل عليها عند تحرير الرسالة فيما بعد. أهم ميزة في هذه المجموعة الوثائقية هي أنها ميسّة للباحث، حيث لا يحتاج إلى فك طلاسم الخطوط، ولا إلى التوقف مطوّلً للبحث عن الشروح المتعلقة بالأماكن والأعلام والمصطلحات، أو البحث عن المعلومات الأساسية عن الوثيقة ومحل وجودها، وغير ذلك من المعلومات الضرورية. كما أعطى ترتيبها بحسب تاريخ إصدارها الباحث فرصةَ التوجه مباشرة إلى الفترة التي يشتغل عليها. ولعل هذا

هو السبب الذي حصر استغلالها في عدد محدود من الباحثين الذين اتجهوا مباشرة إلى الأعوام والأحداث السياسية التي تهم بحثهم، وقلة قليلة جدًا هي التي اطلعت بالتفصيل على كل الأجزاء، أو على معظمها. كانت طبيعة الموضوع الذي اشتغلت عليه، تتطلّب مني ألّ أكتفي بالاطلاع على الموضوعات العامة، وأن أغوص في التفصيلات، وأن أقرأ النصوص سطرًا سطرًا، بحثًا عن المعلومات الشحيحة والمتفرقة التي لا تجود بها المصادر المغربية عادة، ومن بينها المعلومات المتعلقة بالبضائع التي كانت محل تبادل بين المغرب والدول الأخرى، أو كانت رائجة في المغرب، والنقود المستعملة والرائجة وعمليات الصرف والأسعار وحجم التبادل التجاري والأسواق والموازين والمقاييس، والمسافات بين المراكز التجارية ومخازن السلع والجمارك والضرائب، والاتفاقات المرتبطة بالنشاط التجاري، وأسماء التجار والسماسرة والوكلاء والأحداث المؤثرة في النشاط التجاري وأثمان السلع، مثل الحروب والمجاعات والجفاف والسكان وتدخّل المخزن أو الدول الأوروبية والاحتكار، وعمليات الصرف، ومشاكل التعامل والمنافسة والمواصلات. وهذا يعني أنني كنت مضطرًا إلى قراءة الوثائق كلها والتدقيق فيها وعدم الاكتفاء بالمقدمات التي تترجم باختصار مضامينها، والبحث بدقة في الوثيقة نفسها، وغالبًا ما تكون مكتوبة بلغة غير الفرنسية، مثل الإسبانية أو الإنكليزية أو البرتغالية، فأضطر إلى الاستعانة بقواميس هذه اللغات، ما يزيد الأمر صعوبة، ويأخذ مني وقتًا إضافيًا.

3. خصائص ومزايا مصادر دوكاسر

لا تُمكّن المصادر المغربية الباحث من الحصول على مادة تُشبِع نهمَه من أجل إعداد الموضوعات التي تخرج عن السياسة والأحداث العامة والسير والحياة الدينية والاجتماعية، وعادة ما تأتي هذه المعلومات بشكل عرضي واستثنائي، في سياق الحديث عن المجاعات والجفاف، أو ضمن كتب النوازل والمناقب. ويمكن أن نستثني كتاب وصف إفريقية، للحسن الوزان، الذي يتضمن معلومات كثيرة، يمكن أن تُستَغل في التعرف إلى الحياة الاقتصادية في المغرب خلال بدايات الفترة الحديثة، لكن هذا الكتاب مصدر مكتوب بحسب اهتمامات الأوروبيين ورغباتهم، وتلبية لحاجتهم إلى التعرف إلى هذا الجزء من العالم الذي يكاد يكون مجهولً بالنسبة إليهم، ومع هذا اعتمدتُ عليه كثيرًا، مع إبداء ما يلزم من التحفظات المنهجية على استعماله4. أما مصادر دوكاستر، فتمتاز بالتنوع الشديد، حيث نجد فيها الرسائل والاتفاقات والتقارير والإحصاءات والإيصالات والأحكام القضائية والوصف، وغيرها من الوثائق التي تتناول الموضوعات التي أسلفنا الحديث عنها، وهي تكاد تغيب في مصادرنا التقليدية. وعلى الرغم من أن معظمها كتبه أوروبيون، وخلا من الموضوعية في الشق المتعلق بالجوانب السياسية، وتقارير الحكام البرتغاليين، أو الأحكام المتعلقة بالمغاربة أو الديانة الإسلامية، فإن هذه المصادر كانت أكثر صدقية عندما تتحدث عن أحوال المغرب الاقتصادية، لأن التقارير التي كانت تصل إلى الدول الأوروبية، كانت موجّهةً إلى التجار والدول للاعتماد عليها في التبادل مع المغرب أو ربح المنافسة، وفيها يُركّز على بعض التفصيلات التي لا تؤخذ باهتمام الإخباريين المغاربة، لكنها مهمة للتجار البرتغاليين ودولهم، مثل المعلومات المتعلقة بأحوال السواحل ومصبّات الأنهار والمناخ والمد والجزر وتوافر المنتوجات الفلاحية أو المصنّعة، أو عدم توافرها، في كل المناطق القريبة من الثغور المحتلة والمراسي، وأسماء القبائل وشيوخها والحكام والأحداث المحلية والعملات الرائجة. إن الميزات المشار إليها، لا تخفف كثيرًا من المشكل الأساسي، وهو نُدرة المادة المطلوبة لإنجاز عمل متكامل في مجال التاريخ الاقتصادي، وخاصةً عندما يضيق هذا المجال بالاقتصار على موضوع بعينه، وهو التجارة. وأمام هذا الخصاص، اعتمدتُ بالاتفاق

  1. انظر: عثمان المنصوري، "وصف إفريقية للحسن الوزان، مصدرًا لتاريخ المغرب"، في: محمد استيتو (تنسيق)، المغرب في عهد الوطاسيين من خلال "وصف إفريقية" للحسن الوزان، سلسلة دراسات وأبحاث تاريخية 1 (الرباط: منشورات جمعية الحسن الوزان للمعرفة التاريخية، 2011)، ص  9 - 26.

مع أستاذي المشرف تصميمًا يُمكّنني من توظيف المادة التي حصلتُ عليها، عن طريق توسيع المجال الزمني ليشمل القرن السادس عشر كله، وبذلك يرتفع كم الأرقام المستعملة التي توظف كمؤشر، أكثر من كونها أرقامًا إحصائية دقيقة، وكاملة وموزّعة بانتظام على القرن كله. وقد وسعت - كما سبق أن ذكرت - مجال الموضوع ليشمل موضوعات تُفسّ النشاط التجاري وتطوّره وخصائصه، وتزيل عن البحث طابعه التقني الجاف، ومن بين هذه الموضوعات الفصول الخمسة من الباب الثالث التي تناولت تأثير المخزن والدول الأوروبية في النشاط التجاري، وكذلك الحروب والكوارث والسكان والضرائب.

ثانيًا: تجربتي مع أرشيف القنصلية البرتغالية العامة بطنجة

خلال مناقشة رسالتي عن التجارة، عبّ محمد حجي، رئيس اللجنة، عن رأي وافقه فيه العربي مزين، يتلخص في أن التركيز على دولة أوروبية واحدة يمكن أن يكون أكثر فائدة في البحث، وأبدى رغبته في أن أركز في بحثي القادم على دولة من دول أوروبا بعينها. بعد المناقشة بنحو شهر، استدعاني أستاذي وقال لي إن حماس العمل لا يجب أن يخبو، وعليَّ المبادرة بإعداد تقرير عن موضوع الأطروحة من أجل التسجيل تحت إشرافه. وكان عنوان الموضوع جاهزًا، وهو العلاقات المغربية - البرتغالية، من دون تحديد، في انتظار ما ستسفر عنه تحرّياتي الأولى. ولتسهيل مهمتي، اتصلتُ بصديق عزيز، تعرفت إليه في هذه المناسبة، وهو المستشار الثقافي للسفارة البرتغالية آنذاك السيد روي راشكيليو، وحدّد لي موعدًا للقائه واستشارته. كان المستشار، الشاعر والمؤرخ، رجلً طيبًا وعمليًا، ولا يتوانى في تقديم المساعدة، والقيام بكل المبادرات التي يمكنها أن تؤدي إلى التقارب بين البلدين، ورحّب أيّما ترحيب بفكرة الموضوع، وأبدى رغبته في مساعدتي إلى أبعد الحدود، فخرجت من لقائي به وأنا مصمم العزم على ركوب المغامرة الجديدة، ثم استدعاني مرة ثانية ووضع رهن إشارتي في أحد مكاتب السفارة، مجموعة من السجلات التي تتضمن نسخًا من وثائق السفارة التي كانت تسمى سابقًا القنصلية العامة للبرتغال، وكان مقرّها بطنجة، وأمضيت اليوم في تصفحها، على الرغم من أنني لا أعرف إلا نتفًا قليلة من اللغة البرتغالية، لا تسمن ولا تغني من جوع، وتبدّت لي أهميتها. كانت صفحاتها تربو على الستة آلاف صفحة، وكان معظمها يعود إلى القرن التاسع عشر، وظهر لي من الاطلاع السريع، أنها تفي بالغرض المطلوب، لكن الحكم النهائي بأهميتها يتطلّب تخصيص وقت أكبر لها، وضرورة التغلّب على العائق الأساسي، أي جهلي باللغة البرتغالية. اتّفق معي السيد راشكيليو على تزويدي بكل السجلات لتصويرها وإعادتها إليه، وبذلك أستطيع الاحتفاظ بها والاطلاع عليها جميعها متى شئت. أما بالنسبة إلى عائق اللغة، فقال لي إنه سيطلب لي منحة لتعلم اللغة البرتغالية في لشبونة عندما يستقر رأيي على الموضوع. وبذلك بدأت رحلة بحث طويل استمرت نحو 13 عامًا، وانتهت إلى مناقشة الأطروحة في عام 2001.

1. تعريف بأرشيف القنصلية البرتغالية بطنجة

بعد توقيع البرتغال اتفاقية الصلح مع المغرب في نهاية عام 1774، في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، أصبح لها ممثل في المغرب، كان وكيلً تجاريًا في تطوان، ثم انتقل إلى طنجة التي أصبحت عاصمة للدبلوماسيين الأجانب، بصفة قنصل، ثم قنصلً عامًا للبرتغال في المغرب، وهو جورج كلاصو الذي تولّ تمثيل الدولة البرتغالية في المغرب بين عامَي 1773 و 1783. وعمل كلاصو على إرساء بنيات التمثيل البرتغالي في المغرب، وتابع خلفاؤه من أسرته5 العمل على تركيز هذا التمثيل في كل المدن الساحلية التي كانت لها مصالح

  1. بعد موت الأب جورج كلاصو، خلفه ابنه جورج بيدرو كلاصو الذي قضى في المنصب أكثر من 33 عامًا (1783 - 1816)، وخلفه ابنه جورج جوزي كلاصو (1816 - 1841) الذي خلفه أيضًا ابنه جورج ريموندو (1841 - 1856)، وبعده أخوه جوزيف دانييل كلاصو الذي استمر في مزاولة مهماته إلى نهاية القرن التاسع عشر.

في المغرب، عن طريق إحداث قنصليات في أهم الموانئ: العرائش والدار البيضاء وأزمور والجديدة وأسفي وغيرها، لحماية مصالح الدولة البرتغالية في المغرب، وخاصةً التبادل التجاري والتنسيق العسكري والملاحة6. خلال هذه المدة، كانت القنصلية البرتغالية تزوّد وزارة الخارجية والمصالح والإدارات المرتبطة بالملاحة والصحة والتجارة والجيش بالعديد من الوثائق والتقارير عن المغرب وأحواله المختلفة وعلاقاته بالدول الأخرى وغير ذلك من الموضوعات والمعلومات المهمة.

أ. توزيع أرشيف القنصلية العامة على المكتبات والمؤسسات البرتغالية

ترتب عن التقارير المذكورة آنفًا، كم كبير من الوثائق التي تُغطي هذه الفترة كلها، وتشكل مادة صالحة للاستغلال من الباحثين. وهي الآن موزعة على العديد من المكتبات والمؤسسات، ومن بينها على الخصوص: مكتبة طوري دو طومبو في لشبونة tombo do Torre: اشتغلتُ فيها بمراسلات القناصل البرتغاليين إلى كتابة الدولة في الشؤون الخارجية - التي تمرّ منها جلّ المراسلات - وتوجد في ثلاثة صناديق خشبية، تشتمل على نحو 3000 صفحة مؤرخة بالفترة الممتدة بين عامي 1787 و 18447. مكتبة أكاديمية العلوم بلشبونة Lisboa de Ciências das Academia: تشتمل هذه الأكاديمية العريقة على العديد من الوثائق والمخطوطات العربية، وجزء من الأرشيف البرتغالي المتعلق بالمغرب، ومنه مجموعة من الوثائق المتعلقة بقنصليتي البندقية والبرتغال8. أرشيف السفارة البرتغالية بالرباط: اشتغلتُ على الجزء المتعلق بالفترة المدروسة، وهو يقدر بما يزيد على 6000 صفحة من الصور التي تمكّنت من نسخها في بداية اشتغالي9، ونُقلت مؤخرًا إلى البرتغال، آلاف الصفحات الأخرى التي عاينتُها وصوّرت بعضًا منها، وتوجد في مكتبة وزارة الخارجية البرتغالية في انتظار التصنيف والضبط10. وثائق أخرى: توجد أيضًا وثائق معظمها نسخ من المراسلات الأصلية أو ملاحق موجّهة إلى إدارات عمومية برتغالية أو إلى الموانئ والبحرية البرتغالية، في الأرشيف التاريخي لما وراء البحار U. H. A – Ultramarino Historico Arquivo، الذي يضم عشرات الآلاف من الوثائق المتعلقة بالمناطق التي ربطتها بالبرتغال علاقات تبعية أو مصالح تجارية في العالم، ومن بينها منطقة شمال إفريقية11.

  1. انظر مادة أسرة كلاصو فيمعلمة المغرب، العدد 24 (2008)، الملحق 1، ص 260  -  263. أعيد نشرها في: عثمان المنصوري، المغرب والبرتغال: أبحاث من الأرشيف البرتغالي (الرباط: مطابع الرباط نت، 2017)، ص 13 - 18؛ انظر أيضًا: Jorge Forjaz, Os Colaço: Uma Família Portuguesa em Tânger (Lisboa: Guarda-Mór, 2004), pp. 103  -  105.
  2. تشكل هذه الصناديق أساسَ عملي في الأطروحة، ويشتمل الصندوق الأول على المراسلات المؤرخة بين عامَي 1787 و 1822، ورقمه:  299: MNE: Cx، ويضم الصندوق الثاني مراسلات الفترة الممتدة بين عامَي 1822 و 1832، ورقمه: 300: MNE: Cx، أما الصندوق الثالث، فيتضمن نحو 212 مراسلة، ويغطي الفترة بين عامَي 1833 و 1844، ويحمل رقم: 299: MNE: Cx.
  3. اشتغلتُ على مجموعتين: الأولىتؤرخ للفترة بين عامَي 1771 و 1845، ورقمها: 1020؛ و الثانية تغطي بين عامَي 1786 و 1803، ورقمها: 2021.
  4. بلغ عدد السجلات التي سبق لي أن اطلعتُ عليها في مقر السفارة، وأعددتُ جردًا لها في عام 1888، 26 سجلً، تتضمن نسخًا لما يربو على 4460 وثيقة، زيادة على السجلات التي تتضمن لوائح وجداول بمجموع يفوق 400 صفحة.
  5. يتعلق الأمر بمهمة تطوّعتُ في إنجازها، فقد جردتُ جزءًا من أرشيف القنصلية البرتغالية العامة في طنجة الموجود في مقر السفارة (نحو 8000 صفحة)، وأثرت اهتمام السفارة إلى ضرورة حفظه من التلاشي والضياع، فأرسلت وزارة الخارجية لجنة لمعاينته، وقررت إرساله إلى مكتبة وزارة الخارجية في لشبونة.
  6. لتوضيح أهمية هذا الأرشيف، أ شير إلى أن جورج أفونصو، وهو أحد الزملاء الباحثين البرتغاليين، اشتغل على العلاقات بين البرتغال وبلاد المغارب، وذكر في مقدمة عمله أن هذا الأرشيف يشتمل على أربعين صندوقًا من الوثائق المتعلقة بشمال إفريقية والبرتغال، انظر: António Jorge Ferreira Afonso, "Portugal e o Magrebe nos finais do Antigo Regime," Master Dissertation, Universidade de Lisboa, Lisboa, 1998.

وتقارير وحسابات وغيرها، وتوجد فيها مجموعات من الرسائل المتبادلة مع المخزن المغربي بنصّها العربي مع ترجمتها إلى البرتغالية.

ب. مضامين الوثائق

يبعثون الأخبار أولً بأول، ويمكن أن نلخص مضامين هذه الوثائق فيما يلي:

في مدينة طنجة.

الرعايا البرتغاليين في المدينة وخارجها.

والمشاكل والتجار المغاربة والأجانب.

البرتغاليين أنفسهم، واتصالاته المتعددة من أجل حل المشاكل التي تعترض علاقات دولته بالمغرب12.

ج. مميزات الوثائق

إلى ما يلي: وقد اعتمدتُ أساسًا على الوثائق التي أرسلها القناصل من عائلة كلاصو إلى وزارة الخارجية البرتغالية، وهي مجموعة في الصناديق الثلاثة المذكورة آنفًا، في مكتبة طوري دو طومبو، المرتبة ترتيبًا كرونولوجيا، وفي ملفات مرقمة عن كل عام، مصحوبة بالملحقات من رسائل

كثيرةٌ هي الموضوعات التي كان القناصل يتطرّقون إليها في مراسلاتهم إلى دولتهم، حيث كانوا أشبه بمراسلي الصحف الذين

أخبار المغرب السياسية: منها أخبار السلاطين والثورات والمعارك وتحركات القبائل والعلاقات بالدول الأجنبية. العلاقات الدبلوماسية: منها خاصةً الاتفاقات المبُرَمة واستقبال المبعوثين والسفراء والهدايا، وكواليس الحياة الدبلوماسية

الأخبار العامة عن المغرب والتقارير عن أوضاعه المختلفة: الطرق والمواصلات، وتكلفة المراسلات، ومُدَد السفر، والتنقل، والأمن، والمواصلات البحرية، والأوبئة وكيفية انتشارها وطرق التعامل معها، والجفاف، وغير ذلك. أخبار مدينة طنجة نفسها: هي العاصمة الدبلوماسية التي زاد فيها القناصل، حيث مارسوا مهمتهم عقودًا طويلة، وأخبار

المعلومات المتعلقة بالملاحة والتجارة: مثل حال الموانئ ورواجها والسلع الرائجة فيها ونوعية السلع وأثمانها وأنواع السفن التي تتاجر فيها وحجم حمولتها وجنسيتها والصيد البحري والمؤونة المقدمة إلى السفن، والحقوق المؤداة فيها والأمناء،

معلومات مفيدة عن المؤسسة القنصلية البرتغالية في المغرب: طريقة عملها وتطوّرها وشبكات القنصليات والوكلاء المتعاملين معها، والمشاكل التي عاناها القنصل، ومنها المادية والعائلية ومنافسة القناصل الآخرين والمبعوثين التجاريين

تتسم معظم المعلومات المتضمنة في المراسلات والتقارير والملاحق التي يبعثها القناصل البرتغاليون إلى دولتهم بكثير من الصدقية، وخاصةً حين يتعلق الأمر بأخبار لها تأثيرها الكبير في المصالح البرتغالية السياسية والاقتصادية، وفي تدبير علاقاتها بالمغرب. وكان القناصل يحرصون باستمرار على أن تحظى دولة البرتغال بمكانة لائقة ضمن الدول الأخرى المتعاملة مع المغرب، وخاصةً إسبانيا وفرنسا وإنكلترا. وعلى الرغم من بعض المآخذ التي يمكن ملاحظتها عن هذه الوثائق، فإنها لا تُنقص من قيمتها، ولا شك في أن الباحث المتمرس يستطيع أن يُميّز بين الوثائق بحسب سياقاتها والأغراض المرجوّة منها والجهة المخاطبة ومقارنتها بوثائق أخرى، أو بما يأتي بعد ذلك من أخبار مؤكدة في الوثائق نفسها. ويمكن أن نقسم هذه الوثائق من حيث القيمة والشكل والخصائص وطبيعة المعلومات التي تتضمنها

  1. انظر: عثمان المنصوري، العلاقات المغربية – البرتغالية (1790 - 1844)، ج 1 (المحمدية: مطبعة فضالة، 2005)، ص 27  -  34.

الوثائق التي تتضمن معلومات مؤكدة: هي المعلومات التي يمكن للباحث أن يعتمد عليها باطمئنان كبير، لأن القنصل بعثها إلى دولته بعد أن تأكد منها، سواء من مصادر مغربية رسمية، أو من مصادر دبلوماسية في طنجة، أو من رجال المخزن، أو من رسائل رسمية وصلته، أو من مبعوث خاص، أو من ممثليه، أو وقعت له شخصيًا، وعاينها بنفسه في طنجة. ومنها الحسابات السنوية التي يقدمها إلى دولته عن نفقات القنصلية، أو الهدايا، أو السفن التي دخلت إلى الموانئ أو خرجت منها، والسفارات التي شارك فيها وغير ذلك من المعلومات التي تؤكدها مصادر أخرى، وقد تنفرد بها الوثائق البرتغالية. الوثائق التي تتضمن أحداثًا محتملة الوقوع: يتعلق الأمر بالمعلومات أو الأحداث التي تحدث عنها القنصل البرتغالي، من دون أن نجد لها أثرًا في المصادر المغربية، بناءً على أخبار وصلت إليه من جهات أخرى مغربية أو أوروبية، وقد يذكرها من دون تحديد مصدرها، حين يقول مثلً: وصلتنا أخبار من كذا، أو يتحدث الناس هنا عن كذا، أو يقال إن كذا، ويدخل في هذا النوع الإشاعات التي تصل إلى طنجة، والتي يتبيّ مع الوقت أنها كاذبة، أو الاستنتاجات الخاصة للقنصل باحتمال وقوع أحداث بناءً على قرائن قوية؛ مثل مرض السلطان، أو وجود الوباء وانتشاره ووفيات بعض الشخصيات المهمة. وتبقى أهمية هذا النوع من الأخبار قائمة على الرغم من عدم وقوعها، لأنها تبيّ الجو السائد آنذاك، وتأثيرها في أحوال الناس. الوثائق التي تتضمن الآراء الشخصية للقنصل: نجدها مُتَضمَّنة بشكل كبير في جلّ مراسلاته، وخاصةً عند تولية وزراء الخارجية الجدد؛ فمقام القناصل من أسرة كلاصو لما يزيد على قرن بطنجة، مكّنهم من تكوين فكرة جيدة عن الناس والجهاز المخزني والأمراء، ومعرفتهم بعادات المغاربة وديانتهم وطرق التعامل معهم، ونستشف منها نظرة الآخر إلى المغرب والمغاربة وتكيّفه مع أحوالهم وظروف معيشتهم. الوثائق التي تتضمن النصائح والتقارير: حرص القناصل الأوروبيون على إعداد تقارير عامة عن الأحوال في المغرب، وتقديمها عند تعيين وزير خارجية جديد، لمساعدته على فهم الأوضاع في المغرب، وكانوا يقدمون تقارير أيضًا إلى ممثلي بعض الدول، بصفتهم من أقدم الممثلين الدبلوماسيين الأوروبيين في المغرب، وأكثرهم تمرّسًا في التعامل مع الجهاز المخزني في طنجة والعاصمة. وتقدم هذه التقارير معلومات مفيدة عن الأوضاع في المغرب، من الناحية السياسية والاقتصادية والنظام القضائي والأحوال الطبيعية والمواصلات والتبادل التجاري والأوضاع الاجتماعية والدينية، وغير ذلك من الأمور التي تساعدهم على معرفة أفضل للمغرب. وغالبًا ما يعقد القناصل مقارنات بين المغرب والدول الأخرى لتوضيح الصورة. المستويات المتعددة للخطاب: لا بد للباحث من أن يُميّز بين الوثائق، أثناء التعامل معها، على أساس أنها لا تستقر على المستوى نفسه، بحسب طبيعة المخاطب، وبحسب الظروف الخاصة التي يعيشها القناصل؛ إذ تتسم الرسائل المتعلقة بالمغرب والموجّهة إلى دولته، بالدقة والحياد والموضوعية، ما دامت لا تمس شخصه أو مصالحه أو معتقداته الدينية، ويكتبها متحررًا من كل خوف، ومن دون مجاملة أو تملّق. أما الرسائل التي يتبادلها مع السلطان وموظفي المخزن، ففيها الكثير من المُداراة والتحفظ والمراعاة لشخص المخاطبين. وحين يتعلق الأمر بشخص القنصل نفسه ومصالحه، يتخلّ أحيانًا عن حياده، ويبالغ في تصوير الأخطار المُحدِقة به، والشكوى من القضاة المسلمين، وسوء أحواله المادية، كما أنه لا يخفي تعصّبه لديانته عند الحديث عن الدين الإسلامي. مواكبة الأحداث بحسب تسلسلها الزمني وتطوّرها: غالبًا ما يتمّ الحديث عن بعض الأحداث في بداياتها، على شكل تساؤلات وتكهنات، قبل أن تتأكد للقناصل، وتتابع المراسلات تطوّرها إلى أن تنتهي، كما هو الشأن بالنسبة إلى أخبار الأوبئة والمجاعات والثورات والاتفاقات السرّية وكواليس العلاقات بالدول الأوروبية، وغيرها. ويسمح هذا التسلسل بالتعرّف إلى تأثير هذه الأحداث خلال المراحل كلها، وإلى تطوّرها التدريجي.

2. طريقة تعاملي مع أرشيف القنصلية البرتغالية بطنجة

حين استقر رأيي على موضوع العلاقات المغربية - البرتغالية، وسجّلته في كلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء، بدأت رحلة طويلة في مضمار أجهل عنه الكثير، وأفتقر افتقارًا شديدًا إلى أدوات العمل فيه، وعلى رأسها اللغة البرتغالية التي لا يمكنني من دونها أن أخطو فيه. وكان عليَّ أن أنسى ما راكمته من تجربة في موضوعي الأول عن التجارة في الفترة الحديثة، وأنتقل إلى الاشتغال في موضوع يطل على الفترة المعاصرة، ويتعلق بالعلاقات الخارجية، ما شكّل تحولً كبيرًا في مساري البحثي، وتحدّيًا جديدًا لا يخلو من الصعوبة.

أ. مصاعب البداية ودهشة اللقاء

حصلت - كما كان منتظرًا - على منحة لتعلّم اللغة البرتغالية من معهد الثقافة واللغة البرتغالية ICALP، وسافرتُ في خريف 1990 إلى لشبونة، وزادي من اللغة البرتغالية لا يتعدى بضع كلمات وجمل. وهي أول مرة أسافر فيها للإقامة في إحدى الديار الأوروبية. وكان الأسبوع الأول صعبًا، حيث تعيّ عليّ تدبير شؤون السكن والتنقل والتعرف إلى المدينة والكلّية والحي الجامعي بمفردي، والحرص على تدبير المنحة التي لم تكن لتكفي متطلّبات الإقامة والمصاريف. لكن الله قيّض لي زميلً عزيزًا هو فؤاد البريكي الذي كان خبيرًا بالبلاد ولغتها. وبعد أن كدت أجمع حقائبي وأعود إلى المغرب، التقيته ووجدت فيه صديقًا وفيًّا وأنيسًا وعارفًا بخبايا المدينة ودليلً ساعدني على تذليل كل المصاعب. كان هذا السفر محطة مهمة في حياتي، لأنني انتقلت، أول مرة، للعيش - ولو مدة محدودة - بين ظهراني شعب آخر، يختلف عنّا في اللغة والدين والحضارة والثقافة ونظام الحكم والبنيات السياسية والثقافية ونمط العيش. ومكّنني مقامي القصير أن أقارن أحوال هذا البلد بالمغرب، وأن أحب هذه الدولة بشعبها ومآثرها وتاريخها وإرثها الثقافي، وأربط علاقات صداقة بكثير من الباحثين البرتغاليين لأعوام عديدة، وأن أطلع على ما أنجزوه في مجال البحث التاريخي، وخاصةً ما تعلق منه بالمغرب إبان الاحتلال البرتغالي لعدد من ثغوره الساحلية. كان عليَّ أن أعدَّ نفسي في البرتغال لأتمكن من إنجاز المهمة التي ذهبتُ من أجلها، وأن أركّز على تعلّم البرتغالية التي يتوقف عليها نجاحي في مهمتي، وعقد اتصالات مع بعض الباحثين البرتغاليين، والبحث في المكتبات البرتغالية عن المادة الضرورية لإنجاز البحث، سواء في المكتبة الوطنية بلشبونة، أو في المكتبات التي يتوافر فيها الأرشيف البرتغالي، مثل طوري دو طومبو، لمعاينة ما تزخر به من وثائق، ووضع خطة للاستفادة منها. وحتى لا أضيّع الوقت، انخرطت في العملين في الوقت نفسه.

ب. مراحل الإعداد في لشبونة

كانت المنحة التي حصلت عليها محدودة في عام، وكان عليَّ أن أستغل هذا الحيّز من الوقت لتعلّم أقصى ما يمكن تعلّمه من هذه اللغة، وأن أسعى في الوقت نفسه لاستغلال الوقت للتعرف إلى الأرشيف ومكنوناته، وعقد اتصالات مع بعض الباحثين للاستفادة من خبراتهم، وتعلّم ما يُمكن تعلّمه عن تاريخ البرتغال، وخاصةً ما تعلق منه بالعلاقات بالمغرب، والبحث في المراجع والدراسات عن الأبحاث التي أنجزت في الموضوع. وكان من حسن حظي أن جهود المستشار الثقافي راشكيليو نجحت في تمكيني من منحة ثانية استثنائية لمتابعة دراستي للغة البرتغالية، وبذلك حصلت على فرصة تمديد مقامي في البرتغال عامًا إضافيًا، لتكملة ما بدأته في السنة الأولى. خصصت المؤسسة المانحة برنامجًا خاصًا، لتعليم اللغة البرتغالية للأجانب، في كلية الآداب بلشبونة، وكان عدد المسجلين فيه آنذاك نحو 800 طالب، من مختلف بقاع العالم، ويقوم على منح شهادتين في السنة، ويكتمل في السنة الثانية، بعد اجتياز أربعة مستويات.

وتُدرّس، إضافة إلى اللغة، مواد عن تاريخ البرتغال وجغرافيته ونظامه السياسي والحضارة البرتغالية. وفي هذا المجال تمكّنتُ من اجتياز المستويات الأربعة، خلال العامين اللذين قضيتهما في البرتغال. إلا أن ما تعلمته آنذاك، كان مدخلً ومفتاحًا لأنطلق في تعميق معرفتي باللغة البرتغالية، ولم يكن كافيًا، لأن اللغة لا تُمتَلك إلا بالتطبيق الفعلي، وبالتعامل مع المكتوب منها، ولأن النصوص التي عليّ التعامل معها تعود إلى قرون سابقة ولغة مخالفة، ولذلك لا بد من بذل مجهود شخصي، سيستمر إلى ما بعد عودتي إلى المغرب. العمل في المكتبة: مع استقرار أوضاعي في لشبونة، وضعت خطة للاستفادة من مقامي فيها، والتوفيق بين دراسة اللغة والاطلاع على ما أستطيع الاطلاع عليه من المصادر والوثائق التي يمكنها مساعدتي في عملي، واتصلت بناءً على توصية من أستاذي الشادلي بأحد الأساتذة البرتغاليين المتخصصين في تاريخ الإسلام والتاريخ البرتغالي بالمغرب، وهو أنطونيو دياش فارينيا الذي أصبح صديقًا حميمًا، والذي رحّب بي ولم يبخل عليّ بجميع أنواع المساعدات الممكنة، وأرشدني إلى المنجم الأساسي الذي اشتغلت عليه، وهو صناديق وزارة الخارجية الثلاثة، وكان بمنزلة مؤطر ثانٍ، لا يبخل بتوجيهاته ومساعداته، سواء خلال مقامي بالبرتغال، أو بعد رجوعي إلى المغرب. وصادف وصولي إلى البرتغال افتتاح المقر الجديد لمكتبة طوري دو طومبو، وهو مقر عصري فخم، مجهّز تجهيزًا عصريًا ومريحًا، وفيه كل الظروف المساعدة على عمل الباحثين، عوض المقر القديم الذي لم يكن يتسع سوى لعشرين باحثًا. وكان تدشينه في كانون الأول/ ديسمبر 1990، بجوار مبنى كلية الآداب، ما يسّ مهمتي إلى أبعد حد. تطور عملي في المكتبة بحسب تطور معرفتي باللغة والتمرس بالخط البرتغالي وخصائص المخطوطات. واكتفيت في البدايات بنسخ الوثائق المكتوبة باللغة العربية، بخط يدي، لأفوز بما يمكنني الاشتغال عليه فيما بعد، كما نسختُ الوثائق التي لا يمكن قراءتها بعد التصوير بسبب تداخل حروف صفحاتها مع صفحات ظهرها. وحين فُتح المجال أمامي لتصوير الوثائق التي أشتغل عليها، وضعت خطة لتصويرها جميعها بالتدريج. واستغرق ذلك مدة إقامتي كلها. ولم يخلُ الأمر من مشاكل، خاصةً بعد أن لاحظت إحدى الموظفات أنني صورت أكثر مما ينبغي، وامتنعت عن تصوير المزيد، فلجأت إلى الاستعانة بزملائي في دروس اللغة الذين تقاطروا على المكتبة لتصوير صفحات من الصناديق نفسها، ومرة أخرى رفضت المسؤولة ذلك، لتأكدها أنني وراء هذه العملية. بعد ذلك اتصلت بالأستاذ فارينيا الذي كانت زوجته تعمل في المكتبة، فتدخّلت وسمحت لي بتصوير ما أريد من الوثائق. إضافة إلى مكتبة طوري دو طومبو، بحثت في أكاديمية لشبونة للعلوم عن مجموعة من الوثائق المتعلقة بالمغرب، وصوّرتها، واطلعت على بعض المنشورات التي تزخر بها، وبحثتُ في المكتبة الوطنية بلشبونة عن الدراسات التي يمكن أن تكون قريبة من موضوعي وتفيدني في التعرف إلى تاريخ البرتغال وعلاقاته الخارجية، وفي مكتبة كلية الآداب أيضًا العريقة والغنية بالدراسات عن تاريخ البرتغال، وخاصةً فترة الاكتشافات الجغرافية، ومكتبة أكاديمية التاريخ البرتغالية الغنية بإصداراتها المهمة والمنوّعة. التكوين الموازي: كان وجودي في البرتغال مناسبة لأستفيد من بعض الدروس والتكوينات، وتعميق معرفتي بهذه الدولة وتاريخها. واستفدت كثيرًا من دروس التاريخ والحضارة التي كنت أتلقّاها خلال التكوين، وربطت صداقات ببعض الباحثين، ومنهم أنطونيو دي كيرا الذي كان متخصصًا في الباليوغرافيا، وأتاح لي حضور دروسه مع طلابه، ومكّنني من أبجديات هذا التخصص العلمي الدقيق، وحضرت معظم دروس الأستاذ فارينيا، وساهمتُ في تقديم محاضرات إلى طلابه عن تاريخ المغرب، ولم أتخلف عن الأنشطة التي كانت تنظم في كلية الآداب أو بكلية آداب الجامعة الجديدة المجاورة لها، ولا عن

أنشطة أكاديمية التاريخ، وأكاديميتي الجغرافيا والعلوم، المتعلقة بالتاريخ أو ببعض العلوم المساعدة. واستفدت من بعض الرحلات العلمية إلى بعض المناطق البرتغالية والمتاحف التي كانت تتخللها شروح وافية (مثل مدن فارو وسيلفش وميرطولا وسينترا، وغيرها)، ما كان له دور في تعميق معرفتي بتراث هذا البلد. وبذلك عدتُ إلى المغرب مسلّحًا بزاد لا بأس به في اللغة، وبكم كبير من الوثائق المنسوخة أو المصورة والدراسات والكتب، وبمعرفة أعمق بدولة البرتغال وتاريخها وحضارتها.

ج. تعاملي مع الأرشيف بعد العودة إلى المغرب

بعد عودتي إلى المغرب في صيف 1992، شرعتُ في تصفّح وقراءة ما تجمّع لدي من وثائق تُغطي أكثر من قرن ونصف، وتربو صفحاتها – بما فيها وثائق السفارة البرتغالية بالرباط - على عشرة آلاف صفحة. واستعنتُ بالوثائق المكتوبة بالعربية لتكوين صورة عن جلّ الموضوعات الموجودة في الأرشيف، في انتظار القيام بجرد دقيق ومتأن لها. وأعددتُ تقريرًا لتقديمه إلى الأستاذ المشرف عن نتائج مهمتي والحصيلة، وللتشاور في تحديد الصيغة النهائية للموضوع، وخطوات العمل. مخطط العمل الأول بعد لاجتماع مع الأستاذ المشرف: بعد أن قدمت عرضًا إلى الأستاذ الشادلي عن نتائج عملي في البرتغال، لاحظ أن الفترة التي تغطيها طويلة، وأنّ عليَّ تحديدها، كما أن الوثائق تدخل في صلب الموضوع الأصلي، لكنها كثيرة، ولربح الوقت، يجب أن أركّز على الوثائق التي تتضمن مادة يمكن استغلالها في الموضوع، مع تعزيز ذلك بقراءات في كل الدراسات التي تناولت تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر في الجامعة المغربية، لتدارك ما ينقصني عن هذه الفترة التي ليست أساسًا من تخصصي. وكان رأيي أن أتتبع الموضوع إلى نهاية القرن، وأستغل كل الوثائق. بدأ اللقاء الحقيقي مع هذا الأرشيف حين بدأتُ أقرؤه صفحةً صفحةً، وأحاول فك طلاسمه، واستخلاص ما يتضمنه من معلومات، وبموازاة ذلك قضيتُ أكثر من عامين في التهام ما جادت به مكتبة كلية الآداب بالرباط من أطاريح ورسائل جامعية، وما كتب عن الفترة في المجلات بالعربية والفرنسية، وببعض اللغات الأخرى. كان الاشتغال بوثائق القنصلية أصعب بكثير من الاشتغال بمصادر دوكاستر، لأن الأخيرة كانت مهيَّأة للاستعمال، بينما كانت الأولى بكرًا، وفي حاجة إلى الإعداد. وكان عليّ أن أقرأ المضامين، وأ فكك مشاكل الخطوط، وأضبط المصطلحات والأسماء، وكنت أعاني رداءة بعض الوثائق المكتوبة بخط رديء، أو التي تداخلت فيها الكلمات، وأن أتعامل مع لغة برتغالية مخالفة في رسمها ومصطلحاتها للغة البرتغالية الحالية، وأن أبحث عن المعاني التي تستعصي أحيانًا، وقد توقف العمل ساعات، وأحيانًا أيامًا. ولم تكن هذه الصعوبات تسمح بالاستعمال السلس لهذه الوثائق، والرجوع إليها، لذلك قررت تغيير خطة العمل، والاجتماع مع الأستاذ المشرف. مخطط العمل الثاني: حملت مخطط العمل الجديد معي إلى الأستاذ الشادلي، ويمكن أن أقول إنني فاجأته بمفاجأة لم يكن ينتظرها، لأنه كان يحثّني على الإسراع في إنجاز أطروحتي، بينما حمل المخطط أعباء جديدةً ستأخذ مني وقتًا طويلً. قلت له إنني لا يمكن أن أشتغل على الوثائق وأستغلها على حالتها تلك، وعزمتُ على ترجمتها كلها. حاول إقناعي، لكنني كنت مصُرًّا، وتحملتُ مسؤوليتي، وكان رأيي أن هذه الوثائق توجد في صناديق من دون ترقيم وصفحات، ولا يمكن أن تفيد الإحالة عليها بشكلها الحالي، كما أنها مكتوبة باللغة البرتغالية التي لا يكاد يعرفها أحد، وأنني بترجمتها سأسدي خدمة للباحثين، وبترجمتها سوف أوفّر للباحثين جميعهم، مرجعًا مضبوطًا ومنظمًا شبيهًا بمصادر دوكاستر، يُمكنهم الرجوع إليه. وأمام إصراري، قبِل أستاذي على مضض، لكنه أصرّ على تحديد المدة الزمنية في فترة أقصر، على أساس تبرير بدايتها ونهايتها، ولم أجد صعوبة في ذلك؛ لأن عامَي 1790 و 1844، ارتبطَا في المغرب بحادثتين مهمتين، هما وفاة سيدي محمد بن عبد الله،

ومعركة إيسلي. وبذلك بدأتُ عملً شاقًّا وطويلً، خصصته في الأساس لترجمة الوثائق؛ بكل ما يعنيه ذلك العمل من صبر، واستشارات، ومعاناة مع الخطوط، إضافة إلى المراجعة المستمرة للنصوص، وإعدادها للاستعمال، لتصبح جاهزة للطبع. بعد ذلك أصبح التعامل مع الوثائق سهلً، والرجوع إليها مُيسًّا، وتمكنتُ من استغلالها استغلالً جيدًا في تحرير أطروحتي عن العلاقات المغربية - البرتغالية بين عامَي 1790 و 1844، التي ناقشتها في عام 2001، بكلية آداب عين الشق بالدار البيضاء13.

خاتمة

لا شك في أن تجربتي مع الأرشيف البرتغالي كانت مثمرة، على الرغم من الصعوبات التي اكتنفتها، ولعل هذه الصعوبات هي التي أكسبتني مهارات وتخصصات لم أكن لأكتسبها من دون خوض التجربة، فالخوض في موضوع يخص التاريخ الاقتصادي، والتعامل مع لغة جديدة، وتغيير فترة الاشتغال من التاريخ الحديث إلى المعاصر، والموضوع من التجارة إلى العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، والتعامل مع وثائق وخطوط برتغالية، وأكثر من ذلك اكتساب مهارات في الترجمة، كل ذلك فتح لي آفاقًا جديدةً في العمل ما زلت أجني ثمارها إلى الآن.

  1. نشُرت هذه الأطروحة في عام 2005 في جزأين، في المركز الوطني للبحث العلمي والتقني. ويتضمن الجزء الأول الأطروحة ونصوص الوثائق العربية في 624 صفحة، أما الجزء الثاني فيتضمن نصوص الوثائق المعربة، وهو في 700 صفحة.

المراجع

العربية

والعلوم الإنسانية، 1996.

الآداب والعلوم الإنسانية، 2001.

. العلاقات المغربية – البرتغالية (1790 - 1844). المحمدية: مطبعة فضالة، 2005.

. المغرب والبرتغال: أبحاث من الأرشيف البرتغالي. الرباط: مطابع الرباط نت، 2017.

1. الرباط: منشورات جمعية الحسن الوزان للمعرفة التاريخية، 2011.

الأجنبية

أفا، عمر. دليل الأطروحات والرسائل الجامعية المسجلة بكليات الآداب بالمغرب 1961  -  94 19. الرباط: منشورات كلية الآداب المنصوري، عثمان. التجارة بالمغرب في القرن السادس عشر: مساهمة في تاريخ المغرب لاقتصادي. الرباط: منشورات كلية استيتو. محمد (تنسيق.) المغرب في عهد الوطاسيين من خلال "وصف إفريقية" للحسن الوزان. سلسلة دراسات وأبحاث تاريخية

• Afonso, António Jorge Ferreira. "Portugal e o Magrebe nos finais do Antigo Regime." Master Dissertation.

Universidade de Lisboa. Lisboa, Portugal, 1998.

• Forjaz, Jorge. Os Colaço: Uma Família Portuguesa em Tânger. Lisboa: Guarda-Mór, 2004.