Return to Article Details The Geography of History in Light of Interdisciplinarity: An Attempt to Reshape the Concept

"جغرافية" الحقل التاريخي في ضوء تقاطع الاختصاصات: محاولة في إعادة تشكيل المفهوم

The Geography of History in Light of Interdisciplinarity: An Attempt to Reshape the Concept

علي الصالح مولى

Ali el-Salah Moula

الملخّص

تستهدف هذه الدراسة، على نحو رئيس، الإجابة عن سؤال مركزي، هو: ما حظّ الأكاديميا العربيّة من كسب معركة تجديد مناهج تطوير المعرفة وبناء أنساقها خارج سلطان الكتابة التقليديّة؟ وقد جعلتْ، إجرائيًّا، علم التاريخ حقلًا لبحث الإجابة عن هذا السؤال. واعتمدت في ذلك على مقاربات ثلاث: مقاربة تاريخية مرجعية عُنيت بمدرسة الحولياتAnnales والآفاق التي فتحتْها أمام منهج تقاطع الاختصاصات، ومقاربة تأصيلية استكشافية اهتمّت برصد نشوء حالة وعي عربي بضرورة تجديد مناهج البحث التاريخي، ومقاربة تجريبية تطبيقية عُنيت بإمكانات الكتابة العربية المجددة. أوقفتنا الأولى على نتيجة ملخصها أنّ علاقة العلوم بعضها ببعض في التاريخ المعاصر تحكّمت فيها إبستيمية فرضتها فتوحات المعرفة المتدفقة بغزارة في جميع المجالات والميادين. وساقتنا الثانية إلى أنّ منهج التقاطع تصوّر وموقف يستهدفان البحث عن السبل التي تعيد كتابة التاريخ وليس مجرّدَ آلية أداتية. وبيّنّا أنّ نشأته في السياق العربي لم تكن نشأة محلّية خالصة، لقد كانت بتأثير من "ثورة الحوليات". وأفادتنا الثالثة أنّ ما أُنجز إلى حدّ الآن في السياق الأكاديمي العربي يدلّ على أنّ المؤرّخ العربي يخوض باقتدار، رغم العوائق الكبرى، معركته ضدّ مبادئ الكتابة التاريخية التقليدية ومناهجها. فعمليات التشبيك الواسعة بين الاختصاصات برهان على الوعي المتعلق بتفتيت الحواجز بين العلوم مدخل منهجي لا غنى له؛ لا فقط لإعادة كتابة التاريخ، بل أيضًا لتنمية مهارات البحث العلمي وتطوير أداء المؤسسة الجامعية العربية.

Abstract

This study attempts to answer the central question: how far has Arab academia been able to keep up with new approaches outside traditional writing? It takes history as the field on which this question is played out. In doing so it draws on three approaches: a source-based historical approach concerned with the Annales school and the horizons it opened up for interdisciplinarity, a developmental approach interested in the emergence of an Arab awareness of the need to update our methods of historical research, and a practical-experimental approach looking at the possibilities of new Arab historiography. The first approach reveals that the relationship of different academic fields with one another in modern history has been controlled by an episteme imposed by the waves of new knowledge flowing into all fields. The second illustrates that interdisciplinarity is a conception and an attitude aiming to look for ways to rewrite history and not just a tool – and we show that this Arab emergence was not purely local but was affected by the "Annales Revolution". The third approach demonstrates that despite the many challenges, Arab historians are dealing ably with the struggle against traditional historiography. The broad attempts to connect disciplines are evidence of an awareness of the importance of breaking down barriers between fields, which is an indispensable methodological approach– not only to rewrite history but also to develop academic research skills and the performance of Arab academia.

"جغرافية" الحقل التاريخي يف ضوء تقاطع الاختصاصات محاولة يف إعادة تشكيل المفهوم The Geography of History in Light of Interdisciplinarity: An Attempt to Reshape the Concept

تستهدف هذه الدراسة، عى نحو رئيس، الإجابة عن سؤال مركزي، هو: ما حظّ الأكاديميا العربيّة من كسب معركة تجديد مناهج تطوير المعرفة وبناء أنساقها خارج سلطان الكتابة التقليديّة؟ وقد جعلتْ، إجرائيًّا، علم التاريخ حقلً لبحث الإجابة عن هذا السؤال. واعتمدت في ذلك عى مقاربات ثلاث: مقاربة تاريخية مرجعية عُنيت بمدرسة الحوليات Annales والآفاق التي فتحتْها أمام منهج تقاطع الاختصاصات، ومقاربة تأصيلية استكشافية اهتمّت برصد نشوء حالة وعي عربي بضرورة تجديد مناهج البحث التاريخي، ومقاربة تجريبية تطبيقية عُنيت بإمكانات الكتابة العربية المجددة. أوقفتنا الأولى عى نتيجة ملخصها أنّ علاقة العلوم بعضها ببعض في التاريخ المعاصر تحكّمت فيها إبستيمية فرضتها فتوحات المعرفة المتدفقة بغزارة في جميع المجالات والميادين. وساقتنا الثانية إلى أنّ منهج التقاطع تصوّر وموقف يستهدفان البحث عن السبل التي تعيد كتابة التاريخ وليس مجرّدَ آلية أداتية. وبينّا أنّ نشأته في السياق العربي لم تكن نشأة محلّية خالصة، لقد كانت

بتأثر من "ثورة الحوليات". وأفادتنا الثالثة أنّ ما أنجز إلى حدّ الآن في السياق الأكاديمي العربي يدلّ عى أنّ المؤرّخ العربي يخوض باقتدار، رغم العوائق الكبرى، معركته ضدّ مبادئ الكتابة التاريخية التقليدية ومناهجها. فعمليات التشبيك الواسعة بن الاختصاصات برهان عى أنّ الوعي المتعلق بتفتيت الحواجز بن العلوم مدخل منهجي لا غنى عنه؛ لا فقط لإعادة كتابة التاريخ، بل أيضًا لتنمية مهارات البحث العلمي وتطوير أداء المؤسسة الجامعية العربية. كلمت مفتاحية: منهج، تقاطع الاختصاصات، الحوليات، التشبيك، التاريخ من أسفل.

This study attempts to answer the central question: how far has Arab academia been able to keep up with new approaches outside traditional writing? It takes history as the field on which this question is played out. In doing so it draws on three approaches: a source-based historical approach concerned with the Annales school and the horizons it opened up for interdisciplinarity, a developmental approach interested in the emergence of an Arab awareness of the need to update our methods of historical research, and a practical-experimental approach looking at the possibilities of new Arab historiography. The first approach reveals that the relationship of different academic fields with one another in modern history has been controlled by an episteme imposed by the waves of new knowledge flowing into all fields. The second illustrates that interdisciplinarity is a conception and an attitude aiming to look for ways to rewrite history and not just a tool – and we show that this Arab emergence was not purely local but was affected by the "Annales Revolution". The third approach demonstrates that despite the many challenges, Arab historians are dealing ably with the struggle against traditional historiography. The broad attempts to connect disciplines are evidence of an awareness of the importance of breaking down barriers between fields, which is an indispensable methodological approach– not only to rewrite history but also to develop academic research skills and the performance of Arab academia.

أستاذ الفكر العربيّ الحديث والمعاصر بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة صفاقس، تونس.

Professor of modern and contemporary Arab thought at the Faculty of Arts and Humanities, Sfax, Tunisia.

مقدمة

تصنيف العلوم مبحث قديم متجدّد شهد ولادته مع اليونان. وكانت الفلسفة الوعاء الذي تندرج فيه سائر العلوم. ويبدو أنّ الأمر

استمرّ على هذا المنوال عصورًا طويلة وصولً إلى مشارف العصر الحديث؛ لمّا شرع المنطق الصوري في التراجع لصالح المعرفة التجريبية

التي تُعتبر الخاصية الأبرز للزمن العلمي البديل. وتصنيف العلوم مسألة تتجاوز العمل التقني أو البيداغوجي، فهي بحثٌ في العقل المنتج للمعرفة وفي مبادئ الثقافة التي ينشط داخلها. وبهذا، ينبغي أن يكون النظر في مراتب العلوم وتوزيعها مطية لفهم البراديغمات

التي تتحرّك داخلها الثقافات. وأمّا تجاور العلوم، أو تقاطعها، أو تَحلّل بعضها في بعض، أو نموُّ فروع أو حقول بحثية بأثرٍ من كلّ ذلك،

فلا ريب في أنّه ناشئ بالاستتباع تجويدًا لأداء البحث، وإدراكًا أنّ السيطرة على العالم لا تكون إلّ بمنهج تنهضُ معقوليّته على تجميع

فروع المعرفة واختصاصاتها جزئيًّا أو كلّيًّا. والمنهج موقفٌ ورؤيةٌ قبل أنْ يكون أداة عمل. وتقتضي فروض البحث التفريق بين درجتيَن خاصتين به: درجة دنيا نصطلح عليها

بالمنهج الأداتي وهو ما تجسّده مجموعة من المداخل مثل الوصف والتحليل والحجاج والتفكيك والمقارنة، ودرجة عليا تتنزّل في جوهر

التصوّر الفلسفي للمعرفة؛ كالتساؤل عن كيفيات تكوُّنها وتطوُّرها. وسؤال الكيفيّات سؤال في صميم المنهج، وهو ما ستنظر فيه الدراسة

بناءً على فرضيّة مؤدّاها أنّ سؤال الكيفيّات هو الذي يوفّر الإمكانات لتطوير العلوم أوّلً، وأنّ استنبات مناهجَ من روح العلوم المجاورة

لذاك العلم وتخصيبها في تربته قادرٌ على تأمين وظيفة التطوير ثانيًا. وتسُوق هذه الفرضيّة إلى التمييز بين مدارَين بحثيَيّن: مدار قضيّتُه الأساس تشبيك العلوم بعضها في بعض في إطار

الإبستيمولوجيا، ومدار قضيّتُه الأساس تشبيك المناهج بعضها في بعض داخل العلم الواحد في إطار الميتودولوجيا. وستحرص الدراسة

على جَعْل الغالب عليها تشبيكَ المناهج، لا تشبيك العلوم. ولهذه الفرضية أرضيّةٌ تهَبُها شيئًا من مشروعيّتها: فإذا كان التاريخ، كما

استخلص جيوفاني بوسينو، هو علم العلوم أو "مَلِك العلوم" انطلاقًا من خمسينيات القرن العشرين، وإذا كان تقاطع الاختصاصات

Interdisciplinarité، كما رأى رسويبر، هو "منهج المناهج"؛ فنحن، إذًا، وقد اخترنا أن تنعقد شواغل هذه الدراسة على التاريخ علمًا،

وعلى تقاطع الاختصاصات منهجًا، أمام مغامرة بحثيّة تهدف إلى دراسة آثار تطبيق "منهج المناهج" على "علم العلوم." في هذا الأفق الإبستيمولوجي والميتودولوجي تدور إشكالية الدراسة. ويمكن بلورتُها في أربعة أسئلة كبرى: ما السياقات المعرفيّة

التي تشكّلت داخلها قضايا الاختصاص؟ وما بواعث التفكير في تجديد المنهج في الكتابة التاريخيّة العربيّة؟ وما الإمكانات والفرص

المتاحة لترقية الأداء الأكاديمي في الحقل التاريخي العربي؟ وما نوع النتائج التي انتهت إليها التجارب المنجزة؟ وتقترح الدراسة معالجة هذه الأسئلة في محاوِر أربعة كبرى تنمو بالتوالد والتدريج: سندير الأوّل على التقاطع بين المعرفي والمنهجي،

والداعي إلى ذلك محاولة رصْد سياقات التفكير في التجديد المنهجي ومرجعياته. وسنمحّض المحور الثاني للبحث في تلقّي المؤرّخين

العرب تيّارات تجديد الكتابة ومناهجها، وسيكون "التاريخ الجديد" histoire Nouvelle ب "حولياته" Annales المنوالَ إغراءً وتحدّيًا

يخضع التصنيف للمراجعة كلّما طرأ تحوّل نوعيّ على نظريّة المعرفة، ينظر مثلً مراجعات بياجيه لأوغست كونت Comte August:

Jean Piaget, "L'épistémologie des Relations Interdisciplinaires," in: Leo Apostel, L'Interdisciplinarité: Problèmes d'Enseignement et de Recherche dans les Universités (Paris: OCDE, 1972), pp. 155 - 171.

نحيل في إطار البحث عن مقاصد المعارف العابرة وترابطات الاختصاصات فيها إبستيميًّا وأنثروبولوجيًّا وإيتيقيًّا على:

Jean-Paul Resweber, Le Pari de la Transdisciplinarité: Vers l'Integration des Savoirs (Paris: L'Harmattan, 2000), chap. 1 , pp. 9 - 27. Giovanni Busino, "Sciences sociales et histoire," Revue européenne des sciences sociales , vol. 41 , no. 127 (2003), p. 137. Jean-Paul Resweber, La Méthode Interdisciplinaire (Paris: PUF, 1981), p. 76.

ورهانًا. وسيكون النظر في حدود التجديد النظري ومسوّغات الممارسة التطبيقية في مستويَيها القطاعي والمجهري مدارًا للمحور الثالث،

والهدف من ذلك الرغبة في الإحاطة بشروط تطوير المعرفة وعوائقها. وسنخصّ المناهج مطبّقةً على موضوعات من التاريخ العربي بالمحور

الرابع، والغرض من ذلك أن ننظر في حظّ الأكاديميا العربيّة من كسب معركة تجديد مناهج تطوير المعرفة وبناء أنساقها خارج سلطان

الكتابة التقليدية.

التقاطع بين المعرفي والمنهجي: قراءة يف السياق والمرجع

يُستخلَص من الدراسات التي بحثت في تاريخ العلوم نشأةً وتطوّرًا أنّ التقاطع بينها سواء أكان عرَضيًّا أم ضروريًّا ليس أمرًا حادثًا

جاءت به أسئلة المعرفة المعاصرة وقضاياها المعقّدة. فالتدقيق في نظام التعلّم والتعليم، بيداغوجيًّا كان أم مقاصد، يكشف أنّ للمعارِف

نزوعًا دائمًا عبر التاريخ نحو تجميع الاختصاصات أو التقريب بينها. ونودّ أنْ نشير في هذا المقام إلى أنّ عمليّات التقاطع بين العلوم يكون

النظر إليها قاصرًا إنْ تعاملنا معها باعتبارها شأنًا تقنيًّا أو وليدة إكراهات بحثيّة في أطرها التخصّصيّة الضيّقة. فشبكات المعرفة ليست

في الحقيقة إلّ روافد وجداول للحضارة. وكلّما تجدّد تدفّقها انسكب بعضها في بعض وتهيّأت الأسباب للتقدّم الحضاري. وهذا تؤكّده

وقائع النهضة الأوروبيّة على سبيل المثال. فدلالة الولادة الجديدة Renaissance التي في المصطلح ما كانت لتكون لولا فيضان المعارف

والعلوم بعضها على بعض في إطار بناء رؤية جديدة للإنسان والوجود عُرِفت اختزالً ب "الإنسيّة " Humanisme التي انفصلت بها فلسفة

الأنوار، بمعناها الواسع، عن التعاليم الكنسية وقواعد الإنتاج المادّي والرمزي المرتبطة بها. ولا عجب حينئذ أنْ تكون أوروبا مختبرًا

ضخمًا لفاعليّة منهج التقاطع، وأنْ تكون المؤسسات الأكاديمية مختبرًا مصغّرًا له. ويُمكننا بهذا المعنى أنْ نتصرّف تصرّفًا مجازيًّا في عبارة

Studiorum Universtas الدالّة على الجماعة العلميّة المتضامنة والمتقاطعة فنجعلها دالّة على المجتمعات الأوروبيّة وهي تحيا تجربتها

الحداثيّة بخلاصة العلوم والمعارف المتساندة والمتعاضدة. فنحن، إذًا، نرى أنّ المسألة تتجاوز المقاربة العلمويّة Scientisme المستقرّة

داخل الأطر الأكاديميّة المغلقة لتنفتح على الفعل الحضاري وشروط التقدّم الإنساني. وهذا يعني أنّ استحضار الأبعاد الغائيّة ما بعد

التقنيّة - المخبريّة ضروري لوضع قضايا المنهج وإشكاليّاته في أفقه الإنساني الرحب. وليس كالتاريخ علمًا مهيَّأً لاستقبال أسئلة الاختصاصات تقاطعًا وعبورًا. فقد كان باستمرار نصًّا مفتوحًا واسع الأرجاء إنْ من جهة

التعريف به فنًّا، أو من جهة الأدوار التي ينهض بها. فهكذا قال عنه مثلً وولف غانغ ممّسن: "إنّ التاريخ بطبيعته لا يمكن أن يُعتبر

اختصاصًا مرتبطًا بموضوع محدّد بدقّة [...] إنّه يختلف عن أغلبيّة الاختصاصات العلميّة". وعزا ذلك إلى أنّه يتدخّل في كلّ أمر سواء

تعلّق بالإنسان أم بالطبيعة. ويبدو أنّ هذه الخاصيّة قد دفعت به في القرن التاسع عشر، مع فورة التاريخانيّة الألمانيّة خاصّةً، إلى أنْ

"يدّعي" قيادة سائر العلوم وأن يتنزّل على رأس المعارف من دون استثناء. قد يكون خسر شيئًا من سلطانه بعد تراجع التاريخانية، غير

أنّه ظلّ دومًا الحقلَ الجاذب لغيره دون احترازات كبرى. ولكنّ ذلك لم يكن إلّ بمسوّغات ومبرّرات تشفع له قابليّة التمدّد والاستقطاب

وبسْط النفوذ. وغنيّ عن البيان أنّ اتساع موضوعاته يجعله في تقاطع "قدَريّ" مع علوم أخرى كثيرة. لكنّ هذا التقاطع "القدَريّ" لن

يتحوّل إلى تقاطع مُنتِج ما لم يتكوّن لدى المؤرّخ وعيٌ مفاده أنّ علم التاريخ كما استقام في التاريخ يحتاج إلى تغيير جذريّ في مطالبه

لفريدريك معتوق دراسة مقارنة مهمّة في هذا الشأن ننصح بالعودة إليها، ينظر: فريدريك معتوق، "مثقّفو الإنسيكلوبيديا الفرنسيّة ومثقّف دائرة المعارف العربيّة "،

تبيّ، العدد 13، مج 4 (2015)، ص 41 - 56.

Wolfgang J. Mommsen, "L'histoire," in: Leo Apostel et al., p. 241.

ومناهجه وأدوات عمله ومصادر أخباره. والحقيقة أنّه ما كان انفتاح علم التاريخ إبستيميًّا فقط، بل كان منهجيًّا أيضًا، وهذا ما يعنينا

أساسًا. فاستقباله عددًا غير قليل من المعارف يدخل على نحو من الأنحاء في باب الإجابة عن السؤال المنهجي: كيف تُبنى الحقيقة

التاريخيّة؟ وفي هذا الإطار تتوجّه العناية في هذا المحور إلى معالجة سؤالين أساسيَيّن: ما معالم الوعي بتشبيك المناهج في الحقل التاريخيّ

العربيّ؟ وما المسالك التي اختار المؤرّخ العربيّ أنْ يتحرّك فيها؟ نلتقط من عبد الرحمن الجبرتي (1753 - 1825) نصًّا نعدّه من النصوص التي كان يُمكن أنْ تكون تأسيسيّةً في سياق النهضة

العربيّة في القرن التاسع عشر لو كان قُدّر لهذه النهضة أنْ تعرف طريقها إلى النجاح. يذكر الجبرتي، وهو يعرّف التاريخ، أنّ التاريخ علم

تتساكن فيه علوم أخرى، فيقول: "وفنّ التاريخ علم يندرج فيه علوم كثيرة، لولاه ما ثبتت أصولها، ولا تشعّبت فروعها". وأضاف

أنّ هذا الفنّ من أكثر الفنون جذبًا للمؤلّفين نظرًا إلى كثرة ما فيه من مقاصد: "وأمّا الكتب المصنّفة فيه فكثيرة جدًّا، ذكر منها في مفتاح

السعادة ألفًا وثلاثمائة كتاب... وذلك لانجذاب الطبع إليها، والتطلّع إلى الأمور المغيّبات، ولكثرة رغبة السلاطين". ولمّا عزم الجبرتي على الكتابة في التاريخ، اختار ألّ يكون مؤرّخًا مستنسخًا من طينة السابقين. وقد رأينا فيه نفَسًا غير مألوف؛ إنْ

من جهة البدائل المقترحة تعويضًا عن النقص في المادّة المصدريّة (المنهج) أو من جهة القصد من الكتابة التاريخيّة (المعرفة): "ولمّا عزمتُ

على جمْع ما كنتُ سوّدتُه، أردتُ أن أوصله بشيء قبله، فلم أجد بعد البحث والتفتيش إلّ بعض كراريس [...] وقد اعتراها النقص [...]

فرجعنا إلى النقل من أفواه الشيخة المسنين وصكوك دفاتر الكتبة والمباشرين، وما انتقش على أحجار ترب المقبورين [...] ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير". واضحٌ، إذًا، أنّ الجبرتي يُمثّل لحظة وعي مفادها أنّ كتابة التاريخ العربيّ في مأزق

لسببيَن على الأقلّ: غياب الوثيقة المصدريّة، وتخصيص التدوين للحكّام وأصحاب الجاه، وأنّ المَخرج يكون من منفذين: تنويع مصادر

الكتابة باعتماد ما سيُسمّى لاحقًا "الوثائق الدفينة"، وتحرير المؤرّخ والتاريخ كليهما من سلطة الحكّام وعِلية القوم. لكنّ لحظة

الوعي هذه كانت لحظة "طائشة" أو "منفلتة" لأنّها لم تندرج في سياق تحديثي متكامل. فالزمن الثقافي العربي في القرن التاسع عشر رغم أنّه كان زمن الأسئلة المنهجيّة الكبرى حول التحديث والتمدّن والتأخّر والتحرّر لم ينجح في بناء الأجوبة النسقيّة الكبرى، فتلاشت

لحظة الجبرتي كما تلاشت لحظات غيره من طلّب النهضة. سننتظر قرنًا كاملً بعد لحظة الجبرتي لنظفر بعلامات تشير إلى بروز لحظة الوعي الثانية، وهي الأهمّ في الدرس الأكاديمي العربي.

قال عبد الله العروي في سبعينيات القرن العشرين منتقدًا أداء المؤرّخ: "إنّ القارئ غير راض عمّا يجده اليوم في السوق من الكتب [...]

إذا رجع إلى المؤلّفات القديمة وجدها مليئة بالحروب والثورات والخرافات وأشعار المناسبات. إذا التفت إلى الرسائل الجامعيّة تاه في

ممّا قاله المؤرّخ الجزائريّ ناصر الدين سعيدوني تعبيرًا عن الوعي بأنّ الكتابة التاريخيّة العربيّة في حاجة إلى التجديد: "صرتُ أنفر من معالجة أيّ موضوع تاريخيّ

يعتمد على جمع المعلومات ويعرض للأحداث بأسلوب روائيّ حدثيّ، وخصوصًا أنّ النشاط الإنساني يتطلّب من المؤرّخ معالجة مركّبة تخضع للشروط الطبيعية، والمعطيات

الديموغرافية، والتحاليل الاجتماعية، والعوامل النفسية"، ينظر: "سير الباحثين العرب في مجال الكتابة التاريخية: حوار مع المؤرخ الجزائري ناصر الدين سعيدوني"،

أسطور، العدد 2 (حزيران/ يونيو 2015)، ص 259. عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، تقديم عبد العظيم رمضان، ج 1 (القاهرة: مطبعة دار الكتب

المصرية، 1997)، ص 5. المرجع نفسه. 10 المرجع نفسه، ص 11 - 12.

المصادر الدفينة كما ذكرها محمد المنوني هي "كتب الجغرافيا والرحلات، والموسوعات القديمة، ومدوّنات النوازل الفقهيّة، ومؤلّفات البدع، وبعض الشروحات للمتون

الدراسيّة [...] ودواوين الشعراء والكناشات، فضلً عن كتب المناقب والأنساب..."، ينظر: محمد المنوني، المصادر العربيّة لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية

العصر الحديث، ج 1 (الرباط: منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة، 1983)، ص 9.

نظريّات مبهمة عن المنهج أو في تحليلات دقيقة حول منطقة أو أسرة أو تنظيمة اجتماعيّة". ويضيف مصرِّفًا غضبه على لسان القارئ:

"فيسخط ويقول: أين مؤرّخونا؟ لماذا لا يُعيدون كتابة تاريخنا؟". وسيظلّ هذا السؤال المنهجيّ المستفِزّ ساريًا في الزمان صعُدًا، فنجده

على أكثر من لسان. يتساءل الحبيب الجنحاني في أواخر الثمانينيات: "أين المناهج العربيّة المتّبعة اليوم من المدارس التاريخيّة الفرنسيّة

التي تزعّمتها وما تزال مجلّة 'الحوليات' غداة الحرب العالميّة الثانية وبرز في صفوفها مؤرّخون عالميّون أمثال مارك بلوك ولوسيان

لوفيفر". ويستمرّ السؤال عالقًا في ذهن المؤرّخ المجدّد، فنجده عند عبد العزيز الدوري في بداية القرن الحادي والعشرين يستعيد شيئًا

من كلام العروي وكأنْ لا شيء تغيّ: "وهنا نتساءل عن موقفنا من التاريخ العربي بالنسبة لهذه الاتجاهات [...] فكثير من المؤلّفات

الحديثة كُتبت بأقلام خارجيّة غربيّة أو شرقيّة، نشأ أصحابها في ثقافات أخرى، وفي بيئات غريبة [...] ومع أنّ بعضها خدم الدراسات

التاريخيّة إلّ أنّ بعضها الآخَر جاء بآراء واتجاهات غريبة قبلناها مبدئيًّا، ولا بدّ من إعادة نظر جذريّة". وقبل خمسة أعوام من الآن،

"وما بالعهد من قِدَم"، يتساءل وجيه كوثراني بعد أنْ نبّه على فساد محصول الاتجاهات الأيديولوجيّة: "ألم يُنجز البحث التاريخيّ

العربيّ المعاصر أعمالً تجاوزت هذه السمات الأيديولوجيّة؟". هي أسئلة في المنهج، لا شكّ في ذلك. والمنهج هنا، كما ألمعنا سابقًا، هو تصوّر وليس مجرّدَ آليّة. إنّه يستهدف البحث عن السبل

التي تُعيد كتابة التاريخ. ولكنْ لئن كانت هذه الأسئلة وليدة وعي حقيقي بضرورة تحرير الكتابة التاريخيّة العربيّة عبر مناهج مستحدَثة،

فإنها لم تنشأ نشأة محليّة خالصةً. لقد تولّدت من تأثير "ثورة الحوليات" الفرنسيّة في فلاسفة التاريخ العرب. وقبل أن نُباشر البحث

في نوع هذا التأثير: أدَفع المطالبين باعتماد مناهجَ جديدة إلى أن يكونوا مجرّد مترجمين للمُنتج "الحوليّ" الفرنسيّ أم كانوا مؤسّسين حقًّا

مشروعًا نوعيًّا في مجال مناهج الكتابة التاريخيّة العربيّة؟ يجدر بنا تقديم عَرضٍ سريع لهذا المنتج "الحوليّ" حتّى نضعَ سؤال المنهج في

الكتابة التاريخيّة العربيّة المُجدّدة في سياقيْه المعرفي والإشكالي. أطلق القائمون على تجديد المنهج في الكتابة التاريخية الفرنسيّة مصطلح "التاريخ الجديد" histoire nouvelle La لوسم

اتجاههم البحثي. وكان ذلك في عشرينيات القرن الماضي. واتّخذوا من مجلّة الحوليات Annales فضاءً لإذاعة أطروحاتهم والترويج

لها في المجامع العلميّة. وكلمة "الجديد" هي كلمة تمييزية شكلية وليست مضمونية يراد بها الإعلام بأنّ ما يُكتب في الحوليات

لا علاقة له بالمتداوَل من مواد التاريخ ومناهجه. وقد يستعصي حدُّ هذا "الجديد" حدًّا اصطلاحيًّا حتى لدى روّاده، فمن ذلك أنّ بيتر

بوركي Burke Peter أجاب ردًّا على سؤال "ما التاريخ الجديد؟" بما يلي: "ليس من السهل وضع تعريف إيجابيّ لأنّ الحركة لم تجتمع

عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ج 1 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص 11. 13 المرجع نفسه. الحبيب الجنحاني، "إشكاليّة تحديد السمات المنهجيّة لمدرسة تاريخيّة عربيّة"، الوحدة، المجلس القومي للثقافة العربيّة، العدد 42 (آذار/ مارس 1988)، ص 19.

عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب (العين: مركز زايد للتراث والتاريخ، 2000)، ص 9. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات -مدارس- مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 138.

يقول عبد الواحد المكني في هذا الصدد: "توسّعت المقاربة الأنثروبولوجيّة التاريخيّة، وصار لها روّاد، بل مقلّدون عدّة، ولم يكن انتشارها في المغارب دائمًا من باب

الابتكار المنهجي وتنشيط الحوار المعرفي والإبستيمي، وإنّما كان أحيانًا في سياق تقليد حركة البحث في الجامعات الفرنسية والأوروبية"، ينظر: عبد الواحد المكني، "منعطف

الأنثروبولوجيا التاريخية في المغارب: المؤرّخ ومساءلة المألوف"، في: مجموعة مؤلّفين، التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة، إعداد

وتنسيق وجيه كوثراني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 1000. يذكر جاك لو غوف المشرف على تحرير أشهر كتاب في التاريخ الجديد تحت العنوان نفسه: التاريخ الجديد histoire nouvelle La الذي ظهر أوّل مرّة عام 1978

أنّ هنري بار Berr Henri هو أوّل من استعمل نعت "الجديد" للإشارة إلى نزعة في الكتابة التجديدية للتاريخ كانت الولايات المتحدة الأميركيّة قد عرفتْها خاصّة على يد هاري

ألمر برناس في كتابه:

Harry Elmer Barnes, The New History and the Social Sciences (New York: The Century Company, 1926).

لمزيد من التفصيل، يَحسُن العودة إلى: كوثراني، الفصل الحادي عشر: "مدرسة الحوليّات والتاريخ الجديد"، ص 199 - 217.

سوى على ما تعارضه فقط [...] سيكون من الصعب أنْ نقدّم ما يتعدّى الوصف الغامض، الذي يُحدّد التاريخ الجديد بأنّه تاريخ

شامل، أو تاريخ بنيويّ". وفي التعريف المقارنَيّ الذي وضعه فيليب أرياس Ariès Philippe ما يُساعِد على المَسك بمحدّدات هذا العلم

الجديد الكبرى: "يهتمّ التاريخ التقليديّ تقريبًا بصورة خاصّة بالأفراد، وبالفئات العليا من المجتمع، وبنخبه (الملوك ورجال الدولة وقوّاد

الثورات)، وبالوقائع (الحروب والثورات)، وبالمؤسّسات (السياسية والاقتصادية والدينية) التي تهيمن عليها النخب. وعلى عكس ذلك،

يهتمّ التاريخ الاجتماعي بالكتل الاجتماعية التي بقيت على هامش السلطة وأولئك الذين يقاسونها". وأوّل ما يَلفت النظر في هذا

التعريف هو استبدال المركّب النعتي "التاريخ الجديد" بمركّب نعتي آخر هو "التاريخ الاجتماعي". وهو ما به يتبدّد الغموض الذي في

كلمة "الجديد". وبهذا نكون أمام جديدَين متكامليَن: جديد مضموني متمثّل في المجتمع، وجديد منهجيّ متمثّل في تقاطع الاختصاصات المستدعى

لتأمين ظروف أفضل للكتابة التاريخية، وفهم أعمق للواقع الاجتماعي. وهذه نقلة مهمّة ستُوجِّه أنظار المؤرّخ إلى ما سُمّي "التاريخ

من أسفل" bas en ' d vue histoire ' L حيث العلاقات والقيم والسلوك والتقاليد، وكلّ ما ينسل من هذه العناوين من فروع تفصيلية؛

كالملبس والمأكل والمسكن والفقر والمرض والمهن والحرف والمرأة... إنّها إذًا السوسيولوجيا بروافدها في قلب التاريخ. وإذا علمنا أنّ

الجهد الأكبر قد انصرف إلى تاريخ مجتمعات العصر الوسيط، قلنا إنها الأنثروبولوجيا والأثنولوجيا أيضًا في قلب التاريخ. وعلى هذا

الأساس ستُنحت مجمّعات أو مركّبات اصطلاحية تحيل على الجوار/ التقاطع الوظيفي والمنهجي بين الاختصاصات، فجاك لو غوف

Goff Le Jacques، على سبيل المثال، كانت له حلقات نقاشية Séminaire شرع في تأمينها بمدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعيّة

EHESS عام 1965 عنوانها: " médiéval Occident ' l de sociologie et Histoire "، وهو أمرٌ يدلّ على الجوار المضموني والمنهجي بين

حقلَ التاريخ والسوسيولوجيا الذي ألمعنا إليه. وكان ينبغي لاتجاهات "التاريخ الجديد"، منذ وقت غدا كافيًا، أن تنضج أكثر فيتحوّل

الجوار بين الاختصاصات إلى اندماج. كان ذلك في السبعينيات عندما اتخذت ندوة لو غوف هذا العنوان المزجيّ: " Anthropologie

médiéval Occident ' l de historique "، وهو دالّ على أمرَين على الأقلّ: حيوية الدراسة التاريخية من جهة، واعتماد استراتيجية

تشبيك المناهج لفهم الظاهرات الاجتماعية من جهة ثانية. والعبور من "التاريخ والأنثروبولوجيا" إلى "الأنثروبولوجيا التاريخيّة" هو عبور

من السياق المعرفي إلى السياق المنهجي. ودون الخوض في التفاصيل التي لا تقتضيها هذه الدراسة يمكن الاكتفاء بتأكيد مبدأ التشبيك، فنقول إنّ المجال الذي

تغطّيه مدرسة الحوليات تركّز في البداية على المسألة السوسيو-اقتصادية، ثمّ توسّع فامتدّ إلى عالَم الأفكار أو ما يعبّ عنه بالتمثلّات

Représentations. وفي هذه السياقات لمع اسم أندريه بورغيار Burguière André الذي يُعَدُّ مهندس الأنثروبولوجيا التاريخيّة.

ولم تقف مساعي الدارسين لتشبيك المناهج من أجل تحسين أداء الدرس التاريخي عند هذا المستوى. وكان "تاريخ الذهنيّات"

mentalités des histoire ' L من الفروع النوعيّة التي اهتدَوا إليها في بداية السبعينيات. ويبدو أنّه مثّل متحوَّلً كأنّه الثورة المنهجيّة

بيتر بوركي (محرّر)، نظرات جديدة على الكتابة التاريخيّة، ترجمة وتقديم قاسم عبده قاسم (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 23.

فيليب أرياس، "تاريخ الذهنيّات"، في: جاك لو غوف (مشرف)، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة، 2007)، ص 182.

Jean-Claude Schmitt, "Le Séminaire,"  in: Jacques Revel & Jean-Claude Schmitt (dir.),  L'Ogre historien: Autour de Jacques Le Goff (Paris: Gallimard, 1998), p.  24.

23 على سبيل المثال، ينظر دراستاه:

André Burguière, "L'Anthropologie historique," in: Jacques Le Goff, Roger Chartier & Jacques Revel (dir.), La Nouvelle histoire (Paris: Gallimard, 1975); André Burguière, "L'Anthropologie historique et l'école des annales," Les Cahiers du centre de recherches historiques , revue électronique, no. 22 (1999).

في الميتودولوجيا المعاصرة. فعالَم الذهنيّات ليس فقط المقابل الضدّي لعالَم المحسوسات، بل هو في الأساس إعلانٌ عن انهيار الحدود

بين جميع العلوم التي تُعنى بالإنسان باعتباره كائنًا رامزًا symbolicus Homo بالمعنى الإناسيّ العامّ، وكائنًا ثقافيًّا بالمعنى الحضاري

الخاصّ. وهكذا تتوافد على الحقل التاريخي علوم النفس والأديان والأخلاق والفنّ، وغيرها من العلوم. وهي بمجرّد دخولها علم

التاريخ تُصبح مداخل تنحصر وظيفتها في المساعدة على فهم الإنسان فهمًا أفضل من قبلُ. والحاصل من هذا أنّه حيثما كان ثمّة ما

يشير إلى الإنسان، كان التاريخ صائدًا للاختصاصات. والتعبير المجازي الذي استخدمه مارك بلوخ يستوعب استيعابًا ممتازًا هذا المعنى:

"المؤرّخ الجيّد، هو ذاك الذي يُشبِه وحش الأسطورة، الذي يعرِف أنّه حيث توجد رائحة اللحم البشري توجد طريدته". ولا عجب

حينئذ أنْ يقول بيار نورا Nora Pierre، منتشيًا، قولته الشهيرة: "إنّنا نعيش لحظة انفجار التاريخ". وهل تكون هذه اللحظة في

سيرورة الميتودولوجيا سوى لحظة التتويج الكبرى: الاختصاص العابر Transdisciplinarité.

التاريخ من أسفل ومنهج التقاطع: قراءة يف التأسيس

أشرنا إلى أنّ الكتابة التاريخيّة العربيّة المجدِّدة تأثّرت بدرجات معينة بالحوليات، ورأت فيها دليلً لإعادة بناء التاريخ مادّةً

ومنهجًا وعِلمًا. والناظر في ما أنتجه الجيل المؤسّس والجيل اللاحق به مباشرة ينتبه إلى أمر يشترك فيه الجميع مفاده إدانة التاريخ

الرسمي - التقليدي لأنّه تاريخ انتقاء وتمجيد، تاريخ ملوك وأبطال وسلالات وانتصارات، تاريخ أفراد وليس تاريخ جماعات، تاريخ ما يراد له أنْ يُدوَّن ويُحفظ وليس تاريخ ما ينبغي أنْ يُسجَّل ويُدرَس. والحقيقة أنّ ذلك يندرج ضمن تصوّر معيّ للثقافة والعمران

والسلطة والمجتمع وعلاقات القوّة التي تتحكّم في كلّ ذلك بآليّة لسانيّة هي الإنشاء والسرد والقصّ. وكلمة "أرّاخ" التي أطلقها العروي

على ممتهِن هذا العمل إنّما أطلقها في إطار الترويج لتصوّر آخَر تنتظم داخله ممارسة الكتابة التاريخيّة. وإذ يشتكي المتذمّرون من تركة المؤرّخين التقليدييّن، فإنّهم، في ما بدا لنا، لم يُحَمّلوا أنفسهم مهمّة تصحيح الأخطاء وترميم البناء

وردم الفراغات وملء البياض. فمثل هذه المهمّة دون ما يصبون إليه. والمدقّق في مرتكزات أطروحاتهم لا يخالجه شكّ في أنّهم يَطلبون

مسالك تقطع مع القديم فلسفةً وأدوات ولا ترضى بالتصحيح والترميم. فالعروي على سبيل المثال يقدّم تفسيرَين نسقيَيّن متكاملين

لانبناء الكتابة التاريخيّة التقليديّة على النحو الذي انبنت عليه. يرى العروي، في التفسير الأوّل، أنّ السياق الذي تبلورت فيه الكتابة

التاريخيّة القديمة هو السياق الذي حكمت فيه الدولة العباسيّة باعتماد استراتيجيا توحيديّة تعمل على شرعنة الهيمنة من منطلق

الدفاع عن الجماعة. فقامت ب "سنّ سياسة تعايش بين الجماعات المتصارعة وذلك بإدماجها تدريجيًّا في حضيرة الدولة". ووُلِد

من رحِم هذه الاستراتيجيا مؤرّخ رسميّ دائر في فلكها، ف "لعب التاريخ دورًا فعّالً في نشر وتثبيت العقيدة (الأيديولوجيا) التي ستسمّى

بحقّ عقيدة أهل السنّة والجماعة". ويُرجِع في التفسير الثاني بعضًا من أسباب غياب الكتابة بمنهج شمولي إلى تصوّر التاريخ تصوّرًا

حدثيًّا مجزَّأً حيث تؤدّي بعض وقائعه المتعالية (النبوّة مثلً) دور الاعتبار أخلاقيًّا، وتسوّق لفكرة الانغلاق عبر آليّة العود على البدء

فلسفيًّا. قال في هذا الشأن: "المؤرّخ العربيّ [...] يرى التاريخ لا كسلسلة من أحداث متماسكة الحلقات بل كإعادة مستمرّة لعهد النور

Marc Bloch, Apologie pour l'histoire ou métier d'historien (Paris: Armand Colin, 1997), p. 51. Pierre Nora, "Nous vivons l'éclatement de l'histoire," Texte de Présentation de la Bibliothèque des Histoires. Paris, Gallimard, Collection de la NRF, accessed on 19 / 9 / 2019 , at: http://bit.ly/ 2 lXy 0 BZ

عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 81. 27 المرجع نفسه، ص 82.

والحقيقة". ولا يمكن، تأسيسًا على هذا الطرح النسقي، لمن أراد أن يكتب كتابة تاريخيّة جديدة إلّ كسر النسق القديم وإنشاء

معقوليّة جديدة للكتابة لها نسقها الخاصّ بها الذي تنتظم داخله. تعمل لحظة الوعي الثانية، كما أطلقنا عليها، على تحويل نظر المؤرّخ إلى حيث يُوجد المتروك أو المهمل من الواقعات

والروايات والسيَ ذات القاع الأفقي والتحتي. والباعثُ على ذلك اعتقادُ المؤرّخ الجديد في أنّ لها أدوارًا ووظائف أسهمت في نشأة

الظاهرة/ المشهد/ الحدث من جهة، واعتقاده في أنّه من الضيم أنْ يُنسج التاريخ على مقاس مَن يُؤرَّخ لهم من جهة ثانية، واعتقاده ثالثًا

في أنّه من العدل أنْ يُنْصفَ المهمَّشون وكلُّ مَن نبذهم قلم المؤرّخ التقليدي. ولتأمين هذه العمليّة الكبرى كان التفكير في رافعة قادرة

على إخراج المنسيّ إلى دائرة الضوء. فكان الرهان على المنهج. وإذا علمنا أنّ الانتقال من كتابة التاريخ الرسمي إلى كتابة تاريخ "العوامّ" يقتضي أنْ يُقيم المؤرّخ بين فئات المجتمع المنسيّة، بات

ضروريًّا انتظار ولادة التاريخ الاجتماعي بكلّ ما يعنيه ذلك من توغّل في مختلف مكوّنات الحياة الاجتماعيّة العموميّة. وهو توغّل قائم

على أعمدة أربعة كبرى: الالتزام تجاه الناس الذين غيّبهم التاريخ التقليديّ (العمّال، النساء، الأقليّات، الفقراء، وغيرهم)، ودراسة

ملامح حياة هؤلاء في معيشهم اليومي (الأسرة، الطفولة، العمل، الهواية، الانحراف، وغير ذلك)، وتحليل شامل لبنى المجتمعات الماضية والوقوف على خصائصها، واعتماد تصوّر للتاريخ الاجتماعي يكون مشروعًا لتأسيس تاريخ المجتمع باعتباره تاريخًا عامًّا.

ويرتكز التاريخ الاجتماعي على السوسيولوجيا، ويتّخذ لنفسه موقعًا بين الحقول السياسية والاقتصادية والثقافية نظرًا إلى العلاقات

المتينة التي تربطه بها. ويوفّر هذا التموقع فرصةً للتأثّر والتأثير. وهو ما يسمح بتعميق النظر في نظام حياة الكيانات الاجتماعية. وكلمة

"الحوار" Dialogue التي استخدمها لابروس Labrousse Ernest لتعيين مفهومٍ للتاريخ الاجتماعي مهمّةٌ في هذا السياق لأنّها تؤكّد

حضور المنهج في المقاربة التاريخية: "التاريخ هو تاريخ الحوار بين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي". وكلمة "الحوار" هي مجرّد إبدال

لساني لمصطلح "التقاطع" الذي انطلقت منه أسئلة هذه الدراسة. فالتاريخ الاجتماعي، إذًا، ليس تاريخَ الفرد من حيث الموضوع، وليس اختصاصًا مكتفيًا بنفسه من حيث المنهج. فإنْ كان علم التاريخ، كما سبقت الإشارة، كأنّه علم العلوم لشساعته، فالتاريخ الاجتماعي

كأنّه الفرع الذي يحتوي سائر فروع التاريخ ويتضمّنها. وهو إذ يكون في حوار مع الحقول السياسية والاقتصادية والثقافية، يُسهم

بطريقة فعّالة في بناء معرفة مركّبة بالجماعة الخاضعة للبحث. وعلى هذا الأساس ينفصل التاريخ الاجتماعي انفصال قطيعة عن التاريخ

التقليدي من ناحية، ويصبح للمنهج دورٌ محوري في إنتاج المعرفة التاريخيّة من ناحية ثانية. وليست المعرفة سردًا وحفظًا كما جرت

28 المرجع نفسه، ص 88. مسألة الالتزام مسألة قيمية بامتياز لأنّها تشتغل بالإنصاف التاريخي. وبعض الاختلافات بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان تكمن في هذه الزاوية من النظر إلى

القضايا المدروسة. ومن المؤرّخين العرب المجدّدين الذين صرفوا قسطًا غير قليل من الجهد في تشغيل المناهج لفائدة التاريخ الاجتماعي العادل، إبراهيم القادري بوتشيش.

يقول مثلً: "إنّ ردّ الاعتبار للفئات المنتجة من عامّة الناس والشرائح المستضعفة [...] وانتشالهم من ركام النسيان الذي وضعهم فيه المؤرّخون، يعدّ أداة تسعى – بامتياز

- إلى تأسيس تاريخ علمي محترم، يمشي على قدميه بدل المشي على رأسه"، ينظر: إبراهيم القادري بوتشيش، المهمّشون في تاريخ الغرب الإسلامي: إشكاليات نظرية

وتطبيقية في التاريخ المنظور إليه من الأسفل (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2014)، ص 9. 30 اهتمّ بهذه العناصر جوفري كروسيك في:

Geoffrey Crossick, "Qu'est-ce que l'histoire sociale?" in: Yves Michaud, Universités de tous les Savoirs: L'Histoire, la Sociologie et l'Anthropologie , vol. 2 (Paris: Odile Jacob, 2001), pp. 155 - 167.

31 نقلً عن فرانسوا كارون من مقاله:

François Caron, "Introduction générale de Saint- Cloud à Ulm," in: Christophe Charles (dir.), Histoire sociale, histoire globale? (Paris: Maison des sciences de l'homme, 1993), p. 17.

حول علاقة التاريخ الاجتماعي بغيره من فروع التاريخ من جهة، وبغيره من الاختصاصات من جهة أجرى، ينظر على سبيل المثال:

Frank Noulin & Jean-François Wagniart, "La Place de l'histoire sociale: de la recherche à l'enseignement," Cahiers d'histoire , revue d'histoire critique , no. 122 (2014), pp. 19 - 43.

به سُنَن التدوين التاريخي. إنّها، بفضل منهج "الحوار" بين العلوم المتجاورة دراسة في البنى الاجتماعية والعلاقات السائدة والسلوك

والقيم وأنماط الإنتاج. فالمؤرّخ في هذه الوضعيّة هو الذي يصنع التاريخ؛ لأنّه وحدَه من يقوم بإنشائه وتأويله في ضوء الوسائط القرائيّة

المتشابكة المتوفّرة له. وهذا تطوّر نوعي لأنّه لم يُعطِ للتاريخ فقط هُويّةً جديدة، بل أعطاها للمؤرّخ أيضًا؛ إذ إنّ المؤرّخ الجديد مطلوبٌ

منه أن يرى موضوعه بأكثر من عينٍ: عين الاقتصادي وعين السوسيولوجي وعين الأنثروبولوجي... حتّى يستطيع إعادة بناء التاريخ. ومن الطريف أنْ نشير، في هذا السياق، إلى أنّ بعض المؤرّخين العرب الحاملين مشروع تجديد الكتابة التاريخيّة طبّقوا المنهج

الاجتماعي المادي على المؤرّخ التقليدي نفسه، قبل أن يطبّقوه على المادّة التاريخيّة، فبانت انعكاسات انتمائه الأيديولوجي والطبقي على

ما كان يكتب. والمؤرّخ محمود إسماعيل واحد من قلّة من روّاد التجديد الذين خاضوا تجربة تنفيذ المنهج الاجتماعي - الماركسي على

التراث الإسلامي من مدخل انتماء المؤرّخ التقليدي. فهذا المدخل قادر، في نظره، على تقويم الإنتاج التاريخي: "سنحاول دراسة أوضاع

هؤلاء المؤرّخين الطبقية وانتماءاتهم المذهبية كمدخل لدراسة أعمالهم بما انطوت عليه من مناهج ونظرات تاريخية". والحقيقة أنّه

وصل إلى نتائج ذات قيمة نوعية ما كان يمكن، دون هذا المنهج، إدراكها. فَمِن ذلك على سبيل المثال ما تعلّق بالمؤرّخ المغربي في العصر

الوسيط. فهذا المؤرّخ السنّي المالكي، رغم الحيويّة التي عرفها المذهب المالكي نتيجة اقترابه من حياة الناس وشواغلهم، ظلّ، بحسب

رأيه، محافظًا على المقاربة النصيّة ولصيقًا بالأثر بسبب انتمائه الطبقي والأيديولوجي. ولم يشذّ عن هذه القاعدة سوى نفر قليل من

الذين تأثّروا بكتابات المشارقة. ومِن الإنصاف أنْ نضيف رأيًا قد يُخفّف قليلً من ضغط النقد المسلَّط على المؤرّخ الرسميّ مفاده أنّ أزمة الكتابة التاريخيّة في العصر

الوسيط لا تتحمّلها استراتيجية التدوين السلطانيّة وحدها. فعدم بروز مؤرّخ من بين المهمّشين يكتب لهم وعنهم تحت سقف الالتزام

بقضاياهم، على المعنى السالف بيانه، حرمهم من أنْ يكون لهم ذكْرٌ، كما حرم التاريخ من زاوية نظر تعديليّة لكتابة تاريخيّة متوازنة.

وإشارة إبراهيم القادري بوتشيش في هذا الصدد على غاية من الأهميّة: "إنّ للعوامّ ذاتهم مسؤوليّةً في هذا المجال، ذلك أنّهم لم يخلّفوا

وثائق تاريخيّة تعبّ عن مواقفهم. فزعماء الثورات الاجتماعيّة والتنظيمات السريّة، لم يتركوا وثائق تلقي الضوء على مبادئهم وأهدافهم

[...] يمكن للباحث في تاريخ العوام أن يرجع إليها". ومَأتى أهمّية ما نبّه عليه بوتشيش يكمن في إثارة سؤال مركّب يجمع بين المعرفي والمنهجي والإيتيقي؛ هو: مَن يكتب التاريخ؟

إنّه سؤال في الانتماء والهويّة، كما يبدو، ولكنّه أيضًا سؤال في صميم المقاربة التاريخيّة: كيف تكون؟ وما ضمانات أنْ تكون مقاربةً

موضوعيّة؟ فالمنهج، إذًا، ليس فقط أداةً وتقنيةً، إنّه كذلك اختيارٌ ما قبليّ. وعلى أساسٍ منه يقع إنتاج المعرفة. فمنهج الكتابة السلطانيّة

لا يمكن أنْ يطبّقه إلّ مؤرّخ سلطاني، ومنهج الكتابة العموميّة/ الأفقيّة لا يمكن أنْ يجيده إلّ مؤرّخ "العامّة". وحين ينتفي مؤرّخ

العامّة، فما يُتوقّع هو أحدُ أمرين: إهمال لذكرهم من مؤرّخ السلطان، أو تشويه لهم إن صادف أن ذَكرهم. وما يُستفاد من هذا هو أنّ

المؤرّخ الواحد لا يُنتج إلّ تاريخًا واحدًا، وهو التاريخ العمودي، وأنّ اختراقَ هذه الحقيقة لا يكون إلّ بتاريخ متعدّد الأصوات، متشابك

الأقلام والروايات. فإنْ صار كذلك، كان تاريخًا أفقيًّا. والراجح أنّ مِثل هذا التصوّر، لو عرف طريقه إلى التطبيق، كان سييسّ مهمّة

تقاطع الاختصاصات لأنّه ناشئ قَبْليّا من فكرة تقاطع أصوات المؤرّخين.

محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي: طور التكوين، ج 1 (القاهرة: سينا للنشر؛ بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2000)، ص 255. 34 المرجع نفسه، ص 254 - 255. إبراهيم القادري بوتشيش، تاريخ الغرب الإسلامي: قراءات جديدة في بعض قضايا المجتمع والحضارة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1994)، ص 30.

وبعيدًا عن الغرق في التفاصيل، لا مبالغةَ إنْ ذهبنا إلى أنّ نواة مشروعٍ للتاريخ السوسيولوجي العربيّ شرعت في التشكّل في بعض

الدوائر الأكاديميّة والكتابات الفكريّة المتأثّرة بالتيّارات والمناهج العابرة للاختصاصات. وما سجّله محمود إسماعيل يمكن الاتكاء

عليه لمَن يرغب في توسيع أفق البحث في هذا المجال: "جرت محاولات عدد من الدارسين لدراسة بعض جوانب التراث وفقًا لمنظور

سوسيولوجي، فعلى الصعيد الأكاديمي أُنجزت بعض الرسائل برؤية اقتصادية اجتماعية، كما تناول بعض الأساتذة الجامعيين بعض

جوانب التراث العربي وفقًا للمنظور ذاته، وأسهم لفيف من الكتّاب والمفكّرين بدور في هذا الصدد، فأثاروا مشكلات التراث في جوانبها

المنهجيّة والتنظيريّة". ولكنْ يَلفت انتباهَنا النقدُ اللاذع الذي سلّطه محمود إسماعيل على مؤرّخي التاريخ لأنّهم لم يتصدَّوا للمقاربة

الاقتصاديّة الاجتماعيّة، ولم يُنجزوا دراسات شاملة لتطوّر بنية المجتمع العربيّ: "لمّا كانت هذه المهمّة منوطة بمؤرّخي التاريخ الإسلامي،

فَمِن أسفٍ أنّ أحدًا لم يُنجز عملً في هذا الصدد، اللّهمّ إلّ مجرّد دراسات توصيفيّة متجزّئة للأحوال الاقتصاديّة ومظاهر الحياة

الاجتماعيّة تأتي بشكل عابر ضمن تأريخاتهم لدولة من الدول أو عصر من العصور. ولم يحاول أحد - إلّ نادرًا - تكريس شيء من فهمٍ

للأساس الاقتصادي الاجتماعي في صياغة الأحداث السياسية والحياة العقليّة ووضْعها في إطارها التاريخي الصحيح". وبقطع النظر عمّا في هذا الحكم من تشدّد يقترب من المبالغة المفرِطَة، فإنّ الأساس الذي بُنيَ عليه سليم في المطلَق، وهو ضعف رصيد

الكتابة التاريخيّة العربيّة المنتمية إلى الفضاء المنهجي الجديد حيث تتلاقى الحقول وتتقاطع في إطار وعيٍ قائمٍ على أنّ المعرفة التاريخيّة

لا تنمو إلّ بتشبيك المناهج واستثمارها. ولا شكّ في أنّ قلّة التأليف في البنى الاجتماعيّة وتطوّرها يُخلّف آثارًا سلبيّة لأنّ الدراسات المقطعيّة

أو الميكرو-تاريخيّة لئن وفّرت معرفة دقيقة بموضوع البحث تظلّ جزئيّة إنْ في النتائج المتوصَّل إليها أو في المساحات البحثيّة التي تغطّيها.

ففضل التشبيك المنهجي على الكتابة التاريخيّة لا يُلمس فقط في النتائج التركيبيّة، بل أيضًا في المقاربة النسقيّة والبنيويّة التي تقدر على

رصد التحولّات والربط بينها وبناء الأحكام التأليفيّة في ضوء كلّ ذلك. وعمومًا، التاريخ الممتدّ لا تُحْسِن الدراسات الجزئيّة كتابته.

يف حدود التفكير النظري وشرعية الفكر التطبيقي

تنتمي الكتابة العربيّة في التاريخ المقطعي والتطبيقي إلى اللحظة الثالثة في سيرورة الكتابة التاريخيّة العربيّة المجدّدة. وهي لحظة

عطاء كبرى أمّنها الجيل الثالث من المؤرخين والمفكرين والمشتغلين بالفلسفة. فإذا كان الجيل الأوّل (هشام جعيط، وعبد الله العروي،

وطيب تيزيني، ومحمود إسماعيل، ووجيه كوثراني، وغيرهم) جيل التأسيس والتدشين والتنظير والتحفيز على الانقلاب على تقاليد

الكتابة التاريخيّة موضوعاتٍ ومناهجَ، وإذا كان الجيل الثاني قد أخذ بطرفَ المشعَل فأسهم بقسط في التنظير وقسط في التطبيق وقسط

في التعريب (محمد الطاهر المنصوري، وإبراهيم القادري بوتشيش، ومحمد حسن، وعبد الرحيم بنحادة، وعثمان المنصوري، وغيرهم)،

فإنّ الجيل الثالث الذي أنجز أغلبُه أطروحاتِه في الدكتوراه تحت إشراف مؤرّخي الجيل الثاني تقلّصت في أعمالهم إلى حدود بعيدة

أسئلة التنظير وهواجس المعرفة النسقيّة لصالح الدراسة التطبيقيّة. هذا لا يعني أنّه لا يمكننا أن نظفر بشيء من ترسّبات المعالجات

36 المرجع نفسه، ص 33. 37 المرجع نفسه.

نضرب مثالً دقيقًا ههنا نبيّ من خلاله الفرق بين تصوّرَين للمنهج عند جيليَن: تَصوُّر جيل يُعنى بالتنظير وتصَوُّر جيل يُعنَى بالتطبيق. يُوجد كتاب عنوانه مناهج

البحث في الإنسانيّات والعلوم الاجتماعيّة ألّفه عبد الإله بنمليح ومحمد استيتو، ووضع محمود إسماعيل للكتاب مقدّمة. في العنوان إغراء كبير يدفعك إلى توقّعِ كتابة في

الميتودولوجيا على غرار العناوين التي تُوسم بها كتب المنهج في الأكاديميا الغربيّة. ويزداد هذا التوقّع وثوقيّة حين تقرأ مقدّمة محمود إسماعيل التي محّضها للميتودولوجيا

ونقد فيها بعنف تقصير العرب في الكتابة في هذا العلم. فممّا قاله: "شحيحة هي الكتابات العربيّة في الحقل الميتودولوجيّ [...] برغم وقوع ثورة إبستيميّة ومنهجيّة منذ

منتصف القرن الماضي وإلى الآن" (ص. 12)، غير أنّك تُفاجَأ بمتن الكتاب مخصّصًا لفنّ كتابة الرسالة الجامعيّة في اختصاص التاريخ مُوجّهًا إلى "الطلبة الباحثين المقبلين على

إعداد بحوث أو رسائل أو أطروحات جامعيّة، ولا سيما في الخطوات والتجارب الأولى" (ص. 20). فهو إذًا في تقنيات التأليف وليس في الميتودولوجيا. وبهذا تنفصل مقدّمة

محمود إسماعيل عن محتوى الكتاب انفصالً بائنًا بسبب انتساب صاحب المقدّمة إلى جيل التنظير وانتساب صاحبَي الكتاب إلى جيل التطبيق (نشُر الكتاب بالقاهرة: رؤية

للنشر والتوزيع، 2006).

التنظيريّة في ما يكتبون. إنّ في مقدّمات كتبهم ومقالاتهم التفاتًا إلى ذلك، غير أنّه الالتفات الذي تنحصر وظيفته في تبرير الكتابة

في هذه المسألة أو تلك من دون أنْ يتجاوز ذلك إلى مقاصد ذات بعد فلسفي واسع. وينبغي أنْ نُسارِع فنرفع عنهم الحرج مؤكّدين أنّ

الغرض من الملاحظة التي سُقناها وصفيّة ترتيبيّة أقرب ما تكون إلى المحاولة التحقيبيّة منها إلى الإدانة وتحميلِهم مسؤوليّة عدم اكتمال

سيرة الكتابة التاريخيّة المجدّدة من جهة التنظير والمسوّغات الموضوعيّة. لن نعود إلى إثارة الأسباب التي رأيناها مانعةً انتظامَ الكتابة التاريخيّة المجدّدة في أفق إبستيمولوجي وميتودولوجيّ. وحسبنا هنا

أنْ نكتفيَ بالإلماع إلى أنّ غياب الشروط العمرانيّة لتجديد الكتابة تجديدًا نسقيًّا لا يسمح في كلّ الأحوال إلّ بما انصرف إليه هذا الجيل

الثالث. ولكنْ من المهمّ أنْ نسجّل انطباعًا أوّليًّا مفاده أنّ هذه اللحظة هي لحظة المنهج بامتياز بعد أن استقرّ اختيار الباحثين على

المقاطع التاريخية التي سيقع عليها التطبيق. سيكون العصر الوسيط هو المساحة الأساسية التي انتدب المؤرّخون المجدّدون أنفسهم

للنشاط فيها. وإنْ كنّا لا ندري على وجه الدقّة أكان ذلك بتأثيرٍ وافد من "الحوليات" التي دارت أغلبُ بحوثها على العصر الأوروبي

الوسيط أم لا، فالذي لا ريب فيه أنّ هذا الاختيار كان مناسَبةً أكاديميّة جيّدة لاختبار كيفية استثمار المؤرّخ الوسيطي العلوم المجاورة

لعلم التاريخ استثمارًا منهجيًّا. لمّا كان العصر الوسيط هو المساحة التاريخيّة المفضَّلة بالنسبة إلى المؤرّخ المجدّد، ولمّا كانت الكتابة التقليدية كتابة سلطانية عمودية

غير أمينة بدليل الإخلالات الجسيمة التي ارتكبتها، كانت الأنثروبولوجيا الشريك الأكثر فاعلية وقدرة على مساعدة المؤرّخ في مشروع

إعادة كتابة التاريخ. والتقاء التاريخ الوسيط بالأنثروبولوجيا هو التقاءٌ موضوعيّ، نظرًا إلى أنّ ماضي الجماعات هو المجال المفضّل

للأنثروبولوجيا. وإذا وضعنا في الاعتبار أنّ للأنثروبولوجيا شبكاتٍ واسعةً ومعقّدة مع كثير من الاختصاصات، سواء أكانت طبيعية أم اجتماعية - إنسانية، عرفنا أنّ انجذاب المؤرّخ إليها كان كبيرًا. فالبحث في حياة الإنسان وتطوّرها من جوانبها المتعدّدة قيمة

مضافة تُتيحها الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا للتاريخ. والناظر في هذا النوع من الكتابات يُقرّ بأمرَين: تَسارع وتيرتها في الأعوام الأخيرة، وتنوّع موضوعاتها وطرافتها. وهذا ملُاحَظٌ بكثرة

في المؤسّسات البحثيّة المغاربيّة (رسائل وأطروحات جامعيّة، ومجلات متخصّصة، ووحدات بحث ومخابر، وجمعيّات علميّة، ومؤتمرات

وندوات). وقد يعود هذا الاهتمام المتعاظم بالتاريخ متقاطعًا منهجيًّا مع الأنثروبولوجيا وعوالمها المتشعّبة إلى بذل الأكاديميا العربيّة

جهودًا كبيرة في التحرّر من سطوة التاريخ التقليدي، والاندراج في مسارات التجديد المنهجي لإعادة بناء التاريخ الإسلامي الوسيط.

ينظر حول هذه المسألة: أحمد أبو زيد، "ماذا يحدث في علوم الإنسان والمجتمع؟"، عالم الفكر، مج 8، العدد 1 (1977)، ص 233 - 254. من التعريفات الوظيفيّة الجيّدة للأنثروبولوجيا ما أوردتْه الأنثروبولوجيّة الأميركية مارغريت ميد Mead Margaret: "نحن نصف الخصائص الإنسانيّة، البيولوجيّة

والثقافيّة للنوع البشري عبر الأزمان وفي سائر الأكوان. ونحلّل الصفات البيولوجية والثقافية المحلّية كأنساق مترابطة ومتغيّة، وذلك عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج

متطوّرة [...] ونعنى أيضًا ببحث الإدراك العقلي للإنسان، وابتكاراته ومعتقداته ووسائل اتصالاته. وبصفة عامّة، فنحن الأنثروبولوجييّن نسعى لربط وتفسير نتائج دراساتنا في

إطار نظريّات التطوّر"، نقلً عن: حسين فهيم، قصّة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، سلسلة عالم المعرفة 98 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون

والآداب، 1986)، ص 13 - 14. ننوّه في هذا السياق بأنّ الكتابة المجدّدة المتخصّصة في التاريخ الوسيط هي الطاغية لأسباب يضيق المجال عن تفصيل القول فيها. ولكنّنا لا ننفي انصراف بعض

المؤرّخين المجدّدين إلى مساحات تاريخيّة معاصرة وراهنة جسّدوا فيها منهج التقاطع لدراسة التحولّات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. ولا ريب في أنّ رصد تلك الكتابات

يمكن أن يوقف الدارس على نتائج مهمّة. ونحن إذْ نركّز على التاريخ الوسيط، فلأنّنا نرجّح أنّ أعطابًا كثيرة شوّهت الكتابة التاريخيّة التقليديّة العربيّة وأنّ الحاجة ماسّة جدًّا

لإعادة بنائه.

منهج التقاطع وإعادة ترسيم جغرافية التاريخ

نسوق في ما يلي بعض شواغل الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا التاريخيّتيَن كما مارسهما مؤرّخون عرب مجدّدون. سنتوقّف قليلً

عند الأسئلة التي أداروا عليها بحوثهم، وطرائق توظيفهم المُخرجات الأنثروبولوجيّة والسوسيولوجيّة باعتبارها اختيارًا منهجيًّا،

والنتائج التي أدركوها، ودورها في كتابة التاريخ كتابةً جديدة. وفي هذا الإطار نقترح أربعة نماذج، أو أربع دراساتٍ مقطعيّة: الأولى حول

اللباس، والثانية حول الماء، والثالثة حول الأوبئة والمجاعات، والرابعة حول الغذاء. وحريّ بنا أن نشير قبل الشروع في استحضار هذه الأمثلة المغاربيّة إلى أنّه من باب الادعاء الإتيان على جميع رصيد الكتابة العربيّة

في التاريخ الجديد. فهذا العمل المُفرد الذي نقترحه غير قادر على التصدّي لقراءة مَسحيّة للمنتج التاريخي العربيّ المعاصر مشرقًا ومغربًا.

لذلك، نبادر إلى القول إنّ بحثنا ليس سوى محاولة محدودة في الزمان والمكان تغمط حقّ كتابات واتجاهات أخرى إن زعمنا أنّها شاملة

كاملة. ولكنّنا، مع هذا التنسيب الضروري، نميل إلى أنّ هذا الاختيار المغاربي سببُه أنّ المُنَجزَ في حقل الكتابة التاريخية المجدّدة في

البلاد المغاربية يقبع وراءه تبرير متمثّل في أنّ المحصولَ أكثر كمًّا واسترسالً ونضجًا من نظيره المشرقي. وهذا رأي غير خاصّ بنا. فمن

أعلام التاريخ المشرقي من يُقرّ بتواضع جمّ بهذه الحقيقة. يُعتبَ اللباس مبحثًا أنثروبولوجيًا بامتياز. ولكنّ التاريخ الجديد اقتحمه، فاشتغل به، وتوغّل في تفاصيله وجزئيّاته. فما الذي حقّقه

بما فعل؟ وما الذي يُضاف إلى هويّة المؤرّخ؟ أو ما الذي يبقى منها دالّةً عليه؟ للإجابة عن هذه الأسئلة نستدعي عملً رائدًا أنجزه محمد

الطاهر المنصوري، وصدر في كتاب موسومٍ ب  حول الحجاب والزنّار: قانون اللّباس في بلاد الإسلام. تظهر معالم المنصوري مؤرّخًا واضحةً في مسألة محدّدة هي مصادر الكتابة التاريخيّة في اللباس. ويطالعنا المنصوري، تمامًا كما

يطالعنا غيره من مؤرّخي الأنثروبولوجيا التاريخية، منزعجًا من غياب الوثائق المصدريّة الخاصّة باللباس في العصر الإسلامي الوسيط.

وهذا من العوائق الأساسيّة التي حرمت التاريخ من أنْ يكون تاريخًا اجتماعيًّا أفقيًّا. ولم يكن من بُدٍّ إلّ أن يبحث في "المصادر الدفينة"

لتجميع المتناثر من الأخبار والروايات والشواهد عساه يصنع منها وثائق بديلة. ولا ريب في أنّ هذا الاختيار "الاضطراري" جعل

التاريخ متحرّكًا في حقول لا تَنتَسب إليه أصالةً وابتداءً. وهو إذْ يسلك هذه الطريق، يشرع في خوض مغامرته مع المنهج بدرجتَيه الأداتيّة

نحن واعون بأنّ الحسم في شأن الأنثروبولوجيا عامّة والأنثروبولوجيا التاريخيّة خاصّة، من جهة أنها منهج أو علم، لم يكن سهلً حتّى لدى المباشرين للموضوع

مباشَة تأسيس.

الدراسات المقطعيّة والمجهريّة كثيرة ومتنوّعة في المُنتَج الأكاديمي العربي. فقد شملت الغذاء والمناخ والحرف والصنائع والتصوّف والنخب والقضاء والشرطة والمرأة،

وغيرها، وأغلبها في الفضاء المغاربي. والأمثلة الأربعة التي اخترنا ليست إلّ عيّنات "عشوائيّة" لرصد منهج التقاطع ودوره في تطوير المعرفة.

ننقل بهذه المناسبة شهادة على لسان باحث لبنانيّ (مشرقيّ) يرى نفسه سبّاقًا إلى اجتراح منفَذ على الكتابة الجديدة. روى أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية خالد

مصطفى مرعب في مقدمة القسم الأوّل من كتابه التاريخ الجديد: الذهنيّات والثقافة الشعبية: "أُسنِد إليّ تدريس مادّة 'تاريخ الذهنيّات' من ضمن المسار الاقتصادي

والاجتماعي. وكعادتي قبلتُ التحدّي لأنّني علمتُ أنّ هذه المادّة جديدة وغير مطروحة عربيًّا وتكاد تكون مجهولة [...] وهكذا خضت المضمار وإذا بي بعد طول عناء ومعاناة

أقف على علم إنساني تاريخي جديد عميق وغزير ومشوّق. إنّه التاريخ الجديد. وهو علم إنساني بارز في أوروبا والغرب ككلّ، أطاح بمفاهيم الدراسات التاريخية التقليدية

القديمة وغيّ قواعد التاريخ وأضاف من الأفكار والتوجّهات والدراسات ما يجعل التاريخ يقف على قمّة الدراسات الإنسانيّة ويعطيه أبعادًا واسعة زاخرة بالمعاني والأفكار

والفلسفات والقواعد العلمية المستمدّة من كلّ العلوم الإنسانية تقريبًا بدءًا بعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والجغرافيا [..] انتهاء بعلوم اللّغة والدراسات

الفلسفية والفكرية المتعددة. نعم إنّ التاريخ الجديد يفتح من الآفاق ما يجعلنا نعيد النظر بتاريخنا ويرتّب مسؤوليّات جمّة على العاملين في مجال التاريخ والدراسات الإنسانية

ككلّ"، ينظر: خالد مصطفى مرعب، التاريخ الجديد: الذهنيّات والثقافة الشعبية (بيروت: دار النهضة العربيّة، 2012)، ص 16.

ألمَع وجيه كوثراني إلى شيء من هذا حين قال: "المطّلع على هذه الإنجازات أو على نسبة منها لا بدّ أن يعترف أنّ التجديد في البحث التاريخي قائم لدى النخب

الأكاديمية المغاربية أكثر ممّا هو لدى النخب المشرقية"، كوثراني، ص 401.

Mohamed Tahar Mansouri, Du Voile et du Zunnar: Du code vestimentaire en pays d'Islam (Tunis: l'Or du Temps, 2007). 47 Ibid., p. 12.

والفلسفيّة المشار إليهما في المحور الأوّل من هذه الدراسة. فأمّا ما هو أداتي، فيتعلّق بتجاوز العائق المصدري؛ وذلك بالتقاط الإشارات

والعلامات والتنبيهات الواردة في المصادر الدفينة، وتحليلها وتفكيكها ونقدها، وإنتاج تصوّر تقريبي للحقيقة التاريخيّة. وأمّا ما هو

فلسفي، فيتعلّق بالمناط من تشغيل الأنثروبولوجيا وما يشتبك معها من حقول لدراسة البنى الثقافية والدينية والاقتصادية والعوائد

والعلاقات وأنماط العيش. وفي هذه الدرجة تلاحِق المؤرّخ أسئلةٌ حول هويّته وهويّة اختصاصه. وهي أسئلة مُتداولة بين أعلام "التاريخ

الجديد" ودالّة على أنّ جغرافيّة التاريخ تبدّلت حدودها، وأنّ هويّة المؤرّخ تكثّفت فيها عناصر كثيرة مُنتزعة من هويّات علوم أخرى. يقول المنصوري وهو يضبط المسائل التي سيَدرسها: "اخترنا أن ندرس ثلاثة أصناف اجتماعيّة بناءً على علاقة كلّ واحد منها

بملبسه، وعلاقته بالمجتمع: النساء اللّتي خصّهنّ المجتمع بالحجاب وما يتفرّع منه، وأهل الذمّة حيث يكون اللباس بالنسبة إليهم شأنًا

سوسيو-قانونيًّا، والمتصوّفة الذين يكون ما يلبسونه اختيارًا وهُويّة". والناظر في معقوليّة هذا الاختيار ينتبه منذ الوهلة الأولى إلى أمرَين:

الجسد والمجتمع. وغنيّ عن البيان أنّ دراسات الجسد في الإسلام (وفي غيره من الحضارات القديمة) نادرة إلّ ما تعلّق منها بالجانب

الفقهي (الطهارة مثلً)؛ فهو إذًا من الموضوعات المسكوت عنها. والواقع أنّ الكتابة في الجسد نوع من الاكتشاف الجديد للإنسان اليوم. فالجسد كان مُبعَدًا عن دوائر النظر والفهم والتأمّل لأسباب ثقافيّة وعقائديّة واجتماعيّة وتربويّة؛ ولذلك كان مغطّىً/ مستورًا

عمليًّا ورمزيًّا، وتطوّر المعارف هو الذي جاء بالجسد إلى دائرة الضوء. إنّ "تصوّراتنا له ارتبطت بصعود الفردانيّة بنيةً اجتماعيّة، وبظهور

التفكير العقلاني الوضعي واللائيكي حول الطبيعة، وبالتراجع المستمرّ للتقاليد الشعبيّة المحليّة. وهذه التصوّرات مرتبطة أيضًا بتاريخ

الطبّ الذي يجسّد على نحو من الأنحاء المعرفة الرسميّة بالجسد في مجتمعاتنا الراهنة". وعلى هذا الأساس تكون الفتوحات المعرفيّة

والمنهجيّة في علوم الإنسان والطبيعة كأنّها الكنز الذي وقع عليه المؤرّخ فأفاد منه على نحو غير مسبوق. وهكذا "يتعرّى" الجسدُ أوّل مرّة

بين يدَي المؤرّخ فيخرج من السِتّرِ والغموض والحميميّة، ويصبِح بفضل تلك الفتوحات مادّة مصدريّة لدراسة طرائق التفكير وشبكات

القيم الراعية لسلوك المجتمع. ماذا تلبس المرأة؟ وماذا يلبس الرجل؟ بل ماذا تلبس الحُرّة؟ وماذا تلبس الأمَة؟ وماذا يلبس المسلم؟ وماذا يلبس الذميّ؟ وما

الألوان التي تناسب هذه أو تلك؟ وهذا أو ذاك؟ وكيف يُحدِّد اللباس ولونه المنزلةَ الاجتماعيّة والدينيّة والسلوكيّة؟ وفي أيّ وضعيّة يكون

رمزًا للتفرقة العنصريّة والثقافيّة أو التفرقة المَجاليّة فيكون للمدينيّ لباس وللريفيّ لباس؟ وكيف يتدخّل الفقيه بفتاواه فَيُلزِم هذا أو هذه

بلباس، ويُلزم غيرهما بلباس؟ وأين تتجلّ الأبعاد الجندريّة في علاقة الجسد باللباس، وعلاقة اللباس بالمجتمع؟ لقد تناول المنصوري

بكثير من العمق والدقّة والتفصيل كلّ هذه الأسئلة، وانتهى إلى نتائج تأليفيّة ذات جودة عالية تخصّ بُنى الفكر وأنساقه ومسوّغاته. ولكنّ المنصوري المؤرّخ يتلاشى أو يتحلّل في المنصوري الأنثروبولوجي حتّى لكأنّنا ما عُدنا نعثر على التاريخ إلّ أمشاجًا في

الأنثروبولوجيا. وهذا من ثمار كسرِ الحدود بين الاختصاصات. وهو بلا شكّ نتيجةٌ من نتائج اندراج المؤرّخ العربيّ المجدّد في السياقيَن

يتساءل جاك لو غوف [وآخرون] عن علاقة التاريخ بالأنثروبولوجيا، فيقول: "يُطْرَح السؤال حينئذ لنتبيّ إنْ كان هذا اللّقاء قد أفرز مقاربةً جديدة للحقيقة التاريخيّة

في مجملها، أم جغرافيّة جديدة للمؤرّخ"، ينظر:

Jacques Le Goff, Jacques Berlioz & Anita Jalabert, "Anthropologie et histoire," in: Georges Duby, L'Histoire médiévale en France: Bilan et perspectives (Paris: Seuil, 1989), p. 271. 49 Mansouri, p. 12. David Le Breton, Anthropologie du corps et modernité (Paris: PUF, 2008), p. 8.

المعرفيّ والمنهجيّ اللذين حقّقا للدراسات الغربيّة قفزات نوعية كبرى في اتجاه بناء رؤية للاختصاصات تقوم على التقاطع والعبور خارج

نفوذ الحدود العلمويّة الضيّقة. في الأنموذج الثاني، يَقع استقدام الماء استقدامًا تاريخيًّا أيضًا لسببيَن شكليَيّن على الأقلّ: فصاحب البحث مختصّ في التاريخ، وزمن

البحث العصر الوسيط. ولكنّ منهج البحث المرتكِز على تقاطع الاختصاصات هو الذي سيُخرج الماء من "منبعه" التاريخيّ إلى مجرى

سوسيو-ثقافي. فقد أنجز سعيد بنحمادة بحثًا أكاديميًّا، عنوانه "الماء والإنسان في الأندلس خلال القرنين 7 و 8 ه/ 13 و 14 م: إسهام في

دراسة المجال والمجتمع والذهنيّات"، عمَد فيه إلى دراسة الماء في التاريخ؛ لا من جهة تتبّع علاقته بالزمن والأحداث وتطوّر حضوره

كما قد تجري العادة في الدراسات التقليديّة، وإنّما من جهة علاقته بالعمران والوظائف المتعدّدة التي ينهض بها. وفي بعض الفقرات

التي قدّم بها فريد الأنصاري هذا الكتاب ملاحظاتٌ تُنزّل مبحث الماء في سياق جديد هو السياق الحضاري: "قد صار من المسلّمات في

الدراسات التاريخيّة المعاصرة أنّ المؤرّخين الأقدمين اشتغلوا بتأريخ الإنسان في علاقته بالإنسان، أكثر من اشتغالهم بتأريخه في علاقته

بالطبيعة، كما أنّهم اشتغلوا بتأريخ ملوكه وحروبه، أكثر ممّا اشتغلوا بتأريخ مجتمعه وعواطفه، أو علاقاته وتقاليده. وكلّ هذا يجعل

دراسة التاريخ العمراني بمعناه الحضاري الشامل ضربًا من المغامرة". وهذا التنزيل الحضاري يقتضي من الباحث التاريخي أنْ تكون

له رؤية فوق-تاريخية من جهة الأدوار المائيّة، ومقاربةٌ مركبّة يتعاضد فيها أكثر من اختصاص ومنهج للإحاطة بالموضوع. وهو ما كان

بنحمادة واعيًا به: "إنّ غايتنا تكمن في تجاوز المشهد الحدثيّ إلى محاولة الكشف عن البنيات الداخليّة للمعرفة المائيّة ببعدَيها الوجوديّ

والأنثروبولوجي، اللذين يتطلّعان إلى ما وراء الفعل التاريخي المادي [...] وذلك بإرجاع الحدث إلى محدّداته ومكانته ووظيفته في

النسق الحضاري العامّ، عبر إخضاع الأمر للمقاربة الثقافية التي تتوقّف من وجهة نظر سوسيولوجيا الأعمال الثقافية على وجود ذاتٍ

دائمة التفاعل مع الماء". ومن يقرأ هذه الأطروحة ينتبه إلى الثراء الذي تمتاز به. فقد تمّ تخصيبها بمستخلَصات الحقول المجاورة

للتاريخ تخصيبًا يجعلنا ندرك مدى حاجة الاختصاصات في جامعاتنا العربيّة إلى التقاطع فيَغذو بعضُها بعضًا. ودراسة الماء ليست إلّ عيّنة

مقطعيّة، كما ألمَعنا، لبيان ما يمكن أن يحصل حين يختار الباحث العمل وفق ما نحبّذ تسميتَه بمنهج تقاطع الاختصاصات. ففي هذا

الاتجاه تمّت معالجة علاقة الماء بالفقه، والقانون، والمعمار، والمناخ، والطبّ، والتصوّف. ولولا أنّها اجتمعت في كتاب واحد، ما كنّا

متهيّئين لاستحضارها مجتمعةً. والواقع أنّها لم تجتمع إلّ بِخطّة ولغاية مرسومة. فالمقاربة الثقافيّة التي اتخذها الباحث سبيلً لجَعل

أطروحته منتسبة إلى تاريخ الذهنيّات هي التي يسّت السبيل، فالتقى التصوّف بالطبّ وهندسة المعمار والفقه والقانون والمناخ، بل

بالمتخيَّل أيضًا وما يتصّل به من تمثلّات ورموز وإسقاطات. ومن النتائج التأليفية التي نودّ أن نضرب مثالً دالًّ عليها، تلك المتّصلة بولوج التاريخ في عَالَم المتخيّل؛ ذلك أنه ولوجٌ يؤكّد أنّ

التاريخ الوقائعي/ الحدثَي شرعَ يَفسح لتاريخ الذهنيّات في الأكاديميا العربيّة مكانًا بفضل منهج التقاطع. يقول بنحمادة مستنتجًا: "ترك

البعد التمثُلّي للجنّة وقدسيّة الماء في التصوّر القرآني بصماتهما الواضحة في الحديقة الأندلسيّة ونوع تصميمها ومرافقها المائيّة، غدت

بفعلها المساحات الخضراء والصحون والمصلّيات فضاءات هندسية تشعّ بالمعاني التمثليّة التي تحيل على الترقّي الروحي المحدّد لذات

على سبيل المقارنة بين نهجيَن في الكتابة حول اللباس، نُحيل على بحث لأستاذة التاريخ في كلّية الآداب بجامعة الإسكندريّة: سَحر عبد العزيز سالم، "ملابس الرجال

في الأندلس في العصر الإسلاميّ"، مجلّة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، مج 7 (1995)، ص 159 - 178؛ فهو أنموذج على الكتابة المنتسبة إلى سُنن التأليف

التقليديّة. وتكفي إطلالة خاطفة على المراجع المعتمدة لتبيُّ أسانيدها واتجاهها.

أصلُ البحث أطروحة دكتوراه أشرف عليها الأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش، ينظر: سعيد بنحمادة، الماء والإنسان في الأندلس خلال القرنين 7 و 8 ه/ 13 و 14 م:

إسهام في دراسة ‏المجال والمجتمع والذهنيات (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2007.) 53 المرجع نفسه‏، ص 9. 54 المرجع نفسه، ص 12.

الإنسان الأندلسي وهويّته، والمتطلّع إلى العيش في واقع قدسي متّسم بالطهر والسمو"ّ. وهكذا بدا الماء في الدراسة التاريخيّة المجدّدة

مُجَرّدَ قادح أكاديمي لمقاربة الإنسان في أبعاده جميعها على نحو يُقرّبُنا، وإنْ بشيء من التعسّف، من الرؤية الكوسمولوجيّة للمعرفة. وجعَلْنا مدار المثال الثالث على الأوبئة والمجاعات لأسباب ثلاثة: فأمّا السبب الأوّل فمفادُه أنّ موضوع الأوبئة والمجاعات موضوع "من

أسفل" على نحو بديع. فهو، من ناحية، يُسلّط الأضواء على قطاعات واسعة من الناس أهملهم قلم المؤرّخ الرسمي المتعفّف من الخوض

في حياتهم. وهو، من ناحية ثانية، يثير قضايا كانت توصَف في الماضي بأنّها "مواضيع خسيسة" vils Sujets، مقابَلة ب "مواضيع نفيسة"

nobles Sujets. ولا شكّ في أنّ "المواضيع الخسيسة" مكوّنات أساسيّة في البنى النفسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الخاصّة بالجماعات

"السفليّة" المنبوذة والمهمّشة. ووضعها اليوم تحت الأضواء الكاشفة ضروري لإعادة كتابة التاريخ الاجتماعي والنفسي والاقتصادي. وأمّا

السبب الثاني، فمفادُه أنّ هذا النوع من الكتابات العربيّة غير مألوف في سُنّة التدوين. فقد جاءت به تأثيرات الحوليات على نحو ما جاءت

به من مسائل أخرى إلى السياق التاريخي العربي المجدّد. وأمّا السبب الثالث، فمفاده أنّ الكتابة المعاصرة في هذا الموضوع من حيث المنهج

كتابةٌ في تقاطع الاختصاصات، وهي الميزة التي أفادت منها الكتابة التاريخية العربيّة المجدّدة، وقدّمت فيها إضافات مهمّة. في هذا المجال أنجز محمد الأمين البزاز بحثًا أكاديميًّا وسمَه ب "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنيَن الثامن عشر والتاسع

عشر". وحين تعرّض لمسألة المصادر، لم يَشذّ عن منتسبي هذا النهج في التأليف. فقد وجد نفسه في مواجهة شُحّ كبير رغم أنّ الوباء في

المغرب آفة دوريّة. فكان الحلُّ الوثائق الدفينة: "إنّ تصفّح كتب الرحلات والتراجم وبعض التقاييد أعطى بصيصًا من الضوء. كما تجدر

الإشارة إلى تلك الذخيرة من الأدب الفقهي المتمثّل في رسائل الطواعين التي ظلّت إلى اليوم مغمورة". وواضحٌ من نوع تنزيل الباحث

أطروحتَه أنّ النزوع إلى مقاربة تقاطع الاختصاصات هي الوجهة المنهجيّة التي ستتحكّم في مسارات البحث ونتائجه: "تَناوُل المجاعة

والوباء يقع على مفترق عدد من فروع المعرفة وميادين البحث، تتّصل بالتاريخ وتتعدّاه إلى آفاق أخرى تلتقي فيها الأسئلة الجغرافيّة

بالتعليلات السوسيو/ اقتصاديّة والطبيّة والتحليل النفسيّ". والناظر في الأطروحة يجدها مخترقَةً تلك الاختصاصات آخذةً من كلّ واحدة منها بطرَف. فقد كان الاهتمام بالجغرافيا الطبيعية

والسكانيّة جليًّا، وكان الحقلان الاجتماعي والاقتصادي بارزَين في تتبّع الأوبئة ورَصد آثارها، وكان المخزن والفعل السياسي الداخلي

والخارجي مُلقييَن بظلالهما على أسئلة البحث وقضاياه، وكان للذهنيّات حضور لافت. فقد تتبّع الباحث طرائق تفاعل الناس النفسي

والذهني والديني مع الجوائح. وينبغي التنويه في هذا الصدد بأنّ بصمة المؤرّخ كانت واضحة بجلاء خاصّة في التشديد على تسلسل الأحداث تسلسلً زمنيًّا

والعمل على رسم خارطة لتاريخ الأوبئة. وهو ما يجعل المؤرّخ في هذا البحث مسيطرًا على الحقول التي استقدمها، ومحدِّدًا منهجيًّا

المساحات التي تتقاطع فيها. وقد تُفضي هذه الملاحظة إلى استنتاج مُؤدّاه أنّ هذه الأطروحة مثال جيّد على ازدحام الاختصاصات أمام

باب التاريخ من جهة، وعلى القبول بها بأقدار معلومة من جهة ثانية في سياق تحوّل الدرس الأكاديمي (المغاربيّ خاصّة) إلى أفق تقاطع

الاختصاصات. فلا ننسى أنّ الأطروحة نوقشت عام تسعين وتسعمئة وألف، وأنّ الشروع فيها كان قبل ذلك بنحو ستّة أعوام. فنحن،

إذًا، نشهد انبثاق اللحظة الثالثة وما رافقها من وعي وعسر في الوقت نفسه. وكان البزاز واعيًا بأنّ نصف قرن يفصل على الأقل المؤرّخ

55 المرجع نفسه، ص 283. 56 لو غوف، ص 13.

أصله أطروحة دكتوراه دولة في التاريخ تحت إشراف الأستاذ جرمان عياش. أُجيزَ عام 1990، ونشرته كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط عام 1992.

محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (الرباط: جامعة محمد الخامس، منشورات كلّية الآداب والعلوم

الإنسانيّة، 1992)، ص 13.

59 المرجع نفسه، ص 12.

العربيّ عن نظرائه من المؤرّخين العالمييّن، وبأنّ لدارسة الأوبئة التي قطعت أشواطًا على أيدي مؤرّخي الحوليات الفرنسييّن فوائد "يمكن

أنْ يجنيها المؤرّخ من دراسة هذه الظواهر واستغلالها كأدوات في التعليل التاريخي لكثير من المنعرجات الحسّاسة والنقاط الغامضة في

التاريخ". ولعلّنا سننتظر عشريّتين من الزمن لتنضج دراسة الأوبئة في الحقل التاريخي المفتوح على مصراعيه على حقول اجتماعية

وإنسانية كثيرة، والمستفيد إلى أبعد الحدود من منهج تقاطع الاختصاصات (نقصد كتاب حسين بوجرّة). الأنموذج الرابع هو الغذاء. والغذاء مبحثٌ تاريخي مستحدث أيضًا من جهة استناده إلى العلوم المجاورة والإفادة منها منهجيًّا من

أجل بناء تصوّر متكامل لعلاقة الإنسان الوسيطي بمجاله وعاداته ونشاطه الاقتصادي والاجتماعيّ والصحّي. وسبيلنا إلى ذلك هذه المرّة

مؤلَّفٌ جماعي عنوانه النظام الغذائيّ بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط: دراسات في سوسيولوجيا الأحكام والقيم والعوائد، وقد شارك في إعداده مختصّون في التاريخ الوسيط من الجيل الثالث؛ هم محمد البركة، وسعيد بنحمادة، وعبد الهادي البياض. ينتبه قارئ الكتاب إلى أنّ هذا العمل محكوم بتصوّر حديث لعلم التاريخ سواء من حيث مادّته المصدرية أو المنهج. جاء في مقدّمته

"أنّ التاريخ لن يكون منفصلً عن العديد من الحقول المعرفيّة المجاوِرة التي يستمدّ منها عناصره المنهجيّة في معالجة هذا الموضوع بشكل

دقيق، يستفيد منه التاريخ تحليلً، ويستثمره التخصّص الآخَر مثالً". ومن علامات التداخل بين الاختصاصات تنويعُ الباحثين

مصادرَ الغذاء تنويعًا جعلهم يتحرّكون في حقول كثيرة: "هي مادّة تتكوّن أساسًا من كتب الفلاحة والنبات والجغرافيا، وكتب الأغذية

والأدوية، وكتب الطبخ، وكتب الحسبة، وكتب الفقه والأحكام والنوازل، والتراجم والسير والمشيخات والدواوين والأمثال الشعبية، والتصوّف والمناقب، والرحلات، وغيرها". وكان الوعي بأنّ التاريخ الجديد مَنفَذ إلى دراسة البنيات الاجتماعية والنفسية والثقافية والاقتصادية حاضرًا بقوّة في كلّ تضاعيف

الكتاب، وهو حضور يَحمل القارئَ إلى إمكانات واسعة من التحليل والتفسير والتركيب وإعادة البناء حتّى لَيُخيَّل إليه أنْ لا شيء

يُحيل في الكتاب على التاريخ سوى زمن المادّة المدروسة. إنّه تحَلُّل كامِل الأركان للاختصاصات بعضها في بعض في نزعة تقترب بنا من

الاختصاص العابر، وتعريف النظام الغذائي - مثلً - الذي نجده في بداية الفصل الثالث يُشير بوضوح إلى هذه النزعة: "يُقصَد بالنظام

الغذائي جنس الأطعمة والأشربة، والمؤسسات والعلائق والتراتب الاجتماعيَيّن، والسلوك والممارسات، والعوائد والأعراف، والتصوّرات،

والمواقف والقيم والرموز، والتدبير الزمني والجغرافي والكمّي للموائد والأطباق". ويمكن أن نلاحظ بيسر ههنا أنّ توسيع رقعة المصادر

كان وراء توسيع رقعة الاختصاصات. والتوسيع المتبادَل بين المعرفة والمنهج خاصيّة بنيويّة من خصائص الكتابة المجدّدة.

60 المرجع نفسه، ص 11. حسين بوجرّة، الطاعون وبدع الطاعون: الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الطبيب والفقيه والأمير (1350 - 1800)، سلسلة أطروحات الدكتوراه 93 (بيروت:

مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2011). وأصل الكتاب أطروحة دكتوراه في التاريخ نوقشت في رحاب الجامعة التونسية. ويوجَد من الباحثين من نزّل هذا الكتاب في سياق ثوري

معرفي ومنهجي داخل التاريخ العربي. قال وجيه كوثراني: "ورأيي أنّه إذا جاز الحديث عن 'تاريخ جديد' عربي، فإنّ هذا العمل يحتلّ موقعًا ثوريًّا وتجديديًّا في مسار البحث

التاريخي العربي، ففيه فعلً تجديد على مستوى الاشتغال المنهجي والمفاهيمي المرتكز بصلابة على المنهج التاريخي وعلوم الديموغرافيا التاريخية، والأنتروبولوجيا وعلم

النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع الدينيّ"، ينظر: كوثراني، ص 402.

نشُر الكتاب بالرباط عن منشورات الزمن بدعم من وزارة الثقافة المغربيّة عام 2016.

محمد البركة وسعيد بنحمادة وعبد الهادي البياض، النظام الغذائيّ بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط: دراسات في سوسيولوجيا الأحكام والقيم والعوائد

(الرباط: منشورات الزمن، 2016)، ص 7. 64 المرجع نفسه، ص 9. 65 المرجع نفسه، ص 53. 66 حول توسيع مفهوم الوثيقة المصدريّة، ينظر على سبيل المثال:

Jean-Loup Delmas, "L'Élargissement de la notion de source," in: François Bédarida (dir.), L'Histoire et le métier d'historien en France 1945 - 1995 (Paris: Maison des sciences de l'homme, 1995), pp. 111 - 118.

وأمّا تقَصُّد أنْ تكون الأبحاث في التاريخ منظورًا إليه من أسفل، فمطلَب حرصت على تلبيته الجهود المبذولة في الكتاب. فكان

السعي إلى تجاوز ما نصطلح عليه ب "تاريخ الوليمة" الرسميّ بارزًا: "إنّ كتب الطبخ المصنّفة كانت موجّهة لقمّة هرم الأنظمة السائدة،

ولهذا تفادى مؤرّخوها ذكْر، أو تفصيل، أنواع الأطعمة التي لجأ إليها السكّان تحت وخزات الجوع حتّى لا يُفسدوا شهيّة مَن أُلِّفت

كتبُ الأغذية لفائدتهم". وللإفلات من التضييق وحدوده كان هذا الاختيار: "وسّعْنا دائرة القراءة والبحث حيثُ أولينا اهتمامًا خاصًّا

بالمصادر الدفينة". وتَجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ إقدام هؤلاء الباحثين على دراسة النظام الغذائي عبر منهج التقاطع الهادف إلى تحرير المبحث

التاريخي من تقاليد الكتابة التي كانت تحصره موضوعًا ومنهجًا في زاوية مغلقة كان بتأثير من الحوليات. فالاهتمام بالغذاء اهتمامًا

غير منفصل عن الواقع "مثّل دافعًا للباحثين في تاريخ الغرب الإسلامي للعناية بالموضوع، خاصّة بعد الاهتمام الذي أقدمت عليه مدرسة

الحوليات هذه القضايا والمواضيع، انطلاقًا من بحوثها التوجيهيّة"، وهو ما يُراكم محاولاتنا للإجابة عن الأسئلة المتّصلة بمنطلقات

تجديد الكتابة التاريخية العربية، ويُساعد على وضْع التاريخ علمًا ومنهجًا في سياقه العربي المستحدَث استحداثَ اجتلاب وليس

استحداثَ إبداع.

يف مقام الخاتمة: خلاصات وآفاق

سمحت هذه الدراسة ببناء خلاصات واستنتاجات عديدة متعلقة بالكتابة التاريخيّة العربيّة في أفق منهج تقاطع الاختصاصات.

كان بعضُها جزئيًّا، وكان بعضُها الآخر أساسيًّا. ومِن أهمّ ما نحتاج إلى تسجيله في هذه الخاتمة أمور ثلاثة: أوّلها متعلّق بأسئلة الكتابة

وعوائق التجديد، وثانيها متعلّق بإمكانات التجاوز وحدوده، وثالثها متعلّق بشرط التجديد على قاعدة الإبداع الحضاري. وقفنا على ملامح أزمة المنهج في الكتابة التاريخيّة العربيّة وبوادر التجديد فيها. ومِلنا إلى تفسير مفاده أنّ انعدام الكتابات النسقيّة

(أو قلّتها) مرجِعُه إلى أنّ أسئلة التجديد كانت في الغالب نزّاعة إلى إثارة المسائل القطاعية والتطبيقية أكثرَ من اهتمامها بالقضايا المتعلّقة

بنظريّة المعرفة والميتودولوجيا. واعتبرنا ذلك معقولً إذا وضَعْنا في الاعتبار أنّ التحولّات التي تنتقل بها المعرفة، وكذا المنهج، من وضعيّة

تاريخية إلى وضعيّة أخرى مشروطة بتحولّات سابقة عليها مجالُها حيويّة العمران وانخراط العقل الجمعيّ الأكاديميّ في نسق من

التطوير والاكتشاف والإبداع. وفي ضمورها يقع التركيز على القطاعي والجزئي في استثمار المناهج الوافدة. ورجّحنا أنّ ذاك التركيز كان

متوقَّعًا. فالسياقات التي طُرِحت فيها أسئلة التجديد المنهجي والمعرفي في العلوم الاجتماعية والإنسانية عامّة وفي علم التاريخ خاصّةً لم

تكن في الغالب إبداعية. ولكن من باب الإنصاف القول إنّ منهج التقاطع المطبَّق على المباحث المخصَّصة للقضايا المقطعية والمجهرية تميّز بوفرة وعمق

مع الجيل الثالث إلى حدّ التنبّؤ بتدشين أفق جديد للكتابة. ولا نرانا مبالغين إذ نؤكّد أنّ ما أُنجز إلى حدّ الآن دالٌّ على أنّ علم التاريخ في

السياق الأكاديمي العربي يخوض باقتدار معركته الكبرى، في حدود المتاح والممكن، ضدّ مبادئ الكتابة التاريخية التقليدية ومناهجها

ومقاصدها. وعمليات التشبيك الواسعة بين الاختصاصات تبرهن على أنّ الوعي بتفتيت الحواجز بين العلوم مدخل منهجي لا غنى

عنه؛ لا فقط لإعادة كتابة التاريخ، بل أيضًا لتنمية مهارات البحث العلمي وتطوير أداء المؤسسة الجامعية العربية.

67 البركة، ص 124. 68 المرجع نفسه. 69 المرجع نفسه، ص 9.

ونودّ أخيرًا أنْ نقدّم بعض المعطيات الخاصّة بتمويل الدراسات العابرة للاختصاصات والعناية بها خارج الفضاء المعرفي العربي لنبني

عليها أحكامًا توجيهية في نهاية هذه الدراسة. ضخّت وزارة التربية في كيبيك Québec في بداية تسعينيات القرن الماضي مبلغًا يتجاوز مليونَ دولار لتنمية مشاريع تهدف إلى تعزيز مبدأ تقاطع الاختصاصات في مؤسساتها التعليمية. وفي عام 2014 طالبت المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأميركية NSF بمبلغ قدرُه 63 مليون دولار لتمويل البحوث العابرة للاختصاصات. وهذه القيمة قفزت بنسبة 210 في المئة مقارنةً بما كانت

عليه عام 2012. ودأب "مركز فرنسا  - ستانفورد للدراسات المتعدّدة الاختصاصات"، المُنشَأ شراكةً بين وزارة الخارجيّة الفرنسيّة

وجامعة ستانفورد بكاليفورنيا، على تخصيص مِنَح سنوية لإعداد بحوث في تقاطع الاختصاصات. ونحتت جامعة إكس مرسيليا

Marseille - Aix ' d Université لنفسها هويّة أكاديميّة تتميّز بها، وهي أن تكون جامعة الاختصاصات المتقاطعة وطنيًّا وأوروبيًّا وعالميًّا. ويستفاد من هذا أنّ مَأسسة تقاطع الاختصاصات، ورصْد التمويلات لها، وضبط خطط التطوير وتنمية البحث العلمي لا يمكن

أن تتمّ إلّ في سياق معرفي مُنتج. ومن الموضوعية القول إنّ البحث الأكاديمي العربي ما زال بعيدًا جدًّا عن ذاك السياق. فالغالب على

المؤسّسات الجامعية العربية سِمَةُ "الجَزْأرة"، ذلك أنّ الاختصاصات فيها تكاد تكون قلاعًا مُحصّنة وعصيّة على الاختراق. والمحاولات

المُجْراة هنا أو هناك لفتح الأبواب بعضها على بعض ظلّت إلى الآن محدودة ومحلّ جدل. لا نُنكر وجود جهود مفرَدة رائدة، وأخرى انتظمت في حلقات ووحدات بحثيّة ومخابر. وسهر بعضُها على إعداد بحوث أكاديمية في

مستويَي الماجستير والدكتوراه، لكنّ الأمر يظلّ غيرَ كافٍ ما دامت استراتيجيات إنتاج المعرفة تصوّرًا وتمويلً لم تُحوَّل وجهتها تحويلً

نسَقيًّا إلى منطقة تقاطع الاختصاصات في حدّها الأدنى، والاختصاصات العابرة في حدّها الأقصى. وهذا مطلب دونه صعابٌ جمّة، أوّلها

أنّ ضعف الأداء البحثي الأكاديمي جزء من ضعف سلسلة الإبداع في مختلف مجالات الحياة العربية. ولا غروَ حينئذ أن تكون آثار

جغرافية التاريخ وهوية المؤرّخ، كما تبلورت في مدرسة الحوليات، جزئية وقطاعية رغم الجهود الكبرى التي يبذلها صُنّاع مشروع الكتابة

التاريخيّة العربيّة الجديدة.

Yves Lenoir, "L'Interdisciplinarité: aperçu historique de la genèse d'un concept," Cahiers de la recherche en éducation , vol. 2 , no. 2 (1995), p. 228. Wirginia Gewin, "Interdisciplinary Research: Break Out," Nature , vol. 511 (July 2014), p. 371.

ينظر على سبيل المثال قيمة المنح المرصودة للعام الأكاديميّ2018 - 2019 في نصّ البلاغ الصادر تحت عنوان:

" 2018 - 2019 Collaborative Research Projects Call for Proposals," France-Stanford Center for Interdisciplinary Studies, accessed on 5 / 9 / 2019 , at: https://stanford.io/ 2 lYMFwJ

عرّفت بنفسها في موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت كما يلي: "تُغطّي جامعة آكس- مرسيليا جميع حقول المعرفة، وتمثِّل المناهج العابرة للاختصاصات ميزة أساسيّة

لها في المنافسة العلميّة الوطنيّة والأوروبيّة والعالميّة"، ينظر:

Aix-Marseille université, accessed on 5 / 9 / 2019 , at: https://bit.ly/ 2 jWHgFA

من الأمثلة على ذلك ما ذكره وجيه كوثراني حول مشروع تجديد مناهج البحث في الجامعة اللبنانية عام 2001: "عندما طُرح مشروع تعديل مقرّرات ومناهج كلّية

الآداب والعلوم الإنسانية، وم ن بينها مقررات قسم التاريخ فيها [...] انقسم الأساتذة بين من يدعو إلى تجديد يفتح العبور بين العلوم الإنسانية وأقسامها ويقيم الجسور بين

مناهجها وطرائقها، وبين من كان يصرّ على الاستقلال والدفاع عن حقل كلّ علم على حدة مضمونًا وحقلً ومنهجًا"، ينظر: كوثراني، ص 401.

المراجع

العربية

(حزيران/ يونيو   2015). أبو زيد، أحمد. "ماذا يحدث في علوم الإنسان والمجتمع؟". عالم الفكر. مج 8. العدد الأوّل (1977). إسماعيل، محمود. سوسيولوجيا التاريخ الإسلامي. القاهرة: سينا للنشر؛ بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2000.

سوسيولوجيا الأحكام والقيم والعوائد. الرباط: منشورات الزمن، 2016.

منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، 1992.

بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2007.

أسفل. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2014.

والنشر، 1994.

أطروحات الدكتوراه 93. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2011.

القاهرة: مطبعة دار الكتب المصريّة، 1997.

(آذار/ مارس 1988). الدوري، عبد العزيز. نشأة علم التاريخ عند العرب. العين: مركز زايد للتراث والتاريخ، 2000.

مج 7 (1995).

References

"سير الباحثين العرب في مجال الكتابة التاريخية: حوار مع المؤرخ الجزائري ناصر الدين سعيدوني". أسطور. العدد 2

البركة، محمد وسعيد بنحمادة وعبد الهادي البياض. النظام الغذائيّ بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط: دراسات في

البزاز، محمد الأمين. تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. الرباط: جامعة محمد الخامس،

بنحمادة، سعيد. الماء والإنسان في الأندلس خلال القرنين 7 و 8 ه/ 13 و 14 م: إسهام في دراسة المجال والمجتمع والذهنيات.

بنمليح، عبد الإله واستيتو محمد. مناهج البحث في الإنسانيّات والعلوم الاجتماعيّة. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006. بوتشيش، إبراهيم القادري. المهمّشون في تاريخ الغرب الإسلاميّ: إشكاليّات نظريّة وتطبيقيّة في التاريخ المنظور إليه من ________. تاريخ الغرب الإسلاميّ: قراءات جديدة في بعض قضايا المجتمع والحضارة. بيروت: دار الطليعة للطباعة بوجرّة، حسين. الطاعون وبدع الطاعون: الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الطبيب والفقيه والأمير (1350 - 1800). سلسلة

بوركي، بيتر (محرّر). نظرات جديدة على الكتابة التاريخيّة. تعريب وتقديم قاسم عبده قاسم. القاهرة: المركز القوميّ للترجمة، 2010. الجبرتي، عبد الرحمن. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم. تقديم عبد العظيم رمضان.

الجنحاني، الحبيب. "إشكاليّة تحديد السمات المنهجيّة لمدرسة تاريخيّة عربيّة". الوحدة. المجلس القومي للثقافة العربيّة. العدد 42

سالم، سَحر عبد العزيز. "ملابس الرجال في الأندلس في العصر الإسلاميّ". مجلّة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد.

العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996. ________. العرب والفكر التاريخي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006. فهيم، حسين. قصّة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان. سلسلة عالم المعرفة 98. الكويت: المجلس الوطني للثقافة

والفنون والآداب، 1986. كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات -مدارس- مناهج. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013. لو غوف، جاك. (مشرف). التاريخ الجديد. تعريب وتقديم محمد الطاهر المنصوري. مراجعة عبد الحميد هنية. بيروت: المنظمة العربيّة للترجمة، 2007. مرعب، خالد مصطفى. التاريخ الجديد: الذهنيّات والثقافة الشعبية. بيروت: دار النهضة العربيّة، 2012. معتوق، فريدريك. "مثقّفو الإنسيكلوبيديا الفرنسيّة ومثقّف دائرة المعارف العربيّة". تبيّ. العدد 13، مج 4 (2015). مجموعة مؤلّفين. التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة. إعداد وتنسيق وجيه كوثراني.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. المنوني، محمد. المصادر العربية لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث. الرباط: منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، 1983.

الأجنبية

• Apostel, Leo. L'Interdisciplinarité: Problèmes d'Enseignement et de Recherche dans les Universités. Paris: OCDE, 1972. • Apostel, Leo et al. Interdisciplinarité et Sciences Humaines. Paris: PUF; Unesco, 1983. • Barnes, Harry Elmer. The New History and the Social Sciences. New York: The Century Company, 1926. • Bédarida, François (dir.). L'histoire et le métier d'historien en France 1945- 1995. Paris: Maison des sciences de l'homme, 1995. • Bloch, Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. Paris: Armand Colin, 1997. • Burguière, André. "L'Anthropologie historique et l'école des annales." Les Cahiers du centre de recherches historiques , revue électronique. no. 22 (1999). • Busino, Giovanni. "Sciences sociales et histoire." Revue européenne des sciences sociales. vol. 41 , no. 127 (2003). • Charles, Christophe (dir.). Histoire sociale, histoire globale? Paris: Maison des sciences de l'homme, 1993. • Duby, Georges. L'Histoire médiévale en France: Bilan et perspectives. Paris: Seuil, 1989. • Gewin, Wirginia. "Interdisciplinary Research: Break out." Nature. vol. 511 (July 2014). • Gusdorf, Georges. Interdisciplinarité et sciences humaines. Paris: PUF, 1983. • Jeager, Werner. Paideia: The Ideals of Greek Culture. Gilbert Highet (trans.). Oxford: Basil Black Well, 1946.

• Le Breton, David. Anthropologie du corps et modernité. Paris: PUF, 2008. • Le Goff, Jacques. Roger Chartier et Jacques Revel (dir.). La nouvelle histoire. Paris: Gallimard, 1975. • Lenoir, Yves. "L'Interdisciplinarité: aperçu historique de la genèse d'un concept." Cahiers de la recherche en éducation. vol. 2 , no. 2 (1995). • Mansouri, Mohamed Tahar. Du Voile et du Zunnar: Du code vestimentaire en pays d'Islam. Tunis: l'Or du Temps,  2007. • Michaud, Yves. Universités de tous les Savoirs: L'histoire, la Sociologie et l'Anthropologie. vol. 2. Paris: Odile Jacob, 2001. • Noulin, Frank & Jean-François Wagniart. "La place de l'histoire sociale: de la recherche à l'enseignement." Cahiers d'histoire , revue d'histoire critique. no. 122 (2014). • Piaget, Jean. l'interdisciplinarité problèmes d'enseignement et de recherche dans les universités. Paris: OCDE, 1972. • Resweber, Jean-Paul. Le Pari de la transdisciplinarité: Vers l'Intégration des Savoirs. Paris: L'Harmattan, 2000. • ________. La Méthode Interdisciplinaire. Paris: PUF, 1981. • Revel, Jacques & Jean-Claude Schmitt (dir.).  L'Ogre historien: Autour de Jacques Le Goff. Paris: Gallimard, 1998.

هنا كسباني كوراني

الحركة النسائية املبكرة يف سوريا العثمنية

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب تيسر خلف الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمنية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1896-1892، وفيه يتناول تجربة كوراني التي تساهم دراستها في تعميق وعينا ببواكر نشوء الحركة النسوية في المرق العربي، والاتجاهات الفكرية والفلسفية التي أثرت فيها. فهذه التجربة تمدنا بمادة غنية عن حالة نادرة من حالات التفاعل والمثاقفة بن الرق والغرب. يتألف هذا الكتاب (156 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من مقدمة عن هَنا كوراني وبيئتها الاجتمعية والثقافية، وثلاثة فصول.