Return to Article Details The Historian of Modernity in the Arab World and the Problem of Sources: General Observations on Tunisia and Libya

مؤرخ الزمن الراهن في العالم العربي ومعضلة المصادر: ملاحظات عامة حول الحالتين التونسية والليبية

The Historian of Modernity in the Arab World and the Problem of Sources: General Observations on Tunisia and Libya

فتحي ليسير

Fathi Lissir

الملخّص

في دراسة سابقة عن الدخول العثماني إلى فاس سنتَي 1554 و1576، سعينا إلى إبراز التكامل والاختلاف بين الوثائق الإسبانية والعثمانية، وبيّنا أن هذه الوثائق لم تكن دائمًا على طرفَي نقيض، وأنها تسمح لقارئها بإعادة بناء الحملتين اللتين قادهما الأتراك إلى فاس. وانتهينا في هذا البحث إلى أن إنتاج الوثيقة يعكس مواقف الطرفين المتباينة من الأحداث التي عرفها المغرب في القرن السادس عشر، وهي مواقف كرست المصالح المختلفة لإسبانيا والدولة العثمانية. وبالرغم من أن البحث السابق كان مخصصًا للنظر في الوثائق الإسبانية المحفوظة في الأرشيف الإسباني والوثائق العثمانية المحفوظة في الأرشيف العثماني، فإنّ ذلك لم يكن يعفينا من العودة إلى الكتابة التاريخية العثمانية والمغربية التي أرخت لهذا الحدث. وهنا وقفنا على صمت مطبق للنصوص العثمانية عن الحدثين، وهو الأمر الذي دعانا إلى التوسع في الموضوع والبحث في استوغرافيات المغرب والدولة العثمانية. تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مكانة العثمانيين في المصادر المغربية من جهة، ومكانة المغرب في المصادر العثمانية من جهة ثانية، وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين القرن الرابع عشر وبداية القرن العشرين؛ أي خلال المدة الزمنية التي حكمتها الدولة العثمانية. فكيف عالج المؤرخون المغاربة تاريخ الدولة العثمانية باعتبارها دولة عالمية؟ وما هو الصدى الذي كان لأحداث كبرى في المصادر المغربية؟ وهل استرعى المجال المغربي المستقل انتباه المؤرخين العثمانيين؟ وما هي سياقات الاهتمام المتبادل؟ سنعالج ذلك من خلال لحظتين؛ الأولى تتعلق بالمكانة التي حظي بها الأتراك والعثمانيون في النصوص المغربية، والثانية تخص حضور المغرب في المصادر العثمانية.

Abstract

Professor of modern and contemporary history at the Faculty of Arts and Humanities, Sfax, Tunisia.

نهتم في هذه الدراسة بمقاربة إشكالية الأصول المصدرية بالنسبة إلى مؤرخي الزمن الراهن immédiate histoire ' L في البلدان العربية، متّخذين من حالتَي تونس وليبيا نموذجين لتوضيح بعض عناصر هذه الإشكالية. وسنُعنى على وجه التحديد بأهم الصعوبات التي تحول دون المتخصص في تاريخ الزمن الراهن والإفادة من هذه المصادر التي طرحت عليه تحديات لا قبل له وللمؤرخين العرب بها في ما مضى. تفيد الإشارة منذ البداية إلى أن المقاربة المنهجية لمصادر تاريخ الزمن الراهن لا تختلف كثيرًا عن مقاربات متخصصي الفترات التاريخية الأخرى، من حيث إخضاع المادة المصدرية، من موارد وأصول وما إليها، إلى قواعد التحقيق والتدقيق المتعارف عليها في البحث التاريخي نفسها. بيد أن خصيصة هذه المصادر تكمن في طبيعتها من ناحية، وحجمها الكبير مقارنةً بمصادر الحقب التاريخية السابقة للزمن الراهن من ناحية أخرى؛ ذلك أن المادة التوثيقية لهذا العنوان الإستوريوغرافي ليست قائمة كلها على المكتوب، بل إن هناك حضورًا متعاظمًا للسمعي والمرئي، أو للصوت والصورة فيها. وبهذا تكون الوثيقة التاريخية قد اتّخذت بُعدًا آخر مهمًا، وهو ما يُحتّم

على المؤرخ التدرب والتمرس بطرائق معالجة واستغلال، ومهارات مخصوصة بهذا المصدر الجديد نسبيًا، ويطرح هذا كله على الباحث،

في الآن نفسه، تحدياتٍ أخرى جديدة ومغايرة في كتابة التاريخ، كتابة تكون جديرة بالصفة العلمية المنشودة. لا مندوحة عن القول إن مثل هذه الرهانات تواجه الباحثين في تاريخ الزمن الراهن في العالم قاطبة، وإن بدرجات ومستويات مختلفة (بل مختلفة جدًا أحيانًا)، لكن المؤرخ العربي عرضة – ربما أكثر من غيره – لطائفة من العراقيل والإكراهات وحتى المثبطات (اختزلناها هنا في كلمة معضلة) سنسعى للتوقف عند بعض جوانبها. قام عملنا في هذه الدراسة على ثلاثة عناصر كبرى: اهتممنا في العنصر الأول بمشكلة نفاذ المؤرخ إلى المصادر الأرشيفية "الطازجة"، وعرضنا في العنصر الثاني لإشكالية التعامل مع المصادر الأرشيفية الشفوية وشهادات الفاعلين والشهود. وكان مدار الحديث في العنصر الثالث حول المصدر السمعي البصري. وقبل هذا كله، ارتأينا أن نقدم للدراسة بما يشبه المهاد النظري، كثّفنا فيه القول في شأن المصادر وأسئلة المؤرخ لما لاستفهاماته من دور في خلق المصدر.

أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة صفاقس، تونس.

تخيّنا هذين النموذجين لمعرفتنا النسبية بالتاريخ المعاصر والراهن لهذين القطرين من ناحية، ولما يعترض الباحث في تخصص تاريخ الزمن الراهن من تحديات

في تحصيل مادته المصدرية وجمعها، من ناحية أخرى. وعلى الرغم من اختلاف تجربة البلدين في مجال البحث التاريخي، اختلافات لا بأس بها، فإن هاتين التجربتين

لا تخلوان من أوجه الشبه، كما سنتبين ذلك لاحقًا.

أولً: ملاحظات لا بد منها

1 ي. بصدد وضع مؤرخ الزمن الراهن ف البلدان العربية

ما زال الحقل الإستوريوغرافي، المسمى تاريخ الزمن الراهن، يلاقي صعوبات جمّة في شق طريقه إلى المجال الأكاديمي العربي،

ومن ثم في نحت مكانة له في أقسام التاريخ ومراكز البحث في الجامعات العربية وفي مقررات برامج التاريخ، على الرغم من الحضور اللافت لمثل هذا التاريخ في مقررات التعليم الثانوي، وفي كتب التاريخ المدرسية في أهم البلدان العربية. مجمل الكلام، إن حظّ هذا الحقل التخصصي في مقررات التعليم العالي أقل رفعةً من التخصصات الأخرى، مثل التاريخ القديم والوسيط والحديث، على الرغم مما يشهده تاريخ الزمن الراهن في العالم منذ أكثر من أربعين عامًا من حظوة واهتمام، باعتبارهما مصدرًا

رئيسًا لفهم العالم المعاصر واكتساب شرعية في حقول البحث والتدريس الجامعيين، وكذا مجالي النشر والإعلام ومختلف الوسائط الأخرى. الحق أن هذا التخصص المخصوص في الكتابة التاريخية من المسائل التي يتشعّب فيها القول بسبب ما أدخله من تجديدات

وما أثاره (ويثيره) من مشكلات منهجية وإبستيمولوجية، وهي قضايا لئن خفت الجدل حولها في الغرب، فإن التحفظات حول هذا الضرب من التأليف التاريخي ما زالت قوية في الجامعات العربية، على الرغم من تجدد المناهج في العلوم الاجتماعية في الغرب (من ثم في العالم)، حيث بقي قطاع عريض من المؤرخين العرب مشدودًا إلى المدرسة الوضعانية الرافضة التاريخ الساخن أو السائل والمصادر الشفوية وما تحيل إليه، بل إن هناك من دأب في تبخيس التجديدات الإستوريوغرافية كلها في شأن التاريخ والذاكرة والمتخيّل

والحاضرانية، وقبل هذا "التاريخ الجديد" برمّته. وكانت لازمة هؤلاء الرافضين أن التاريخ يُعنى بما جرى وانتهى، وليس بما يجري. قد يُفيد التذكير هنا أن معارضي تاريخ الزمن الراهن نظروا إلى هذا التخصص باعتباره ضربًا من التدوين الهجين المراوح بين الكتابة

الصحافية والكتابة السياسية، وتدوينًا يفتقر إلى الرصانة والعمق المطلوبين في الأعمال العلمية الخليقة بهذه الصفة؛ لأنه، ببساطة،

هناك استثناءات مهمة في هذا الخصوص لا بد من التنويه بها، من ذلك إحداث ماجستير في التاريخ الراهن في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط (المغرب) منذ

مطلع السنة الجامعية 2010  / 2011. وكذلك اهتمام برنامج التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا بتاريخ الزمن الراهن. مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن عزمي بشارة، مدير

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من المهتمين بتاريخ الزمن الراهن العربي ومن المشجعين على تناوله بالدرس وله في هذا مؤلفات عدة.

تسنى لنا الاطلّاع على جل الكتب المدرسية العربية في الصفين الإعدادي والثانوي، ولاحظنا حضورًا مهمًا للتاريخ القريب في كتب بعض المستويات في هذه المؤلفات

البيداغوجية. من المعروف أن الكتاب المدرسي – في دول العالم كلها وفي البلدان العربية على وجه الخصوص – يمثّل أداة تكرس خطابًا رسميًا حول الماضي الخاص بكل بلد،

أي تصوّرًا سياسيًا لمن على رأس الحكم، حول السردية الوطنية أو الرواية الوطنية. وغير خافٍ أن من بيده السلطة هو الذي يحتكر إنتاج كتب التاريخ المدرسية، كما يحتكر

ترويجها. ومن ثم جاءت عملية "تأميم التاريخ"، ما يسهل طمس جوانب منه لا تتسق مع الفولقات Vulgate La ولا تنسجم معها.

Emmanuel Droit & Franz Reichherzer, "La Fin de l'histoire du temps présent telle que nous l'avons connue: Plaidoyer franco-allemand pour l'abandon d'une singularité historiographique," Vingtième siècle: Revue d'histoire , vol. 2 , no. 118 (2013), p. 122. René Rémond, "Regard sur un siècle revisité," Cahiers d'histoire immédiate (Actes du colloque: bilan et perspectives de l'histoire immédiate), no. 30 - 31 (2006 /  2007), p. 19.

عبد العزيز الطاهري، "الشاهد والمؤرخ في المغرب: صراع أم تكامل؟"، أسطور، العدد 6 (تموز/ يوليو 2017)، ص 103. كثف المؤرخ وجيه كوثراني هذا كله حين كتب: "إن الدراسات التاريخية [العربية] المعاصرة ما زالت تحمل في قسمها الأكبر حالة من البعد عن هموم الفلسفة وعلوم

الاجتماع والفكر [...] كما أنها ما زالت تعطي منهجًا في التعامل مع الوثائق والمصادر دورًا كليًا في التوصل إلى تقرير 'الوقائع' و'الحقائق' وتمنح صرامة التقنية في نقد هذه

الوثائق معنى مبالغًا فيه لما تُسميه 'الموضوعية'، في حين تشهد العلوم الاجتماعية والألسنية وتطور علم المعرفة مواقف تعيد النظر بمفهوم 'الموضوعية' وبأنماط 'الحتميات

المختلفة". وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000)، ص 85. من المؤرخين المصريين المعروفين الذين عارضوا تاريخ الزمن الراهن، نذكر يونان لبيب رزق وعاصم دسوقي، صاحب المقولة الشهيرة: "يبدأ التاريخ عندما تنتهي

السياسة"، في إشارة مُضمرَة إلى وجوب تصحيح العلاقة بين التاريخ والسياسة، حيث لا يتحول هذا الأخير إلى "حاشية" على متن السياسة، هذا - على كل حال - ما فهمناه

من ترداد هذه المقولة.

لا يتوفّر على القواعد الأساسية للبحث. ذلك أن الباحث في الراهن يعاكس قاعدة أساسية في البحث التاريخي، قوامها أنّ الأحداث المقفلة Clos Evènements Les (أو المنتهية) وحدها الأقرب إلى المعرفة التاريخية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن غياب المسافة الضرورية أو "المأمونة" بين الباحث وموضوعه من شأنه أن يُسقط الباحث في مطبّات الإقرارات الساخنة والاستنتاجات المتهافتة وأنصاف

الحقائق...إلخ، هذا من دون الحديث – يضيف المناوئون للتاريخ الراهن – عن صعوبة النفاذ إلى المحفوظات الأرشيفية الرسمية التي تضبطها قوانين تجعل الاطلّاع عليها قبل انصرام مدة زمنية معينة أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلً. إن الحصار الذي ضُب على التاريخ الراهن في الجامعات ومراكز البحث العربية جعل الباحثين فيه يعيشون نوعًا من "الغربة" أو

"العزلة القسرية"؛ بسبب الحجر الفكري والمعرفي الذي فرض على المشتغلين في التاريخ الجارية وقائعه، حيث بدا هؤلاء كالخارجين عن السرب الأكاديمي العام، إضافة إلى حالة الانحباس السياسي التي رانت على الأقطار العربية أعوامًا طويلة. وهكذا عانى مؤرخ الزمن

الراهن التغييب المُضمر والإقصاء غير المعلن، وزاول بعض "العنيدين" هذا الحقل الإستوريوغرافي بشكل فردي؛ ما جعل كتابتهم تردُ متفرقة معزولة لا ينتظمها باب أو مشروع. على العموم، ثمة عزوف عن الكتابة في التاريخ القريب في المشرق العربي (باستثناء الحالة المصرية)، ولعلّ مردّ ذلك أو مردّ جزء منه

إلى "التشبث بنظرة تقليدية قديمة إلى علم التاريخ وعلاقته بالعلوم الاجتماعية الأخرى". تشكّل بلدان المغرب العربي الثلاثة: المغرب والجزائر وتونس استثناءات لافتة في هذا الصدد، على الرغم من أن الحقل الإستوريوغرافي المُسمى تاريخ الزمن الراهن يشق طريقه إلى "الشرعية" و"الاعتراف الأكاديمي" بشيء من الصعوبة. الحاصل من هذا كله، هو أن مؤرخ الزمن الراهن في البلدان العربية لا يعاني "نظرة الدونية" لمشغله البحثي، وتبخيس إنتاجه فحسب، بل إنه أيضًا نهب لإكراهات أخرى، تأتي على رأسها معضلة المادة المصدرية مكتوبة كانت أم شفوية، أو سمعية بصرية، بيد أن التقنية التوثيقية ليست كل شيء في العملية التأريخية، ذلك أن المدوّنة المصدرية المُنتقاة بعناية، تبقى رهينة أسئلة المؤرخ كي تُستغل

مادتها الاستغلال الأمثل مثلما يأمل المؤرخون.

2. لا وجود للمصادر من دون أسئلة المؤرخ

يؤدي سؤال المؤرخ، من منظور إبستيمولوجي، وظيفة أساسية (بالمعنى الأصلي للكلمة)، فهو، أي السؤال، يؤسس الموضوع التاريخي ويشكله. ومن هنا تأتي أهمية وضرورة طرح مثل هذا السؤال. ولنا هنا ثلاث ملاحظات:

لا مناص من التأكيد هنا أن تاريخ الزمن الراهن هو في جانب كبير منه، تاريخ سياسي، وهذا ما حتّم على المؤرخ التفاعل مع الاستعمالات السياسية للماضي

والاستخدامات العمومية للتاريخ, بحيث أصبح التاريخ محل رهانات سياسية كبيرة. وجيه كوثراني، تاريخ التاريخ: اتجاهات – مدارس – مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 400. حظي تاريخ الزمن الراهن في المغرب باهتمام لا بأس به، ومرد ذلك ما عاشه المغرب في عهد الملك محمد السادس من ظروف سياسية اتسمت باتساع هامش

الحريات، ومن آيات ذلك سياق "العدالة الانتقالية" وما كرسته من أعمال "هيئة الإنصاف والمصالحة" من ظروف سمحت باقتراب "المؤرخ من الشاهد" ومن ثم النبش في

الماضي المسكوت عنه أو المغيب، ينظر على سبيل الذكر لا الحصر: خالد طحطح، "تاريخ الزمن الراهن: السياق والإشكاليات"، أسطور، العدد 2 (تموز/ يوليو 2015)، ص  15؛

Benjamin Stora, "Les Enjeux et les difficultés d'écriture de l'histoire immédiate au Maghreb," Bulletin de l'IHTP , no. 75 (Juin 2000), accessed on 4 / 11 / 2019 , at: https://bit.ly/ 384 B 4 yZ

يمكن الباحث أن يطّلع على موقع الباحث الفرنسي غي بارفيي Pervillé Guy بشأن تاريخ الزمن الراهن في الجزائر: نشوؤه، مصادره، إضافاته، فاعلون من أجيال

المثقفين وحدوده، في: NJdEXk 2 / ly. bit:// https بدأ القلم التاريخي يشقُ طريقه في مضمار كتابة تاريخ الزمن الراهن في تونس بشكل وئيد، لكن أكيد. وكانت الريادة في هذا المضمار للهادي التيمومي وحسين رؤوف

حمزة وعميرة الصغير وعلية العلاني وعبد الجليل بوقرة وغيرهم كثر.

. أ

إن بناء مدوّنة مصدرية من أجل تناول إشكالية ما لا يعدو أن يكون مرحلة، سوى مرحلة، ضمن عمل المؤرخ. ذلك أن التاريخ

لا يُعرف بموضوعه أو بوثائقه، إنما بالأسئلة التي يطرحها المؤرخ؛ إذ لا تاريخ من دون أسئلة، وتمثّل هذه الأسئلة عماد البناء

التاريخي، وهي التي تؤسس في النهاية الموضوع التاريخي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الوثيقة أو المصدر (إذا نحن أردنا الدقة) لا يصنعان التاريخ. ومن الخطل في الرأي اعتقاد ذلك. ونحن على رأي أنطون برُو حين يقول: "ليس هناك وثيقة

في غياب المؤرخ. ذلك أن سؤال الباحث هو الذي يرتقي بآثار الماضي إلى مرتبة المصادر والوثائق، فصناعة التاريخ إذًا تتمثل أو تتحدد قبل كل شيء آخر في كيفية طرح الأسئلة على الماضي وفي استكشاف المصادر التي تسمح بالإجابة عن تلك الأسئلة. تبدأ "مبادرة المؤرخ" historien ' l de initiative ' L، في رأي هنري مونيو Moniot Henri، انطلاقًا من المصادر بالذات؛ إذ لا شيء يعتبر أثرًا Trace بطبيعته، "قبل أن تنبهه [المؤرخ] استعداداته الذهنية وخلفيته التاريخية وأسئلته إلى ما يمكن أن يكون مفيدًا،

وهو ما يجعله يكتسب صفة المصدر". نُجمل الكلام، فنقول: إن التاريخ هو نمط من المعارف بوساطة آثار ومخلفات وعن طريقها. وتكتسب هذه المخلّفات صفة

.ب المصادر عندما تُخضع لمساءلات المؤرخ. وبمعنى ما، فإن قيمة ما يُكتب من "تاريخ" أو تأليف تاريخي هو من قيمة أسئلة

المؤرخ. لكن يقول أنطون برو ينبغي أن يكون المرء مؤرّخًا كي يتسنّى له طرح "الأسئلة التاريخية"..ج

يترتب على "أولوية" Primat السؤال عن الوثيقة أو المصدر أمران: الأول، لا يمكن الباحث تقديم قراءة نهائية لوثيقة معيّنة.

ذلك أنه يستحيل على المؤرخ استنفاد ما تنطوي عليه وثائقه مهما أوتي من فطنة ونباهة وبراعة في قراءتها وفكّ شيفراتها. والثاني، إمكان عودة الباحث إلى اكتناه تلك الوثائق من خلال أسئلة أخرى مبتكرة، أي جديدة، أو باستنطاقها بطريقة أخرى. والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصى. إن العلاقة الوطيدة بين السؤال والوثيقة وطريقة معالجتها هي التي تُفسّ كيف أن الأسئلة الجديدة، أو تجديد المساءلات،

تُفضي أو تقود إلى تجدد الطرائق والمدوّنات التوثيقية.. د

إذا كانت المدوّنات الوثائقية و"العدة" المنهجية لا تني عن الاغتناء من أجل الإجابة عن الأسئلة والاستفهامات الجديدة،

فلا مندوحة عن التذكير بأن "الوثيقة لا تحتمل تعريفًا نهائيًا، أي مرة واحدة وإلى الأبد"، لكنها، أي الوثيقة، تتواءم مع كل

حقبة أو زمن وفق محامل القراءة أو التعبير الخاصة بكل فترة، أو بكل حضارة معيّنة. الحق أن المؤرخ، وهو يطرح أسئلته الجديدة، يكون قد أنشأ أو وفّر أجزاءً من الحقيقة الحالية من خلال الإشارة إلى مصادرها أو

مخلّفاتها، أي إلى وثائقها. فإذا كان مؤرخو القرن التاسع عشر قد فضّلوا الآثار المكتوبة، فإن باحثي القرن العشرين ركزوا على الحفريات الأركيولوجية للإجابة عن أسئلة التاريخ في شأن الحياة المادية، واهتموا بالطقوس والعادات والرموز والاحتفاليات من

Antoine Prost, Douze leçons sur l'histoire (Paris: Seuil, 1996), p. 81. Henri Moniot, Didactique de l'histoire , Collection Perspectives didactiques (Paris: Nathan, 1993), p. 49. 17 Prost, p. 80.

للاستزادة في شأن هذه الجوانب المهمة، يمكن العودة إلى المؤلَف/ المرجع (3 أجزاء) الذي أشرف عليه جاك لوغوف وبيار نورا في:

Jacques le Goff & Pierre Nora, Faire l'histoire , Tome 1: nouveaux problèmes, Tome 2: Nouvelles approches , Tome 3: Nouveaux objectifs , Série Bibliothèque des histoires (Paris: Gallimard, 1974). Pierre Vayssière, "Nature et fonctions du document d'histoire immédiate," Cahier d'histoire immédiate , no. 29 (2006), p. 57. 20 Prost, p. 83.

أجل فهم الممارسات الاجتماعية والثقافية. وهكذا تحوّلت التماثيل والضرائح والمعالم الأثرية إلى وثائق. أما الوثائق المكتوبة

التي تعرّضت للقدح في "قدسيتها"، فأُخضعتْ إلى أسئلة جديدة كي "تبوح" بغير ما كانت تزعم أنه مضمونها الحقيقي،

وذلك بفضل المقاربة اللسانية والإحصاءات المعجمية التي تُسهّل عملية بناء الطريقة التي عاش بها الناس حوادث معيّنة

من حيواتهم. وهذا ما يفسر لماذا وضع الباحث في تاريخ الزمن الراهن دراسة ظاهرة التمثلات Représentations Les في قلب استقصاءاته. في هذا الإطار، وضمن هذه الإحداثيات، يُمكننا مقاربة إشكالية معضلة المصادر بالنسبة إلى مؤرخ الزمن الراهن

في البلدان العربية، وسنبدأ بمسألة الأرشيف، وما أدراك ما الأرشيف.

ثانيًا: صعوبة النفاذ إىل المصادر الأرشيفية أو "التعلّة المتجاوزة"

1. بصدد "اعتراض" جرى تجاوزه نسبيًا

تأتي مسألة تعذّر الاطلّاع على المصادر الأرشيفية على رأس القرائن والتحفّظات المنهجية التي يرفعها المعارضون لتاريخ الزمن الراهن، للطعن في جدواه، والحطّ من قيمة نتائجه واستخلاصاته. الواقع أن هذا التحفظ جرى تجاوزه ولو نسبيًا، لكن بطريقة ناجعة وفاعلة؛ إذ أكدت التجربة في الغرب أن عدم تمكّن الباحث من

النفاذ إلى الأرصدة الوثائقية التي تنظم عملية الاطلّاع عليها قوانين وترتيبات خاصة بكل بلد (ومن ثمّ عدم توظيفه المصادر الأرشيفية

في بحوثه)، ما عاد يمثّل عائقًا دون كتابة هذا الضرب من التاريخ. وتفصيل بعض ذلك كما يلي:. أ

إن الوثائق الأرشيفية ليست المصدر الوحيد في مدوّنة مؤرخ الزمن الراهن، ومن ثم فإنها تفقد صفة التميز من أشكال المصادر

الأخرى، مثل الصحافة والمصادر الشفوية والمذكرات والمصادر السمعية البصرية. هذا من دون الحديث عن أن مؤرخ الزمن الراهن ليس محرومًا بتاتًا من الأرشيفات، ذلك أن في إمكانه الحصول على ترخيص استثنائي من أجل الاطلّاع على المحفوظات

الأرشيفية المحددة بفترة زمنية معيّنة (وأصبح هذا الضرب من التراخيص يسند بسخاء في الغرب)، إضافة إلى الأرشيفات

الخاصة وأرشيفات المؤسسات Fondations Les والنقابات والأحزاب السياسية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، فضلً عن المنشورات والإحصاءات الرسمية ومواقع الهيئات الرسمية والمدوّنات وكل ما باتت تتيحه الإنترنت من فيض من المعلومات

والبيانات، كما هو معلوم.

بدأ هذا القدح على نحو مكشوف في أحد أعداد مجلة الحولياتالمعروفة، في تشرين الثاني/ نوفمبر – كانون الأول/ ديسمبر 1989. ثم جاء مقال المؤرخ كارلو غنزبرغ

Ginzburg Carlo في صحيفة لوموند، في 19  كانون الثاني/ يناير 1990 ليطعن علنًا في قدسية الأرشيف وفي القيمة المبالغ فيها لوثائقه. استمع إليه يقول: "إن الثقة الوضعانية

Positiviste Confiance La التي أتاحت للمؤرخين خلط وتحريك مصادر متنافرة (سلاسل أسعار، وإحصاءات، وقوائم جرد، ووصايا... إلخ)، باعتبارها نوافذ تفتح على

الحقيقة، تزعزعت اليوم وعلى نحو جدي [...] لقد كان ثمة ما يشبه الاتفاق على أن المصادر يمكن أن تكون كاذبة أو ناقصة، فيها ثغرات وفجوات، لكن مطابقتها

الجوهرية للواقع لم تكن موضع سؤال. إن هذا الاتفاق الضمني تزعزع اليوم وظهر وعي بأن المصادر ذاتها مبنية، وأن من المستحيل أخذ الموضوع والمقياس والأنماط

التحليلية والاستراتيجيات السردية باعتبارها معطيات. إن ما يجب التذكير به هو أن المصادر يجب أن ينظر إليها 'بعكس الضوء'، وأن تُحلل أولً وقبل كل شيء بوصفها

وثائق مبنية وفق قوانين مخصوصة ولغات مخصوصة." 1990 / 1 / 19 , Le Monde، نقلً عن: 57. p , Vayssière.

22 Prost, p. 83. Jean-François Soulet, L'Histoire immédiate: Historiographie , sources et méthodes , Collection U (Paris: Armand Colin, 2009), pp. 49 - 50. Jean-François Soulet & Sylviane Guinle-Lorinet, Précis d'histoire immédiate: Le Monde depuis la fin des années 60 , Collection U (Paris: Armand Colin, 1989), p. 16.

كتب فيليب بواريي في هذا الصدد: "أصبحت هذه التراخيص تسند بسخاء ما مكن المؤرخين من الوصول إلى الوثائق المكتوبة قبل الآجال القانونية"، ينظر:

Philippe Poirrier, Aborder l'histoire , Collection Memo (Paris: Seuil, 2000), p. 65.

أصبح في إمكان مؤرخ الزمن الراهن الاستعاضة (نسبيًا) عن الأرشيف بالمصادر الشفوية من أفواه الفاعلين، بطريقة مباشرة وغير

مباشرة، وبما يرد في المذكرات والسيَ الذاتية وسيَ الحيوات التي راجت سوقها في الأعوام الأخيرة على نحو غير مسبوق. وهكذا،

فإن في وسع المؤرخ إقامة حوار مع مصدره، ممثلً في الفاعل أو الشاهد، وهو في هذا يتميز من مؤرخي الحقب التاريخية الأخرى ويتمايز عنهم في الآن نفسه..ج

ليس بالضرورة أن تكشف الوثائق الأرشيفية البكر عن الجديد والخطر ما يثوّر معرفة الباحث، على نحو عميق وملحوظ، وهو

يشتغل بموضوع معيّ. ونكتفي هنا بإيراد مقتبس مما كتبه المؤرخ الفرنسي جان -جاك بيكير Becker Jacques - Jean في هذا الصدد ضمن خاتمة كتاب كرّسه لتاريخ فرنسا المعاصر جدًا: "ليس من المؤكد أن تنجلي الأرشيفات في أثر فتحها أمام العموم، بعد

عديد الأعوام عن الكثير من الجديد، بما أن الفاعلين أصبحوا يعتقدون أنه من الأكيد بالنسبة إليهم عرض ذكرياتهم ووثائقهم للجمهور العريض. وبما أن الجرائد، بوساطة التقنية الاستقصائية، نجحت في فك ألغاز عديد الحوادث وإلقاء الأضواء على سلوك فاعليها. إن ما يمكن أن نجهله هو في الغالب ثانوي بالنسبة إلى السيرورة التاريخية". إضافة إلى هذا كله، فإن معرفة خلفيات الأحداث والوقائع وتفصيلاتها تزايدت اليوم على نحو هائل، كما ألمح إلى هذا تيموتي كارتون أتش Ash Garton Timoty، الكاتب والأستاذ في جامعة ستانفور؛ إذ لفت انتباه المؤرخين إلى مسألة بالغة الأهمية بشأن الوثائق، مفادها أن ما يُدوّن في الأوساط السياسية والدبلوماسية "على الورق" تقلّص اليوم إلى حد بعيد، وبناء عليه، فإن على الباحثين والمؤرخين

أن يهتموا بتسجيلات الهاتف، وأن يقرؤوا البريد الإلكتروني. والخلاصة الصافية أن وسائل الاتصال الحديثة أحدثت "ثورة" في مجال تحصيل المعلومة واستقصائها بالنسبة إلى المؤرخ. لا يمكننا أن نغفل، إضافة إلى هذا كله، عن ذكر حدث آخر "قلب مهنة المؤرخ على نحو عميق"، بإدخاله ثورة في مجال النفاذ إلى الأرشيفات السرية من دون وساطة المؤسسات الأرشيفية، ألا وهو تسريبات ويكيليكس Wikileaks التي أفاد منها المؤرخون، لكنها طرحت في المقابل على المؤرخ تحديات جديدة لا عهد له بها جراء فيض الوثائق السرية المهمة التي غمرتهم بها التسريبات المذكورة. كان في الإمكان أن نسترسل في الحديث عن مصادر أخرى مهمة، فنتحدث عن إضافات الصحافة المهمة (التي حققت تقدمًا كبيرًا

في الأعوام الأخيرة في المجال الاستقصائي) والإنترنت والرقمنة، لكننا قصرنا الحديث على أمثلة ممثلة؛ لأن تحليلنا ينهض في الإجمال من دون التفصيل الدقيق.

Jean–Jacques Becker & Pascal Ory, Crise et alternances (1974 – 1995): La Nouvelle histoire de la France contemporaine , Collection Points Histoire (Paris: Seuil, 1998), pp. 7 - 8.

فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر (صفاقس: دار محمد علي؛ كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، 2012)، ص 77.

François Durpaine, "L'Histoire à l'ère de Wikileaks: De la tyrannie du secret au fanatisme de la transparence," Bulletin de l'Institut Pierre Renouvin , vol. 2 , no. 36 (2012), p. 113.

في هذا المجال ينظر الفصل الخاص الذي أعده جمال باروت والذي يناقش فيه المفهوم التقليدي للوثيقة وتجاوزه: جمال باروت، "تحدّيات الوثيقة التاريخيّة "،

في: مجموعة مؤلفين، ظاهرة ويكيليكس: جدل الإعلام والسياسة بين الافتراضي والواقعي، هدى حوا (محررة) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات،  2012). من بين هذه التحديات، نذكر فهرسة البيانات وترتيبها وتبويبها. وكانت هذه الجوانب التقنية كلها في السابق من مشمولات المتخصصين في الأرشفة. وهناك أيضًا

رهان آخر يُضاف إلى هذا التحدي الكمي، ويتمثل في تحري مصادر المعلومات خشية السقوط في مطب التلاعب والمغالطة. ينظر: 122. p., Ibid.

Franziska Heïmbarger & Emilien Ruitz, "Faire l'histoire à l'ère du numérique: Retours d'expériences," Revue d'histoire moderne et contemporaine , vol. 5 , no. 58 (4 bis) (2011), pp.  70 - 89.

2 ي. مؤرخ الزمن الراهن ف البلدان العربية

كيف حاول المؤرخ العربي تفادي نقص المادة الأرشيفية أو انعدامها من ناحية، والتعويض عن هذا النقص من ناحية أخرى؟ الحقيقة أن لحرص الباحثين على الإفادة من هذا النوع من المصادر ما يبرره تمام التبرير؛ إذ هي في نظرهم أعلى قيمة لأنها "تركت من دون قصد Involontaires Témoignages Des. ولم يكن الغرض من صنعها خدمة أي هدف بما في ذلك الإعلام، هذا على خلاف المصادر المُثارَة، شأن المصادر الشفوية، كما سنعرض لذلك في حينه. لئن اختلفت دور المحفوظات الأرشيفية العربية بعض الشيء من حيث تنظيمها وقوانينها وتدبّرها اليومي وغير اليومي، فإنها

تتفق كلها تقريبًا في صرامتها مع مرتاديها من الباحثين ونحوهم، حيث "حرمت" المؤرخ من مصادر طازجة، وحرّضت المؤرخين في الآن

نفسه على التعويل على النفس خلال بناء مدوّناتهم المصدرية، فلجأ بعضهم إلى الترميق Bricolage Le التوثيقي (ومثل هذه الممارسات

موجود في الغرب أيضًا وإن بنسب قليلة)، وخيّ بعضهم الآخر توخي أسلوب الوساطات والشفاعات للظفر بمبتغاه، جزئيًا أو كلّيًا، مما

لا حاجة بنا إلى الإفاضة فيها في حيّز كهذا. وحتى لا يأتي كلامنا خاليًا من الدعامة والسند، فإننا سنتوقف هنيهة عند الحالة التونسية

مع تقديم الإيضاحات اللازمة في هذا الصدد. ينظم الاطلاع على أرصدة محفوظات الأرشيف العام في تونس قانونٌ مؤرخ في 2  آب/ أغسطس  1988 حدد النفاذ إلى الوثائق ب 30 عامًا بالنسبة إلى نوعية معيّنة من الأرصدة، و 60 عامًا بالنسبة إلى صنف آخر من الأصول الوثائقية. تضمّن هذا القانون نوعًا من المرونة في تطبيقه، حين أشار في فصليه السابع عشر والثامن عشر إلى إمكان حصول الباحثين

على "تراخيص استثنائية" تتيح لهم الاطلّاع على الأرشيف العام قبل انصرام الآجال المنصوص عليها بالفصلين الخامس عشر والسادس عشر. على أنه من تمام الحق القول هنا إن عدم استفادة الباحثين من تسهيلات الفصلين الخامس عشر والسادس عشر، مردّه إلى

أمرين: يتعلق الأول بما يطلق عليه عبارة "تسويف" من المصالح الإدارية أو "مماطلة" أو "تعطيلً بيروقراطيًا"، وهذا ما تنفيه الهياكل

القيّمة على الأرشيف. أما الأمر الثاني، فيتصل "بخيبة" الذين يظفرون بالتراخيص ولا يجدون ضالّتهم في ما يبحثون عنه، خصوصًا

أولئك الذين يريدون النبش في وثائق الدفاع والشؤون الداخلية. هذا إضافة إلى "هزال" بعض الحافظات الأرشيفية وعدم احتوائها على بيانات مهمة، ويُرجعون ذلك أساسًا إلى عمليات الفرز والإتلاف التي تسبق إيداع الوثائق في الأرشيف الوطني. ويُطلق على أرصدة

المؤسسات الرسمية اسم المصادر المتاحة Disponibles Sources Les وتكون وثائق هذه المصادر نتيجة عملية طرح Soustraction، تكون كالآتي: الوثائق المنتجة – الوثائق المُتْلفَة.

تُعد هذه ممارسات وأساليب من الأشياء المسكوت عنها في الوسط الجامعي، لكنها معروفة ومنتشرة مثل "السر الذائع " Polichinelle De Secret.

" قانون عدد 95 لسنة 1988، المؤرخ في 2 أوت 1988 يتعلق بالأرشيف"،   الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، السنة 131، العدد 52، 2 آب/ أغسطس 1988،

ص 1091 - 1093. 34 المرجع نفسه، الفصلان 15 و 16. 35 المرجع نفسه. يرجع القيمون على الأرشيف تلك المشكلات إلى سوء فهم للقانون من لدن طالبي التراخيص القانونية. يُنظر: الفصلان العاشر والثاني عشر من قانون الأرشيف لسنة 1988.

38 Sources produites – Sources détruites.

غالبًا ما تضطر هذه الظروف الصعبة الباحث إلى الترحال والسؤال بحثًا عن ضالّته. وعادة ما ييمّم الباحثون التونسيون شطر فرنسا، حيث القيود على الأرشيف أقل صرامة. من دون التطوح كثيرًا في تفصيلات "الهالة" التي أحاطت بها المدرسة الوضعانية الوثيقة الأرشيفية المكتوبة، نقول إنه بات معروفًا

اليوم في الأوساط الأكاديمية أن المبدأ الأول الذي يحكم عملية بناء المدوّنة المصدرية للمؤرخ هو ذاك القائل إن المصدر غير كافٍ في حد ذاته أو بنفسه. ذلك أن المصادر الأرشيفية في غالبيتها مصادر إدارية تحمل "آثار" المؤسسة التي أنتجتها. وفوق هذا، فإن أرصدة الوثائق هذه جزئية ومبتورة ومجزّأة وغير مكتملة، بل يكتنف ظروف تنظيمها وترتيبها نوعٌ من الظلال. نتيجة لجملة هذه الأسباب، ولغيرها، يصبح لزامًا على الباحث سد ثغرات وثائق الأرشيف الرسمي وفجواته باللجوء إلى مصادر أخرى، مثل اللسانيات والسيميولوجيا لفكّ شيفرات تلك المصادر والكشف عن معمياتها. وهذا معناه في نهاية التحليل أن شحّ المادة المصدرية حينًا، وعدم اكتمالها حينًا آخر، يُرغم الباحث على مزاولة تقاطع الاختصاصات interdisciplinarité ' L، وهذا ما يجعله يتحوّل، شأنه شأن مؤرخي باقي الاختصاصات الأخرى، إلى مهتم بكل التفاصيل التي تخدم بحثه. معنى هذا أن المؤرخ لا يستخف بأي شيء وهو يجمع مادة بحثه إن كان الشيء يساعده في فهم ما استغلق عليه، لأن أضأل الأشياء وأحقرها "لدى النظرة الأولى، قد تغدو بعد التحقيق أشدّ خطورة وأغناها بالمعلومات، والحجر الذي يرذله البناؤون قد يصير رأس الزاوية".

ثالثًا: صعوبة الإفادة من المصادر الشفوية

المقصود بالمصادر الشفوية هنا كل ما حُفظ في المراكز الأرشيفية العمومية أو الخاصة من شهادات شفوية، إضافة إلى "أرشيفات الصدور"، أي ما يصدر عن الفاعلين والشهود ملفوظًا، على نحو مباشر أو مدوّنًا على هيئة مذكرات شخصية... إلخ. إن الإفادة من المصدر الشفوي أمر أساسي بالنسبة إلى المتخصص في تاريخ الزمن الراهن، وليس هذا الضرب من المصادر شيئًا تكميليًا بالنسبة إليه؛ إذ غدا مكوّنًا مهمًا من مكوّنات جهد التجميع واللملمة. ومردّ هذه الضرورة إلى أن التاريخ الراهن في تعريفه العام هو "ذلك التاريخ الذي يُكتب تحت مراقبة الفاعلين والشهود؛ إذ هو في النهاية "تاريخ تحت المراقبة Surveillance Sous Histoire Une وفق عبارة مارك فيرّو Ferro Marc، ومن ثم اكتسبت الشهادة الشفوية خطورتها وأهميتها.

حدد القانون الفرنسي 25 عامًا للوثائق التونسية. هكذا أمكن عددًا من الباحثين التونسيين الاطلاع على أرشيف سفارة فرنسا في تونس المحفوظ في الأرشيف الدبلوماسي

في مدينة نانت Nantes، الذي يغطي الفترة 1881 - 1982، أي يشمل فترة مهمة وحساسة من حكم دولة الاستقلال. تتميز هذه الوثائق بالغنى والتنوع وغزارة البيانات في شأن

الأوضاع الداخلية للبلاد التونسية؛ ما يجعلها مصدرًا لا محيد منه لدراسة تاريخ الزمن الراهن لتونس، ومن ثم يعتبر عدم الاطلّاع عليه نقيصة في المادة المصدرية للباحث.

من عيوب المحفوظات الأرشيفية أنها "متقطعة ومنقوصة ومنتقاة"، وهناك من يذهب إلى حد القول إن "وثائق" مختلقة أو مشبوهة، دُست فيها دسًا. ثم يجهل

الباحثون الكثير - في الغالب الأعم - ظروف فرز الوثائق وانتقائها وإتلاف بعضها في إدارتها الأهلية، في مرحلة أولى، قبل الدفع بها إلى الأرشيفات العمومية، وعلى أيادي

الأرشفيين في مرحلة ثانية، إلى غير ذلك من المطاعن، ينظر: ليسير، ص 76. قسطنطين زريق، نحن والتاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التأريخ وصنع التاريخ، ط 6 (بيروت: دار العلم للملايين، 1985)، ص 71. من الخصائص المميزة لتاريخ الزمن الراهن أن الباحث يستقي قسمًا من المادة المصدرية مباشرة من أفواه الشهود والفاعلين، أي إنه يتفاعل في النهاية مع "مصدر

حي". وهذا ما يميزه من مؤرخي باقي الحقب التاريخية الأخرى. 43 ليسير، ص 122.

ليس من شأن هذا المبحث تفصيل القول في أهمية المصدر الشفوي وجملة المحاذير الملازمة لتوظيفه، وذلك لاعتبارات منهجية تُمليها حدود الإشكالية التي نتحرك في إطارها، لكن لا ضيَر من تقديم إلمامة مكثّفة بشأن ما درج الباحثون على تسميته "نقاط القوة"

و"نقاط الضعف" في هذا الضرب من المصادر، كي نَجْلُوَ للقارئ أهم ما يؤخذ على الباحث العربي في هذا المضمار.

1. المصدر الشفوي: ما له وما عليه

في البدء لا بد من التأكيد أن المصدر الشفوي هو "مصدرٌ مُثار" Provoquée Source Une من الباحث الذي يُقيم حوارًا مع مصدره،

أي مع الشاهد أو الفاعل، كما ذكرنا. ومن هنا جاء وصم هذا المصدر بالذاتية المزدوجة. ولئن كان لهذا المصدر دور في تحصيل المعرفة التاريخية، ما عاد هناك مجال لنكرانه، فإنه ينبغي عدم التعامل مع معطيات الرواية الشفوية وبياناتها باعتبارها معرفة تامة وقائمة بذاتها، إنما لصفتها معرفة ناقصة، فحسب، يتوقف اكتمالها النسبي على إغنائها بما ينجلي عنه باقي وثائق المدوّنة المصدرية للباحث. للرواية الشفوية عدد من المزايا، منها أنها، أي الرواية، تمثل رصدًا شموليًا للواقع المتحدث عنه. فإذا كانت المصادر الأرشيفية غالبًا

ما تُقدّم الوقائع مجزأة وغير مكتملة، فإن الرواية تقدمها لنا مُجمّعة ضمن "سياق دلالي مُوحد"، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى

فإن في الاهتمام بالمرويات باعتبارها معرفة من الداخل، ردَ اعتبار للجزئي والمهمش. ذلك أن المصدر الشفوي (وخصوصًا في المجتمعات

الحديثة العهد نسبيًا بالمكتوب)، أصبح ضروريًا بالنسبة إلى كل مؤرخ أو عالم اجتماع يريد التعرف إلى "الوقائع الصغيرة الحقيقية"، أي

"مجموع الوقائع التي لم تُدوّن من معاصريها لكونها لم ترقَ في نظرهم إلى مستوى الحدث. كما تفيدنا في إلقاء الضوء "على الممارسات

التي انحرفت عن المعايير السائدة وشكّلت الهامش في مجتمعاتها، وكذا على النزاعات والتناقضات التي لم يُفسح لها المجال لتتحوّل إلى

صراعات مكشوفة". ويمكن أن نضيف في خاتمة هذه الإلمامة بإيجابيات المصدر الشفوي ما يُوفّره العمل الحقلي للمؤرخ، وهو يحصّل

مادته الأولية من "أفواه الرجال" من فائدة. ذلك أن هذا التمرين الميداني يجعل الباحث في "موقع حسن" يُتيح له "إنجاز تاريخ موضوعي

للذاتية"، لأن مثل هذا التاريخ لا يضع الباحث أمام حقائق عارية فحسب، بل يكشف عن رغبات رواة تلك الحقائق وأحلامهم وتطلّعاتهم واستراتيجياتهم الفردية (من وراء سردياتهم)، وغير ذلك.

كُتِب الكثير عن المصادر الشفوية وإضافاتها المهمة وشروط استثمارها وتوظيفها التوظيف الأمثل. هذا إضافة إلى عيوبها وحدودها. ونكتفي أدناه – لضيق الحيز –

بالإشارة إلى الأعمال التالية من باب الاكتفاء من الفيض بالغيض: مجموعة مؤلفين، التاريخ الشفوي: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات، مج 1 (الدوحة/ بيروت:

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 360؛

Florance Descamps, L'Histoire, l'archiviste et le magnétophone , Serie Histoire économique et financière (Paris: Comité pour l'histoire économique et financière, 2005); Florance Descamps et al., Les Sources orales et l'histoire: Récits de vie, entretiens, témoignages oraux (Paris: Bréal, 2006); Freddy Raphaël, "Le Travail de la mémoire et les limites de l'histoire orale," Annales H.S.S , vol. 35 , no. 1 (1980); François Hartog, "Le Témoin et l'historien," Gradhira, no. 27 (2000), pp. 1 - 14 accessed on 4 / 11 / 2019 , at: https://bit.ly/ 2 NfhtEw; Institut d'histoire du présent (IHTP), "Question à l'histoire orale," Les cahiers de l' IHTP , no. 4 (1987); Danièle Voldman (dir.), La Bouche de la vérité?: La Recherche historique et les sources orales , Series Cahiers de l' IHTP (Paris: Institut d'histoire du temps présent, 1992); Danièle Voldman, "Le Témoignage dans l'histoire du temps présent," Institut d'histoire du temps présent - IHTP, no. 75 , accessed on 3 / 11 / 2019 , at: http://bit.ly/ 2 N 9 KAcq

غالبًا ما يُنعَت المصدر الشفوي بالذاتية المزدوجة: ذاتية الشاهد أو الفاعل أولً بمروياته الصحيحة أو الخيالية وحتى المزورة، وذاتية الباحث أو الجامع ثانيًا، من خلال

انتقائه وتركيبه وتبويبه و"تصحيحه" وإخراجه النهائي للشهادة. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ج 1: الألفاظ والمذاهب (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992)، ص 108. يقول عبد الله العروي في هذا الخصوص: "لا تاريخ بدون تجاوز ولو بسيط للرواية الشفوية"، ينظر: المرجع نفسه، ص 106. المختار الهراس، "منهج السيرة في السوسيولوجيا "، في: عبد السلام بن عبد العالي [وآخرون]، إشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلومالإنسانية (الدار البيضاء:

دار توبقال، 1987)، ص 85.

49 Raphaël, p. 127.

50 الهراس، ص 93.

Robert Frank, "Enjeux épistémologiques de l'enseignement de l'histoire du temps présent," in: Alain Boureau et al., L'Histoire entre épistémologie et demande sociale , actes de l'université d'été de Blois, Septembre 1993 (Paris: IUFM de Créteil, 1994), p. 166.

لكن في مقابل هذه "المزايا" الكثيرة، يطرح استعمال المصادر الشفوية وتوظيفها في البحوث التاريخية مشكلات ورهانات غير قليلة، يُطلق عليها بعض الباحثين كلمة محاذير. وباتت مزالق المصدر الشفوي وحدوده معروفة، منذ مدة، بفضل عدد من الأعمال؛

ما يقتضي التعامل معها بحذر وروح نقدية. هكذا، فإن عملية الانتقال من "عهد الخبر المحفوظ في الصدور، إلى عهد الخبر المخزون في السطور"، وفق عبارة عبد الله العروي، تستوجب اتخاذ جملة من الاحتياطات المنهجية التقنية. لمّا كان المصدر الشفوي مصدرًا مستثارًا، كما أسلفنا، فإن البينذاتية المتولدة من اللقاء بين المؤرخ والشاهد، تُخلّف آثارها لا محالة

في المصدر "المصنوع"، إن قليلً أو كثيرًا. ذلك أن الباحث غالبًا ما يُوجّه المقابلة، ومن ثم الشهادة – بوعي حينًا وبغير وعي حينًا آخر –

وفق ضرورات بحثه الشخصي. أما الراوي، فيُدلي أحيانًا بالمعلومات التي يعتقد أنها تستجيب لرغبة الباحث. وهنا لا بد من التأكيد

أن المصدر الشفوي هو مصدر مبني لاحقًا Postériori A، أي إن هناك مسافة زمنية معيّنة بين زمن الإدلاء بالشهادة وزمن حدوث

الواقعة المُتحدث عنها، وتأسيسًا على هذا، تسقط الشهادة في "لعبة الذاكرة" التي تعيد تركيب حوادث الماضي وفق ضروريات الحاضر

وإدراكات المستقبل. بمعنى آخر نقول: إن الرواية الشفوية بما هي استدعاء للماضي وتذكر لحوادثه وشخصياته، تتداخل في تشكلها اعتبارات ليست على درجة واحدة من الثبات والاستمرارية، وتكفي الإشارة هنا إلى عنصر التبدل الذي يمس قناعات الناس ومواقعهم الاجتماعية والسياسية بمرور الزمن. أضف إلى هذا الحساسيات التي يفرضها المناخ العام في زمن عملية الاستحضار وتأثيرها في تلك العملية؛ إذ يصعب جدًا على المستجيبين الإفلات من وقع اللحظة الحاضرة وضغط إكراهاتها المتعددة. وهذه الحيثيات كلها وغيرها،

تجعل من المصدر الشفوي – على أهميته كما ذكرنا - أقل جاذبية وأضعف ائتمانًا لمعطياته.

2. المؤرخ العربي والاستغلال "العشوائي" وغير النقدي للمصدر الشفوي

يمكن القول عمومًا إن المؤرخ العربي شبه محروم من الأرشيفات الشفوية العمومية والخاصة، مقارنةً بنظرائه في الغرب؛ ذلك

أن ما هو موجود في بعض الأقطار العربية لا يتعدّى هياكل بحثية صغيرة تشبه المختبرات أو وحدات البحث أو مؤسسات خاصة ذات موارد وإمكانات محدودة. ثم إن ما هو موجود من أرصدة شفوية محفوظة لم يُستغل إلا في جانب ضئيل منه من لدن الباحثين

لأسباب ليس هنا مجالها.

نحيل هنا، على سبيل المثال، إلى الفصول 3 و 4 و 5 من القسم الثالث في دراسة الباحثة فلورنس ديكامب:

Descamps, pp. 485 - 547.

53 ليسير، ص 133.

Dominique Aron-Schnapper & Danièle Harmet, "D'Hérodote au magnétophone: Sources orales et archives orales," Annales H.S.S , vol. 35 , no. 1 (1980), p. 195.

من بين العوائق الأساسية التي تعترض توظيف الشهادة الشفوية صعوبة الانتقال من شهادات الأفراد (تجربة خاصة، رؤية معينة، وسط اجتماعي وثقافي محدد

... إلخ)، إلى تعميمات تخص المجتمع بأكمله.

يمكن اعتبار المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية حتى عام 2012) الذي أ سّس منذ 1977، من المؤسسات

الرائدة في العالم العربي في مجال جمع مواد التاريخ الشفوي والرواية الشفوية للفاعلين. وتضم شعبة الرواية الشفوية في هذا المركز أكثر من 15 ألف رواية على هيئة تسجيلات

صوتية وتسجيلات مصورة صوتًا وصورة. كان القيّمون على هذا المركز قد جعلوا من بين أولوياتهم "جمع الروايات الشفوية للمجاهدين" وتدوينها. وتمت الاستعانة في هذا

الخصوص بخبرة وحرفية الأميركي يان فانسينا Vansina Jan رائد مدرسة التاريخ الشفوي في أفريقيا. كما فُرّغت الشرائط ومجمل التسجيلات الصوتية على الورق، حيث

فاقت الموسوعات الروائية المنشورة 20 مجموعة، كما يمكن الإشارة إلى مركز التاريخ الشفاهي الذي أ سّس في المملكة العربية السعودية في عام 1997. ومشروع التاريخ

الشفوي لدولة الإمارات العربية المتحدة الذي يشرف عليه المركز الوطني للوثائق والبحوث في وزارة شؤون الرئاسة.

مثل وحدة التاريخ الشفوي في معهد تاريخ تونس المعاصر (معهد تاريخ الحركة الوطنية سابقًا) التي أُسست في عام 1993. نفكر في الأساس هنا في مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس التي تملك رصيدًا مهمًا من الشهادات المسجلة لطائفة كبرى من الفاعلين والشهود على

تاريخ تونس المعاصر والراهن.

إن الحديث عن تعامل المؤرخين العرب مع المصدر الشفوي المسجل أو المباشر وتوظيفه في بحوثهم لهو من المسائل الحسّاسة التي

يتشعب فيها القول. على أن من المهم التأكيد هنا أن المعاينة التي خرجنا بها، بُعيد الاطلاع على عدد لا بأس به من الأعمال التي متحَ

أصحابها من المرويات المباشرة والتسجيلات المودعة في المراكز المتخصصة في تونس وليبيا، تثبت أنهم أخذوا ما جاء في تلك المصادر على علّته من دون كبير تحرٍّ أو مساءلة في الغالب الأعم؛ فكان أن قاموا بانتقاء مقتبسات وشواهد من هاتيك المرويات مع حشوها ببعض

التفصيلات الخاصة بهذه الشخصية أو تلك، أو بهذه الحادثة أو تلك... إلخ. والأمثلة على ما نقول جمّة كثيرة، وهذا موضوع يحتاج

إلى وقفة غير هذه. إن السمة الغالبة على التوظيف المذكور هي الاستثمار "غير النقدي" أو العشوائي للمصادر والمرويات الشفوية. الحقيقة أننا لا نتزيّد حين نقول إننا لاحظنا نوعًا من "التساهل" من جانب بعض الباحثين وهم يتعاملون مع الشفوي، ومن

آيات ذلك الاطمئنان، غير المبرر، إلى ما تضمّنته من بيانات ومعطيات. لكن علينا التنويه في مقابل هذا بمن فطن من الباحثين

النابهين إلى نقائص الرواية الشفوية وثغراتها، فراحوا يلفتون إلى هناتها، مشدّدين في الآن نفسه على ضرورة التحوّط والحذر في التعامل

مع مضامينها. إلى جانب الشهادات الشفوية، ازدهرت سوق المذكرات الشخصية للفاعلين السياسيين في عدد من البلدان العربية، منها ما صدر باللغة العربية وطُبع في أقطار عربية، ومنها ما كُتب في غير اللغة العربية ونشُر من الغرب.

نورد هذا على الرغم من أن بعض المنابر المحكمة نبه من يرومون النشر على صفحاته إلى توخي الدقّة والتحري اللازمين في ما يتعلق بما هو شفوي. نقرأ في الصفحة

الخاصة بشروط النشر في مجلة الشهيد، وهي مجلة دورية مُحكّمة يصدرها مركز الجهاد للدراسات التاريخية في ليبيا، الفقرة التالية: "وإذ تأخذ المجلة اتجاهًا تخصصيًا في

استخدام المصادر، فإنها إلى جانب المصادر المكتوبة، تؤكد أهمية تناول التراث الشفهي المتعلق بحركة 'الجهاد' بالدراسة والتحليل والإفادة، من حيث التعرف العلمي على

مصداقية هذا النوع ووضعه في مكانه اللائق به بين المصادر الأخرى". وعادة ما تُدرج شروط النشر هذه في مجلة الشهيد بعد محتويات كل عدد من أعداد المجلة، أي في

الصفحة 7. من الشروط المنهجية في كل عمل يُقيم صاحبه قسمًا منه على المصادر الشفوية أن يُقدم مدوّنته تقديمًا ماديًا بما في ذلك من نقد خارجي وباطني، نظرًا إلى الطابع

المخصوص والإشكالي والمعقد لهذا النوع من المصادر، كما أسلفنا. ولسنا في حاجة إلى التذكير أن مثل هذه التحقيقات والتدقيقات إنما هي في صميم عمل أي مؤرخ: أي

التحليل النقدي للمصادر. ولا يسمح المقام هنا بالإشارة إلى بعض الأعمال التي توخّت التطويع القسري لشهادات الرواة، وذلك من خلال "تقميط" الوقائع خدمة لرؤى معينة

نهض عليها بعض البحوث وهو ما يُصنّف في خانة الكتابات الغائية Téléologiques Ecrits.

نكتفي هنا، لضيق المساحة، بسوْق مثال واحد، حيث كتب الباحث الليبي عمر محمد المجدوب الزبيدي مقالً عنوانه: "حصار قوة الاستعمار [الإيطالي] في "بني وليد"

سنة 1915 بين الوثيقة والرواية الشفوية..." (مجلة الشهيد، العدد 11 (1990)، ص 87 - 102). بدا المقال طريفًا وواعدًا أول وهلة. ويكمن جانب الطرافة هنا في محاولة

صاحبه مقابلة الوثيقة المكتوبة بالرواية الشفوية في معركة، وثائقها المكتوبة كلها، صادرة عن العدو [الجانب الإيطالي]. لكن القارئ لا يلبث أن يُصاب بنوع من الخيبة عندما

يلاحظ أن معايير الباحث في تحصيل مادته الشفوية وانتقاء "شهوده" ممن زعموا أنهم شاركوا في الحصار المذكور (وبدت هذه المشاركة موضع استفهام عريض)، كانت من

قبيل "الرجال الثقاة"؟! (ص. 89)، أو من الذين اشتهروا "بالصدق والصراحة" (ص. 99)، إلى ما هنالك من الأحكام المعيارية. وغني عن البيان أن مثل هذا التمشي، لا أثر

فيه لتقليد الحذر والتحري، سيفضي بداهة إلى نتائج ضعيفة لا يعتد بها.

ينظر مثلً: ملاحظات الباحث الليبي مصطفى حامد إرحومه في مقاله الموسوم ب: "مساهمة جديدة في جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي" (مجلة الشهيد، العدد 11، 1990).

ومما جاء في هذا المقال المهم: "لقد أَوجد المصدر [الشفوي] أشياء جديدة ذات قيمة بالغة في إعادة كتابة "تاريخ الجهاد " - من الجانب الوطني الصرف – غير أن الرواية الشفوية

توجد فيها بعض السلبيات كاهتمام الراوي بجوانب معينة في إظهار دوره بمظهر البطولة مثلً، أو دور عشيرته أو قبيلته وإخفاء السلبيات في ذلك أو قصور ما يجري في المقابلة

مع المتحدث أحيانًا بالتغاضي عن المساءلة لما يتركه من الأمور بقصد أو بغيره، وهذه أمور على الباحث المتتبع لحدث ما أن يكشفها بالمقارنة بين المقابلات المتعددة، حيث (كذا)

بساطة المتحدث وحسن نيته وطول المدة بينه (كذا) وبين الحدث المُراد التوضيح بشأنه قد تؤثر على ذاكرته، ولكن نراه يتحدث عن حادث يُكمل ما يحتاج إليه الباحث. وأن

الذي يجري المقابلة، لا بد أن يكون يقظًا ل ما يتعرض له المتحدث ليذكره بما يتركه"، يُنظر: "مساهمة جديدة"، ص 309 - 310.

يعتبر كاتب هذه السطور أن نشر المذكرات ظاهرة صحية. وعلى الرغم من المعارضة التي تلقاها مثل هذه الكتابات (لأسباب يضيق بها مثل هذا المقام)، فإننا نعتقد

أن إطلاق رجال السياسة والفكر العنان لذاكرتهم وألسنتهم على صفحات الكتب، يمثّل عاملً إيجابيًا؛ لأن نشر المذكرات بهناتها وعيوبها ونقائصها أفضل بكثير من تكتّم

السياسيين ونحوهم على الحقائق وحملها معهم إلى قبورهم. وإذا كانت المذكرات تتعارض وتتناقض أحيانًا، فإن هذا من الأشياء الملازمة لهذا النوع من الكتابة، وهو ما يتيح

معرفة تعدد زوايا النظر إلى الأحداث والوقائع، وفوق هذا فإن المسارات والتجارب الفردية الحية ما برحت مهمة، لأنها تشتبك بالتاريخ وتشكل جزءًا منه وتضفي طابعًا من

الحيوية والحياة.

إذا نحن تركنا جانبًا الحالة المصرية بريادتها وتقاليدها الراسخة في مضمار أدب المذكرات، فإن أقطارًا عربية أخرى بدأت في التمرّس

بهذا الضرب من الكتابة "التأريخية". وعلى سبيل المثال، عرفت تونس بعد عام 1987 ما يُشبه الطفرة في الإنتاج المذكراتي وازدادت

وتيرة هذا الإنتاج ارتفاعًا بعد انتفاضة كانون الثاني/ يناير 2011. وفي ليبيا المجاورة لها بزغ إنتاج مذكراتي بداية من عام 2012، بعد

أعوام من الانحباس السياسي. طرح هذا الإنتاج المتنوّع والمتنافر في الآن نفسه، إضافة إلى كونه متفاوتًا من حيث الجودة والقيمة التوثيقية، على المؤرخين في

البلدين تحديات أخرى، أُضيفت إلى رهانات المصادر الشفوية، كما أسلفنا. إذا كان لنا أن نُجمل أهم ما عرضنا له بصدد تعامل مؤرخ الزمن الراهن العربي مع المصدر الشفوي، جاز لنا القول إن هذا التعامل الإشكالي، إضافة إلى كونه حديثًا نسبيًا، لم يرقَ في الحقيقة إلى حد الآن إلى مستوى المتطلبات والشروط المتعارف عليها عالميًا

في هذا الخصوص. يشهد على هذا الضمور الشديد في نقد المدوّنات الشفوية قبل استثمارها في البحوث وعدم التنصيص، في غالب

الأحيان، على معايير انتقاء الشهود والفاعلين، وعلى نوعية المقابلات التي تمت معهم والتقنيات التي اعتمدت لتحصيل الملفوظ من الشهادات. نقول هذا لأن بعض المؤرخين نزل إلى "الميدان" من أجل إجراء المقابلات وجمع الشهادات في محاكاة واضحة لعلماء الاجتماع والإثنوغرافيين. هذا من دون الحديث عن مقارعة الشهادات بعضها ببعض ووضعها على المحك بصفحة منهجية، ومقاطعة الشفوي بالمكتوب، والمصادر البصرية والمصورة. في تقديرنا، تكمن نقطة الضعف الكبرى في غياب تحليل الأشكال المعجمية والتركيبية والصور البلاغية والقولية والسردية، إضافة إلى سجلات الخطاب والصياغة والتعبير الشفوي (بما يتخلله من لحظات صمت وارتباك وزلات لسان... إلخ) وتحليل المضامين والدوال في كل ملفوظ.

رابعًا: الغياب شبه الكلي للمصادر السمعية البصرية يف الإنتاج التاريخي العريب للزمن الراهن

بقي اهتمام المؤرخين بمجال الصورة المتحركة، باعتبارها مادة مصدريةً، ضعيفًا؛ حيث لم ينتبه هؤلاء إلى أهمية الوثيقة السينمائية والتلفزيونية بالنسبة إلى الكتابة التاريخية حتى فترة متأخرة جدًا. ويُرجع مارك فيرّو، وهو أحد الروّاد في مجال توظيف الصورة المتحركة

في حقل الكتابة التاريخية، سبب هذا التأخير إلى أن المؤرخ الذي اعتاد الاستناد في عمله إلى وثائق مضبوطة الهوية، لم "يكن مُهيَّأً

شهدت تونس زخمًا في إنتاج المذكرات بعد إقالة الرئيس الحبيب بورقيبة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، أي زمن حكم الرئيس زين العابدين بن علي. وأدلى سياسيون

وشهود على عصر بدايات الاستقلال ومثقفون من مختلف الآفاق بآرائهم حوت ما جرى في البلاد منذ نيل استقلالها الداخلي في عام 1955. واحتدمت الشهادة بالشهادة

واصطدمت الحجة بالحجة. وارتفعت الأصوات تنادي بإعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية، ما جعل البعض يتحدث عن "حرب مذكرات". عرفت تونس طفرة أخرى في أدب المذكرات بعد "ثورة 2011 "، وأصدر فاعلون مرموقون معروفون ونقابيون وسياسيون من مختلف الاتجاهات مذكرات اختلفت من

حيث جودة التوثيق والإضاءات التاريخية. وهذا الركام من الإنتاج المذكراتي في حاجة إلى التقويم والدرس، خصوصًا من مؤرخي الزمن الراهن.

تزداد أهمية هذه المذكرات بالنسبة إلى المؤرخ عندما نعلم أن هناك غيابًا شبه تام للوثائق الرسمية زمن حكم معمر القذافي (1969 - 2011)، ينظر: فاتح رجب قدارة،

"التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذكرات والشهادات الشخصية: الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية نموذجًا)"، أسطور، العدد 6 (تموز/ يوليو 2017)، ص 91.

أورد الباحث فاتح رجب قدارة مسردًا لأهم مذكرات الفاعلين في الفترة المعاصرة والراهنة، ينظر: المرجع نفسه، ص 88 - 89.

المقصود هو أنواع المقابلات أي الاستبيانات الشفوية مع الفاعلين والشهود والظروف الحافة بإجرائها، هل هي مقابلات حرة أو غير مقننة؟ أم هي مقابلات مقننة وفق

ما يُسمى بالاستبيان نصف الموجه؟ للاستزادة ينظر: 312 - 330. pp , L'Historie, l'archiviste, Descamps.

69 Descamps , Les Sources orales, p. 53.

لاستعمال الفيلم وهو وثيقة لا يعرف صاحبها". هذا إضافة إلى أن المؤرخ كان دومًا حبيس ثقافة كتابية مؤسسة على المدوّن وقائمة

عليه، لا تعترف بغير الوثيقة المكتوبة، ولا تُعير الصورة كبير اهتمام، إلا بوصفها أداة بيداغوجية وإيضاحية. بيد أن جملة هذه التحفظات بدأت في التراخي منذ أكثر من خمسين عامًا، وأصبح المؤرخون أكثر انفتاحًا على الأرشيفات السمعية

البصرية، حيث أضحى التراث السمعي والمصور، بالتدرج، مادّة للمؤرخين، وتحوّلت الصور المتحركة إلى صور أرشيفية، أي إلى آثار

تاريخية. وفي هذا الصدد شدّد الباحث الفرنسي برونو دلماس على ضرورة إعطاء الصورة المرتبة نفسها التي تحظى بها الوثيقة المكتوبة في دراسة التاريخ وكتابته. وشيئًا فشيئًا "خرج التاريخ من سيطرة الكلمات والتدوين، إلى دائرة التحقق البصري "، بعد أن فطن المؤرخون إلى الدور الخطر الذي يمكن أن تقوم به الوسائل السمعية البصرية في الترويج للمعرفة التاريخية وبناء الوعي التاريخي. هذا إضافة إلى ما تتميّز به من جاذبية من حيث إنها توفر على الباحث مشقة قراءة النصوص ومحاولة فهمها وتُغريه بالركون إلى بياناتها.

فالكتابة على الشاشة المتمثلة في السينما والتلفزيون لا تسجل في تضاعيفها حركة التاريخ فحسب، بل إن مادتها تستحيل إلى دليل إثبات، وهذا ما حاول المؤرخ الفرنسي هنري روسو تبيانه في كتابهمتلازمة فيشي Le Syndrome de Vichy، حين دمج المادة السينمائية بين مصادره، مُخصّصًا فصلً عن كتابه لتحليل تطور الأفلام التي كُرّست لحقبة فيشي. لكن من المهم أن نشير أيضًا إلى أن هذه المصادر الجديدة اقتحمت حقل المؤرخ، حيث إنها لم تخلع الأرشيفات المكتوبة عن عرشها. على الرغم من القبول بالسمعي البصري ضمن "عدّة" المؤرخ، فإن توظيف هذا المصدر في البحوث التاريخية ما زال محدودًا جدًا في الغرب نفسه. وإذا كانت هذه حال هذه المصادر الجديدة في البلدان العربية، فإن علاقة المؤرخ العربي بها تكاد تكون منعدمة، على الرغم من محاولات نفر من المؤرخين لفت زملائهم إلى أهميتها. الواقع أن إمكانية استغلال المؤرخ العربي هذا الضرب من المصادر، تبدو صعبة لاعتبارين رئيسين:

عبد الرحيم الحسناوي، "التاريخ والسينما 'لغة المرئي وسلطة المرجعي'"، فكر، 16 / 6 / 2018، شوهد في 31 / 10 / 2019، في: VDJl 334 / ly. bit:// http شرع بعض الأعمال منذ ستينيات القرن الماضي في التنبيه إلى أهمية التأملات في شأن إضافات صور الأرشيفات السمعية البصرية باعتبارها مصادر ومادة مهمة في التدوين

التاريخي. وسبق للمؤرخ روبرت ماندرو Mandrou Robert أن نشر مقالً في مجلة الحوليات عام 1958، تناول فيه كتاب إدغر موران: Le Cinéma ou l'homme imaginaire

(السينما أو الرجل الوهمي). وهي أول مرة تفتح فيها تلك المجلة الشهيرة أعمدتها لموضوعة تتعلق بالسينما والتاريخ. وفي عام 1961، نشر مؤرخ السينما جورج سادول ثلاث

ورقات في المؤلف الجماعي التاريخ ومناهجه، ينظر: 56. p), 1961 , Gallimard: Paris (, L'Histoire et ses méthodes) dir (Samaran Charles.

وضع فيها القواعد المنهجية للدراسات التاريخية حول الوثائق السينمائية.

وحيد قدورة، "الحاجة إلى الأرشيف السمعي البصري لإنتاج الوثائقيات بين الحفظ والرقمنة"، مجلة الإذاعات العربية، العدد 2 (2007)، ص 43. 73 الحسناوي، ص 1. 74 المرجع نفسه، ص 2.

Annie Duprat, "Histoire et image," in: Christian Delacroix et al. , Historiographies: Concepts et débats, vol. 1 (Paris: Gallimard, 2010), p. 309. Henry Rousso, Le Syndrome de Vichy: De 1944 à nos jours, Collection Points Histoire (Paris: Seuil, 1990). Sylvie Lindeperg, "Le Singulier destin des images d'archives: Contribution pour un débat, Si besoin une 'querelle'," in: Isabelle Didier & Philippe Raynaud (Coordination éditoriale) , E-Dossier de l'audiovisuel: L'Extension des usages de l'archive audiovisuelle (Paris: INA, 2014), pp. 37 - 38. Jean-François Soulet, L'Histoire immédiate , Collection Que-Sais-Je? (Paris: PUF, 1994), p. 58.

توجد في تلفزيونات البلدان العربية وثائق سمعية بصرية تختلف شروط الاطلاع عليها من بلد إلى آخر.

. أ

إن غالبية الوثائق السمعية – البصرية الخاصة بالتاريخ المعاصر العربي غير متوافرة في الأقطار العربية، ذلك أن معظم هذه المصادر موجود في الغرب، خصوصًا في أوروبا (فرنسا، وإنكلترا، وإيطاليا... إلخ). يفترض استثمار الصورة المتحركة شرطًا مسبقًا يتمثّل في "تعلّم لغة مختلفة جدًا عن لغة المكتوب"؛ ذلك أن هذه المحامل

.ب الجديدة في البحث التاريخي قلبت ظروف الكتابة في العمق، ومن ثم الإنتاج التاريخي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يتطلّب التعامل مع الصورة المتحركة حدًّا أدنى من التكوين النظري والمنهجي بشأن هذه المصادر المخصوصة واكتساب مهارات

ضرورية في هذا المجال من أجل فك مفردات النص البصري. وهذا لا يأتي إلا بالدراسة والدراية والمطاولة. وغير خافٍ أن المؤرخ العربي يفتقر حاليًا إلى مثل هذه الشروط الدنيا.

لا بأس في النهاية من التوقف برهة عند الحالة التونسية في ما يتصل بالمحفوظات الأرشيفية السمعية – البصرية. يُوجد قسم مهم من هذه الأرصدة النادرة والمهمة مُودعًا في المعهد الوطني الفرنسي السمعي – البصري A. N. I. ومن بين ما تتوافر

عليه أرشيفات هذا المعهد شرائط ثمينة عن تاريخ تونس، تغطي الفترة 1942 - 1956. وفي 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2010، سلّم المعهد الوطني الفرنسي السمعي – البصري التلفزيون التونسي 264 وثيقة من نسخ مرقمنة من مجموع الوثائق "التونسية" في المعهد. وكان من بين هذه الوثائق شرائط نادرة عن موكب جنازة باي تونس أحمد باي (وهو أقدم شريط من جملة هذه الشرائط) في 10 تموز/ يوليو 1942، وعن عرض لجيوش الحلفاء في مدينة تونس في 20 أيار/ مايو 1943 في أثر انكسار الألمان في شمال البلاد التونسية، وعودة الزعيم الحبيب بورقيبة مظفّرًا إلى تونس من منفاه الفرنسي في 1  حزيران/ يونيو  1955، ومواكب توقيع اتفاقية استقلال تونس التام في

28  آذار/ مارس  1956 بين رئيس الحكومة التونسية الطاهر بن عمار ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو... إلخ. مما تجدر الإشارة إليه هو أن المعهد الفرنسي المذكور يحوي أيضًا أرشيفات مهمة أخرى، تهم فترة ما بعد استقلال تونس، فيها وثائق عن معركة بنزرت (تموز/ يوليو  1961) والجلاء العسكري عن هذه المدينة نفسها وعن الجنوب التونسي في عام 1963... إلخ. الحق أننا لا نملك صورة وافية عن محتويات هذا الأرشيف السمعي البصري المهم بالنسبة إلى تاريخ تونس المعاصر والراهن، لكن

الملاحظة التي تفرض نفسها هنا هي أن الأرصدة المذكورة تمثل "حقلً بكرًا" بالنسبة إلى مؤرخي الزمن الراهن في تونس، يتعيّ عليهم

استغلال مواده شرط التسلّح بالأدوات التحليلية المطلوبة.

Marc Ferro , Cinéma et histoire , Collection Folio histoire, no. 55 (Paris: Gallimard, 1993), pp. 31 - 32. 81 Lindeperg, p. 39.

" تتداخل في رهان مقاربة الصورة المتحركة عديد المجالات كالسيميولوجيا والسوسيولوجيا ونظريات الإعلام. ويفتح كل مجال من هذه المجالات للصورة نوعًا من

التأويل المحتمل والمستند إلى المنهج المتبع"، ينظر: صلاح فضل، قراءة الصورة وصور القراءة (القاهرة: دار الشروق، 1997)، ص 6. الصورة من الوجهة السيميولوجية

علامة دالّة تعتمد منظومة ثلاثية من العلاقات بين الأطراف التالية: مادة التعبير (الألوان والمسافات) وأشكال التعبير (وهي التكوينات التصويرية للأشياء والأشخاص)

ومضمون التعبير (وهو يشمل المحتوى الثقافي للصورة من ناحية وأبنيتها الدلالية والمشكلة لهذا المضمون، من ناحية أخرى). "بيد أن هذه الصورة لا تقدم إلينا في الوسائط

البصرية الحديثة صامتة، بل هي معجونة بالأصوات اللغوية والموسيقية تتداخل معها وتكثف معناها وتصبغ رؤيتنا وإدراكاتنا لدلالاتها بما يجعل عملية التراكيب أكثر تعقيدًا

من هذا النموذج المبسط وبالتالي أشد غنى وفاعلية من تحريك استجاباتنا الجمالية وخلق أفق توقعاتنا المعرفية"، ينظر: المرجع نفسه، ص 7.

خاتمة

حاولنا على امتداد صفحات هذه الدراسة اختصار أهم الصعوبات التي تعترض مؤرخ الزمن الراهن في البلدان العربية. نبهنا أيضًا في الدراسة – ما وسعنا ذلك – إلى أهم المصاعب التي تواجه هذا المؤرخ في فرض نفسه في المشهد الإستوريوغرافي العربي

اليوم، وأرجعنا ذلك إلى طائفة من الأسباب نعتقد أنها ما عادت وجيهة ومعقولة، بل إن حجج معارضي الحقل التخصصي المُسمّى تاريخ

الزمن الراهن سقطت بالتقادم في زمن تحول فيه التاريخ برمته بفضل المكانة التي بات يحتلها في الفضاء العمومي إلى ما يشبه خزّان

الرهانات السياسية بجميع أنواعها وخاصة الرهانات الهووية. لما كانت هذه المسألة من الاتّساع والشمول، ركّزنا المجهر على حالتي تونس وليبيا، وحاولنا تفسير أسباب صعوبة نفاذ الباحثين

إلى المصادر الأرشيفية "الطازجة". كما توقفنا عند جملة المحاذير الملازمة للتعامل مع المصادر الأرشيفية، وكذا الشأن بالنسبة إلى المصادر السمعية -البصرية. يجد المؤرخ العربي اليوم، ومؤرخ الزمن الراهن على وجه الخصوص، نفسه في ما يشبه مفترق الطرق، ولا سيما أن مسؤوليات المؤرخ في العالم اتسعت، وأصبح لزامًا عليه الاستجابة لطلبات اجتماعية ما انفكّت تتعاظم. وتحوّل المؤرخ في الغرب اليوم إلى خبير

قضائي على غرار باقي الخبراء من ذوي الاختصاصات الفنية، مثل الطب والمحاسبة والهندسة. ودخل المؤرخ مجال الإعلام المرئي وعالم النشر؛ ما طرح عليه تحدّيات جديدة جرّاء هذه الوظائف الجديدة. الأمل، كل الأمل، أن يُوفّق المؤرخ العربي في تخطي المصاعب التي يواجهها بأيسر السبل وعندما يكبر الأمل يستحيل إلى رجاء.

المراجع

العربية

(2 آب/ أغسطس 1988).

العدد  11 (1990). • الحسناوي، عبد الرحيم. "التاريخ والسينما 'لغة المرئي وسلطة المرجعي'". فكر. 16 / 6 / 2018:. في VDJl 334 / ly. bit:// http

الشهيد. العدد 11 (1990).

الطاهري، عبد العزيز. "الشاهد والمؤرخ في المغرب: صراع أم تكامل؟". أسطور. العدد 6 (تموز/ يوليو 2017). طحطح، خالد. "تاريخ الزمن الراهن: السياق والإشكاليات". أسطور. العدد 2 (تموز/ يوليو  2015). العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ: الألفاظ والمذاهب. ج 1. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992. فضل، صلاح. قراءة الصورة وصور القراءة. القاهرة: دار الشروق، 1997.

نموذجًا)". أسطور. العدد 6 (تموز/ يوليو 2017).

العدد  2 2007). كوثراني، وجيه. الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000.

بصفاقس، 2012.

References

"قانون عدد 95 لسنة 1988 المؤرخ في 2 أوت 1988 يتعلق بالأرشيف". الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. السنة 131. العدد 52

بن عبد العالي، عبد السلام [وآخرون]. إشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلومالإنسانية. الدار البيضاء: دار توبقال، 1987. التاريخ الشفوي: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. حامد، مصطفى. "حامد إرحومه في مقالته الموسومة ب: 'مساهمة جديدة في جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي'". مجلة الشهيد.

الزبيدي، عمر محمد المجدوب. "حصار قوة الاستعمار [الإيطالي] في 'بني وليد' سنة 1915 بين الوثيقة والرواية الشفوية". مجلة

زريق، قسطنطين. نحن والتاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التأريخ وصنع التاريخ. ط 6. بيروت: دار العلم للملايين، 1985.

قدارة، فاتح رجب. "التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذكرات والشهادات الشخصية: الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية

قدورة، وحيد. "الحاجة إلى الأرشيف السمعي البصري لإنتاج الوثائقيات بين الحفظ والرقمنة". مجلة الإذاعات العربية.

_______. تاريخ التاريخ: اتجاهات – مدارس – مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012. ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. صفاقس: دار محمد علي؛ كلية الآداب والعلوم الإنسانية

الأجنبية

• Aron-Schnapper, Dominique & Danièle Harmet. "D'Hérodote au magnétophone: sources orales et archives orales." Annales H.S.S. vol. 35 , no. 1 (1980). • Becker, Jean–Jacques & Pascal Ory. Crise et alternances (1974 – 1995): La Nouvelle histoire de la France contemporaine. Collection Points Histoire. Paris: Seuil, 1998. • Boureau, Alain et al. L'Histoire entre épistémologie et demande sociale. Actes de l'université d'été de Blois. Septembre 1993. Paris: IUFM de Créteil, 1994. • Delacroix, Christian et al. Historiographies: Concepts et débats. vol. 1. Paris: Gallimard, 2010. • Descamps, Florance et al. Les Sources orales et l'histoire: Récits de vie, entretiens, témoignages oraux. Paris: Bréal, 2006. • Descamps, Florance. L'Histoire, l'archiviste et le magnétophone. Serie Histoire économique et financière. Paris: Comité pour l'histoire économique et financière, 2005. • Didier, Isabelle & Philippe Raynaud (Coordination éditoriale). E-Dossier de l'audiovisuel: L'Extension des usages de l'archive audiovisuelle. Paris: INA, 2014. • Droit, Emmanuel & Franz Reichherzer. "La Fin de l'histoire du temps présent telle que nous l'avons connue: Plaidoyer franco-allemand pour l'abandon d'une singularité historiographique." Vingtième siècle: Revue d'histoire. vol. 2 , no. 118 (2013). • Durpaine, François. "L'Histoire à l'ère de Wikileaks: De la tyrannie du secret au fanatisme de la transparence." Bulletin de l'Institut Pierre Renouvin. vol. 2 , no. 36 (2012). • Ferro, Marc. Cinéma et histoire. Collection Folio histoire. no. 55. Paris: Gallimard, 1993. • Hartog, François. "Le Témoin et l'historien." Gradhira. no. 27 (2000). at: https://bit.ly/ 2 NfhtEw • Heïmbarger, Franziska & Emilien Ruitz. "Faire l'histoire à l'ère du numérique: Retours d'expériences." Revue d'histoire moderne et contemporaine. vol. 5 , no. 58-4 bis (2011). • Institut d'histoire du présent (IHTP). "Question à l'histoire orale." Les cahiers de l' IHTP. no. 4 (1987). • Le Goff, Jacques & Pierre Nora (dir). Faire l'histoire. Serie Bibliothèque des histoires. Paris: Gallimard, 1974. • Moniot, Henri. Didactique de l'histoire. Collection Perspectives didactiques. Paris: Nathan, 1993. • Poirrier, Philippe. Aborder l'histoire. Collection Memo. Paris: Seuil, 2000. • Prost, Antoine. Douze leçons sur l'histoire. Paris: Seuil, 1996. • Raphaël, Freddy. "Le Travail de la mémoire et les limites de l'histoire orale." Annales H.S.S. vol. 35 , no. 1 (1980). • Rémond, René. "Regard sur un siècle revisité." Cahiers d'histoire immédiate (Actes du colloque: bilan et perspectives de l'histoire immédiate), no. 30-31 (2006 / 2007). • Rousso, Henry. Le Syndrome de Vichy: De 1944 à nos jours. Collection Points Histoire. Paris: Seuil, 1990. • Samaran, Charles (dir). L'Histoire et ses méthodes. Paris: Gallimard, 1961.

• Soulet, Jean-François & Sylviane Guinle-Lorinet. Précis d'histoire immédiate: Le Monde depuis la fin des années 60. Collection U. Paris: Armand Colin, 1989. • Soulet, Jean-François. L'Histoire immédiate. Collection Que-Sais-Je? Paris: PUF, 1994. • Soulet, Jean-François. L'Histoire immédiate: Historiographie , sources et méthodes , Collection U (Paris: Armand Colin, 2009). • Stora, Benjamin. "Les Enjeux et les difficultés d'écriture de l'histoire immédiate au Maghreb," Bulletin de l'IHTP. no. 75 (Juin 2000). at: https://bit.ly/ 384 B 4 yZ • Vayssière, Pierre. "Nature et fonctions du document d'histoire immédiate." Cahier d'histoire immédiate. no. 29 • Voldman, Danièle (dir.). La Bouche de la vérité?: La Recherche historique et les sources orales. Séries Cahiers de l' IHTP. Paris: Institut d'histoire du temps présent, 1992. • ________. "Le Témoignage dans l'histoire du temps présent." Institut d'histoire du temps présent - IHTP, no. 75. at: http://bit.ly/ 2 N 9 KAcq