Return to Article Details State Presence and Representations in Peripheral Areas: The Regency of Tunis in the Modern Period

حضور الدولة وتمثّلاتها في المجالات الطرفية: إيالة تونس في الفترة الحديثة

State Presence and Representations in Peripheral Areas: The Regency of Tunis in the Modern Period

مصطفى التليلي*Mustapha

Tlili

الملخّص

اهتمّت أغلب الدراسات المتعلقة بالدولة برأسها، وأجهزتها، وهياكلها، ومؤسساتها المركزية. واستعمل الباحثون، غالبًا، الوثائق المنتجة مركزيًّا؛ أي الأرشيف الرسمي للدولة، دون غيرها. أما هذه الدراسة فهي تتعلّق بالدولة في البلاد التونسية خلال العصر الحديث، ولكن مع تنويع في سلّم النظر والموازاة بين المحلّي والمركزي ومراعاة تمثّلات الفاعلين وخطاباتهم. وقد اعتمدت الدراسة على مصادر أفرزتها البيئة المحلية في الأطراف تتّسم بكونها متخلّصة، نسبيًّا، من إكراهات المركز. واحتوت هذه المصادر المحلية على تعبيرات خاصة وعكست التصورات الحاملة لانتظارات سكان الأطراف من الدولة ولعلاقاتهم بها؛ إذ تتطوّر تمثّلات السكان للدولة بحسب السياقات التاريخية المتعاقبة، بالتوازي مع مسار تشكّل الدولة، ومع مدى تقبلها من الأفراد والجماعات. وتعزّز نتائج هذه الدراسة فكرة وجود تعدّدٍ وتنوّعٍ في المسارات التاريخية المفضية إلى نشأة عناصر الدولة الحديثة والمؤسّسة لمشروعيتها.

Abstract

Most studies concerning the state have focused on its leadership, apparatuses, structures, and central institutions. Researchers tend to use documents centrally produced, privileging exclusively those originating from the state's official archives. This paper, however, is concerned with the state in the lands of Tunisia during the modern period, but with variation in the hierarchy of perspective and the parallel between local and central, and observing actors' representations and discourses. The study relied upon sources made available by the local environment in peripheral regions, which are relatively free from coercion from the center. These local sources comprised special expressions and reflected the beliefs that drive the expectations residents of the periphery have of the state and defining their relationship with it. Residents' representations of the state develop according to successive historical contexts in parallel to the process of state formation and the level to which it is accepted by individuals and groups. The findings of this study support the notion that there is diversity in the historical processes that lead to the formation of components of the modern state and underpin its legitimacy.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة الحديثة
  • تونس
  • إيالة تونس
  • المنتصر بن أبي لحية القفصي
  • المقاطعات العثمانية
Keywords:
  • Modern state
  • Tunisia
  • Regency of Tunis
  • al-Montaser ben Abi Lahiyat al-Qafsi
  • Ottoman provinces

إيالة تونس يف الفترة الحديثة

State Presence and Representations in Peripheral Areas

The Regency of Tunis in the Modern Period

مقدمة

يتطلّب البحث في موضوع الدولة خلال الفترة الحديثة تبنّي محتوى محدّد للمقصود بالدولة، ولا سيما في ظل التباين في التعريفات المقدمة من المختصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية لهذا المفهوم1. ومنطلقنا هو أنّ الدولة شكل من التنظيم الاجتماعي الذي اكتسب نوعًا من المشروعية تيسّ له ضمان أمنه وأمن رعاياه في مجال ترابي مخصوص عبر احتكار العنف الشرعي والاعتماد على جهاز إداري ممركز وجباية عمومية. وإن اهتمت غالبية الدراسات، المتعلقة بالدولة، برأسها وأجهزتها وهياكلها ومؤسساتها المركزية، واستعمل الباحثون في ذلك الوثائق المنتجة مركزيًا، أي الأرشيف الرسمي للدولة، فإنّ البحث الواعد في مسار بناء الدولة يظل رهين تنويع سلّم النظر الذي يوازي بين المحلّ والشامل، ويأخذ في الاعتبار تمثلات الفاعلين المحليين وخطابهم، ويقتضي ذلك البحث عن أنواع أخرى من المصادر التي أفرزتها بيئة متخلّصة نسبيًا من إكراهات المركز وتعكس تصورات أخرى للدولة. يحتاج الباحث المشتغل على التمثلات الطرفية للدولة إلى القيام بمتابعة التعبيرات المستعملة التي يطلقها الفاعلون على الدولة وأجهزتها ومؤسساتها وعلى الرجال القائمين عليها. وتشهد هذه التعبيرات، بالضرورة، تغييرات وتحولات، تكون مواكبة للتطورات الميدانية وإن كانت جزئية وبسيطة وصداها في التصورات المتشكلة حولها. وتكون تلك التصورات متأثرة بانتظارات السكان من الدولة باعتبارها تستمدّ مشروعيتها من مدى الاستجابة لهذه الانتظارات. اخترنا لذلك مثال الدولة بإيالة تونس خلال الفترة الحديثة، وبنينا عملنا على وثائق مصدرية أُنتجت في سياقات تاريخية متباعدة. وسنوظف دراستها للإجابة عن أسئلة تتمحور حول بناء الدولة وتحييز المجال وتطور مؤسسات الدولة وآلياتها من خلال قراءة نقدية للخطاب المعتمد في ثلاث مدونات: مؤلف منقبي، وهو كتاب نور الأرماش في مناقب القشاش2 الذي ألّفه المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي (قد يكون من مواليد العشرية الثانية من القرن السادس عشر وتوفي في بدايات النصف الثاني من القرن السابع عشر) بعد سنة 1622، وهو من متساكني مدينة قفصة التي تبعد عن العاصمة بما يفوق 300 كم في الجنوب الغربي للإيالة. كتاب مؤنس الأحبة في أخبار جربة3 الذي ألفه محمد أبو راس الجربي (المتوفى بعد سنة 1807) في نهاية القرن الثامن عشر عن تاريخ جزيرة جربة، الموجودة في الجنوب الشرقي لإيالة تونس، وعلاقتها بالسلطة المركزية.

  1. ينظر المراجع باللغة الفرنسية للكتّاب: ماثيو فوزي ونوربرت إلياس وبيير بورديو ويورغن هابرماس وجان -فيليب جوني وجان فريديريك شوب وتشارلز أوليفير كاربونال: Mathieu Fusi, "Qu'est-ce que l'Etat?" Critiquables , 1 / 12 / 2015 , accessed on 6 / 7 / 2020 , at: https://bit.ly/ 37 XOi 1 r; Norbert Elias, La dynamique de l'occident (Paris: Presses Pocket, 2003); Pierre Bourdieu, Sur l'Etat: Cours de Collège de France 1989 - 1992 (Paris: Seuil; Raisons d'agir, 2011); Jürgen Habermas, Après l'Etat-nation: Une nouvelle constellation politique (Paris: Pluriel, 2013); Jean-Philippe Genêt, "La genèse de l'Etat moderne," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 118 (juin 1997), pp. 3 - 18 ; Jean-Frédéric Schaub, " La notion d'Etat Moderne est-elle utile? Remarques sur les blocages de la démarche comparatiste en histoire ," Cahiers du Monde Russe , vol. 46 , no. 1 - 2 (2005); Charles-Olivier Carbonell, "Les origines de l'état moderne: Les traditions historiographiques Françaises (1820 - 1990)," Publications de l'École Française de Rome , vol. 171 (1993), pp. 297 - 312.
  2. المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي، نور الأرماش في مناقب القشاش، دراسة وتحقيق لطفي عيسى وحسين بوجرة (تونس: المكتبة العتيقة، 1998.)
  3. محمد أبو راس الجربي، مؤنس الأحبة في أخبار جربة، حققه ومهد له وعلق عليه محمد المرزوقي (تونس: المطبعة الرسمية؛ المعهد القومي للآثار والفنون، 1960.)

مراسلة موجهة إلى الباي محمد الصادق (حكم بين سنتَي 1859 و 1882) في سنة 18644 من قبل أعيان مدينة قفصة حول وجاهة تعيين أحد القياد على هذه المدينة وتقديرهم للتطابق بين مصالح المنطقة ومصالح السلطة المركزية. في هذا العمل، سندرس مسار عملية تحييز المجال والآليات التي فُعّلت تدريجيًا في دواخل البلاد من قبل السلطة التركية التي انتصبت بتونس. ثم من خلال قراءتنا لهذه النصوص الثلاثة، نحاول الإلمام بالتصورات التي كان يحملها أفراد يعيشون في مناطق جغرافية طرفية وفي أوساط اجتماعية بعيدة عن مراكز ممارسة السلطة. وسنحرص في الوقت ذاته على أن نستقرئ إلى أي مدى تعكس هذه التصورات تمثلّت متحررة من النظرة المركزية. كما سنتابع تطور هذه التمثلات عبر السياقات التاريخية المتعاقبة من أجل تحقيق فهم الترابط بين مسار تكوّن الدولة ومدى تقبّلها من الجماعات والأفراد الذين تتشكل منهم القاعدة الاجتماعية، بما يدعم فكرة وجود تعدّد وتنوّع في المسارات التاريخية المفضية إلى نشأة عناصر الدولة الحديثة والمؤسسة لمشروعيتها.

أولً: حضور الدولة يف المناطق الطرفية

استفادت السلطة التركية الجديدة من القواسم المشتركة مع الأهالي في مقاطعات بلاد المغرب في مواجهة الخطر المسيحي الذي جسّده الإسبان وحلفاؤهم، وعلى وجه الخصوص طائفة فرسان مالطة خلال القرن السادس عشر، للحصول على دعمهم وقبول تدخلها العسكري والسياسي. غير أن الروابط الدينية وحدها لا تفسر توفّق الأتراك العثمانيين في حسم النزاع لفائدتهم والنجاح في تركيز إيالات تابعة لهم، ومباشرة عملية التحييز الترابي للدواخل وفرض ولاء الجماعات المحلية5. في دواخل إفريقية التي تحولت إلى إيالة خاضعة لسنجق تونس، استغلت الطبقة العسكرية السياسية التركية معاناة المجموعات المدينية والقروية من الضغط المتواصل والمسلط عليها من طرف القبائل المحاربة التي كانت تساند الحركة السياسية الدينية التابعة للطريقة الشابية، والتي هيمنت على العديد من المناطق الجنوبية والغربية خلال فترة طويلة من القرن السادس عشر6. فقد كانت الجماعات المحلية في هذه الربوع تتطلع إلى عودة الأمن والاستقرار بعد تتالي عشريات من النزاعات المتنوعة (بين الأتراك والإسبان، بين الأتراك والحفصيين، بين الأتراك والشوابية، بين الحفصيين والشوابية) وتبحث عن التخلص من الإكراهات والإتاوات المفروضة عليها7. بالتوازي مع ذلك، كانت الطائفة التركية القادمة من وراء البحار في حاجة إلى الانغراس في مجالها الجديد، ما ولد مسار تحويل لهذه الطبقة في اتجاه الإضعاف التدريجي لصبغتها "التركية". وأزيح كبار الضباط، أي البولكباشية، سنة 1591 من السلطة بصورة عنيفة وعوضهم صغار الضباط، أي الدايات، الذين كانوا في اتصال مباشر مع الأهالي. وتحت حكم الدايات بدأ مسار بسط سيطرة الدولة على الدواخل والمناطق الطرفية8، وتكرّس ذلك عبر آليات متعددة.

  1. الجمهورية التونسية، الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة التاريخية، ملف 230، إضمامة 20، خزانة 1، وثيقة بتاريخ 10 رجب 1281 ه.
  2. محمد الهادي الشريف، تاريخ تونس: من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال، ترجمة محمد الشاوش ومحمد عجينة (تونس: دار سراس للنشر، 1980.)
  3. علي الشابي، عرفة الشابي: رائد النضال القومي في العهد الحفصي (تونس: الدار العربية للكتاب، 1982)؛ علي الشابي، تاريخ الشابية خلال العهدين الحفصي والعثماني (تونس: دار النقوش العربية، 2015.)
  4. عبد الحميد هنية، تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر (تونس: تبر الزمان، 2012)؛ مصطفى التليلي، قفصة والقرى الواحية المجاورة حول الحياة الجماعوية: من بداية القرن 18 إلى 1881 (تونس: جمعية صيانة مدينة قفصة، 2009)، ص 364 - 374.
  5. Mustapha Tlili, "L'exercice du pouvoir sur les communautés oasiennes de Gafsa (Tunisie) aux XVIIe, XVIIIe et XIXe siècles: Pratiques et représentations," Annales Islamologiques , vol. 46 (2012).

1. امتلاك القوة العسكرية

يعدّ تحييز المجال بالأساس مسألة موازين قوى عسكرية. وقد حرصت الطبقة العسكرية السياسية التركية الممسكة بالسلطة في تونس على احتكار القوة الحربية، وعلى أن يكون الأمر بارزًا للعيان حتى يدفع الرعايا إلى قبول خيار الخضوع للدولة. فتمّ تثبيت الوجود العسكري التركي من خلال إقرار فرقة دائمة من العسكر الانكشاري بقصبات المدن الداخلية (قفصة، وتوزر، وقابس بمنطقة الأعراض، وجربة... إلخ) منذ نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر9. وكان هذا الحضور العسكري يكتسي صبغة رمزية، ويهدف إلى تذكير الجماعات المحلية بحقيقة موازين القوى في المجال العسكري بما يمنع أي إمكانية لإعادة النظر في سيطرة الدولة على المجال. وأفضى وجود أفراد العسكر في هذه المدن إلى تشكّل فئة الكوارغلية10 بفضل علاقات المصاهرة التي أقيمت مع بعض العائلات المحلية. وأفرز ذلك لاحقًا تكوّن المجموعات الحنفية في المدن الداخلية بحسب تصنيفات الدفاتر الجبائية في القرن التاسع عشر، بوصفها جزءًا من سكانها ودليلً على درجة من الانصهار لتلك المجموعات11. تعزّزت تأثيرات الحضور الجسدي والرمزي للنوبة التركية في المدن الداخلية بالمرور الدوري للمحلة القادمة من الحاضرة: محلة الشتاء التي تتوجه إلى مناطق الوسط والجنوب، ومحلة الصيف التي تجوب مناطق الشمال. وهي من العادات الموجودة منذ العهد الحفصي، وواصل العمل بها الأتراك مع إعطائها صبغةً دورية وإحكامًا أكبر. توفر جولة المحلة فرصة لعملية استعراضية تهدف إلى إبراز قوة الدولة من خلال الفرقة العسكرية المجهزة بالأسلحة الحديثة والمدافع والمعززة بعسكر زواوة وبفرسان "المزارقية" المنتدبين من الأوساط القبلية12. وقد سعت السلطة الجديدة إلى احتواء المجموعات القبلية المحاربة وتوظيفها طبقًا لاستراتيجية الدولة، مثل الحنانشة وطرود وكذلك عروش دريد التي كانت تشكل إحدى الأذرع المحاربة للحركة الشابية13. وبذلك يتحقق ما يمكن أن يعدّ "انزلاقًا في ممارسة العنف الشرعي من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام"14. وإن كانت المحلة، بالأساس، جهازًا قمعيًا، فهي في الوقت نفسه تيسّ الاتصالات المباشرة بالسكان المحليين. ويقيم باي المحلة في بعض المحطات في الأرياف والمدن الداخلية مدةً محدودة، تعبيرًا عن تقريب رموز السلطة المركزية من سكان هذه المناطق، وتكون فرصةً لتجديد عبارات الولاء لها خاصة من قبل الأعيان المحليين، ولجمع الضرائب، ولمعاقبة مرتكبي أعمال الإغارة والتمرد. وقد ساهمت هذه الجولات الدورية للمحلة في تيسير المرور من مرحلة الدايات المتمترسين في ثكنات العاصمة إلى مرحلة البايات المحتكين أكثر بالأوساط الأهلية. وأثمر هذا التحول في ظهور الحكم السلالي للبايات المراديين في القرن السابع عشر ثم حكم العائلة الحسينية ابتداء من سنة 1705.

  1. القفصي، ص 184؛ ينظر صورتا قصبة قفصة وبرج الغازي مصطفى بجربة في نهاية الدراسة.
  2. الكوارغلية جمع كورغلي ويعني أبناء الزواج المختلط بين أب تركي وأم من أهالي البلاد.
  3. الأرشيف الوطني، الدفتر عدد 645 و 1679؛ S. Bargaoui, "Des Turcs aux Hanafiyya: La construction d'une catégorie 'métisse' à Tunis aux XVIIe et XVIIIe siècles," Annales. Histoire, Sciences Sociales, vol. 60 , no. 1 (February 2005).
  4. المزارقي هو فارس من وسط قبلي يجنّد مدة محددة لدعم عمل المحلة مقابل راتب نقدي وعيني والتمتع ببعض الامتيازات. ويعود أصل الكلمة إلى "المزراق" وهو عود السنان الذي يصنع منه الرمح الذي كان يحمله الفارس، ينظر: الأرشيف الوطني، الدفتر عدد 1 و 3 و 555.
  5. فاطمة بن سليمان، الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس 1574 - 81 18 (تونس: جامعة تونس - كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2009).
  6. L. Turgeon (Dir.), Les productions symboliques du pouvoir, XVIe-XXe siècle (Québec: Septentrion; Célat, 1990), p. 10.

إن ممارسة الدولة سلطتها من خلال جهاز عسكري يضمن إخضاع الجماعات المحلية، تفسح المجال لنوع من التدرب والتأهيل للممسكين بهذا الجهاز، وتفتح الأبواب لإعادة نظر مستمرة في الوسائل السياسية؛ أي إن الطرف المهيمن يخضع، بصورة غير مباشرة، لتأثيرات ردود الأفعال الصادرة عن المجموعات المهيمن عليها.

2. الجهاز الإداري -ي السياس

حرصت السلطة التركية المنتصبة في تونس على إقرار أجهزة إدارية في المناطق الداخلية، وعلى رأسها القايد أو العامل. وكانت مؤسسة القيادة معمولً بها تحت سلاطين بني حفص، وظلت موجودة تحت العثمانيين. ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، أفضت سياسة إشراك الأعيان المحليين في التسيير الإداري والسياسي للمناطق الداخلية إلى تشكل سلالات قيادية محلية: آل بن عياد في جربة15، والهوادف في توزر16، وعائلة السماوي في قفصة17... إلخ، لكن يتزامن تعيين قياد من المماليك غالبًا مع انتهاج سياسة متصلبة تجاه الجماعات المحلية أو مع إقرار نظام جبائي جديد. ويحيط القياد أنفسهم بعدد من الأتباع من ضمن الأعيان المحليين من خلال تيسير تعيينهم في بعض المناصب مثل العدول والأمناء والخلفاوة والمشايخ. لذلك فإن نجاح القايد في مهماته يبقى رهين قدراته على نسج شبكة محلية من الفاعلين. توجد مؤسسة "المشيخ"18 في قاعدة الجهاز الإداري، وهي في الأصل مؤسسة جماعوية، ولكن وقع احتواؤها من قبل السلطة المركزية بتوظيف القائمين عليها من خلال ربط تعيينهم بأمر صادر عن الباي وتسليمه طابعًا رسميًا يحمل اسمه. وحتى إن كان تولّ هذا المنصب يظل مشروطًا بالحصول على اتفاق "إخوته" بصورة كتابية19 على ذلك، فإن السلطة المركزية اكتسبت القدرة على توجيه خيارات الجماعة والتأثير فيها. ويصل الأمر أحيانًا إلى حدّ اتخاذ قرار العزل تجاه بعض المشايخ الذين يبدون قلة انسجام مع سياسة السلطة المركزية. ويوفر باقي الأعيان المحليين مخزونًا لأفراد مستعدين للترشح لتعويض المعزولين، وهذا ما يسمح بالتوصل إلى تسويات وحلول لتجاوز النزاعات الممكنة بين السلطة المركزية والجماعة المحلية وتجنّب الوصول إلى حدّ القطيعة التي لا تفيد الطرفين20. ساعد احتكار السلطة للتعيين في الوظائف والخطط داخل الجهاز الإداري - السياسي، وفي الوقت نفسه الحرص على الانفتاح على الأعيان المحليين والتعويل عليهم، في تشكل فئة من الموظفين الذين يتحركون تحت ضغط تجاذب ثنائي: الولاء للسلطة التي عيّنتهم في المنصب، وتمثيل جماعاتهم المحلية التي ساهمت في بروزهم. لذلك تظل مسيرتهم مرتبطة بمدى قدرتهم على التوفيق بين هذين الإكراهين ونجاحهم في التأقلم مع الأوضاع المتقلبة.

  1. إبراهيم السعداوي، "تطور عائلة مخزنية بتونس في العصر الحديث: آل بن عياد بين سنوات 1740 - 1837 "، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 1999.
  2. Abdelhamid Henia, Le Jérid: Ses rapports avec le Beylik de Tunis (1676 - 1880) (Tunis: Publication de l'École normale supérieure de Tunis, 1980); A. Hénia, "Mémoire d'origine d'un lignage dominant le pouvoir local à Tozeur (XVIe- milieu du XIXe siècles)," in: Mélanges offerts à Mohamed Talbi à l'occasion de son 70 e anniversaire (Manouba: Publication De la Faculté des Lettres, 1993).
  3. التليلي.
  4. المشيخ" هو جهاز إداري مخزني وعرفي ومنه شيخ التراب وشيخ العرش.
  5. أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ج 3 (تونس: كتابة الدولة للثقافة والأخبار، 1963)، ص 19.
  6. Abdelhamid Henia, "L'exercice du pouvoir dans et sur les communautés locales en Tunisie aux XVIIIe et XIXe siècles," Mélanges de l'école Française de Rome , vol. 115 , no. 1 (2003), pp. 581 - 595.

3. الجباية والجهاز القضائي

تبين دراسة المجالين الجبائي والقضائي أن العلاقات الموجودة بين المركز والأطراف تؤكد اعتراف الجماعات المحلية بمشروعية الدولة التي يخضعون لها، فمن جهة، تلتزم الجماعات بدفع الضرائب باعتبارها الثمن اللازم لضمان الاستقرار والأمن وتحقيق العدل بردّ الحقوق طبقًا لما يوصي به الشرع. ومن جهة أخرى تعدّ عملية جمع المجابي شكلً من أشكال ممارسة السيادة من السلطة المركزية. لذلك فإن الحدود بين المجال الخاضع لبايليك21 تونس والمجال الخاضع لكل من داي الجزائر أو باشا طرابلس تستند إلى حدود السيادة الجبائية المرتبة على المجموعات البشرية. يحرص سكان المناطق الطرفية، إن كانوا مستقرين أو رُحّلً أو شبه رحّل، على دفع الأداءات التي ترتبها الدولة عليهم، وإن كانت ثقيلة، لأن ذلك يبيح لهم اقتلاع الاعتراف ببعض الحقوق22، مثل ملكية الأراضي الفلاحية وأقساط مياه العيون والتنقل من منطقة إلى أخرى والتشكّ من ضيم القياد والمشايخ والوكلاء... إلخ. وقد خضعت تحولات النظام الجبائي لمتطلبات تغير الأولويات السياسية بالنسبة إلى السلطة المركزية؛ إذ استوجبت عملية التحييز التي انطلقت، خاصة في بداية القرن السابع عشر، مواصلة العمل بالعادات الجبائية القديمة والإبقاء على خصوصية الجماعات من حيث نوعية الضرائب المرتبة والقواعد المعتمدة. اندرجت الإصلاحات الجبائية للقرن التاسع عشر في نطاق خيار تعزيز مركزة الدولة، الذي يقتضي توحيد الجباية وإقامة علاقات مباشرة بين هياكل الدولة والرعايا، فانجرّ عن ذلك تقلّص مجال تحرّك الأعيان المحليين في الميدان الجبائي لفائدة التدخل المباشر لأعوان إدارة البايليك. أما الجهاز القضائي الموجود في الدواخل فكانت له وظيفتان؛ فهو يعتبر إحدى الآليات المكرسة لاحتكار العنف من قبل الدولة، بامتلاك سلطة إصدار الأحكام بالسجن وسلب الحرية وتسليط الغرامات، لكنه في الوقت ذاته يؤدي، نوعًا ما، دور السلطة المضادة في الحدّ من تنفّذ الأعوان المحليين للإدارة وضمان مستوى من المراقبة على أعمالهم23. ومنذ نهاية القرن السادس عشر كانت الشكاوى المرفوعة إلى الباشوات، ثم بعد ذلك إلى الدايات وبعدهم البايات، من طرف سكان الدواخل تحمل في أغلب الأحيان إمضاءات القضاة والمفتين المشتغلين هناك24. يمثل حضور القضاة والمفتين، ولا سيما أنهم ينحدرون من أوساط الأعيان المحليين، ضمانة إضافية للسكان في شعورهم بالتمتع بدرجة من الحماية، وبكونهم يُحكمون من الدولة بحسب ضوابط أخلاقية وطبقًا للشرع والعادات والأعراف. ولم يكن في الإمكان تولّ الخطط القضائية إلا بعد اكتساب تكوين شرعي كافٍ والحصول على الموافقة المكتوبة لأعيان الجماعة على كفاءة المرشحين وأهليتهم. ولن يكتمل الأمر إلا بإصدار أمر من الباي في التعيين في خطة قاضٍ أو مُفتٍ أو عدل25.

  1. المقصود بالبايليك هو المؤسسة السياسية المرتبطة بالباي والتي يمارس سلطته من خلالها.
  2. أرشيف عائلة السماوي، وثيقة عدد 6، ينظر الملاحق في: التليلي، ص 505.
  3. A. Raymond, Le Caire des janissaires (Paris: CNRS, 1995), p. 12.
  4. أحمد قاسم، إيالة تونس العثمانية على ضوء فتاوى ابن عظوم 1574 - 1600 (زغوان: مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 2004)؛ التليلي، ص 456.
  5. التليلي، ص 457.

4. توظيف الشأن الديني

دأب الممسكون بالسلطة في تونس على توظيف العامل الديني واتخاذه مبررًا أيديولوجيًا لحكمهم، حيث كانت صورة الدولة الحامية للدين ولبيوت الله ولحملة القرآن مهمةً لتعزيز تلك الشرعية المكتسبة من الأتراك العثمانيين الذين كان يُنظر إليهم بوصفهم مدافعين عن ديار الإسلام أمام تهديدات الإسبان المسيحيين. وقد سعت الطبقة العسكرية السياسية التركية إلى احتواء الفقهاء والعلماء في العاصمة، في المدن الداخلية وكذلك، من خلال جعلهم يستفيدون من حضور الدولة عبر تمتيعهم بعادات مرتبة ومقتطعة من المداخيل الجبائية، وبإعفاءات من الضرائب في شكل ترك، وبهبات في شكل إحسان26. ويتولى هؤلاء خططًا لها علاقة بالعلوم الدينية مثل الإمامة والتدريس، ويتقاضون مقابل خدماتهم رواتب تصُرف من مداخيل الأحباس. وقد اهتم البايات المراديون ثم الحسينيون بأماكن العبادة والتعلّم، وحرصوا على أن يكون ذلك الاهتمام مرئيًا، فأذنوا بالقيام بأعمال الترميم والصيانة التي تشمل الجوامع والزوايا والمدارس، وتيسير انتصاب المدرسين وتخصيص مساعدات لإسكان الطلبة وإطعامهم27. واستهدفت سياسة الاحتواء كذلك الأولياء الصالحين وناشطي العمل الطرقي، بحثًا عن الاستفادة من تأثيرهم في السكان. فمنذ بداية الحضور العثماني، عملت السلطة الجديدة على استئصال تأثير الطريقة الشابية التي كانت لها صبغة سياسية احتجاجية ووجدت لها صدى في مدن وقبائل الدواخل. وفي المقابل، يسّت انتشار الطرق التي كانت أكثر استعدادًا لقبول الأمر الواقع السياسي والعسكري الجديد، مثل الزاوية الغريانية والزاوية القشاشية28. وخلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، برز العديد من رموز الصلاح في العديد من الأوساط في أجواء من التسامح تجاه هذه الأصناف من الأوليائية التي كانت تمثل حليفًا موضوعيًا للسلطة المركزية. ووجد المعترف بهم بوصفهم صلحاء وبعائلاتهم كل الدعم والرعاية من السلطة المركزية، بتوفيرها لهم الهبات والامتيازات والاحترام ونوعًا من الحصانة. كان مسار التحييز الذي قامت به الطبقة العسكرية السياسية التركية يهدف إلى تعزيز حضور الدولة في المناطق الداخلية. ولكن ضمان خضوع السكان يظل مرتبطًا بالتمثلات التي تنشأ لديهم حول حضور الدولة وأجهزتها ورموزها.

ثانيًا: المتحول يف تمثلّات الدولة

يعتقد ماكس فيبر أن مشروعية أي نظام سياسي هي التي تجعل تقبّله أسهل ورفضه أقل29. وتكون التمثلّات التي تتكوّن عن السلطة بالضرورة خاضعة لسياق زمني30، ويجسدها إنتاج صور يتداخل فيها الموروث وإضافات الأجيال المتعاقبة التي تحدّدها حسابات الفاعلين وانتظاراتهم. وكما أعلنّا في بداية الدراسة، سنحاول متابعة التصورات التي تشكلت لدى سكان المناطق الطرفية حول الدولة من خلال آثار مكتوبة في سياقات مختلفة.

  1. الأرشيف الوطني، الدفاتر الجبائية بين 1676 و 1881. (تنصّ الدفاتر على امتيازات في شكل ترك وإحسان لفائدة العلماء والفقهاء.)
  2. حسين خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق وتقديم الطاهر المعموري (طرابلس، ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1975)، ص 48.
  3. التليلي، ص 370؛ Ch. Monchicourt, Etudes Kairouanaises: Kairouan et les Chabbia (1450 - 1592) (Tunis: Imp. J. Aloccio, 1939).
  4. M. Camau et al., Elites, pouvoir et légitimité au Maghreb (Paris: CNRS, 1973), p. 12.
  5. C. Dolan, " Des images en action: Cité, pouvoir municipal et crises pendant les guerres de religion à Aix-en-Provence ," in: Turgeon (dir.), p. 86.

1. صورة الدولة المتسلطة ولكنها مقبولة

اعتمدنا في هذا العمل على مؤلف منقبي كتب بعد سنة 1622، تاريخ وفاة الولي الذائع الصيت في العاصمة والدواخل، أبي الغيث القشاش. وقد ألّف الكتاب مقدمُ الزاوية بمدينة قفصة المرتبطة بالطريقة القشاشية، وكان هدفه من هذا التأليف التعريف بفضائل شيخه وكراماته وأعماله. ويتعلق الأمر بالمنتصر بن المرابط بن أبي لحية، الذي ولد وعاش في هذه المدينة الداخلية في أواخر القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر؛ وينتمي إلى "الناس العاديين". وكانت له فرص في السفر وتمكّن من زيارة تونس خاصة في عدة مناسبات. وقد أورد في كتابه العديد من الطّرفات المعيشة، واحتوى خطابه على العديد من الألفاظ والمصطلحات التي تعكس التصور الذي تشكّل لديه حول تلك السلطة المركزية التي انتصبت حديثًا في تونس. ومن خلال قراءة هذا المؤلَّف، يتبين أن ابن أبي لحية كان مدركًا أن السلطة الجديدة كانت بيد "الترك" الذين يتصرفون في العسكر التركي ويستمدون شرعية وجودهم من دورهم الحاسم في مواجهة "النصارى" الذين استولوا على تونس، ويشير في ذلك إلى الإسبان. ويميّز ابن أبي لحية في خطابه بين مختلف المؤسسات المكونة للدولة، فذكر الباشا، باعتباره "خليفة السلطان"31. وفي هذا النطاق أشار في عدة مناسبات إلى رمضان باشا الذي تولى الإشراف على إيالة تونس بين سنتي 1577 و 1579. كما تحدّث عن مؤسسة الديوان بصفتها مجلسًا لضباط العسكر التركي. واستعمل لفظة "المماليك" للإشارة إلى الانكشاريين الذين يتكون منهم العسكر. وأثبتت رواياته للأحداث في الكتاب أنه مطّلع على أهم التحولات التي طرأت على السلطة التركية في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، حيث خصّص فقرات لثورة الدايات سنة 1591 التي أنهت احتكار كبار الضباط، أي البولكباشية، للسلطة في تونس. غير أنّ مقدم الزاوية القشاشية سعى إلى ربط مذبحة البولكباشيين بغضب الولي القشاش منهم ودعائه عليهم32. كان مؤلف نور الأرماش، من جهة، واعيًا بأن التسيير الجماعي لشؤون الدولة من قبل أعضاء الديوان لم يدُم طويلً، بل أفرز بروز سلطة فردية داخل هذه المؤسسة؛ وقد ذكر في عدة مواضع من كتابه عثمان داي الذي نجح في احتكار السلطة بين يديه في الفترة 1594 - 1610. ومن جهة أخرى، كان متفطنًا للثنائية التي أصبحت تطبع رأس السلطة في بداية القرن السابع عشر من خلال حديثه عن وجود سلطة الداي إلى جانب سلطة ثانية مثّلها باي المحلة الذي يقوم بجولات دورية في الدواخل. واعتبر المنتصر الباي كونه الحاكم الفعلي للمناطق الداخلية حيث وصفه بكونه "المالك أمر بلاد الجريد وإفريقية والساحل"33. هذه الثنائية هي التي ستتطور لتفرز لاحقًا الحكم السلالي للبايات المراديين، الذي أنتج تقليمًا لدور الداي الذي لم يعد الشخصية السياسية الأولى في تسيير شؤون الدولة. أما حول طبيعة السلطة الحاكمة، فإن ابن أبي لحية رسم لنا صورتين متباينتين من خلال الروايات التي أوردها من الواقع المعيش. فقد تحدّث بوصفه أحد سكان مدينة قفصة، معيدًا إنتاج الصورة التي ركّبت في هذا الوسط الواحي حول الممسكين بالسلطة في تونس. فبحسب هذه الصورة، الباشا هو عبارة عن شخصية سياسية تتمتع بنفوذ مطلق وتعسفي، حيث سمح الباشا لنفسه، والمقصود رمضان باشا (1577 - 1579)، بحبس مشايخ قفصة لمجرد مجيئهم إلى تونس للتشكي من تجاوزات المسؤولين المحليين. وكان سجنهم في ظروف رهيبة، حيث ذكر ابن أبي لحية أنهم كانوا مشدودين بالسلاسل طوال خمس سنوات34.

  1. القفصي، ص 393.
  2. المرجع نفسه، ص 218.
  3. المرجع نفسه، ص 356.
  4. المرجع نفسه، ص 428.

صورة الشخصية السياسية المتسلطة والظالمة، ألصقها ابن أبي لحية كذلك بعثمان داي، حيث ركّز على إبراز عدائه الشديد للطريقة القشاشية ولأتباعها. وللتأكيد على انعدام أخلاقه واستبداده، ذكّر بأن هذا الداي سعى إلى افتكاك زوجةٍ محصنة من زوجها35. كما جسد مؤلف نور الأرماشهذه الطبيعة الظالمة والمستبدة للممسكين بالسلطة من خلال شخصية رمضان باي، قائد المحلة، الذي كان يأتمر بتعليمات عثمان داي؛ فذكّر بأن هذا الأخير سلّط قمعًا شديدًا على سكان قرية سدادة الواحية بمنطقة الجريد، الذين تذرعوا باحتضان قريتهم لزاوية سيدي بوهلال لرفض دفع الضرائب. وتعمّد ابن أبي لحية في روايته للأحداث تفصيل أشكال القمع الذي مارسه الباي، بقوله: "وقتل منهم رجال [كذا] كثيرة وسبى رجالهم ونساءهم وأولادهم وباعهم في المحلة بالسوق والدلال"36. وربط المؤلف أيضًا صبغة التعسف والظلم بالصورة التي قدّمها حول مراد باي قائد المحلة الذي رمى به في السجن مدة شهرين وعشرة أيام بقصبة قفصة بتهمة واهية، في نظره "قراءة كتاب اعتبر بكونه غير مطابق للسنّة"37. وبهذا السلوك والتصرف أثبت الباي، بحسب ما دوّنه ابن أبي لحية، أنه من الممسكين بالسلطة الذين يعاقبون لمجرد الشبهة ومن دون التثبت من صحة التّهم الموجهة. تندرج هذه التقديرات والأحكام الصادرة عن ابن أبي لحية في نطاق النظرة التي كان يحملها سكان المناطق الواحية حول السلطة المركزية المنتصبة في تونس، حيث ينظر إليها بوصفها جهازًا تعسفيًا ومستبدًا وظالمًا ولا يراعي الأولياء الصالحين والطرق الدينية ولا يعير الحقوق أي أهمية. لكن الكتاب يبرز في الوقت نفسه صورة أخرى عن السلطة الحاكمة، موازية ومغايرة تمامًا للصورة التي سبقت الإشارة إليها. تكتسي الصورة الثانية التي رسمها مؤلف نور الأرماشخصائص إيجابية؛ حيث قدّم يوسف داي الذي تولّ أمر الإيالة سنة 1610 باعتباره الحاكم الحريص على حسن العلاقات مع الولي أبي الغيث القشاش ومع فقراء زاويته، ونسب إليه قولً يثمّن فيه دور هذا الولي الصالح بأسلوب واضح ودقيق، مخاطبًا العسكر التركي والديوان: "هل فيكم من بنا [كذا] مسجدًا، أو كسا عريانًا، أو سقا [كذا] عطشانًا، أو أخرج أسيرًا من برّ النصارى، أو فداه بماله [...] إنّ الشيخ أبو الغيث [كذا] يسدّ عليكم جميع الأبواب التي لا تقدروا [كذا] على سدّها"38. فحسب هذا القول، يبرز حرص الداي وسلطته على التعامل مع المشاكل الاجتماعية بواقعية، وكذلك اقتناعه بأن مصلحة الدولة تقتضي السماح بمجالٍ من حرية النشاط والتحرك للطرق الدينية في إدارة الشؤون العامة. وفي هذا السياق ذاته، أبرز ابن أبي لحية خصالً لمراد باي المحلة، رغم أنه في موضع آخر أشار إلى مسؤولية الباي نفسه على سجنه بغير وجه حقّ، معتبرًا ذلك مظلمة سلطت عليه من دون موجب وجيه. وقدّمه على أنه الحاكم الذي يتقبل شكاوى سكان المناطق الداخلية، حتى إن استهدفت مسؤولين جهويين أتراكًا. وقد وصل الأمر بقائد المحلة مراد باي إلى حدّ سجن القائد التركي بمدينة قفصة وتسليط غرامات ثقيلة عليه39. رسم مقدم الطريقة القشاشية، من خلال ما دوّنه حول الداي وكذلك الباي، صورة السلطة المركزية التي تعمل على ردّ الحقوق وعلى رفع المظالم عنهم. وهي التي تراعي مجال التحرك المسند إلى شيوخ الطرق الدينية وتأخذ في الاعتبار الهياكل الجماعوية المحلية في إدارة الشأن العام.

  1. المرجع نفسه، ص 458.
  2. المرجع نفسه، ص 450.
  3. المرجع نفسه، ص 456.
  4. المرجع نفسه، ص 141.
  5. المرجع نفسه، ص 428.

إنّ التناقض بين الصورتين المرسومتين لسلطة الدولة في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، من خلال كتاب نور الأرماشلا يعدو أن يكون ظاهريًا. فالصورتان ضروريتان بالنسبة إلى استراتيجية ضمان ولاء السكان وخضوعهم للدولة؛ حيث تثير أجهزة الدولة لدى سكان المناطق الداخلية الخوف من إمكانياتها في استعمال القوة والتصرف في الوسائل الردعية، ولكنها تظل في الوقت نفسه ملجأهم عند حصول تجاوزات وانتهاكات تطال حقوقهم من قبل أعوان الدولة في المستوى الجهوي والمحلي. كما أن هذه النظرة الثنائية لدى سكان الدواخل تعكس الحذر من قبولهم حكم "الترك" الغرباء عليهم، وفي الوقت ذاته الوعي بالحاجة إليهم لضمان الأمن والاستقرار من دون الاستعداد لقبول التفريط في مجال الاستقلالية الضروري لاشتغال الهياكل الجماعوية المحلية. وقد خضعت هذه التصورات حول الدولة للتطور، مواكبةً تحولات الواقع وتغير الذهنيات في الفترات اللاحقة.

2 ي. تمثّل المركزي ف المحلّ

المصدر الثاني الذي اعتمدناه في هذه المتابعة على المدى الطويل، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هو كتاب مؤنس الأحبة في أخبار جربة40. ويعتبر مؤلفه، محمد أبو راس الجربي، نفسه كاتبًا للتاريخ، اعتمادًا على كتابات سابقة وعلى أخبار منقولة "عن الثقاة" [كذا] وعلى أحداث عاشها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر41. وقد اشتغل عليه المؤرخ محمد المريمي المختص في تاريخ جربة والجماعات الإباضية في الفترة الحديثة42. وركزنا الاهتمام على دراسة الكيفية التي تمثّل بها محمد أبو راس، أصيل جزيرة جربة والمقيم بها، السلطة المركزية وعلاقتها بالمجتمع المحلي. علمًا أن هذه الجزيرة موجودة في الجنوب الشرقي للإيالة، وتبعد عن العاصمة مئات الكيلومترات. تتميز جربة بوجود تقاليد استقلالية لدى أهلها بحكم الموقع الجغرافي لهذه الجزيرة والانتماء المذهبي لأغلبية سكانها (من أتباع الإباضية) والتجاذب المتواصل بين عسكر تونس وعسكر طرابلس في بسط السيطرة عليها. وخلال سرده لتاريخ جربة وأهلها، استعرض أبو راس أحداثًا سابقة لعصره بطريقة تعكس ثبات فكرة الدولة المركزية والوزن الطاغي للمركزي على حساب المحلي. فقد حرص على استعمال "صاحب تونس"43، وهو يشير بذلك إلى المتحكم في السلطة المركزية الذي يخضع له سكان المناطق الداخلية، إن كان السلطان الحفصي أو الباشا (من دون ذكره) أو عثمان داي أو الباي علي باشا أو حمودة باشا الحسيني، والذين ذكرهم بالأسماء في مؤلفه. وأفرد حمودة باشا بعبارات التعظيم، حيث نعته ب "المعظّم" و"أمير عصرنا"44 معبًّا عن انخراطه في فكرة الدولة المجالية الخاضعة لمركز الحكم في تونس والتي تتحرك في مجالها المحلة بتعليمات من رأس السلطة45. واعتبر أبو راس أهل جربة من رعية "أمير تونس"، وأكّد أنّ الشيخ أو العامل بهذه الجزيرة يعيّ ويعزل بقرار منه وأنّهما مسؤولان عن سياستهما أمام هذا "الأمير"46. وأقرّ أبو راس ضمنيًا اكتساب الرعية، بصفتهم تلك، لحقّ التشكي من تجاوزات المسؤولين المحليين أمام الباي، الذي يصبح مطالبًا بالتفاعل مع تشكياتهم

  1. الجربي.
  2. المرجع نفسه، ص 69.
  3. محمد المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث (تونس: كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، 2005)؛ M. Merimi, " Les chroniques de Sulayman al-Hîlati et Mohamed Abou Ras et la construction de deux mémoires discordantes relatives à l'île de Djerba ," in: Ecritures de l'Histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie , A. El Moudden, Abdelhamid Henia & A. Benhadda (Coord.) (Rabat: Publication De la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Rabat, 2007), pp. 39 - 57.
  4. الجربي، ص 113.
  5. المرجع نفسه، ص 122.
  6. Merimi, p. 52.
  7. الجربي، ص 114، 119.

وبرفع المظالم التي تطاول الرعايا. وفي هذا النطاق، رسم صورة "الدولة الراعية" التي لا تتردد في الضرب بكل قوة على أيادي من "سار سيرة سيئة ولم يحسن التصرف في الرعية". فلمثل هذه الأسباب، يورد أبو راس في كتابه أنّ علي باشا، وبعد رفع الرعية أمرَها إليه، يسارع إلى عزل الشيخ محمد بن صالح ويأمر بسجنه ومصادرة أمواله وتهديم منزله47. تدلّ الاستعمالات المتتالية للفظ "الرعية" من مؤلف مؤنس الأحبة على المعنى الذي يعطيه لها، حيث يبدو مفهوم "رعية الباي"، من جهة، كأنّه يلغي التمايز بين أتباع المذهب الإباضي والمذهب المالكي لكي يجعل منهم في الإطار العلائقي نفسه مع السلطة المركزية48. ويشير، من جهة أخرى، إلى الأقلية اليهودية المقيمة في جزيرة جربة باعتبارها من أهل الذمة ومن رعية الدولة الحسينية. ومن خلال هذه القراءة يمكن القول إن المجال الجربي أصبح في القرن الثامن عشر مجرّد جزء من مجال الإيالة، وإنّ السلطة المركزية تمسك بخيوط الشؤون المحلية، وإنّ واجبات الدولة تحددها استحقاقات الرعايا وانتظاراتهم. وقد تبلورت هذه الصورة ذاتها في الأذهان مع وضوح أكثر في تحديد استحقاقات الأطراف المعنية بممارسة السلطة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهذا ما سنبيّنه من خلال الوثيقة الثالثة.

3. السلطة بوصفها جزءًا من المعيش المحلّ للسكّان

تتمثل الوثيقة الثالثة، التي اعتمدناها في هذه المتابعة للتمثلّات التي تشكلت لدى سكان بعض المناطق الطرفية حول الدولة، في رسالة صادرة عن جماعة قفصة، أي مجلس الأعيان، إلى الوزير الأكبر المتنفّذ مصطفى خزندار (1817 - 1878) سنة 186449. ويتعلق موضوعها بجدال حول تعيين قايد على هذه المدينة الواحية (الجنوب الغربي للإيالة) في فترة اضطرابات سياسية؛ حيث كانت دواخل إيالة تونس مسرحًا لحدوث انتفاضة عارمة سنة 1864 ضد مضاعفة ضريبة المجبى (أو كما عرضت حينها "الإعانة") شملت الوسط القبلي والقروي والمديني. وقد حدث خلاف ضمني بين أعيان المدينة حول وجاهة هذا التعيين الذي يهمّ قايدًا من أصول قبلية، أحمد بن يوسف، وهو من الأعيان المتنفذين بأولاد رضوان، أقوى عروش الهمامة50. وهو ما أثار حفيظة شق مهم من أعيان المدينة. ولذلك جاء خطاب الرسالة حجاجيًا ويهدف إلى الإقناع بسلامة قرار التعيين، مع الحرص على سحب البساط من منتقديه من منظور الفاعلين المحليين. وتساعد قراءة هذه الرسالة وتحليل خطابها ومساءلة المصطلحات المستعملة فيها على فهم نوعية الثقافة السياسية السائدة لدى الأعيان المحليين وتمثّلهم للدولة ولعلاقتها بالسكان. ورد في نصّ الرسالة استعمال لعبارات تعدّ مستحدثة، نوعًا ما، مثل "المصلحة العامة" و"مصالح الدولة السعيدة" و"مصلحة الوطن"51 (بمفهوم المنطقة). ووقع التأكيد في هذه الرسالة على أن الحكم على أي قرار سياسي محدد ينبني على مراعاة هذه المعايير، أي مدى تطابقه مع هذه المستويات الثلاثة، المتداخلة والمتكاملة. وقد حدّدت الرسالة بوضوح الانتظارات الأساسية للسكان من السلطة

  1. المرجع نفسه، ص 119.
  2. Merimi, p. 46.
  3. الجمهورية التونسية، الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة التاريخية، ملف 230، إضمامة 20، خزانة 1، وثيقة بتاريخ 10 رجب 1281 ه.
  4. مصطفى التليلي، منطقة قفصة والهمامة في عهد محمد الصادق باي:  1859 - 1882 (تونس: دار صامد للنشر، 2004)؛ Mustapha Tlili, "Ahmed Ben Youssef des Hamama. Itinéraire d'un notable de milieu tribal au XIXe siècle," in: Être notable au Maghreb: Dynamique des configurations notabiliaires , Abdelhamid Henia (dir.) (Paris: IRMC-Maisonneuve & Larose, 2006), pp. 217 - 224.
  5. تستعمل كلمة "الوطن" (بالسكون على الطاء والنون) بمعنى الجهة أو النطاق الإداري الجبائي المنسوبة إلى موقع جغرافي أو قبيلة مثل وطن جربة أو وطن ورغمة أو وطن جلاص أو وطن الجريد... إلخ، ويختلف ذلك عن مفهوم الوطَن المتداول في الفترة المعاصرة.

المركزية وأعوانها المحليين، وتمثلت في حماية المدينة، خاصة من غارات المجموعات القبلية، "العربان"، ومن "تعب البوادي"، وتحقيق الأمن والاستقرار. وعرضت في الرسالة استحقاقات السكان المرجوّة من الدولة، وقدّمت على أنها مشروعة مقابل الالتزام ب "مطالب الدولة" وهي ضمان "طاعة" السكان للدولة الحسينية وامتثالهم لها وخلاص "جميع لوازمهم" من الأداءات المرتبة عليهم. وفصّلت الرسالة ذلك بوجوب إحضار مونة المحلة وخلاص القانون (أداء على الزياتين والنخيل) والإعانة أي المجبى (أداء على الذكور البالغين) إلى خزينة البايليك. بيد أن هذه الرسالة، استعملت فيها مفردات مثل "العبيد" و"الخدام" و"مبادرة العبيد للسيد" بما يمكن أن يوحي بنوعية معينة من العلاقات التي تربط الأعيان بنظام البايليك. لكن استعمال تلك المفردات يُعزى أكثر إلى متطلبات الخطابات المعهودة الموجهة إلى الباي ووزرائه، وهي أقرب إلى مجرد إعادة لصيغ جاهزة تُساق عادة في مثل هذه المراسلات، وهي لا تعكس حقيقة طبيعة العلاقة بين الدولة ورعاياها بأي حال. وفي جميع الأحوال تبدو الدولة، من خلال نص الرسالة، حاضرة في أعين السكان في المستوى المحلي وفي الشأن اليومي لحياتهم بواجباتها تجاههم وحقوقها عليهم التي تحددها اتفاقات ضمنية بين الحكام والمحكومين. وفي هذه الحالة، يبدو الاتفاق الضمني بين السلطة المركزية والجماعات الواحية كأنه أصبح مُمأسسًا مع تطابقٍ في المصالح وتبادل للالتزامات، أي إنّ هناك وجودًا لقواعد تمارس على أساسها السلطة وتخضع للتفاوض ولاستنباط التوافقات والتسويات52، والتي تتعزز بها مشروعية الدولة. لذلك يمكن القول إنّ الإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي شهدتها إيالة تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (عهد الأمان ودستور 1861) لم تكن معزولة عن التحولات الميدانية التي شملت علاقة الدولة برعاياها في مركز الحكم وفي المناطق الطرفية.

خاتمة

لا تُبنى الدولة في المركز فحسب، بل كذلك في الأطراف، ولكن بحسب نسقٍ متفاوت وفي تفاعل متواصل مع انتظارات السكان وردود أفعالهم. ويقاس مدى تماسك الدولة بحضورها في المناطق الطرفية عبر مؤسسات وآليات ورموز. وتدفع ضرورة مواكبة روح العصر ومستجداته ومتطلباته إلى تغيير نمط ممارسة السلطة وتطوير آلياتها وتجديد جوانب من الخطاب السياسي لدى الحكام والمحكومين. ويظلّ مسار بناء الدولة مرتبطًا بمدى مقبوليتها من رعاياها الذين يوفرون لها المشروعية التي تكون في حاجة دائمة إلى التعزيز والتجديد. وتكون العلاقة بين المعطى المحلي والسلطة المركزية جدلية، فيها التجاذب والتفاوض والتوافق والتنافر. وهي محكومة بالبحث المتواصل عن توازن غير دائم بين تمسّك الجماعات المحلية بمجال من الاستقلالية وحاجتها إلى حضور الدولة وإلى المركزة السياسية. وتُفرز تطورات الواقع المادي وخصوصياته تنوعًا في مسارات بناء الدولة حتى بين بلدانٍ متشابهة في وضعها السياسي العام، مثلً بين مقاطعات بلاد المغرب التابعة للدولة العثمانية في الفترة الحديثة (إيالات تونس والجزائر وطرابلس). ويبقى الجدل متواصلً ومتجدّدًا حول تناول موضوع الدولة بين المشروعية والشرعية وبين المركزية والتشاركية في الفترتين الحديثة والمعاصرة.

  1. Abdelhamid Hénia, Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'Individu en Tunisie (Tunis: l'Or du temps, 2015), pp. 107 - 112.

الصورة (1) القصبة بمدينة قفصة في بداية القرن العشرين

المصدر: الرصيد الفوتوغرافي لجمعية صيانة مدينة قفصة.

الصورة (2) برج الغازي مصطفى بجزيرة جربة

المصدر: الرصيد الفوتوغرافي لجمعية صيانة جزيرة جربة.

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تونس: كتابة الدولة للثقافة والأخبار، 1963.

ابن سليمان، فاطمة. الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس 1574 - 1881. تونس: جامعة تونس - كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2009.

الأرشيف الوطني، الدفاتر الجبائية بين 1676 و 1881. السلسلة التاريخية.

الأرشيف الوطني، الدفتر عدد 1 و 3 و 555. السلسلة التاريخية.

الأرشيف الوطني، الدفتر عدد 645 و 1679. السلسلة التاريخية.

التليلي، مصطفى. قفصة والقرى الواحية المجاورة حول الحياة الجماعوية: من بداية القرن 18 إلى 1881. تونس: جمعية صيانة مدينة قفصة، 2009.

________. منطقة قفصة والهمامة في عهد محمد الصادق باي: 1859 - 1882. تونس: دار صامد للنشر، 2004.

الجربي، محمد أبو راس. مؤنس الأحبة في أخبار جربة. حققه ومهد له وعلق عليه محمد المرزوقي. تونس: المطبعة الرسمية؛ المعهد القومي للآثار والفنون، 1960.

الجمهورية التونسية. الأرشيف الوطني التونسي. السلسلة التاريخية. ملف 230. إضمامة 20. خزانة 1. وثيقة بتاريخ 10 رجب 1281 ه. خوجة، حسين. ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان. تحقيق وتقديم الطاهر المعموري. طرابلس، ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1975.

السعداوي، إبراهيم. "تطور عائلة مخزنية بتونس في العصر الحديث: آل بن عياد بين سنوات 1740 - 1837 ". رسالة دكتوراه غير منشورة. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 1999.

الشابي، علي. تاريخ الشابية خلال العهدين الحفصي والعثماني. تونس: دار النقوش العربية، 2015.

________. عرفة الشابي: رائد النضال القومي في العهد الحفصي. تونس: الدار العربية للكتاب، 1982.

الشريف، محمد الهادي. تاريخ تونس: من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال. ترجمة محمد الشاوش ومحمد عجينة. تونس: دار سراس للنشر، 1980.

قاسم، أحمد. إيالة تونس العثمانية على ضوء فتاوى ابن عظوم 1574 - 1600. زغوان: مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 2004.

القفصي، المنتصر بن المرابط بن أبي لحية. نور الأرماش في مناقب القشاش. دراسة وتحقيق لطفي عيسى وحسين بوجرة. تونس: المكتبة العتيقة، 1998.

المريمي، محمد. إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث. تونس: كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، 2005. هنية، عبد الحميد. تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. تونس: تبر الزمان، 2012.

الأجنبية

• Bargaoui, Sami. "Des Turcs aux Hanafiyya: La construction d'une catégorie 'métisse' à Tunis aux XVIIe et XVIIIe

siècles." Annales. Histoire, Sciences Sociales. vol. 60 , no. 1 (February 2005).

• Bourdieu, Pierre. Sur l'Etat: Cours de Collège de France 1989-19 92. Paris: Seuil; Raisons d'agir, 2011.

• Camau, Michel. et al. Elites, pouvoir et légitimité au Maghreb. Paris: CNRS, 1973.

• Carbonell, Charles-Olivier. "Les origines de l'etat moderne: Les traditions historiographiques Françaises (1820-

1990)." Publications de l'École Française de Rome. vol. 171 (1993).

• Ecritures de l'Histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie. Abderrahmane El Moudden, Abdelhamid

Henia & Abderrahim Benhadda (Coord.). Rabat: Publication De la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines,

• Elias, Norbert. La dynamique de l'occident. Paris: Presses Pocket, 2003.

• Être notable au Maghreb: Dynamique des configurations notabiliaires. Abdelhamid Henia (dir.). Paris: IRMC-

Maisonneuve & Larose, 2006.

• Fusi, Mathieu, "Qu'est-ce que l'Etat?" Critiquables. 1 / 12 / 2015. at: https://bit.ly/ 37 XOi 1 r

• Genêt, Jean-Philippe. "La genèse de l'Etat moderne." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 118 (juin

• Habermas, Jürgen. Après l'Etat-nation: Une nouvelle constellation politique. Paris: Pluriel, 2013.

• Henia, Abdelhamid. "L'exercice du pouvoir dans et sur les communautés locales en Tunisie aux XVIIIe et XIXe

siècles." Mélanges de l'école Française de Rome. vol. 115 , no. 1 (2003).

• ________. Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'Individu en Tunisie. Tunis: l'Or du

temps, 2015.

• ________. Le Jérid: Ses rapports avec le Beylik de Tunis (1676- 1880). Tunis: Publication de l'École normale

supérieure de Tunis, 1980.

• Mélanges offerts à Mohamed Talbi à l'occasion de son 70 e anniversaire. Manouba: Publication De la Faculté des

Lettres, 1993.

• Monchicourt, Ch. Etudes Kairouanaises: Kairouan et les Chabbia (1450-1592). Tunis: Imp. J. Aloccio, 1939.

• Raymond, André. Le Caire des janissaires. Paris: CNRS, 1995.

• Schaub, Jean-Frédéric. " La notion d'Etat Moderne est-elle utile? Remarques sur les blocages de la démarche

comparatiste en histoire." Cahiers du Monde Russe. vol. 46 , no. 1-2 (2005).

• Tlili, Mustapha. "L'exercice du pouvoir sur les communautés oasiennes de Gafsa (Tunisie) aux XVIIe, XVIIIe et

XIXe siècles: Pratiques et représentations." Annales Islamologiques. vol. 46 (2012).

• Turgeon, Laurier. (dir.). Les productions symboliques du pouvoir: XVIe-XXe siècle. Québec: Septentrion; Célat, 1990.