Return to Article Details Looking at the Safavid Harem in a new light

الحريم الصفوي: إضاءات جديدة

Looking at the Safavid Harem in a new light

محبوبة مجيدزادة

الملخّص

يُعدّ موضوع الحريم محورًا رئيسًا في جملة أعمال المستشرقين والرحّالة الأوروبيين، نسجوا حوله خيالات تجاوزوا بها الواقع وأسقطوا عليه تمثّلاتهم الثقافية، فتارة صوّروا المرأة الشرقية مقموعةً ومُقيّدة، وتارة أخرى انتقدوا دورها بصفتها فاعلًا سياسيًا، وجعلوها أحد العوامل الرئيسة في انهيار الإمبراطوريات الإسلامية، وفي هذا السياق حظيت بلاد فارس بفيض من تلك الرحلات. تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على حضور المرأة الصفوية في المشهد السياسي، والمكانة التي حظيت بها في البلاط الصفوي بين الواقع والخيال، وتدعو إلى قراءة النصوص التاريخية بمعطيات معاصرة، وتجاوز الصورة النمطية بشأن حكم الحريم، ومحاولة رؤية الدور الذي قامت به المرأة أيضًا في الحفاظ على بنى الدولة وتيسير الانتقال من حاكم إلى آخر بسلاسة، عبر عرض نماذج نسائية مارست المرأة فيها تأثيرًا سياسيًا جوهريًا في البلاط الصفوي. وقد لا تنطبق هذه الرؤية على النماذج كلها، بيد أنها تنسف الفكرة الشائعة بشأن عدم أهلية المرأة لخوض غمار الحكم. كما تعرض الدراسة مسيرة المرأة ووضعها في ظل القيود المفروضة عليها ودورها في ازدهار الحضارة الصفوية.

Abstract

The topic of the harem was central to the work of orientalists and European travellers. They created fantasies about the harem that transcended reality and largely influenced by their own cultures. At times, they portrayed the oriental woman as oppressed and restrained while others criticized her role as a political actor and identified it one of the key elements leading to the collapse of the Islamic Empires. This article seeks to shed light on the presence of Safavid women in the political scene and the status they received in the Safavid courts. This paper calls for reading historical texts with contemporary data, overcoming the stereotype of harem role, and trying to understand the role they played in preserving state structures, to facilitate transitions from one ruler to another. This will be done by reviewing the roles of women who had exerted substantial political influence in the Safavid courts, while this may not apply to all women, it emphasizes the common idea about women's ineligibility to govern. This paper also reviews the progress of women and their status under the constraints imposed on them and their social role in the flourishing of the Safavid civilization.

الكلمات المفتاحية:
  • الرحّالة الأوروبيون
  • الحريم
  • الدولة الصفوية
  • الدور الحضاري
Keywords:
  • European Travelers
  • Harem
  • Safavid State
  • Civilization
محبوبة مجيدزادة*Mahboobeh Majeedzadeh |
محبوبة مجيدزادةMahboobeh Majeedzadeh |
الحريم الصفوي: إضاءات جديدة
Looking at the Safavid Harem in a new light

مقدمة

اتّجه الفكر الأوروبي في أواخر القرن السابع عشر نحو دراسة الثقافة الشرقية بما تحويه، وتجلّ هذا الاهتمام من خلال رحلات الأوروبيين إلى الشرق عمومًا، بما فيه البلاد الإسلامية. وقد حظيت بلاد فارس ومناطقها بعدد وافر من زيارات هؤلاء الرحّالة الذين اتّسموا بسعة اهتمامهم ورغبتهم في استكشاف المجتمع الفارسي، وكان موضوع الحريم من الركائز الأولى لكتاباتهم، وغذّتها هالة الغموض التي كانت تُحيط بالحريم في الثقافة الشرقية1، وقد كان انجذاب هؤلاء الرحالة نزوعًا طبيعيًا وليد الفضول الغربي نحو كل ما يخص الشرق. وفي سياق الحضارة الإسلامية، كثيرًا ما فُهمَت المرأة الشرقية على نحو خاطئ؛ إذ هناك من نسجوا أوهامًا وخيالات عنها تجاوزوا بها الحدود كلها، فقدّموا صورة تتمحور حول الحريم باعتباره مكانًا منعزلً، وبشأن النشاطات التي تمارسها المرأة، وأظهروا فيها المرأةَ مضطهدةً ومُقيّدةً بأغلال الرّجل، تسعى لإرضاء شهواته البهيمية، وحالها يُرثى لها، ولم يُنظر إلى نساء الحريم بصفتهن ذوات عقول مستقلة2. وعلى الرغم من ظهور نماذج نسائية تميزت بالذكاء والثقافة العالية والقدرة على إدارة شؤون الدولة بحزم وتشكيل السياسات الحاكمة، فإن الفكرة الغربية المتجذّرة في عقول الرحالة أنكرت هذا الظهور، وسارعت إلى انتقاد الدور السياسي لنساء الحريم الملكي في التاريخ الصفوي، بل أرهق المستشرقون كاهلها بفشل التجربة، فكانت تداعياتها إضعاف الدولة وانهيارها وإغراق البلاد في بحر الفساد، من دون محاولة التعمّق في طبيعة تلك الممارسات ومبرّراتها في المجال السياسي. قد تكون تلك الأفكار جاءت لتخدم الفكر الأيديولوجي والصراع الثقافي السائد بين الشرق والغرب في تلك الفترة؛ فمثلً وصف جون فرير Fryer John (1650 - 1733)، باستخفاف، النساءَ الصفويات باعتبارهن يفتقرن إلى العقول المستقلة، وأنهن لم يُربَيّن إلّ على "أمور الفراش [...] والرفاهية، والخضوع البهيمي"، ولم يُسمح لهن بالتدخل في "شؤون الدولة"3. وهي نظرة إثنومركزية تحاول تأكيد الصورة النمطية المترسّخة في الأذهان، في حين كان من قواعد البلاط الصفوي تعيين معلّم لكل أميرة، يُلقّب "دادا"، مهمّته تعليمها وإعدادها لأداء دورها في خدمة الإمبراطورية4. في حين روى کمبفر Kaempfer Engelbert (1651 - 1716) وسانسون Sanson.  Mr (1663 - 1743) كيف تلقت نساء الحريم بعض العلوم، وأهمها الأدب والرياضيات والتاريخ، فضلً عن الشعر وفن الخط والرماية5. وقد ذكر جان باتيست تاورنيه Tavernier Baptiste - Jean (1605 - 1689) "أنه ما إن تلُاحظ نساءُ الحريم بلوغ الشاه سنًا ينشغل فيه بأمور المملكة ويسعى لممارسة سلطته في حكم البلاد [...] حتى يشرعن في تدبير المؤامرات للتخلّص منه، حتى يصعد إلى العرش شاهٌ آخر يافع لا يهتم إلّ باللهو معهن"6. وهذا التصور خاطئ ويتعارض مع التقاليد الصفوية التي تقضي بعزل نساء الشاه

  1. الحريم: مصطلح متعدد الدلالات، يشير في آن واحد إلى الفضاء المخصص لإقامة النساء في القصر، ويُسمى عند الفرس "حرمسرا" وعند الأتراك "الحرملك"، ويشير كذلك إلى النساء القاطنات فيه.
  2. رونالد فرير، "المرأة في إيران الصفوية: شهادة الرحالة الأوروبيين" في: غافن هامبلي (محرر)، المرأة في العصور الوسطى الإسلامية، ترجمة أحلام عثمان [وآخرون] (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص 453 - 455.
  3. John Fryer, A New Account of East India and Persia Nine Years' Travels, 1672 - 1681 , William Crook (ed.), vol. 3 (London: Hakluyt Society, 1915), p. 127.
  4. Somayyeh Mottaghi, "The Historical Relationship between Women's Education and Women's Activism in Iran," Asian Women , vol. 31 , no. 1 (2015), pp. 7 - 8 , accessed on 3 / 3 / 2018 , at: https://goo.gl/SviUCE
  5. انگلبرت کمپفر، سفرنامهء کمپفر (رحلات كمبفر)، ترجمة كيكاووس جهاندارى، ط 3 (طهران: شركة سهامى انتشارات خوارزمى، 1363 ش)، ص 226؛ مارتن سانسون، سفرنامه سانسون (رحلات سانسون)، ترجمة نقي تفضلي (طهران: كتابفروشي ابن سينا، 1346 ش)، ص 119.
  6. ژان باتیست تاورنیه، سفرنامهء تاورنيه (رحلات تافرنييه)، ترجمة حميد شيراني ([د. م.]: انتشارات نيلوفر، 1383 ش)، ص 210.

في قسم بعيد حال وفاته7، وينافي تعاليم الدين الإسلامي بشأن علاقات المحارم، باعتبار أن الوريث الجديد، عادة، هو ابن الشاه، فيُحرم عليه اللهو مع نساء أبيه. وبناء عليه، لن تستفيد نساء الشاه من التآمر عليه والتخلّص منه. اعتبر فلاديمير مينورسكي Minorsky Vladimir (1877 - 1966) أن "حكومة الظل المتمثلة في الحريم والملكة الأم، ساهمت على نحو كبير في تمزق الأسرة الصفوية"8. كما أن هيمنة الملكة الأم في عهد أحد الشاهات الضعاف وتدخّلها في إدارة شؤون الدولة لا يعنيان بالضرورة هذا التعميم الكاسح، فهناك نماذج ساهمت أيضًا في تقوية أواصر الأسرة الصفوية، مثل السيدة تاجلو بيكَم والدة الشاه طهماسب. لكن، ظهرت في الآونة الأخيرة كتابات برؤى جديدة تسعى لإلقاء الضوء على أدوار النساء في تلك المجتمعات، وكيف تعاملن مع المواقف والصعوبات والموقع المحوري الذي تبوّأنه في مختلف مجالات الحياة، وكيف انبثقن من خلف ستار الحريم ليتحوّلن إلى فاعلات أساسيات في تاريخ أممهن9. بيد أن هذه الجهود المبذولة لا تزال بعيدة عن تقديم مساهمات جادّة في هذا الصدد؛ إذ يعتري دراسة تاريخ النساء في فارس كثيرٌ من الصعوبات وشح في المصادر، ولم تولِ المصادر الأساسية المكتوبة بالفارسية من مؤرخين رجال قدرًا كبيرًا من الاهتمام بالمرأة والدور السياسي والاجتماعي الذي قامت به على غرار الرجل. وقد يرجع ذلك إلى الأطر الأبوية والقيود الاجتماعية التي فُرضت على المرأة وعلى الحريم باعتباره مكانًا؛ إذ يُعتبر منطقةً محظورةً ينبغي عدم الاقتراب منها احترامًا لخصوصيته ومراعاةً لشرف صاحبه. من هنا، كان التوجّه إلى كتابات الرحالة الأوروبيين عن عالم الشرق الفاتن والغامض في آن، التي كانت بمنزلة وسيط عملي، تجلّ في جملة أعمالهم ومشاهداتهم التي رصدت ملامح الحضارة والتثاقف الفكري، وعكست الخصوصيات الاجتماعية في بلاد فارس10. ومن هذه الكتابات، أعمال السفير الإسباني دن گارسيا فيگوثروا Vigueroo Garcia. D الذي زار فارس في عام 1614 وعاش فيها أكثر من ثمانية أعوام، عاصر فيها فترة حكم الشاه عباس الكبير (1588 - 1629)؛ والرحالة الإيطالي بيوترو دلا واله Valle Della Pietro الذي زار فارس في عام 1618؛ والمستشار الألماني آدم أولياريوس Olearius Adam الذي رافق البعثة الدبلوماسية الألمانية إلى فارس في عام 1635، خلال فترة حكم الشاه صفي الدين (1629 - 1642)؛ والقس المسيحي سانسون الذي زار فارس في عام 1683، خلال حكم الشاه سليمان الصفوي (1666 - 1694)، وعاش فيها أعوامًا عدة، يدعو فيها إلى الدين المسيحي، وغيرهم من الذين عاصروا الدولة الصفوية وعاشوا في ظل حكومتها ودوّنوا مشاهداتهم عنها. دوّن الرحّالة والمستشرقون ما أرادوا أن يراه الأوروبيون ويقرؤوه، وحشوا كتاباتهم بركام من الأحكام على سلطة النساء في المجتمعات الشرقية، مبنيّة على الحكايات والأساطير وخلفيات ثقافية مغايرة. وأصبح المؤرخون الشرقيون يبحثون في تلك النصوص

  1. ذكر شاردن Chardin أنه في حالة وفاة الشاه، تُسمع أصوات بكاء النساء وعويلهن في الحريم، ليس حزنًا على الشاه فحسب، بل تأسّفًا على مصيرهن المحتوم، فمن التقاليد الصفوية أن يتم عزل نساء الشاه المتوفى مع أبنائهن في قسم بعيد، ولا يُسمح لهن بممارسة النشاطات التي كُنّ يمارسنها من قبل. ينظر: شاردن شيفاليير، سياحتنامه شاردن سازمان نظامي وسياسي ومدني إيران (رحلات شاردن المجتمع المدني والسياسي في إيران)، ترجمة محمد عباسي، ج 8 (طهران: مؤسسة چاپ وانتشارات أمير كبير، 1966)، ص 369 - 392.
  2. Tadhkirat Al-Muluk: A Manual of Safavid Administration , Vladimir Minorsky (translated and explained), EJW Gibb Memorial Series 16 (London: Luzac and CO., 1943), p. 23.
  3. مثل كتابات نابيا أبوت Nabia Abott، وآن ك. لامبتون Lambton. S. Ann K، و المرأة في العصور الوسطى الإسلامية لغافن هامبلي Gavin Hambly، وإمبراطورية الحريم لليسلي بييرس Leslie Pierce.
  4. بهاء بن نوار، "الرحلات الاستشراقية وصورة الذات العربية: قراءة في صورة الحريم"، مجلة رؤى فكرية، العدد 2 (2015)، ص  30، شوهد في 11 / 7 / 2018، في: https://bit.ly/ 39 ddQYP

التاريخية عما يريدون أن يروه هم بحسب ما يفرضه عليهم واقعهم الذي قد لا يعكس الحقيقة في إطارها التاريخي، وصار من عادتهم الاعتماد على تلك الأحكام التي رسخت في عقولهم، وبات التحرّر منها أمرًا عصيًّا ومشكوكًا فيه. لذا، ينبغي تقويم تلك الكتابات بأناة، والحذر عند الأخذ منها، مع إعمال العقل في تتبع معطياتها وتفحّصها، واضعين نصب أعيننا حدود فهْم أولئك الرحّالة الناتج من عدم قدرتهم على الاتصال مباشرة بالنساء في تلك الفترة11. وبناء عليه، يتطلّب الأمر تجاوز المقاربات الشكلية والغوص في الأعماق وفهمها على نحو أفضل، وتقصّ بعض الحالات، مثل تلك التي نحلّلها في هذه الدراسة حتى نتجنّب المساهمة في الانتقاص من مكانة النساء وإنجازاتهن وما قدّمنه لمجتمعاتهن. وفي هذا السياق البحثي، تسعى هذه الدراسة للكشف عن جوانب من تاريخ المرأة في فارس، وعلى وجه الدقة في تاريخ الدولة الصفوية، نتأمل من خلالها دور النساء في إطار ديناميات البلاط الإمبراطوري وتفاعلاته، واشتراكهن في صوغ سياسة الدولة وتخطيطها، وانعكاسات ذلك على البلاط الصفوي والمجتمع، ونحاول إعادة النظر في الأفكار التي تفشّت مروّجةً لعدم أهلية المرأة لخوض غمار الحكم، ووجهة النظر التقليدية القائلة إن تدخّل النساء وحكم الحريم هو أحد العوامل الرئيسة في انهيار الإمبراطوريات الإسلامية وتقهقرها بصورة عامة، والصفوية على نحو خاص، وسيرها نحو الأفول والتفسّخ12. تسعى هذه الدراسة أيضًا لتجاوز الآراء الكلاسيكية التي تداولتها الدراسات السابقة ردحًا من الزمن؛ وتصوغ ضمن هذا المعنى سؤالها الرئيس: ماذا لو كان حكم الحريم قد أدّى أيضًا أدوارًا رئيسةً في الحفاظ على بنى الدولة وتيسير الانتقال من حاكم إلى حاكم بنوع من السلاسة، حتى لو انتهى الأمر بالصراع مع الحاكم الجديد بعد استتباب الأمر له؟ قد لا ينطبق هذا الوضع على كل الحالات، لكن وجوده ينسف الفكرة الشائعة، ويدعو إلى المزيد من البحث في الاتجاه نفسه. وعلى هذا المنوال، نطرح أسئلةً فرعيةً عدة، لعلّ أبرزها: كيف تطور مفهوم الحريم في الإمبراطورية الصفوية؟ وأين يكمن مفهوم الحريم بين الواقع والخيال والتصورات التي دارت في خلجات كتّاب الغرب؟ وكيف كانت مسيرة المرأة في ظل الحكم الصفوي؟ وما نوعية القيود التي فُرضت على النساء مع الانتقال من الطريقة إلى الدولة؟ وأكانت المرأة مُهانةً كما صوّرها المستشرقون، أم هي نظرة إثنومركزية متأصلة نحو كل ما يخص حياة الشرقيين؟ وما أهم المنعطفات التاريخية وأبرز الشخصيات النسائية التي لمعت في تاريخ السلالة الصفوية؟ وكيف ساهمن في إثراء الإطار الحضاري لمجتمعاتهن؟ وهل تُعينُنا المعطيات القليلة المتوافرة في البحث والتعمق في قراءة الوقائع ودراسة تاريخ المرأة في ظل تهميش المؤرخين لها؟ لم يعارض المجتمع المسلم تأثير المرأة في سدة الحكم، ولو رمزيًا؛ فمنذ العصر العباسي الأول ظهرت نماذج نسائية ملكت السلطة والنفوذ من وراء الستار، مثل الخيزران، جارية المهدي المفضلة؛ وأم هارون الرشيد، خامس الخلفاء العباسيين، التي حاصرت بوادر الاضطرابات في البلاد وحافظت على العرش لأبنائها13؛ وأروى الصليحية (1091 - 1138) التي حكمت اليمن قرابة نصف قرن

  1. كاثرين بابايان، "عقائد النساء: نظرة على النساء الصفويات في الثقافة الأصفهانية المحلية" في: هامبلي (محرر)، ص 417 - 419؛ ينظر أيضًا: Andre Newman, Safavid Iran Rebirth of Persian Empire (New York: I.B. Tauris & Co Ltd., 2012), p.  20.
  2. بلاد فارس هو الاسم التاريخي الذي كان يطلق على عموم الأراضي الإيرانية، التي تحوّلت إلى إيران في عام 1925 مع صعود الأسرة البهلوية. سيتم استخدام كلمة فارس للمحافظة على السياق التاريخي.
  3. سوالف حسن، دور الجواري والقهرمانات في دار الخلافة العباسية، 132 - 656 ه/ 749 - 1258 م (دمشق: صفحات للدراسات والنشر، 2013)، ص 77 - 80.

نيابة عن خلفاء الدولة الفاطمية الشيعية14؛ وضيفة خاتون الأيوبية السُنّية (1236 - 1242) الملقبة ب "الستر العالي" ملكة حلب التي تمتعت بعلامات المُلك في فترة حرجة من تاريخ الدولة الإسلامية15؛ وتركان خاتون التي حكمت كرمان في الجنوب الغربي من فارس وحظيت بتأييد من الإليخان هولاكو، وخرجت من عباءتها الملكة آبيش خاتون (1263 - 1287) التي حكمت المملكة الفارسية على امتداد نصف قرن16. وفي الدولة العثمانية، ظهرت نماذج حيوية مثل السلطانة خُرم أو ركسلانة (1520 - 1558) زوجة السلطان سليمان القانوني (1494 - 1566) التي كانت لها مساهمات إيجابية في الحياة السياسية وتبادلت الخطابات مع الملوك17. كثيرًا ما حظيت نساء البلاط في المجتمعات المسلمة بفرصة للتأثير في الشؤون العامة، وأظهرن تفوّقًا بصفتهن فاعلات سياسيات حكمن ممالك ازدهرت في المجالات كلها وعاشت عصورًا ذهبية. وفي واقع الأمر، عند تركيز عدسة التاريخ المجهرية على أحداث فردية دقيقة، نجد حالات ونماذج لنساء كُنّ صادقات مع أنفسهن حين أدركن عدم قدرتهن على إدارة شؤون الدولة، واتّخذن قرارًا بالتنحّي عن الإدارة والسماح لمن له القدرة على إدارة شؤون البلاد، وخير مثال على ذلك دولت خاتون، الحاكمة الرابعة عشرة من سلالة بني خورشيد التي حكمت مقاطعة لورستان في الجنوب الغربي لبلاد فارس وتنازلت عن العرش لأخيها في عام 131618؛ والسلطانة خديجة طورخان (1656) في الإمبراطورية العثمانية التي بحثت عن مستشار من خارج القصر يتمكّن من إدارة أمور البلاد، فوقع اختيارها على محمد باشا كوبرلو (1656 - 1661) ليبدأ عصر حكومة آل كوبرلو، وانسحبت بهدوء، على الرغم مما تمتّعت به من ذكاء، لتتفرغ لأعمال الخير19. يدعونا ظهور تلك النماذج في التاريخ الإسلامي (المُبكر والوسيط)، من دون اعتراض المجتمع على حكمهن، إلى التأمل في أدوارهن والتساؤل: هل حُكم المرأةِ مساحةً صغيرةً مقبولٌ من المجتمع، بينما امتداد نفوذها لحكم إمبراطورية مرفوض؟ أم هل أن نظرة المجتمع إلى حكم النساء بدأت تتغيّ مع ازدياد رحلات المستشرقين وانتشار رؤية متباينة ترى حكم النساء إحدى العلل الرئيسة لانهيار الدول؟ حتى إن المؤرخين المسلمين ما برحوا يُردّدون تلك الرؤية من دون تفحيص، وأقدم المؤرخ التركي أحمد رفيق على نعت تدخل النساء في الحكم ب "سلطنة الحريم"20. وذُكرت هذه المسألة في المصادر العثمانية، وخصوصًا رسائل النصيحة، مثل رسالة حاجي خليفة ولطفي باشا وقوجى بك... إلخ.

  1. فاطمة المرنيسي، السلطانات المنسيات: نساء رئيسات دولة في الإسلام، ترجمة جميل معلى وعبد الهادي عباس (دمشق: دار الحصاد للنشر والتوزيع، [د. ت)].، ص 189 - 195.
  2. جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، مُفرّ ج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق جمال الدين الشيّال وحسنين ربيع، مراجعة سعيد عاشور، ج 5 (القاهرة: مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، 1957)، ص 268؛ كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله ابن العديم، زبدة الحلب من تاريخ حلب، عُني بنشره وتحقيقه ووضع فهارسه سامي الدهان، ج 3 (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1968)، ص 235؛ ينظر أيضًا: Taef Al Azhari, "Dayfa Khatun, Ayyubid Queen of Aleppo 634  -  640 A.H./ 1236  -  1242 A.D.," JAMES Annals of Japan , no. 15 (2000), pp. 27 - 55 , accessed on 28 / 6 / 2018 , at: https://bit.ly/ 37 uhA 6 A
  3. غافن هامبلي، "تبديات المرأة المسلمة في العصور الوسطى التاريخ والتأريخ"، في: هامبلي (محرر)، ص 31 - 35.
  4. Galina Yermolenko, "Roxolana: The Greatest Empresse of the East," The Muslim World , vol. 95 , no. 2 (2005), pp. 231 - 248 , accessed on 23 / 4 / 2018 , at: https://bit.ly/ 2 ti 9 qiJ
  5. المرنيسي، ص 177.
  6. نسيبة علّوي، "دور آل كوبرلو في إصلاح أوضاع الدولة العثمانية، 1656 - 1702 م"،   مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، مج 6، العدد 2 (2007)، ص 244 - 269، شوهد في 28 / 2 / 2018، في: Syxubx 2 / ly. bit:// https
  7. هامبلي، "تبديات المرأة المسلمة"، ص 25.

تزداد القيمة العلمية لأي بحث أكاديمي عندما يهدف الباحث فيه إلى الحقيقة التاريخية النسبية، ويتّسم بروح نقدية ويسعى وراء الأحداث والوقائع التاريخية بمعزل عن أي مُسلّمات أو أفكار متوارثة21. ومن هذا المنطلق، حاولنا دمج التفصيلات الصغيرة المتناثرة المتعلقة بعدد من نساء الأسرة الصفوية اللائي مكّنتهن الظروف من ممارسة السلطة السياسية، والدفع بسيرهن إلى متن السياق التاريخي.

أولً: نشأة الدولة الصفوية (1722-1501)

من المفيد قبل دراسة تاريخ النساء في الدولة الصفوية أن نلمّ بإيجاز السياق التاريخي الذي نشأت فيه الأسرة الصفوية، حيث تعود أصولها إلى الشيخ صفي الدين إسحاق الذي تمكّن حفيده الشاه إسماعيل الأول من توحيد بلاد فارس كلها تحت حكمه، وتُوّج على العرش في عام 907 ه/ 1501 م، وأعلن تحوّل البلاد إلى المذهب الشيعي الإثني عشري22. لم يمثّل صعود نجم الدولة الصفوية لحظةَ تحولٍ في تاريخ فارس فحسب، بل في تاريخ الشرق الأوسط؛ إذ برزت في إطار منظومة فارسية شيعية تسعى لإيجاد مدينة فاضلة على أرض فارس. وعلى الرغم من أن اصطباغ البلاد بالصبغة الشيعية شكّل مزيدًا من القيود الاجتماعية على النساء، فإن ذلك حصل بدرجات متفاوتة في سياقات أتاحت للمرأة آفاقًا استطاعت العبور منها والقيام ببعض الأدوار السياسية والدينية والاجتماعية23.

ثانيًا: تطوّر مصطلح الحريم "حرمرسا"

اشتُقَت لفظة الحريم من كلمة الحرم. وحرم الرجل ما يذود عنه ويحميه. والحرمة ما يُحرم انتهاكه من ذمة وحق، وتعني أيضًا أهل الرجل. ومن هنا جاء لفظ الحريم بمعناه العام، ويعني المكان المقدس باللغة الفارسية، وهو المكان المُصان حرمته، ومنه "الحرم المكي" و"الحرم النبوي"، حيث يُحرّم على غير المسلمين دخوله24. بينما يطلق عليه الأتراك لفظ "سراي"، أي القصر الكبير. والإشارة هنا إلى الجزء الذي تعيش فيه النساء ولا يُسمح بالدخول إليه لغير أفراد العائلة نفسها، وهو عبارة عن مبنى بأسوار عالية يحمي من في داخله من عيون المتطفلين، وكان يحتوي على قاعات كبرى لاستقبال النساء والإعداد للاحتفالات وحدائق غنّاء مُزدانة بالأزهار العطرة ونوافير المياه لترطيب الأجواء25.

  1. عمرو عثمان، "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء"، أسطور، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير  2015)، ص 19.
  2. الشيخ صفي الدين إسحاق، مؤسس ما يُطلق عليه "الطريقة الصفوية" التي ظهرت في القرن الرابع عشر الميلادي في مدينة أردبيل شمال غرب إيران، حيث كانت فارس في ذلك الوقت تمر بإحدى الفترات غير المألوفة من التجزّؤ السياسي واللامركزية. ينظر: إدوارد جرانفيل براون، تاريخ الأدب في إيران من بداية الحكم الصفوي حتى نهاية الحكمالقاجاري، ترجمة أحمد كمال الدين حلمي وإبراهيم أمين الشواربي ومحمد علاء الدين منصور، ج 4 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 54 - 80؛ Mitra Jahandideh & Shahab Khaefi, "Women's Status during the Safavid Period," Paper presented at the International Conference on Social Science, Social Economy and Digital Conference "Recent Researches in Social Science, Digital Convergence, Manufacturing and Tourism," Spain, May 27 - 29 , 2011 , pp. 137 - 142 , accessed on 28 / 2 / 2018 , at: https://goo.gl/ 4 hU 7 Ao
  3. بابايان، ص 418.
  4. دن گارسيا فيگوئروا، سفرنامه دن گارسيا فيگوئروا (رحلات داسيلفو فيغويرا)، ترجمة غلامرضا سميعي (طهران: نشرنو، 1363)، ص 101.
  5. عماد الجواهري، "الحريم السلطاني ودوره في الحياة العامة من تاريخ الدولة العثمانية"، مجلة العلوم الاجتماعية، مج 7، العدد 2 (1979)، ص 63 - 64، شوهد في 28 / 2 / 2018، في: 8 oVO 9 L 2 / ly. bit:// https؛ ماجدة مخلوف، الحريم في القصر العثماني (القاهرة: دار الآفاق العربية، 1998)، ص 6، 10.

لا يختلف تنظيم قسم الحريم في البلاط الصفوي عن التنظيم والتراتبية المتّبعة في البلاط العثماني؛ فإضافة إلى النساء والأميرات، هناك "الكنيزكان" (الجواري) والخواجات السود والبيض (الخصيان)، وتُعيّ مخصصات مالية وعينية لجميع العاملين في الحريم26. ويذكر الرحالة والصائغ الفرنسي جان شاردن Chardin Jean (1643 - 1713)، الذي زار فارس في عام 1666 وكتب مشاهداته عنها في عشرة مجلدات، أن كلمة حرم من الاتساع، حيث تشمل أكبر صومعة للراهبات، وحيث تجد النساء كل ما تحتاج إليه في هذا القسم من وسائل تسلية وأماكن لممارسة الأعمال اليدوية ومسجد للتعبّد والصلاة، وحتى مقبرة العائلة موجودة في الحرم. وكان الشاه هو الرجل الوحيد الذي يدخل عند الحريم، إضافة إلى بعض أفراد العائلة، وكان يسمح للأطباء والمنجمين دون غيرهم بالولوج إليه27. لذا، لم يتمكن الرحالة الأوروبيون من الدخول إلى منطقة الحريم، واعتمدوا على روايات الخدم أو من سنحت لهم فرصة الدخول إلى ذلك العالم، مصدرًا للمعلومات، إضافة إلى الحكايات التي حاكها خيالهم الخصب عما يدور خلف تلك الأسوار الشاهقة28.

ثالثًا: من الزواج السيايس إلى نظام الجواري

سعى الجيل الأول من حكام الدولة الصفوية في بداية نشأتها لتطعيم الأسرة الصفوية عبر التزاوج وإيجاد روابط دم مع قبائل القزلباش؛ وذلك لتوطيد العلاقات واكتساب دعم وحماية القبائل التي كانت تتشارك معهم زمنيًا في تولّ السلطة29. وقد شكّل زواج الشاهات ببنات القزلباش موردًا مهمًا لتزويد الجيش بالرجال والفرسان من جهة، وتحسين السلالة الصفوية من جهة أخرى. وكانت البداية مع زواج الشيخ جنيد (1447 - 1460)، الذي لُقّب بالسلطان سليل الشيخ صفي الدين، بخديجة بيگم، أخت الزعيم أوزون حسن (1423 - 1478)30، ثم تبعه زواج الشاه إسماعيل الصفوي (حكم بين عامي 1501 و 1524) بحفيدته تاجلو بيگم31. واستمر هذا النهج من الزواج بين أفراد البيت الصفوي من الرجال والنساء إلى بداية عهد الشاه عباس الأول. وتلبيةً لتطورات المرحلة الجديدة، استدعى الأمر توجه شاهات الأسرة الصفوية، كما فعل نظراؤهم من سلاطين الأسرة العثمانية، إلى مصاهرة الحكام وأمراء الكيانات السياسية المتاخمة، لضمان ولاء أولئك الحكام الذين يُحتمل أن يشكلوا مركزًا منافسًا في وجه الامتداد والتوسع الصفوي وكسب روافد جديدة للدولة. بيد أن التباين كمن في توجه السلاطين العثمانيين إلى الزواج بالكتابيات، فمثلً تزوج عثمان الأول (1258 - 1326) بكيليكيا،

  1. شيفاليير، ص 376، 385 - 389.
  2. حسن آزاد، گوشه هاى از تاريخ اجتماعي إيران: پشت پردههاي حرمسرا (زوايا من التاريخ الاجتماعي لإيران: خفايا الحريم) (أرومية: انتشارات انزلى، 1357 ش)، ص 37 - 39.
  3. يعتقد شاردن أن القيود المفروضة على الحريم في بلاد فارس تفوق كل القيود المفروضة في الدول الأخرى، مثل تركيا والمغول. ومن وجهة نظره، لهذا علاقة بطبيعة الهواء والطقس الحار في فارس، التي تتسبب بإثارة المشاعر الجياشة التي من الصعب السيطرة عليها. ورجال الفرس غيورون على نسائهم، لذا كانت القيود المفروضة أشد. ويبدو أنه كان متأثرًا بنظرية مونتسكيو حول التأثيرات السلبية للمناخ في طبائع البشر؛ إذ ركزت النظرية على أن المناخ الحار يؤدي إلى الكسل والبلادة وإلى إثارة الرغبات لدى الأفراد، وفي هذا الطرح مغالطات قائمة على حدود معرفة الرحالة بالحريم، ونظرة إثنومركزية نحو الشرق مقارنة بالغرب. ينظر: شيفاليير، ص  369 - 372.
  4. تعني كلمة القزلباش أصحاب القلانس الحمر أو الرؤوس الحمراء. وهم جماعة من الصوفية المتشيّعين الذين لُقبوا بهذا اللقب نظرًا إلى القبعات أو القلنسوات الحمراء التي كانوا يلبسونها على رؤوسهم وعليها العمامة التركية الملفوفة باثنتي عشرة لفة، وبشكل مخروطي لتدل على أئمة الشيعة الإثني عشر. ينظر: براون، ص 53.
  5. أوزون حسن (1423 - 1478) هو أبو النصر حسن بك بن علي بن عثمان بن قتلغ بن حاجي بيك. اشتهر بأوزون حسن نظرًا إلى طول قامته، وتعني كلمة أوزون بالتركية طويل، كان زعيم قبيلة الآق قوينلو (الشاة البيضاء) السنية المذهب، وهي من أشهر القبائل التركية التي أسست إمبراطورية قصيرة في إيران والعراق وشرق الأناضول وأرمينيا وأذربيجان، وأدّت دورًا فاعلً في الحياة السياسية في إيران في القرن الرابع عشر. ينظر: محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة الصفوية (في إيران)، 907 - 1148 ه/ 1501 - 1736 م (بيروت: دار النفائس، 2009)، ص 26، 30؛ وينظر: "Uzun Ḥasan, Turkmen ruler," Encyclopædia Britannica , accessed on 10 / 6 / 2020 , at: https://goo.gl/QrXBTH
  6. Fairchild Ruggles (ed.), Women, Patronage, and Self-Representation in Islamic Societies (New York: State University of New York Press, 2000), pp. 130 , 141.

وزوّج ابنه أورخان بفتاة يونانية اسمها نيلوفر32. واتّجه الحكام في العهد الثاني للأسرتين إلى إدخال عناصر جديدة في الحريم؛ فاتّخذوا المحظيات من الجواري في عهد الشاه طهماسب (حكم بين عامي 1524 و 1576)، وبات حكّام المقاطعات يحرصون على إرسال بناتهم إلى البلاط الصفوي كهدايا لنيل شرف مصاهرة الشاهات33. ولاحقًا انتقلت الدولة إلى مرحلة شراء الجواري الشركسيات والجورجيات اللائي كان لهن دور بارز في البلاط الصفوي، وأمهات للشاهات لاحقًا34. غالبًا ما كانت النساء هن أكثر فئات المجتمع تأثّرًا بالتغيرات الاجتماعية والسياسية، فكلما انتقل الحكم إلى أحد الشاهات، كانت باكورة أعماله فرض قوانين جديدة لتقييد المرأة وإثبات سيطرته؛ فعانت النساء في الدولة الصفوية في ظل حكم غالبية الشاهات. وعُرف الشاه إسماعيل الأول بقسوته الشديدة وتديّنه، وألقت مرجعيته الصوفية بظلالها على النساء؛ فبتن محرومات من الخروج من بيوتهن إلّ للضرورة، وكُنّ هدفًا يستعرض الشاه من خلالهن قدراته وانتصاراته، ويأمر أتباعه بقتل النساء وبقر بطون الحوامل منهن عند هزيمة أعدائه وسقوط المدن، وطغى مقته النساء العاهرات في تبريز أن أمر بتقطيع ثلاثمئة امرأة نصفين في الميدان كي يكنّ عبرة لغيرهن35. عانت المرأة الأمرّين في عهد الشاه طهماسب على الرغم من انتشار دور الدعارة في أرجاء البلاد وإصدار القوانين بتسجيل العاهرات وإلزامهن بدفع الضرائب36. بيد أن الشاه ثاب لنفسه بعد منامٍ رآه، وقرر التديّن وتعزيز القيود على المرأة وتوثيقها في شكل سبعين مادة قانونية، أُطلق عليها قانون طهماسب. وفي هذه القوانين أُلزمت النساء، بمن فيهن العجائز وكبيرات السن، بعدم الخروج من المنزل إلّ للضرورة القصوى، ولم يُسمح لهن بالسير في الطرق العامة، بل مُنعت نساء الصفوة من ركوب الخيل والرماية بناء على نص القانون الثالث والستين37. واستمر مسلسل القمع وتكبيل النساء أكثر فأكثر في عهد الشاه صفي الأول، أو الشاه سليمان، كما أطلق على نفسه لاحقًا (حكم بين عامي 1629 و 1642) الذي فرض عليهن تغطية أنفسهن بالكامل في الأماكن العامة، وكان لعوبًا مولعًا بالنساء، وتملك يمينُه أكثر من ثلاثمئة امرأة من الحسناوات في حريمه. واعتاد إهداء الفتيات إلى الأمراء بعد أن يقضي معهن ليلة واحدة، وكأنهن سلعة يأخذ منهن مبتغاه ثم يُزوّجهن بالأمراء38. لم تسلم قريبات الشاه من ظُلمه؛ فهذه عمّته مريم بيگم، أرملة أحد الأعيان، تعلّق قلبُها بأحد قورچيان الشاه وكان يُدعى ساروتقي39، فأمر الشاه بقطع رأسه على الفور، واستدعى عمّته وأنّبها على تصرفها وأمرها بضبط سلوكها. بقيت العمّة حاقدة عليه، وبعد

  1. Leslie Peirce, The Imperial Harem: Women and Sovereignty in the Ottoman Empire (New York: Oxford University Press, 1993), Preface, Introduction.
  2. آزاد، ص 242.
  3. بابايان، ص 436؛ جملي كارري وجوواني فرانجسكو، سفرنامه كارري (رحلات كارري)، ترجمة عباس نخجواني وعبد العلي كارنگ (تبريز: اداره كل فرهنگ وهنر آذربايجان شرقي، 1348 ش)، ص 149.
  4. آزاد، ص 228.
  5. فرير، ص 466 - 467.
  6. مهناز شايسته فر ومحمد خزايى وشهين عبد الكريمي، "بررسى جايگاه اجتماعي زنان وكودكان در دورۂ شاه طهماسب صفوى (930 - 983 ق) براساس تطبيق نگاره هاى نُسخ شاهنامهۂ طهماسبى وهفت اورنگ جامى" ("دراسة الحالة الاجتماعية للمرأة والطفل في عهد الشاه طهماسب الصفوي (930 - 983 ه) بناء على تطبيق نسخ من صور شاهنامة طهماسب والهفت أورنك جامى")، زن در فرهنگ وهنر، مج 6، العدد 2 (1393 ش)، ص 189 - 190، شوهد في 28 / 2 / 2018، في: NWm 5 y 39 / ly. bit:// https
  7. Jahandideh & Khaefi, p. 139.
  8. قورچیان: كلمة تركية مُركبة من كلمة "قور" وتعني السلاح و"چی" أي دار، وهو المسؤول عن مخزن الأسلحة. وتشير إلى فرسان القبائل التركمان الذين كانوا لا يتحركون من دون أسلحتهم التي تشمل السهم والقوس والسيف والخنجر والمطرقة، وكأن الفارس منهم مخزن أسلحة متنقل. وهم ينتمون إلى قبائل القزلباش ذوي القلنسوات الحمر. ينظر: علي أكبر، لغت نامه دهخدا: شماره مسلس: 79 حرف ف (معجم دهخدا) (طهران: چاﭘخانه دانشگاه تهران، 1341 ش)، ص 516.

وفاته عبّت عن ذلك الحقد الدفين؛ فرجّحت ابنه حسين ميرزا ضعيف الشخصية والمختل نفسيًا ليخلفه على العرش بدلً من ابنه الآخر عياش ميرزا الذي تميز بالشجاعة والذكاء40. شهدت المرأة أصعب الفترات خلال حكم الشاه عباس الثاني (1642 - 1666) الذي كان قاسيًا جَلِفًا مختل النفس، تفنّن وتلذذ بتعذيب النساء وارتكاب أشنع الجرائم فيهن، مثل حرقهن أحياء، وأنشأ أفرانًا خاصة لحرق الناس. ففي أحد المواقع أمر الشاه ثلاثًا من محظياته بشرب الخمر، فأبين فعل ذلك على الرغم من تكرار الأمر؛ فأمر بإلقائهن في نار متوهّجة وإحراقهن أحياء41. لم يشهد وضع المرأة تحسنًا إلّ خلال حكم الشاه عباس الأول (1588 - 1629) الذي أمر بتخفيف القوانين لتتمتع النساء بشيء من الحرية، وسُمح للنساء من غير الطبقة العليا بحرية الحركة والتجول، إضافة إلى تخصيص ليلة لهن يتجولن فيها بحرية ومن دون وضع نقاب، وينعمن بمشاهدة الألعاب النارية والاحتفالات في الشوارع، وفي تلك الليلة يُمنع الرجال من التجول حتى تتمكن النساء من الاستمتاع من دون وجود عيون متربصة في الأجواء، وإذا شوهد أحدهم يختلس النظر يُقتَل مباشرة، وخُصص يوم الأربعاء من كل أسبوع للنساء ليُتاح لهن اللهو بحرية ومن دون وضع النقاب في حدائق چهارباغ وعلى جسر الثلاث والثلاثين فتحة في العاصمة أصفهان42. وعلى النقيض من وضع المرأة العام، تمتعت النساء في البلاط الصفوي بقدر من الحرية، وسُمح لهن بركوب الخيل والرماية والصيد43، وشاركت زوجات الشاه إسماعيل الأول في الحروب ضد العثمانيين مثل تاجلو بيگم وبهروزه خانم44. ومارست النساء أدوارًا مهمة في الحياة السياسية في فترة حكم الشاه طهماسب؛ فكانت تاجلو بيگم، والدة الشاه، السندَ والوصي في بداية حكمه، ثم باتت أخته شاهزاده سلطانم مستشارته الخاصة، وأخيرًا عيّ ابنته المفضلة ﭘري خان خانم في منصب مستشاره الأول والذراع اليمنى له45. وباتت الملكة الأم دلارام خانم، والدة الشاه صفي الأول، العقل المدبر والحاكم الفعلي للبلاد، ولا سيما أنها السبب باعتلائه عرش المملكة46. بطبيعة الحال، لم تشغل نساء دوائر الصفوة فضاءَ الحياة الاجتماعية في المجتمع الفارسي في عهد الدولة الصفوية؛ فالقطاع الأكبر كانت تمثله الريفيات اللاتي يعشن ضمن جماعات أو قبائل في القرى والمدن الصغرى، وعاشت زوجات الحرفيين والعاملين في النشاطات الصناعية بطريقة أكثر تنظيمًا ونمط حياة اختلف باختلاف أوضاعهن الاجتماعية، يضاف إليهن عددٌ لا يُستهان به من النساء المتزوجات بعقود زواج مؤقتة47. يليهن في نهاية السلم الاجتماعي الإماء والعبيد، فضلً عن فئة عاشت في قعر المجتمع، انتشرت في غالبية المدن، وهنّ العاهرات، ووفقًا لما يرويه فرير، "ناهز عدد العاهرات في أصفهان أربعين ألفًا"48.

  1. غلامرضا گلي زواره، "زنان وزمامداران صفوي"، ماهنامه پيام زن (النساء والحكام الصفويين)، مج 161، العدد 5 (1384 ش)، شوهد في 1 / 3 / 2018، في: https://bit.ly/ 2 t 78 YE 2
  2. ينظر: فرير، ص 472؛.Jahandideh & Khaefi, p. 138
  3. نصر الله فلسفي، زندگاني شاه عباس أول خصوصيات جسمي، روحي، أخلاقي وذوقي أو (حياة الشاه عباس الأول خصائصه الخِلقية والخُلقية والروحية والمعنوية)، ج 2، ط 4 (طهران: انتشارات دانشگاه تهران، 1347 ش)، ص 281 - 282؛.Jahandideh & Khaefi, p. 138
  4. ماريا زوب، "جواهر العجائب، السيدات المتعلمات، والأميرات السياسيات في مقاطعات إيران إبان الحكم الصفوي"، في: هامبلي (محرر)، ص 412، 416.
  5. مصطفى شرف، "دور نساء البلاط الصفوي في تاريخ الدولة الصفوية"، مجلة رسالة المشرق، مج 27، عدد خاص (2011)، ص 196؛ يد الله شكري (محرر)، عالم آراي صفوي (تاريخ عالم آرايالصفوي) (طهران: انتشارات بنياد فرهاد، 1363 ش)، ص  501 - 502.
  6. Manučehr Pārsādust, "PARIḴĀN ḴĀNOM," Encyclopedia Iranica , 20 / 7 / 2009 , accessed on 23 / 03 / 2018 , at: https://bit.ly/ 2 ZGWKhH
  7. فرير، ص 474 - 475.
  8. الزواج المؤقت (المتعة) عند الشيعة، هو زواج محدد بمدة معينة، وله شروط، وينبغي تسجيله أمام المحكمة حتى يتم الزواج، ويترتب عليه مجموعة من الحقوق والواجبات. ينظر: المرجع نفسه، ص 459.
  9. Fryer, p. 129 ; Ronald W. Ferrier, "History of Iran: Women in the Safavid Era," Iran Chamber Society , accessed on 23 / 04 / 2018 , at: https:// goo.gl/JkBGYR

رابعًا: نماذج لممرسة السلطة من نساء صفويات

ساهم التعليم في صقل قدرات النساء في البلاط الصفوي، حيث اكتسبن وسائل فكرية للتعامل مع المشكلات السياسية، وتمكنّ من ولوج عالم السياسة وممارسة السلطة، دفعهن إلى ذلك رغبتهن في المساهمة في النشاطات الاجتماعية من جهة، وصعود عدد من الحكام ضعاف الشخصية غير القادرين على إدارة شؤون المملكة من جهة أخرى. فشكّلت المرأة السياسية نموذجًا قويًا، وظهرت أميرات وزوجات صفويات كثيرات ممن كان لهن دورٌ سياسي وعسكري بارز49. وفي ما يلي نماذج منهن:

1. تاجلو بيگم

زوجة الشاه إسماعيل الصفوي، مؤسس الدولة، وهي أيضًا أم الشاه طهماسب. عُرف عنها قوة الشخصية والجلَد، وتمكّنت من اكتساب ثقة الشاه إسماعيل؛ فكان يستشيرها في الكثير من أمور الدولة، وشاركت إلى جانبه في ميدان الحرب، وقاتلت العثمانيين في معركة غالديران (في عام 1514)، وعند وقوعها في الأسر، تمكّنت ببراعة من تحرير نفسها والعودة إلى فارس50. وكان لها الفضل في تنصيب ولدها الشاه طهماسب على العرش على الرغم من صغر سنّه، فساندته وحافظت له على العرش في فترة كانت المملكة فيها لا تزال فتية وبنيتها ضعيفة ومحاطة بالأعداء والطامعين، إلى حين اشتد عوده وتمكّن من حكم الإمبراطورية؛ فكافأها بالحدّ من نفوذها ونفيِها إلى شيراز لتموت هناك وحيدة51.

2. شاهزاده سلطانم (مهين خانم)

الأخت الصغرى للشاه طهماسب، كان لها دور مهم في تسيير الشؤون السياسية في البلاد، نظرًا إلى ثقافتها العالية وقدراتها المميزة، كانت تتبادل الرسائل الرسمية مع السلطانة خُرم، زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني، لتعميق الروابط وتوثيق العلاقات وإرساء أواصر السلام بين الدولتين، وكان الشاه يستشيرها في الكثير من الأمور، ويعتمد على رأيها في شتى مناحي الدولة، السياسية والاقتصادية والتجارية. وكانت تسعى للخير وتوثيق عُرى الصداقة؛ فمثلً تمكّنت من إقناع الشاه الذي كان متردّدًا في تقديم يد العون إلى همايون بن ظهير الدين محمد بابر - نظرًا إلى مذهبه السُنّي - حين لجأ إليه، فرضخ الشاه لمساعي أخته، وخصوصًا بعد أن نقلت إليه الرباعية التي كتبها ظهير الدين، فقدّم إليه المساعدات اللازمة52. وبعد وفاة أخيها بهرام ميرزا، تكفّلت برعاية أبنائه الثلاثة، وتفرّغت

  1. زوب، ص 404 - 405.
  2. تورد المصادر العثمانية والدراسات الحديثة معطيات وتفصيلات أخرى، وهي أن السلطان سليم أمر بتسليم تاجلو بيگم لتاجيزادة جعفر باي، قاضي العسكر في الأناضول، ورفض إطلاق سراحها. قد تكون هذه النظرية صحيحة، لكن على الأغلب المشار إليها هنا هي بهروزة خانم، الزوجة الثانية للشاه إسماعيل، التي وقعت في الأسر وما عادت إلى فارس بعد المعركة. بيد أن هناك دلائل على صحة رواية عودة تاجلو بيگم؛ منها حملها بابنها الثاني من الشاه بهرام ميرزا بعد المعركة بثلاثة أعوام، كما أن مشاركتها في تنصيب الشاه طهماسب على العرش، وأعمالها الخيرية من منشآت وموقوفات حضارية ورعايتها المزارات المقدسة، وأخيرًا ترحيلها إلى شيراز ووفاتها هناك، كلها إشارات تؤكد صحة الرواية الأولى. ينظر: Roger M. Savory & Ahmet T. Karamustafa, "ESMĀʿĪL I ṢAFAWĪ," Encyclopaedia Iranica , 19 / 1 / 2012 , accessed on 23 / 03 / 2018 , at: https://goo. gl/vB 5 HyS
  3. گلي زواره Ibid.; 51
  4. عبد الحسين نوائي، منابع تاريخي وجغرافياي إيراني 36، شاه طهماسب صفوي: مجموعة اسناد ومكاتبات تاريخي همراه با ياد داشتهاي تفصلي (المصادر التاريخية والجغرافية لإيران 36، الشاه طهماسب الصفوي: مجموعة من الوثائق والرسائل التاريخية مع مذكرات تفصيلية) (طهران: انتشارات بنياد فرهنگ، 1350 ش)، ص 75 - 77؛ شرف، ص 196 - 197.

لهم ولم تتزوج، فلُقبت ب "سلطانم". توفيت في السنة الثالثة والأربعين من عمرها، فدفنت في قم قرب قبر السيدة معصومة، أخت علي الرضا، الإمام الثامن للشيعة53.

3. ﭘري خان خانم

هي الابنة الثانية للشاه طهماسب وحفيدة تاجلو بيگم، ورثت عن جدتها الذكاء والفطنة، وتمتّعت بالقدرة على استشراف الأمور السياسية؛ فباتت اليد اليمنى في مجلس والدها وكاتمة أسراره، على الرغم من وجود كبار الأعيان والأمراء، حيث كان يسعى لاستشارتها قبل اتخاذ أي قرار ومنحها الثقة والامتياز في انتقاء السفراء وإرسالهم54. كما أكسبتها رجاحة عقلها وغزارة علمها ثقة زعماء القزلباش الذين كانوا يلجؤون إليها لاستشارتها في مختلف أمور الدولة، ثقةً برأيها وحرصًا على اكتساب رضاها55. وفور وفاة والدها تعرّضت للسجن56 على يد أخيها حيدر ميرزا، الذي انتهز فرصة قربه من الشاه في أثناء مرضه ليُعلن نفسه وريثًا للعرش، نظرًا إلى خشيته من نفوذها وقدرتها على الاستئثار بحكم البلاد، فراوغته وتخلّصت منه بمكيدة بين ليلة وضحاها57. ومكّنها طموحها وكفاءتها العالية من إدارة شؤون الدولة بجدارة في الفترة الانتقالية بين حكم أخويها، إلى أن تسلّم أخوها إسماعيل ميرزا حكم البلاد58. فحاولت إرساء عُرف جديد تقتسم بموجبه النساء والرجال من السلالة الحاكمة العرش إلى أن يعتاد المجتمع تدريجيًا وجود امرأة في الحكم59. لكن قطع أخوها الشاه إسماعيل الذي لم يرقه تدخّلها في أمور الدولة هذا المنحى؛ إذ كان ضدّ تدخّل المرأة في الحكم ويعتقد بعدم أهليتها، فأمر بإقصائها عن دائرة الحكم والنفوذ وعمل على تجريدها من مخصصاتها المالية ومصادرة ممتلكاتها ومعاقبة من يلجأ إلى مشورتها من الأمراء وكبار رجال الدولة، فلم تجد مناصًا سوى التآمر ضد أخيها ونجحت في القضاء عليه، لتعود إلى مسرح الأحداث السياسية وتُسيطر على مقاليد الأمور بكل براعة وتحافظ على العرش وعلى خزائن الدولة. تورد المصادر أن بعضًا من كبار أعيان القبائل طلب منها تولّ الحكم والجلوس على العرش، لكنها رفضت بحجة وجود أخيها الأكبر محمد خدابنده (حكم بين عامي 1578 و 1587) وأحقيته في الحكم60. وأدركت، بفطنتها، أن توليها العرش قد يتسبب في إثارة موجة من الاعتراضات، فاعتقدت أن الحل الأمثل هو استدعاء الأمير خدابنده الذي يعاني ضعفًا شديدًا في بصره، إضافة إلى شخصيته الضعيفة، وبذلك ستتمكن من الحكم من خلف عباءته. بيد أن القدر لم يُمهلها؛ إذ حاكت زوجة أخيها (مهد عليا) الطامعة هي أيضًا في كرسي العرش، مؤامرة للتخلّص منها والاستفراد بالسلطة61. بصرف النظر عن صراعها مع إخوتها الحكام، برهنت ﭘري خان خانم

  1. نوائي، ص 75 - 77.
  2. Nazak Birjandifar, "Royal Women and Political in Safavid Iran," Master Thesis, McGill University, Montreal, 2015 , pp. 51 , 102 - 106 , accessed on 28 / 2 / 2018 , at: https://goo.gl/AAULZ 3
  3. گلي زواره.
  4. كانت ﭘري خان خانم تقيم في قصر خاص خارج منطقة الحريم، وتملك حرسًا وجواريَ تابعين لها، وكانت هذه ظاهرة نادرة وخارجة عن المألوف في ذلك السياق الزمني، وتدل على مدى الثقة التي تمتعت بها الأميرة ليتركها والدها الشاه تعيش في منطقة أخرى غير الحريم. ينظر: بابايان، ص 426 - 427.
  5. Birjandifar, pp. 61 - 63.
  6. إسماعيل ميرزا، كان سجينًا في قلعة قهقهة أكثر من ثمانية عشر عامًا، بناء على أوامر الشاه، نظرًا إلى سلوكه، لحمايته أولً، وكف يده عن تهييج الناس وتجميع الجيوش لمحاربة العثمانيين ثانيًا. بقي في القلعة إلى أن بلغه أمر اتفاق قبائل القزلباش على اختياره حاكمًا فعليًا على البلاد. ينظر: جوزافا باربارو، سفرنامه هاى ونيزيان در إيران (رحلات البنادقة في إيران)، ترجمةمنوچهر اميرى (طهران: شركت سهامي انتشارات خوارزمي، 1381 ش)، ص 464؛ ينظر أيضًا: Shohreh Gholsorkhi, "Pari Khan Khanum: A Masterful Safavid Princess," International Society of Iranian Studies , vol. 28 , no. 3 - 4 (1995), pp. 149 - 150 , accessed on 31 / 3 / 2018 , at: https://bit.ly/ 2 QxFsz 0
  7. بابايان، ص 433.
  8. Birjandifar, pp. 64 - 69 , 102 - 106.
  9. Gholsorkhi, p. 148.

عن مهارتها في المجال السياسي وقدرتها على اكتساب ثقة زعماء القزلباش وحكم البلاد، ونجحت في المحافظة على العرش في لحظات انتقال السلطة بسلاسة؛ فكانت حلقة الوصل بين سلسلة من الحكام من دون أن تتأثر الإمبراطورية أو يُصيبها الوهن، لتؤكد بتجربتها وذكائها قوة حضور المرأة في المشهد السياسي.

4. مهد عليا (خير النسا بيگم)

هي زوجة الشاه خدابنده، وابنة أحد الحكام الكبار في مازندران. تمكّنت من الهيمنة على مقاليد الأمور في الدولة الصفوية، بعد أن حاكت مؤامرة للتخلّص من منافستها ﭘري خان خانم، ابنة الشاه طهماسب وأخت الشاه خدابنده، وعمدت إلى التخلص من جميع مخالفي حكمها في البلاط. كان زوجها الشاه خدابنده ضعيفًا وغير جدير بتولّ مسؤوليات الحكم؛ فانتهزت مهد عليا الفرصة لمد نفوذها والتدخل في الحكم باسمه، وبرعت في ضبط الشؤون الداخلية والخارجية في البلاد، وباتت تتدخل في الأمور العسكرية وإعطاء الأوامر في أثناء المعارك، من دون الالتفات إلى رأي الأعوان أو مشورتهم، فكانت عنيدة متصلبة الرأي، أثارت جدلً واسعًا بين زعماء قبائل القزلباش في البلاط الصفوي؛ إذ لم يتقبلوا تدخّلها المفرط في إدارة الدولة، فلجؤوا إلى الشاه خدابنده للتدخّل وحل الإشكال والوقوف في وجه زوجته وطموحها اللامحدود وإقصائها في محاولة لإرجاعها إلى عالم الحريم62. لم يقبل الشاه هذا العرض، ووصل الأمر إلى مهد عليا التي استشاطت غضبًا وأرسلت إليهم، مُحذّرة إياهم ومُهدّدة الجميع بأبنائها الأربعة الذين سينتقمون لها شر انتقام إن تعرّضت لأي مكروه. حسم الزعماء أمرهم واجتمعت القبائل على سيف واحد، وجرى اغتيالها والتخلص منها بعد أن حكمت مدة سنة ونصف، حافظت خلالها على الدولة وبُناها من طمع زعماء القبائل في ظل حكم حاكم عليل63. وهذه حالة أخرى تبرز قدرة المرأة الصفوية على حكم البلاد بجدارة والتخلّص من قيد التقليد الذي يعرقل تقدّمها ويحكم عليها بالإقامة في الفضاء الخاص (الحريم)، وأهدت مهد عليا الإمبراطورية أحد أشهر شاهاتها، الشاه عباس الكبير الذي ورث ذكاء أمه السياسي ونفّذ وعيدها؛ فانتقم لمقتلها، وشهدت البلاد نسائم التحديث في ظل حكمه، فكان أعظم شاهات الأسرة الصفوية.

5. زينب بيگم

ابنة الشاه طهماسب من زوجته حوري خان خانم، زُوّجت بأمر الشاه إسماعيل الثاني (حكم بين عامي 1576 و 1577) بعلي قلي خان شاملو، لكنها بقيت في البلاط الصفوي ولم تنتقل إلى هرات، نظرًا إلى سوء الأوضاع فيها، وانتفت هذه الزيجة بوفاة الزوج64. كانت زينب ذات شخصية قوية، وحازت ثقة أخيها الشاه خدابنده؛ فكان يستشيرها في غالبية شؤون الدولة، وأطلق يدها في الحريم، وشاركت في مجالس الشورى لإدارة شؤون الدولة أو تجهيز الجيش66. تولت تربية ابن أخيها الشاه عباس الأول ورعايته منذ نعومة أظافره؛ فكانت الآمر الناهي والقائد الحقيقي في المعارك العسكرية ضد الدولة العثمانية. ونتيجة قوة نفوذها وعظيم سلطتها في إدارة البلاد؛ قرر الشاه الحدّ من ذلك النفوذ، فأمر بإخراجها من أصفهان

  1. طقوش، ص 115 - 117.
  2. آزاد، ص 251؛ ينظر أيضًا: Colin Mitchell, The Practice of Politics in Safavid Iran: Power, Religion and Rhetoric (London/ New York: Tauris Academic Studies, 2009), p. 162.
  3. كان الصفويون يزوجون بناتهم إما من القزلباش وإما يحتفظون بهن في العائلة، ولم يكن يُسمح للأميرات بالزواج بأبناء عمومتهن أو أخوالهن، لإغلاق أي قناة يمكن أن توصل إلى تركيز الدماء الملكية في فرع أبوي واحد. ينظر: بابايان، ص 436 (الهامش.) 65 گلي زواره.

وإرسالها إلى قزوين67. وبعد فترة قصيرة، تمّ الصلح بينهما، وعادت زينب إلى تعبئة دورها بصفتها مستشارة للشاه. وفي عام 1015 ه/ 1606 م، كان الشاه عباس متردّدًا في إرسال الجيش لقتال العثمانيين، نظرًا إلى قلة العدد والعُدد، مقارنة بالجيش العثماني، لكن زينب بيگم نصحته بعدم التردّد وإرسال الجيش الذي تمكّن من الانتصار على الجيش العثماني، فزادت ثقة الشاه والجيش برأيها؛ وهكذا باتت المستشار الرسمي للدولة في الشؤون كلها. وكانت تحضر مجالس استقبال السفراء واستلام الهدايا68. ورد في مذكرات دون گارسيا، السفير الإسباني في إيران في عام 1028 ه/ 1619 م، أن من عجائب الأمور التي شاهدها في مجلس الشاه عباس الأول هو حضور امرأة شابة بين أعضاء المجلس، كانت مرتدية "الچادر" (رداء فضفاض يُغطي كامل الجسم) وتضع النقاب الأبيض، كعادة النساء في فارس، غير أنها كانت مكشوفة الوجه، اتّسمت بالوقار والاحترام، وكانت تتمعّن في هدايا السفير للشاه، تحيط بها مجموعة من العسكر التابعين لها. هذه السيدة هي زينب بيگم، عمة الشاه عباس التي كان يثق برأيها ويستشيرها في جلّ أمور المملكة، حتى العسكرية منها69. ويعدّ ظهور النساء والمشاركة في مجالس الرجال من الظواهر النادرة التي اختص بها البلاط الصفوي. وفي عام 1029 ه/ 1620 م، تعرّض الشاه لوعكة صحية أقعدته في الفراش؛ فهاج زعماء قبائل القزلباش واختلفوا في ما بينهم، فأشارت زينب بيگم على الشاه بالخروج عليهم لمنع وقوع حرب بين القبائل، فتمالك الشاه نفسه وخرج على الملأ؛ فكان لهذا التصرف سحر "المرهم" على الجميع، فسكنت القلوب برؤيته وانتهت الأزمة70. استمرت زينب بيكَم بممارسة نفوذها حتى وفاة الشاه عباس الأول في عام 1038 ه/ 1629 م، وفي عهد الشاه صفي الدين، أمر بطردها من البلاط الصفوي وحدّ من نفوذها، فبقيت آخر عشرة أعوام من عمرها تعيش في عزلة، بعيدًا عن الأضواء إلى أن وافتها المنيّة. اهتمت زينب بيگم بأعمال الخير؛ فخلّفت الكثير من الآثار والإنجازات المتمثلة في إصلاح المباني ورصف الطرق، وخصصت جزءًا من أموالها لإقامة المدارس وأماكن الضيافة71. تؤكد هذه النماذج الدور الفاعل الذي اضطلعت به نساء الأسرة الصفوية، ونجاحهن في المحافظة على بنيان الدولة في فترات حرجة؛ إذ تمكنّ من تيسير الانتقال من حاكم إلى حاكم، إما لصغر سن الحاكم أو لإصابته بعلّة تمنعه من الحكم، أو لغيابه عن البلاط الإمبراطوري، فنجحن في تمييز أنفسهن باستخدام قوة شخصيتهن والسلطة التي يملكنها في فارس في القرن الأول من الحكم الصفوي، فبرزن فاعلً سياسيًا في المجتمع، على الرغم من القيود المفروضة عليهن. وإن كان نموذج المرأة القوية قد تمثّل في شخصية السلطانة الأم التي كانت تسعى لضمان وصول ابنها إلى كرسي العرش في الإمبراطورية العثمانية، فبإمعان النظر نجد أن النساء الصفويات تألّقن وأدّين أدوارًا جوهرية في المحافظة على استقرار أركان الإمبراطورية، ولم تكن ممارسة السلطة حكرًا على الزوجة أو الملكة الأم فحسب، بل أدّت الأخت والابنة، فضلً عن العمة والجدة، أدوارًا محوريةً في تغيير سياسات المملكة. واتّسم البلاط الصفوي بولوج نساء من أصول ملكية عالم السياسة، وفي المقابل، كان أبرز اللاتي ولجن عالم السياسية في البلاط العثماني من أصول غير ملكية. ولم يقتصر دور الحريم الصفوي على إدارة شؤون الحريم وتبادل الرسائل وممارسة

  1. پیترو دلاواله، سفرنامه پیترو دلاواله: قسمت مربوط به إيران (رحلات بيترو ديلافالي: القسم المتعلق بإيران)، ترجمة شعاع الدين شفا (طهران: شركت انتشارات علمي وفرهنگي، 1370 ش)، ص 364.
  2. فيگوئروا، ص 271.
  3. المرجع نفسه.
  4. گلي زواره؛ فلسفي، ص 281.
  5. شرف، ص 197 - 198.

السلطة من خلف الستار؛ إذ فاقت المرأة الصفوية نظيرتها العثمانية بمشاركتها في مجالس الشورى وميدان القتال ومحاربة الأعداء إلى جانب الشاه. وعلى الرغم من هذا الوضع، فإن الخصوصيات المرتبطة بكل حالة، قد تجعل الوصول إلى تعميمات عن الصيرورة التاريخية أمرًا متعذَّرًا لا ينطبق على النماذج كلها، بيد أنه ينفي النظرة التقليدية القائمة على المُسلَّمات.

خامسًا: الدور لاجتمعي للنساء يف البلاط الصفوي

من أهم الأدوار الاجتماعية التي فُرضت على نساء البلاط الصفوي هو تقديمهن بوصفهن هدايا ملكية إلى حكام البلدان الأخرى، مثل الآق قوينلو، أو إلى الأمراء، مثل زواج خير النساء بيگم، ابنة إسماعيل الصفوي، بالأمير حسام الدين، حاكم فومن ورشت، وزواج شاهزاده بيگم، ابنة الشاه عباس الكبير، بميرزا محسن رضوي، حاكم مشهد، أو إلى كبار الأعيان المحليين أو رجال الدين، مثل زواج ملك نسا بيگم، الابنة السادسة للشاه عباس، بميرزا جلال شهرستاني مسؤول العتبات الرضوية، في إطار ما يُعرف بالزواج السياسي (أي اعتبارهن أدوات سياسية)، وخصوصًا في بداية نشأة الدولة الصفوية، وذلك لتقوية الروابط أو لتأمين الدولة من خطر أحد الحكام، أو كونه بندًا ضمن إحدى المعاهدات أو العقود، أو للاقتراب من السكان المحليين وكسب ثقتهم ودعمهم، مثل زواج خانش بيگم، ابنة الشاه إسماعيل الأول وأخت الشاه طهماسب، بالشاه نعمت الله يزدي72. ولم يكن للمرأة الحق في إبداء رأيها في اختيار الزوج أو الحق في تقرير مصيرها، فهي طوع أمر الشاه. وكان على النساء اللاتي يخرجن من البلاط الصفوي القسم بكتمان أسرار الحريم وكل ما يتعلق بالعلاقات بالشاه73. اختلف طول الفترة الزمنية في تفعيل نظام المصاهرة بين الوعد أو عقد الزواج، وانتقال العروس إلى بيت زوجها باختلاف الحاجة، حيث يُعزّز التحالفات السياسية لتوطيد السلطة ودعمها شرعيًا؛ فدخول الأمر حيّز التنفيذ كان يتم حينًا فور الاتفاق، ويتأخر حينًا آخر، أو لا يتم تنفيذه مطلقًا، مثل زواج ﭘري خان خانم بابن عمها بديع الزمان الذي لم يدخل حيّز التنفيذ74. وفي أحيان كثيرة كانت هذه الزيجات تنتهي بنشوب النزاعات وتداخل مصالح الطرفين؛ فكانت النساء ضحية هذه الخلافات، كما حدث مع عمة الشاه عباس الأول، مريم سلطان بيگم، التي كانت متزوجة بالأمير خان أحمد حاكم گيلان الذي قُتل في أعقاب التمرد ضد الشاه عباس75. على الرغم من خروج النساء من البلاط الصفوي، فإن ولاءهن كان مستمرًا للشاه، وكُنّ بمنزلة عميلات سرّيات له في البلاطات الأخرى، يمددنه بالأخبار فور اندلاع بوادر للتمرد ضدّه، أو فور إحساسهن بأي خطر يُحدق بالبلاد أو بمصلحة الشاه؛ ففي عهد الشاه عباس الأول كانت ابنة الأمير إسماعيل، شقيق الشاه عباس، متزوجة بالشاه وردي خان، حاكم اللوريستان، الذي ثار وتمرّد ضد الشاه ولم ينصت لتوصيات زوجته، بل عنّفها وضربها، فأخبرت على الفور، وفي سرية تامة، عمها بخطّة زوجها، فتمكّن الشاه من تدارك الأمر والقضاء على هذا التمرد76.

  1. فاطمة دانش، "خانش بیگم، بانوی شیعه در یزد (پیوند از تصوف تا سلطنت)" ("خانش بيكم، سيدة شيعية في يزد (اتحاد من الصوفية إلى الملكية")، راسخون، 30 / 9 / 2018، شوهد في 19 / 12 / 2019، في: F 5 dpfR 3 / ly. bit:// https
  2. کمپفر، ص 227.
  3. Birjandifar, p. 28.
  4. E. Ross, & Eileen Power, Don Juan of Persia AShi'ah Catholic, 1560 - 1604 , G. La Strange (trans.) (New York/ London: Harper & Brothers, 1568), pp. 214 - 215.
  5. Ibid., p. 216.

سادسًا: مساهمت النساء يف الشأن الحضري والأعمل الخيرية

مقارنة بالفترات السابقة عليه، أنصف الدين الإسلامي المرأة، فحازت حقها في الميراث أُسوة بإخوتها الرجال، وعلى الرغم من أنها ترث نصف ما يرثه الذكر، فإنها تمتّعت بالسلطة التامة على نصيبها من الميراث، إضافة إلى ما فُرض على الزوج باعتباره حقًا للزوجة من مهر ونفقة، فضلً عن المخصصات المالية للنساء في الحريم. وفي هذا السياق، باتت نساء البلاط الصفوي ينعَمن بدرجة كبيرة من الاستقلالية المادية، وبذلك انخرطت المرأة الصفوية في النشاطات الاقتصادية المنوّعة، رغبة منها في المساهمة في ازدهار الحضارة الصفوية؛ فعمدت إلى رعاية الفن والهندسة المعمارية، وتجلّ هذا الاهتمام بتخصيص جزء من ثروتها في سبيل الخير ووقف الكثير من الأبنية. وكان لإعلان المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا للبلاد انعكاسه على النساء، حيث أدَّين دورًا جوهريًا في المحافظة على المعتقدات الشيعية، وسارعن إلى التباري في إقامة المدارس الدينية والإنفاق على العتبات المقدسة؛ فحظيت الأضرحة في المدن الدينية قم وأردبيل، حيث ضريح الشيخ صفي الدين، بتمويل زاخر؛ إذ بلغ مجموع الأوقاف المخصصة لهذا الضريح أكثر من 20 في المئة من أوقاف النساء77. ويكشف لنا الدور الذي قامت به النساء عن مدى وعيهن وحرصهن على تأسيس مؤسسات الأوقاف وإقامة المشروعات الخيرية في الوقت الذي كان بعض الحكام لاهين عن إدارة أمور الدولة وغارقين في الملذات الحسية78. وفي واقع الأمر، وعلى الرغم من طغيان عُرف احتجاب النساء (پشت پرده) في المجتمع الفارسي والموروثات الاجتماعية تجاه النساء باعتبارهن شرف الرجال، فإنهن استطعن أن ينفَذن عبر ما كان يوحي ظاهره بأنه حدود واضحة بين العام والخاص، وتمكنّ من موضعة أنفسهن داخل هذه الأطر الثقافية، ولم تنحصر هذه المشاركات في طبقة الصفوة من النساء، بل اتّسعت لتشمل النساء من الطبقات الأخرى. لا يتّسع المجال هنا للتعرض بالتفصيل لمساهمات النساء الحضارية، بيد أنه لا بد من سرد بعض النماذج؛ فكما عُرفت السلطانة خُرم زوجة السلطان سليمان القانوني بخدمة المجتمع وتوظيف أموالها الخاصة لبناء الوقفيات الخيرية مثل "مجمع خاصكي" والأسبلة والقنوات79، عُرفت في المقابل تاجلو بيگم، زوجة الشاه إسماعيل الأول، باهتمامها أيضًا بالخير وتخصيص الكثير من الموارد المالية لإنشاء المزارع والحدائق والقرى، وتعهّدت بإعادة بناء قبة ضريح حضرة السيدة فاطمة المعصومة أخت الإمام الثامن للشيعة الإمام الرضا في مدينة قم، إضافة إلى توظيف جزء من ثروتها لبناء جسر "دختر" على نهر قزل أوزون وترميمه، وإعمار بناية "گنبد عالي"، حيث ضريح الشيخ صفي الدين، المعروفة ب "جنت سرا"80. اهتمت دلارام خانم، والدة الشاه صفي الدين وجدّة الشاه عباس الثاني، بالتخطيط المدني؛ فوظّفت جزءًا كبيرًا من أموالها للاستثمار في الأبنية المعمارية، في العاصمة الجديدة للدولة الصفوية أصفهان التي أسسها الشاه عباس الأول، لتنال النصيب الأكبر في المشروعات الخيرية، فأنشأت نُزلين، ويُعدّ نزل الجدة الكبيرة من أروع مشروعاتها وأكبرها، وعلامة فارقة في المدينة وعنصرَ جذب للتجار81. كما

  1. Birjandifar, pp. 37 - 39.
  2. هامبلي، "تبديات المرأة المسلمة"، ص 24.
  3. جان ألبجونج، السلطانتان خرم ومهرماه: قرينة القانوني وسليلته، ترجمة وليد عبد الله القط (القاهرة: دار النيل، 2014)، ص  20 - 21.
  4. Kishwar Rizvi, The Safavid Dynastic Shrine: Architecture, Religion and Power in Early Modern Iran (London: British Institute of Persian Studies, 2011), p. 72 ; Newman, p. 23 , 36.
  5. ستيفن بليك، "إسهامات المرأة في المشهد الحضري: البناة من النساء في أصفهان الصفوية، وشاه جهان آباد المغولية"، في: هامبلي (محرر)، ص 469 - 499.

اهتمت ببناء المدارس الدينية التي ما زالت قائمة في أصفهان إلى اليوم، وحرصت على وقف المباني ضمانًا لاستمراريتها82. ومما لا شك فيه أن الدخل السنوي المخصص للجدة كان العامل الرئيس الذي مكّنها من بناء تلك المباني ورعايتها. وفي المقابل، اهتمت السلطانة كوسم، زوجة السلطان العثماني أحمد الأول (حكم بين عامي 1603 و 1617)، بإنشاء الخانات والمساجد ومدرسة الوالدة. وعُرفت كلتاهما بنفوذهما القوي في البلاطين الصفوي والعثماني ونجاحهما في تشكيل دولة ظل تحكم فيها من خلف الستار وبالتحالف مع الصدور العظام.

خاتمة

صفوة القول إن مسيرة المرأة في العصر الصفوي شهدت الكثير من التناقضات، والمثير للاهتمام كيف تأثرت الأسرة الصفوية في القرن السادس عشر بالتصور المغولي التركماني؛ وذلك نتيجة انتهاج سياسة الزواج التي اتّبعها شيوخ وشاهات الدولة الصفوية للحصول على دعم قبائل القزلباش وتوثيق أواصر العلاقات وكسب ولائهم، فامتزجت الأعراف والتقاليد التركمانية مع المواقف والممارسات الفارسية لتخرج لنا بتوليفة فريدة من نوعها، انعكست على مسيرة الدولة الصفوية، فظهرت في صورة صراع الأبناء بشأن وراثة العرش، وفي الدور الذي قامت به النساء في البلاط الصفوي، وعزّزت الرؤية السياسية للمرأة في المجتمع الصفوي، وأثراه الاعتقاد بأن الله منح جميع أفراد الأسرة الصفوية القدرة على القيادة، من هنا كان الاهتمام بتعليم المرأة منذ نعومة أظافرها وتهيئتها للمشاركة السياسية، حالها حال الرجل، لتنحصر السلطة في السلالة الملكية. وفي الواقع مارست نساء الأسرة الصفوية السلطة على نحو مباشر في البلاط الإمبراطوري حين تهيأت لهنّ الظروف، أو غير مباشر بوصفهن أداة سياسية في بلاطات أخرى انتقلن إليها بحكم الزواج، أو بصفتهن أمهات السلالة الملكية. مع حلول القرن السابع عشر، بدأ الاتجاه إلى تغيير هذا التقليد وحجب الأميرات، أُسوة بالأمراء حتى لا يطالبن بسدّة الحكم. واللافت هو تراجع ظهور المرأة بصفتها فاعلً سياسيًا في مجرى الأحداث التي تزامنت مع بداية ضعف الدولة واتجاهها نحو السقوط، بعكس ما افترضته الرؤية التقليدية من اقتران تدخل النساء في الحكم بتردي حال الدولة وانحدارها. إلى جانب ذلك، ألقى انتشار التشيع ظلاله على مسيرة المرأة في فارس وحدّ من نشاطاتها، وحصرها في فضاءات معيّنة وقيّدها بقوانين فُرضت عليها باسم الدين، لكنها، على الرغم من تلك الأغلال، نجحت في فرض شخصيتها واستطاعت أن تجد لنفسها مساحات تنفذ من خلالها إلى معترك الحياة الفكرية، ومن ثم المجال السياسي والاجتماعي والميادين كلها التي كانت حكرًا على الرجال في فارس. أخيرًا، وفّرت ندرة المعطيات عن المرأة الصفوية في كتابات المؤرخين الذكور المعاصرين لها، والغموض الذي كان يحوم حول مؤسسة الحريم، بيئة خصبة وديمومة لخيالات الرحالة المستشرقين مثل تاورنية وفراير ومينورسكي وغيوم أنطوان أوليفييه Antoine - G Olivier وغيرهم. وتعرّضت المرأة الصفوية لإجحاف كبير تجلّ في اتهامها بالمسؤولية عن انحطاط الأسرة الصفوية وانهيارها في نهاية الأمر، متغاضين عن الدور الحضاري والفكري والسياسي والاجتماعي الذي قامت به، وسعيها الحثيث للمحافظة على المملكة التي ورثتها، حالها حال الرجال.

  1. أكرم أرجح، "موقوفات زنان در دوره صفوی وعثماني" ("أوقاف النساء في العهدين الصفوي والعثماني")، فصلنامة تاريخ روابط خارجي، العددان 52 و 53 (1391 ش)، ص 4 - 5.
  2. Peirce, p. 252.

إن مسيرة المرأة ومشاركتها السياسية لا بد من عرضها بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، من دون التركيز على الجانب المظلم والتنصّل من الجوانب المشرقة. فصعود عدد من الحكام ضعاف الشخصية وغير المؤهلين لإدارة شؤون البلاد، نتيجة قواعد واهية وتضافر عوامل تمخّضت عنها ظرفية حكمت بحبس الأمراء في منطقة الحريم، لا يبرر هيمنة آراء تقليدية تستخدم المفارقات التاريخية وتستحضر الدين ذريعة في محاولة لإثبات عدم صلاحية حكم المرأة والخروج بتعميمات تجعلها عاملً رئيسًا في انهيار الدول. قد لا ينطبق ذلك على جلّ الحالات، حيث برزت نماذج مضيئة وقوية تفوّقت على الحكام الضعاف وتمكّنت من إدارة أمور العباد بذكاء وفطنة، لكن مآلها كان القتل بطريقة عنيفة أو النفي أو النسيان في إثر حدوث التغييرات في مناخ السياسات في البلاط الإمبراطوري. ويدعونا ذلك كله إلى إعادة النظر وتحرير فكرنا من تلك القوالب التقليدية. وفي ضوء ما ذُكر، قد تشكل الدراسة تحديًا يؤدي إلى المزيد من البحث والتقصي في أعماق المصادر لاستنطاقها، إما لتأكيد وإما لنفي تلك المفارقة الجوهرية والصورة النمطية لحكم النساء أو تغييرها، وفتح نافذة جديدة على رؤية مغايرة تُبيّ أيضًا دورهن في المحافظة على بنية الدولة ومؤسساتها ومساهمتهن في استمرارية الإمبراطورية.

المراجع

العربية

سامي الدهان. ج 3. دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1968.

سعيد عاشور. ج 5. القاهرة: مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، 1957.

حلمي وإبراهيم أمين الشواربي ومحمد علاء الدين منصور. ج 4. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005.

https:// bit. ly / 39 ddQYP

(1979:). في 8 oVO 9 L 2 / ly. bit:// https والنشر، 2013.

https:// bit. ly / 2 uhVdjv

العدد 2 (2007:). في Syxubx 2 / ly. bit:// https مخلوف، ماجدة. الحريم في القصر العثماني. القاهرة: دار الآفاق العربية، 1998.

الحصاد للنشر والتوزيع، [د. ت.].

والنشر، 2014.

ابن العديم، كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله. زبدة الحلب من تاريخ حلب. عُني بنشره وتحقيقه ووضع فهارسه ابن واصل، جمال الدين محمد بن سالم. مُفرّج الكروب في أخبار بني أيوب. تحقيق جمال الدين الشيّال وحسنين ربيع. مراجعة ألبجونج، جان. السلطانتان خرم ومهرماه قرينة القانوني وسليلته. ترجمة وليد عبد الله القط. القاهرة: دار النيل، 2014.

براون، إدوارد جرانفيل. تاريخ الأدب في إيران من بداية الحكم الصفوي حتى نهاية الحكمالقاجاري. ترجمة أحمد كمال الدين بن نوار، بهاء. "الرحلات الاستشراقية وصورة الذات العربية: قراءة في صورة الحريم". مجلة رؤى فكرية. العدد 2 (2015). في: الجواهري، عماد. "الحريم السلطاني ودوره في الحياة العامة من تاريخ الدولة العثمانية". مجلة العلوم الاجتماعية. مج 7، العدد 2 حسن، سوالف. دور الجواري والقهرمانات في دار الخلافة العباسية، 132 - 656 ه/ 749 - 1258 م. دمشق: صفحات للدراسات شرف، مصطفى. "دور نساء البلاط الصفوي في تاريخ الدولة الصفوية"، مجلة رسالة المشرق. مج 27. عدد خاص (2011). في: طقوش، محمد سهيل. تاريخ الدولة الصفوية (في إيران)، 907 - 1148 ه/ 1501 - 1736 م. بيروت: دار النفائس، 2009.

عثمان، عمرو. "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء". أسطور. العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2015). علّوي، نسيبة. "دور آل كوبرلو في إصلاح أوضاع الدولة العثمانية، 1656 - 1702 م". مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية. مج 6، المرنيسي، فاطمة. السلطانات المنسيات نساء رئيسات دولة في الإسلام. ترجمة جميل معلى وعبد الهادي عباس. دمشق، دار هامبلي، غافن (محرر). المرأة في العصور الوسطى الإسلامية. ترجمة أحلام عثمان [وآخرون]. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث

الفارسية

آزاد، حسن. گوشه هاى از تاريخ اجتماعي إيران: پشت پرده هاي حرمسرا (زوايا من التاريخ الاجتماعي لإيران: خفايا الحريم). أرومية: انتشارات انزلى، 1357 ش.

أرجح، أكرم. "موقوفات زنان در دوره صفوی وعثماني" ("أوقاف النساء في العهدين الصفوي والعثماني"). فصلنامة تاريخ روابط خارجي. العددان 52 و 53 (1391 ش).

باربارو، جوزافا. سفرنامه هاى ونيزيان در إيران (رحلات البنادقة في إيران). ترجمة منوچهر اميرى. طهران: شركت سهامي انتشارات خوارزمي، 1381 ش.

تاورنیه، ژان باتیست. سفرنامهء تاورنيه (رحلات تافرنييه). ترجمة حميد شيراني. [د. م.]: انتشارات نيلوفر، 1383 ش.

دانش، فاطمة. "خانش بیگم، بانوی شیعه در یزد (پیوند از تصوف تا سلطنت)" ("خانش بيكم، سيدة شيعية في يزد (اتحاد من الصوفية إلى الملكية)"). راسخون. 30 / 9 / 2018:. في F 5 dpfR 3 / ly. bit:// https

دلاواله، پیترو. سفرنامه پیترو دلاواله: قسمت مربوط به إیران (رحلات بيترو ديلافالي: القسم المتعلق بإيران). ترجمة شعاع الدين شفا. طهران: شركت انتشارات علمي وفرهنگي، 1370 ش.

روملو، حسن بيك. أحسن التواريخ (أحسن التواريخ). عبد الحسين نوائي (محقق). طهران: انتشارات بابك، 1357 ش.

سانسون، مارتن. سفرنامه سانسون (رحلات سانسون). ترجمة نقي تفضلي. طهران: كتابفروشي ابن سينا، 1346 ش.

شايسته فر، مهناز ومحمد خزايى وشهين عبد الكريمي. "بررسى جايگاه اجتماعي زنان وكودكان در دورۂ شاه طهماسب صفوى (930 - 983 ق) بر اساس تطبيق نگاره هاى نُسخ شاهنامهۂ طهماسبى وهفت اورنگ جامى" ("دراسة الحالة الاجتماعية للمرأة والطفل في عهد الشاه طهماسب الصفوي (930 - 983 ه) بناء على تطبيق نسخ من صور شاهنامة طهماسب والهفت أورنك جامى.)" زن در فرهنگ وهنر. المجلد 6. العدد 2 (1393 ش). في: NWm 5 y 39 / ly. bit:// https

شكري، يد الله (محرر). عالم آراي صفوي (تاريخ عالم آراي الصفوي). طهران: انتشارات بنياد فرهاد، 1363 ش.

شيفاليير، شاردن. سياحتنامه شاردن سازمان نظامي وسياسي ومدني إيران (رحلات شاردن المجتمع المدني والسياسي في إيران). ترجمةمحمد عباسي. ج 8. طهران: مؤسسة چاپ وانتشارات أمير كبير، 1966.

فلسفي، نصر الله. زندگاني شاه عباس أول خصوصيات جسمي، روحي، أخلاقي وذوقي أو (حياة الشاه عباس الأول خصائصه الخِلقية والخُلقية والروحية والمعنوية). ج 2. ط  4. طهران: انتشارات دانشگاه تهران، 1347 ش.

فيگوئروا، دن گارسيا. سفرنامه دن گارسيا فيگوئروا (رحلات داسيلفو فيغويرا). ترجمة غلامرضا سميعي. طهران: نشرنو، 1363 ش.

کمپفر، انگلبرت. سفرنامهء کمپفر (رحلات كمبفر). ترجمة كيكاووس جهاندارى. ط 3. طهران: شركة سهامى انتشارات خوارزمى، 1363 ش.

وهنر آذربايجان شرقي، 1348 ش.

ف:ي 2 YE 78 t 2 / ly. bit:// https

التاريخية مع مذكرات تفصيلية). طهران: انتشارات بنياد فرهنگ، 1350 ش.

الأجنبية

كارري، جملي وجوواني فرانجسكو. سفرنامه كارري (رحلات كارري). ترجمة عباس نخجواني وعبد العلى. تبريز: اداره كل فرهنگ گلي زواره، غلامرضا. "زنان وزمامداران صفوي" ("النساء والحكام الصفوين")،   ماهنامه پيام زن. مج 161، العدد 5 (1384 ش). نوائي، عبد الحسين. منابع تاريخي وجغرافياي إيراني 36، شاه طهماسب صفوي: مجموعة اسناد ومكاتبات تاريخي همراه با يادداشتهاي تفصلي (المصادر التاريخية والجغرافية لإيران 36، الشاه طهماسب الصفوي: مجموعة من الوثائق والرسائل

• Al Azhari, Taef. "Dayfa Khatun, Ayyubid Queen of Aleppo 634-640 A.H./ 1236-1242 A.D." JAMES Annals of

Japan. no. 15 (2000). at: https://bit.ly/ 37 uhA 6 A

• Birjandifar, Nazak. "Royal Women and Political in Safavid Iran." Master Thesis. McGill University, Montreal,

2015. at: https://goo.gl/AAULZ 3

• Encyclopaedia Iranica. at: https://bit.ly/ 2 Cg 6 HL 7

• Ferrier, Ronald W. "History of Iran: Women in the Safavid Era." Iran Chamber Society. at: https://goo.gl/JkBGYR

• Fryer, John. A New Account of East India and Persia Nine Years' Travels, 1672-16 81. William Crook (ed.). London:

Hakluyt Society, 1915.

• Gholsorkhi, Shohreh. "Pari Khan Khanum: A Masterful Safavid Princess." International Society of Iranian

Studies. vol. 28 , no. 3-4 (995). at: https://bit.ly/ 2 QxFsz 0

• Jahandideh, Mitra & Shahab Khaefi. "Women's Status during the Safavid Period." Paper presented at the

International Conference on Social Science, Social Economy and Digital Conference "Recent Researches in Social

Science, Digital Convergence, Manufacturing and Tourism," Spain, May 27-29 , 2011. at: https://goo.gl/ 4 hU 7 Ao

• Mitchell, Colin. The Practice of Politics in Safavid Iran: Power, Religion and Rhetoric. London/ New York:

Tauris Academic Studies, 2009.

• Mottaghi, Somayyeh. "The Historical Relationship between Women's Education and Women's Activism in Iran."

Asian Women. vol. 31 , no. 1 (2015). at: https://goo.gl/SviUCE

• Newman, Andre. Safavid Iran Rebirth of Persian Empire. New York: I.B. Tauris & Co Ltd., 2012.

• Peirce, Leslie. The Imperial Harem: Women and Sovereignty in the Ottoman Empire. New York: Oxford

University Press, 1993.

• Rizvi, Kishwar. The Safavid Dynastic Shrine: Architecture, Religion and Power in Early Modern Iran. London:

British Institute of Persian Studies, 2011.

• Ross, E. & Eileen Power. Don Juan of Persia AShi'ah Catholic, 1560-16 04. G. La Strange (trans.). New York/

London: Harper & Brothers, 1568.

• Ruggles, Fairchild (ed.). Women, Patronage, and Self-Representation in Islamic Societies. New York: State

University of New York Press, 2000.

• Tadhkirat Al-Muluk: A Manual of Safavid Administration. Vladimir Minorsky (translated and explained). EJW

Gibb Memorial Series 16. London: Luzac and CO., 1943.

• Yermolenko, Galina. "Roxolana: The Greatest Empresse of the East." The Muslim World. vol. 95 , no. 2 (2005).

at: https://bit.ly/ 2 ti 9 qiJ