Return to Article Details Transformations in Historiography: from elite history toward a history of the marginalized

تحوّلات الكتابة التاريخية: من تاريخ النخب إلى تاريخ الهامشيين (المدرسة البريطانية مثالًا)

Transformations in Historiography: from elite history toward a history of the marginalized

محمد غاشي | محمد غاشي

الملخّص

مرّ ردح من الزمن استحلّت فيه عبارة "عقدة البطل" روح المعرفة التاريخية برمّتها، والتي تحولت مع تقادم الزمن إلى ما يشبه الأيقونة أو" الجوكر" المفسّر لمجرى كل الأحداث والوقائع التاريخية. بيد أنّ فترة ما بين الحربين العالميتين وما بعدهما - زمن الحداثة المتداعية - اتسمت بوجود مسعى فكري حرص على نقد هذه البقعة السوداء التي بصمت الإستوغرافيا، وفي الآن ذاته تقديم مقاربة منهجية جديدة في التأريخ، منهجية تعيد الاعتبار لوعي المهمّشين وتستعيد مكانتهم في التاريخ بصفتهم فاعلين في مسرح التاريخ ومشاركين في دراما أحداثه بقدر ما يُعتبرون ضحاياه الصامتين، الذين أريد لهم أن يظلوا في كهف معتم بعيدًا عن نور السؤال التاريخي. وهو ما تجسّد بصورة جلية ضمن أطروحات المدرسة البريطانية: التاريخ من أسفل، التي خرجت من رحم الحوليات وسارت على هديها في منح حق المواطنة التاريخية لعوام الناس. ولإنجاز ذلك كانت المدرسة خارج كل نزعة تقليدية، وجعلت من التعدُّد في الاختصاصات عقيدتها. تسلط هذه الورقة الضوء على المدرسة البريطانية التي رسّخت تقليدًا علميًا متميّزًا وملهمًا - التاريخ من أسفل - في عملية الكتابة التاريخية. كما تسعى إلى تحليل طبيعة العلاقة بين التوجهات البحثية للمدرسة، ومدى تأثرها بالتحولات الهائلة التي شهدتها البشرية خلال القرن الماضي على المستويات كافة. فضلًا عن استنطاق بعض الوشائج المعرفية والتواصلية التي ربطها هذا التيار الإستوغرافي بالتخصصات المعرفية الأخرى.

Abstract

For a long time, the expression "hero's complex" has been accepted as conventional wisdom within the very soul of historical knowledge. Over the passage of time, it evolved into a sort of talisman or joker card capable of interpreting the course of all events in history. Yet, during the period between the two World Wars and following them—the period of foundering modernity—it became characterized by the presence of an intellectual effort that sought to critique this black mark left upon the field of historiography, and at the same time to offer a new methodological approach to the study of history: a methodology that reconsiders the experience of the marginalized and reinstates their historical standing both as actors on the stage of history and participants in its dramas, as well as silent victims of history condemned to languish in the darkness, far from the light of historical analysis. This is something clearly embodied within the theses of the British school. One such thesis is history from below, which grew forth from the Annales school and strove to grant all people the right to historical citizenship. For this accomplishment to be possible, the School shifted away from traditionalist inclinations and toward an interdisciplinary doctrine. This research paper seeks to highlight the British school and its strengthening of an exceptional scientific tradition— history from below—within the field of historiography. We also attempt to analyze the nature of the relationship between the School's scholastic inclinations and the extent to which they are impacted, on all levels, by the massive transformations humanity has witnessed over the last century, not to mention interrogating some of the cognitive and communicative entanglements between this historical trend and other disciplines of knowledge.

الكلمات المفتاحية:
  • المدرسة البريطانية
  • التاريخ من أسفل
  • الإستوغرافيا
  • المهمشون
Keywords:
  • British School
  • history from below
  • historiography
  • marginalized

المدرسة البريطانية مثالً

The British school as a case study

مقدمة

قبل أن تعرف المعرفة التاريخية طريقها نحو العلمية بالمعنى الحديث، مرّ الفكر التاريخي بسلسلة من التحولات العميقة، حصل خلالها تراكم إبستيمولوجي. وكان من نتيجة هذا كله، "ثورة تاريخية"، تحقّق خلالها من التقدم في مجال الكتابة التاريخية، ما لم يتحقق منذ عصر هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد. وتجلى هذا المسعى المعرفي في ظهور مجموعة من المدارس المجددة بحق لما سبقها، والتي نحت إلى البحث عن التاريخ في كل جزئية من جزئيات المجتمع، فالذين يصنعون التاريخ ليسوا أفراد النخبة فقط مهما علا شأنهم، وإنما المجتمعات برمّتها هي التي تصنع التاريخ. وإلى جانب الحوليات الفرنسية - ذائعة الصيت - برزت المدرسة البريطانية: التاريخ من أسفل، التي قامت ردة فعل على الثوابت الصلبة والمنغلقة للتيار الوضعاني، الذي أقصى عوام الناس وعزلهم في سراديب الذاكرة المأفونة، ولأجل ذلك كابد آباؤها المؤسسون: إدوارد بالمير تومسون Thompson Palmer Edward، وإريك جون هوبزباوم Hobsbawm Eric، من أجل إعادة مساءلة التاريخ البريطاني وفق مقاربة جديدة تجعل من الهامش منطلقًا لدراسة المركز، مساهمين بذلك في تأصيل تقليد إستوغرافي غني وجذاب، جرت تسميته "التاريخ من أسفل." ويهدف هذا البحث بصورة خاصة إلى التعريف بالمدرسة البريطانية: التاريخ من أسفل، بوصفها حلقة مهمة ضمن دائرة التجديد الذي شهدتها الإستوغرافيا العالمية، وذلك من خلال خمس نقاط رئيسة:  1. السياق، 2. الماهية، 3. في الجينيالوجيا، 4. المرجعية الفكرية، 5. الخصوصيات.

أولً: السياق

لعله من المفيد الإيماء منذ البداية إلى أنه لا يكفي للتعرف إلى توجه أو مدرسة أو تيار فكري، أن ندخل عالمه من باب واحد، أي من خلال التوجه مباشرة إلى نصوصه، كما بشّت بذلك البنيوية التي رفعت شعار "ألّ خلاص خارج النص"1. بل يلزمنا التنبه للسياق، لما له من أهمية في إنتاج المعنى؛ فالمقولات والأفكار والنصوص غير مقطوعة الصلة عن المحيط الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي تولدت بين ظهرانيه. إنّ السياق، على هذا الأساس، يؤثر كليًا أو جزئيًا في بناء النّص وتحديد توجهات المدارس والتيارات الفكرية. على هذا النحو، انطلق القرن العشرون كما هو معلوم وفق ترنيمة متشائمة وغير واعدة، لقد جاء نصفه الأول مثخنًا بالجراح وبدا كأنه يتعجل نهايته وغير قادر على إتمام دورته من فرط ثقل التجارب، حربان عالميتان كشفتا عن وجه آخر لهذا المشروع الكبير، وجه ملؤه البشاعة والرعب والسواد. فأمام هذا الموت والخراب الذي حل بالعالم، تهاوت فكرة المركزية الأوروبية، وافتقد الناس الثقة بالمبادئ الموروثة عن عصر التنوير، وشعروا أن التاريخ لا يسير إلى الأمام، كما أوحى بذلك الفيلسوف الألماني أوزفالد شبنغلر في كتابه سقوط الغرب2.

  1. Eric Landowski, "Pour une problématique Socio-sémiotique de la littérature," in: Louise Milot & Roy Fernand (éds.), La littérarité (Sainte- Foy: Presses de l'université Laval, 1991), pp. 95 - 115 , 103.
  2. Oswald Spengler, The Decline of the West , Charles Francis Atkinson (Trans.) (New York: Alfred A. Knopf, 1926).

هكذا، لم يعد الجحيم هم الآخرين وفق عبارة الفيلسوف جان بول سارتر Sarter Paul Jean، بل الأنا نفسها باعتبار أن المتسبب في الحرب ذات غربيّة3. تجلى هذا الإحساس بالضياع في موقف المؤرخ الإنكليزي جفري براكلاف Braklave Geffrey الذي كتب: "إننا مهاجمون بإحساس من عدم الثقة، بسبب شعورنا بأننا نقف على عتبة عصرٍ جديد، لا تزودنا فيه تجاربنا السابقة بدليل آمن لسلك دروبه، وإن إحدى نتائج هذا الموقف الجديد هو أن التاريخ ذاته يفقد - إن لم يكن قد فقد - سلطته التقليدية ولم يعد بمقدوره تزويدنا بخبرات سابقة في مواجهة المشكلات الجديدة"4. يتضح من قول براكلاف هذا صوت التاريخ، الذي يبكي عجزه عن تفسير المتغيرات الجديدة؛ إذ أبانت هذه التحولات عن "إفلاس التاريخ - المعركة أو التاريخ السياسي العسكري الذي لم يعرف أن يمنع البربرية"5. هكذا يتجلى لنا، من خلال ما تقدّم، تزايد الشكوك في صدقية الحضارة الغربية وديمومتها، واهتزاز الإيمان بالتقدم الموروث عن عصر التنوير. وأمام هذا الوضع، كان لا بدّ من الشروع في مراجعات نقدية شاملة للمرتكزات المؤسسة لهذه الحضارة، ويأتي التاريخ على رأسها. هكذا، وجد المؤرخون أنفسهم أمام المعادلة الشكسبيرية "نكون أو لا نكون"، فمصير الكتابة التاريخية بين أيديهم وهم من يحدد هذا المصير باختياراتهم ورهاناتهم لجبر ذلك الانكسار واستئناف المسير. هكذا استجاب المؤرخون لهذا التحدّي، من خلال تجديد مقارباتهم وأدواتهم قصد استيعاب المتغيرات الجديدة. في هذا السياق، توصّل المؤرخ الفرنسي جان كلود شميث Schmitt Claude Jean إلى أن الكتابة التاريخية قد شهدت ذروتها في فترة ما بين الحربين العالميتين وما بعدهما6. ومن آيات ذلك، ظهور مجموعة من المدارس التاريخية - الحوليات، والمدرسة الماركسية البريطانية... إلخ - التي انخرطت من دون مواربة في عملية تجديد الإستوغرافيا، لتغدو أقدر على إعادة قراءة الواقع، والتفاعل معه وفهمه بعمق. والحق أنّ المدرسة الماركسية البريطانية، التي تعود انطلاقتها الفعلية إلى سنة 1952، لحظة تأسيس مجلة ماضٍ وحاضر Present and Past، تعدّ حلقة مهمة ضمن النسق الإستوغرافي العالمي. فقد اجتهد آباؤها المؤسسون: إدوارد بالمير تومسون، وإريك جون هوبزباوم، وكريستوفر هيل، ورودني هيلتون، وجورج رودي وغيرهم، بالتعاون مع عدد من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، في النحو بالكتابة التاريخية بعيدًا عن السّب الأكاديمي العام السائد في بريطانيا "التقليد الوضعاني " Positivism، مزيحةً البساط من تحته7. وفي الحصيلة، يجوز القول إنّ النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد إيقاعات مجنونة - تسارع إيقاعات التاريخ - قد أدى دورًا مهمًا في تحول الكتابة التاريخية وتحديد توجهات عدد من المدارس ومن ضمنها المدرسة البريطانية. فمن يطالع أعمال روادها، يجدها ردة فعل على الواقع الاجتماعي، وتعبيرًا عن قلق المرحلة التي دفعتهم إلى مساءلة التاريخ والاقتراب من نبض المجتمع، ومنح الكلمة للذين حرموا منها، بفعل تضافر دوائر الحجب وقبضة سلطة تفرض هيمنتها على الجميع. غير أنّ هذا ليس كل شيء، ثمة عامل آخر حدد توجهات المدرسة، هو أنّ عددًا من المؤرخين المنتسبين إلى هذه الجماعة العلمية اكتسبوا خبرة في ملاحقة الكذب والخطأ، لا تتمثل فقط في حذقهم بصفتهم مؤرخين فحسب، وإنما أيضًا عبر انخراطهم في "التجنيد"،

  1. François Dosse, "De la structure au sujet: L'humanisation des sciences humaines," Sciences Humaines , no. 21 (Juin/ Juillet 1998), accessed on 17 / 6 / 2020 , at: https://bit.ly/ 2 YaX 09 w
  2. قاسم عبد عوض المحبشي، "أزمة العلوم الإنسانية والتحديات الراهنة"، شبكة ضياء، 27 / 6 / 2016، شوهد في 17 / 6 / 2020، في: p 7 BzK 37 / ly. bit:// https
  3. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات  - مدارس- مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 200.
  4. جون كلود شميث، "تاريخ الهاشميين"، في: التاريخ الجديد، إشراف جاك لوغوف، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 438.
  5. Eric Hobsbawm, "Manifeste pour l'histoire," Le Monde diplomatique (Décembre 2004), pp. 20 - 21.

الذي مكن من إزاحة الحدود وتحرّي الحقيقة واكتشافها من الداخل؛ هكذا تم تقويض الشعبية الساذجة لملوك بريطانيا والتاريخ الكلاسيكي، الذي يخبرنا بأن تاريخ بريطانيا صنعه ملوكها، بينما آلاف من الجنود الصغار والمتطوعين هم الذين شكلوا القوة المتدفقة، ولولا تضحياتهم لظلت تلك الانتصارات محض افتراض وفق عبارة بليغة لتومسون8.

ثانيًا: الماهية

المفهوم في أبسط تعريفاته هو طريقة في التمثل، إنه منظومة إشارات لا تنفصل عن المجال التداولي الذي تولدت بين ظهرانيه، وبهذا المعنى يتراءى لنا أنّ لهذا الضرب من ضروب الكتابة التاريخية تاريخًا دقيقًا وجغرافيَا خاصة به؛ على نحو، يدفعنا إلى القول إنّ التاريخ من أسفل تاريخ نحت في بريطانيا، بلاد الثورة الجليلة والثورة الصناعية، والرواية الحديثة. بيد أنه يتعين أن نبتدر إلى التأكيد على كوننا أمام مفهوم مطاطي عصيّ على الحد، وحمّال دلالات متعددة. إذ لم يكن مع ذلك محط توافق بين الباحثين، وذلك راجع بالأساس إلى اتساع دائرته، وتشعب موضوعاته؛ ما حدا بالمؤرخ بيتر بوركي في هذا المقام إلى الإقرار بأننا: "أمام وضع أشبه ما يكون بتقليد لعلماء اللاهوت، عندما واجهتهم مشكلة تعريف الإله خلال العصر الوسيط"9. عطفًا على ما مرّ، يعتبر المؤرخ الفرنسي ألبرت سوبول Soboul Albert أول من استعمل مصطلح التاريخ من أسفل، في سياق تدوينه لتاريخ الثورة الفرنسية، التي كان عوام الناس ذواتًا فاعلة فيها10. بيد أن أول من نحت مفهوم التاريخ من أسفل نحتًا كاملً، وأدخله إلى العوائد التخاطبية للمؤرخين، هو المؤرخ الإنكليزي إدوارد بالمير تومسون، الذي وسم به واحدًا من أشهر أبحاثه، مقدمًا إياه بصفته حقلً معارضًا ومضادًا كليًّا للكتابات الكلاسيكية أو ما عرف بالتاريخ الوضعاني ذي الطابع السياسي/ الحدثي، وذلك بتوجيه البوصلة إلى الاهتمام أساسًا بالهامشيين والمنسيين والمقصيين والمبعدين وكل المسكوت عنهم في مدارات التاريخ11. وفي السياق ذاته، قدم هوبزباوم خمسة تعاريف مرادفة للتاريخ من أسفل ومعبرة عنه، وهي: "التاريخ الشعبي، التاريخ القاعدي، تاريخ الأصول، تاريخ كل الناس، التاريخ الراديكالي"12. يبدو هذا التعريف الأخير محيًّا ومحفّزًا على إثارة جملة من التساؤلات: كيف يمكن أن يكون التاريخ الشعبي مرادفًا للتاريخ الراديكالي؟ والشيء الغريب الآخر هو هذا التعريف الجامع "تاريخ عامة الناس" وهو ما يستدعي التساؤل أيضًا: هل تاريخ النخب جزء من تاريخ عوام الناس؟ وارتباطًا بذلك، تساعدنا رباعية هوبزباوم13 الشهيرة حول القرن التاسع عشر الطويل على الإجابة، حيث سيكتشف القارئ الذكي أنه لا يقصي أحدًا من التاريخ وإنما يؤسس لوجه آخر للتاريخ غير ذلك الذي صاغته وسوقته الدوائر الرسمية، الذي يتميّز بالنزوع لأسطرة التاريخ والتغني بتاريخ الإمبراطوريات الحافل بإنجازات الأباطرة والملوك والأمراء، وإهمال وتهميش الشرائح الأخرى التي تشكل الفئة الواسعة التي قامت على سواعدها الحضارة وتطورت الصناعة.

  1. Edward Palmer Thompson, "History from Below," Times Literary Supplement , no. 3345 (7 / 4 / 1966), pp. 279 - 280.
  2. بيتر بوركي، "فاتحة التاريخ الجديد: ماضيه ومستقبله"، في: نظرات جديدة على الكتابة التاريخية، تحرير بيتر بوركي، ترجمة قاسم عبده قاسم (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 23.
  3. إبراهيم القادري بوتشيش، "تغير مجالات اهتمامات المؤرخ لدراسة التاريخ من أسفل: تاريخ المهمشين نموذجًا"، أسطور، العدد 4 (تموز/ يوليو 2016)، ص 283.
  4. Thompson, pp. 279 - 280.
  5. Eric Hobsbawm, On history (New York: The New Press, 1997), p. 201.
  6. رباعية هوبزباوم: ضمن مجموع أعمال المؤرخ البريطاني جون إريك هوبزباوم الكثيرة والمتميزة من حيث طرحها العلمي، تُعدّ رباعيته حول ما أسماه القرن التاسع عشر الطويل هي أكثر ما ميزه وبصم شهرته، وهي على التوالي: "عصر رأس المال"، و"عصر الإمبراطورية"، و"عصر الثورة"، ثم "عصر التّطرُّفات."

هكذا، مع المدرسة البريطانية، صار التاريخ من أسفل من جنس المفاهيم. ثم راحت تشق طريقها بصفتها عملية قراءة شعبية للتاريخ من زاوية نظر النفر لا القائد الكبير. لقد اتخذت سبيلها لتصحيح المجرى العام للتاريخ، من خلال إعادة بناء هويات الطبقات الدنيا، وإقناع أولئك الذين ولدوا منّا من دون ملعقة فضية في أفواههم، بأنّ لهم ماضيًا وبأنهم جاؤوا من مكان ما14. التاريخ من أسفل، إذًا، مفهوم زئبقي ضاجّ بالحركة وحمّال أوجه، ربما هذا هو الشيء الذي حمل هوبزباوم على الخروج من فتنة المفاهيم إلى الإقرار أن الأصل المشترك لماهية هذا الحقل، إنما يوجد أساسًا في مستوى المقاربة والرؤية والمنهج، بعبارة موجزة "العملية الفكرية"15. وفي الحصيلة، فإنّ ماهية التاريخ من أسفل لا تدرك إلا بالتثنية، أي بالمقابلة بين الشيء ونقيضه، على نحوٍ يدفعنا إلى القول إنه عملية تحويل لبوصلة الكتابة التاريخية من أعلى الهرم الاجتماعي نحو قاعدته، حيث القارات المجهولة التي لم تطأها بعد أقلام المؤرخين؛ ففي الهامش تنشط حياة بأكملها. وهو ما ترتّب عليه تحولان مترابطان؛ فعلى مستوى خارطة الأشخاص تم الانتقال من تاريخ الحكام والأبطال والقادة إلى تاريخ العامة من محكومين ومهمّشين، أما على صعيد الجغرافيات والأمكنة فتم الانتقال من المركز إلى الهوامش، ومن القصور والمجالس الوزارية والبلاطات إلى المعامل والمزارع والساحات العمومية والفضاءات المحظورة16. نأتي الآن ضمن هذه الإلمامة، لنجمل هذه الملاحظات فنقول: إنّ التاريخ من أسفل هو تاريخ للجميع، ليس من مهمّش إلا وارده بجرعة ما.

ثالثًا: يف الجينيالوجيا

صيغت قاعدة في الدراسات الإبستيمولوجية، تكشف عمق ارتباط كل حقل معرفي ناشئ بشجرة أنساب (جينيالوجيا)، على النحو التالي: "إن كل اختيار علمي هو اختيار متورط في تصور نظري قبلي معين، أي تمأسس على تراكم عميق ممّا جعل وجوده ممكنًا"17. في هذا الإطار، يؤثر عن الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار Bachelard Gaston قوله: "إن تاريخ العلم قبل أن يكون تاريخ أخطاء، هو تاريخ تراكمات معرفية، فالعقائد والنظريات الجديدة لم تتطور من القديمة إلى الجديدة، بل إن الجديد نفسه احتوى على القديم"18. وبناء عليه، جرت العادة أن كل "جماعة علمية" تبحث لنفسها عن موطئ قدم في الساحة الفكرية، لا بد لها من أن تستند إلى التراكمات المعرفية الحاصلة في ذلك المجال، بغية استنبات براديغم جديد. هكذا، نجد مدرسة التاريخ من أسفل البريطانية بدورها لم تخرج عن هذه القاعدة؛ فغدت تبحث لنفسها عن شجرة أنساب (جينيالوجيا)، أي أن تبني تصورها كما لو كان تقليدًا قديمًا راسخًا له جذور. وهو ما نستقيه من كلام أحد الآباء المؤسسين هوبزباوم، الذي يعود بهذا الضرب من الكتابة التاريخية إلى رومانسية القرن التاسع

  1. جيم شارب، "التاريخ من أسفل"، في: نظرات جديدة على الكتابة التاريخية، ص 69.
  2. Hobsbawm, On History , p. 116.
  3. بوتشيش، ص 284.
  4. عادل حدجامي، "الرهان القديم لعالمنا الجديد"، مقالات، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 22 / 5 / 2014، شوهد في 17 / 6 / 2020، في: daNreW 3 / ly. bit:// https
  5. غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي: مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية، ترجمة خليل أحمد خليل، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع والنشر، 1982)، ص 13 - 14.

عشر، رابطًا إياه بكتابات المؤرخ الفرنسي جول ميشليه Michelet Jules حول الثورة الفرنسية، خاصة في كتابه الشهير الشعبالذي عمل فيه على إبراز الدور الذي اضطلع به البسطاء وعوام الناس في صناعة تاريخ بلدهم (فرنسا)19. وبناء عليه، تُعدّ كتابات المؤرخ الفرنسي ميشليه نواة أولى لمشروع كتابة تاريخ جديد من منظور مغاير كما نبه فرانسوا دوس20. غير أن "التاريخ من أسفل"، من حيث هو حقل إستوغرافي مستقل له رواده ومؤسساته والتمويل الخاص به، سيترسخ في خمسينيات القرن العشرين في بريطانيا، مع جماعة المؤرخين الماركسيين الذين التفوا حول مجلة ماضٍ وحاضر، لإنجاز سلسلة من الأبحاث والدراسات ذات منحى منهجي ومقاربة موحّدة، تجعل من قاعدة الهرم الاجتماعي منطلقًا لكتابة التاريخ كما سنأتي على ذكره. حري بالذكر أن كتابة "التاريخ من أسفل" لم تكن ممكنة قبل هذا التاريخ - الثورة الفرنسية - وذلك راجع إلى كون هذا الحدث الكبير، جمع بين اثنتين من الخصائص التي نادرًا ما تحدث مجتمعة21. يتعلّق الأمر في المقام الأول: بكونها ثورة كبيرة جلبت فجأة أعدادًا هائلة من جماهير الناس العاديين الذين انخرطوا بقوة في صنع الحدث، وأسهموا على نحوٍ فعال في نجاح الثورة ولا سيما مع حركة اليعاقبة، والتي كانت ستبقى من دون عملهم محض افتراض22. وفي المقام الثاني: نجد التوثيق المؤسساتي الذي خلف مخزونًا أرشيفيًا مهمًا، وثّق أفعال عامة الناس، وهذا التوثيق وفّر مخزونًا غنيًا للمؤرخين، وهو ما لم يكن متاحًا بالقدر المطلوب قبل هذا التاريخ، كما أنه كان واضح القراءة على نحو جيد على خلاف الأيدي النّكدة التي كانت تكتب قبل هذا التاريخ23. وفي حقيقة الأمر، ليس المؤرخ ميشليه وحده من تشكلت عنده النواة الأولى لفكرة كتابة التاريخ من أسفل، بل نجدها أيضًا حاضرة في مراسلات الجندي وليام هويلر، الذي يؤرخ لمعركة واترلو (1815) من جانبها القاسي، أي من وجهة نظر النّفر لا القائد الكبير. وفي هذا الإطار، كتب وليام هويلر في إحدى مراسلاته إلى زوجته في إنكلترا، قائلً: "انتهى القتال الذي استمر أيامًا ثلاثة، وأنا بخير، وهذا يكفي، وسوف أكتب الآن وكلما أتيحت لي الفرصة عن تفاصيل هذا الحدث الكبير، أي ما عشته أنا بنفسي، فقد طلع علينا صباح يوم 18 يونيو وقد غمرنا المطر، وخدّرنا البرد وأدخل الرعشة في أجسادنا، وغالبًا ما كنت تصبيّن علي اللوم لأنني كنت أدخن كثيرًا العام الماضي، عندما كنت في انجلترا، لكن يجب أن أخبرك الآن أنه لو لم أكن أملك ما يكفي من التبغ تلك الليلة، لكان حتمًا أن أسلّم الروح إلى بارئها"24. تظهر أهمية مراسلات هويلر في كونها تمثل الشهادة المباشرة من جانب صناع الأحداث أنفسهم؛ ما شكل علامة ومصدرًا مهمَيّن على طريق كتابة التاريخ من هذا المنظور. كما عكست قصائد الشاعر البلجيكي برتولد بريخت Brecht Bertolt (1898 - 1956)، هذه الرغبة في تاريخ بديل، خاصة القصيدة الموسومة ب: "تساؤلات عامل يقرأ"، التي اعتبرها المؤرخ الأميركي جيم شارب بمنزلة صرخة للحاجة إلى منظور بديل لما يمكن أن نصطلح عليه تاريخ القابعين في القمة25، ومما جاء في القصيدة:

  1. Hobsbawm, On history , p. 203.
  2. François Dosse, L'histoire en miettes: Des Annales a la nouvelles histoire (Paris: La Découverte, 2005), p.  88.
  3. Hobsbawm, On History , pp. 203 - 204.
  4. Ibid., p. 204.
  5. Thompson, History , p. 279.
  6. شارب، ص 51.
  7. المرجع نفسه، ص 52.

من بنى طيبة ذات البوابات السبع؟ في الكتب ستجد أسماء الملوك فهل حمل الملوك كل تلك الأحجار؟ وبابل التي دمرت مرات عدة، من شيدها كل هذه المرات؟ سور الصين؟ روما العظيمة مليئة بأقواس النصر، فمن أقامها؟ وعلى من انتصر القياصرة؟ الإسكندر الشاب غزا الهند، فهل كان بمفرده؟ وقيصر، انتصر على بلاد الغال فهل كان وحيدًا؟ كل صفحة انتصار، فمن طبخ وليمة المنتصرين؟ تقارير كثيرة وأسئلة كثيرة؟26تعتبر هذه النماذج التي أشرنا إليها، بمنزلة البذور الأولى المخصبة لكتابة التاريخ من أسفل، على الرغم من أنها شكلت بدايات متواضعة، كما أنها ليست هي النماذج الوحيدة التي استندت إليها التجربة البريطانية، بل هي عديدة لا يتسع المجال لذكرها، في فرنسا برز المؤرخ هنري بير Beer Henri الذي أدخل مفهوم التحليل التاريخي المركّب القائم على العلاقة الثلاثية المتبادلة بين التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع27. بيد أن الذي أثّر في المدرسة البريطانية، على نحو أساسي وباعتراف مؤسساتي، هو مدرسة كانت معاصرة وقريبة العهد بهم؛ يتعلق الأمر بمدرسة الحوليات الفرنسية ذائعة الصيت التي عدت التربة التي نبتت على تراكماتها، وهو ما أشارت إليه افتتاحية العدد الأول من مجلة ماضٍ وحاضر28. فالفضل يعود إلى الحولياتيين في طرق مواضيع جديدة، كان المؤرخون حتى وقت قريب ينظرون إليها بنوع من العزوف والاحتقار، مثل: "تاريخ الهامشيين"، والدعوة للاهتمام بتاريخ الضعفاء إلى جانب تاريخ الأقوياء، "فالفلاح المغمور الذي يحسن تقنية الاجتثاث، هو فاعل تاريخي يساوي من حيث الأهمية ذلك الضابط الذي ينتصر في معركة ما"29. عطفًا على ما سبق، كشف السياق المار ذكره عن منعطف إبستيمولوجي - التاريخ من أسفل والاهتمام بالهامش والمهمّش - أخذ يخترق فضاء الكتابة التاريخية منذ القرن التاسع عشر، بدءًا بكتابات ميشليه مرورًا بمدرسة الحوليات وتاريخها الجديد، وما أفرزه من نقاش جدلي يسائل مسيرة الإنسان في التاريخ، من حيث كونها ذاتًا منتجة للتاريخ مستوعبة لشروطه متحررة من وصايته وهيمنته، بحسب المؤرخ جيرارد نوراييل Noiriel Gérard30، وصولً إلى المدرسة البريطانية التي جعلت منه حقلً إستوغرافيًا متميزًا له رواده ومقارباته والتمويل الخاص والمرجعية الموجهة والمنهج المؤطر لأبحاثه، كما سنعمل على إبرازه في الصفحات القليلة الآتية.

  1. قصائد برتولد بريخت، ترجمة أحمد حسان (بيروت: دار الفارابي، 1986)، ص 139.
  2. D. Cole Matthew, "The Idea of Historical Synthesis: Henri Beer and the Relationship between History and Sociology in France at the Beginning of the Twentieth Century," Sheffield University Publications, Department of Sociology studies, ShOP, no. 8 , March 2005), accessed on 6 / 7 / 2020 , at: https://bit.ly/ 2 DfNmub
  3. Hobsbawm, On History , p. 203.
  4. محمد حبيدة، الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 187 - 188.
  5. أحمد الشيخ، "حوار مع جيرار نوراييل: في تحولات مهنة المؤرخ"، حوارات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 22 / 8 / 2014، شوهد في 17 / 6 / 2020، في: https://bit.ly/ 2 N 3 nanZ

رابعًا: المرجعية الفكرية

سارت المدرسة البريطانية على هدي الحوليات، بعد أن استشعرت أن التأريخ للمهمش والتابع يستوجب على المؤرخ كسر عقلية التخصص الضيق، أي تجاوز نهج التاريخ الوضعاني - الذي يميل إلى الانغلاق داخل جزئيات علمية ضيقة - نحو الانفتاح على بقية التخصصات المعرفية والاستخدام المكثف والممنهج للعلوم المجاورة، وهو ما عبر عنه إريك جان هوبزباوم ب "التاريخ المخصب بالعلوم الاجتماعية"31. تعكس هذه القولة انفتاح التاريخ على بقية جيرانه في العلوم الاجتماعية، وإن كان يصعب حصر التخصصات والحقول المعرفية التي انفتحت عليها المدرسة البريطانية، وتفاعلت معها وأفادت منها؛ نظرًا إلى تشعبها وتجددها باستمرار، وهو ما تنبّه إليه المؤرخ عبد الله العروي، قائلً: "يحتاج القاضي دائمًا إلى خبراء، وعددهم يتكاثر مع تقدم العلوم، كذلك المؤرخ يستغل كل خبرة جديدة يتحقق من نفعها له"32. فإن أبرز التوجهات التي تحاورت معها المدرسة البريطانية هي: الماركسية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وما بعد الحداثة، ثم التاريخ الشفهي.

1. الماركسية

تعتبر المدرسة البريطانية ماركسية الإلهام؛ إذ وجدت في الماركسية أداة جيدة لفهم مجريات الواقع الاجتماعي وتفسيرها، وإن كان لا يمكن الإقرار بتبعية من درجة اللزوم، إذ استخدم روادها المقولات والمفاهيم الماركسية بمرونة وحرية، من دون قيود حتمية، ولا قوالب دوغمائية33. وتدين هذه المدرسة فكريًا بالدرجة الأولى للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي Gramsci Antonio الذي كان لكتاباته صدى وتأثير قوي في المجموعة، في محاولة النأي بالماركسية عن القراءة الستالينية الأرثوذكسية34، خاصة أن غرامشي كما هو معلوم كان له نزوع فلسفي لتقديم مقاربة جديدة، تقوم على دمج مباحث الاقتصاد بمباحث الثقافة في التحليل. وتؤكد افتتاحية العدد الأول من دورية ورشة عمل التاريخ (صيف 1976) التي احتضنت المؤرخين الماركسيين البريطانيين، على هذا الحضور القوي للتصور الماركسي في قلب اشتغال مؤرخي "التاريخ من أسفل"، والتي جاء فيها: "إن اشتراكيتنا فرضت علينا الاهتمام بعامة الناس في الماضي، وحياتهم وأعمالهم وأفكارهم، على المستوى الفردي، وكذلك الاهتمام بالسياق والأسباب التي شكلت تجربة طبقتهم، إلى جانب الاهتمام بنشأة الرأسمالية"35. ثم إن ما يحتفظ به التاريخ من أسفل البريطاني للماركسية هو السبق إلى تقديم قراءة شمولية للتاريخ، وهذه المزاوجة بين التاريخ والتحليل الماركسي هي التي دفعت أحد كبار التوجه، هوبزباوم، إلى إعادة نشر كتاب كيفية تغيير العالم: حكايات عن ماركس

  1. Hobsbawm, On history , 1997.
  2. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ: الألفاظ والمذاهب، المفاهيم والأصول، ط 4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 82.
  3. A. Green & K. Troup, The Houses of History: A critical Reader in Twentieth-century History and Theory (Manchester: Manchester University Press, 1999), p. 33.
  4. ديبيش شاكرابارتي، "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي"، ترجمة ثائر ديب، أسطور، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 12.
  5. شارب، ص 62.

والماركسية36، الذي عُدّ دراسة في تطور فكر ماركس، وقد جاء في مقدمته "نحن في حاجة إلى أن نحسب ألف حساب لكارل ماركس اليوم بعيدًا عن جبة المفسّين الأرثوذكس". وهو أمر كان عبد الله العروي قد تنبّه إليه، حين اعتبر الاشتراكية ليست دائمًا ماركسية37. ومن يقرأ المنجز العلمي للمؤرخ تومسون خاصة كتابه تكوين الطبقة العاملة في إنكلترا، يجد هذا الأخير، وهو يحلل مسائل الثقافة الشعبية ووعي الطبقة العاملة، فإنما هو مدين بذلك لآليات التفكير، التي سنّها غرامشي، خاصة مفهوم "الهيمنة". وفي السياق ذاته، ذهب هوبزباوم إلى الإقرار بأننا في حاجة دائمة إلى غرامشي، لهزم أسئلة الثقافة الشعبية والاقتراب من الهامشيين وفهم ذهنيتهم ومقاومتهم38. هاهنا، كما أشرنًا سابقًا يرجع الفضل إلى غرامشي في التقعيد لطرح جديد، يزاوج بين ما هو اقتصادي وما هو ثقافي، ولا يفضل أحدهما على الآخر في عملية التحليل. ختامًا، إنّ التأثير الذي أحدثته الماركسية في دراسات التاريخ من أسفل لا يمكن أن نضعه في خانة التجاهل أو نغض عنه الطرف؛ إذ شكلت المفاهيم والمقولات الماركسية مصدرًا ثريًا وخصبًا للمدرسة البريطانية كما أتينا على ذكره، وهو ما أسعفها في إثراء مكتسباتها التفسيرية. على أن هذا التلاحم المعرفي يجب ألّ يقرأ من باب التطابق في الطرح والتجانس في التحليل، وإنما يوضع في مرتبة التفاعل والتأثير؛ فالمدرسة البريطانية على الرغم من كونها ماركسية الإلهام، فإنها انخرطت في جهد نقدي يروم تجاوز القراءة الماركسية الأرثوذكسية من جهة، ومن جهة أخرى عملت على أنسنة الماركسية وتحرير الناس من الحتمية الاقتصادية، فما كان يردّ إلى عامل أحادي بحت (الاقتصاد) أصبح بحسب التوجه الجديد يرد إلى عوامل متعددة، فإلى جانب الاقتصاد تكتسي الثقافة والأفكار دورًا مهمًّا في التفسير والتحليل39.

2. ما بعد الحداثة

ساهمت نظرية ما بعد الحداثة التي شككت في الطريقة، التي تنجز بها الدراسات التاريخية في الغرب40، في الدفع بهذا الصنف - التاريخ من أسفل - من الكتابة التاريخية إلى الواجهة وبقوة، وخصوصًا كتابات الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار - Jean Lyotard François، التي أعلنت عن إفلاس خطابات الشرعنة، وقوّضت السرديات الكبرى مثل: مفهوم اللاوعي عند فرويد أو البنية التحتية والفوقية عند ماركس... إلخ. ويمكن النظر إلى تأثير نظرية ما بعد الحداثة في مشروع التاريخ من أسفل من خلال ثلاثة نماذج: الأول، يتجلى في كون هذه الرؤية المنفتحة حررت المؤرخين ودفعتهم إلى خوض غمار تجربة كتابة التاريخ، من وجهات نظر مختلفة، تختلط فيها الألوان وتتمازج. والثاني، يتعلق برفض هذه المجموعة فلسفة التاريخ، مذكرة المتكهنين بنهاية التاريخ (فريدريك هيغل، وكارل ماركس، وأرنولد توينبي، وفرانسيس فوكوياما وغيرهم) بأن التعميم اليقيني المؤكد هو أنّ التاريخ سيمضي قدمًا بلا نهايات ما دام الجنس البشري باقيًا41. والثالث، يتمثل في كون عدد من كتابات المؤرخين الماركسيين البريطانيين تكشف عن تقاطعات بين التاريخ والأدب، خاصة أعمال تومسون، وفي طليعتها "أوراق سيكاوس" Papers Sykaos.

  1. إريك هوبزباوم، كيفية تغيير العالم: حكايات عن ماركس والماركسية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص 329 - 330.
  2. عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992)، ص 8 - 9.
  3. هوبزباوم، كيفية تغيير العالم، ص 329 - 330.
  4. Edward Palmer Thompson, The Making of the English working class (New York: Vintage Books, 1966), p. 39.
  5. هايدن وايت، "التاريخ وما بعد الحداثة"، ترجمة محمد حبيدة، ترجمات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 28 / 3 / 2018، شوهد في 17 / 6 / 2020، في: https:// bit. ly / 2 Bkg 0 ZS
  6. إريك هوبزباوم، عصر التطرفات: القرن العشرون الوجيز 1914 - 1991، ترجمة فايز الصياغ (عمان: مؤسسة ترجمان؛ بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص 42.

3. علم الاجتمع (مدرسة شيكاغو)

حاول التاريخ من أسفل، أن يقترب من علم الاجتماع، خاصة مع تيار شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركية، الذي نشط في النصف الأول من القرن العشرين، بفضل أعمال وليام إسحاق طوماس Thomas Isaac William إلى جانب روبرت بارك Park Robert، اللذين تركا بصماتهما الواضحة على مجموع السوسيولوجيا الأنكلوسكسونية، بإخراجها من المكاتب إلى مواجهة الوقائع في الميدان عن طريق البحث الإمبريقي42. ويعدّ كتاب الفلاح البولوني في أوروبا وأميركا America and Europe in Peasant Polish The أفضل ما كتب في هذا الاتجاه الذي يعرض وضعية الفلاحين البولونيين المهاجرين إلى أميركا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، ومحاولة الكشف على نمط عيشهم في موطنهم الأصلي وأيضًا التغيرات التي حصلت في علاقاتهم بعد الهجرة، فيما بينهم ومع مختلف المهاجرين المنتمين إلى الأعراق والأجناس الأخرى على حد سواء، وانعكاسات ذلك على مجمل القيم43. هكذا، فإن ما يدين به المؤرخون لتيار شيكاغو هو السبق إلى إعطاء الهامش مكانة، باعتباره قادرًا على فهم العالم المحيط به وصنعه. وفي هذا الصدد، نشير إلى مقالة شهيرة عنوانها "العالم الذي صنعه العبيد" لجيوفاني جينوفيز الذي ينتمي إلى التقليد نفسه44. وأكد المؤرخ هوبزباوم، هذا الاحتكاك القوي بين المنهجين التاريخي والسوسيولوجي، واعتبرهما بعدَين متكاملين ووجهين لعملة واحدة، يزاوج بينهما في كتاباته، حتى إنه لم يتردّد في التصريح بأنه لو لم يكن مؤرخًا لكان عالم اجتماع45. كما أشار الباحث في التاريخ الاجتماعي، باتريك جويس، إلى أهمية السوسيولوجيا في تغيير رؤى المؤرخين، فضلً عن توفير الأدوات اللازمة للبحث في التاريخ الاجتماعي لبريطانيا46. ختامًا، فإن ما يؤكد مفاصل هذا التفاعل بين التاريخ وعلم الاجتماع هو حضور عدد من السوسيولوجيين ضمن هيئة تحرير مجلة ماضٍ وحاضر. وبالتزامن مع ذلك، نظم معهد "ماضٍ وحاضر" مؤتمره السادس حول العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع سنة 1963، وهو ما يعكس قوة التلاقح بين الحقلين47. ثم إنّ هذا التأثير لم يقتصر على المؤرخين فحسب، وإنما نجد تأثيرًا معكوسًا؛ إذ إنّ عددًا من علماء الاجتماع خلال الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، تأثروا بعدد من المقولات والمفاهيم التي كان هوبزباوم قد أرسى دعائمها في كتاباته، ومن بينها مفهوم "العصيان الاجتماعي" الذي عوض ما كان يعرف في الكتابات الكلاسيكية ب "الجريمة الاجتماعية"48.

4. الأنثروبولوجيا

أدّت الأنثروبولوجيا دورًا فعالً في ارتقاء حقل التاريخ من أسفل؛ إذ فتحت أمام المؤرخين آفاقًا كثيرة، ووفرت لهم الأدوات للبحث في مواضيع جديدة، كان ينظر إليها حتى وقت قريب على أنها مواضيع محظورة وخسيسة ضمن مدارات التاريخ. لقد أتاح البحث الأنثروبولوجي لكاتب التاريخ من أسفل المتنفّس لاستكشاف قارات بحث جديدة؛ إذ يمكن الاستفادة إلى حد بعيد بما يعرف بالوصف المكثف، الذي يعود الفضل في ابتكاره إلى كليفورد غيرتز Geertz Clifford في كتابه تأويل الثقافات49. إن الطريقة التي يثيرها مثل

  1. عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2016)، ص 95.
  2. المرجع نفسه، ص 97.
  3. شارب، ص 68.
  4. إريك هوبزباوم، عصر مثير: رحلة عمر في القرن العشرين، ترجمة معين الإمام (دمشق: دراسات المدى، 2007)، ص 366.
  5. Patrick Joyce, "What is the Social in Social History?" Past & Present , vol. 206 , no. 1 (February 2010), p.  215.
  6. Jacques Le Goff, "Later History," Past & Present , vol. 100 , no. 1 (August 1983), p. 17.
  7. إريك هوبزباوم، عصر الثورة: أوروبا (1789 - 1848)، ترجمة فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 12.
  8. Clifford Geertz, The interpretation of Culture (New York: Basic Books, 1973).

هذا الأسلوب مفيدة لدارس التاريخ الاجتماعي، من أجل معالجة الظاهرة في سياق كامل عن طريق التأويل الثقافي للوصول إلى فهم أعمق للمجتمع50. أضف إلى ذلك أن الأنثروبولوجيا منحت المؤرخين عدّة معرفية ومنهجية لكتابة تاريخ المهمشين، من خلال نقد الزعم القائل بالتفوق والصفاء العرقي، وهو ما ساهم في إعادة بناء هويتهم التاريخية51. وفي السياق ذاته، كشفت المجموعة مدى قوة الترادف بين الحقلين وذكرت أن: "تعاطي المؤرخين مع تاريخ الهامشيين شبيه بالأساس مع تعامل الأنثروبولوجيين مع فترات وموضوعات نائية، كاستقصاء أحوال مجتمعات بابوا الجبلية"52. وإلى جانب ذلك نجد هوبزباوم أقر أن كتاباته حول ما أسماه بالقرن العشرين الوجيز استند فيها إلى معرفة تراكمية وذكريات ملاحظة "كمراقب مشارك" بلغة الأنثروبولوجيين53. ويمكن أن نشير كذلك إلى أن مجلة ماضٍ وحاضر، لسان حال جماعة المؤرخين الماركسيين البريطانيين، قد أولت الأنثروبولوجيا مكانة خاصة، ضمن أعدادها وجعلتها في قلب النقاشات الدائرة؛ ما وجّه المؤرخين نحو تاريخ الذهنيات والعادات والمعتقدات والثقافة الشعبية والحياة اليومية أو ما يعبر عنه بالفلكلور54. ثم إن وجود أنثروبولوجيين ضمن هيئة تحرير ماضٍ وحاضر مثل: ويلفر بولي، إضافة إلى تحول المؤرخ آلان ماكفرلين إلى الأنثروبولوجيا، كلها مؤشرات على الاحتكاك القوي بين الحقلين55.

5. التاريخ الشفهي

استفاد التاريخ من أسفل من صعود التاريخ الشفهي في الولايات المتحدة الأميركية56، من خلال توجهين بحثيين هما: "تيار كولومبيا" و"تيار شيكاغو"، خاصة الأخير الذي انصبت اهتمامات رواده على تاريخ المهمشين، والأقليات، والكادحين، والمهاجرين؛ ما وفر الأدوات والمصادر اللازمة لإعادة بناء ماضي الهامشيين خاصة مع انتقال هذه الموضة (أي التاريخ الشفوي) إلى بريطانيا في مطلع ستينيات القرن الماضي57. ذلك أنه بفضل البحث في المروي، يمكن أن يلج المؤرخون دوائر ومواقع اجتماعية لا تكشف عنها الوثيقة المكتوبة؛ ما يساعد على سماع أصوات المهمشين في التاريخ، الذين نادرًا ما يظهرون في النص المكتوب، إلّ عبر نظرة الآخر، العدائية في الغالب58.

  1. شارب، ص 65.
  2. Vinay Bahl, "What Went Wrong with 'History From Below'," Economic and Political Weekly , vol.  38 , no. 2 (January 2003), p. 140.
  3. هوبزباوم، عصر مثير، ص 23.
  4. إريك هوبزباوم، عصر رأس المال (1848 - 1875)، ترجمة فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 28 - 29.
  5. William G. Pooley, "Native to the Past: History, Anthropology, and Folklor in Past and Present," Past & Present , vol. 239 , no. 1 (May 2018), p. 6.
  6. شارب، ص 61.
  7. التاريخ الشفهي: يحدد في أهم تعريفاته بأنه "منهج بحث وظيفته دراسة الماضي، من خلال ذاكرة منطوقة قوامها روايات الأفراد واستحضاراتهم عن حيواتهم وخبراتهم [...] وتحمل هذه الروايات والاستحضارات ترتيبًا كرونولوجيًا، وغالبًا ما تكون مرقطة بالتأويلات". ينظر: فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر (تونس: دار محمد علي للنشر، 2012)، ص 123.
  8. المرجع نفسه، ص 123 - 124.
  9. محمد حبيدة، كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2013)، ص 46.

يشترك عمل الباحث في التاريخ من أسفل والتاريخ الشفهي في أنه يمنح المهمشين وغيرهم من المنسيين حق المواطنة التاريخية؛ ما حدا بالمؤرخ فرانكو فيراروتي إلى الإقرار في هذا المقام بأن التاريخ الشفوي هو نفسه التاريخ الآتي من الأسفل59. هكذا ساهم البحث الشفهي في تطور حقل التاريخ من أسفل، والكشف عن جوانب مهمة من حياة الهامشيين60، وهو ما استجاب لتطلعات الباحثين في هذا الحقل؛ إذ وجدوا في الشهادات الشفهية الوسيلة الفعالة لملء نواقص وبياضات المصادر المكتوبة، مما دفع عجلة هذا الحقل التاريخي إلى الأمام، على الرغم من الجدل الواسع حول استعمال المرويات الشفهية، وما تطرحه من صعوبات، والتي حددها المؤرخ محمد حبيدة في ثلاث مشكلات رئيسة: الأولى متصلة بسلطة الوثيقة المكتوبة، والثانية مرتبطة بمورفولوجية الحكي، والثالثة مرتبطة بالزمن، وتحديدًا بالكرونولوجيا61. ختامًا، كانت هذه وقفة مقتضبة مع بعض أهم التوجهات الفكرية التي انفتحت عليها المدرسة الماركسية البريطانية وتفاعلت معها بعمق؛ ما أثمر ابتكار براديغم جديد يقوض السلالم الهرمية للتاريخ التقليدي وينحاز إلى التأريخ للهامش والمنسي والمسكوت عنه. وهو ما تُعلمنا إياه القاعدة الذهبية لتاريخ الأفكار فالتفاعل منفتح، وكل محاولة لإغلاق المذاهب والتخصصات بعضها في وجه بعض الآخر، لا تكون إلا مناهضة للتاريخ الفعلي للأفكار، ومعيقة للابتكار62.

خامسًا: الخصوصية

ليس ثمة شك في أنّ التاريخ من أسفل البريطاني قد شكل حلقة مركزية ضمن النسق الإستوغرافي العالمي، كما أتينا على ذكره. وذلك بفضل جهود روّاده في توسيع دائرة المعرفة التاريخية، وقلب بوصلة الكتابة التاريخية من أعلى الهرم الاجتماعي في اتجاه قاعدته، فضلً عن اقتحام مواضيع جديدة كتاريخ المهمشين الذي أهمله المؤرخ الكلاسيكي، وتلك هي الفكرة التي عبّ عنها شميث بقوله: "إن أصوات المهمشين ظلت مكتومة بصورة كلية من طرف أصحاب السلطة الذين يتكلمون عن الهامشيين ولكنهم لا يسمحون لهم بالكلام"63. وعكس هذا الخطاب الكلاسيكي الذي يجافي بسطاء الناس، أولت المدرسة البريطانية أهمية للهامشيين، معتبرة إياهم لا ما يمكث في الأطراف أو مجرّد عبء على السلطة، وإنما ذوات فاعلة وصانعة لهذا التاريخ، بمعنى أنهم في مركز الأحداث التاريخية، وإن كانوا على الهامش في الدراسات التاريخية - ضحاياها المسكوت عنهم - كما نوّهنا سابقًا. هكذا، نكون أمام تاريخ "مناضل"، قام على أساس منح عوام الناس حق المواطنة التاريخية، في ضوء تزايد الطلب الاجتماعي على دمقرطة المجتمع، الذي لم تكن العلوم الإنسانية، ومن ضمنها التاريخ، بعيدة عن حلبته. وبناء عليه، اجتهدت المدرسة كي لا يظل التاريخ في يد علية القوم، على اعتبار أنّ الذين يصنعون التاريخ ليسوا أفراد النخبة، وإنما المجتمعات برمتها؛ إذ لا يمكن أن يبرز الفرد إلا في ظل مجتمع يسمح له بالبروز أو يمكّنه منه. بيد أنّ المدرسة البريطانية لم تقتصر على تدوين تاريخ الهامشيين، وإنما سعت أيضًا إلى تصحيح الصور النمطية/ السلبية التي نسجت حولهم. وهو ما عبّ عنه تومسون بقوله: "إن واحدة من مهمات دارس التاريخ من

  1. Benoît Caritey, "L'histoire venant d'en bas: ses atouts et ses pièges," Où en est l'histoire du temps présent? Notions, Problèmes et territoire , Actes du colloque transfrontalier, Dijon, 1997 , Serge Wolikow et Philippe Poirrier (dir.), Territoires Contemporains, Bulletin de l'Institut d'Histoire Contemporaine , no. 5 (Hors Serie) (1998). pp. 25 - 28.
  2. خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014)، ص 51.
  3. حبيدة، كتابة التاريخ، ص 48.
  4. بناصر البعزاتي، "مفاصل التفاعل بين المعارف"، مجلة فكر ونقد، العدد الأول (أيلول/ سبتمبر 1997)، شوهد في 17 / 5 / 2020، في: nN 2 UTp 2 / ly. bit:// https
  5. شميث، ص 473.

أسفل إسماع أصوات الناس العاديين، لمساعدتهم على إضفاء المعنى الأخلاقي لحياتهم وإنقاذهم من براثين الإهمال ومن نظرات المن والاستخفاف من الأجيال المقبلة"64. وهو ما أكده هوبزباوم، قائلً: "لا تتوقف مهمتنا عند اكتشاف ماضي الهامشيين، بل يجب أن نخرجها من نطاق الرؤية التقليدية/ العدائية"، اقتناعًا منهم بأن هوية الشعوب لم تتشكل على أيدي الملوك والقادة، وإنما على أيدي جميع أطراف المجتمع، وهو ما من شأنه أن يمنح إحساسًا بالهوية المشتركة65. ولئن كان التاريخ من أسفل قد عمل على دمقرطة التاريخ، فإنه سعى أيضًا إلى توسيع عدد جمهور المؤرخ، فمبدأ الديمقراطية يقتضي أيضًا نقل المعرفة التاريخية إلى الجمهور خارج جدران الأكاديمية66. وفي هذا الإطار، دعت المجموعة، من خلال افتتاحية ماضٍ وحاضر، إلى أن تكون عملية إنتاج المعرفة بلغة مفهومة وسلسة لتسهيل عملية نقلها إلى الجمهور غير المتخصص، كي لا يظل التاريخ حبيس جدران الجامعات والأوساط الأكاديمية67، وحتى يصل إلى الجمهور المتعطش "لإرضاء فضوله بشأن ماضيه الوطني"68. ومنتهى القول، كانت تلك هي بعض أهم خصوصيات المدرسة الماركسية البريطانية، على نحوٍ يدفعنا إلى القول إنّ التاريخ من أسفل قام أساسًا على منح المواطنة التاريخية والكلمة لمن حرموا منها. إنه تاريخ بني على شاكلة المجتمع الغربي السائر نحو الديمقراطية والمنتج لخطاب حولها، ومن ثم وجب الشروع في دمقرطة التاريخ.

  1. Thompson, History , p. 279.
  2. شارب، ص 67.
  3. Thompson, History , p. 279.
  4. Eric Hobsbawm, "A Life in History," Past & Present , vol. 177 , no. 1 (November 2002), p. 7.
  5. إريك هوبزباوم، عصر الثورة: أوروبا 1789 - 1848، ترجمة فايز الصباغ وتقديم مصطفى الحمارنة (بيروت: المركز القومي للترجمة، 2007)، ص 23.

المراجع

العربية

باشلار، غاستون. تكوين العقل العلمي: مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية. ترجمة خليل أحمد خليل. ط 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع والنشر، 1982.

• البعزاتي، بناصر. "مفاصل التفاعل بين المعارف". مجلةفكرونقد. العدد الأول (أيلول/ سبتمبر 1997:). في nN 2 UTp 2 / ly. bit:// https بوتشيش، إبراهيم القادري. "تغير مجالات اهتمامات المؤرخ لدراسة التاريخ من أسفل: تاريخ المهمشين نموذجًا". أسطور. العدد 4 (تموز/ يوليو  2016).

التاريخ الجديد. إشراف جاك لوغوف. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

حبيدة، محمد. الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.

_______. كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2013.

• حدجامي، عادل. "الرهانالقديملعالمناالجديد". مقالات.مؤمنونبلاحدودللدراساتوالأبحاث. 22 / 5 / 2014:.في daNreW 3 / ly. bit:// https شاكرابارتي، ديبيش. "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي". ترجمة ثائر ديب. أسطور. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016). طحطح، خالد. البيوغرافيا والتاريخ. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014.

العروي، عبد الله. العرب والفكر التاريخي. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992.

_______. مفهوم التاريخ: الألفاظ والمذاهب، المفاهيم والأصول. ط 4. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005.

قصائدبرتولد بريخت. ترجمة أحمد حسان. بيروت: دار الفارابي، 1986.

كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس- مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.

ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. تونس: دار محمد علي للنشر، 2012.

المالكي، عبد الرحمن. مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2016.

نظرات جديدة على الكتابة التاريخية. تحرير بيتر بوركي. ترجمة قاسم عبده قاسم. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.

هوبزباوم، إريك. عصر التطرفات: القرن العشرون الوجيز 1914 - 91 19. ترجمة فايز الصياغ. عمان: مؤسسة ترجمان؛ بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011.

_______. عصر الثورة: أوروبا (1789 - 1848). ترجمة فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

_______. عصرالثورة: أوروبا 1789 - 1848. ترجمة فايز الصباغ وتقديم مصطفى الحمارنة. بيروت: المركزالقوميللترجمة، 2007. _______. عصرمثير: رحلةعمرفيالقرنالعشرين. ترجمة معين الإمام. دمشق: دراسات المدى، 2007.

_______. عصر رأس المال (1848 - 1875). ترجمة فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008. _______. كيفية تغيير العالم: حكايات عن ماركس والماركسية. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015. وايت، هايدن. "التاريخ وما بعد الحداثة". ترجمة محمد حبيدة. ترجمات. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 28 / 3 / 2018:. في ZS 0 Bkg 2 / ly. bit:// https

الأجنبية

• Bahl, Vinay. "What Went Wrong with 'History From Below'." Economic and Political Weekly. vol. 38 , no. 2

(January 2003).

• Dosse, François. "De la structure au sujet: L'humanisation des sciences humaines." Sciences humaines. no. 21

(Juin/ Juillet 1998). at: https://bit.ly/ 2 YaX 09 w

• _______. L'histoire en miettes: Des Annales a la nouvelles histoire. Paris: La Découverte, 2005.

• Geertz, Clifford. The Interpretation of Culture. New York: Basic Books, 1973.

• Green A. & K. Troup. The Houses of History: A Critical Reader in Twentieth-Century History and Theory.

Manchester: Manchester University Press, 1999.

• Hobsbawm, Eric "A Life in History." Past & Present. vol. 177 , no. 1 (November 2002).

• _______. On history. New York: The New Press, 1997.

• Joyce, Patrick. "What is the Social in Social History?" Past & Present. vol. 206 , no. 1 (February 2010).

• Milot, Louise & Roy Fernand (eds.). La littérarité. Sainte-Foy: Presses de l'université Laval, 1991.

• Le Goff, Jacques. "Later History." Past & Present. vol. 100 , no. 1 (August 1983).

• Matthew D. Cole. "The Idea of Historical Synthesis: Henri Beer and the Relationship between History and

Sociology in France at the Beginning of the Twentieth Century." (Sheffield University Publications, Department

of Sociology Studies, ShOP, no. 8 , March 2005). at: https://bit.ly/ 2 DfNmub

• Où en est l'histoire du temps présent? Notions, Problèmes et territoire. Actes du colloque transfrontalier. Dijon,

1997. Serge Wolikow & Philippe Poirrier (dir.). Territoires Contemporains, Bulletin de l’Institut d’Histoire

Contemporaine. no. 5 (1998).

• Pooley, William G. "Native to the Past: History, Anthropology, and Folklor in Past and Present." Past & Present.

vol. 239 , no. 1 (May 2018).

• Spengler, Oswald. The Decline of the West. Charles Francis Atkinson (Trans). New York: Alfred A. Knopf, 1926.

• Thompson, Edward Palmer. The Making of the English Working Class. New York: Vintage books, 1966.

• _______. "History from Below." Times Literary Supplement. no. 3345 (7 / 4 / 1966).