Return to Article Details Approaches in the Social Sciences and Humanities: Articles Translated from French

مقاربات في العلوم الإنسانية والاجتماعية: مقالات مترجمة من اللغة الفرنسية

Approaches in the Social Sciences and Humanities: Articles Translated from French

مصطفى التليلي

الملخّص

هذه ثلاثة مقالات مترجمة من اللغة الفرنسية صادرة في مؤلف جماعي، تتعلق بـمسائل "التاريخ المقارن والتاريخ المتقاطع" و"البنيوية" و"تاريخ المصطلحات". وتشترك هذه المقالات في تقديمها للباحث مقاربات تُثري مناهج البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ إذ تحفّز على الاهتمام بالتداخلات والتقاطعات بين هذه العلوم وما يقتضيه ذلك من اعتماد للمنهجية الملائمة، وتؤكّد حيوية التلاقح المتبادل بين الاختصاصات المعرفية بما يدفع إلى التفكير والمراجعة وإعادة النظر والتعديل في استعمال الأدوات البحثية وفي التوصّل إلى الاستنتاجات. كما تسلّط هذه المقالات الضوء على أهمية التعامل مع المصطلحات والمفاهيم في تطور مدلولاتها وتنوع استعمالاتها وانتقالها من حقل معرفي إلى آخر. وبذلك تقدّم هذه المقالات للباحث، في العلوم الإنسانية والاجتماعية، رُؤًى وأدوات وطرقًا ضامنة لفتح آفاق أوسع بشأن تحليل الواقع المعيش في شتى الاختصاصات.

Abstract

These three articles translated from French were published in a collective work, concerning the issues “Comparative History and Intersectional History,” “Structuralism,” and “The History of Terminology.” These articles all offer the researcher approaches that enrich research methods in the social sciences and humanities, inasmuch as they stimulate interest in the overlaps and intersections between these sciences and in sanctioning the suitable methodology and stress the vitality of between academic disciplines, which leads to reviewing, rethinking, and revising the usage of research tools and the reaching of conclusions. These articles also shed light on the importance of dealing with terminology and concepts as their meanings develop, their usages grow more diverse, and they are transmitted from one discipline to the next. As such, these articles offer the social-science or humanities researcher perspectives, tools, and responsible ways to expand the horizons of analyzing lived reality across various disciplines.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ المقارن
  • التاريخ المتقاطع
  • الكتابة التاريخية
  • البنيوية
  • تاريخ المفاهيم
Keywords:
  • comparative history
  • intersectional history
  • historiography
  • structuralism
  • history of concepts
ترجمة: مصطفى التليلي| Tlili *Mustapha
ترجمة: مصطفى التليلي | Tlili Mustaphaأستاذ التاريخ الحديث، نائب عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتمعية، جامعة تونس.
*
Professor of Modern History and Vice Dean of the Faculty of Humanities and Social Sciences, University of Tunis.
هذه ثلاثة مقالات مترجمة من اللغة الفرنسية صادرة في مؤلف جمعي، تتعلق بمسائل "التاريخ المقارن والتاريخ
المتقاطع" و"البنيوية" و"تاريخ المصطلحات". وتش كرر هذه المقالات في تقديمها مقاربات تُري مناهج البحث في
م بالتداخلات والتقاطعات بن هذه العلوم وما يقتضيه ذلك من
العلوم الإنسانية والاجتمعية؛ إذ تحفّز على الاهت
داا للمنهجية الملائمة، وتؤكّد حيوية التلاقح المتبادل بن الاختصاصات المعرفية بما يدفع إلى التفكير والمراجعة
اعت
وإعادة النظر والتعديل في استعمل الأدوات البحثية وفي التوصّل إلى الاستنتاجات. كم تسلّط هذه المقالات الضوء على
أهمية التعامل مع المصطلحات والمفاهيم في تطور مدلولاتها وتنوع استعملاتها وانتقالها من حقل معرفي إلى آخر.
وبذلك تقدّم هذه المقالات للباحث، في العلوم الإنسانية والاجتمعية، رُؤى وأدوات وطرقًا ضامنة لفتح آفاق أوسع بشأن
تحليل الواقع المعيش في شتى الاختصاصات.
كلمت مفتاحية: التاريخ المقارن، التاريخ المتقاطع، الكتابة التاريخية، البنيوية، تاريخ المفاهيم.
These three articles translated from French were published in a collective work 1 , concerning the issues
"Comparative History and Intersectional History," "Structuralism," and "The History of Terminology." These
articles all offer the researcher approaches that enrich research methods in the social sciences and humanities,
inasmuch as they stimulate interest in the overlaps and intersections between these sciences and in sanctioning
the suitable methodology and stress the vitality of between academic disciplines, which leads to reviewing,
rethinking, and revising the usage of research tools and the reaching of conclusions. These articles also shed light
on the importance of dealing with terminology and concepts as their meanings develop, their usages grow more
diverse, and they are transmitted from one discipline to the next. As such, these articles offer the social-science or
humanities researcher perspectives, tools, and responsible ways to expand the horizons of analyzing lived reality
across various disciplines.
Keywords: Comparative History, Intersectional History, Historiography, Structuralism, History of Concepts.
مقاربات في العلوم الإنسانية والاجتمعية
مقالات مترجمة من اللغة الفرنسية
Approaches in the Social Sciences and Humanities
Articles Translated from French
ترجمة: مصطفى التليلي | Tlili Mustapha

بينيديكت زيمرمان Bénédicte Zimmermann |

التاريخ المقارن، التاريخ المتقاطع Histoire comparée, histoire croisée1

رغم أنّ المقارنة تؤسس لكل عملية معرفية، فإنّ منهجيتها في الأسلوب التاريخي تكون مرتبطة بصفة وثيقة بالأحداث السياسية. في أوروبا، أعطت حرب 1870، ثم الحرب العالمية الأولى، دفعًا لحركة مزدوجة لتعزيز التواريخ الوطنية ولتجاوزها، كما توضّح ذلك دعوة مارك بلوك Bloch. M "من أجل تاريخ مقارن للمجتمعات الأوروبية". وأسفرت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عن بحوث مقارنة كبيرة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، شكّلت فيها الدولة-الأمة الوحدة المفضّلة. ورغم القطع مع انغلاق الكتابات التاريخية الوطنية ومع استغراقها، فإنّ هذه البحوث، مع ذلك، دعّمت رسوخها بالبحث في تحديد الخصوصيات والفوارق الوطنية عن مفاتيح لتفسير النزاعات الدولية، وتعدّ أطروحة "المسار الخاص" الألماني Sonderweg المثيرة للجدل مثالً توضيحيًا لذلك. ثم مثلت سنة 1989 ونهاية الحرب الباردة منعطفًا جديدًا. وفي حين كانت المقارنة تحتل مكانة مهيمنة، بصفتها أسلوب بحثٍ وبناءً لمواضيع في ظرفية سياسية تتميز بمنطق التعارض بين كتلتين، فإنّ المعطى السياسي الجديد ساهم في تثمين مقاربات مخصصة لدراسة العلاقات والتداولات وعلاقات التبعية المتبادلة بين مختلف أجزاء العالم. وينتمي التاريخ المقارن إلى تلك العائلة من المقاربات العلائقية، على غرار تاريخ الاختلاط والتداولات بالنسبة إلى الفضاء الفرنكوفوني، والتواريخ المتشابكة والمتقاسمة والمترابطة بالنسبة إلى الفضاء الأنكلوسكسوني. ويتمثل قاسمها المشترك في تحويل التحليل بالنسبة إلى المونوغرافيات المقارنة المركّزة على وحدات ترابية محدّدة نحو العلاقات التي تخترق هذه الوحدات وأوجه الترابط التي تشكلها. وينجم عن إعادة التعريف هذه بالموضوع تحوّل في الوقت نفسه؛ تجريبي ومنهجي وإبستيمولوجي.

أولً: من المقارنة إىل التاريخ المتقاطع

مثّل التعاون بين الباحثين الفرنسيين والألمان أرضية خصبة لانتشار التاريخ المقارن، وكذلك التاريخ المتقاطع، وقبله كانت دراسات التحويلات مدينة لتحفيزات المخبر الفرنسي - الألماني.

1. المقارنة والوطنية المنهجية

يكمن مجال اختصاص المقارنة في المواجهة المنطقية بين وحدات مختلفة، يحبّذ أن تكون متعادلة، حتى يتمّ تسليط الضوء بطريقة متباينة على مسألة أو قضية مشتركة، من خلال إبراز مظاهر الاختلاف والتشابه. ويكون اختيار سلّم المقارنة حاسمًا، ويتمثل في اختيار بؤرة تكون، تحت هاجس التناسق، مماثلة بالنسبة إلى كل الوحدات. وإنْ شملت هذه المقارنة مستوى شبه أو فوق-وطني، وفضّلت سلّمًا صغيرًا أو كبيرًا، فهي تتخذ، غالبًا، منطلقًا لأصناف ووقائع حددتها تقاليد الكتابات التاريخية، التي هي بدورها مشكّلة تاريخيًا ووطنيًا. ويفضي غياب المسافة عن هذا التشكّل إلى وطنية منهجية تفكّ شفرة التواريخ الأخرى وتكتبها في ضوء تساؤلات كتابة تاريخية محددة. ومن خلال هذه المعضلة ينشأ فضاء الاستقصاء للتاريخ المتقاطع الذي يتناول موضوع مسارات تشكّل تصنيفات المقارنة ومسائلها، ضمن مواضيع أخرى، وكذلك التحولات الناتجة من الربط بينها.

2. وساطة التحويلات

كانت دراسات التحويلات من الدراسات الأولى في أوروبا التي طوّرت نقدًا لهذه المعضلات ومحاولة لتجاوزها2، لكنها اقتصرت على أشكال معينة للتنقلات. فهي تفترض نقطة انطلاق ونقطة وصول تحدّدها، غالبًا، أطرٌ مرجعية وطنية. ولكن عندما يتعلّق الأمر بقياس الفوارق وظواهر التثاقف أو المقاومة، فإنّ هذه المعطيات تقيَّم بحسب نماذج ثابتة. ويحدّد المعنى الفارق بالاعتماد على تصنيفات، لا تُساءَل تاريخيتها ولا صلاحيتها إلا نادرًا. وفي حين كان هدف دراسات التحويل هو جعل الحدود بين وحدات وطنية نفّاذة أكثر، وكسر أسطورة تجانسها، فإن التصنيفات التحليلية المستعملة تعيد إدخال المرجعيات الوطنية من قبل المجموعة التي كان يجب تنسيبها. لذا، فعوض تخفيف القيد الوطني للكتابات التاريخية، فإنّ المقاربة من خلال التحويلات تتجه غالبًا إلى تدعيمه. وعلى المستوى التجريبي تحديدًا، فإن أغلب التحقيقات تتعلق بمسارات خطية بسيطة، بحسب منطق الإدخال والنشر والاستقبال الذي لا تخضع له الوضعيات المعقدة التي توجد فيها تفاعلات وتنقلات متعددة.

ثانيًا: التاريخ المتقاطع: بين التجريب والانعكاسية

تغذّى التاريخ المقارن من الحركة التي استهلتها دراسات التحويلات، مع إجراء انتقال جديد: تحويلات نحو التداخلات المتبادلة والتقاطعات3. وبناءً عليه، لا يزعم التاريخ المتقاطع أنّه بديل من تحليل التحويلات أو المقارنة. فهو يتكفل، بالأحرى، بتساؤلات ومواضيع لا تكون في متناولها، وتضع في الصدارة عمليات تفاعلية وإنشائية وتحويلية. وعلى عكس المناهج السابقة، لا يحتوي هذا التمشّ على المشاهد والفضاءات الملائمة للتحليل على نحو مسبق، بل يقوم بتحديدها خلال الدراسة الاستقصائية ذاتها بحسب التقاطعات الخاصة بموضوع الدراسة. يفضي هذا السياق العلائقي والتفاعلي والإجرائي للتاريخ المتقاطع إلى إدراك أصناف مختلفة من التقاطعات التي تتكامل في ما بينها. ويكمن صنف أول، من النوع التجريبي، في مستوى موضوع البحث ذاته. ويهم صنف ثانٍ، من النوع المنهجي، وجهات النظر حول الموضوع، بالمزج - مثل - بين سلالم مجالية وزمنية مختلفة. وأخيرًا، يلزم صنف ثالث، من النوع الإبستيمولوجي، العلاقات بين الملاحظ والموضوع وإشكالية للانعكاسيّة. وفي الواقع، ومهما كان التقاطع، فإنّه لا يعرض أبدًا على أنه "سبق أن قدّم هنا" ويكفي التقاطه وتسجيله، ويستوجب ملاحظًا ليبني مجال فهمه.

1. موضوع تجريبي آخر

يقتضي التقاطع وجود نقطة تلاقي قادرة على التأثير، بدرجات متفاوتة، في العناصر الموجودة، بحسب متانتها ومدى سهولة اختراقها ومحيطها. وتكون فكرة نقطة التلاقي، ذاتها، وكذلك صبغتها النشيطة والديناميكية، في أصل مبدأ التاريخ المتقاطع. ويظلّ اعتبار أنه يحدث شيء ما، في الوقت الذي يقع فيه ربط العلاقة، فرضية قوية للتاريخ المتقاطع الذي يهتمّ، نتيجة لذلك، بالتقاطعات نفسها، وكذلك بنتائجها.

2. متطلبات منهجية

يفترض تغيير المنظور، هذا، منهجية ملائمة. فالتقاطع لا يميّز تعريف الموضوع فقط، بل يشكّل أيضًا الممارسات البحثية. هكذا، في مجال السلالم المجالية والزمانية، يدفع التاريخ المتقاطع نحو تجاوز المعارضات بين الجزئي والكلّ وبين المدى القصير والمدى الطويل لوضع تشابكاتها في الصدارة. حينما تدعو مقتضيات التماثل في المقاربة المقارنة إلى التشديد على بعد بؤري وحيد، مختزل غالبًا، فإن التاريخ المتقاطع يركّز على تمفصلات السلالم، بهدف إدراك التفاعلات المشكّلة للظواهر المدروسة. ويوفر التاريخ عبر الوطني أو الشامل تجسيدًا جيّدًا لها. في أفق تاريخ متقاطع، لا يقتصر التاريخ عبر الوطني أو الشامل على مستوى تحليلي جديد ينضاف إلى المحلي أو الجهوي أو الوطني، بل يكوّن حقائق في حدّ ذاتها مشكّلة في نطاق التفاعل مع أشكال أخرى لمنطق هيكلة المجال. بالنظر إليه من هذه الزاوية، يمكن للتاريخ المتقاطع أن يفتح ثنايا واعدة لكتابة تاريخ عبر وطني، أو شامل، لا يقتصر على جملة التواريخ الوطنية، لكنه يأخذ في الاعتبار، في مسألة محدّدة، تنوع المعاملات والمفاوضات وإعادة التأويلات التي تحدث في مستويات مختلفة.

3. تداعيات إبستيمولوجية

بذلك، تخترق الحدود الترابية واللغوية والثقافية، ويعاد النظر في الأصناف التحليلية التي تحمل أثر التشكيلات المجالية والزمنية ومن ثمّ السياسية لتوليدها. وليس الترسيخ التجريبي في الوضعيات الملموسة للتحرك أكثر أهمية منها، وكذلك تعبئة آليات منهجية صارمة، وهي تعطي مكانة واسعة للانعكاسية. من خلال وضع ظواهر الترابط والتأثيرات المتبادلة والنبذ والإنتاج المشترك في قلب التحليل، يقترح التاريخ المتقاطع تحويل المنظور إلى الموضوع التاريخي، مع الحثّ على طريقة جديدة لبنائه، بالبحث عن الانسجام بين التساؤل والموضوع والمنهج التجريبي. ومع ذلك، لا تجد الدراسات المقارنة أو دراسات التحويلات نفسها - نتيجة لذلك - مقصاةً، بل مدعوّة إلى التعايش مع تلك الأساليب الأخرى لفهم العالم ومقاربته، في نطاق التكامل التامّ.

فرانسوا دوس François Dosse |

البنيوية Structuralisme  (4)

في سنة 1966، سنة أوج النموذج البنيوي، نشر فرناند بروديل Braudel Fernand طبعة جديدة من أطروحته الشهيرة المتوسط

والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني II Philippe de époque ' l à méditerranéen monde le et Méditerranée La، أضاف

إليها خاتمة جديدة أكّد فيها ما يلي: "أنا بنيوي بالمزاج، ولا يجلبني الحدث إلا قليلً وتجلبني الظرفية بصفة متوسطة فقط". ثم خصصت مجلة الحوليات Annales بعد فترة وجيزة، في سنة 1971، عددًا ل "التاريخ والبنية"، نجد فيه عديدًا من ممثلي البحوث البنيوية الجارية، ومن ضمنهم رائدهم كلود ليفي ستراوس Strauss - Lévi Claude، الذي قال في هذه المناسبة: "لديّ إحساس بأننا نقوم بالشيء نفسه". وفي سنة 1973، وفي درسه الافتتاحي في "كوليج دو فرانس" France de Collège بعنوان "التاريخ الثابت"، قال إيمانويل لي روا لادوري Ladurie Roy Le Emmanuel، الذي خلف حينها بروديل، في هذه المناسبة: "منذ قرابة نصف قرن، من مارك بلوك Bloch Marc

إلى بيير غوبار Goubert Pierre، مارس أحسن المؤرخين الفرنسيين، وهم ممنهجون بانتظام، البنيوية بوعي، أو أحيانًا من دون أن يعلموا، ولكن في أغلب الأحيان من دون أن يعرفوا ذلك". ويعني ذلك أن التخصص التاريخي كان متجاوبًا بصفة خاصة في الستينيات والسبعينيات مع "الموضة" التي حركت جملة العلوم الإنسانية حول مصطلح البنية الذي أثمر اللفظة الجديدة البنيوية؛ إذ كانت اللحظة التي لا حديث فيها في ندوات المؤرخين سوى عن البنيات التي نشر فيها المختصّ في التاريخ الوسيط بيير توبار أطروحته في جزأين، بنيات منطقة لاتيوم الوسيطة4. اشتغل لفظ البنية، بأخذه في معناه الواسع، في الواقع خلال هذه السنوات بوصفه كلمة السرّ الحقيقية بالنسبة إلى جزء كبير من العلوم الإنسانية، مشكّلة برنامجًا موحدًا لها. من أين أتى هذا المصطلح، البنيوية؟ إنه مشتقّ من البنية، وكان له في أول الأمر معنى معماري. تعني البنية، أولً، "الطريقة التي شيدت بها بناية" (قاموس تريفو Trévoux، طبعة 1771)5. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، تغيّ معنى لفظ البنية وتوسع بالقياس ليشمل الكائنات الحيّة، إذ أصبح ينظر إلى جسم الإنسان بوصفه بناية لدى فونتنال Fontenelle، وكذلك اللغة مع فوجلا Vaugelas تحديدًا. أخذت اللفظة، إذًا، معنى وصف الطريقة التي تنتظم بها جملة أجزاء كائن ملموس. ويمكن أن تشمل تطبيقات متعددة (بنيات تشريحية، ونفسية، وجيولوجية، ورياضية... إلخ). ولم يتولَّ التمشي البنيوي زمام الأمور، حقيقة، في حقل العلوم الإنسانية إلا في مرحلة ثانية، قريبة، ابتداءً من القرن التاسع عشر، مع سبانسر Spencer ومورغان

Morgan وماركس Marx.

أصبح الأمر يتعلق بظاهرة دائمة تربط بطريقة معقدة بين أجزاء مجموعة بمعناها الأكثر تجريدًا. ترسّخت لفظة البنية، وهي قليلة الاستعمال لدى ماركس باستثناء توطئة مؤلفه نقد الاقتصاد السياسي (1859)6، من قبل دوركايم Durkheim في نهاية القرن التاسع عشر في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي (1895)7؛ حيث أفضت البنية، حينئذ، إلى ما يطلق عليه كتابالمعجملأندريه لالاند Lalande André بالقياس: البنيوية، بين سنتَي 1900 و 1926. وولدت البنيوية لدى المختصين في علم النفس بهدف التصدي إلى علم النفس الوظيفي في بداية القرن العشرين، لكنّ نقطة الانطلاق الحقيقية للتمشي، في معناه الواسع الحديث، جاءت على مستوى كل العلوم الإنسانية من تطور الألسنية. عرفت هذه اللحظة البنيوية مرحلتين منفصلتين بوضوح: مرحلة بناء البرنامج التوحيدي ومرحلة تفكيكه التدريجي. وساهم الإنشاء المؤسساتي الصعب للعلوم الإنسانية بفرنسا بقوة في البحث عن أوجه التقارب حول برنامج يريد أن يكون علميًا ويشقّ طريقه بين الإنسانيات الكلاسيكية والعلوم الصحيحة. وقد حققت الأنثروبولوجيا الاجتماعية مع ليفي ستراوس قطيعتها مع الأنثروبولوجيا الطبيعية القديمة، وارتقت إلى دراسة الشأن الاجتماعي بوصفه ظاهرة اتصالية. وطبقًا لانتساب في الوقت نفسه دوركايمي ومتأثّر بدعاة النسبية - كروبر Kroeber ولويي Lowie وبوا Boas - تباين ليفي ستراوس عن المقاربة الإثنولوجية بعبارات تاريخية، أي عن المدرسة الانتشارية؛ إذ أخذ مسافة، بالقدر نفسه، من مقاربة بعبارات نفسية وكذلك بعبارات أخلاقية لفهم ظاهرة القرابة؛ لا بوصفها ظاهرة انتساب دموي، بل من جهة أنها نظام تحالفات واتصال ضروري يقتضي تحريم سفاح القربى، لا بوصفها سلبية بل العكس إيجابية اجتماعية. النموذج الذي سمح لليفي ستراوس بإعادة استعمال النمط الذي وضعه مارسال ماوس Mauss Marcel المتعلق ب "الفعل الاجتماعي الكلّ" حول صورة الهبة والهبة المضادة هو نموذج الألسنية، وكان متأثّرًا جدًّا في هذا المجال برومان جاكوبسن Jakobson Roman، وبأعماله

حول علم الأصوات. وبفضل حضوره دروس جاكوبسن في نيويورك خلال الحرب، استنتج أنّ "نظام القرابة هو خطاب". لذلك تسمح الألسنية بالولوج إلى الشفرة وبنمذجة المعطى الاجتماعي بحسب اللغة الرسمية للرياضيات الحديثة، وفي الوقت نفسه تسمح بالقيام بدراسات أنثروبولوجية تهتمّ بالرمزي والثقافي. ومن ثمّ، أصبح الوصول إلى لاوعي الممارسات الاجتماعية ممكنًا، بحسب ليفي ستراوس، بفضل معرفة قواعد الخطاب. إن كانت البنيوية هي بالأساس منتوجًا للإثراء المتبادل بين الألسنية والأنثروبولوجيا، فالألسنية تؤدي دور العلم النموذجي خلال كامل هذه الفترة. وكان اكتشاف القطيعة التي أجراها دي سوسير Saussure de متأخرًا بفرنسا. لذلك يتم الحديث عن "العودة إلى [...] دي سوسير"، والاحتفاظ بثلاثة عناصر أساسية من درس (ه) في الألسنية العامة générale linguistique de Cours: القطيعة مع الفاعل التي يقتضيها تمييزه بين اللغة والكلام؛ قطيعة مع التعاقبية لفائدة مقاربة تزامنية، وأخيرًا قطيعة مع المدلول بحسب الصبغة الاعتباطية للعلامة. لم يؤثر "التحول الألسني" turn Linguistic بفرنسا إلا بتأخير زمني، وما زال غريماس Greimas يستغرب سنة 1956 في مقاله حول "راهنية السوسيرية" من ثراء المواضيع السوسيرية بالنسبة إلى العديد من العلوم الإنسانية، من دون أن يقدر بعد المختصون في الألسنية حجم ذلك. وأصبحت العودة إلى دي سوسير، ابتداءً من منتصف الخمسينيات، القاعدة الأساسية لغليان سيميائي تطوّر انطلاقًا من أقطاب طرفية مثل ستراسبورغ Strasbourg، وبوزنسون Besançon، والفرع الرابع للمدرسة التطبيقية للدراسات العليا، أو كذلك كوليج دو فرانس. ومن جهته، فهم لاكان Lacan الأهمية التي يمكن أن تكون لهذا النموذج الألسني بالنسبة إلى التحليل النفسي حتى يتمّ تجنب عقبة مضاعفة أمام التحليل النفسي: إضفاء الطابع الطبّي والتحويل النفسي. وحتى سنة 1949، أعاد تناول مداخلته لسنة 1936 حول مرحلة المرآة، اعتمادًا على مفهوم البنية لليفي ستراوس، متأثرًا كثيرًا بنصين لعالم الأنثروبولوجيا، "المشعوذ والسحر" و"النجاعة الرمزية"، وفّرا له تعريفًا للّوعي، بوصفه مكانًا رمزيًا ليس إلا، وغريبًا عن المشاعر ومجرّد وظيفة رمزية للتبادل. وعندما رفض لاكان في سنة 1953 من قبل الجمعية الدولية للتحليل النفسي API , internationale psychanalytique Association، واضطر إلى بعث الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي psychanalyse de française Société، بحَث عن الاعتماد على البنيوية لوضع أسس لتحليل نفسي يريد أن يكون علميًا. وفي "تقرير روما" الذي حرره في سنة 1953 أوصى ب "العودة إلى [...] فرويد"، وبقراءة مجددة انطلاقًا من الألسنية، ومثّل، إذًا، دي سوسير مرشدًا بالنسبة إليه. وفي سنة 1957، في مقاله "الحضور اللغوي في اللاوعي" inconscient ' l dans lettre la de instance ' L، أعاد لاكان تناول نظام دي سوسير وطوّعه وفقًا لحاجاته. وبذلك يصبح اللّوعي أثرًا لغويًا، ويجد الفاعل نفسه دومًا منشطرًا، وصعب المنال لذاته، ويكون "الأنا" دومًا منفصلً عن أنا. وحقّق، إذًا، هذا التثمين المبالغ فيه للّوعي الذي يحدث في البراديغم البنيوي بصفة عامة. وإن كانت القرابة خطابًا بالنسبة إلى ليفي ستراوس فإنّها بالنسبة إلى لاكان "اللّوعي مهيكل مثل الخطاب" حول استعارتين: المجاز الذي يمثل التكثيف، والكناية التي تسمح بانتقال السلسلة الدلالية. سمحت سنة 1964 بتحقيق بعض الاختراقات في النظام القديم؛ فقد وفرت الإمكانية للبنيوية حتى تظهر بوصفها برنامجًا مشتركًا لعدة اختصاصات. وبالفعل، أ نشئت في سنة 1964 الجامعة الجديدة في نانتير التي كان عليها أن تكون موقع الحداثة ذاته ضمن المواقع الأدبية. وفي السنة نفسها، صدر عدد خاص لمجلة كومينيكاسيون Communications التي يديرها رولان بارت، وخصّص للسيميائية، وعرّف بارت في هذا العدد "النشاط البنيوي" بكونه الوعي بالمفارقة وتنسيب المعنى بحسب سياقه الخطابي. وفي الوقت ذاته، كوّن لاكان، الذي عُزل نهائيًا من الجمعية الدولية للفرويدية، مدرسةَ القضية الفرويدية ECF ونقلت حلقته الدراسية من سانت آن Anne - Sainte إلى المدرسة العليا للأساتذة بأولم Ulm ENS، المكان العريق للإنسانيات الكلاسيكية، المعرّضة لحمّى حقيقية علموية

وإبستيمولوجية بتشجيع من لويس ألتوسير Althusser Louis. واستقبل ألتوسير لاكان في مدرسة أولم، وأفسح كذلك المجال لتوجهاته ضمن الماركسية في نصّ "لاكان وفرويد"، الذي أيّد فيه الاتجاهات الجديدة للتحليل النفسي التي حدّدها لاكان، ورأى في عودة لاكان إلى فرويد تمثيلً لتمشيه الخاص في العودة إلى ماركس. وهي السنة نفسها التي بدأ فيها ليفي ستراوس مؤلَّفه الكبير، ثلاثيته حول الأساطير، الأسطوريات Mythologiques، مع نشر كتابه النيء والمطبوخ cuit le et cru Le وأثبت فيه أن الفكر الأسطوري مهيكل مثل خطاب. فمن ناحية الفلسفة، نجد صياغة برنامج شامل يتجاوز هذه اليقينية أو تلك في اختصاصات العلوم الإنسانية. في أولم، مركز تجاوز السوربون الكلاسيكية جدًّا، والموقع العريق للبنيوية الذي يوجد به لاكان ودريدا، أصبحت الفلسفة، حول لويس ألتوسير، "نظرية الممارسات النظرية" وتملّكًا لمكتسبات العلوم الاجتماعية الجديدة وتقويضًا داخليًا لها. فبفضل العودة إلى ماركس خلال السيمنارات التي بدأت في بداية الستينيات، شرع ألتوسير في إعادة قراءة ماركس ليجعل منه حلولً للعلم، انطلاقًا من قطيعة إبستيمولوجية يمكن اكتشافها في أعماله نحو سنة 1845. لذا، قد يكون هناك وجهان لماركس، ولا يحتفظ ألتوسير سوى بالوجه الثاني، ماركس العلم والسببية البنيوية والتحدّد التضافري. وقد أعطى ألتوسير قراءة لماركس تعرض على أنها قراءة للمعاداة للإنسانية النظرية و"محاكمة من دون فاعل ومن دون موضوع"، ومثل ذلك من القضايا المشتغل بها في الأعمال البنيوية لسنوات الستينيات التي يتحدث فيها عن الإنسان أكثر مما يتحدث هو ذاته. وأجريت المحاولة الكبيرة لشمولية البرنامج البنيوي من قبل ميشيل فوكو Foucault Michel في هذه "السنة الضوئية" للبنيوية، وهي سنة 1966، عند صدور كتاب الكلمات والأشياء choses les et mots Les. وأعلن، حينها، فوكو عن موت الفلسفة وتعويضها بالتفكير بالأفعال، بفضل المنطق والألسنية. وأعطى فوكو الأفضلية لعلمين إنسانيين محددين: التحليل النفسي والإثنولوجيا، بما أنه ينظر إليهما بوصفهما من "العلوم المضادة" التي تسمح بإرباك كلٍّ من التاريخ والفاعل. واعتبر فوكو النزعة الإنسانية كأنها "عصر (نا) الوسيط"، وصورة الإنسان كأنها صورة عابرة ومحكوم عليها بالاندثار. فهنا أيضًا في تمثيل اللاوعي للعلوم الإنسانية، يمكن أن نعثر على حقيقتها وراء ادعائها الوهمي المتمثّل بإعادة الإنسان لسيطرة مستحيلة إلى الأبد منذ الجروح النرجسية الثلاثة التي أحدثها غاليلي Galilée وداروين Darwin وفرويد. وإن كانت البنيوية لم تفتأ تتراجع من الأفق النظري منذ سنة 1975، فلا يجب أن نظن - رغم ذلك - أن تضاؤل الإشعاع الإعلامي الذي كانت تحظى به في سنوات الستينيات يسمح بتشخيص غيبوبة متجاوزة، وأنه يكفي إجراء "غسيل واسع" لتحقيق المحو التام لماضٍ قد ولّ. بالتأكيد، غيّت منعطفات كبرى البراديغم البنيوي أو قوّضته بشدّة. ولم تعُد الطموحات المفرطة جائزة، وأصبح التواضع أمرًا حيويًا؛ وعقدت تحالفات جديدة بحسب الضرورة الحتمية لوضعية تاريخية جديدة ولإنجازات علمية. بصفتها حدثًا تاريخيًا مهما للتفكير النقدي وتعبيرًا عن تطلع تحرري للعلوم الإنسانية الفتية والباحثة عن مشروعية معرفية ومؤسساتية، أثارت البنيوية حماسًا جماعيًا حقيقيًا لكل النخبة المثقفة الفرنسية مدةً لا تقلّ عن عشريتين. فهمت البنيوية، في تعريف عام، على أنها لحظة تاريخية حدّدت حول كلمة سرّ حقيقية وحول عابر للحدود استخدم برنامجًا توحيديًا لجملة العلوم الإنسانية. كان فوكو يعتبر بذلك أنّ البنيوية "ليست منهجًا جديدًا، فهي الوعي اليقظ والقلق للمعرفة الحديثة"، وكان جاك دريدا Derrida Jacques يعرّف هذه المقاربة بأنها "مغامرة النظرة"، وكان رولان بارت Barthes Roland يرى البنيوية مرورًا من الوعي الرمزي إلى الوعي النموذجي، أي ظهور الوعي بالمفارقة. إذًا، فالأمر يتعلق بحركة تفكير وبعلاقة جديدة بالعالم أوسع بكثير من مجرد منهج ثنائي مناسب لهذا المجال الخاص للدراسة أو ذاك. ويفضّل هذا الإطار المرجعي للقراءة، الذي يراد له أن يكون توحيديًا،

الإشارة على حساب المدلول، والفضاء على حساب الزمن، والموضوع على حساب الفاعل، والعلاقة على حساب المحتوى، والثقافة على حساب الطبيعة. أولً، تشتغل البنيوية بوصفها براديغمًا، لفلسفة الريبة وللكشف من قبل مثقفين يهدفون إلى إزالة اللبس حول المعتقد الشائع doxa وتحريف المعنى وزعزعته والبحث وراء القول عن التعبير عن سوء النية. وينخرط موقف الكشف، هذا، في إطار الانتساب إلى التقاليد الإبستيمولوجية الفرنسية التي تفترض موقفًا متعاليًا وقطيعة بين الكفاءة العلمية والحسّ العام، بما أن الحسّ العام مشدود للوهم. ويكشف، وراء الخطاب التحرري للأنوار، انضباط الأجسام والاحتجاز، الاحتجاز الكبير للجسم الاجتماعي في سياق جهنمي للمعرفة والمقدرة. لذا، يقول بارت: "أرفض بشدة حضارتي حتى الغثيان". وينتهي المشهد الأخير من كتاب الرجل العاري nu Homme ' L لليفي ستراوس بكلمة: "لا شيء" RIEN بحروف كبيرة، على نمط قداس أو مغيب للبشر. هذا البراديغم البنيوي سيكون قد رجّح تعطيل المدلول بوصفه وسيلةً لمحاربة المركزية الأوروبية ومختلف أشكال الغائيات المتغرّبة لفائدة تفكير إيجابي. يتمثّل البعد الثاني للبراديغم البنيوي في "العرض العمومي للشراء" OPA الذي يمثله من جانب الفلسفة تجاه ثلاثة علوم إنسانية بصدد التحرر يجمع بينها قاسم مشترك هو تثمين اللّوعي بوصفه مجالً للحقيقة: الألسنية العامة عندما تفصل مع دي سوسير اللغة بوصفها موضوعًا شرعيًا للكلام المكبوت في اللّعلمي، والأنثروبولوجيا عندما تهتمّ بشفرة الرسالة أكثر من الرسالة نفسها، والتحليل النفسي عندما يفهم اللّوعي بوصفه أثرًا للكلام. ويوجد هنا، على حدّ سواء، بحث عن إضفاء الشرعية وعن التأسيس من قبل العلوم الاجتماعية الفتية التي تواجه التموقع القوي للإنسانيات الكلاسيكية والتقاليد والنزعة المحافظة للسوربون القديمة. وتكرس البنيوية نفسها في هذا المستوى بوصفها خطابًا ثالثًا، بين الأدب والعلوم الصحيحة، باحثة عن المأسسة بالتأقلم اجتماعيًا، ومتجاوزة مركزًا على غرار السوربون، من خلال جامعات طرفية والنشر والصحافة، أو من خلال مؤسسة موقّرة ستستخدم ملاذًا للأبحاث المتقدمة: كوليج دو فرانس. فهناك، إذًا، معركة حقيقية بين القدامى والمستحدثين، وفيها تؤثر قضية الانقطاع والقطيعة في مستويات عدة. وبذلك تبحث العلوم الاجتماعية عن التحرر وقطع الحبل السري الذي كان يربطها بالفلسفة بالتأسيس لفاعلية منهج علمي. ومن جهتهم، سيتولى بعض الفلاسفة، الذين فهموا أهمية هذه الأعمال، القيام بتجميع حقيقي لبرنامجهم وإعادة تحديد لوظيفة الفلسفة بصفتها فلسفة للمفهوم. وسيكون ذلك ما سمّي "دراسة الأثر" logie - effet ' l، أي استعادة أعمال العلوم الإنسانية من قبل فلسفة تتولى، في الوقت نفسه، تفكيك التصنيفات المستخدمة داخل الممارسات. وهكذا، ستحافظ الفلسفة على موقعها المركزي مع الإعلان عن نهايتها. ويعود الدور المهم الذي أداه الفلاسفة في هذه القضية إلى قدرتهم على تغليب برنامج توحيدي في منتصف الستينيات، وفي هذا المجال شكلت الشارة البنيوية راية الانضمام. حدّد جيل دولوز Deleuze Gilles، في سنة 1972، بدقة البراديغم البنيوي، مبرزًا بعض المعايير المشتركة التي نجدها في ما وراء الاختلاف بين اختصاصات العلوم الإنسانية. وفي المقام الأول، الأهمية التي تُعطى للبعد الرمزي الذي يتدخل بوصفه طرفًا ثالثًا بين الواقعي والخيالي. وفي المقام الثاني، اهتمام خاص أسند إلى المنطقيات التصنيفية للمكانة والموقع. والمعيار الثالث، الذي بفضله نتعرّف إلى البراديغم البنيوي، هو وجاهة الاختلاف في التموقع الذي يتواصل ببناء مجموعات متسلسلة. وأخيرًا، نجد في قلب البنية الذي يبيح لها الحركة، خانةً فارغة وفجوة في مكانها تجعل من التنقلات المتعددة ممكنة، أي ما يشبه درجة الصفر باعتبارها شرطًا للإمكانية. كانت إحدى الخصائص المهمة لهذه اللحظة البنيوية ستتمثل في كثافة المبادلات بين مختلف الاختصاصات العلمية التي كانت ستسمح بتنقل استثنائي للمفاهيم من حقل معرفي إلى آخر، ومن مؤلَّف إلى آخر. وأصبح هناك اقتصاد حقيقي للتبادل الثقافي بمجموعة كثيفة من الاستعارات والترجمات والتحويلات المفاهيمية للبنيوية من اختصاص إلى آخر.

وعلينا أن نميّز بين الظاهرة البنيوية باعتبارها إعجابًا ببرنامج يعِد بتوحيد حقل العلوم الإنسانية والمناهج الخاصة التي حلّت محلّ ذلك الأمل في كلٍّ من تلك الاختصاصات، وذلك بحسب موضوعها الخاص وموقعها المحدد في المجال الشامل للجامعة والأبحاث، مع تداعيات المنافسات بين الاختصاصات والمعارك من أجل موقع الزعامة ونزعات هيمنية مؤقتة ومواقع نموذجية وتحالفات تكتيكية أشعلت الميدان الجامعي حول المعركة بين الإنسانيات والعلوم الاجتماعية وبين الحداثة والتقاليد. ومن وجهة النظر هذه، تعرّف البنيوية بالمعركة التي جسدتها في جملة التاريخ الثقافي الفرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين.

هانس- يورغن لوزبرينك Hans-Jürgen Lüsebrink |

تاريخ المفاهيم Begriffsgeschichte (Histoire conceptuelle) (5)

يهدف تاريخ المفاهيم Begriffsgeschichte، وهي عبارة صاغها ف. هيغل Hegel. F، إلى تحليل تطور المفاهيم (أو الكلمات المفاتيح) واستعمالاتها في كل الميادين المعنية بالأدوات اللغوية: الفلسفة، والنقد الجمالي، وتاريخ الفنّ، وكذلك، وبدرجة أولى، اختصاص الكتابة التاريخية في حدّ ذاته. وتشكّل اللغة بالنسبة إلى تاريخ المفاهيم بدرجة أولى مؤشًّا إلى واقع ما، وتعتبر، في حدّ ذاتها  - علاوة على ذلك - عاملً أساسيًا في بناء كلّ واقع تاريخي8. ويندرج تاريخ المفاهيم، أساسًا، في تقليدين أكاديميين: من جهة، في تاريخ الأفكار السياسية والفلسفية الذي يعود إلى نهاية القرن الثامن عشر، وخصوصًا مع مشروع ج. ج. فيدار Feder. G. J المتعلق ب المعجم التاريخي للمفاهيم الأساسية (1774) Wörterbuschs historischen eines Idee. ومن جهة أخرى، في تاريخ اللغة، وتحديدًا في تاريخ الاصطلاح والمعجمية الذي تطور في اختصاصات فقه اللغة ابتداء من القرن التاسع عشر وامتدّ إلى دراسة المجالات المعجمية والدلالية (ج. ترييي Trier. J، أ. كوزيريو Coseriu. E، إ. ريكان Ricken.  U). وتطوّر تاريخ المفاهيم المنبثق، إذًا، من تقليدين مختلفين جدًّا من حيث أهدافهما، ولكنهما في الوقت نفسه متقاربان من حيث الأدوات اللغوية المدروسة وبعض التساؤلات، ابتداءً من الخمسينيات خاصة في ألمانيا، ومن خلال النظرة المختلفة قليلً عن السيميائية التاريخية في فرنسا. في ألمانيا، بيّنت الأعمال الريادية للمختصّ في العصر الوسيط ر. كوبنار Koebner. R، وخاصة حول مفهومي "إمبراطورية" السياسية للمعاني -  الرهانات الاجتماعية Imperialism: The Story and Significations of a Political Word , 1964 "و"إمبريالية الجديدة المرتبطة بالمصطلح نفسه في عصور ومجتمعات مختلفة ومدروسة في أفق المدى الطويل؛ وفي فرنسا، رسخت مدرسة الحوليات، وخصوصًا ل. فافر Febvre. L ومارك بلوك Bloch. M، وفي أعقابهما أ. ديبرون Dupront. A ول. ترينار Trénard. L ور. ماندرو Mandrou. R، دراسة الأبعاد الذهنية والثقافية للتاريخ في تحليل المفاهيم. وكان يفترض أن تعكس مصطلحات مثل "الإلحاد" Incroyance الذي درسه فافر (1947)، أو "الإقطاع" féodalité الذي تولّ تحليله بلوك (1949)، تصورات ذهنيةً للواقع الاجتماعي المتعدّد، ومن ثمّ تبيح الولوج إلى المخيال الذهني لمجتمع ما. وبالاعتماد مثلً على الأعمال المتعلقة بالمفاهيم الاجتماعية - السياسية

المستعملة في سجلات الشكاوى المعروفة في فرنسا ب  doléances de Cahiers سنة 1789، لاحظ ترينار في هذا المجال أنّه "يمكن للمؤرخ أن يستنتج من هذه الوثائق مفاهيم مهيمنة واقترانات لاواعية وتمثلات جماعية. ويمكن له تحليلها في علاقة بصيغة التعبير وبالمتن العضوي للّغة. وتجمع السيميائية التاريخية بين المتكلّم والوسيلة والمتقبّل المحدّد في المجال وفي الزمان"9. وفي حين اختلط تاريخ المفاهيم في فرنسا، بصورة كبيرة، بتاريخ الذهنيات والثقافات، فإنه في ألمانيا طوّر حقلًاختصاصيًا مستقلً، مركّزًا بالتحديد على المشاريع الكبرى لمعاجم المفاهيم الأساسية الاجتماعية - السياسية والفلسفية والجمالية المستندة إلى تحليل على المدى التاريخي الطويل، وخاصة معجم مصطلحات أساسية تاريخية) historiques clés Notions (Grundbegriffe Geschichtliche لكلّ من كوزلاك وبرينار وكونز،

لكل من Historisches Wörterbuch der Philosophie (Dictionnaire historique de la philosophie) المعجم التاريخي للفلسفة و

ريتاروغروندروغابرييل؛ ودليلالمصطلحاتالسياسيةوالاجتماعيةبفرنسا 20 18 - 1680 , Frankreich in sozialer - politisch Handbuch) France en sociales et politiques notions des Manuel (لكل من رايشاردت وشميدت ولوزبرينك، ومصطلحات أساسية جمالية

. الذي يديره بارك وفونتيوس وشلنستادت Ästhetische Grundegriffe (Concepts clés esthétiques)

بالنسبة إلى المؤرخ ر. كوزلاك (1923 - 2006)، منظّر تاريخ المفاهيم في ألمانيا الذي كان أيضًا تلميذًا للفيلسوف ه. ج. غادامار Gadamer. G. H، يشكّل تاريخ المفاهيم مكملً ضروريًا للتاريخ الاجتماعي. فمن خلال المفاهيم والحقول الدلالية التي تؤطرها، يتحول الماضي إلى تاريخ ويتركّز المعيش التاريخي بوصفه تجربة مستذكرة. ولذا، يسمح تاريخ المفاهيم، باللجوء إلى أوسع شريحة من المصادر الممكنة، التي تشمل وثائق شعبية ومخطوطات، بالإلمام بالفجوات والتباينات بين التطور التاريخي وأنماط تصوره الاجتماعي والذهني. وتعتبر بعض المصطلحات، مثل مصطلح "الثورة" الذي تطوّر في فكر التنوير (خاصة لدى ديدرو Diderot) من مصطلح دوري إلى مصطلح مفتوح يتولى وصف تغيير عميق للمجتمع، منذرًا بتحولات تاريخية قادمة ("مفاهيم استباقية" Concepts " Erwartungsbegriffe anticipateurs "، بحسب كوزلاك). ولم تُفضِ إعادة اكتشاف السياسة بوصفها قطاعًا مستقلًّ ووضع إطارها المفاهيمي من قبل ماكيافال، في نظر كوزلاك، إلى رؤية جديدة للمجتمع والدولة فقط، بل إلى طريقة جديدة لكتابة التاريخ أيضًا. وتغيرت على نحو ملحوظ، عبر القرون، مدلولات بعض المصطلحات التي ظلّت متماثلة من الناحية المعجمية، مثل "الزواج" أو "البرجوازي" أو "الدولة". ويعكس تحوّلها وإدراجها في مجالات سيميائية (أو مفاهيمية) خصوصية من الناحية التاريخية والثقافية تغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية كبيرة، لكن مع المحافظة على نوع من الاستقلالية تجاهها يسميها كوزلاك "البنية الداخلية" Binnenstrukter للحقول المفاهيمية. وطبعت أربعة محاور للتغييرات تطور تاريخ المفاهيم منذ الثمانينيات: في المقام الأول، ترك التركيز على مفاهيم منعزلة المكان إلى دراسة الحقول المفاهيمية التي تميزها شبكات مهيكلة (المصطلحات المرتبطة، المصطلحات النقيضة). وهكذا، يتعارض مصطلح "المواطن"، والمؤسس لفكرة السيادة بفرنسا منذ نهاية القرن الثامن عشر، في السياق الفرنسي، مع مفهومَي "البرجوازي" و"الرعية" اللذين يرتبط بهما كذلك بصورة جوهرية. وينعكس خطاب فلاسفة القرن

  1. Louis Trenard (ed.), Histoire des Pays-Bas Français: Flandre, Artois, Hainaut, Boulonnais, Cambrésis (Paris: Privat, 1972), p. 431.
  2. Otto Brunner, Werner Conze & Reinhart Koselleck, Geshichtliche Grundbegriffe (Stuttgart: E. Klett, 1971).
  3. Joachim Ritter, Karlfried Gründer & Gottfried Gabriel, Historisches Wörterbuch der Philosophie , vol. 13 (Basel/ Stuttgart: Schwabe, 1971).
  4. Rolf Reichardt, Eberhard Schmidt & Hans-Jürgen Lüsebrink, Handbuch politisch-sozialer in Frankreich, 1680 - 18 20 (München: Oldenbourg,
  5. K.H. Barck, M. Fontius & D. Schlenstedt, Ästhetische Grundegriffe (Stuttgart: J.B. Metzler, 2000).

الثامن عشر حول الحكم المطلق في حقل سيميائي (أو مصطلحي) مترابط ومتشابك على نحو وثيق تهيكله أقطاب سيميائية متمحورة حول ثنائيات مفاهيمية ل: شعب - طاغية وحرية - استبداد ومواطن - رعية وأنوار - ظلمات. ثمّ يمكن أن نلاحظ، نتيجةً لأوجه التبادل ومجالات التقارب بين تقاليد تاريخ المفاهيم في ألمانيا، وتاريخ المفاهيم السياسية بإنكلترا والبلاد المنخفضة (هولندا) وبالبلدان الإسكندنافية (ك. سكينار Skinner. Q، ج. بوكوك Pocock. J، ب. إيهالينان Ihalainen. P، ج. إيفارسن Ifversen. J، ب. دان بوير Boer Den. P، ك. بالونان Palonen. K)، وتحليل الخطاب بفرنسا (ر. روبان Robin. R، د. مالديديي Maldidier. D، ج. غيلهومو Guilhaumou. J)، تركيزًا متزايدًا على تحليل براغماتية المفاهيم: أي وظيفتها واستعمالها وتأثيرها في وضعيات اتصالية محددة، مثلً مداولات المجلس الوطني خلال الثورة الفرنسية. وتطوّر هذا المحور البحثي الثاني خصوصًا في فرنسا، وتحديدًا حول مخبر المعجمية السياسية في دار المعلمين العليا بسان كلود Cloud - Saint de ENS في السبعينيات والتسعينيات ومجلة كلمات Mots، وكان له كذلك أثرٌ مهم في تطوّر تاريخ المفاهيم في ألمانيا. ويتأسّس على توسيع متعمّد لمدوّنة التحليل أبعد من "النصوص الكبرى" السياسية والفلسفية التي يحبذها غالبًا تاريخ المفاهيم، في اتجاه مصادر متسلسلة ومدونات محددة (مراسلات، وصحف، ومناقشات عامة... إلخ)، وكذلك على رغبة في تمييز الاستعمال الاجتماعي للمفاهيم الاجتماعية - السياسية. طوّر المحور الثالث مختلف العلاقات بين المفاهيم اللغوية والممارسات غير اللغوية، وتحديدًا الحركة وشبه اللفظي والمشهدي والصورة. لذلك بينت أعمال ر. رايشاردت الأهمية البالغة للإيكونوغرافيا (أو دراسة علم الأيقونات) بالنسبة إلى تاريخ المفاهيم، خاصة في أفق التاريخ الاجتماعي. فمصطلحات مثل "الحرية" و"الاستبداد" ليست مندرجة في مجالات مفاهيمية معقّدة فقط، بل تكون كذلك مصورة في رسوم ومعالم وترتيبات مشهدية (مثل احتفالات 14 تموز/ يوليو)، حتى تبلغ أوسع جمهور ممكن. وتتبلور كذلك في قصص، مثل قصص لاتود Latude، السجين بمعتقل لاباستيل Bastille la والمجسّد، ذاته، في نهاية القرن الثامن عشر، ل "ضحية الاستبداد"، وهو ما يطرح مسألة العلاقات بين المفاهيمي والسردي، التي تمّ التعرّض لها في أعمال حديثة. وأخيرًا، وفي المقام الرابع، تطور البعد المقارن والتثاقفي لتاريخ المفاهيم. وتشكّل المقارنة بين المعنى والاستعمال الاجتماعي - السياسي لمفاهيم تبدو متطابقة وتحليل مساراتها في الانتقال والترجمة بين الثقافات أفقًا بحثيًا يشكّك في الحقل التطبيقي لتاريخ المفاهيم التقليدي. وتبيّ أعمال كوزلاك وفريقه حول المجالات المفاهيمية ل "برجوازي" و"مواطن" / Staatsbürger " citoyen، bourgeois citizen , Bürger " في فرنسا وألمانيا وإنكلترا الإضافة التي توفرها هذه التساؤلات التثاقفية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى البحوث حول نقل الكلمات المفاتيح الاجتماعية - السياسية مثل "أمة" و"شعب" من ألمانيا إلى فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر. وتظهر مجلتا أرشيف للتاريخ المفاهيمي Begriffsgeschichte für Archiv (منذ سنة 1955) ومساهمات في تاريخ المفاهيم Concepts of History the to Contributions (منذ سنة 2005)، وكذلك المؤتمرات السنوية ل "مجموعة تاريخ المفاهيم السياسية والاجتماعية" Group Concepts Social and Political of History هذه التحولات، وقد ساهمت في إعطاء مجال تاريخ المفاهيم بعدًا عالميًا وتثاقفيًا، سواء عن طريق شبكات الباحثين أو بنيات الموضوع المدروس ذاتها.

  1. Hans-Jürgen Lüsbrink & Rolf Reichardt, Die Bastille: Zur Symbolgeschichte von Herrschaft und Freiheit (Frankfurt am Main: Fisher,
  2. Ibid.
  3. Koselleck, pp. 402 - 461.
  4. Lüsebrink, Reichardt & Schmidt.

المراجع

• Barck, K.H., M. Fontius & D. Schlenstedt, Ästhetische Grundegriffe. Stuttgart: J.B. Metzler, 2000.

• Brunner, Otto, Werner Conze & Reinhart Koselleck. Geshichtliche Grundbegriffe. Stuttgart: E. Klett, 1971.

• Delacroix, Christian et al. (dir.). Historiographies: Concepts et débats. Paris: Gallimard, 2010.

• Durkheim, Emile. Les règles de la méthode sociologique. Paris: [n. p.], 1895.

• Espagne, Michel & Michael Werner. "La construction d'une référence culturelle allemande en France, genèse et

histoire." Annales: Histoire, Sciences Sociales. vol. 42 , no. 4 (1987).

• Koselleck, Reinhart. Begriffsgeshichten. Studien zun Semantik und Pragmatik der politischen und sozialen

Sprache. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2006.

• Lüsbrink, Hans-Jürgen & Rolf Reichardt. Die Bastille: Zur Symbolgeschichte von Herrschaft und Freiheit.

Frankfurt am Main: Fisher, 1990.

• Marx, Karl. Critique de l'économie politique. Paris: Schleicher frères, 1859.

• Reichardt, Rolf, Eberhard Schmidt & Hans-Jürgen Lüsebrink. Handbuch politisch-sozialer in Frankreich, 1680-

18 20. München: Oldenbourg, 1984.

• Ritter, Joachim, Karlfried Gründer & Gottfried Gabriel. Historisches Wörterbuch der Philosophie. Basel/

Stuttgart: Schwabe, 1971.

• Toubert, Pierre. Les structures du Latium médiéval. Rome: Ecole française de Rome, 1973.

• Werner, Michael & Bénédicte Zimmerman (dir.). De la comparaison à l'histoire croisée. Paris: Seuil, 2004.