نحو رؤية للخروج من
Towards an Exit Plan from Micro- to Macro-History: the Documents of the Jerusalem Waqf as a Historical Source
الملخّص
تحاول هذه الدراسة التعريف بوثائق الوقف بأنواعها المختلفة، بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، وأهميتها للتأريخ للمدن والمجتمعات المحلية من خلال دراسة حالة التأريخ للقدس. وقد درج الأكاديميون، سواء أكانوا مؤرخين أم غيرهم، على استخدام هذه الوثائق للكتابة حول الوقف وأحكامه في القانون الإسلامي وتطبيقاته في المدن والمجتمعات المحلية، وبخاصة الإسلامية منها. ونادرًا ما استخدموا هذه الوثائق بعيدًا عن مسائل الوقف. تُطلعنا جينيالوجيا المفاهيم الوقفية والتعليلات الأنطولوجية على الجذور العريقة لهذا المفهوم في التراث الفقهي والعقائدي، والتحولات والتطورات الميتافيزيقية التي طرأت عليها؛ ما يكشف عن أهمية هذه الوثائق للمؤرخ بوصفها مصدرًا تاريخيًا لا يقلّ أهميةً عن المصادر التاريخية الأخرى: سجلات المحاكم الشرعية، وأدب الرحالة، والأرشيفات الأجنبية، وكتب التراجم والأعلام، والسِّيَر الذاتية والمذكرات واليوميات، والتاريخ الشفوي، والصحافة، والكتب والمخطوطات التاريخية وغيرها من المصادر التاريخية الكلاسيكية. كما تتناول الدراسة مميزات هذه الوثائق وإشكالياتها للمؤرخ مقارنةً بغيرها من المصادر، ما يدفعنا إلى التفكير في ضرورة استخدام هذا النوع من المصادر في كتابة التاريخ بشتّى مفاصله وإشكالياته؛ أي "الماكرو – تاريخ"، وعدم الاقتصار فقط على استخدامها في إطار ضيّق لتناول المسائل الوقفية؛ أي "الميكرو – تاريخ".
Abstract
History Professor at Birzeit University, Palestine.
Sabine Mohasseb Saliba (ed.), Les fondations pieuses waqfs chez les chrétiens et les juifs: Du moyen âge à nos jours (Paris: Geuthner, 2016).
Istvan M. Szijarto & Sigudur Magnusson, What is Microhistory? Theory and Practice (London/ New York: Routledge, 2013).
- الميكرو- تاريخ
- الماكرو – تاريخ
- الوقف
- القدس
- مصادر تاريخية
- Micro-history
- Macro-History
- Waqf
- Jerusalem
- Historical Sources
وثائق أوقاف القدس بوصفها مصدرًا تاريخيًّا أنموذجًا
the Documents of the Jerusalem Waqf as a Historical Source
مقدمة
تُعتبر الوثائق الوقفية مصدرًا مهمًّا لدراسة تاريخ المجتمعات المحلية للمدن العربية خلال العصور المختلفة، خاصة الإسلامية منها. وهذا يعود إلى المكانة التي تمتع بها الوقف، سواء الإسلامي أو غير الإسلامي1، في المجتمعات المختلفة، ليس خلال الفترات الإسلامية فحسب، بل خلال الفترات السابقة لها أيضًا؛ إذ لم يكن الإسلام مبتكِرًا للوقف، بل كان الوقف معروفًا في الحضارات القديمة قبل الإسلام2، وتطوّر ليصبح نظامًا مؤسساتيًّا يُلبّي الاحتياجات والضرورات المجتمعية وفق القانون الإسلامي. ورغم تعدّد المصادر الأولية الأساسية للتأريخ للمجتمعات المدنية العربية والإسلامية بكل شرائحها النخبوية والمهمشة اجتماعيًّا واقتصاديًّا ومدنيًّا وثقافيًّا وقضائيًّا وفقهيًّا خلال العصرين الحديث والمعاصر، تعتبر الوثائق الوقفية بأنواعها المتعددة والمتحولة والمتجددة - الوقفيات، والتولية، والإجارة بأنواعها المختلفة، و"الاستبدال"، و"الحكر"، و"الخلو المرصد الشرعي"، و"المقاطعة"، و"شدّ المسكة"، وكشوفات الإيرادات والمصروفات الوقفية، والاعتداءات والشكاوى، والفرمانات السلطانية، و"المُساقاة"، و"المُغارسة" و"المُزارعة" - المصدرَ الأهمّ للمؤرخ لما تتميز به من صفات كالصدقية وصعوبة التزوير. ويعود هذا كله إلى أنّ هذه الوثائق، بشكلَيها المكتوب والمنقوش، لم تُكتب بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، ولم تتوارثها الأجيال باعتبارها رواية شفوية أو تراثًا شفويًّا رغم أهمية الرواية الشفوية. وهذا ما يدفعنا إلى التفكير في ضرورة استخدام هذا النوع من المصادر في كتابة التاريخ "الماكرو - تاريخ" بشتّى مفاصله وإشكالياته، وعدم الاقتصار فقط على استخدامها في إطار "ميكرو - تاريخي" ضيّق لتناول المسائل الوقفية وما يتفرّع منها في المجتمعات العربية المحلية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، بما أنّ هذه الوثائق لم تُكتب بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، فما أهميتها في التأريخ للمجتمعات المحلية؟ وكيف تُساهم في الخروج من الميكرو - تاريخ إلى الماكرو - تاريخ3 في كتابة التاريخ المحلي للمجتمعات العربية؟ وما حيثيات
ومكنونات هذه الوثائق؟ وما الإشكاليات التي تواجه المؤرخ عند استخدام هذا النوع من المصادر؟ هذا كله ما تحاول هذه الدراسة معالجته والوقوف عليه، عبر استخدام نماذج حيّة ومتنوعة من هذه الوثائق، ووضعها في إطار التحليل الشبكي والباراسيكولوجي ومعالجتها وفق السببية التاريخية. وتتناول هذه الدراسة ذلك اعتمادًا على وثائق أوقاف القدس بوصفها حالة دراسة.
أولً: القدس بوصفها حالة دراسة: الأسباب والمبررات
تُعتبر الوثائق الوقفية مصدرًا مهمًّا لدراسة التاريخ المحلي للقدس خلال الفترات التاريخية المخلتفة، وهذا يعود إلى المكانة التي يتمتّع بها الوقف في المجتمعات المختلفة، ليس فقط خلال الفترات الإسلامية، بل خلال التاريخ الحديث والمعاصر والآنيّ أيضًا. ونظرًا إلى قدسية مدينة القدس لدى الديانات السماوية الثلاث، فقد اعتُبِ الوقف في هذه المدينة ركيزة أساسيّة من ركائز المجتمع المدني، خاصة في غياب دور الدولة الخدماتي، سواء في دول الخلافة أو في الدول السلطانية كالمملوكية والعثمانية. ولهذا لا نستغرب الانتشار الواسع للأوقاف في القدس، التي حظيت بشهرة كبيرة في العالم الإسلامي، بمنشآتها الوقفية الدينية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والخيرية، سواء تلك التي أُنشِئت في القدس أو التي أُنشِئت خارجها لخدمة القدس ومجتمعها المدني4. وبسبب محدودية المصادر الأولية الأساسية للتأريخ للمجتمع المدني المقدسي بكل شرائحه النخبوية والمهمشة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، خاصة خلال الفترات الإسلامية، تُعتبر الوثائق الوقفية بأنواعها المتعددة والمتحولة والمتجددة، المصدر الأهم لهذه المسألة. شهدت السنوات الثلاثون الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالوثائق الوقفية التي أصبحت تمثّل لدى الباحثين في تاريخ القدس، خاصة في العهد العثماني والاستعماري، أحد أهمّ مصادر التأريخ للمؤسسات الوقفية في القدس، ودور هذه المؤسسات في الحياة الثقافية والخيرية والاقتصادية والعمرانية. ولا شكّ في أنّ هذا الاهتمام المتزايد بالكتابة عن الأوقاف الإسلامية وغير الإسلامية في القدس خاصةً وفلسطين عًامة5، يمكن أن نعتبره اعترافًا بالدور الكبير الذي اضطلعت به الأوقاف في تاريخ القدس عبر الحقب الإسلامية؛ حيث ظهرت العديد من الدراسات الجادّة الأكاديمية التي تناولت أوقاف القدس عبر العصور انطلاقًا من الوثائق الوقفية6. وفي المقابل، هنالك الكثير من الدراسات التي أرّخت لجوانب متعدّدة من تاريخ القدس العثمانية، أسقطت الوثائق الوقفية من مصادرها رغم اعتمادها على العديد من المصادر الأولية المتنوعة، سواء الأرشيفات العثمانية والأجنبية، أو سجلّات المحاكم الشرعية
Musa Sroor, "Les waqfs chrétiens et juifs à Jérusalem aux XIXe siècle: Etude analytique, critique et comparative," in: Saliba (ed.), pp. 215 - 33.
Michael Dumper, Islam and Israel: Moslem Religious Endowments and the Jewish State (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1994); Yitzhak Reither, Islamic Endowments in Jerusalem under British Mandate (London: Frank Cass, 1996); Amy Singer, Constructing Ottoman Beneficence: An Imperial Soup Kitchen in Jerusalem (New York: University of New York Press, 2002); Musa Sroor, Fondations pieuses en mouvement: De la transformation des statuts de propriété des biens waqfs à Jérusalem (1858 - 1917) (Beirut: Institut Français du Proche-Orient IFPO; Aix-en-Provence: IREMAM, 2010).
وسجلّات البلدية، أو أدب الرحالة وكتب المذكرات والسير الذاتية7. ويمكن أن يُفسَّ ذلك باعتقاد البعض أنّ أهمية الوثائق الوقفية تقتصر فقط على التأريخ للمسألة الوقفية.
ثانيًا: الوثائق الوقفية: المفهوم والمضمون
نقصد بالوثائق الوقفية تلك الوثائق المتعلقة بشؤون الأوقاف. وتبدأ بالأساس فيما يُعرف بتسميته "الوقفية" أو "كتاب الوقف"، وتشمل أيضًا كلّ ما يتفرّع من هذه الوقفية من عقود وحجج أخرى، مثل: عقود التولية، والإجارة بأنواعها المختلفة، والاستبدال، والحكر، والخلو المرصد الشرعي، والمقاطعة، وشدّ المسكة، والكردار، والمُساقاة، والمُغارسة، والمُزارعة، وكشوفات الإيرادات والمصروفات الوقفية، والاعتداءات والشكاوى، والفرمانات السلطانية المتعلقة بالشؤون الوقفية وغيرها. وتسجّل هذه الوثائق في سجلات المحاكم الشرعية، ويعتبر القاضي الشرعي المسؤول الأوّل عن إصدارها ومتابعة شؤونها بعد المتوليّن8. ولهذا تُعتبر سجلات القاضي الشرعي أو سجلات المحاكم الشرعية المكان الرئيس لهذه الوثائق. تتضمن الوثائق الوقفية معلومات مفصلة عن العقار الوقفي، من حيث تأسيسه وتسييره والاستفادة منه والمحافظة عليه، وما قد يطرأ عليه من إجراءات تتعلق بتوارث المنفعة أو طرق استغلاله، وشروط الواقف، وأهدافه، والاعتداءات على عائداته وعقاراته. وهذا ما يُضفي على الوقف صفة الديمومة، والتواصل الضامن لبقائه، وضرورة الحفاظ عليه، والالتزام بتنفيذ شروط الواقف، مهما طال الزمان وتعددت الأجيال. وتُعَرِفُ الوثائق الوقفية، أيضًا، بالواقف/ الواقفة وبالمنتفعين من الوقف. كما تشتمل على مواصفات الملكية الموقوفة وأنواعها ومكانها وحدودها وكيف آلت إلى الواقف. هذا إضافة إلى أنّها تتضمن الشروط والإجراءات القانونية التي تقتضيها الأحكام القضائية، والتي تُصاغ وفق أحد المذاهب الفقهية المختلفة التي يرتئيها الواقف. ومنها أيضًا ما يتضمن معلومات وحقائق تتعلق باستغلال العقار الوقفي، وغيرها من المعلومات المتعلقة بترميمه وعائداته.
Yehoshua Ben-Arieh, Jerusalem in the Nineteenth Century , vol. 1: The Old City (Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi Institute, 1984); Alexander Scholch, Palestine in Transformation 1856 - 18 82 (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1993); Khaled Safi, The Egyptian Rule in Palestine 1830 - 1841: A Critical Reassessment (Berlin: Mensch & Buch Verlag, 2004);
Musa Sroor, "Les juges et la privatisation des biens waqf s à Jérusalem au XIXème siècle," Arab Historical Review for Ottoman Studies , no. 37 - 38 (December 2008), pp. 329 - 347.
ثالثًا: من الميكرو -ى تاريخ إل الماكرو - تاريخ: داللت وإيحاءات
تأتي هذه الدراسة استكمالً للدراسة التي أنجزها المؤرخ الجزائري ناصر الدين سعيدوني بعنوان "وثائق الأوقاف بالأرشيف الجزائري وإمكانية استغلالها في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للجزائر"9، وتلك التي أعدّها المؤرخ محمد الأرناؤوط حول وثائق الوقف بوصفها مصدرًا للتعرف إلى الحياة الزراعية في ضواحي دمشق خلال العصر العثماني10. عُرّفت وثائق الأوقاف على نطاق واسع بين الأكاديميين، من مؤرخين وغير مؤرخين، بوصفها مصدرًا لدراسة قضايا الوقف وأحكامه فّي القانون الإسلامي على نحو نظريّ عام11، أو دراسة تطبيقاته العملية في الولايات والمدن العربية والإسلامية12. كما عُقِدت خلال السنوات الأخيرة عشرات الملتقيات العلمية الدولية في دول عربية وأجنبية لتناول مسائل الوقف وقضاياه. ونتج من هذه الملتقيات العديد من الدراسات الجادة13. كما استُخدمت هذه الوثائق أيضًا للحديث عن دور الوقف في الحياة اليومية للمجتمعات المحلية في المدن والولايات العربية والإسلامية، سواء في المشرق14 أو المغرب15، عبر العصور المختلفة. كما اعتمد بعض الأكاديميين على هذه الوثائق عند تناول المسائل المتعلقة بالملكية العقارية وإشكالياتها وتفرعاتها16.
Miura Tora (ed.), Comparative Study of the Waqf from the East Dynamism of Norm and Practices in Religious and Familial Donations (Tokyo: Toyo Bunko, 2018); Saliba (ed.).
Randi Deguilhem, "On the Nature of the Waqf: Pious Foundation in Contemporary Syria," in: Randi Deguilhem & Abdelhamid Hénia (eds.), Les fondations pieuses (waqf) en Méditerranée: Enjeux de société, enjeux de pouvoir (Koweït: La Fondation Publique des Awqaf du Koweït, 2004), pp. 395 - 431 ; Randi Deguilhem, "Ottoman Waqf Administrative Reorganization in the Syrian Provinces: The Case of Damascus," Arab Historical Review for Ottoman Studies , vol. 5 - 6 (1992), pp. 30 - 39 ; Dumper; Sroor, Fondations pieuses en mouvement.
Abdelhamid Henia, "Pratique habous, mobilité sociale et conjoncture à Tunis à l'époque moderne (XVIIIe -XIXe siècles)," in: Randi Deguilhem (ed.), Le Waqf dans l'espace islamique, outil de pouvoir socio-politique (Damascus: Institut Français de Damas, 1995), pp. 71 - 100 ; Miriam Hoexter, Endowments, Rulers and Community: Waqf al-Haramayn in Ottoman Algiers (Leiden: Brill, 1988).
Abdelhamid Henia, "Les terres mortes de la Tunisie utile et les nouvelles stratégies foncières à l'époque moderne," Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée (REMMM) , no. 79 - 80 (1996), pp. 127 - 142 ; Musa Sroor, "La propriété immobilière des femmes musulmanes de Jérusalem (1831 - 1841): Entre la reconnaissance et la spoliation," HAWWA: Journal of Women of the Middle East and the Islamic World , no. 15 (2017), pp. 31 - 50.
ولكن من الملاحظ ندرة استخدام هذه الوثائق، بوصفها مصدرًا تاريخيًّا للتأريخ للمجتمعات المحلية، بعيدًا عن تناول مسائل الوقف وأحكامه الفقهية؛ حيث بقي استخدام هذه الوثائق في إطار ميكرو - تاريخي فقهي قانوني ضيق غير شمولي، مقتصرًا على الأوقاف ودورها في المجتمعات المحلية سواء على الصعيد الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الديني، أو القضائي... إلخ. بينما نتناسى، نحن الأكاديميين، هذا المصدر المهمّ عند كتابة التاريخ بالمنظور الأشمل، أي الماكرو - التاريخي، بشتّى تفرعاته، معتمدين بالأساس على مصادر تاريخية كلاسيكية تختلف باختلاف الموضوع واختلاف قدرات المؤرخ المعرفية واللغوية مثل: المخطوطات التاريخية، والمذكرات، والسِّيَ الذاتية، واليوميات، وكتب الأعلام والتراجم، وأدب الرحالة، والوثائق الرسمية والتقارير المحلية والأجنبية كالفرمانات والأحكام السلطانية وتقارير القنصليات الأجنبية، والصحافة، والتاريخ الشفوي، والكتابات النقشية والجنائزية، وسجلات القضاة وغيرها. وخروجًا عن هذا النمط، ظهرت في السنوات القليلة الماضية دراسات أكاديمية لنيل الدرجات الجامعية العليا تؤرّخ للمدن العربية اعتمادًا على وثائق الوقف17، أي اعتماد منهج الماكرو - تاريخ، ولكن ما يُؤخذ عليها أنّها لم تعتمد على المصادر الأولية على نحو متوازن وشمولي، بل اعتمدت بالأساس على وثائق الأوقاف أكثر بكثير من اعتمادها على المصادر التاريخية الكلاسيكية المُتعارف عليها الواردة الذكر. ومن هنا تدعو هذه الدراسة إلى الاعتماد على وثائق الأوقاف، بالتوازي مع المصادر التاريخية الأخرى، لا التركيز على مصدر وتهميش آخر. وهذا ما ينسجم مع منهج عدد من المؤرخين العرب والأجانب الذين تنبّهوا في وقت مبكر إلى أهمية وثائق الأوقاف بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، واستغلالها في التأريخ لغير المسائل الوقفية. وفي هذا السياق، أشير إلى دراسات المؤرخ التونسي عبد الحميد هنية حول تاريخ تونس الحديث والمعاصر18، ودراسات أندريه ريمون حول مدينتي حلب والقاهرة في العهد العثماني19، ودراسات جون بول باسكوال حول دمشق في القرن السادس عشر20، ودراسات أنطوان عبد النور حول سورية في العهد العثماني22، ودراسات محمد الأرناؤوط حول المدن البلقانية ونشوء المدن الجديدة في البوسنة23. في حين ظهرت مئات الدراسات حول التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والإداري والسياسي للولايات والمدن والمجتمعات العربية والإسلامية خلال العصرين الحديث والمعاصر، ولم تعتمد من قريب أو بعيد على هذه الوثائق، وهذا يعود ربّما إلى عدم معرفة أهمية هذه الوثائق للتأريخ لموضوعات دراساتهم. إن دراسة وتحليل وثائق الأوقاف بأنواعها المختلفة تُظهر لنا أهميتها في الدراسات التاريخية وفي الآفاق البحثية التي تنير بها طريق المؤرخين. والسؤالان اللذان يطرحان هنا: لماذا؟ وكيف؟ وللإجابة عنهما لا بد من الإشارة إلى أنّ أغلب ما كُتب عن تاريخ المدن العربية، خاصة خلال التاريخ الحديث والمعاصر والآنيّ، اعتُمد فيه على مصادر ومراجع تتناول أساسًا الأحداث السياسية وأبعادها الخارجية في السياسة الدولية؛ ما جعل هذه الكتابات التاريخية تعكس التفاعلات السياسية للنظم والبنى السياسية والإدارية للمجتمعات المحلية
Mounira Abdelhariz Tarchoun , "Sfax ville tunisienne à l'époque ottomane: Sa topographie, son histoire urbaine, sociale, économique et ses waqfs," PhD. Dissertation, Université Aix-Marseille, Aix-en-Provence, France, 2018.
Abdelhamid Henia, Propriété et stratégies sociales à Tunis à l'époque moderne: XVIe-XIXe siècles , vol. 34 (Tunis: Université Tunis I, 1999). 11 André Raymond, "Les grands waqfs et l'organisation de l'espace urbain à Alep et au Caire à l'époque ottomane XVIe-XVIIe siècles,'' Bulletin d'Etudes Orientales , no. 31 (1979), pp. 113 - 132 ; André Raymond, "Le sultan Süleymân et l'activité architecturale dans les provinces arabes de l'Empire 1520 - 1566 ,'' in: Gilles Veinstein (ed.), Soliman le Magnifique et son temps: Actes du colloque de Paris, Galeries Nationales Du Grand Palais, 7 - 10 Mars 1990 (Paris: La Documentation Française, 1992), pp. 371 - 384. 12 Jean-Paul Pascual, Damas à la fin du XVIe siècle d'après trois actes de waqfs Ottomans (Damas, Institute Français de Damas 1983). 13 Antoine Abdel Nour, Introduction à l'histoire urbaine de la Syrie ottomane (XVIe-XVIIIe siècles) (Beyrouth: Librairie Orientale, 1982).
وأبعادها ومؤثراتها الخارجية بين المركز والمحيط في فضاءات بعيدة عن مركزية المفاعيل الذاتية للمجتمعات المحلية. وهذا الأمر يتطلّب إعادة كتابة التاريخ من خلال مصادر ووثائق جديدة؛ ما يوجب على الباحث الرجوع إلى وثائق الأوقاف لاستقراء وتحليل مضمونها التاريخي، وفهم دلالاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية، من دون تغييب الدلالات والأبعاد السياسية. كما أن التحليل الشبكي والباراسيكولوجي لوثائق الأوقاف يظهر لنا ارتباط السياسي بالديني والخيري والعلمي، وارتباط الروحي بالحيز المكاني. وإذا استقرأنا وثائق أوقاف الأيوبيين في القدس24 واستنبطنا منها الدوافع السياسية، رغم عدم إشارة الوثائق إلى السياسي وتركيزها على الروحي الخيري، لأدركنا لماذا أنشأ صلاح الدين أعظم مؤسساته الوقفية في القدس، والاعتبارات السياسية والدينية لتحديدها مكانيًا، ولأصبحت وثائق أوقاف الأيوبيين في القدس أهمّ مصدر للتأريخ لمسائل غير وقفية للقدس خلال تلك الفترة. وينسحب الأمر نفسه على الفترات التاريخية اللاحقة. وفي التاريخ المعاصر والآني لفلسطين عمومًا والقدس خصوصًا، تكتسي وثائق الأوقاف أهمية. وقد كتب الكثيرون حول القضية الفلسطينية، ومسألة الهوية والحقوق الفلسطينية التاريخية، والهجرات الصهيونية، والاستيطان الصهيوني، والانتداب البريطاني، ومسألة التهويد، والمقاومة الفلسطينية بأشكالها. لكن لم يكن لوثائق أوقاف القدس خاصة وفلسطين عامة أو وثائق أوقاف العالم العربي والإسلامي أي نصيب في المصادر التي اعتُمد عليها في هذه الدراسات. ولكنّ السؤال الذي قد يطرحه البعض: ما فائدة وثائق الأوقاف للكتابة حول تلك القضايا البعيدة كلّ البعد عن الأوقاف؟ إذا عدنا إلى ما قبل قانون الأراضي العثماني لعام 1858، أي قبل ظهور ما يعرف بالقضية الفلسطينية، نرى أنّ معظم أراضي فلسطين كانت أوقافًا، وأنّ المادة الرابعة من هذا القانون نزعت صفة الوقف عن جزء كبير منها وسمحت بتمليكها للمنتفعين بها25، وأنّ جزءًا كبيرًا منها تحوّل إلى ملكيات خاصّة لعائلات إقطاعية مثل عائلة سرسق اللبنانية التي باعت أملاكها للحركة الصهيونية26. كما أنّ جزءًا من هذه الأراضي الوقفية سيطرت عليه العصابات الصهيونية وأنشأت عليه مستوطنات من دون تملّك، وأنّ هنالك قضايا رُفعت ضدّها في محاكم الانتداب البريطاني، ولم يصدر حكم قضائي حتى الآن لصالح الحركة الصهيونية مثل أراضي قريتَي العباسية وعين كارم الوقفيتيَن27. كما لا ننسى دور وثائق الأوقاف المكتوبة والمنقوشة التي تثبت عروبة القدس وإسلاميتها، بطُرزها المعمارية، وأسواقها، ومؤسساتها، وأماكنها الدينية والعلمية والخيرية، التي تجسد هويّةً لا يمكن تجاهلها أو نكرانها، ولا يمرّ عليها قانون التقادم بعيدًا عن الخطاب السياسي والديني العاطفي الذي لا يستند إلى دلائل علمية28. كما أنّ هذه الوثائق اضطلعت بدور مهمّ في مقاومة سياسات التهويد وعمليات البيع والشراء، وحالت دون نقل الكثير من ملكية عقارات القدس إلى الحركة الصهيونية.
Musa Sroor, "Le code civil ottoman et l'usurpation des biens waqfs: Le cas de Jérusalem entre 1876 - 1914 ," in: Ouddène Boughoufala (dir.), L'historien Nacerddine Saidouni précurseur des études ottomanes en Algérie (Mascara: Publications du laboratoire des recherches Sociologique et Historique, Université de Mascara, Algérie, 2014), pp. 5 - 30.
كما يلُاحظ أنّ معظم ما كُتِب عن التاريخ المحلي للمدن العربية هو غير السياسي، كالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والإداري والقضائي... إلخ. ورغم تنوع وتعدّد المصادر الأولية التي تم الاعتماد عليها، فإنّها نادرًا ما اعتمدت على وثائق الوقف بوصفها مصدرًا أساسيًّا. وهنا يمكن التنويه إلى إمكانية استخدام هذه الوثائق بصورة كبيرة في التدوين التاريخي لهذه القضايا. ويتطلّب الانتفاع بطبيعة وثائق الوقف، من حيث كونها مصدرًا أوليًا، تقنيات ومنهجيات تتلاءم وطبيعة المعلومات التي تتضمنها؛ ما يفرض على الباحث إيجاد تصوّر أولّي يقوم على صياغة رؤى أو وضع خطّة مؤشكلة، ترتكز أساسًا على استخلاص المعلومات التاريخية وترتيبها وتحليلها باعتبارها المادّة الأولية، من دون تجاهل المراجع الثانوية الأخرى التي تقوم بدور المساعد لاستكمال بعض جوانب البحث، ما يتطلب من الباحث المتعامل مع وثائق الوقف الاستفادة من العلوم المساعدة في التاريخ مثل علم الوثائق والإحصاء والخرائط والجغرافيا والاجتماع وأحكام الفقه وفقه اللغة، إضافة إلى المشاركة في مراكز أو مشاريع بحث متخصصة وعابرة للتخصصات. ويساهم كلّ ذلك في استخدام أوسع لوثائق الوقف في التدوين التاريخي "الماكرو - تاريخ"، وعدم اقتصار استخدامها على المسائل الوقفية أي الميكرو - تاريخ.
رابعًا: وثائق الوقف بوصفها مصدرًا تاريخيًّا بين الخصوصية والأهمية: وثائق القدس أنموذجًا
تتميز وثائق الوقف، مقارنةً بغيرها من الوثائق والمصادر التاريخية الأخرى، بأنها: 1. وثائق قانونية لم تُكتب بالأساس بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، وإنّما كُتِبت بوصفها صكوكًا لتوثيق حقوق الأفراد وتنظيم سبل عملهم ضمن أطر قانونية متوارثة. ولهذا لا تتضمن وجهات نظر ولا تعبّ عن مواقف واتجاهات وأيديولوجيات، كأدب الرحّالة أو السير والمذكّرات أو الصحافة؛ كما لا تتضمن قرارات دولة ما، ولا تعبّ عن سياستها نظريًّا وتطبيقيًّا، كوثائق القنصليات الأجنبية أو المؤسسات الحكومية المحلية، ما يُضفي عليها صفة الصدقية أكثر من غيرها من الوثائق الأرشيفية الأخرى. 2. يصعب فقدانها وضياعها عمومًا. فعلى سبيل المثال لم تتعرض مختلف أنواع أوقاف القدس في إجمالها للتلف والضياع من جرّاء النكبات التي ألمّت بفلسطين، أو نتيجة الإهمال وعدم الاعتناء بها سواء من طرف الجهات الرسمية أو المحلية. وقد قامت الإدارة العثمانية منذ تسلّمها زمام الأمور في الولايات العربية ومنها القدس، بإعادة تسجيل الوقفيات والعقارات الوقفية السابقة للعهد العثماني في سجلات خاصّة أسوةً بالملكيات الأخرى، وساهم ذلك في تعدّد الأماكن والسجلات التي تشير إلى أصول هذه الوثائق، ما أكسبها، إذا جاز لنا التعبير، صفة الخلود؛ إذ نجد نُسخًا منها محفوظة في سجلاّت المحاكم الشرعية، ونسخًا أخرى في سجلات الدولة الرسمية كدفاتر الطابو وسجلات دوائر الأوقاف والأراضي، ونجد نسخًا أخرى مثل "أوراق عائلية" في أيدي فئات المجتمع المحلي المقدسي التي تعاملت مع المؤسسات الوقفية عبر العصور، سواء عن طريق امتلاكها حقَّ إدارة شؤون هذه الأوقاف أو حقّ الانتفاع بها والاستفادة منها، أو حججًا تثبت حقوق استغلالها عن طريق إحدى طرق الاستغلال المتعدّدة كالإجارة أو الحكر... إلخ. وبهذا، تمتاز الوثائق الوقفية بتعدّد نسخها ووجودها في عديد الأماكن؛ الأمر الذي لا نجده في الوثائق الأخرى، ورغم أنّ هذا في حدّ ذاته يمثّل إشكاليةً لدى الباحث، فإنّه يساهم في حفظ هذه الوثائق من الضياع.
3. لا تنتهي وظيفتها وصلاحيتها بانتهاء الحدث المتعلق بتدوينها، وإنّما تكتسب صفة الديمومة لأنّها تؤكّد استمرارية فعالية الحدث الذي أُنشِئت من أجله، ويمثّل وجودها ضمانًا لاستمراريته؛ فوجودها يؤكّد ارتباط الماضي بالحاضر والمستقبل، ولا نجد هذا في الوثائق الأخرى التي لها صلاحية محددة، وذلك لارتباط وثائق الأوقاف بالحيّز المكاني من عقارات وغيرها من جهة، وبالتوارث البشري من إداريين ومنتفعين من جهة أخرى. 4. من الصعب تزويرها، رغم تعرّض بعض الوثائق للتزوير والتحريف لأسباب متعدّدة، ويرجع ذلك إلى أن وثائق الوقف ليست وثيقة واحدة لكي تزوّر، وإنّما قد يتشعب عن الوثيقة الواحدة مئات الوثائق الوقفية الأخرى التي تُكتَب وتُسجّل في فترات مختلفة وتتعدّد جوانبها وموضوعاتها. فتبعثُ وتشعّب موضوعات وتواريخ تسجيل هذه الوثائق عاملٌ مهمٌّ في الحفاظ عليها من التحريف والتزوير. وإن تمّت عملية التزوير فمن السهل معرفة ذلك، وخاصة أنّ هذه الوثائق ترتبط بشواهد عمرانية وحقائق ميدانية يصعب طمسهما معًا. ولوثائق الوقف فوائد عديدة نذكر منها أنها تمكننا من التعرف إلى الفئات والشرائح الاجتماعية، ما يُمَكّ ننا من التعرف إلى وضع الأسرة من حيث الشريحة الاجتماعية التي تنتسب إليها، وطبيعة الصلات بين أفرادها وعلاقتهم بالسلطات المحلية، ومدى تضامنهم وتكافلهم وكيفية انتفاعهم بالوقف أو احتكارهم للوظائف المتعلقة به، وانعكاس ذلك كلّه على تلاحم الأسرة ورعايتها لأفرادها وخاصة النساء وذوي الاحتياجات الخاصة. كما يُمَكّ ن التحليل الشبكي الدقيق لمضمون وثائق الوقف الباحث من وضع شجرة الأنساب للعديد من العائلات، ويسمح له بتحديد مكانة الأسر المتنفذة التي تتولى أمور الوقف، والكشف عن تأثير الوقف في نفوذها الاجتماعي والاقتصادي. كما تفيدنا في فهم التوجهات الثقافية والميول الروحية للسكان، من خلال تحليل الدلالات ورصد الإيحاءات المتعلقة بالشروط الواجبة في إنشاء الوقف، والغرض المتوخّى منه، بوساطة تحليل الشروط والتوجهات التي تتضمنها وثائق الوقف الذري والخيري على حدّ سواء. وتفيدنا وثائق الوقف أيضًا في رسم خريطة تبيّ توزيع العقارات الوقفية وغير الوقفية في أحياء المدن وحاراتها، وتعريفنا بطريقة استغلال العقارات الوقفية فيها؛ فيستطيع الباحث ضبط الملكيات الموقوفة، والتعرّف إلى أساليب الانتفاع بها، ووضع قائمة بأصنافها وأسماء العاملين فيها. وبالنسبة إلى مدينة القدس، تُعتبر الدراسة المعمّقة لوثائق الوقف الوسيلةَ العملية والإمكانية الوحيدة في غياب أو نقص وثائق الإدارة المحلية للتعرّف إلى طابع المدينة العثمانية والتوزيع العمراني فيها، خاصة قبل تأسيس بلدية القدس عام 1863، ومدى الاندماج والتعايش بين أبناء المجتمع المقدسي على اختلاف مشاربهم الدينية والعرقية. فعلى سبيل المثال، يلاحظ المتتبع لانتشار عقارات الأوقاف وتوزيعها داخل حارة نصارى القدس مدى الاندماج والاختلاط بين نصارى القدس ومسلميها، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي والعلاقات التجارية القائمة بينهم فحسب، بل أيضًا على صعيد العلاقات الاجتماعية القائمة بينهما بحكم الجوار في السكن وفي المرافق الاقتصادية. وهذا يمكن ملاحظته من خلال دراسة تحليلية لموقع العقارات الموقوفة وأسماء المجاورين لها؛ ما يمكّننا من ملاحظة مدى الاندماج أو الانعزال في المسكن أو المعمل بين العائلات الإسلامية والمسيحية القاطنة في هذه الحارة. فعلى سبيل المثال تقدّم لنا وثائق الأوقاف وصفًا دقيقًا لموقع العقارات التي أوقفها موسى جلبي بن عبد الوهاب جلبي الشهير نسبه بابن نمر، وأسماء المجاورين لها من مسلمين ونصارى، إذ أوقف في 15 جمادى الأولى 1221 ه الموافق 31 تموز/ يوليو 1806: "جميع الحصة المشتركة وقدرها ثلاثة أرباع قيراط من أصل كامل أربعة وعشرين قيراطًا في جميع الدار القائمة البناء بالقدس الشريف بمحلة النصارى المشتملة على علوي وسفلى: فالسفلى يشتمل على بيتين بداخل إيوان وعلى بيت شرقي وعلى إيوان به بيتان وإيوان ثالث به بيتان وعلى بيت غربي وبيت قبلي ودهليز أحدهما يقود إلى ساحة بها ثلاث طباق تقود أبوابها شمالً، وعلى طبقة شمالية يقود بابها قبلة وعلى طبقتين
صغيرتين يقود بابهما شرقًا ومطبخ. ويحدّها قبلة زقاق الخانقاه الصلاحية وبه الباب، وشرقًا الطريق العام وشمالًالدار الآتي ذكرها، وغربًا الدار المثنى بذكرها فيه [...] ونظير الحصّة المذكورة في كل من الدكانتين الكائنتين تحت الدار المحدودة جنوبًا بزقاق الخانقاه الصلاحية وبه الباب وشرقًا بالدار الآتي بذكرها وشمال [كذا] بزقاق غير نافذ وبه الباب الثاني، وغربًا بدار بيد طائفة الأرمن والروم. جميع الحصة الشائعة وقدرها قيراط وثلث قيراط في جميع الحاكورة المعروفة بالحبشة من الجهة الشمالية المحدودة قبلة بدير الإفرنج وبدار للروم وبدار سليمان قطينه وبدار يعقوب [...] وشرقًا بالطريق السالك وشمالً بسور المدينة وغربًا بحاكورة أولاد حجيج". وأشير في هذا السياق إلى العقارات التي أوقفها التاجر المقدسي سليمان بن محمد قطينه في الثالث من شعبان 1225 ه الموافق 3 أيلول/ سبتمبر 1810، والتي آلت إليه شراءً بموجب حجج شرعية. وتتمثل هذه العقارات بما يلي: "جميع الدار القائمة البناء بالقدس الشريف بمحلة النصارى بقرب الشيخ أبو قصيبة المشتملة على أربعة بيوت علوية وإيوان ومطبخ وصهريج مشترك ومرتفق وعلى بيتين سفليين ودهليز ودكان معدة للحياكة بها صهريج. والمحدودة قبلة بدار بيد أخت الواقف السيدة بدرية وشمالً وغربًا بحاكورة الحبشة وشرقًا بزقاق غير نافذ وفيه الباب وتمامه بدار الأجرب، الآيلة إليه شراء بموجب حجة شرعية مؤرخة في جمادى الثانية سنة 1214 للهجرة [تشرين الثاني 1799]. وجميع الحصة المشتركة وقدرها تسعة قراريط من كامل أربعة وعشرين قيراطًا في جميع الدار القائمة البناء بالقدس الشريف بمحلة الزراعنة واحدة من محلات النصارى المشتملة على طبقتين قديمتين وطبقة جديدة ومطبخ وبيت سفلي وبائكة وصهريج معدّ لجمع ماء الأشتية ومرتفق ومنافع وحقوق شرعية شركة أولاد الخوري [بلاثم] بحق الباقي. المحدودة قبلة بالزقاق وفيه الباب وشرقًا بدار إبراهيم زهوة وشمالً بدار [كاترينة] بنت الجلاد وغربًا دار أبو الفضل وابن مراد آغا، الآيل إليه شراء بموجب حجة شرعية مؤرخة في شوال سنة 1216 [شباط 1802 "]. كما تفيدنا الوثائق الوقفية في الكشف عن التحولات في الملكية العقارية، أو بمعنى أدق التحايلات التي تمّت للاستيلاء على الأملاك والعقارات سواء من جانب جهات محليّة أو أطراف خارجية. ففي بعض الأحيان، يتم إزالة الأبنية الوقفية لينشأ مكانها أبنيةٌ ومنشآت خاصّة لإخفاء أيّ أثر للأملاك الوقفية. وهنا يأتي دور الوثائق الوقفية في الكشف عن هذا التزوير التاريخي. وفي هذا السياق، أشير إلى بعض الأمثلة: فالبيمارستان الصلاحي الذي أنشأه السلطان صلاح الدين الأيوبي بعد تحريره للقدس عام 1187 م قد "اختفى" كليًّا من القدس وحلّت مكانه كنيسةٌ هي كنيسة المخلص. وأشير إلى مثال آخر هو "اختفاء" حمّام السلطان من مكانه في القدس لتظهر مكانه كنيسة هي كنيسة الأرمن الكاثوليك. كما أشير أيضًا إلى "اختفاء" زاوية الأزرق من مكانها ليظهر مكانها مستشفى يهودي. وأشير أيضًا إلى المدرسة الصلاحية كيف تحوّل بناؤها ووظيفتها إلى كنيسة هي كنيسة سانت آن في القدس، وغيرها الكثير من الأمثلة. وهنالك مئات الوثائق الوقفية التي تثبت وقفية هذه العقارات التي لا يمكن إخفاؤها، والتي يمكننا من خلالها إعادة رسم الخريطة الدينية والعمرانية للقدس خلال الحقب التاريخية التي
5 Sroor, Fondations pieuses en mouvement , p. 286. 6 Ibid., p. 289. 7 Ibid., p. 271.
عايشتها هذه المؤسسات الوقفية حتى تاريخ اختفائها. وبهذا تمكّننا من الكشف عن التطور والتحوّل المعماري والحضاري للقدس خلال الحقب التاريخية المختلفة، وكيف ساهمت هذه الأوقاف في بناء وتطوّر المدن عمومًا، والقدس خصوصًا. تمثّل هذه المسألة مسألة الهوية الحضارية للمكان، وهي في حالة القدس في جانب مهمّ جدًّا؛ إذ تدحض الكتابات الاستشرافية والاستعمارية وتثبت إسلامية المكان وعروبته. والسؤال هنا: ما أهمية وثائق الوقف في هذه القضايا؟ اعتمد الكثير من المؤرخين بشتّى مشاربهم وأيديولوجياتهم، خاصة الغربيين منهم على نحو كبير، على مصادر عديدة للتأريخ للقدس خاصة خلال الفترات الإسلامية وأهمها العثمانية، ومنها كتب الرحالة الغربيين الذين كان أكثرهم رجال دين، والتي تعكس وجهة نظر الغرب وتصوراته المتخيلة واللاواقعية حول القدس التي انبثقت من خلفيات أيديولوجية وبمقارنة القدس بمدن أوروبية. وصوّر هؤلاء القدس خلال الحقبة العثمانية مدينةً متخلفّة، وأنّ ماضيها "التوراتي" فقط هو ما يعطيها قيمة ومكانة عالمية. وفي هذا السياق أشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى ما كتبه الرحالة الفرنسي فرانسوا رينيه دو شاتوبريان Chateaubriand de René François في عام 1811 بعنوان Jérusalem à Paris de Itinéraire (الطريق من باريس إلى القدس) الذي فتح الطريق أمام الرحالة الغربيين إلى الشرق، حيث وصف القدس بما يلي: "في كومة الأنقاض هذه التي يسمونها مدينة، شاء سكان هذا البلد إطلاق أسماء شوارع على ممرات مهجورة". وبهذا الوصف الأعمى والبعيد عن الحقيقة أظهر للقارئ أنّ القدس مدينة خربة خالية من السكان، وهذا ما بُني عليه لاحقًا في الفكر الاستشراقي الصهيونية مقولة "أرضٌ بلا شعب لشعب بلا أرض". ومن خلال وصفه ما يؤكّد الهدف من زيارته وهو معرفة مواطن القوة والضعف في هذه المدينة ليتسنّى لجيوش بلاده احتلالها. حيث يقول عند وصفه أسوار القدس العتيقة: "يبلغ عرض الأسوار التي تدعمها الأبراج عند مستوى سطحها المحصن ثلاثين قدمًا وارتفاعها مائة وعشرين [كذا] قدمًا ولا وجود للخنادق خلف هذه الأسوار بل هنالك الوديان التي تحيط بالمدينة. إن توفير ست [كذا] مدافع عيار اثني عشر [كذا] مركبة فوق منصات مع إقامة عدد من المتاريس والاستغناء عن الخنادق بإمكانه أن يحدث ليلً ثغرة حقيقية، ولكننا نعلم أن الأتراك يسترخون جيدًا خلف الحائط بفضل الجدران الداعمة. تقع القدس تحت هيمنة جميع الجهات من حولها ولتمكينها من الصمود أمام جيش نظامي ينبغي إقامة جدران عالية متقدمة من جهتي الغرب والشمال وتشييد قلعة فوق جبل الزيتون". واعتمادًا على هذه الأيديولوجيات المتخيلة بنى العديد من مؤرخي الحركة الصهيونية أساطيرهم، ولا أقول حقائقهم، حول القدس وتاريخها خلال الفترات الإسلامية باعتبارها مدينة مُهملة مهجورة، ولم يكن هنالك أيّ اهتمام عربيّ أو إسلاميّ بها خاصة خلال الحقبة العثمانية لإثبات أنّ تطورها جاء مع نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بفضل الوجود الصهيوني والغربي مع الهجرة الصهيونية والانتداب البريطاني. وفي هذا السياق أشير على سبيل المثال لا الحصر إلى المؤرخ موشيه معوز الذي يذكر في دراسته
Musa Sroor, "The Waqf and Building the Cities: The Old City of Jerusalem as a Case Study," in: Tora (ed.), pp. 27 - 40. 9 في هذا السياق، ينظر: , vol. 1; vol. 2 Jerusalem in the Nineteenth Century.Ben-Arieh,
Issam Nassar, European Portrayals of Jerusalem: Religious Fascinations and Colonialist Imaginations (New York: Edwin Mellen Press,
الموسومة ب "القدس في الحقبة الحديثة: التغيرات السياسية والاجتماعية": "أن القدس طيلة الفترة المملوكية والتي امتدت أكثر من قرنين ونصف وخلال القرون الثلاث الأولى من الحكم العثماني كانت مدينةً صغيرة ومُهملة واقتصرت على كونها مدينة دينية وقاعدة لصدّ البدو وبالتالي كانت خارجةً عن اهتمامات المماليك والعثمانيين، ولم يكن بها أيّ نشاطات ثقافية أو اقتصادية أو عمرانية". ولدحض هذه المقولات والادعاءات تأتي هنا أهمية اعتماد المؤرخ على وثائق الوقف بوصفها مصدرًا تاريخيًّا. فوثائق الأوقاف تكشف لنا بطريقة لا تحتمل الشك التغيرات الجذرية التي أحدثها المسلمون منذ عام 638 ه في القدس عبر بناء مؤسسات وقفية في المدينة شملت الجزء الشرقي من المدينة؛ حيث لا يوجد عمرانٌ أساسًا أو تمّ البناء على أنقاض أبنية قديمة. وتشير المصادر إلى أنّ هذا الجزء كان مهملً قبل الفتح الإسلامي للمدينة؛ فبناء وتشكّل منطقة الحرم الشريف واحتلالها جزءًا مهمًّا من مساحة المدينة الكلية ساهم في تخطيط عمراني جديد للمدينة، خاصة بعد بناء الأسوار حولها وإنشاء عشرات المدارس الوقفية حول هذه المنطقة. كما ساعد فراغ هذا الجزء من المدينة، أي الجزء الشرقي، على نشوء أسواق وقفية ذات طُرز معمارية جديدة كسوق القطانين الذي يبلغ طوله 5. 94 مترًا وعرضه 5. 5 أمتار. كما ظهرت حارات وقفية جديدة لم تكن موجودةً من قبل كحارة المغاربة التي احتلت الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة، وأقيمت فيها البيوت والأماكن الدينية الإسلامية. ومع نهاية الفترة العثمانية، وصل عدد العقارات الوقفية في هذه الحارة إلى نحو 140 عقارًا. كما دفعت كثرة المؤسسات الوقفية الإسلامية في القدس مؤسسيها إلى توفير مصادر تمويل دائمة لها، عن طريق بناء الدكاكين والأسواق والحمامات والخانات في المدينة أو امتلاك ما هو قائم وتعميره وتحويله إلى أوقاف؛ وهذا ما يفسر انتشار مئات العقارات الوقفية التجارية في أحياء وأسواق القدس المختلفة. حيث يذكر عارف العارف (1892 - 1973) اعتمادًا على سجل 44 من سجلات محكمة القدس أنّه في عام 1561 ذهب وفد (مجموعة) من تجّار القدس - مسلمون ومسيحيون ويهود - إلى قاضي محكمة القدس الشرعية جار الله أفندي، لإعلامه بالاتفاق الذي تمّ بينهم وبين الوكيل الشرعي عن ناظر الحرمين الشريفين الشيخ حمزة جلبي. وينص هذا الاتفاق على أن يقوم ناظر الحرمين بتعمير لهؤلاء التجار 40 دكّانًا في سوق الحصر التابع لأوقاف المسجد الأقصى مقابل أن يدفعوا له 40 سلطانيًا ذهبًا، وذلك مقابل تأجيرهم هذه الدكاكين مدّة سنة. يلقي كلّ ما ذكر الضوء على الدور المهم الذي قام به الوقف في بناء وتشكل مدينة القدس القديمة وفق أسس وطُرز معمارية جديدة، لا تختلف عن باقي المدن الإسلامية كالقاهرة ودمشق وتونس. وهذا يجسّد الهوية العربية الإسلامية للقدس، رغم محاولات الطمس والتهويد ومصادرة التاريخ وتزويره. كما يظهر اهتمام "النخب السياسية الإسلامية"، إن جاز لنا التعبير، بالتنمية العمرانية في القدس، خلال الحقب الإسلامية المختلفة، رغم اختلاف مذاهبها وقومياتها وأعراقها وانتماءاتها الأيديولوجية والسياسية. وتعتبر دراسة وتحليل وثائق الأوقاف المختلفة مصدرًا أساسيًا لدراسة التنمية العمرانية في مدينة القدس؛ إذ تقدّم لنا معلومات مهمّة عن العقار الموقوف من حيث موقعه وحدوده ومكوناته، ووصفًا معماريًّا مختصرًا له، إضافة إلى اسم الواقف وتاريخ الوقف،
16 Lucien Golvin, "Quelques notes sur le Sûq al-Qattânîn et ses annexes à Jérusalem," Bulletin d'études orientales , vol. 20 (1967), p. 107.
وأحيانًا تظهر لنا مهنة الواقف ومكانته في المجتمع. كما تقدّم لنا معلومات مهمّة عن أصل ملكية العقار الموقوف للاستدلال على ملكية الواقف للعقار موضوع الوقف؛ إذ يجب أن يُثبت الواقف ملكيته للعقار حتى يتسنى للقاضي تصديق صحة الوقف. وأيضًا تكشف لنا عن التطورات المعمارية التي واكبت العقار الوقفي عبر السنوات من ترميم وصيانة وغيره. ومن المآخذ على وثائق الوقف أنها لا تقدّم لنا معلومات أو تفسيرات تلقي الضوء على من خطّط هندسة البناء أو من قام بتنفيذه، أو معلومات تبيّ أسباب اختيار الواقف لمكان إنشاء مؤسسته الوقفية، أو معلومات حول المدّة الزمنية التي استغرقتها عملية البناء أو تكاليفه. وتشكّل الوثائق الوقفية المصدر الأهمّ الذي يمكننا من الكشف عن طبيعة الحياة الثقافية والحركة العلمية في القدس، خلال الحقب التاريخية المختلفة، ومدى انتشار المدارس وأنواعها وسبل عملها؛ لأنّ هذه المؤسسات التعليمية كان أغلبها، إذا لم أقل جميعها، أوقافًا.
خامسًا: الوثائق الوقفية وإشكاليات استخدامها مصدرًا تاريخيًّا
رغم أهمية المصادر السابقة الذكر، فإنّ هنالك العديد من الإشكالات والصعوبات التي تواجه الباحث في التعامل معها، واستخدامها مصدرًا تاريخيًّا، مقارنةً بالمصادر التاريخية الأخرى. تتمثّل الإشكالية الأولىفي أنّ الوثائق الوقفية تمتاز من غيرها من المصادر الأولية المختلفة بكونها وثائق متصلة ومتشابكة ومرتبطًا بعضها ببعض، رغم الفوارق الزمنية بين كتابة الوثائق المتفرعة؛ إذ لا يمكن دراسة وثيقة واحدة منها على أنها وثيقة منفصلة حتى لو كان موضوعها منفصلً وقائمًا في حدّ ذاته، بل تمتاز هذه الوثائق بالترابط والتواصل الموضوعي والتاريخي، ولكلّ وثيقة منها اتصال وترابط موضوعي وقانوني بما سبقها من وثائق. فمثلًالكتاب التأسيسي للوقف المتعارف على تسميته "الوقفية" يتفرع منه ويرتبط به عشرات بل مئات من الوثائق الوقفية الأخرى، التي لا يمكن دراسة إحداها بمعزل عن الأخرى، ومن دون العودة إلى الوثيقة الأم "الوقفية" يصعب فهم وتحليل الوثائق الأخرى المتفرعة منها. وتزداد المشكلة تعقيدًا في حالة الوقفيات القديمة التي مضى على إنشائها مئات السنين وتفرّع منها مئات الوثائق الوقفية، وتعدّدت الأجيال التي عاصرتها وتعاملت معها، وهذا ما يُعَقّد عمل الباحث في هذا المجال؛ إذ عليه البحث عن كل ما يتفرّع من الأصل في مئات من السجلات وعبر مئات الآلاف من القضايا والحجج الأخرى المسجّلة في سجلات المحاكم الشرعية أو في سجلات دوائر الأوقاف حتى يتسنى رسم صورة كاملة للمسألة الوقفية. وهذا يأتي في غياب فرز وتصنيف وفهرسة عشرات الآلاف من الوثائق الوقفية المتناثرة بين طيّات سجلات المحاكم الشرعية؛ ما يجعل الباحث في وثائق الوقف يقوم بدور الأرشيفي والمصنّف لها قبل أن يركز جهوده على البحث في مضمونها وتحليل معلوماتها التاريخية، ما يُساهم في تشتيت وقته وجهده. وهنا تأتي أهمية وجود أرشيف يجمع ويصنف ويفهرس هذه الوثائق. وعلى سبيل المثال لا الحصر سأشير إلى وثائق وقف تكية خاصكي سلطان في القدس وإشكالية حصر وثائقها. وأنشأت هذا الوقف زوجة السلطان سليمان القانوني روكسلانة أو ما تعرف بخاصكي سلطان، بمعنى محبوبة السلطان، عام 1557، ممثّلً أعظم وأهم مجمع معماري بعد الحرم، ولا يعتبر أهمّ مؤسسة خيرية وقفية على
مستوى القدس فحسب، وإنّما على مستوى فلسطين كاملةً. وعُرفت هذه المؤسسة باسم تكية خاصكي سلطان أو العمارة العامرة. ومن خلال وثيقة وقف هذه المؤسسة والمسجلة في سجلات محكمة القدس الشرعية، يتبين لنا أنّها مثّلت مجمعًا عمرانيًّا ضخمًا، يقع في الحارة الإسلامية بالقرب من المسجد الأقصى، يضم مسجدًا وخانًا ورباطًا ومدرسةً و 55 غرفةً لإقامة الصوفية، إضافة إلى مطبخ يقدم يوميًّا وجبات للفقراء والمسافرين ومجاوري المسجد الأقصى، وفرن ينتج يوميًّا ألفَي رغيف من الخبز. ومن أجل توفير النفقات على هذه المؤسسة قامت الواقفة روكسلانة بوقف 34 قرية ومزرعة ليصُرف ريع إنتاجها للنفقة عليها. تُعدّ وثائق هذا الوقف التي بقي جزءٌ منه قائمًا حتى يومنا بالآلاف، وتنتشر في ثنايا سجلات محكمة القدس الشرعية ودوائر الأوقاف في القدس وإسطنبول وفي الأرشيفات العثمانية، إضافة إلى وجود وثائق تتعلق بها ضمن الأحكام السلطانية الواردة في الدفاتر المهمة العثمانية. وكُتِبت العشرات من الكتب والدراسات حول هذه المؤسسة الوقفية الخيرية اعتمادًا على هذه الوثائق، ولكن بحسب معرفتي لم تُستخدم وثائقها مصدرًا تاريخيًّا للتأريخ لموضوعات غير وقفية، تتعلّق بالقدس خاصة وفلسطين عامة، رغم أهميتها واعتبارها كنزًا معرفيًّا للمؤرخ. تكشف لنا وثائق أوقاف هذه التكية عن خفايا الوجود العثماني التركي في القدس من ولاة وقضاة وإداريين لهذه المؤسسة، والعلاقة بين المركز "إسطنبول" والأطراف ممثلةً بالقدس، وتكشف لنا عما تعرضت له مؤسسات القدس الوقفية من فساد إداري وسرقة ونهب، ومَن هم رؤوس الفساد، وكيف انعكس ذلك على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة المقدسة وموقف السلطة السياسية منه، وتكشف لنا أيضًا عن العلاقة الوثيقة بين الريف ممثّلً بسكان القرى الوقفية العاملين في عقارات التكية ومدينة القدس، وكذلك إنتاج هذه القرى من المحاصيل من حيث النوعية والكمية. وتبين لنا الشرائح والنسيج الاجتماعي في القدس، طوال أربعمئة عام من الوجود العثماني، من خلال هوية العاملين في التكيّة والمنتفعين بها من فقراء وعابري سبيل وطلبة علم وأعيان. وتكشف لنا عن سياسات وتوجهات النظام السياسي والإداري العثماني والاستعماري تجاه هذه المؤسسة، وكيف أنها لم تنعكس فقط على العلاقات المذهبية بين أبناء الديانات السماوية في القدس وأكنافها، بل أيضًا على العلاقات السياسية بين مكوّنات المجتمع الفلسطيني من أصيل ودخيل. وأقصد هنا بالدخيل المهاجرين الصهاينة واستحواذهم على قرى وقفية تابعة لوقف خاصكي سلطان. وتجدر الإشارة إلى أنّه كثيرًا ما كُتب عن الحركة الصهيونية والاستيطان الصهيوني في فلسطين، أو الانتداب البريطاني، أو تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ولكن لم يتم اعتماد هذه الوثائق مصادر لهذه الدراسات. وتكمن الإشكالية الثانية في صعوبة التعامل مع الوثائق الوقفية لتداخل موضوعاتها وصعوبة حصرها، وتعدّد القضايا التي تتناولها، ولعدم انتظامها، وتواترها، سواء من حيث الموضوعات التي تتناولها أو من حيث الفترة الزمنية والرقعة الجغرافية التي تغطيها. هذا فضلً عن أنّ أصول الوقفيات القديمة أو النسخ المنقولة عنها غالبًا ما تصعب قراءتها؛ لصعوبة فكّ خطّها وضياع بعض كلماتها
21 Uriel Heyd, Ottoman Documents on Palestine 1552 - 1615: A Study of the Firman According to the Mühimme Defteri (Oxford: Clarendon Press, 1960), p. 139.
S.T. Hanna Stephan, "An Endowment Deed of Khasseki Sultan Dated 24 th May 1552 ," The Quarterly of the Department of Antiquities in Palestine. vol. 10 (1944), p. 172 - 173.
بفعل الضرر الذي أصابها والإهمال الذي لحقها. وفي هذا السياق، أشير إلى وثائق أوقاف المغاربة في القدس وإشكالية استخدامها: تعود الوثيقة الأولى إلى عصر الملك الأفضل الأيوبي الذي أوقف المكان الذي شكّل ما عُرف لاحقًا بحارة المغاربة، ومن أهمّ أوقافها وقف "أبو مدين" الأكثر شهرة وديمومة في المدينة المقدسة والذي أُسِّس عام 1320 م، ولاحقًا على هذه الأوقاف تمّ تأسيس عشرات الأوقاف الأخرى من طرف المغاربة أو لمصلحتهم في القدس. وقد أُعيد تسجيل هذه الوقفيات في سجلات محكمة القدس الشرعية. ونظرًا إلى قِدم هذه الأوقاف، فقد لا يخلو سجل من سجلات محكمة القدس الشرعية - 418 سجلً تغطّي الفترة العثمانية، وكل سجلّ يتناول قضايا سنة كاملة - من حجج ووثائق تتناول أوقاف المغاربة سواء تلك المتعلقة بإجارة العقارات أو ترميمها، أو تلك التي تتضمن كشوفات محاسبة لمداخيل ومصروفات هذه الأوقاف، رغم أنّ المعروف منها لا يمثّل كلّ الموروث الوثائقي منها. كما توجد مئات من الوثائق المتعلقة ضمن وثائق الأوقاف المحفوظة في أرشيف مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، فضلً عن تلك الموجودة في أرشيفات عربية وأجنبية أخرى. وتكمن أهمية هذه الوثائق في كشف طبيعة الوجود المغاربي في القدس خاصة وفلسطين عامة، وما يعكسه هذا الوجود من ارتباط وثيق بين المغاربة وفلسطين منذ عام 1187 م؛ تاريخ حرب التحرير التي قادها صلاح الدين الأيوبي، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وذلك نظرًا إلى أن الوجود المغاربي في القدس بفضل هذه الأوقاف - وهذا ما تكشف عنه وثائقها - شكّل جزءًا أساسيًّا من مكوّنات المدينة المقدسة طوبوغرافيًّا بوجود حارة ملاصقة للمسجد الأقصى تقع في الجهة الجنوبية من المدينة العتيقة، ومكوّنًا اجتماعيًّا رئيسًا لا يمكن تجاهله عند الكتابة حول أي إشكالية من إشكاليات المجتمع المحلي والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والحضاري بشقَّيه الروحي والمادي وأيضًا السياسي للقدس. ومنذ الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917، أصبحت عقارات هذه الأوقاف، خاصة قرية عين كارم، جزءًا من المسألة الفلسطينية نتيجةً للأطماع الصهيونية فيها. وبعد تشكّل دولة الاحتلال الصهيوني عام 1948، أصبحت محورًا رئيسًا في العلاقات الدولية وفي السياسات الخارجية لبعض الدول خاصة فرنسا والجزائر وتونس والمغرب. تتحكم هذه الصعوبات التي يواجهها الباحث، في التعامل مع وثائق الوقف، في المنهجية التي يتعامل بها مع مضمونها، والأسلوب الذي ينتهجه معها الذي غالبًا ما يحدّده منهج الباحث وإمكاناته ونوعية موضوعه. لذا فإن معظم الدراسات التي اعتمدت على الوثائق الوقفية تعاملت معها على نحو سطحي ووصفي وتتناول القضايا الوقفية فقط. وأخيرًا، رغم هذه الإشكاليات، تفتح الوثائق الوقفية أمام الباحث آفاقًا رحبةً تمكّنه من تجديد نظرته وفهمه لمعطيات الحياة اليومية للمجتمعات المحلية موضوع الدراسة، وتحديد حكمه على التطورات التي تميّز بها التاريخ المحلي لهذه المجتمعات. وبهذا تظلّ هذه الوثائق تمثّل الإطار الأمثل والأوسع لإعادة تجديد معرفتنا التاريخية من منظور علمي أكاديمي يستكمل ويُصحِّح ويعدِّل ما كُتب إلى الآن عن تاريخ المدن العربية والإسلامية عامة والقدس خاصة. فهي تُعتبر المصدر الأمثل لرسم صورة واقعية تجسّد الوجود الحضاري، والانتعاش أو الانكماش الاقتصادي، والازدهار أو التراجع الثقافي، والتماسك والتناغم أو التفكك الاجتماعي. وهذا من شأنه المساهمة في إعادة كتابة تاريخنا العربي في حقبه المختلفة، خاصة الحديثة والمعاصرة، اعتمادًا على مصادر جديدة تمتاز بالتنوع
29 Musa Sroor, "Le contentieux franco-israélien à propos des biens waqf s maghrébins à Jérusalem 1952 - 1962 ," Annuaire Droit et Religions (Université d'Aix-Marseille) , vol. 9 (2017 / 2018), pp. 25 - 45.
والصدقية لم تُكتب في الأساس بوصفها مصدرًا تاريخيًّا، ولم تتناقلها الأجيال مشافهةً كالرواية الشفوية، ولا تتضمن آراءً ووجهات نظر وأحكامًا نابعة عن ميول واتجاهات دينية وأيديولوجية أو عاطفية كالمذكرات والسير الذاتية وكتب التراجم وأدب الرحالة والصحافة، ولا تعبّ عن توجهات سياسية وفق رؤى أصحاب القرار السياسي كالوثائق الرسمية. ويمكّننا ذلك من استخدامها في كتابة التاريخ على نطاق واسع وبمختلف موضوعاته، أي الماكرو - تاريخ، وليس اقتصار استخدامها على نطاق ضيّق مركّز "الميكرو - تاريخ" في التأريخ لقضايا الوقف وأحكامه وتطبيقاته.
المراجع
العربية
الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، 1982.
الأرناؤوط، محمد. الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر. بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011.
السابع لتاريخ بلاد الشام، 17 - 21 شعبان 1427 ه/ 10 - 14 أيلول 2006. عمان: الجامعة الأردنية، 2009.
الأوقاف، 2007.
والنشر، 2011.
جمعية التراث، 2012.
سيدي بلعباس: مكتبة الرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، 2013.
جبارة، تيسير. تاريخ فلسطين. عمان: دار الشروق، 1998.
عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع، 2011.
الجعبة، نظمي. القدس في الكتابات التاريخية الإسرائيلية. الرباط: وكالة بيت مال القدس الشريف، 2019.
والنشر، 2008.
التاريخية العربية للدراسات العثمانية. السنة 21، العددان 41 - 42 (كانون الأول/ ديسمبر 2010).
سطيح، عبد القادر. القدس العثمانية 1700 - 1757: دراسة في التطورات الإدارية. ريغا: نور للنشر، 2018.
أبشرلي، محمد ومحمد داود التميمي (تحقيق وتقديم). أوقاف وأملاك المسلمين في فلسطين في ألوية غزة، القدس، الشريف، صفد، نابلس، عجلون حسب الدفتر رقم 522 من دفاتر التحرير العثمانية المدونة في القرن العاشر الهجري. إسطنبول: مركز البخيت، محمد عدنان (محرر). الأوقاف في بلاد الشام منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين: المؤتمر الدولي بنعلة، مصطفى. تاريخ الأوقاف الإسلامية بالمغرب في عصر السعديين من خلال حوالات تارودانت وفاس. الرباط: وزارة بوداود، عبيد. الوقف في المغرب الإسلامي ودوره في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. الجزائر: مكتبة الرشاد للطباعة بوراس، عيسى. توثيق الوقف العقاري في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور نموذج تطبيقي. الجزائر: بوغفالة، ودان. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمدينتي المدية ومليانة في العهد العثماني: دراسة من خلال وثائق الأوقاف. بيات، فاضل (إعداد وترجمة). بلاد الشام في الأحكام السلطانية الواردة في دفاتر المهمة. عمان: الجامعة الأردنية، 2005.
الجبوري، أحمد حسين. القدس في العهد العثماني 1640 - 1799: دراسة سياسية عسكرية إدارية اقتصادية اجتماعية ثقافية. دو شاتوبريان، فرانسوا رونيه. الطريق من باريس إلى القدس. ترجمة مي عبد الكريم محمود. دمشق: دار المدى للثقافة سرور، موسى. "الأوقاف الإسلامية في حارة النصارى في القدس والتحول إلى ملكية مسيحية خلال القرن التاسع عشر". المجلة ________. "دور الأوقاف الإسلامية في التنمية العمرانية في القدس". مجلةحوليات القدس. العدد 14 (خريف - شتاء 2012).
سعيدوني، ناصر الدين. "وثائق الأوقاف بالأرشيف الجزائري وإمكانية استغلالها في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للجزائر". المجلة التاريخية المغاربية. السنة 26، العددان 93 - 94 (أيار/ مايو 1999).
الشناق، محمود. العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين 1876 - 1914. حلحول: مطبعة بابل الفنية، 2005.
صبيحي، عبد الرزاق. الحماية المدنية للأوقاف العامة بالمغرب. الرباط: وزارة الأوقاف، 2009.
الصلاحات، سامي. الوقف بين الأصالة والمعاصرة: دراسة متخصصة في رصيد العمل الوقفي المؤسسي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2014.
العارف، عارف. المفصل في تاريخ القدس. ط 3. القدس: مكتبة الأندلس، 1992.
عبد التواب، وليد رمضان. الوقف شرعًا وقانونًا. ط 2. القاهرة: دار شادي للموسوعات القانونية، 2009.
العسلي، كامل جميل. معاهد العلم في بيت المقدس. عمان: جمعية عمال المطابع الوطنية، 1981.
________. وثائق مقدسية تاريخية. عمان: الجامعة الأردنية، 1983.
العصا، عزيز [وآخرون] (محررون). وقائع المؤتمر الأكاديمي الرابع: الوقف الإسلامي في القدس. القدس: الهيئة الإسلامية العليا، 2018.
العلمي، أحمد. وقفيات المغاربة. القدس: دائرة الأوقاف العامة، 1981.
غانم، إبراهيم البيومي. الأوقاف والمجتمع والسياسة في مصر. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015.
كوهين، أمنون (محرر). القدس: دراسات في تاريخ المدينة. ترجمة سلمان مصالحة. مراجعة الترجمة إسحاق حسون. القدس: ياد يتسحاق بن تسفي، 1990.
محمد، زكريا وآخرون (محررون). أوراق عائلية: دراسات في التاريخ الاجتماعي المعاصر لفلسطين. مراجعة صالح عبد الجواد. ط 2. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011.
محيبيش، غسان. "وقفية خاصكي سلطان في بيت المقدس: دراسة وتحليل". أطروحة دكتوراه. جامعة عين شمس. القاهرة، 2004. المدني، زياد. أوقاف القدس في القرن الثامن عشر الميلادي. عمان: وزارة الثقافة، 2011.
________. أوقاف القدس في القرن السابع عشر الميلادي. عمان: وزارة الثقافة، 2018.
مناع، عادل. تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700 - 1918. ط 2. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.
المهتدي، عبلة. أوقاف القدس في زمن الانتداب البريطاني. عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2005.
يزنك، قاسم. التاريخ ومنهج البحث التاريخي. بيروت: دار الفكر اللبناني، 1990.
الوثائق
• سجلات محكمة القدس الشرعية العثمانية:
السجل رقم رقم 288، 15 جمادى الأولى 1221 / 31 تموز 1806.
• السجل رقم 294، 3 شعبان 1225 / 3 أيلول 1810.
• السجل رقم 44 (970 / 1561.) • السجل رقم 194 (1577).
• السجل رقم 270 (964 / 1557). ملف رقم 70 / 3 / 7. 6 / 42 / 13؛ ملف رقم 13 / 331 / 7. 4 / 3؛ ملف رقم 3 / 28. 5 / 1227 / 13.
الأجنبية
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية (أبو ديس). وثائق الأوقاف المحفوظة في مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية.
• Abdel Nour, Antoine. Introduction à l'histoire urbaine de la Syrie ottomane (XVIe-XVIIIe siècles). Beyrouth:
Librairie Orientale, 1982.
• Ben-Arieh, Yehoshua. Jerusalem in the Nineteenth Century , vol. 1: The Old City. Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi
Institute, 1984.
• ________. Jerusalem in the Nineteenth Century , vol. 2: Emergence of the New City. Jerusalem: Yad Izhak Ben-
Zvi Institute, 1989.
• Boughoufala, Ouddène (dir.). L'historien Nacerddine Saidouni précurseur des études ottomanes en Algérie.
Mascara: Publications du laboratoire des recherches Sociologique et Historique, Université de Mascara, Algérie,
• Deguilhem, Randi. "Ottoman Waqf Administrative Reorganization in the Syrian Provinces: The Case of
Damascus." Arab Historical Review for Ottoman Studies. vol. 5-6 (1992).
• ________. (ed.). Le Waqf dans l'espace islamique outil de pouvoir socio-politique. Damas: Institut Français de
Damas, 1995.
• Deguilhem, Randi & Abdelhamid Henia (eds.). Les fondations pieuses (waqf) en Méditerranée: Enjeux de
société, enjeux de pouvoir. Koweït: La Fondation Publique des Awqaf du Koweït, 2004.
• Dumper, Michael. Islam and Israel: Moslem Religious Endowments and the Jewish State. Washington, D.C:
Institute for Palestine Studies, 1994.
• Golvin, Lucien. "Quelques notes sur le Sûq al-Qattânîn et ses Annexes à Jérusalem." Bulletin d'études orientales.
vol. 20 (1967).
• Henia, Abdelhamid. "Les terres mortes de la Tunisie utile et les nouvelles stratégies foncières à l'époque moderne."
Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée (REMMM). no. 79-80 (1996).
• ________. Propriété et stratégies sociales à Tunis à l'époque moderne: XVIe-XIXe siècles. vol. 34. Tunis:
Université Tunis I, 1999.
• Heyd, Uriel. Ottoman Documents on Palestine 1552-1615: A Study of the Firman According to the Mühimme
Defteri. Oxford: Clarendon Press, 1960.
• Hoexter, Miriam. Endowments, Rulers and Community: Waqf al-Haramayn in Ottoman Algiers. Leyden: Brill,
• Nassar, Issam. European Portrayals of Jerusalem: Religious Fascinations and Colonialist Imaginations. New
York: Edwin Mellen Press, 2006.
• Pascual, Jean-Paul. Damas à la fin du XVIe siècle d'après trois actes de waqfs Ottomans. Damas: Institute
Français De Damas 1983.
• Raymond, André. "Les grands waqfs et l'organisation de l'espace urbain à Alep et au Caire à l'époque ottomane
XVIe-XVIIe siècles.'' Bulletin d'Etudes Orientales. no. 31 (1979).
• Reither, Yitzhak. Islamic Endowments in Jerusalem under British Mandate. London: Frank Cass, 1996.
• Safi, Khaled. The Egyptian Rule in Palestine 1830-1841: A Critical Reassessment. Berlin: Mensch & Buch Verlag,
• Saliba, Sabine (ed.). Les fondations pieuses waqfs chez les chrétiens et les juifs: du moyen âge à nos jours. Paris:
Geuthner, 2016.
• Scholch, Alexander. Palestine in Transformation 1856-18 82. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1993.
• Singer, Amy. Constructing Ottoman Beneficence: An Imperial Soup Kitchen in Jerusalem. New York: University
of New York Press, 2002.
• Sroor, Musa. "Les juges et la privatisation des biens waqf s à Jérusalem au XIXème siècle." Arab Historical
Review for Ottoman Studies. no. 37-38 (December 2008).
• ________. Fondations pieuses en mouvement. De la transformation des statuts de propriété des biens waqfs à
Jérusalem (1858-1917). Beirut: Institut Français du Proche-Orient IFPO; Aix-en-Provence: IREMAM, 2010.
• ________. "La propriété immobilière des femmes musulmanes de Jérusalem (1831-1841): Entre la reconnaissance
et la spoliation." HAWWA: Journal of Women of the Middle East and the Islamic World. no. 15 (2017).
• ________. "Le contentieux franco-israélien à propos des biens waqf s maghrébins à Jérusalem 1952-1962."
Annuaire Droit et Religions (Université d'Aix-Marseille). vol. 9 (2017 / 2018).
• Stephan, ST. Hanna. "An Endowment Deed of Khasseki Sultan Dated 24 th May 1552." The Quarterly of the
Department of Antiquities in Palestine. vol. 10 (1944).
• Szijarto, Istvan M. & Sigudur Magnusson. What is Microhistory? Theory and Practice. London/ New York:
Routledge, 2013.
• Tarchoun, Mounira Abdelhariz. "Sfax ville tunisienne à l'époque ottomane: Sa topographie, son histoire urbaine,
sociale, économique et ses waqfs." PhD. Dissertation. Université Aix-Marseille. Aix-en-Provence- France, 2018.
• Tora, Miura (ed.). Comparative Study of the Waqf from the East Dynamism of Norm and Practices in Religious
and Familial Donations. Tokyo: Toyo Bunko, 2018.
• Veinstein, Gilles (ed.). Soliman le Magnifique et son temps: Actes Du Colloque de Paris, Galeries Nationales Du
Grand Palais, 7-10 Mars 1990. Paris: La Documentation Française, 1992.