Return to Article Details Managing Memory in the Context of Transitional Justice: A Comparative Study of Moroccan Experience

تدبير الذاكرة في سياق العدالة الانتقالية دراسة مقارنة للتجربة المغربية

Managing Memory in the Context of Transitional Justice: A Comparative Study of Moroccan Experience

عبد العزيز الطاهري

الملخّص

تتناول الدراسة سياسات تدبير الذاكرة في تجارب العدالة الانتقالية، مستندةً إلى التجربة المغربية التي جسّدتها هيئة الإنصاف والمصالحة. وتقارن نموذجها بنماذج أخرى، مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين وبولندا وتشيلي وتونس. وترصد أهم أحداث العنف في تاريخ المغرب الراهن، وخصوصًا تلك التي أسفرت عنها انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، والتي سعت الهيئة لطيّ صفحتها. وتوضح أن التجربة المغربية تبنّت "الحقيقة التصالحية"، بدلًا من "الحقيقة القضائية"، واستطاعت الكشف عن حقائق عديدة، وخصوصًا ما يتّصل باستجلاء مصير كثير من مجهولي المصير، وكشفت عن حالات عديدة من الاعتقال التعسفي، إضافة إلى أساليب التعذيب وظروف الاعتقال ومراكزه. وقد جاءت هذه التجربة المغربية سياسية، واستهدفت المصالحة أكثر من المصارحة، فشابها الكثير من النسيان. وتبيّن الدراسة أن تحوّلات جرت على مستوى التأريخ؛ فقد بدأ اهتمام نسبي من المؤرخين بموضوع الذاكرة، وتعالت دعواتهم إلى فتح ورشات تاريخ الزمن الراهن ومباشرته. وتنتهي إلى أن التجربة المغربية عكست نفسًا إصلاحيًا، لكنها لم تأتِ في إطار انتقال ديمقراطي، وإنما ساهمت في التحول الديمقراطي البطيء والمتعثر الذي يعرفه المغرب.

Abstract

The paper deals with memory management policies in transitional justice, based on the experience of the Moroccan Justice and Reconciliation Commission, compared with other models such as those of South Africa, Argentina, Poland, Chile and Tunisia. The paper examines critical incidents of violence in current Moroccan history, especially those involving widespread violations of human rights, for which the commission sought some resolution. The paper states that Moroccan experience adopted "conciliatory truth" rather than "judicial truth," and so was able to uncover facts pertaining to the previously unknown fates of many persons, cases of arbitrary detention, methods of torture, and detention centers and conditions. This Moroccan experience was primarily political, and prioritized reconciliation over forthrightness, and was consequently marred by forgetfulness. The paper highlights a shift taking place in the chronicling of history, as historians began to take interest in the topic of memory and call for convening workshops on the history of present times. At the same time, the paper concludes by saying that the Moroccan experience reflected a reformist spirit, but one not emerging from a framework of a democratic transition, and it contributed rather to the slow and stalled democratic transformation seen in Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • العدالة الانتقالية
  • هيئة الإنصاف والمصالحة
  • الذاكرة
  • التحول الديمقراطي
  • المغرب
Keywords:
  • Transitional Justice
  • Equity and Reconciliation Commission
  • Memory
  • Democratic Transition
عبد العزيز الطاهري*Abdelaaziz Ettahiri |
ري|
زيز
ب
تدبير الذاكرة في سياق العدالة الانتقالية
دراسة مقارنة للتجربة المغربية
Managing Memory in the Context of Transitional Justice
A Comparative Study of Moroccan Experience

تتناول الدراسة سياسات تدبر الذاكرة في تجارب العدالة الانتقالية، مستندةً إلى التجربة المغربية التي جسّدتها هيئة الإنصاف والمصالحة. وتقارن نموذجها بنمذج أخرى، مثل جنوب أفريقيا والأرجنتن وبولندا وتشيلي وتونس. وترصد أهم أحداث العنف في تاريخ المغرب الراهن، وخصوصًا تلك التي أسفرت عنها انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، والتي سعت الهيئة لطيّ صفحتها. وتوضح أن التجربة المغربية تبنّت "الحقيقة التصالحية"، بدلً من "الحقيقة القضائية"، واستطاعت الكشف عن حقائق عديدة، وخصوصًا ما يتّصل باستجلاء مصر كثر من مجهولي المصر، وكشفت عن حالات عديدة من الاعتقال التعسفي، إضافة إلى أساليب التعذيب وظروف الاعتقال ومراكزه. وقد جاءت هذه التجربة المغربية سياسية، واستهدفت المصالحة أكثر من المصارحة، فشابها الكثر من النسيان. وتبيّ الدراسة أن تحولّات جرت عى مستوى التأريخ؛ فقد بدأ اهتمم نسبي من المؤرخن بموضوع الذاكرة، وتعالت دعواتهم إلى فتح ورشات تاريخ الزمن الراهن ومباشرته. وتنتهي إلى أن التجربة المغربية عكست نفسًا إصلاحيًا، لكنها لم تأتِ في إطار انتقال ديمقراطي، وإنما ساهمت في التحول الديمقراطي البطيء والمتعثر الذي يعرفه المغرب. كلمت مفتاحية:  العدالة الانتقالية، هيئة الإنصاف والمصالحة، الذاكرة، التحول الديمقراطي، المغرب.

The paper deals with memory management policies in transitional justice, based on the experience of the Moroccan Justice and Reconciliation Commission, compared with other models such as those of South Africa, Argentina, Poland, Chile and Tunisia. The paper examines critical incidents of violence in current Moroccan history, especially those involving widespread violations of human rights, for which the commission sought some resolution. The paper states that Moroccan experience adopted "conciliatory truth" rather than "judicial truth," and so was able to uncover facts pertaining to the previously unknown fates of many persons, cases of arbitrary detention, methods of torture, and detention centers and conditions. This Moroccan experience was primarily political, and prioritized reconciliation over forthrightness, and was consequently marred by forgetfulness. The paper highlights a shift taking place in the chronicling of history, as historians began to take interest in the topic of memory and call for convening workshops on the history of present times. At the same time, the paper concludes by saying that the Moroccan experience reflected a reformist spirit, but one not emerging from a framework of a democratic transition, and it contributed rather to the slow and stalled democratic transformation seen in Morocco.

A Moroccan researcher and professor of contemporary history at the Faculty of Arts at the Mohammed V University in Rabat, Morocco.

تقديم

تقع الذاكرة في صلب تدابير العدالة الانتقالية المتعلقة بكشف حقيقة الماضي، الأليم وإعادة قراءته، وإنصاف ضحاياه، وتحقيق المصالحة الوطنية، والعمل على تفادي عودة أساليبه القمعية في المستقبل عن طريق الإصلاح السياسي وبناء المجتمع الديمقراطي. تتناول الدراسة أشكال تدبير الذاكرة في سياقات العدالة الانتقالية، وتتخذ من التجربة المغربية، التي جسدتها أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة، نموذجًا لذلك. وتعَرِّف في بادئ الأمر بالذاكرة وآليات اشتغالها، وتوضح أبعادها الفردية والجماعية وصلتها بالتاريخ

والنسيان وبالعدالة الانتقالية. وتبرز بعد ذلك أهم العوامل التي أسهمت في رسم معالم التجربة المغربية للعدالة الانتقالية وانعكست على تدبيرها للذاكرة. ومن بينها الطابع العنيف والسلطوي للدولة المستقلة الموروث عن البنى التاريخية العميقة الذي أدى، خاصة في أزمنة الصراع السياسي والاجتماعي، إلى انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان خلال الفترة الموسومة بسنوات الجمر والرصاص، إضافة إلى دور السياق السياسي، المتسم بالاستمرارية والموصول بالانفتاح والإصلاح السياسي في ظل تحولات ما بعد نهاية الحرب الباردة،

خاصة في ما يتعلق بتدبير إرث الماضي الحقوقي الثقيل وإعادة بناء الذاكرة الجماعية على أساس المصالحة، فضلً عن موازين وعلاقات القوة التي ولدت فيها التجربة. وستنتقل في إثر ذلك إلى تحليل المقاربة التي اعتمدتها هذه التجربة لتدبير الذاكرة، وبيان بعض مواطن النسيان التي انطوى عليها، لتجيب في نهاية المطاف عن سؤالين: ما حدود دور عمل الذاكرة خاصة، ومجمل أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة عامة، في الإصلاح السياسي؟ وهل أفضيا إلى تحقيق انتقال ديمقراطي في المغرب؟ ومن أجل فهمٍ أعمق للنموذج المغربي، اعتمدت الدراسة منهجًا يقوم على المقارنة بينه وبين نماذج عالمية أخرى، بما فيها بعض

النماذج العربية. كما ارتكزت على مقاربة تاريخية تكمن أهميتها، على الرغم مما تطرحه من إشكالات ترتبط بتاريخ الزمن الراهن

والآني، في وضع هذا النموذج في سياقاته الوطنية والدولية، وصيروراته الزمنية بداية من الفترات الممهدة للتجربة مرورًا بإنجازها ووصولً

إلى ما ترتب عليها من نتائج، وفهم هذا الحدث القصير في ضوء البنى التاريخية العميقة، وذلك بغية الخروج بخلاصات أولية بخصوصها.

مفهوم الذاكرة وصلته بالعدالة الانتقالية

عرف العالم في سياق ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حضورًا كثيفًا ومتزايدًا للذاكرة، وذلك بالنظر إلى ما شهده من أحداث

وتحولات. من أبرزها ما خلفته الحرب من نتائج وفظاعات، وتصاعد تصفية الاستعمار، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها أنظمة شمولية، ودخول عدة بلدان في مراحل انتقال ديمقراطي. أدت هذه التحولات إلى صعود نجم الشاهد وتصاعد دور الذاكرة في تحديد معالم الماضي، إلى درجة وصفت فيها هذه الفترة ب "عصر الشاهد". ويشير مفهوم الذاكرة إلى "القدرة على التمثل الانتقائي الحاضر، الفردي أو الجماعي، لأحداث وحالات ماضية، ويتم هذا التمثل عبر مسار معقد من إدراك الأحداث وتسجيلها وترميزها وتخزينها وإعادة إنتاجها في شكل صور ذهنية في زمن ماض إلى استحضارها وذكرها، أو التذكير بها حسب معطيات الحاضر الذي يتم فيه ذلك". ويميز المتخصصون بين الذاكرة الفردية، التي تنطلق من داخل الفرد وتعكس تمثلاته الذاتية للماضي، والذاكرة الجماعية التي تنتسب إلى كيان جماعي. وقد اعتبر موريس هولبفاكس أن الذاكرة

Annette Wieviorka, L'ère du témoin (Paris: Pluriel, 2013).

2 عبد العزيز الطاهري، الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 - 1956 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016)، ص 32.

"وظيفة جماعية"، تستمد قوتها ودوامها من دعامتها التي تتكون من عدد كبير من الناس. وإذا كان للذاكرة الجماعية نفس خصائص الذاكرة الفردية عمومًا، فإنها مستقلة عنها، بل و"تغلف الذكريات الفردية"، ذلك أن "الفرد لا يتذكر إلا بالتموضع في وجهة

نظر أو وجهات نظر مجموعة أو مجتمع وفي تيار أو تيارات من التفكير الجماعي". وتختلف الذاكرة عن التاريخ في منهج استعادة الماضي وأهدافه، فهو مهنة وتخصص معرفي ينتمي إلى العلوم الإنسانية، ويقوم على مناهج وقواعد بحث عقلانية في طموحه إلى الوصول إلى الحقيقة التاريخية (النسبية)، أما هي فتتميز بالقدرة على التعرف إلى الماضي وطموح الإخلاص له وحفظه، انطلاقًا من واجب الذاكرة، غير أنها تواجه استعصاءات في ذلك تتمثل في غلبة الذاتية والعاطفة على تمثلاتها، وخضوعها لتأثيرات الحاضر ورهاناته السياسية والأيديولوجية، وجنوحها في كثير من الأحيان إلى خلط الواقع بالخيال وإلى بناء الأسطورة. وعلى الرغم من ذلك، تشكل "الذاكرة مادة أولية للتاريخ، وسواء كانت ذهنية أو شفهية أو مكتوبة فإنها المعين الذي يغرف منه المؤرخ". ويلازم النسيان الذاكرة، إذ إن "وجود ذاكرة دون نسيان محض خيال". وهو يطرح إشكالية على مستوى إخلاصها للماضي، وينتج من عجزها عن استعادة آثاره لأسباب غير إرادية في عدة أحيان، لكنه "ليس قصورًا ذاتيًا فقط، ولكنه كذلك قدرة نشيطة"،

وعملية متعمدة في أحيان كثيرة، فحتى "إذا كان في الإمكان تذكر كل شيء، فلا يمكن رواية كل شيء [...] لأن السرد الكامل أمر مستحيل من الناحية الإنجازية، فهو يحمل بالضرورة وبطبيعته خاصية انتقائية" لأسباب مرتبطة برهانات حاضر التذكر وإكراهاته، وهذا ما تسميه لوسيت فالنسي "سياسة الصمت"، وينعته بول ريكور ب  "استراتيجيات النسيان". ويتخذ هذا النوع من النسيان، عندما يتعلق الأمر برهانات اجتماعية وسياسية، عدة أشكال وتجليات؛ من أبرزها العفو الذي يجسد "الشكل المؤسساتي للنسيان" ويهدف إلى "تحقيق المصالحة بين المواطنين الأعداء"، والصفح الذي يأتي من الضحية ويستلزم وجود اتهام وإدانة وعقاب واعتراف المسؤول بالذنب، وهو يشكل "الأفق المشترك للذاكرة والتاريخ والنسيان"، هذا إضافة إلى الإخفاء والتهميش والإقصاء... إلخ.

الأصول التاريخية والسياق العام

يستدعي فهم خصوصيات تجربة العدالة الانتقالية المغربية، ومعالجتها للماضي الأليم، ومقاربتها لمسألة الذاكرة، القيام بتأصيل تاريخي لظاهرة العنف في المغرب الراهن وما نتج من انتهاكات لحقوق الإنسان التي سعت هيئة الإنصاف والمصالحة لطي ملفاتها نهائيًا، وتوضيح السياق العام الذي نشأت فيه هذه التجربة.

Friedrich Nietzsche, Oeuvres: La généalogie de la morale , vol. 2 , Jean Lacoste & Jacques Le Rider (eds.), Collection Bouquins (Paris:

11 Lucette Valensi, Fables de la mémoire , La glorieuse bataille des trois rois (Paris: Seuil, 1992), p.  34.

Maurice Halbwaches, Les cadres sociaux de la mémoire (Paris: PUF, 1952), p. 290. Maurice Halbwaches, La mémoire collective (Paris: PUF, 1950), p. 33. 5 Ibid., p. 36. 6 Ibid., p. 15. Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988), p. 10. Paul Ricoeur, La mémoire, l'histoire, l'oubli (Paris: Seuil, 2000), p. 537.

Robert Laffont, 1993), p. 789. 10 Ricoeur, p. 579.

12 Ricoeur, p. 579. 13 Ibid., pp. 585 - 586. 14 Ibid., pp. 593 - 594.

شكل العنف، المادي والاقتصادي والمجالي والرمزي، أحد ثوابت الممارسة السياسية في تاريخ المغرب. تميز هذا البلد في الفترة ما قبل الاستعمارية بدولة سلطانية ومخزنية وبمجتمع قبلي. استعملت هذه الدولة في محطات عديدة العنف ضد القوى الاجتماعية والدينية المتمردة، وخاصة في مناطق السيبة، كما سجل تاريخها أحداث عنف سياسي وحروبًا داخلية نتيجة الصراع على السلطة في مراحل

انتقال الحكم إما من سلالة إلى أخرى أو من سلطان إلى آخر. لم تحتكر هذه الدولة العنف، فقد توفرت جل القبائل على الأسلحة، ولجأت هذه القبائل إلى استعماله في مواجهة السلطة المركزية احتجاجًا على سياساتها. كما وظفته ضد قبائل أخرى، في إطار الصراع حول

السلطة أو المجال وما يتضمنه من مراعٍ وموارد طبيعية بالخصوص. وقد عرف تاريخ المغرب عدة وسائل لتدبير العنف وتحقيق السلم والتصالح بين القوى المتصارعة؛ فقد لجأت القبائل إلى جملة من الأعراف لتنظيم العلاقات وحفظ الأمن والسلم فيما بينها مثل إبرام عهود "الرْفُودْ"، أو عقد تحالفات قبلية واسعة تؤدي إلى توازنات

كبرى ينتج منها السلم والأمن، وفي الوقت ذاته كان السلطان يقوم بدور تحكيمي بين القبائل المتصارعة، كما قامت الزوايا الدينية بأدوار كبيرة في نزع فتيل الصراعات بين السلطة المركزية والقبائل من جهة، وفي ما بين هذه الأخيرة من جهة أخرى. احتكرت دولة الحماية، التي أقامت إدارة حديثة شكلت المؤسسة الأمنية إحدى أهم مؤسساتها، استعمال العنف بعد أن قضت على المقاومة المسلحة. وعلى الرغم من إجراءات التحديث، فقد غضّت الطرف عن أساليب العنف التقليدية التي مارسها القواد الكبار، كما أنها لم تتوان في استعماله ضد أشكال الاحتجاج الوطني المسلح أو السلمي. استمر العنف قاعدة في الممارسة السياسية في دولة الاستقلال، وقد مارسه الأفراد والجماعات السياسية والدولة. لكن عنف الدولة كان أقوى بحكم أنها ورثت عن الفترة الاستعمارية جهازًا إداريًا حديثًا إلى جانب الجهاز المخزني السابق، واحتكرت وسائل الإكراه،

حيث أحدثت المؤسستين العسكرية والأمنية وبسطت سيطرتها عليهما، ولم تتردد في استعمالهما قوتين ضاربتين. وارتكزت في ذلك على كتلة من المشروعيات الوطنية والدينية والكارزمية والمؤسسية الحديثة؛ فتم الانتقال من عنف السيبة التقليدي الفوضوي إلى عنف النظام العصري، وذلك على الرغم من أنها اعتمدت ترسانة دستورية وقانونية تجعلها قريبة تدريجيًا من الديمقراطية والتعددية

السياسية والحريات. وهكذا، عرف المغرب المستقل عنفًا واسع النطاق نجمت عنه انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، سواء في الصراعات التي وقعت بين فصائل الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة نتيجة الاختلافات حول تدبير السنوات الأولى للاستقلال، أو في سياق وقائع الصراع

15 عبد الأحد السبتي، "عنف الدولة: تصورات وممارسات ومنطلقات"، ورقة مقدمة في أشغال ندوة عنف الدولة، هيئة الإنصاف والمصالحة، مراكش: 11 - 12 / 6 / 2004،

سلسلة دراسات وندوات هيئة الإنصاف والمصالحة (الرباط: منشورات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2009)، ص 78 - 82. 16 عادة ما يطلق مصطلح بلاد السيبة في مقابل بلاد المخزن في تاريخ المغرب ما قبل الحماية، ويقصد به مجال القبائل التي لم تكن تخضع للأحكام السلطانية وسلطة

المخزن (الدولة) ويكتفي فيها هذا الأخير في الغالب بوجود رمزي يتمثل في بيعة السلطان، ويرجع ذلك إما إلى غياب المخزن أو إلى ضعفه في بعض الفترات، أو إلى تمرد القبائل

ضد تعسفه وإهماله. وإذا كانت الرواية الاستعمارية قد أضفت طابعًا بنيويًا على الصراع بين ثنائيتي المخزن والسيبة، معتبرة أن القبائل كانت ذات طابع استقلالي رافض لسلطة

الدولة، فقد نفت الرواية الوطنية وجود هذا الصراع جملة وتفصيلً، وأكدت الوحدة الوطنية وولاء كل القبائل للدولة وخضوعها لها، في حين تجاوزت الدراسات التاريخية

الأكاديمية الراهنة هاتين الروايتين الأيديولوجيتين، فأقرت بوجود السيبة لكنها درستها في حالاتها وسياقاتها وتحولاتها وباستحضار طبيعة الدولة وخصوصيات المجتمع. 17 السبتي، ص 85 - 86. 18 إبراهيم بوطالب، تاريخ المغرب الحديث والمعاصر: دراسات وبحوث، ج 1، ط 2 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2018)، ص 553. 19 السبتي، ص 86 - 87.

20 Daniel Rivet, Histoire du Maroc: De Moulay Idrîs à Mohamed VI (Paris: Fayard, 2012), p. 357. 21 Pierre Vermeren, Histoire du Maroc depuis l'indépendance , 4 eme ed. (Paris: La Découverte, 2016), p. 6.

22 محمد سبيلا، "العنف السياسي في مغرب ما بعد الاستقلال"، ورقة مقدمة في أشغال ندوة عنف الدولة، هيئة الإنصاف والمصالحة، ص 94 - 95.

السياسي والاجتماعي حول بناء الدولة الحديثة، وعلى السلطة في المدة من نهاية الخمسينيات إلى منتصف السبعينيات. ومن أبرز هذه الوقائع الانتفاضة التي عرفتها منطقة الريف بشمال المغرب سنتَي 1958 و 1959 احتجاجًا على السياسات الحكومية والتهميش اللذين

لحقا المنطقة بعد الاستقلال، وما سمي ب "مؤامرة" سنة 1963 التي استهدفت حياة الملك الحسن الثاني، واتهم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالوقوف وراءها، وانتفاضة 23  آذار/ مارس 1965 التي اندلعت في مدينة الدار البيضاء ومدن أخرى، في إثر إصدار وزارة التربية الوطنية مذكرة تمنع التلاميذ البالغين 18 سنة فما فوق من التسجيل في التعليم الثانوي، وكانت تعبيرًا عن حدة الأزمة الاقتصادية

والاجتماعية، ومحاولتَا الانقلاب العسكري على نظام الملك الحسن الثاني سنتَي 1971 و 1972. وحدث تراجع استراتيجي نسبي عن العنف في المرحلة الموالية من جانب الدولة، التي دعت إلى التوافق الديمقراطي في سياق تنظيم المسيرة الخضراء (تشرين الأول/ أكتوبر - تشرين الثاني/ نوفمبر 1975)، والمعارضة التي ما فتئت شرائحها تتراجع عنه كخيار في مواجهة الدولة في مقابل العمل على توسيع آفاق مشاركتها في السلطة بأساليب سلمية. غير أن ذلك لا يعني نهايته، فقد حدث في مواجهة الانتفاضات الحضرية التي وقعت سنوات 1981 بالدار البيضاء، و 1984 ببعض مدن شمال المغرب ومراكش، و 1990 بفاس. لم يكن المغرب بمعزل عما كان يحدث في العالم خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد مر كثير من البلدان في مختلف القارات بمراحل سياسية مماثلة اتسمت بالاستبداد والقمع السياسي وانتهاك حقوق الإنسان. وقد دخل كثير منها، بداية من سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم، مراحل انتقالية استهدفت تجاوز إرث الماضي العنيف والاستبدادي وبناء أنظمة ديمقراطية، وتعد العدالة الانتقالية من أبرز الآليات التي اعتمدت في هذا الصدد. واكبت تجربة العدالة الانتقالية الأرجنتينية مرحلة الانتقال الديمقراطي التي تلت إسقاط القوى المدنية للحكم العسكري، في إثر هزيمة الجيش الأرجنتيني أمام القوات البريطانية في حرب الفوكلاند سنة 1982؛ فقد شكل الرئيس الجديد المنتخب راؤول ألفونسين Alfonsín Raúl اللجنة الوطنية لدراسة مشكلة اختفاء الأشخاص سنة 1983. وبعد أن عانت البيرو الدكتاتورية العسكرية، وفي الوقت الذي بدأت فيه تنجز عدالتها الانتقالية، اندلع صراع مسلح بين الحكم ومجموعتين مسلحتين هما الحزب الشيوعي البيروفي والحركة الثورية. وامتد هذا الصراع عقدين من الزمن من 1980 إلى 2000، وبدأ يتراجع تدريجيًا منذ أن تولى ألبيرتو فوجيموري Fujimori Alberto

الحكم سنة 1990 وأقام نظامًا سلطويًا أحكم قبضته على الجيش والأجهزة الأمنية. عادت البلاد إلى الديمقراطية، في إثر استقالة

فوجيموري سنة 2000، بعد ضغوط داخلية ودولية شديدة. وأقامت حكومة الانتقال بقيادة فالونتان بانياكوا Paniagua Valentín لجنة للحقيقة والمصالحة سنة 2003 كلفت بتسليط الأضواء على 20 سنة من الصراع في هذا البلد. كللت تجربة جنوب أفريقيا مسار الانتقال الديمقراطي. فبعد صراع مسلح قاده المؤتمر الوطني الأفريقي ضد نظام الأبارتهايد دام من 1960 إلى 1990، دخلت البلاد مرحلة مفاوضات بعد وصول فريديريك دوكليرك klerk De Frederik، أحد زعماء الأقلية البيضاء، إلى الرئاسة، فأطلق سراح نيلسون مانديلا بعد 27 سنة من الاعتقال. وقد أفضت إلى دستور انتقالي مؤقت سنة 1993 وإجراء انتخابات

23 عبد الحي المودن، "العنف السياسي في مغرب الاستقلال"، في: من الحماية إلى الاستقلال: إشكالية الزمن الراهن، تنسيق محمد كنبيب، سلسلة ندوات ومناظرات

133 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2006)، ص 54.

24 Nadia Tahir, "Associations de victimes de la dictature et lutte pour la défense des droits de l'homme en Argentine (1976 - 2007)," in: Sophie Daviaud (dir.), Amérique Latine: De la violence politique à la défense des droits de l'homme (Paris: L'Harmattan, 2012), pp. 23 - 27. 25 Camille Boutron, "Les enjeux établis autour des droits humains dans le processus de consolidation de la démocratie au Pérou," in: Daviaud, pp. 39 - 40.

تعددية سنة 1994 نتج منها فوز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ووصول زعيمه نيلسون مانديلا Mandela Nelson إلى رئاسة الدولة، فأنشأ لجنة الحقيقة والمصالحة سنة 1995. وجاءت العدالة الانتقالية في أوروبا الشرقية في سياق سقوط الأنظمة الشيوعية، وانهيار المعسكر الشرقي، وبداية تشكل أنظمة ديمقراطية ليبرالية. أما تونس، فقد دخلت مسار العدالة الانتقالية مباشرة بعد ثورة 2011 التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، فتم إحداث لجنة الحقيقة والكرامة بمقتضى قانون العدالة الانتقالية الذي أقره المجلس الوطني التأسيسي سنة 2013. وهناك حالات أخرى تأسست فيها لجان الحقيقة والمصالحة بضغط ودفع من المجتمع الدولي في إطار عمليات حفظ السلام بعد الحروب الأهلية مثل السلفادور وغواتيمالا. تمت التجربة المغربية، عكس التجارب السالفة، في إطار استمرارية النظام القديم عندما يحل وارث جديد لهذا النظام، فيعلن بدء صفحة سياسية جديدة بريئة مما حصل في الماضي العنيف. ويتبنى، في سعيه لإعادة بناء شرعية نظامه وتخليصه مما علق في الذاكرة الجماعية من صور مشوبة بالعنف والقمع السياسي، نهجًا مغايرًا في ممارسة الحكم يرتكز بالأساس على إحداث تغييرات وإصلاحات

قانونية وسياسية واقتصادية ومؤسساتية وتجديد النخب السياسية، وخاصة تلك التي تمسك بمفاصل السلطة، دون أن يعيد النظر جذريًا في قواعد سير النظام القديم. تعود الإرهاصات الأولى لهذه التجربة إلى بداية العقد الأخير من القرن العشرين، الذي انطبع على المستوى العالمي بتحولات ما بعد نهاية الحرب الباردة، وانتصار النموذج الديمقراطي الليبرالي وتعالي الدعوات إلى احترام حقوق الإنسان. عرفت بداية هذا العقد تصاعد الضغوط والانتقادات الخارجية والداخلية التي رسمت صورة قاتمة عن واقع حقوق الإنسان بهذا البلد. وقد دفع ذلك بالملك الحسن الثاني إلى الشروع في انفتاح سياسي، فأسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عام 1991 "لتحسين صورة نظامه المتميز بطابعه القمعي"، وقام بمراجعات دستورية سنوات 1992 و 1995 و 1996 استجابت لبعض المطالب الدستورية لأحزاب المعارضة الوطنية. ظل الملك الراحل، الذي كانت تحدوه الرغبة في تأمين انتقال سلس للعرش إلى خلفه، مصرًا على فكرة إيصال المعارضة السياسية

الوطنية إلى سدة الحكم. وقد كللت مجهوداته بتشكيل حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام التناوب السياسي الذي طال انتظاره منذ عقود. اتسع هامش الحريات خلال السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني، وبلغت الجمعيات الحقوقية مستوى غير مسبوق من النشاط والحضور، وأصبحت الصحافة المستقلة والنقدية تهيمن على الفضاء الإعلامي، كما تم الإفراج عن المعتقلين السياسيين والمخفيين قسريًا، وإغلاق مراكز الاعتقال السري والسماح بعودة المنفيين المطرودين إلى وظائفهم. واصل الملك محمد السادس، الذي تولى الحكم سنة 1999، الانفتاح السياسي الذي دشنه والده، وألقى خطابات تعكس هذا الانفتاح، واتخذ إجراءات سياسية ومؤسسية وحقوقية تبرز التوجهات العامة لمنهجه في الحكم. وفي السنة الأولى من حكمه، أعلن عن

26 Kora Andrieu, La justice transitionnelle: De l'Afrique du sud au Rwanda (Paris: Gallimard, 2012), p. 231.

27 عبد العزيز النويضي، "إشكالية العدالة الانتقالية: تجربتا المغرب وجنوب إفريقيا"، مركز الجزيرة للدراسات، 24 / 1 / 2013، شوهد في 14 / 3 / 2019، في: XbseKT 2 / ly. bit:// https

28 Susan Slyomovics, "Témoignages, écrits et silences: L'Instance Équité et Réconciliation (IER) marocaine et la réparation," Hammadi Safi (trad.), L'Année du Maghreb , no. 4 (2008), p. 123.

29 بيير فيرمورين، مغرب المرحلة الانتقالية، ترجمة علي آيت احماد (الدار البيضاء: منشورات طارق، 2002)، ص 24. 30 المعطي منجب، "الربيع المغربي: الجذور والسياقات التاريخية"، في: 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2018)، ص 110.

مفهوم جديد للسلطة "مبني على رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية وتدبير الشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي"، ويعطي الأولية ل "حماية البيئة والعمل الاجتماعي"، ويسخّر "جميع الوسائل لإدماج الفئات المحرومة في المجتمع وضمان كرامتها". وتجلى التوجه الجديد للدولة في التعامل مع القضايا الحقوقية في السماح بعودة أبراهام السرفاتي، أحد أبرز معارضي نظام الحسن الثاني، من المنفى؛ وإقالة إدريس البصري الرجل القوي في نظام والده ووزير الداخلية الذي ينظر إليه في المغرب باعتباره أحد رموز سنوات الرصاص. وفي السنة الموالية رفع الإقامة الجبرية عن عبد السلام ياسين زعيم جماعة العدل والإحسان الإسلامية. وأصدر أوامره بإخراج هيئة التحكيم المستقلة إلى حيز الوجود بتاريخ 16 آب/ أغسطس 1999. وقد كانت بمنزلة اللبنة الأولى في مسار العدالة الانتقالية المغربية، وتمثلت مهماتها في تقديم التعويض المادي لضحايا الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري. شكلت هذه الخطوة اعترافًا من الدولة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، كما كانت مؤشرًا دالً على رغبة العهد الجديد في فتح صفحة حقوقية جديدة والقطع مع أساليب الماضي ومعالجة الانتهاكات التي وقعت فيه. شجعت هذه الإجراءات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي جرت في عهد الحسن الثاني على تنظيم أنفسهم، فشكلوا

المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف في السنة نفسها، وكان هدفه الأساس إقامة لجنة مستقلة للحقيقة على غرار تلك التي أُنشئت في جنوب أفريقيا. أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة بمقتضى قرار ملكي يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، بالتصديق على توصية للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وبدأت عملها في العام الموالي. كان النظام السياسي في حاجة إلى ضخ دماء جديدة من الشرعية في شرايينه، بعد الانتقال السلس للحكم من الملك الراحل إلى الملك الحالي الذي اجتاز السنوات الأولى من حكمه بيسر، فازدادت قوة هذا النظام واستقراره، مستثمرًا في ذلك الزخم الرمزي والسياسي الذي شكلته قيادة أحزاب المعارضة الوطنية لحكومة التناوب التوافقي، ومستفيدًا

من انخراطه في السياق الدولي المتسم بمحاربة الإرهاب بعد تفجيرات 11  سبتمبر  2001. لهذا كان المتحكم الرئيس في إنشاء الهيئة وتحديد اختصاصاتها. أما الأحزاب والطبقة السياسية، التي خرجت ضعيفة ومنهكة من العهد القديم وعانت غياب الديمقراطية الداخلية في وقت تزايد فيه صعود ومنافسة التيارات الإسلامية، فقد ظلت بعيدة إلى حد بعيد عن هذه التجربة، بما فيها تلك الأحزاب التي كانت تدير دفة المسؤوليات الحكومية. في حين ساهم المجتمع المدني الحقوقي، الذي فرض نفسه خلال العقد الأخير من القرن العشرين، سواء تعلق الأمر بالجمعيات المحلية أو بفروع بعض الجمعيات الدولية، من خلال ضغوطه على النظام السياسي والمفاوضات التي باشرها معه، في دفعه نحو اتخاذ هذه المبادرة، وكان له أثر واضح في كثير من مجرياتها. وبغية إحداث توازن في الهيئة، التي عُهِد

31 المملكة المغربية، "نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المسؤولين عن الجهات والولايات والعملات والأقاليم من رجال الإدارة

وممثلي المواطنين"، خطب صاحب الجلالة، البوابة الوطنية، شوهد في 11 / 6 / 2019، في: JBhBes 2 / ly. bit:// http 32 إدريس بلمحجوب، العدالة الانتقالية بالمغرب: التعويض من منظور هيئة التحكيم، ج 1 (الدار البيضاء: مكتبة دار الآفاق المغربية، 2012)، ص 50 - 51. 33 المرجع نفسه، ص 59.

34 Marouane Laouina, "L'Instance équité et réconciliation: Une justice transitionnelle sans transition?" in: Éric Gobe (ed.), Des justices en transition dans le monde arabe? Contributions à une réflexion sur les rapports entre justice et politique (Rabat: Centre Jacques-Berque, 2016), pp. 247 - 262 , accessed on 29 / 12 / 2020 , at: https://bit.ly/ 2 LW 22 D 3

35 فيرمورين، ص 43 - 44. 36 المرجع نفسه، ص 56.

برئاستها إلى إدريس بن زكري المعتقل السياسي السابق ورئيس المنتدى المذكور، لكيلا تخرج عن إطار المقاربة الرسمية، فقد كان نصف أعضائها ينتمون إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان المكون من أعضاء، أغلبهم مقربون من النظام السياسي. تندرج التجربة المغربية ضمن التجارب التي تمت في إطار استمرارية النظام نفسه، وقيامه بتغييرات تضمن تكيفه مع الواقع الوطني والدولي واستيعابه، ولا ترقى إلى مستوى التحول الشامل، ولم تأت في إطار قطيعة أو تغيير جذري أو ثورة، وهو ما كان له انعكاسات على مجمل أعمالها، وخاصة تدبيرها للذاكرة.

الحقيقة التصالحية بدلً من الحقيقة القضائية

يتضح من الاختصاص الزمني (1956 - 1999) والنوعي لهيئة الإنصاف والمصالحة أنّ تدبير الذاكرة احتل حيزًا مركزيًا في

عملها، سواء على مستوى كشف الحقيقة أو المساهمة في الإنصاف وجبر الضرر والمصالحة التاريخية أو بناء المستقبل وتحقيق الإصلاح والانتقال السياسي. وتُعدّ مسألة الكشف عن حقيقة الماضي، الذي شهد انتهاكات لحقوق الإنسان، من بين المهمات التي طرحت على تجارب العدالة الانتقالية في العالم، بل يمكن اعتبارها من المؤشرات الأساسية لتقييم نجاحها في إنجاز المهمات المنوطة بها. وقد واجهت هيئة الإنصاف والمصالحة صعوبات كثيرة في ما يخص هذه المسألة؛ يعود السبب الرئيس في ذلك إلى ولادتها في سياق يتسم باستمرارية النظام السياسي نفسه، وعدم قدرة القوى المعارضة له على فرض رؤية تدمج العدالة الانتقالية في إطار تحول شامل لبناء دولة الديمقراطية والحق والقانون. كانت إشكالية الحقيقة جوهر النقاش ومثار خلافات كبيرة وحادة منذ المفاوضات التي عرفها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في المرحلة الإعدادية لتأسيس الهيئة. رأى فريق فيه، أغلبه مقربون من النظام السياسي، أن لا ضرورة لإنشاء الهيئة بدعوى أن المغرب لم يصل إلى مستوى الانتهاكات التي عرفتها تشيلي والأرجنتين، ولم يعرف ثورة أو دكتاتورية عسكرية وتصفية عرقية أو طائفية، ولأن العودة إلى الماضي ستربك حاضر المغرب وتحدث قلاقل فيه، وهو الذي بدأ المصالحة منذ زمن. وفي مقابل ذلك، اعتبر الفريق الثاني، وأغلب أفراده ذوو انتماءات يسارية وحقوقية وإسلامية، أن عدم تكرار ما وقع في الماضي وبناء مستقبل المغرب رهين بالكشف عن الحقيقة والمصالحة مع الماضي. وبعد سلسلة من المفاوضات الطويلة، تم التوصل إلى حل توافقي يقضي بتأسيس الهيئة مع تعويض كلمة الحقيقة بالإنصاف في تسميتها. وهو الأمر الذي أسهم في إضعاف موقع الحقيقة في عمل الهيئة. وقد جاء الخطاب الملكي أثناء تنصيب الهيئة داعمًا لمسألة الحقيقة في عملها؛ إذ قال الملك: "نعتبر هيأتكم بمثابة لجنة للحقيقة والإنصاف، مستشعرين نسبية بلوغ

الحقيقة الكاملة". وهذا ما أعاد تأكيده ظهير التصديق على النظام الأساسي لهيئة الإنصاف والمصالحة.

37 عبد الكريم عبد اللاوي، تجربة العدالة الانتقالية في المغرب، تقديم هاني مجلي، أطروحات جامعية 10 (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2013)،

ص 134. 38 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الأول (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006)، ص 17. 39 امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب، كذلك كان: مذكرات من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، ط 2 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2017)، ص 15 - 30. 40 المرجع نفسه، ص 58 - 66. 41 المملكة المغربية، "نص الخطاب الملكي السامي بمناسبة تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة"، خطب صاحب الجلالة، البوابة الوطنية، شوهد في 5 / 12 / 2019، في:

https://bit.ly/ 36 JoAyF

42 المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 42. 04. 1 صادر في 19 من صفر 1425 (10 أبريل 2004) بالمصادقة على النظام الأساسي لهيئة الإنصاف والمصالحة"، الجريدة

الرسمية، السنة الثالثة والتسعون، عدد 5203، 12 / 4 / 2004، ص 1639 - 1642، شوهد في 9 / 12 / 2020، في: GWW 1 W 39 / ly. bit:// https

لا ترتبط إشكالية الحقيقة في التجربة المغربية بطابع الاستمرارية الذي وسم سياقها فحسب، بل يجب فهمها أيضًا في إطار المعضلات التي واجهتها قضايا العدالة المتعلقة بمحاكمة جرائم الدولة وانتهاكات حقوق الإنسان، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي أرخت بظلالها على هذه التجربة وغيرها. تبنّت بعض البلدان مقاربة قضائية بشأن جرائم الدولة، من أبرز أوجهها محاكمات نورمبورغ بألمانيا وطوكيو باليابان عقب نهاية

هذه الحرب واليونان في منتصف السبعينيات... إلخ. لكنها لم تشهد تطبيقًا نموذجيًا لفكرة العدالة العقابية؛ لأنها كانت انتقائية

ومحدودة وخاضعة لحسابات سياسية مرتبطة بسياقاتها، ومجحفة في كثير من أحكامها، وقد تدفع أحيانًا إلى العنف والانتقام وتحدث

انقسامات في المجتمع، فضلً عن محدودية فاعليتها في ردع تلك الجرائم في بعض الحالات. أدت هذه الإشكالات إلى ابتكار حل بديل تمثل في العدالة الانتقالية. وهي ترتبط بمراحل الانتقال الديمقراطي التي تتعايش فيها نخب ومؤسسات الأنظمة القديمة مع النخب والمؤسسات الجديدة. لا تتخلى العدالة الانتقالية في هذه المراحل عن العدالة الجنائية، لكنها تركز، من أجل إنجاح الانتقال الديمقراطي وضمان السلم والوحدة الوطنية، على العدالة الإجرائية؛ أي التعويض والمصالحة والعفو والإنصاف وجبر الضرر والحقيقة، مع تأجيل اللجوء إلى العدالة العقابية إلى حين توافر شروط تطبيقها، وهذا ما يتأكد من عدة نماذج. كانت محاكمة الرئيس البيروفي ألبيرتو فوجيموري، بتهمة انتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة حكمه، الأولى من نوعها في أميركا اللاتينية. قضى الحكم القضائي، الذي صدر يوم 10 نيسان/ أبريل 2008 ونقل مباشرة على التلفزيون، بسجنه 25 سنة، وكانت هذه المحاكمات رمزًا لعدم الإفلات من العقاب، وأصبحت مرجعًا لمحاكمات أخرى في هذا البلد وغيره في هذه القارة. وبعدما أطلقت اللجنة الوطنية لدراسة مشكلة اختفاء الأشخاص في الأرجنتين مسار محاكمة رموز الجيش ورجاله المتهمين بارتكاب الانتهاكات، تراجع الرئيس راؤول ألفونسين عن الأمر بسبب تهديدات الجنرالات بإدخال البلاد في حرب أهلية. ومنذ ذلك الحين، تكرر مشهد فتح ملفات المحاكمات ثم إغلاقها. وقد مثل وصول الرئيس نستور كيرشنر Kirchner Néstor إلى الحكم سنة 2005، وإعلان مجلس القضاء الأعلى عدم دستورية العفو العام الذي صدر تحت ضغط العسكريين، عاملين أساسيين في إتمام ملف المحاكمات. وحوكم خورخي فيدالا Videla Jorge، قائد الانقلاب العسكري الذي حكم البلاد إلى غاية 1981، بالمؤبد سنة 2010، كما حوكم عدد آخر من قادة الجيش الذين اتهموا بجرائم حقوقية. كان شبح العنف العسكري أكبر في تشيلي، نظرًا إلى أن الجيش هناك كان يتمتع بشعبية واسعة وقوية أكبر مما كان عليه في

الأرجنتين. وحتى حينما انهزم الرئيس أوغوستو بينوتشي Augusto Pinochet في استفتاء سنة 1988، فإن ذلك لم يتحقق إلا بفارق ضئيل في الأصوات. ومن ثم، فإن طي الصفحة الأليمة في تشيلي كان يعني الاعتراف بانتهاكات الدولة وتهيئة الأرضية لجبر أضرار الضحايا، في الوقت الذي كانت الدَّمقرطة تتسع تدريجيًا على الرغم من مقاومة الجيش ومؤيديه المدنيين.

43 عبد الحي المودن، "العدالة والماضي الأليم"، مجلة رباط الكتب الإلكترونية، شوهد في 30 / 1 / 2019، في: IbzGDk 2 / ly. bit:// https 44 المرجع نفسه. 45 نويل كالهون، معضلات العدالة الانتقالية في التحول من دول شمولية إلى دولة ديمقراطية، ترجمة ضفافشربا (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)،

ص 14 - 19.

46 Boutron, p. 50.

47 هايدي الطيب، "العدالة الانتقالية: نماذج مختارة"، في: العدالة الانتقالية في السياقات العربية، تقديم علاء شبلي، إعداد هايدي علي الطيب، كرم خميس (محرر)

(القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 2014)، ص 55. 48 المودن، "العدالة ".

بررت تجربةُ لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا بتغليب العدالة الإجرائية على العقاب بضرورة الانتقال السلمي من نظام الأبارتهايد إلى النظام الديمقراطي وحفظ الوحدة الوطنية، فقايضت العدالة العقابية بالعدالة التعويضية والعفو المشروط باعتراف الجلادين بجرائمهم علنًا، وتقديم الأدلة على الطبيعة السياسية التامة لدوافعها. أسهمت مبادئ الديمقراطية الليبرالية في تأييد بلدان أوروبا الشرقية للقصاص المحدود. فعلى الرغم من أن ألمانيا الشرقية وبولونيا مثلًاتخذتا سبيلين مختلفين في الانتقال الديمقراطي، فقد وصلت تجربتاهما إلى تسويات متشابهة؛ إذ تحملت الدولة المسؤولية السياسية عن جرائم انتهاكات حقوق الإنسان، وحوكم بعض المسؤولين الشيوعيين السابقين، وفقد آخرون مناصبهم عبر عملية التطهير، وتحملت الدولة أعباء تأهيل الضحايا والتعويض لهم وكشف ما وقع في الماضي. من السابق لأوانه تقييم التجربة التونسية التي أكدت عدم الإفلات من العقاب، لكنها تجد صعوبات وإكراهات في المساءلة القضائية؛ بسبب طبيعة التحولات السياسية بعد الثورة المتمثلة في الانسداد الفوضوي والاستبدادي للربيع العربي، وعودة جزء من نخبة النظام التونسي السابق إلى الواجهة، وانفلات الوضع الأمني بسبب توالي العمليات الإرهابية. مزجت النماذج السالفة بين العدالتين العقابية والتصالحية في سياق الانتقال الديمقراطي، لكن يتضح من خلالها عمومًا أن

العدالة الانتقالية شأن سياسي، أي إنها تفاهم بين العدالة والسلم يتم التفاوض عليه بحسب موازين القوى السياسية؛ لهذا فقد نحا بعضها نحو تعليق العمل بالعدالة العقابية، وخصها البعض الآخر بحيز صغير. وتكمن خصوصية التجربة المغربية، مقارنة بالتجارب السالفة، في أنها اختارت منذ البداية "العدالة التصالحية بدل العدالة الاتهامية والحقيقة التاريخية بدل الحقيقة القضائية"، مدفوعة في ذلك بالبراغماتية السياسية لعدد من الفاعلين التي رأت أن المصالحة، في سياق الاستمرارية الذي لم تسمح موازين القوى فيه بمعاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، وكانت الدولة تبحث فيه عن مصادر متجددة للمشروعية السياسية، تشكل بديلً مناسبًا للعدالة

العقابية، وأنه يمكن أن يتحول إلى دعامة للانتقال الديمقراطي. انعكس هذا الاختيار على أشغال العدالة الانتقالية المغربية؛ فقد انصبت مجهوداتها على تدبير الذاكرة، وخاصة في ما يتعلق بكشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في الماضي، وإثبات نوعية تلك الانتهاكات ومدى جسامتها والوقوف على مسؤولية أجهزة الدولة أو غيرها فيها.

49 Andrieu, pp. 231 - 235.

50 كالهون، ص 44 - 45. 51 المرجع نفسه، ص 277. 52 " قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 105،

31 / 12 / 2013، ص 4335. 53 حميد بلغيت، "تطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب في تجارب العدالة الانتقالية الإفريقية"، في: العدالة الانتقالية في أفريقيا  - مظاهر تفكيك الأنظمة السلطوية:

دراسة في تجارب لجان الحقيقة: مكتسبات وتحديات، تحرير وإشراف المصطفى بوجعبوط (برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية

والاقتصادية، 2018)، ص 333.

54 Sandrine Lefranc, "La justice transitionnelle, une justice pour les temps nouveaux?"  in: Gobe (ed.), pp. 154 - 158.

55 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، ص 106. 56 المودن، "العدالة ". 57 المملكة المغربية، الجريدة الرسمية، ص 1641.

واستندت منهجية عمل الهيئة إلى تجميع وتحليل المعطيات المحصلة من مصادر مختلفة تتمثل في إفادات ضحايا سابقين أو عائلاتهم وموظفين عموميين سابقين أو حاليين، والاطلاع على سجلات ووثائق تمسك بها السلطات العمومية، والقيام بزيارات ميدانية (مراكز الاحتجاز، والمدافن... إلخ)، وإجراء اتصالات مباشرة مع مسؤولين أمنيين. مكّنت تحريات الهيئة من استجلاء الحقيقة عن 742 من مجهولي المصير، وكشفت عدة حقائق تتعلق بالاعتقال التعسفي، من بينها مراكزه، مثل تازمامارت ودار ابريشة ودرب مولاي الشريف... إلخ، وظروف الاعتقال وأساليب التعذيب الجسدي والنفسي القاسية وغير الإنسانية، والانتهاكات التي رافقت الأحداث الاجتماعية التي وقعت في سنوات 1965 و 1981 في الدار البيضاء و 1984 بمدن شمال المغرب و 1990 بفاس، وخاصة المس بالحق في الحياة نتيجة استعمال الرصاص، وتوجيهه إلى مستوى الجمجمة أو القفص الصدري أو البطن. واعتبرت الهيئة أن الكشف عن الحقيقة ومحو آثار الانتهاكات وحفظ الذاكرة هي من الأعمال المركزية التي قامت بها لإنصاف الضحايا وجبر أضرارهم وردّ الاعتبار لهم، من جهة، ولتحقيق المصالحة التاريخية في معناها الاجتماعي والثقافي والمجالي، من جهة أخرى. وكان البوح العلني بما جرى في الماضي من المداخل الأساسية التي اعتمدتها في ذلك. وفي هذا الصدد، نظمت سبع جلسات استماع عمومية أقيمت في ستة مجالات جغرافية مختلفة من المغرب ونقلتها قنوات التلفزيون والإذاعة، خصصت لسماع أصوات عدد من الضحايا وتقديم شهاداتهم عن الآلام والأهوال التي تعرضوا لها. وقد شكلت هذه الجلسات لحظات بالغة الأهمية في مسار الإنصاف والمصالحة، لأنها استهدفت استرجاع كرامة الضحايا الذين انتهكت حقوقهم ورد الاعتبار المعنوي لهم، وحفظ الذاكرة الجماعية، ومقاسمة الآلام والمعاناة والتخفيف من المخلفات النفسية الناتجة من ذلك. كما أدّت دورًا تربويًا وبيداغوجيًا تجاه المسؤولين

والرأي العام والمجتمع والأجيال الصاعدة.

الذاكرة والنسيان

يلاحظ مما سلف أن هيئة الإنصاف والمصالحة تبنّت كشف حقيقة ما وقع في الماضي موضوع اختصاصها الزمني عوض الحقيقة القضائية، واعتبرت في تقريرها النهائي أنها "ساهمت في الرفع من مستوى الكشف عن الحقيقة ". وفي ذلك إقرار بأنها لم تصل إلى أقصى درجات استجلاء الحقيقة وإعلانها؛ فجاءت المعلومات التي أوردها هذا التقرير ناقصة في كثير من القضايا والوقائع والملفات، ولم تكشف عن أخرى، ومن أبرزها ملف القيادي المهدي بن بركة ذو الحساسية السياسية الكبيرة، والذي تتداخل فيه الأبعاد الوطنية والدولية، إضافة إلى الملفين المتعلقين بظروف اختفاء عبد الحق الرويسي والحسين المانوزي ومصيرهما.

58 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، ص 65. 59 المرجع نفسه، ص 78. 60 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الثاني (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006)، ص 128 - 132. 61 المرجع نفسه، ص 136 - 137. 62 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الثالث (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006)، ص 39. 63 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الأول، ص 107. 64 المرجع نفسه، ص 108. 65 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الثاني، ص 138. 66 المرجع نفسه، ص 110، 112.

عللت الهيئة عدم قدرتها على كشف الحقيقة كاملة بأن عدة عوائق حالت دون ذلك، من بينها محدودية الشهادات الشفوية التي استقت منها المعلومات، وهشاشتها في بعض الحالات وتضاربها، ورفض مسؤولين سابقين تقديم شهاداتهم أمام الهيئة، والحالة المزرية التي كان عليها الأرشيف أو تعرضه للإتلاف أو غيابه أو عدم القدرة على الوصول إليه، والتعاون غير المتكافئ لأجهزة الدولة ومؤسساتها التي قدم البعض منها أجوبة ناقصة عن ملفات عرضت عليها. وإذا كانت الحقيقة من الناحية التاريخية نسبية، فإن تعذر وصول الهيئة إلى مستويات أعلى من الحقيقة وكشفها لا يعود إلى الموانع السالفة الذكر فحسب، لكنه يرتبط أيضًا بأسباب سياسية. عكست الحقيقة، التي تم الكشف عنها موازين القوى الاجتماعية وعلاقات السلطة والقوة القائمة آنذاك، والتي ولدت فيها الهيئة وتحددت اختصاصاتها، بل يمكن القول إن الهيئة، في إعادة بنائها لما حدث في فترة اختصاصها الزمني، استعملت الذاكرة آليةً سياسية. فلم تنتج حقيقة تاريخية بقدر ما أنتجت حقيقة سياسية متوافقًا عليها بين الفاعلين الرئيسين الذين كانوا يشتغلون وفق منطق النظام. فمن جهة، وظف عمل الذاكرة، الذي قامت به الهيئة للكشف عن حقيقة الماضي، في دائرة دعم الحاضر السياسي والاجتماعي وعدم الإخلال بتوازناته، وتعزيز القوى الفاعلة والمؤثرة فيه وحماية مصالحها ومواقعها وصورها من كل خدش، وإزاحة ثقل التمثلات الفردية والجماعية المشوبة بصور العنف والقمع الذي شهده ذلك الماضي عن كاهلها. ومن جهة أخرى، انطوى هذا العمل على كثير من النسيان. لقد همشت التجربة بعض صفحات الماضي وأحداثه. فقد قصرت الهيئة كشف حقيقة الانتهاكات على الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي وهمشت انتهاكات أخرى، مثل الجرائم الاقتصادية، وتزوير الوقائع وتلفيق التهم في المحاضر، وانتزاع التوقيعات والاعترافات تحت الضغط، وإصدار التعليمات المباشرة وغير المباشرة للنيابة العامة، وحالات الاغتراب خارج الوطن، والمس بحرية التعبير ومصادرة الصحف والمجلات والكتب ومنع التظاهر، والاستيلاء على الملك العمومي. ويعود ذلك إلى أن العدالة الانتقالية المغربية قامت على مقاربة إجرائية تصالحية؛ فبنت علاقتها بالحقيقة التي أعلنت عنها وفق تأويل تاريخي انتقائي وجزئي وذاتي يهمش السياق العام الذي وقعت فيه الانتهاكات، ولا يقدم تفسيرات للعوامل العميقة للعنف. وهذا ما حصل في تجربة جنوب أفريقيا أيضًا، وإن بشكل آخر؛ فقد وقعت لجنة الحقيقة والمصالحة في مفارقة، حينما اتجهت إلى الكشف عن المسؤولين عن الانتهاكات في حق الضحايا، وغضّت الطرف عن عدد من أفراد الأقلية البيضاء الذين لم يكونوا من الجلادين وممارسي التعذيب، لكنهم استفادوا اقتصاديًا واجتماعيًا من نظام الأبارتهايد.

إسمع صوت الضحية وإخفاء الجلاد

لم تكتف التجربة المغربية بعدم اعتماد مبدأ العقاب في حق الجلادين والمسؤولين عن الانتهاكات، بل إن الهيئة لم تكشف، وفقًا لاختصاصاتها التي جعلت منها هيئة غير قضائية "ولا تثير المسؤولية الفردية"، عن هوية هؤلاء الجلادين والمسؤولين. وفي حين سمح

67 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الأول، ص 84 - 85.

68 Andrieu, p. 382.

69 عبد اللاوي، ص 161. 70 المرجع نفسه، ص 159 - 160. 71 علال البصراوي، "مدى مساهمة عمل هيئة الإنصاف والمصالحة في الانتقال الديمقراطي"، مجلة نوافذ، العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007)، ص 166.

72 Andrieu, pp. 251 - 252.

73 المملكة المغربية، الجريدة الرسمية، ص 1641.

للضحايا بالظهور في جلسات الاستماع العمومية وبإسماع أصواتهم والحكي عن الماضي الذي ذاقوا مراراته وآلامه، وفي وقت كشفت فيه الهيئة في تقريرها الكثير من الجرائم والانتهاكات الحقوقية وأشكال التعذيب والأوضاع القاسية التي كانوا يعانونها في مراكز التحقيق والمعتقلات، ألقي الطرف الآخر، أي الجلادون، سواء الذين كانوا يعطون الأوامر أو الذين تولوا التنفيذ، في حقل اللامرئي وفي خانة المخفي. وقد وضع مهندسو جلسات الاستماع، تبعًا للاختصاصات السالفة الذكر، سقفًا لا يمكن تجاوزه يفرض على الضحايا عدم ذكر

أسماء الجلادين والمسؤولين عن الانتهاكات. لقد لجأت الهيئة إلى المصالحة وليس إلى المصارحة، مع العلم أن المصالحة تشمل طرفين لا طرفًا واحدًا، وهذا ما جعل هذه الشهادات التي استعادت الماضي الأليم مبتورة وأحادية الجانب. فلم يسمع صوت الجلادين ورواياتهم عما وقع. ورفض كثير من المسؤولين السابقين تقديم شهاداتهم للهيئة في التحريات التي كانت تقوم بها. لقد أخفي الجلادون بعدم ذكر أسمائهم، وتمت التغطية على مسؤولياتهم بتحميل المسؤولية للدولة بصفة عامة. وقد أسهم ذلك في حجب الذنب الأخلاقي الفردي "ويتعلق الأمر بمجمل الأعمال الفردية، الصغيرة منها والكبيرة، التي ساهمت، برضاها الضمني أو العلني، في العمل الإجرامي للسياسات المختلفة، وفي الإثم السياسي لأعضاء الهيئة السياسية وهنا تتوقف المسؤولية الجماعية ذات الطبيعة السياسية وتبدأ المسؤولية الشخصية". لم يتم التمييز إذًا بين الذنب الإجرامي الذي تتحمله الدولة وجرم الأفراد من المسؤولين، وحتى بعض المؤسسات، الذين قاموا به سواء في إطار سياسة الدولة أو بمعزل عنه. ولئن كانت ذاكرة الضحايا في الغالب مفتوحة ومنفتحة، ولها القدرة على الحكي والبوح، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، فإن ذاكرة الجلادين كانت ممانعة وعبارة عن علبة سوداء، خاصة أنه لم يكن لهيئة الإنصاف والمصالحة القدرة المادية والقانونية والإلزامية الكفيلة بالدفع بمجموعة من المسؤولين إلى البوح لمساعدتها في الكشف عن الحقيقة. لجأ الكثير من التجارب إلى معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات وجرائم الدولة، لكن هذه التجارب غلبت منطق المصالحة وإعطاء الأولوية للسلم الاجتماعي وتسهيل عبور الانتقال السياسي، فاعتمدت مبدأ العفو عن الجلادين. وعلى الرغم من أهمية هذا المبدأ في تسهيل إنجاز العدالة الانتقالية، فإن "الصفح يخلق عدم المعاقبة وهو ظلم كبير ". ومن مقتضيات العفو أن يتم في عملية تبادل بين الصفح من جهة الضحية، والاعتراف بالذنب والندامة من جهة الجلاد. اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب أفريقيا مبدأ التبادل بين الصفح والاعتراف. واجهت العملية ارتباكات ارتبطت بالتجاذبات الحادة بين السلطتين القديمة والجديدة وبالجراح العميقة التي تركها الميز العنصري. فالعفو الذي منحته اللجنة لم يكن يعني منح الصفح الصادق الذي يطهر الذاكرة من الغضب من جهة بعض الضحايا الذين حرموا من الإشباع الذي يحصل عادة من الإدانة الآتية من المحاكمة، وكان الاعتراف العلني من جانب المذنبين، في بعض الأحيان، استراتيجية من أجل الحصول على العفو المحرر من الملاحقة القضائية. ومع ذلك، فقد كان تبادل الصفح والاعتراف مفيدًا على العموم؛ لأنه سمح بممارسة عامة لعمل الذاكرة ومعالجة الحزن والتطهير المشترك. وبذلك ساهم عمل اللجنة في معالجة بعض الشحنات الاجتماعية السلبية والأمراض الجماعية

74 إبراهيم القادري بوتشيش، "مواطن القوة والضعف في الشهادات الشفوية: دراسة تطبيقية في تاريخ المغرب الراهن (1973 - 2005)"، في: التاريخ الشفوي: مقاربات

في المفاهيم والمنهج والخبرات، مج 1، إعداد وتنسيق وجيه كوثراني ومارلين نصر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 187 - 188.

75 Ricoeur, p. 616.

76 محمد الصبار، "العدالة الانتقالية في المغرب: قراءة في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة"، مجلة نوافذ، العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007)، ص 41.

77 Ricoeur, p. 608. 78 Ibid., pp. 626 - 629.

التي نتجت من نظام الأبارتهايد مثل الكراهية والخوف والإحساس بالذنب والانتقام. اعتمدت هذه التجربة على مقاربة علاجية، وتميزت بكثير من الشحن العاطفي وطقوس البكاء إلى درجة أنها وصفت ب "لجنة المناديل" و"محكمة الدموع". لم يكتمل إنصاف الضحايا ورد الاعتبار لهم، وظلت المصالحة ناقصة في التجربة المغربية للاعتبارات السالفة الذكر. لهذا اتجهت إلى جعل الذاكرة أداة للقيام بعمل الحداد، كما هو شأن تجارب أميركا اللاتينية والبلدان الشيوعية السابقة. كما جعلت منها، على غرار التجربة الجنوب أفريقية من دون أن تصل إلى مستواها، آليةً علاجية من جراح الماضي وآثاره، تجاه الضحايا دون المسؤولين، وراهنت على الاستثمار العاطفي والمعالجة الإشفائية؛ وذلك ما أضعف القيمة التاريخية للشهادات التي جاءت في جلسات الاستماع ولعملية تدبير الذاكرة والحقيقة. جاءت أعمال الهيئة في إطار مشروع لبناء الحاضر وتخليصه من التركة الثقيلة للماضي الأليم؛ وذلك من خلال توظيف ذاكرة علاجية تهدف إلى السلوان والعزاء في نهاية المطاف أكثر من حفظ الماضي وكشف الحقيقة. وبذلك يمكن القول إن مسارَي الذاكرة

والنسيان قد تقاطعا في التجربة المغربية ليشكلا معًا "أفق ذاكرة ساكنة، بل أفق نسيان سعيد". لكنه لم يكن سعيدًا بالنسبة إلى كثير من الضحايا.

الذاكرة والتاريخ

سمح اتساع هامش الحريات العامة، في سياق العدالة الانتقالية المغربية، بارتفاع منسوب البوح بما جرى في الماضي؛ فعرف المغرب ظاهرة الحضور الكبير والمتزايد للذاكرة في الحقل التاريخي والإعلامي والسياسي والاجتماعي. وتعززت هذه الظاهرة بالتطور التقني والإعلامي الهائل، حيث يمكن الحديث اليوم عن طغيان الذاكرة واتجاهها نحو الهيمنة على تمثلات الناس للماضي القريب والراهن. ومن مظاهر هذا الحضور إصدار كتابات ذات صبغة تاريخية وسياسية وصحافية ومذكرات وسير ذاتية وعدد من الس، والإدلاء يَ

بشهادات شفاهية خلفها فاعلون سياسيون، منهم الملك والأمير ومقاومون ووطنيون ووزراء وسفراء وزعماء حزبيون وغيرهم، تناولت عدة مواضيع من أهمها العمل الوطني السياسي والمسلح الذي واجه الاستعمارَين الفرنسي والإسباني، وتطورات المشهد السياسي المغربي

منذ الاستقلال إلى اليوم، وخاصة فترة الصراع والعنف السياسي وما نتج من انتهاكات لحقوق الإنسان. واجهت هذه الذاكرات في رواياتها عن الماضي عدة استعصاءات؛ فقد تميزت بالذاتية، المفرطة أحيانًا، وبالانتقائية والعاطفية، وتحكمت فيها الرهانات الذاتية والأيديولوجية والإطار السياسي الذي ظهرت فيه. لهذا، لم تذهب بعيدًا في كشف حقائق الماضي؛ فقد كانت دائرة المخفيات والمنسيات فيها أكثر بكثير مما تم ذكره والإعلان عنه.

79 Andrieu, p. 268. 80 Ibid., p. 238. 81 Ibid., p. 375.

82 لطيفة بوسعدن، "تجربة جلسات الاستماع العمومية بالمغرب تحت ضوء التجارب المقارنة"، مجلة نوافذ، العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007)، ص 157 - 158.

83 Ricoeur, p. 536.

84 الطاهري، ص 201 - 204.

كتب بعض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أو أفراد من عائلاتهم، في السياق ذاته، مجموعة من المذكرات والكتابات التي تدخل في إطار أدب السجون والاعتقال السياسي. كما روى بعضهم في وسائل الإعلام ما تعرضوا له من انتهاكات ومعاناة. ولم يقتصر الأمر على الضحايا، بل إن أحد المسؤولين السابقين في جهاز المخابرات المغربية يسمى أحمد البخاري، كتب وروى عن سنوات الجمر والرصاص، وخاصة قضية المهدي بن بركة. وقد ألف بعض الأدباء روايات أدبية في موضوع الاعتقال السياسي. استعادت هذه الكتابات والروايات سنوات "الجمر والرصاص"، وحكت عن الألم الشديد والمعاناة البالغة التي عاناها الضحايا في المعتقلات. وقد تقاطعت في أجزاء منها مع قراءة هيئة الإنصاف لحقيقة الماضي الأليم والذاكرة الجماعية "المشتركة" التي عملت على بنائها، وحاول بعضها استكمال الحقيقة الناقصة وسد الفراغات في الذاكرة. وكان الهدف منها إقرار العدالة، وتحقيق الإنصاف، وإعادة الاعتبار للضحايا، عن طريق البوح والحكي. لم يكن البحث التاريخي المغربي بمنأى عن تأثيرات هذا السياق. فمن جهة، تفاعل المؤرخون المغاربة مع العدالة الانتقالية؛ فقد كان المؤرخ إبراهيم بوطالب عضوًا في هيئة الإنصاف والمصالحة، وشارك بعضهم في الندوات العلمية الأربع التي نظمتها. كما قام

بعضهم، من جهة أخرى، بدراسة هذا الحضور الكبير للذاكرة وعلاقته بسياق العدالة الانتقالية. وفي هذا الصدد، ناقشت أيام دراسية وندوات، ناَُت أعماله شِ، الموضوع، ودعت إلى فتح ورشات استغرافية جديدة في المغرب هو تاريخ الزمن الراهن، وذلك في سياق ارتفاع الطلب الاجتماعي على هذا التاريخ في ظرفية العدالة الانتقالية من أجل معرفة حقائق ما وقع في المغرب خلال هذا الزمن. ومن ثمّ، أصبح من الضروري على المؤرخ أن يدلي بدلوه إلى جانب غيره من المتخصصين في الموضوع، على الرغم مما يطرحه من إشكاليات

منهجية وأرشيفية وإبستيمولوجية وسياسية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فتطبيقًا لتوصيات الهيئة المتعلقة بحفظ الذاكرة وتنظيم الأرشيف وكتابة التاريخ، صدر قانون الأرشيف سنة 2007، وأقيمت مؤسسة أرشيف المغرب سنة 2011 التي عهد بإدارتها إلى المؤرخ جامع بيضا. كما أسس مركز دراسات تاريخ الزمن الراهن في كلية الآداب بالرباط سنة 2013 بشراكة بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان وجامعة محمد الخامس، وذلك بعد توقيع اتفاقية بينهما تتعلق بإحداث ماستر لتاريخ الزمن الراهن بالكلية سنة 2010. وعلاوة على ذلك، أصبح هذا الحقل الهيستوريوغرافي الجديد من المواد الدراسية في مسالك الإجازة على مستوى شعب التاريخ بكليات الآداب، وأنشئ بعدد منها تكوينات الماستر والدكتوراه متخصصة فيه جزئيًا أو كليًا.

85 مثلً: أحمد المرزوقي، تزممارت: الزنزانة رقم 10 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)؛ فاطمة أوفقير، حدائق الملك: أوفقير والحسن الثاني ونحن، ترجمة

ميشيل خوري (دمشق: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)؛ البشير بنبركة، "كرسي الاعتراف"، جريدة المساء، من 30 / 8 / 2012 إلى 1 / 10 / 2012؛

Mohamed Raiss, De Skhirat à Tazmamart: Retour du bout de l'enfer , 3 eme ed. (Casablanca: Afrique Orient, 2011); Aziz Binebine, Tazmamort (Casablanca: Le Fennec, 2015); Malika Oufkir & Michèle Fitoussi, La prisonnière (Paris: Grasset, 1999); Sietske De boer, Années de plomb: Chronique d'une famille marocaine 1913 - 1999 , Daniel Cunin (trad.) (Casablanca: Le Fennec, 2005).

86 من أبرزهم: أحمد المرزوقي، "شاهد على العصر"، يوتيوب، تسع حلقات، الأولى 23 / 2 / 2009، والأخيرة 28 / 4 / 2009. 87 جريدة الأحداث المغربية في نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2004؛ برنامج "لقاء خاص"، قناة الجزيرة، ج 1، 3 / 8 / 2001، ج 2، 10 / 8 / 2001؛

Ahmed Boukhari, Le secret: Ben Barka et le Maroc, Un ancien agent des services spéciaux parle (Neuilly-sur-Seine: Michel Lafon, 2002). 88 Taher Ben jeloun, Cette aveuglante absence de lumière (Paris: Seuil, 2001).

89 هشام العلوي، ذاكرات على مهاوي الكتابة: مقاربة نقدية (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2011)، ص 48 - 49. 90 من بينها: ندوة من الحماية إلى الاستقلال، تنسيق محمد كنبيب؛ الكتاباتالتاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا، تنسيق عبد الواحد المودن

وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة، سلسلة ندوات ومناظرات 138 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)؛ التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ، تنسيق

محمد كنبيب، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 158 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)؛ مجلة البحث التاريخي (الرباط: الجمعية المغربية للبحث

التاريخي)، العدد 1 (2003) والعدد 3 (2005).

الذاكرة والمستقبل

يحيل مفهوم العدالة الانتقالية على التحول والانتقال السياسيين؛ ومن ثمّ فإن عمل الذاكرة، باعتباره من أهم آلياتها، لا يتجه

نحو الماضي فقط للتذكير به وحفظه قصد المصارحة والمصالحة والإنصاف، وإنما يستشرف المستقبل بالإسهام في الإصلاح السياسي قصد بناء دولة الحق والقانون والديمقراطية. قبل التطرق إلى نتائج الحالة المغربية نشير إلى أن نتائج تجارب العدالة على الصعيد العالمي تأرجحت بين تأسيس نظم ديمقراطية - مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين وتشيلي وبولونيا وألمانيا الشرقية - والفشل، مثل معظم التجارب العربية التي تعثرت "بسبب تعقد الأوضاع السياسية وضعف المجتمع المدني، علاوة على عدم استقلالية القضاء ووجود انحرافات في تدبير التنوع المجتمعي، إضافة إلى عدم نضج الرغبة والإرادة الحقيقية لصانعي القرار السياسي في المنطقة". جاءت التجربة المغربية في سياق استمرارية النظام السياسي نفسه، وموصولة بكثير من الإصلاحات السياسية، وليس في إطار قطيعة وانتقال من نظام سلطوي إلى آخر ديمقراطي. وقد خلفت نتائج مهمة نسبيًا على مستوى كشف الحقيقة وتدبير الذاكرة وجبر

الضرر والإنصاف والمصالحة، لكنها ظلت ناقصة بسبب ملازمة النسيان لعمل الذاكرة فيها. أما إسهامها في بناء المستقبل والإصلاح السياسي، فيستدعي استعراض توصياتها ومجمل الآليات التي وظفتها في ذلك، بما فيها الذاكرة، وتحليل مجمل التطورات التي عرفها المغرب بعد انقضاء أجل اشتغال الهيئة. دعت الهيئة في توصياتها الختامية إلى إصلاحات دستورية وسياسية وقانونية؛ تمثل أهمها في تعزيز الحماية القانونية والقضائية والدستورية لحقوق الإنسان، وتجريم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، ووضع استراتيجية وطنية لمكافحة الإفلات من العقاب، وإعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين، وتحسين الحكامة الأمنية وتأهيل العدالة وتقوية استقلاليتها، وتعزيز الفصل بين السلطات. وقد كلف الملك المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بمتابعة تنفيذها بعد انقضاء أجل عمل الهيئة. تكمن أهمية هذه التوصيات في تفعيلها على أرض الواقع، وقد اتضح منذ البداية أن الأمر لن يكون هينًا ويتطلب مواصلة الجهد وتنويعه، ويستلزم مواصلة الصراع بقصد محاصرة القوى المحافظة التي لا يهمها مسلسل التحول والإصلاح. يلاحظ الدارس للتطورات السياسية التي عرفها المغرب في سياق عدالته الانتقالية أنها تسير وفق ديناميتين متباينتين ومتناقضتين تخترقان الدولة والنخب والمجتمع، هما دينامية الإصلاح التي تعارضها دينامية الانتكاس. تتميز الأولى بإرادة التغيير وتسعى إلى إقرار الديمقراطية وإرساء دولة الحق والقانون أفقًا لها، في حين أن الثانية محافظة وتعمل على كبح المبادرات الإصلاحية ودعم السلطوية والحيلولة دون أي انتقال ديمقراطي. ويظهر أن الإرادة الأخيرة هي التي ظلت مسيطرة بحكم أن موازين القوى ظلت في صالحها. بينما ظلت التوجهات الإصلاحية عاجزة عن فرض برنامج إصلاح سياسي وديمقراطي حقيقي، علما بأن القوى والأحزاب السياسية، ذات التوجهات الوطنية

91 إدريس لكريني، "العدالة الانتقالية وأثرها في التحول الديمقراطي: مقاربة لنماذج عالمية في ضوء الحراك العربي"، في: أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية

/(الدوحة بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص  522. 92 هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الأول، ص 115 - 121. 93 كمال عبد اللطيف، العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2014)، ص 73. 94 منجب، ص 115.

والديمقراطية والمنبثقة من أحضان المجتمع، قد فقدت الكثير من قوتها وتراجعت قدراتها واستنزف كثير منها في التسيير الحكومي والأزمات التنظيمية الداخلية. شهد المغرب إصلاحات سياسية وحقوقية واقتصادية واجتماعية ودستورية، ومن أبرزها دلالة أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة التي تعد الأولى من نوعها في العالم العربي، وعرفت حقوق الإنسان تحسنًا واضحًا، واتسعت هوامش الحريات العامة. وتوحي هذه

الإصلاحات السياسية وكأن هذا البلد قد بدأ يتوجه نحو الديمقراطية وبناء دولة الحقوق والقانون. وفي مقابل ذلك، ظهرت بعض السلوكيات السياسية التي تذهب في الاتجاه المعاكس، وتستهدف تقوية السلطوية وإفراغ كل الإصلاحات من محتواها. فكثير من "النخب المخزنية العتيقة لا تزال تتحكم في دواليب الإدارة ومختلف الأجهزة الأمنية"، ومن بينها من كان يتحمل المسؤوليات إبان سنوات الجمر والرصاص. وعلاوة على ذلك، ما زالت عدة مؤشرات على أرض الواقع تفيد باستمرار بعض ممارسات الماضي وبقاياه، "من تسلط واستبداد ونهب للخيرات وشطط في استعمال السلطة". يدخل بعضها في إطار ما هو بنيوي يستحيل تغييره في آماد زمنية قصيرة، ويندرج الآخر في مجمل الآليات الظرفية التي يتم اعتمادها لضبط التوازنات والتحكم في التحولات، والتكيف مع المتغيرات الوطنية والدولية. وقد يكون هناك تداخل أحيانًا بين ما هو بنيوي وما هو ظرفي. أرخت جملة من الأحداث التي عرفها مطلع الألفية الثالثة، وخصوصًا هجمات 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأميركية

وتحول المغرب إلى حليف استراتيجي لهذا البلد في الحرب ضد الإرهاب وصعود أسهم الحركات الإسلامية والهجمات الإرهابية التي وقعت في المغرب سنتي 2003 و 2007، بظلالها على المغرب وعدالته الانتقالية، فقد أدت إلى تقوية موقع القوى المناهضة للتغيير والانفتاح السياسي، ولم تجد توصيات الهيئة ذات الصلة بالإصلاح السياسي والدستوري طريقها إلى التطبيق. كما جرى تعزيز المقاربة الأمنية ونفوذ الأجهزة الأمنية، وقد تسبب ذلك في انتهاكات لحقوق الإنسان، خاصة في صفوف الإسلاميين. ففي الوقت الذي كان فيه ضحايا العهد الماضي يشهدون أمام كاميرات التلفزيون الرسمي عما تعرضوا له من انتهاكات لحقوق الإنسان، كان ضحايا جدد من المعتقلين على خلفية هذه الهجمات الإرهابية يتعرضون للتعذيب في مراكز "متخصصة" في الدار البيضاء وتمارة وغيرها. وهو الأمر الذي أكد وقوعه الملك محمد السادس في حوار أجرته معه جريدة إيل باييسالإسبانية سنة 2005، حيث قال: "ليس هناك شك بأن تجاوزات قد وقعت. ولقد سجلنا حوالى عشرين حالة في هذا الشأن." لقد أثر السياق المحلي والدولي السالف الذكر في مسار الانفتاح الليبرالي الذي فتحه الملك الحسن الثاني وتابعه الملك محمد السادس، فعلى المستوى السياسي ع يِّ إدريس جطو، وهو تكنوقراطي بلا انتماء سياسي، وزيرًا أول في أعقاب الانتخابات التشريعية في

أيلول/ سبتمبر 2002 التي احتل فيها حزب الاتحاد الاشتراكي الرتبة الأولى. وهذا ما عبر عن فشل التناوب السياسي الذي بدأ مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي، زعيم هذا الحزب، والذي "كان ينتظر أن يكون حجر الزاوية لانتقال ديمقراطي".

95 أحمد الحارثي، "العدالة الانتقالية في المغرب: قراءة في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة"، مجلة نوافذ، العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007)، ص 18. 96 المرجع نفسه، ص 107. 97 النويضي. 98 حسن أوريد، "بيان وضع انتقال ديمقراطي مجهض"، في: 20 فبراير، ص 311. 99 منجب، ص 114. 100 المملكة المغربية، "نص الحديث الذي أدلى به جلالة الملك محمد السادس لصحيفة 'إيل باييس' الإسبانية"، خطب صاحب الجلالة، البوابة الوطنية، شوهد في

17 / 2 / 2019، في: IUl 0 TQ 2 / ly. bit:// https 101 منجب، ص 111. 102 أوريد، ص 313.

وفي إثر ذلك بسنوات قليلة، وفي استعادة لممارسة سياسة تعود إلى العهد القديم تمثلت في خلق أحزاب مقربة من السلطة لتحقيق نوع من التوازن السياسي مع أحزاب المعارضة الوطنية وإضعافها، أسس فؤاد عالي الهمة، زميل الملك محمد السادس في الدراسة، بعد استقالته من كتابة الدولة في الداخلية جمعية "الحركة لكل الديمقراطيين" سنة 2008، والتي تحولت في السنة ذاتها إلى حزب الأصالة والمعاصرة. وقد استفاد هذا الحزب من هالة مخزنية، ومن الدعم الضمني للإدارة، وذلك بغية التصدي لموجة المد الإسلامي. وكان هدف مهندسي هذا المسار خلق حزب الدولة على غرار النموذج التونسي في عهد زين العابدين بن علي. لكن ذلك فشل نتيجة ثورات الربيع العربي سنة 2011. وعلى الرغم من ذلك، فقد ساهمت التحولات والإصلاحات التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة، ومن أبرزها أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة، في "تقليص حدة الانتفاضات والانفجارات التي ملأت الشوارع المغربية في عام 2011 "، كما أسهم سياق الربيع العربي في ارتفاع أسهم الدينامية الإصلاحية بالمغرب. فمن جهة، طالبت حركة 20 فبراير 2011، التي ظهرت في سياق هذا الربيع ونتيجة الانسداد السلطوي وضعف الأحزاب السياسية، بالإصلاح السياسي ومحاربة الاستبداد والفساد، ومن جهة أخرى، تفاعل الملك محمد السادس إيجابيًا وبسرعة كبيرة، وذلك عكس كثير من الأنظمة السياسية العربية، مع هذه المطالب وأعلن في خطاب

9 آذار/ مارس 2011 الشروع في دستور جديد جاء متقدمًا مقارنةً بالدساتير السالفة. فقد تضمن تعديلات تميزت ب "اقتسام أفضل

للسلطة، وإن كان من المؤكد أنه اقتسام نسبي جدًا بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة". وتمت فيه "دسترة" عدد من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي ظل كثير منها معلقًا منذ الإعلان عنها. وهو ما تجلى في تأكيد دستور 2011 حماية منظومتي حقوق الإنسان، وتجريم الاعتقال التعسفي أو السري والإخفاء القسري وجميع الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان، والحق في المحاكمة العادلة ودعم استقلالية القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة. أيكون سلوك الدولة في تعاملها مع حركة 20 فبراير قد جسد تغييرًا يقوم على إنجاز إصلاحات سياسية وديمقراطية حقيقية، أم أنه

كان عبارة عن تكيف مع وضعية كان المخزن وقواه المحافظة فيها في حالة ضعف نتيجة حركة الشارع؟ لمناقشة الأمر يورد بعض الباحثين مؤشرات دالة في الإجابة عن السؤال. فمن جانب، تم اللجوء أثناء حملة الاستفتاء على الدستور الجديد إلى الأساليب القديمة التي كانت تستعمل في العهد السابق، مثل الترهيب وحشد الزوايا الدينية واستخدام المساجد وخطب الجمعة والإعلام العمومي، وتجريم الدعوة إلى المقاطعة، ومن ثم "بدا الاستفتاء على أنه لحظة حاسمة لتجديد 'البيعة' بين السلطان ورعاياه". ومن جانب آخر، باشر النظام السياسي سلطة تحديد الإطار العام للتناوب الثاني، الذي حمل حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى قيادة الحكومة برئاسة عبد الإله بنكيران بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في السنة نفسها، ووضع السياسات العامة للدولة. ولم يصدر عن قادة هذا التناوب، مثلما لم يصدر عن قادة التناوب الأول الذي مثلته حكومة عبد الرحمن اليوسفي، أدنى إشارة إلى طريقة حل الإشكال المرتبط بازدواجية برنامج الدولة وبرنامج الحكومة.

103 المرجع نفسه. 104 عبد اللطيف، ص 70. 105 محمد مدني، "حركة 20 فبراير والنظام الدستوري المغربي: آثار هزة غير متوقعة"، في: 20 فبراير، ص 217. 106 منجب، ص 126. 107 لكريني، ص 533. 108 مدني، ص 227.

109 محمد الساسي، "النظام السياسي المغربي غداة حراك 2011: الاستقرار الهشّ بديلً من الديمقراطية؟"، في: 20 فبراير، ص 84.

ساهمت وضعية ميزان القوى الذي كان في صالح النظام السياسي والقوى الداعمة له، وخاصة بعد أن تحول الربيع العربي إلى خريف سلطوي في إثر الانقلاب العسكري بمصر والمواجهات المسلحة في عدد من بلدانه، في تغليب تأويل رئاسي للوثيقة الدستورية. فقد تم تكريس الملكية التنفيذية على حساب السلطات التي منحها الدستور الجديد للحكومة ورئيسها. ومن ثمّ فإن التناوب الذي حصل في المغرب كان تناوبًا على الحكومة وليس على الحكم، فالسلطة الحقيقية ظلت خارج أيدي الإسلاميين الذين تحملوا المسؤولية الحكومية، ولم تتوافر لهم الوسائل الكافية لإحداث التغيير. والأكثر من ذلك، فقد انتعشت السلطوية في المغرب. ومن ثم، بدأت بعض وسائل الإعلام الوطنية تتولى، بصفة شبه يومية، تخويف الناس من عواقب الثورة على الاستبداد، وتدعو، ضمنيًا، إلى القبول به لأنه أضمن للاستقرار، وتحاول الإيحاء بأن الاستقرار والديمقراطية يتعارضان. وهكذا، فقد اتضح أن الإصلاح الدستوري "لم يكن هدفه الأساسي تجديد الدستورانية المغربية أو إدخال ثقافة دستورية جديدة في المشهد السياسي"، وإنما كان "يتوخى توجيه النقاش العمومي وضبط مسار الاحتجاج". وبعد خسوف حراك الشارع، وفي الوقت الذي استحال فيه الربيع العربي خريفًا، دخل المغرب مسلسل تراجعات لإغلاق القوس والعودة بالتدريج إلى مرحلة ما قبل 20 شباط/ فبراير. يتبين من هذه المؤشرات وأخرى أن "الانتقال الديمقراطي في المغرب لا يمضي قدمًا، ولكن في حلقات مفرغة"، وأن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة كانت مجرد عدالة انتقالية من دون انتقال، مكنت أعمالها من تجاوز سنوات الجمر والرصاص ومن الدخول في مرحلة تمهيد للانتقال الديمقراطي. وهو ما يعني أنها تندرج في سياق التحول الديمقراطي التدريجي والبطيء والصعب والمتردد، وليس في إطار الانتقال الديمقراطي الذي يحدث تغييرات جذرية وفجائية. وإذا كانت عملية استعادة الماضي القريب الذي تمت فيه الانتهاكات وحفظها بغية العلاج من آلام الماضي وإنصاف الضحايا وخلق شروط المصالحة، وبالنتيجة مساهمة هذه الذاكرة في منع تكرار ما وقع في هذا الماضي وفي الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، فإن ثمة نوعًا من الصراع والمفاوضة بين هذه الذاكرة العلاجية والإصلاحية والتصالحية التي أقامتها هذه التجربة، وبين الذاكرة التاريخية البعيدة المدى الكامنة في عمق البنى التاريخية العنيفة والسلطوية. وهذا ما جعل المغرب يعيش استعصاء في الانتقال وحالة تردد كبيرة تتجاذبها، بحسب السياقات وموازين القوى، إرادتان تخترقان الدولة والنخب والمجتمع: الأولى إصلاحية مفتوحة على المستقبل وبناء دولة الديمقراطية والقانون وحقوق الإنسان والتنمية والعدالة الاجتماعية، والثانية محافظة تستعيد بعضًا من ممارسات الماضي وإرثه وعقلياته، وتدفع المغرب لينكص على عقبيه كلما تقدم إلى الأمام.

110 المرجع نفسه، ص 97. 111 المرجع نفسه، ص 92. 112 مدني، ص 218 - 220. 113 الساسي، ص 64. 114 جون واتربوري، "المغرب 2011 - 2018 المضي قدمًا أم في حلقة مفرغة؟"، في: 20 فبراير، ص 64.

115 Laouina, pp. 247 - 262.

116 عبد اللطيف، ص 46.

خلاصة

كان تدبير الذاكرة من أهم أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة لأنها ربطت بها بقية آلياتها، وخاصة في ظل تبنيها العدالة الإجرائية

التعويضية بدلً من العدالة الجزائية. وإذا كانت قد حققت نتائج مهمة في الكشف عن كثير من الحقائق التاريخية المرتبطة بالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب في سنوات الرصاص، وعلى مستوى سماع شهادات الضحايا والإنصاف وجبر الضرر والمصالحة الوطنية، فإن منجزها ظل ناقصًا ولازم النسيان فيه عمل الذاكرة وذلك لأسباب سياسية. فقد جاءت في سياق الاستمرارية

السياسية وفصل العدالة الانتقالية عن الانتقال الديمقراطي الذي يعتبر بمنزلة مرحلة انتقالية محددة زمانيًا تتضمن مجموعة من

الترتيبات والإجراءات التي تهدف إلى الانتقال من دولة سلطوية إلى دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، وفي خضم المعضلات التي عرفتها العدالة المتعلقة بجرائم الدولة، وفي إثر التراكمات التي حققتها تجارب العدالة الانتقالية التي تأكد من خلال نماذج منها أنها وجدت، بتفاوت بين الحالة والأخرى، صعوبات في إنجاز المهمات المنوطة بها، بما فيها التجارب التي أحدثت في سياقات القطيعة والثورة. وتبين من خلال التطورات التي عرفها المغرب بعد إنجاز عدالته الانتقالية، أنها أسهمت في التحول الديمقراطي، بما هو عملية تراكمية وصيرورة معقدة تستهدف دمج الديمقراطية في المنظومات السياسية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية وتحويلها إلى ثقافة وسلوك

لدى الأفراد والجماعات. لكن هذا التحول ظل بطيئًا وغير منتهٍورهين صراع بين ديناميتين، الأولى إصلاحية والثانية محافظة. ومن

ثمّ، فإذا كان المغرب قد قطع، مقارنةً بالكثير من دول محيطه العربي الإسلامي، أشواطًا كبيرة على سكة التمهيد للانتقال الديمقراطي،

فإنه يعرف في الوقت نفسه بعض المؤشرات التي تعاكس ذلك.

المراجع

العربية

20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018. أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. أوفقير، فاطمة. حدائق الملك: أوفقير والحسن الثاني ونحن. ترجمة ميشيل خوري. دمشق: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، 2000. البصراوي، علال. "مدى مساهمة عمل هيئة الإنصاف والمصالحة في الانتقال الديمقراطي". مجلة نوافذ. العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007). بلمحجوب، إدريس. العدالة الانتقالية بالمغرب: التعويض من منظور هيئة التحكيم. ج 1. الدار البيضاء: مكتبة دار الآفاق المغربية، 2012.

بودرقة، امبارك وأحمد شوقي بنيوب. كذلك كان: مذكرات من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. ط 2. الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 2017.

بوسعدن، لطيفة. "تجربة جلسات الاستماع العمومية بالمغرب تحت ضوء التجارب المقارنة". مجلة نوافذ. العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007). بوطالب، إبراهيم. تاريخ المغرب الحديث والمعاصر: دراسات وبحوث. ج 1. ط 2. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2018.

التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ. تنسيق محمد كنبيب. سلسلة ندوات ومناظرات رقم 158. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009.

التاريخ الشفوي: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات. مج 1. إعداد وتنسيق وجيه كوثراني ومارلين نصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. الحارثي، أحمد. "العدالة الانتقالية في المغرب: قراءة في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة". مجلة نوافذ. العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007). السبتي، عبد الأحد. "عنف الدولة: تصورات وممارسات ومنطلقات". ورقة مقدمة في أشغال ندوة عنف الدولة. هيئة الإنصاف والمصالحة. مراكش: 11 - 12 / 6 / 2004. سلسلة دراسات وندوات هيئة الإنصاف والمصالحة. الرباط: منشورات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2009. سبيلا، محمد. "العنف السياسي في مغرب ما بعد الاستقلال". ورقة مقدمة في أشغال ندوة عنف الدولة. هيئة الإنصاف والمصالحة. مراكش: 11 - 12 / 6 / 2004. سلسلة دراسات وندوات هيئة الإنصاف والمصالحة. الرباط: منشورات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2009. الصبار، محمد. "العدالة الانتقالية في المغرب: قراءة في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة". مجلة نوافذ. العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير 2007). الطاهري، عبد العزيز. الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 - 1956. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016. عبد اللاوي، عبد الكريم. تجربة العدالة الانتقالية في المغرب. تقديم هاني مجلي. أطروحات جامعية 10. القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2013.

References

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.

لحقوق الإنسان، 2014. العلوي، هشام. ذاكرات على مهاوي الكتابة: مقاربة نقدية. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2011. فيرمورين، بيير. مغرب المرحلة الانتقالية. ترجمة علي آيت احماد. الدار البيضاء: منشورات طارق، 2002.

التونسية. عدد 105. 31 / 12 / 2013.

العربية للأبحاث والنشر، 2014.

(تنسيق). سلسلة ندوات ومناظرات 138. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007. مجلة البحث التاريخي. الرباط: الجمعية المغربية للبحث التاريخي. العدد 1 (2003) والعدد 3 (2005.) المرزوقي، أحمد. تزممارت: الزنزانة رقم 10. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.

البوابة الوطنية. في: IUl 0 TQ 2 / ly. bit:// https

الآداب والعلوم الإنسانية، 2006.

عبد اللطيف، كمال. العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. الدوحة/ بيروت:

العدالة الانتقالية في أفريقيا: مظاهر تفكيك الأنظمة السلطوية - دراسة في تجارب لجان الحقيقة: مكتسبات وتحديات. تحرير وإشرافالمصطفى بوجعبوط. برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2018. العدالة الانتقالية في السياقات العربية. تقديم علاء شبلي. إعداد هايدي علي الطيب. تحرير كرم خميس. القاهرة: المنظمة العربية

"قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها". الرائد الرسمي للجمهورية

كالهون، نويل. معضلات العدالة الانتقالية في التحول من دول شمولية إلى دولة ديمقراطية. ترجمة ضفافشربا. بيروت: الشبكة

الكتاباتالتاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا. تنسيق عبد الواحد المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة

المملكة المغربية. "ظهير شريف رقم 42. 04. 1 صادر في 19 من صفر 1425 (10 أبريل 2004) بالمصادقة على النظام الأساسي لهيئة الإنصاف والمصالحة". الجريدة الرسمية. السنة الثالثة والتسعون. عدد 5203. 12 / 4 / 2004:. في GWW 1 W 39 / ly. bit:// https المملكة المغربية. "نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المسؤولين عن الجهات والولايات والعملات والأقاليم من رجال الإدارة وممثلي المواطنين". خطب صاحب الجلالة. البوابة الوطنية. في: JBhBes 2 / ly. bit:// http _______. "نص الخطاب الملكي السامي بمناسبة تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة". خطب صاحب الجلالة. البوابة الوطنية. في:

https://bit.ly/ 36 JoAyF

_______. "نص الحديث الذي أدلى به جلالة الملك محمد السادس لصحيفة 'إيل باييس' الإسبانية"، خطب صاحب الجلالة.

من الحماية إلى الاستقلال: إشكالية الزمن الراهن. تنسيق محمد كنبيب. سلسلة ندوات ومناظرات 133. الرباط: منشورات كلية

النويضي، عبد العزيز. "إشكالية العدالة الانتقالية: تجربتا المغرب وجنوب إفريقيا". مركز الجزيرة للدراسات. 24 / 1 / 2013:. في

https://bit.ly/ 2 XbseKT

هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي. الكتاب الأول. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006. _______. التقرير الختامي. الكتاب الثاني. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006. _______. التقرير الختامي. الكتاب الثالث. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006.

الأجنبية

• Boukhari, Ahmed. Le secret: Ben Barka et le Maroc, Un ancien agent des services spéciaux parle. Neuilly-sur-

• Daviaud, Sophie (dir.). Amérique Latine: De la violence politique à la défense des droits de l'homme. Paris:

• De boer, Sietske. Années de plomb: Chronique d'une famille marocaine 1913 - 1999. Daniel Cunin (trad.).

• Gobe, Éric (ed.). Des justices en transition dans le monde arabe? Contributions à une réflexion sur les rapports

• Nietzsche, Friedrich. Oeuvres: La généalogie de la morale. vol. 2. Jean Lacoste & Jacques Le Rider (eds.).

• Raiss, Mohamed. De Skhirat à Tazmamart: Retour du bout de l'enfer. 3 eme ed. Casablanca: Afrique Orient, 2011.

• Slyomovics, Susan. "Témoignages, écrits et silences: L'Instance Équité et Réconciliation (IER) marocaine et la

• Valensi, Lucette. Fables de la mémoire , La glorieuse bataille des trois rois. Paris: Du Seuil, 1992.

• Andrieu, Kora. La justice transitionnelle: De l'Afrique du sud au Rwanda. Paris: Gallimard, 2012. • Ben jeloun, Taher. Cette aveuglante absence de lumière. Paris: Seuil, 2001. • Binebine, Aziz. Tazmamort. Casablanca: Le Fennec, 2015.

Seine: Michel Lafon, 2002.

L'Harmattan, 2012.

Casablanca: Le Fennec, 2005.

entre justice et politique. Rabat: Centre Jacques-Berque, 2016. • Halbwaches, Maurice. La mémoire collective. Paris: PUF, 1950. • ________. Maurice. Les cadres sociaux de la mémoire. Paris: PUF, 1952. • Le Goff, Jacques. Histoire et mémoire. Paris: Gallimard, 1988.

Collection Bouquins. Paris: Robert Laffont, 1993. • Oufkir, Malika & Michèle Fitoussi. La prisonnière. Paris: Grasset, 1999.

• Ricoeur, Paul. La mémoire, l'histoire, l'oubli. Paris: Seuil, 2000. • Rivet, Daniel. Histoire du Maroc: De Moulay Idrîs à Mohamed VI. Paris: Fayard, 2012.

réparation," Hammadi Safi (trad.). L'Année du Maghreb. no. 4 (2008).

• Vermeren, Pierre. Histoire du Maroc depuis l'indépendance. 4 eme ed. Paris: La Découverte, 2016. • Wieviorka, Annette. L'ère du témoin. Paris: Pluriel, 2013.