Return to Article Details Religious, Customary and Civilian Institutions of Authority in M’zab, Algeria: Origins and Developments

مؤسسات السلطة الدينية: العرفية والمدنية في مزاب بالجزائر

Religious, Customary and Civilian Institutions of Authority in M'zab, Algeria: Origins and Developments

صوفية حنازلة*Sofia

Hanezla

الملخّص

مزاب هي منطقة بالوسط الجزائري تتميز بانتمائها مذهبيًا إلى الإباضية، وإثنيًا إلى الأمازيغ. وقد بنيت سردية الجماعة المزابية على الاعتزاز والدفاع الشرس عن هذه الثنائية التي من خلالها يعرف المزابيون بأنفسهم، ومن ثمّ يربطون علاقات مختلفة مع الآخرين المخالفين. وقد عرفت الجماعة، في تاريخها المعاصر خصوصًا، العديد من التحولات والتطورات المهمة التي ارتبطت أساسًا بمؤسسات الدولة الحديثة وسطوتها على فعل التشريع القانوني والمأسسة. وقد أثر ذلك أوليًا في سلطة المؤسسات العرفية والدينية للجماعة وبنيتها وأساليبها ومرجعياتها للبقاء والاستمرار. تحاول هذه الدراسة رسم تاريخ المؤسسات الدينية والعرفية في مزاب وأهم التطورات الحادثة عليها، والتي من خلالها تطورت الجماعة نفسها وأعادت تركيب بنيتها الهووية ذاتها. كما ستعمل الدراسة على تفكيك المداخلات الهووية التي يقدمها المزابيون عن أنفسهم، وكيف تشتغل هذه المداخلات لتوفير مرجعيات أيديولوجية متغيرة ومتطورة ومركبة في بنائها لعلاقة المزابيين بغيرهم.

Abstract

M'zab is a region in central Algeria distinguished by its two principal cultural dimensions: the first is an affiliation with the Ibadi sect, and the second is Berber. The region's historical narrative celebrates and focuses on this dual identity in self-definition and in dealing with a dissenting Other. During its passage from one historical stage to another M'zabite society underwent many important transformations that changed its structure and dominant institutions, transforming the references as well through which it establishes itself. This study will attempt to understand the nature of compound relationships in M'zab through a reconstruction of the history of its customary and religious institutions and their interrelationships. It will also try to analyze identity interventions undertaken by the M'zabites themselves and how these interventions operate to supply variable, sophisticated and complex ideological references in structuring M'zabites' relationship with others.

الكلمات المفتاحية:
  • مزاب
  • غرداية
  • العزابة
  • العرش
  • الاتفاقات
Keywords:
  • Mozab
  • Ghardaia
  • Celibacy
  • Throne
  • Agreements

مؤسسات السلطة الدينية: العرفية والمدنية يف مزاب بالجزائر Religious, Customary and Civilian Institutions of Authority in M'zab, Algeria: Origins and Developments

مزاب هي منطقة بالوسط الجزائري تتميز بانتمئها مذهبيًا إلى الإباضية، وإثنيًا إلى الأمازيغ. وقد بنيت سردية الجمعة المزابية عى الاعتزاز والدفاع الرس عن هذه الثنائية التي من خلالها يعرف المزابيون بأنفسهم، ومن ثمّ يربطون علاقات مختلفة مع الآخرين المخالفن. وقد عرفت الجمعة، في تاريخها المعاصر خصوصًا، العديد من التحولات والتطورات المهمة التي ارتبطت أساسًا بمؤسسات الدولة الحديثة وسطوتها عى فعل التريع القانوني والمأسسة. وقد أثر ذلك أوليًا في سلطة المؤسسات العرفية والدينية للجمعة وبنيتها وأساليبها ومرجعياتها للبقاء والاستمرار. تحاول هذه الدراسة رسم تاريخ المؤسسات الدينية والعرفية في مزاب وأهم التطورات الحادثة عليها، والتي من خلالها تطورت الجمعة نفسها وأعادت تركيب بنيتها الهووية ذاتها. كم ستعمل الدراسة عى تفكيك المداخلات الهووية التي يقدمها المزابيون عن أنفسهم، وكيف تشتغل هذه المداخلات لتوفر مرجعيات أيديولوجية متغرة ومتطورة ومركبة في بنائها لعلاقة المزابين بغرهم. كلمت مفتاحية:  مزاب، غرداية، العزابة، العرش، الاتفاقات.

M'zab is a region in central Algeria distinguished by its two principal cultural dimensions: the first is an affiliation with the Ibadi sect, and the second is Berber. The region's historical narrative celebrates and focuses on this dual identity in self-definition and in dealing with a dissenting Other. During its passage from one historical stage to another M'zabite society underwent many important transformations that changed its structure and dominant institutions, transforming the references as well through which it establishes itself. This study will attempt to understand the nature of compound relationships in M'zab through a reconstruction of the history of its customary and religious institutions and their interrelationships. It will also try to analyze identity interventions undertaken by the M'zabites themselves and how these interventions operate to supply variable, sophisticated and complex ideological references in structuring M'zabites' relationship with others.

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies.

مدخل

مزاب أو غرداية أو بلاد الشبكة، منطقة في الوسط الجزائري، تتميز بانتمائها إلى بعدين ثقافيين مركزيين: أولهما الانتماء إلى المذهب الإباضي؛ وثانيهما الانتماء الأمازيغي. وقامت سردية تاريخ هذه المنطقة، كما حاضرها، على الاحتفاء والتركيز على هذه الثنائية الهووية في تعريف الذات، وفي التعامل مع الآخر المخالف. وشهد المجتمع المزابي، في أثناء مروره من مرحلة تاريخية إلى أخرى، الكثير من التحولات المهمة التي غيّت من بنيته والمؤسسات المهيمنة عليه والمرجعيات التي من خلالها يؤسس ذاته ويقوّم علاقته بالآخر. تحاول هذه الدراسة فهم طبيعة العلاقات المركبة في مزاب من خلال إعادة تركيب ما لتاريخ مؤسساتها العرفية والدينية والعلاقات في ما بينها. ففي إطار الصراع المتواصل في المنطقة، ستعمل هذه الدراسة على تفكيك السرديات الهووية التي يشكلها المزابيون عن أنفسهم، والتي من خلالها يركبون علاقتهم مع الآخرين. فهذه السرديات توفر المرجعيات الأيديولوجية المناسبة لفترات تاريخية معينة والمتطورة وفقها، والتي عبرها يضبط ويبرمج السلوك الاجتماعي للجماعة في يوميته. بناء عليه، تسعى الدراسة نظريًا إلى تفكيك كيفية اشتغال الهوية تاريخيًا، من خلال نموذج معين وكيفية توفيرها البناء الأيديولوجي

والفكري الذي من خلاله يتم التشريع للبنية الاجتماعية، وكذا للعلاقة مع الآخر. ومن ثمّ تتشكل الهوية خلال الدراسة بالأساس،

باعتبارها خطابًا مركبًا، يختزل مجموعة من علاقات القوى، يتم تشكيله نسقيًا في شكل سردية مخصوصة. وفي هذا السياق،

تسعى الدراسة للإجابة عن الأسئلة التالية: ما المؤسسات الناظمة للمجتمع المزابي؟ وكيف نشأت وتطورت هذه المؤسسات من حيث البنية والمهمات والمرجعيات؟ وما دورها في محاولات المجتمع المزابي الحفاظ على مميزاته الثقافية والبنيوية المخصوصة؟ وكيف تعكس التطورات الحاصلة في هذه المؤسسات تطورات بنية المجتمع المزابي نفسه ومنظومته القيمية؟ ولذلك تقسم هذه الدراسة تاريخ المؤسسات المزابية ثلاث مراحل كبرى، مختلفة من جهة طبيعتها ومرجعياتها الأيديولوجية والعلاقات الرابطة بينها. وتتمثل الأولى في مرحلة النشأة التي تُركّز على الأشكال الأولى التي ظهرت عليها مؤسسات المنطقة الدينية والعرفية؛ والثانية هي مرحلة الاستعمار التي ترصد شبكة العلاقات بين المؤسسات المحلية المزابية والسلطات الاستعمارية؛ أما الثالثة، فمرحلة الدولة الوطنية ومختلف التفاوضات التي حصلت بين المؤسسات المحلّية والدولة. اعتمدنا في دراستنا مجموعة من المصادر والمراجع الأساسية التي كانت عونًا لنا في استطلاع إشكالية البحث؛ وتتمثل هذه المصادر في مجموعة من النصوص المركزية في الفقه والعقيدة الإباضية المزابية التي تُمثل المرجعية العامة التي يحدّد المزابيون من خلالها أنفسهم ويميّزونها من غيرهم من الجماعات؛ إذ يتميز المجتمع المزابي بإنتاجه تشريعاته الخاصة من خلال مؤسساته الدينية والعرفية،

1 منطقة صخرية "حمادة" تقع ضمن ولاية غرداية - وهو اسم أحد قصور وادي مزاب - على بعد 700 كيلومتر من العاصمة الجزائر، وتتكون من سبع واحات أو "قصور"

خمسة منها متجاورة وهي بني اسقن، وغرداية (تغردايت)، وبنورة (أت بنور)، ومليكة (آت مليشت)، والعطف (تاجنينت)، إضافة إلى واحتين متباعدتين وهما بريان (آت

برقان) والقرارة (تقرار)، تبعد الأولى 48 كيلومترًا والثانية 100 كيلومتر عن غرداية. وتمتد هذه المنطقة على نحو 6850 كيلومترًا مربعًا بحسب التقسيم الإداري القائم منذ

1984. كما تسمى المنطقة ببلاد الشبكة نظرًا إلى مرور عدد من الأودية منها مما أعطاها شكل الشبكة. وقد قامت منظمة اليونسكو بتقييم هذه المنطقة ضمن مواقع التراث

العالمي منذ 1982. 2 قاسم حجاج، "غرداية: أزمة ممتدة في عهدة بوتفليقة"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5 / 8 / 2015.

M. Bamberg, A. De Fina & D. Schiffrin, Discourse and Identity Construction. In: S. Schwartz, K. Luyckx, V. Vignoles (ed.), Handbook of Identity Theory and Research (New York: Springer, 2011).

وتسمى "الاتفاقات". وحصلنا خلال زيارة ميدانية أجريناها في إطار بحث سابق، على مجموعة نسخ من هذه الاتفاقات غير المنشورة وغير المتوافرة إلّ في المنطقة. كما اعتمدنا مجموعة من الاتفاقات المضمّنة في ملاحق مجموعة من المراجع المهمة التي كانت مساعدًا

أساسيًا لنا. واعتبرنا هذه الاتفاقات من المصادر، نظرًا إلى البعد التشريعي الذي اتّخذته وأسبغ عليها نوعًا من الإلزامية الدينية والعرفية

والاجتماعية التي ما زالت حاضرة إلى اليوم داخل المجتمع المزابي. أما بالنسبة إلى المراجع، فاعتمدنا مجموعة منها، يمكن تصنيفها معرفيًا وتاريخيًا ضمن ثلاثة أصناف: يضم الأول المؤلفات المتعلقة

بالمنطقة التي تنخرط ضمن الأنثروبولوجيا الاستعمارية، ونجد أمثلة كثيرة على هذا الصنف، متفاوتة من حيث الأهمية والقيمة، منها ترجمة ماسكراي لسيرة أبي زكرياء، وهي مدوّنة مهمة بفرادتها واحتوائها على فترة تأسيسية من تاريخ الإباضية في المغرب عمومًا، وفي

وادي مزاب خصوصًا. ومع ذلك، فإن هذا المرجع يبقى مصدرًا مشكلً، نظرًا إلى طريقة التحقيق والترجمة المعتمدة وإلى قلة المعطيات

واعتماد المترجم نسخة غير مكتملة من المخطوط الأصلي. أما الصنف الثاني، فهو ما يمكن وسمه بالكتابات المذهبية القائمة على التمجيد وإظهار المجتمع المزابي باعتباره مثاليًا، يتسامى عن كل هفوة أو خطأ؛ وهي كتابات أيديولوجية في الأساس، لكنها تفيدنا في استنطاق

رؤية المزابيين لأنفسهم وتاريخهم وعلاقاتهم بالآخر. أما الصنف الثالث، فيمكن تسميته مراجعات حول ما كُتب في الفترة الاستعمارية، وهي محاولات أبناء المنطقة وغيرهم من الباحثين إعادة قراءة تاريخ المنطقة وواقعها ضمن إطارات معرفية وأكاديمية، ولنا أمثلة كثيرة

عن هذا النوع من الدراسات المهمة، لكن من أهمها ثلاثة: أولً أطروحة دكتوراه لإبراهيم الشريفي بعنوان "بحث في الأنثروبولوجية التاريخية والثقافية حول مزاب"؛ ثانيًا دراسة الباحثة نهى سبيقة، عنوانها "أشكال تمرير القيم داخل العائلة المزابية المعاصرة"؛ ثالثًا

رسالة الماجستير للباحثة سارة بن عيسى، بعنوان "النساء المزابيات والمنزل في القرارة". سنعتمد في محاولة تلمّس أهداف الدراسة، مجموعة من المفاهيم المركزية، من أهمها مفهوم الضبط الاجتماعي؛ إذ يصبّ

هذا العمل أيضًا في معالجة أشكال الضبط الاجتماعي بما هي تقنيات المجتمع في تسييج أفراده حفاظًا على بنية اجتماعية ونسق قيمي معين. وتتبدّى أدوات الضبط في أكثر وجوهها وضوحًا في المؤسسات الضابطة للمجتمع التي من خلالها توضع التشريعات والقوانين

المتحكمة في أداء أفراد الجماعة الاجتماعي من جهة؛ ولتوفير القاعدة الأيديولوجية الأخلاقية لتواصل هذه الأداءات نفسها من جهة أخرى. وتعتمد هذه المؤسسات تقنيات اشتغال مخصوصة، من أهمها تقنيات التشريع والمراقبة والمعاقبة في حال عدم الالتزام بالقواعد الموضوعة. كما تؤسس هذه المؤسسات لأشكال معيّنة من المعرفة، تتحوّل بدورها، في حالة مزاب، إلى بناء أيديولوجي مشرّع لوجود

المؤسسة نفسها وتواصلها في التاريخ. من جهة أخرى، يطرح مفهوم التغير الاجتماعي نفسه، باعتباره بداهةً واقعيةً غير قابلة للمساءلة؛ إذ تتطوّر الظواهر الاجتماعية

وتتغير وتُزاح بحسب ثنائية الزمان والمكان. لكن، تسعى محاولتنا رصد التغير خلال هذه الدراسة، لإعادة تركيب السردية المزابية تركيبًا

4 زرنا قرى وادي مزاب مرتين، امتدّت الأولى خمسة أسابيع، بين 15 آب/ أغسطس و 22 أيلول/ سبتمبر 2012؛ والثانية أربعة أسابيع، بين 13 أيار/ مايو و 12 حزيران/ يونيو

2013. تمكّنا خلال هذه الفترة من زيارة بعض قصور وادي مزاب: غرداية مليكة وبونورة وبني أسقن، والمكتبات المتوافرة في هذه القصور والاطلاع على أهم الإصدارات التي

تتوافر فيها. وتمثلت المهمة المركزية لهذه الزيارات في إجراء المقابلات مع مجموعة من الأساتذة والصحافيين والجامعيين والطلاب وأعضاء المجتمع المدني. وتمكّنا أيضًا من

الحصول على بيانات مختلفة حول المنطقة، خصوصًا الحصول على نسخ من المراجع المهمة التي تعتبر أساسية في هذه الدراسة، مثل الاتفاقات الصادرة عن مجلس العزابة.

ينظر: صوفية حنازلة، "المرأة الإباضية بين فقه الفرقة والعرف الاجتماعي"، رسالة لنيل درجة الماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سوسة، 2014.

Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison , Collection: Bibliothèque des Histoires (Paris: nrf, Gallimard, 1975). Judith Butler, Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge, 1990). Elinor Ochs, "Narrative," in: Teun A. Van Dijk (ed.), Discourse as Structure and Process: Discourse Studies: A Multidisciplinary Introduction , vol. 1 (London: Sage Publication, 1997), pp. 185 - 207.

تاريخيًا للكشف عن تهافت خطاب الاستمرارية التاريخية والحفاظ على البنية المحلّية التي من خلالها تؤسس الجماعة المزابية وجودها.

كما يحضر التغير الاجتماعي في هذه الحالة باعتباره وجهًا من وجوه تملّص الظاهرة الاجتماعية من سلطة الضبط والهرب منه، ومحاولة فرض سلطة مضادّة لإيجاد معادلة اجتماعية جديدة؛ الأمر الذي يحيلنا إلى ثنائية مفهومية أخرى مهمة، هي السلطة pouvoir Le والسلطة المضادة pouvoir - contre Le، وما يحيلنا أيضًا إلى القدرات الفردية والجماعاتية من أجل تحدي البنية الاجتماعية أو تطويرها أو إعادة تركيبها. وبالنتيجة يصبح فعل التغير بهذا المعنى فعلَ مقاومة، لكنه في الآن نفسه فعل إعادة بناء الضبط الاجتماعي من جديد.

المرحلة الأوىل: النشأة

-1 العزابة: المؤسسة الدينية

ظهرت مؤسسة العزابة، أو بالأحرى نظام الحلقة، في فترة تاريخية وحضارية معيّنة، لعلها كانت المساهم الأكبر في الدفع نحو

وضع قواعد هذه الحلقة، ومن أهم أحداث هذه الفترة: سقوط الدولة الرستمية، وهي أهم إمامة ظهور أرستها الإباضية في شمال أفريقيا. هزيمة "بغاي" في عام 359 ه/  939 م، وإعلان نهاية إمامة الدفاع. تفرّقَ الإباضيون في أماكن متباعدة في الصحراء، خصوصًا بعد غزو بني هلال 443 ه/  1051 م. ӵ تشتت الإباضية بين وهبية ونكار وخلفية. تسببت هذه الأحداث المختلفة في إعلان فشل نموذج الحكم الإباضي في شمال أفريقيا، وانعدام الأمل في قيامه مجددًا. ولعل أبرز دليل على ذلك ما أعلنه آخر الأئمة الرستميين لمن أرادوا تنصيبه إمام ظهور في ورغلة في أثر هروبهم من تيهرت: "افترقوا فقد انقضت أيامكم وزال ملككم ولا يعود إليكم إلى يوم القيامة". وأثبت تاريخ المنطقة هذا التحليل، على الرغم من الكثير من المحاولات، وخصوصًا في جبل نفوسة، التي باءت كلها بالفشل ولم تساهم إلّ في مزيد من تضييق الخناق على الوهبية داخليًا

بالانقسامات، وخارجيًا بالخطر الفاطمي. وإزاء هذا التشتت وغياب الاتصال والوحدة السياسية والجغرافية، غابت قدرة الفقه

8 " اشتُقّت هذه الكلمة من العزوب والعزابة، وتعني العزلة والغربة والتصوف والتهجد والانقطاع في رؤوس الجبال، ويُقصَد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة

المصلحة العامة". ومن شروط العضوية في العزابة: حفظ القرآن، والمحافظة على الزيّ الرسمي، والأدب والفطنة، وحب التعلم والتعليم، والطهارة... إلخ. ويختلف نظام

العزابة، من حيث الأهمية والعدد وآليات العمل، في شمال أفريقيا من مكان إلى آخر. ينظر: علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي، ج 1، ط 2

(القاهرة: مكتبة وهبة، 1993)، ص 97 - 101؛ علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ: الإباضية في الجزائر، ج 4 (القاهرة: مكتبة وهبة، د. ت.)، ص 260 - 264.

Moncef Gouja, La grande discorde de l'islam: Le point de vue des kharijites , Collection: Islamoccident (Paris: L'Harmattan, 2006), pp. 99 - 100.

10 " وهي الإباضية الأم الحاكمة في الدولة الرستمية، وهي نسبة إلى الإمام عبد الوهاب. وظهرت التسمية إثر فتنة النكار [...] وهناك من ينسب الوهبية إلى عبد إله بن

وهب الراسبي"، ابن الصغير (القرن الثالث الهجري)، أخبار الأئمة الرستميين، تحرير وتعليق محمد ناصر وإبراهيم بحاز (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986)، ص 43. 11 " هم أتباع يزيد بن فندين أبو قدامة النكاري، وسمّوا النكار لأنهم أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمان وثاروا ضده. ولقد تطورت هذه الفرقة التي انسلخت عن

الإباضية الأم...". المرجع نفسه، ص 43. 12 " فرقة فرعية أسّسها خلف بن السمح في طرابلس، وهو حفيد الإمام الإباضي أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري، وكان يلقى دعمًا من قبيلة زواغة. واستمرت هذه الفرقة

فيشرقي جبل نفوسة حتى القرن الثاني عشر، وما زالت بقية منها تقيم في جبل نفوسة". ينظر: تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية، ترجمة ماهر

جرار وديما جرار (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2000)، ص  201.

13 Brahim Chrifi, "Etude d'anthropologie historique et culturelle sur le M'Zab," Thèse doctorat d'anthropologie, Université de Paris 8 , Paris, 2003 , p. 257.

الإباضي في تأصيل هذه المرحلة التاريخية ضمن البنية الكلاسيكية "مسالك الدين". وهو ما شكّل مرحلة فراغ سياسي وفقهي وتشريعي في الأساس. ولعل أبرز تعبير عن هذا الوعي، بشأن الفراغ التشريعي، ما صرّح به أبو بكر الزواغي: "لسنا في حالة الدفاع،

ولا الظهور، ولا الكتمان، ولا الشراء. مرحلتنا هذه تتميز بالفراغ بسبب رفض الناس الدفاع عن ديانتهم". وبقدر ما ساهمت هذه الوضعية في تدمير آمال الإباضية في إمامة ظهور جديدة، فإنها مثّلت دافعًا كبيرًا للمحافظة على العقيدة والمذهب، وعيًا منهم،

وخصوصًا الشيوخ، بإمكان ضياع مذهبهم و"فساده" تحت وطأة الزمن والاحتلال الخارجي. وأبرز مثال على ذلك ما قام به المعز بن

باديس من قتل شيوخ الإباضية في عام 431 ه لإجبارهم على اعتناق المالكية. شكلت هذه الظرفية العامة مشكلة دينية واجتماعية لعلماء الإباضية في شمال أفريقيا، حاولوا البحث عن حل عملي لها. تروي المدوّنات الإباضية أن أول من طرح فكرة الحلقة هو "الشيخ فصيل"، أي أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور، أحد أساتذة

محمد بن أبي بكر الفرسطائي؛ إذ أرسل الأستاذ إلى تلميذه مجموعة من الطلاب من جربة إلى تقيوس، طالبًا منه التفرغ للتدريس،

مقترحًا عليه "تكوين تنظيم محكم يضمن للإباضية كيانهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخهم". وتبدّلت استجابة الشيخ

لطلب معلمه من الرفض إلى القبول، تحت إلحاح الرُسل، شرط أن يتركوه مدة أربعة شهور؛ أي المدة التي قضاها أبو بكر "يستجلي

الخطوط العريضة والجزئيات الدقيقة لخطة العمل المرجوّة". وأُعلن عن هذه الحلقة في عام 408 ه/  1017 م، في مسجد المنية في

تقيوس، وسُمّيت "السيرة المسورية البكرية"، نسبة إلى الرجلين. وبدأت هذه الحلقة بأربعة أشخاص، هم أبو بكر شيخًا وطلاب

الشيخ فصيل، ثم تحوّلت إلى أريغ عند قبيلة بني مغراوة، وتحديدًا في غار تينيسلي في عام 409 ه. وتنقّل أبو بكر بين المناطق

العامرة بالإباضية، محاولً إرساء هذا النظام فيها، ومن ذلك قسطيلية ووارجلان ومزاب في ما بعد. ولعل ذلك ما أدّى إلى تلقيبه

ب "عمي محمد السائح". وكانت مهمة هذه الحلقات المركزية تكوين شيوخ متخصصين في الدين والعقيدة الإباضية؛ ما يحفظها من الزوال ويدعو إليها العامة. ويعود أقدم نص مكتوب لهيئة العزابة في مزاب إلى النصف الأول من القرن التاسع الهجري، والمعروف ب "سيَ العزابة في غرداية". لكن الأكيد أن هذا النظام يعود إلى فترة سابقة على هذا التاريخ، وخصوصًا مع تنقّل أبي بكر إلى مزاب،

بحسب ما أوردناه في فقرات سابقة.

14 " أصل من أصول الفكر السياسي عند الإباضية [...] والإباضية يحصرون هذا الركن- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - في مسالك الدين، فهي كما يلي:

- الظهور: هو بروز الدولة بالمعنى السياسي المعبّ عن السلطة الحاكمة والسيادة العامة والتنفيذ.

- الدفاع: هو إجماع المسلمين على إمام يعيّنونه عند محاربتهم العدو الذي دهمهم واحتلّ ديارهم، أو حاكم عبث بمصير الأمة الإسلامية والمحرف عن تطبيق كتاب الله.

- الشراة (الشراء): أن يبيع أربعون مسلمًا فما فوق أنفسهم لله عز وجل ويُعلنون الجهاد أمام السلطة الجائرة.

- الكتمان: يُعدّ أدنى درجة في الجهاد، ويتمثّل في عدم مساعدة الظالمين والابتعاد عن وظائفهم وإرشاد الناس إلى الخير العام"، ينظر: بكير  بن  سعيد أعوشت، دراسات

إسلامية في الأصول الإباضية، ط 3 (القاهرة: مكتبة وهبة، 1988)، ص 107 - 110.

15 Moncef Gouja, "La théologie ibadite histoire, genèse, formation et formulation définitive," Thèse de doctorat, Université de Paris Sorbonne, Paris, 1986 , p. 101. 16 Ibid.

17 " دقاش قرية من قرى تقيوس... وتقيوس هي قرية الوديان حاليًا"، في منطقة الجريد في البلاد التونسية. ينظر: فرحات الجعبيري، شخصيات إباضية (عمان: مكتبة

الضامري للنشر والتوزيع، 2010)، ص 132. 18 المرجع نفسه، ص 137. 19 المرجع نفسه، ص 140. 20 المرجع نفسه.

21 Gouja, "La théologie ibadite," p. 103.

22 الجعبيري، ص 142 - 145.

23 Chrifi, p. 275.

إن التطور الذي عرفته هذه الحلقة من حيث البنية والوظائف يثير الانتباه؛ ما جعلها تعيش لحظتين تاريخيتين مهمتين: اللحظة الجنينية (على امتداد القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي): حيث كانت الحلقة تعليميّة، هدفها المركزي

الحفاظ على المذهب الإباضي من الزوال، عبر تعليمه والدعوة إليه وربط علاقات بين مختلف المنتسبين إليه، المشتتين في صحاري شمال أفريقيا، عبر التمركز في حلقات، والانعزال عن الشأن العام، وترك الدنيا والعزوف عنها. ولعل فضاء الغار الذي اعتبر الفضاء المؤسس للحلقة، واقعيًا أو تخييليًا، يُعبّ عن هذا الميل نحو فكرة العزوف والانعزال والتفرغ للتعبّد. وتميزت هذه اللحظة بالبعد الصوفي الذي

اتسمت به الحلقة من خلال التركيز على الهدف العقدي الذي وُضعت لأجله، ومن خلال التأكيد على الفصل الذي تقيمه بين أعضائها

والعالم، أي بين "المتديّنين" و"العامّة" والزهد في الدنيا. ولعل التنصيص الدقيق على "توحيد نوعية الرداء، ضرورة حلق شعر الرأس،

فضلً عن التمسك بنظام أخلاقي صارم"، يحيلنا من جديد إلى فكرة التزهّد. وما يهمنا هنا هو الطابع المفارق الذي حاولت الحلقة أن

تتّسم به في هذه اللحظة التاريخية، ولعل ذلك ما جعل التسمية تتطور من حلقة إلى عزابة، فتُحيل الأولى إلى الفترة التأسيسية، والثانية

إلى المرحلة اللاحقة، على الرغم من وجود اللفظين معًا منذ النشأة الأولى. واعتبر بعض الباحثين مؤسسة العزابة إعلانًا لفشل منظومة

الحكم الإباضية، من خلال استبدالها بهذه الهيئة، على عكس ما يزعمه الكتّاب الإباضيون من تماهي هذه المؤسسة مع حالة

الكتمان وتعويضها شخص الإمام الغائب. ولعل هذا ما أصبحت عليه في ما بعد مع التركيب الذي عرفته من حيث بنيتها ووظائفها. لحظة الانعطاف (منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي): وتمثل التحوّل المركزي الذي عرفته الحلقة في دخولها

إلى المدينة، وتحوّل المسجد إلى مقرّها الرسمي، على يد الشيخ أبي زيد عبد الرهان بن المعلّ في مدينة توغورت. وعلى الرغم من غياب

التفصيلات الدقيقة بشأن هذا التحول، فإن المصادر الإباضية تورد أن التأصيل والتقنين لهذا التحول كان خصوصًا مع أبي عمار عبد

الكافي الورجلاني في نصّه سير العزابة، حيث حدّد نهائيًا المسجد مركزًا للعزابة. وبهذا مرت الحلقة من محاولة الانعزال عن الواقع والعامة

إلى التدخل المباشر في الواقع والشأن العام. وتطوّرت لذلك بنية العزابة لتتكوّن في مزاب من 12 عزابيًا، من دون احتساب الشيخ،

ويتوزعون في كل قصر من قصور مزاب بحسب المهمات كما يلي: ӵ شيخ العزابة. ӵ مكلفون بالتعليم (3 أشخاص.) ӵ مكلفون بغسل الموتى (5 أشخاص.) ӵ مؤذن. ӵ إمام. ӵ مكلفون بإدارة مداخيل الجامع (شخصان.)

24 روبيرتو روبانيتشي، العزابة حلقة الشيخ محمد بن أبي بكر وثيقة قديمة عن حياة نساك الصوامع في الإسلام، ترجمة لميس الشجني (المغرب الأقصى: منشورات

تاوالت الثقافية، 2006.) 25 المرجع نفسه، ص 28. 27 " وهي (أي العزابة) في زمن الظهور والدفاع تمثل مجلس الشورى للإمام أو عامله ومن ينوب عنه؛ أما في زمن الشراء أو الكتمان، فهي تمثل الإمام وتقوم بعمله "،

معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ص 97. 28 قابل للارتفاع إلى 16 عزابيًا. المرجع نفسه، ص 99.

29 إبراهيم فخار، "التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية: دراسة ميدانية بالمركز الجامعي غرداية"، رسالة للحصول على شهادة الماجستير في علم الاجتماع

التربوي الديني، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية غرداية، غرداية، 2012، ص 118.

26 Chrifi, p. 263.

توسعت مجالات اهتمامهم لتشمل الحياة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ومن مهماتهم: تعليم الأطفال في المسجد والمؤسسات التعليمية الخاصة الخاضعة لإشراف العزابة. ӵ إدارة المسجد والأوقاف المخصصة له. ӵ الإشراف على المناسبات الخاصة والعامة. ӵ حل الإشكاليات بين سكان القصور. إصدار القوانين المشرّعة للحياة العامة في مدن مزاب، وهي "الاتفاقات" بالتنسيق مع مجلس العشائر. الاعتناء بشؤون المحتاجين والفقراء والنساء وضبط مساعدات عينية لهم. ӵ الإشراف على الأسواق ومراقبتها. ӵ الإشراف على تصريف مياه الأمطار. ӵ الإشراف على الأمن وحراسة القصور.

حتى إن بعض الدارسين اعتبر أنه "لولا هذا النظام لما تمكّن الإباضية من الحفاظ على عقيدتهم".

أحد هذه المعايير من المزابيين في أي مكان وليس فقط في وادي مزاب، فإنه يتعرّض لحكم البراءة".

30 المرجع نفسه، ص 118 - 120. 31 عبد العزيز خواجة، "المجتمع الميزابي ونسق القيم من ضبطية التغير إلى تغير الضبط"، مجلة الحياة، العدد 11 (2007)، ص  55 - 80.

34 إبراهيم فخار، ص 120 - 123. 35 " نظام حلقة العزابة"، تادارات: مركز الدراسات الإباضية، شوهد في 28 / 4 / 2019، في: GGqsKw 2 / ly. bit:// https

تحولت بذلك مؤسسة العزابة إلى "قوة دينية عليا، منظمة ومهيكلة تعمل على ضبط العلاقات الاجتماعية ومراقبة الفاعليات الأساسية في هذا المجتمع لها سلطة التأثير النفسي (الروحي) والاجتماعي (الاتفاقياتوالقرارات) على مختلف الشرائح الاجتماعية ". واستعملت لذلك السلاح الفقهي الأشد فاعلية في المذهب الإباضي، وهو "البراءة"، لتُعلنها في وجه كل من خالفها من الأفراد. أما في

حالة العصيان الجماعي، فيتخذ العزابة الإضراب سبيلً لهم لردع العامة، من خلال الاعتكاف في الجامع ورفض القيام بأي وظيفة من وظائفهم حتى يرتدع "العاصون"، أو في حالات قصوى، يضطر العزابة إلى هجر المدينة بعض الوقت عقابًا لأهلها. وبذلك تمكّنت

العزابة من امتلاك سلطة أدبية ودينية واجتماعية، مثّلت وسيلةَ ردعٍ قويةً ووسيلةَ ضبطٍ اجتماعي ناجعةً في الحفاظ على المذهب الإباضي،

دفع تعدد الوظائف العزابة إلى تكوين مؤسسات مساعدة، مثّلت سندًا في عملية إدارة الشؤون العامة، ومن أهمها:. أمجلس عمي سعيد: يجمع عزّابة كل المدن المزابية، ممثلة في ثلاثة من كل قصر. وهو مؤسسة الإفتاء العليا في مزاب، وهي مؤسسة

تُنسَب إلى العلامة الشيخ سعيد بن علي الجربي، المعروف بالشيخ عمي سعيد. ويعرف المجلس ب "الهيئة التشريعية، يتركب أعضاؤه

من قضاة البلاد وعلمائها، ويختارهم عزابة المدن من بينهم، ويعتبر أعلى سلطة دينية واجتماعية [...] وهذا المجلس يضع القوانين والأحكام القضائية في الجرائم والجنايات والمعاملات ضمن الفقه الإسلامي، وهو يعتبر من حلقات العزابة لأنه مكوّن منهم، لكنه

لا يختص بمدينة عن أخرى، إذ أنه يشمل مدن مْزاب كافة، ومجموعة قوانينه المدوّنة تعرف باتفاقات وادي مْزاب، كما أن هذا

المجلس هو الذي يحدد الأكيال والمعايير والموازين المستعملة في الأسواق بحيث لا يجوز التعامل بغيرها من المعايير، ومن يخالف

32 Chrifi, p. 289. 33 Gouja, "La théologie ibadite," p. 103.

.بمؤسسة لاومنا: تشرف على تصريف المياه وتقسيمها على الواحات والحماية من الفيضانات.. جمجلس إروان: وهم الطلاب الذين يدرسون في المدارس القرآنية، ومنهم يختار العزابة.. دمجلس إمصّوردان: مؤسسة خدماتيّة أمنية ينخرط فيها الشباب.. ههيئة تمسردين: وهي الهيئة الدينية النسوية. تمسردين Timsiridine هو جمع تمسردت t ' Tamesred، وهي أسماء مشتقة من الكلمة الأمازيغية أسيّراد Assirad، وتعني الغسل. فتمسردين هي اللفظ الأمازيغي لغسالات الأموات، من النساء والأطفال،

وهي الوظيفة الأولى المسندة إلى هذه الهيئة. ويمكن أن نُعرف هيئة تمسردين باعتبارها هيئةً نسويةً تتولّ شؤون المرأة في المجتمع المزابي، وهي هيئة ملحقة بمجلس العزابة، تُختار من خلاله، وتتلقّى القرارات منه، وترفع إليه التقارير بشأن المجتمع النسوي، أو بشأن حالة معيّنة حتى يتخذ فيها قرارًا. وفي حالة وفاة إحدى أعضائه، تجتمع بقيتهن حتى ترشح اسم عضو جديد على مجلس العزابة

الذي يصدّق على هذا الاختيار. توفر كل مدينة من مدن مزاب بيتًا لهذه الهيئة، يكون في شكل وقف، يسمى "دار تمسردين"، تتلو فيها القرآن وتقيم فيها محاضرات وعظ وإرشاد. تتميز هذه الهيئة بالتساوي الذي تقيمه بين أعضائها، ذلك أن القيادة أو الزعامة تغيب عن هيكلة تمسردين، على الرغم من أن التاريخ سجل استثناءات لهذه القاعدة؛ فقد فرض بعض النساء سلطتهن على الغسالات في فترات تاريخية مختلفة، نظرًا إلى ما تميّزن به من معرفة وحفظ للدين وشخصية كاريزماتية فرضن من خلالها

نوعًا من الاحترام على المجتمع النسائي والرجالي في مزاب على غرار شخصية "ماما سليمان". لا تتقاضى الغسالات أجرًا عما يقمن

به من خدمات، بل يكون عملهن تطوّعيًا، ما عدا وجبات الطعام التي تعدّ لهن في أثناء المناسبات والحفلات. لا نعلم لحظة

التأسيس الأولى لهذه الهيئة، لكننا نُرجّح قدم وجود وظيفة غسل الأموات، موكلة إلى بعض النسوة، لكن تحوّلهن إلى مؤسسة دينية

لم يتم إلّ بعد تكوّن مؤسسة العزابة، نظرًا إلى أنهن تابعات لها من حيث القرار والنشأة. لكن نجد الباحثين يؤكدون وجود هذه

الهيئة خلال القرن الخامس عشر الميلادي (التاسع الهجري). تتوافر هذه الهيئة في كل مدينة من مدن وادي مزاب، بعدد يراوح بين 5 و 6 لكل مدينة. ويتم اختيار الغسالات وفق شروط معينة. نلاحظ المركزية التي أصبحت تتمتع بها هيئة العزابة داخل المجتمع المزابي، وخصوصًا من خلال ما تُصدره من قرارات هي في

جملتها جموع القوانين التي على الفرد المزابي الالتزام بها. وتكون إما "اتفاقات" جزئية تتعلق بسكان مدينة واحدة، أو عامة يُصدرها

مجلس المدن السبع (مجلس عمي سعيد). وشملت هذه القرارات مختلف أبعاد الحياة المزابية: تنظيم الأعراس وما يتعلق بها من عطايا وهدايا وما يرتبط بها من ممنوعات، وتنظيم علاقات المزابيين في ما بينهم ومع الآخرين وفضّ النزاعات الحادثة وحلّ النزاعات

36 Noha Spiga, "Les modalités de transmission des valeurs Ibadites dans la famille mozabite contemporaine: L'instruction des filles en question: Etude anthropologique de terrain dans la vallée du Mzab," Mémoire de magister, Université Mouloud Mamri, Tizi-ouzou, 2010 , p. 74. 37 Ibid.

38 صالح بن عمر السماوي، العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب، ج 2 (غرداية: المطبعة العربية، 2005)، ص 491.

39 Amelie-Marie Goichon, La vie féminine au Mzab: Etude de sociologie musulmane , Tome 1 (Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner, 1927), p. 221. 40 Jean Delheure, Faits et dires du Mzab (Paris: SELAF, 1986), p. 41.

41 السماوي، ص 488. 42 ينظر: محمد يوسف أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 6، ط 3 (جدة: مكتبة الإرشاد، 1985)، ص 79 - 80؛ ولائحة أنظمة الأعراس والمآتم الصادرة عن

حلقة العزابة لقصر غرداية، المؤرخة في 9 فيفري [شباط/ فبراير] 1984 (وثيقة غير منشورة)؛ وإصلاحات مجلس العزابة بشأن الأعراس المعلنة في 14 [آذار/] مارس 1991 (وثيقة

غير منشورة)؛ و"بيان من العزابة والهيئات الدينية لقصر غرداية حول أنظمة الأعراس"، 6 [آذار/] مارس 2011 (وثيقة غير منشورة)، مكتبة الشيخ إبراهيم حواش، غرداية.

العائلية وضبط العلاقات داخل الأسرة وتحديد العقوبات الجزائية لمن أخطأ وإعلان البراءة منه في حالات معينة، وتنظيم الأسواق وما يتعلق بالحياة الاقتصادية للمجتمع المزابي. ونلاحظ الإصرار الكلّ على إلزامية هذه الاتفاقات باعتبارها الناطق الرسمي، ليس باسم العزابة فحسب، بل باسم المذهب والعقيدة التي يمثلونها. ونستطيع أن نستشفَّ هذا البعد المذهبي في التسمية في حد ذاتها؛ إذ يحيل الاتفاق إلى أصل من أصول الفقه عند الإباضية، وهو "الإجماع"، ويعرّفه صاحب مختصر العدل والإنصافبما "هو لغة

العزم والاتفاق، وفي الاصطلاح اتفاق لمجتهدي الأمة على أمر في عصر [...] ويعتبر بسكوت المجتهد وطلب الدليل إلى انقضاء العصر وإن سكت لأمر قيل ولا يسعه السكوت فيما يتعلق بالدين ويعتبر المجتهد التابعي مع الصحابة كجابر بن زيد". ويعتبر القائمون على إنتاج الاتفاقات في مرتبة "مجتهدين"؛ ما يحيل إلى أصل آخر من أصول الفقه عند الإباضية، وهو الاجتهاد، ويعرّفه الشماخي:

"في اللغة تحمّل مشقة في أمر وفي الاصطلاح استفراغ الفقيه الوسع في استحصال حادث بشرع المجتهد فاعل الاجتهاد والمجتهد فيه

محل الاجتهاد والمصيب في القطعيات واحد". وبذلك تكون نصوص الاتفاقات نصوصًا دينية مقدسة؛ باعتبار انخراطها داخل نسق التشريع الذي وضعه الفقه الإباضي.

-2 مجلس العشائر: "المؤسسة المدنية"

يتكوّن المجتمع المزابي من مجموعة من العروش، تقسم إلى مجموعة من العشائر، يكون لكل عشيرة أصل واحد أو جدّ واحد

(بغض النظر إن كان هذا الأصل الواحد حقيقيًا أو متخيلًّ)، و"قد تتفرع العشيرة الواحدة إلى فروع، تتكوّن منها بطول الزمن عشائر

مختلفة"، فتصبح سردية الجد الأول والقرابة الدموية مركزيةً في تعريف العشائر لذاتها، وفي تشكيل تمايزها من غيرها. كما يُضاف إلى سردية الجد الأول المؤسس عوامل أخرى اقتصادية أو اجتماعية تُلحق عائلة ما بعشيرة ما، أو تَجمَع مجموعة من العائلات داخل

عشيرة واحدة. وبذلك تكون البنية الاجتماعية للمجتمع المزابي متكوّنة من: عرش يمثّل مجموع سكان قصر من قصور مزاب، ويقسم

إلى عشائر تُقسم بدورها إلى بيوتات أو عائلات. ولم يكن التركيز على مركزية البنية العروشية والتمييز بين مختلف العائلات المزابية مجرد رغبة في التفرد، ولا نزوعًا عرقيًا صرفًا، إنما كان فرضًا اجتماعيًا، على الجميع الالتزام به من خلال تأكيد وجوب انضواء النازلين الجدد

إلى عشيرة ما والتسمّي باسمها. فهو ضرورة مجتمعية في الأساس، تتعلق بعلاقات التضامن والحميّة وغيرها؛ ما يحيلنا إلى الأهمية التي

تقوم بها مؤسسة مجلس العشائر التي تقف مؤسسة/ مشكلة/ مشرعنة لانتساب مزاب الإثني الثقافي الأمازيغي.

43 في أصناف العقوبات، ينظر:

Louis Milliot, Recueil de délibérations des Djemâ'a du Mzâb (Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner, 1930), p. 225.

44 من العقوبات المذكورة أيضًا: النفي في الجزائر العاصمة مدة زمنية معينة أو مدى الحياة، اتفاق صادر عن عزابة بني أسقن في 1 شوال 1991، في:

Georges H. Bousquet, "Recueil de délibérations de la mosquée de Béni Isguen," Traduction anonyme, Annales de l'institut d'études orientales , Tome IX (1951), pp. 18 - 51.

45 ينظر:

Fatma Oussedik, Louis Millot & E. Zeys, Relire les Ittifaqat: Essai d'interprétation sociologique (Alger: ENAG, 2007).

46 أحمد بن سعيد الشماخي، مختصر العدل والإنصاف (عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1984)، ص 45. 47 المرجع نفسه، ص 46. 48 " إن الهوية القبلية شأنها شأن الأسس الأخرى للهوية الاجتماعية، بما في ذلك علاقات القرابة والمواطنة والهوية الوطنية، هي نتاج العقل البشري (وأحيانًا للإثنوغرافيين

والسياسيين أيضًا)، فهذه الأشكال لا وجود لها كموضوعات يمكن علماء الأنثروبولوجيا فصلها عن السياقات الاجتماعية والثقافية من أجل توثيقها وتصنيفها داخل

خانات". ينظر: ديل أيكلمان، "الانتماء القبلي في وقتنا الراهن: التداعيات والتحولات"،   عمران، مج 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص 61. 49 يوسف بن بكير الحاج سعيد، الهوية المزابية أهم عناصرها وتشكلها عبر التاريخ (غرداية: المطبعة العربية، 2011)، ص 36 - 37.

اعتبر بعض الباحثين أن هذه المؤسسة تمثل السلطة المدنية في موازاة السلطة الدينية التي تمثلها هيئة العزابة. ولعل مجلس العشائر في مرحلة أولى كان يقوم بهذا الدور الموازي، حينما كانت الحلقة مقتصرة على الشؤون الدينية والتعليمية، فكان للعشيرة موقعُ

الريادة في تنظيم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للجماعة. لكن مع تفاقم سلطة العزابة، أصبحت السلطة الأدبية والتشريعية متساوية بين المؤسستين. لكن البيانات الدقيقة بشأن هذه المرحلة غير موجودة وتبقى محاولة قراءتها تأويليةً في الجملة. من هذا المنطلق، كانت تسمية الاتفاقات باعتبارها إعلان "إجماع" بين السلطتين الدينية والعرفية للمجتمع المزابي. وحاول المجتمع المزابي التشريع لهذه الهيئة بالاعتماد على النصوص الفقهية. ونجد مثالً على ذلك في ما أورده يوسف بن بكير الحاج سعيد في كتابه الهوية المزابية؛ فهو يعمد إلى مجموعة من الآيات والأحاديث النبوية التي يؤصل من خلالها لنظام العشيرة، محاولًالتأسيس لشرعية دينية تعاضد الشرعية العرفية. لكل عشيرة من العشائر مجلس يتداول أمورها، يُنتخب منه رئيس يمثلهم في الجماعة التي بدورها تكون مسؤولة عن إدارة شؤون

كل قصر من قصور وادي مزاب، ويسمى "ضامنًا"، وتسمى الجماعة "مجلس الضمّان". ويلتزم مجلس العشائر القيام بمجموعة من

الوظائف تتعلق أساسًا ب: العناية بحقوق الفقراء والعجزة والأيتام وذوي الحاجات الخاصة، وضمان الأمن العام واحترام القوانين العامة

للمجتمع المزابي، وتأديب "المنحرفين" من الشباب، والسعي لنشر الوعي بشأن قيمة الأسرة، وتمويل حفلات الزواج المجانية للعائلات الفقيرة، وتمويل المؤسسات الدينية بالعطايا والأوقاف. تتبدّى لنا مؤسسة العشيرة في المجتمع المزابي مؤسسةً ذات أهمية كبرى، يحترمها الأهالي وبقية المؤسسات، وتربطها علاقات وثيقة بالسلطة الدينية؛ إذ بإجماعهما يجري الحصول على "الاتفاقات"، ولا يمكن أن يصدر قانون في مزاب إلّ بمصادقة السلطتين المدنية والدينية عليه. وتتمثّل طرافة حضور مؤسسة العشيرة في المجتمع المزابي في ما تعكسه من بنية اجتماعية وثقافية، هي البنية العشائرية المطّردة في شمال أفريقيا، التي على الرغم من أسلمة المكان وتكوينه مؤسسات دينية، فإنها أصبحت عماد المجتمع، وبقيت حاضرة، بكثافة، بالفعل داخل المجتمع؛ وحافظ المزابيون بذلك، كما غيرهم من الجماعات، على جزء كبير من انتظامهم الاجتماعي المحلّ الذي يمنح وجودهم وهيئتهم الحجيةَ الاجتماعية العرفية، إضافة إلى الحجية الدينية الحادثة.

المرحلة الثانية: فترة الاستعمر

نحيل بدايةً إلى ملاحظة مهمة وهي تجاوزنا المرحلة العثمانية، نظرًا إلى إدراكنا أنه لم يكن لهذه المرحلة شديدُ التأثير في بنية

المجتمع المزابي، إذ منحت الدولةُ العثمانية سكانَ مزاب التسيير الذاتي التام، في مقابل مراقبة وحماية القوافل التجارية التي تمر عبر المنطقة من الصحراء إلى الشمال؛ ما جعل حضور التأثير العثماني ضعيفًا في مجمله.

50 وسم هذا الجزء من كتابه ب "التأصيل الشرعي لنظام العشيرة"، ونذكر مثالين للحجج الدينية التي اعتمدها: يتمثل الأول في الآية: ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ إَِنَّا خلَقْنَاكُمْ مِنْ ذكَرٍ

وَأُنثَى وجعَلْنَاكُمْ شعُوبًا وقبَائِلَ لِتعَارَفُوا إِنَّ أَكْرمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِأَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ [الحجرات: 13]؛ ويتمثل الثاني في الحديث النبوي "إن رسول الله [صلى الله عليه

وسلم] قام على المنبر فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله، فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة،

ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة". الحاج سعيد، ص  38 - 39. 51 " أما المناطق التي كانت خاضعة لأمراء أو شيوخ يتمتعون بنوع من الحكم الذاتي، مثل بعض مناطق القبائل ومثل بوسعادة وتاغرت والأغواط وعين ماضي [...] هذه

المناطق تُعدّ أصنافًا اجتماعية من السكان لا يمكن حصرها على وجه الدقة، لعدم وجود نظام إداري دقيق يحكمها". ينظر: مبارك بن محمد الهلالي الميلي، تاريخ الجزائر

في القديم والحديث، ج 3 (الجزائر: مكتبة النهضة الجزائرية، 1964)، ص 294.

منذ احتلال فرنسا الجزائر في عام 1830، مرّت علاقة المجتمع المزابي بهذا الاحتلال بمراحل متفاوتة. بدايةً، تميّزت بإهمال

القوات الفرنسية الصحراء الجزائرية والتركيز على إخضاع المراكز الحضارية الكبرى، لذلك بقي المجتمع المزابي بمأمن جزئي خلال هذه الفترة. لكن هذا الوضع لم يدُم؛ إذ غيّ الاحتلال استراتيجيات تعامله مع هذه المناطق، وخصوصًا بعد إدراك الدور التجاري المهم الذي

تقوم به بين الصحراء والشمال، وبين تونس والمغرب، ما دفع المستعمر إلى فتح جبهات صحراوية، تمكّن من خلالها احتلال بسكرة في عام 1844 والأغواط في عام 1852. وكانت المرحلة الموالية إخضاع مزاب من خلال التذرع بهروب الثائر محمد بن عبد الله نحو مدينة ورغلة. وتمكّن المزابيون من تكوين مجموعة من الممثلين لمقابلة الماريشال جاك لويس راندون Randon Louis Jacques (حاكم الجزائر منذ عام 1851) وتقديم طلب ينصّ على تمكين مزاب من الحكم الذاتي، كما كانت الحال مع الوجود العثماني، ووافقت السلطة

الاستعمارية على هذا الطلب في مقابل مجموعة من الشروط، تتمثل في: إغلاق السوق المزابية أمام الثوار وعدم مدّهم بالسلاح والمؤونة. منع الشجارات الدائرة بين الصفوف المزابية التي قد تعكر صفو المناطق الأخرى. ضبط غرامة سنوية تقدر ب 45 ألف فرانك، وغرامة على المنتجات المورّدة من تونس والمغرب الأقصى.

بذلك أصبحت قرى مزاب خاضعة سياسيًا واقتصاديًا لسلطة الاستعمار الفرنسي، لكنها بقيت تحافظ على مؤسساتها المحلية وعلى

استقلالية هذه المؤسسات بحسب اتفاق الحكم الذاتي المبرم في عام 1853؛ ما ساهم في تعميق الإشكاليات داخل المجتمع المزابي والاختلافات بين من انتفع بهذا الاتفاق ومن لحق به منه ضرر اقتصادي في الأساس. أُلحق مزاب إداريًّا بالمناطق المحتلة منذ عام 1882، ونتج من هذا الإلحاق مجموعة من التغيرات البنيوية في المجتمع المزابي،

تمثلت أساسًا في بناء الطرق، وبعث المتطوعين الفرنسيين، وخصوصًا من الآباء البيض وتكوين مدارس ونظام تعليمي ملحق بهم،

والكهرباء، والسيارة، والهاتف، واكتشاف النفط في عام 1956. أضف إلى ذلك الكثير من الوسائل التقنية المتطورة التي ساهمت في تغيير وجه مزاب الحضاري منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وبالنسبة إلى الجانب المؤسساتي، وضع الاستعمار الفرنسي تقسيمًا خاصًا للصحراء الجزائرية وللمؤسسات الحاكمة فيها، محاولً فرض سلطته التامة على هذه الأقاليم البعيدة. وفي قرى

مزاب، كانت السلطات الفرنسية مُمثَّلَةً من خلال هيئة تنفيذية مكوّنة من جنود فرنسيين معنيين بالجانب المدني والقضائي والعسكري،

تعاضدها هيئة أخرى تتكوّن من المسؤول المدني الفرنسي وسبعة "قوّاد" إباضيين وثلاثة قواد مالكية وشيخ الطائفة اليهودية. ويُمثَّل

كل قصر من قصور مزاب بمجلس الضمان، "تحت رئاسة القائد الذي تعيّنه السلطات الفرنسية من بين ثلاثة أشخاص ترشّحهم لها

جماعة الضمان". وأصبح اختيار الضمان يتم من عشائرهم، أو بالأحرى من أعيان العشائر وخاصتهم، مدة ثلاث سنوات، ويصدّق على ذلك الوالي العام للجزائر.

52 Chrifi, pp. 93 - 94. 53 Ibid., pp. 94 - 95. 54 Oussedik, p. 172. 55 Spiga, p. 60. 56 Ibid., pp. 10 - 60. 57 Oussedik, p. 174.

58 الحاج سعيد، ص 41 - 42.

شهدت بنية المجتمع المزابي خلال الاستعمار الفرنسي الكثير من التحولات الثقافية والمؤسساتية التي ساهمت في إيجاد دينامية جديدة داخل المجتمع؛ إذ لم يكن تأثير الاستعمار الفرنسي محصورًا في الجانب العسكري فحسب، بل غطى جميع مجالات الحياة

المزابية، من الناحية القانونية المدنية إلى النواحي التعليمية والاقتصادية والسياسية والثقافية. لكن الاستعمار لم يتمكن من المساس بالسلطة الدينية التي مارست نشاطها المعتاد، من تنظيم للحياة الدينية وإصدار للاتفاقات، مع أن دورها تراجع داخل الشأن المدني العام لمصلحة المؤسسات الفرنسية. وساهم هذا التدخل غير المسبوق في حياة المزابيين والخوف المتزايد من فقدان الخصوصيات المحلية في إحداث ردات فعل متباينة، تشكلت في ما بعد ضمن إطار تيار "النهضة" الذي أنتج انقسام المجتمع المزابي فكريًا واجتماعيًا قسمين: المحافظون: ويتمثلون، خصوصًا، في قسم من العزابة، وهم المتشبثون بالقطع التام مع كل ما هو مستحدث غريب عن الثقافة

المحلية، ويعتبرون أنفسهم الورثة الشرعيين للحلقة البكريّة. المصلحون: وهم رموز النهضة الدينية والتعليمية في مزاب، ومن أبرزهم إبراهيم بيوض من القرارة، صاحب المشروع التحديثي المتأثر بأفكار مفكري النهضة في المشرق، مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومؤسس معهد الحياة للتعليم الابتدائي والثانوي. وتمكّن هذا التيار من الانتشار داخل مدن وادي مزاب بعد الحرب العالمية الأولى، ما عدا بني أسقن التي بقيت حكرًا على سلطة المحافظين.

ومن أهم الأفكار التي دعا إليها جمع المصلحين محاولة التكيف مع الحداثة، بما لا يتعارض مع العقائد الدينية وعدم رفض إمكانات التطور، واكتساب آليات وتكنولوجيا حديثة والرغبة في المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية من خلال المشاركة في الانتخابات المحلية، إضافة إلى الدعوة إلى مراجعة الموقف من سفر المرأة وتعليمها؛ ما دفع المحافظين إلى اتهامهم ب "البدعة" والابتعاد عن الإسلام الحق. لم يؤدِّ هذا الانقسام إلى تفكك مؤسسة العزابة وتفكك بنيتها، بل كثّف قدرتها على عمليات المفاوضة الاجتماعية الداخلية. ولعل هذا ما قصده عبد العزيز خواجة، حينما اعتبر هذه المؤسسة ذات منهجية تقوم على "احتواء التغيّ الاجتماعي داخل الضبطية وتغيير

الضبط للتوافق مع التغيّ باستمرار". اجتماعيًا، تميّزت هذه الفترة بحضور ثلاثة أصناف من المؤسسات: يتمثل الأول في المؤسسة الدينية، ممثلة في العزابة؛ والثاني

في المؤسسة المدنية المحلية، ممثلة في مجلس الضمان، إضافة، إلى وحدة اجتماعية جديدة تركز عليها النصوص المدرجة في السياق الكولونيالي، وهي "الصفّ"، ويتمثل في تحالف مجموعة من العشائر. ويبدو أن هذا التحالف ذو طابع حربي في الأساس؛ ما دعا هذه العشائر إلى الاستنجاد بالقبائل البدوية العربية المحيطة بها، وميّز هذه المرحلة بطابع قبلي محتدم، تميّز بالاضطراب والصراع، حيث أدى

الاستعمار دورًا كبيرًا في تشجيعه وتجييشه في النفوس. أما الصنف الثالث فهو المؤسسات الاستعمارية. وساهم هذا المرور من البنية

الثنائية السابقة إلى بنية مؤسساتية ثلاثية في فتح المجتمع المزابي أمام نماذج اجتماعية وثقافية واقتصادية جديدة؛ إذ مرّ من اقتصاد

فلاحي بسيط، إلى اقتصاد تصنيعي بعد اكتشاف النفط. ومع ازدياد عدد الزائرين والوافدين الجدد إلى المنطقة من مدن التل من خارج الجزائر، وجد المجتمع المزابي نفسه مُجبرًا، قسرًا، على الاتصال المباشر بهذه الذوات وما تحتمله من إمكانات ثقافية وسلوكية مختلفة

59 Chrifi, pp. 283 - 284. 60 Ibid., p. 281.

61 قدّم مثالً عن ذلك الأجهزة الجديدة التي دخلت مزاب، مثل الهاتف والتلفاز والكهرباء التي رفض العزابة بداية استعمالها وتبرؤوا ممن يستعملها، لكن التغير

الاجتماعي أصبح واقعًا، ما أجبر العزابة على تغيير موقفهم منها. ينظر: خواجة.

62 Chrifi, pp. 196 - 200.

عن قيم المحل. ويعتبر هذا التذبذب في مواكبة العصر من جهة، والتمسك بالخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع من جهة أخرى، من أهم التحديات التي عرفها المجتمع المزابي. إذًا، استطاع المجتمع المزابي خلال هذه الفترة، وتحت ضغط الاستعمار، المرور من مرحلة فكرية إلى أخرى، إن كان من زاوية رؤيته لذاته، أو من زاوية علاقته بالآخر. وتتمثل هذه القفزة في إحداث نوع من الانشقاق داخل مفهوم الجماعة وإيجاد مقترحات مجتمعية أخرى بديلة، على غرار مفهوم الفرد أو المجموعة الإصلاحية أو غيره. ولعل ذلك يعود أساسًا إلى اندثار فاعلية حكم البراءة بسبب تعويضها

بمؤسسات التقاضي الفرنسية.

المرحلة الثالثة: ما بعد الاستقلال

شهدت الجزائر في أثر استقلالها في 5 تموز/ يوليو 1962 الكثير من الصراعات الداخلية التي شقت "جبهة التحرير الوطني" في فترات متقاربة وسنوات طويلة، دفع في المجمل الشعب الجزائري ضريبتها. وتسبب في هذه الصراعات، إضافة إلى حب السلطة والتمسك بالمنصب، الاختلاف الواضح في رؤية مستقبل الدولة الجزائرية ومختلف المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن تكرّسها السلطة الحاكمة. لن نتوسع هنا في النظر في خصائص كل مرحلة والإضافات والنقائص التي اتّسمت بها، نظرًا إلى عدم اتساع

المجال لبحثها هنا، لكننا سنكتفي ببيان أهم الأفكار التي أثّرت في تطوير انتظام المجتمع المزابي خصوصًا. مثّل المرور من الاستعمار الفرنسي إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة قطعًا تاريخيًا مع كل المراحل السابقة، باعتباره تأسيسًا لمجموعة

مفاهيم حديثة، لعل أهمها: الجمهورية، والدولة - الأمة، والديمقراطية، والاشتراكية، والهوية. وكان تفهّم هذه المفاهيم وتطبيقها

مختلفًا من ظرفية إلى أخرى، ومن حكم إلى آخر. وتميزت الأوضاع الجزائرية بُعيد الاستقلال بأزمة اقتصادية وسياسية وإدارية.

وساهمت الصّاعات السياسية في تعميق هذه الإشكالات وتعقيدها. ولم تكن قرى مزاب استثناء داخل هذه الوضعية العامة. وركز

الخطاب السياسي الجزائري في فترة بناء الدولة على مفهوم الوحدة الوطنية الذي بُني على مجموعة من الاعتبارات الثقافية في الأساس،

والمتمثلة في التركيز على الهوية الواحدة للمجتمع الجزائري، في مواجهة الهوية الاستعمارية، هوية تقوم أساسًا على بعدين مركزيين:

العروبة والإسلام. فركّزت كل النصوص المؤسِّسة للدولة الجديدة على عروبة الشعب الجزائري وإسلامه، ونقصد بالإسلام هنا المذهب

الرسمي للبلاد، أي المذهب المالكي. ومن هذا المنطلق النظري الأولّي، انطلقت سياسة الدولة في مخطط التعريب الذي أحاط بمختلف

مجالات الحياة اليومية للشعب الجزائري في مواجهة اللغة الفرنسية التي بقيت قرنًا ونصف القرن لغة الدولة الغالبة. ما يهمّنا من مختلف هذه الخيارات السياسية والثقافية هو تأثيرها في الواقع المزابي الذي لم تستثنه الدولة الجديدة من مشروع

التوحيد؛ إذ نلاحظ بداية التزام الخطاب السياسي، عمومًا، لهذه الفترة، نصوصًا وشخصيات، الصمت في موضوع الأقليات الأمازيغية في

الجزائر؛ فلم تتم الإحالة عليهم نهائيًا، وكل ما جرى التركيز عليه هو وحدة الأصل والدين للشعب الجزائري. وهذا الصمت، في رأينا،

63 عائشة نجار، "مقاربة سوسيولوجية في الأدوار التقليدية للمرأة المزابية وتأثيرات التكنولوجيا الحديثة: دراسة ميدانيّة على عيّنة من النّساء المتزوّجات بقصر غرداية "،

مذكرة ليسانس في علم الاجتماع، جامعة غرداية، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، غرداية، 2011  / 2012، ص 149. 64 لمزيد التوسع في هذا الموضوع يمكن العودة إلى: محمد العربي الزبيري، تاريخ الجزائر المعاصر، ج 2 (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1999). 65 تتمثل هذه النصوص في: ميثاق طرابلس 1962، ميثاق الجزائر الصادر عن المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير أفريل [نيسان/ أبريل] 1964، والميثاق الوطني الصادر

في عام 1976، ودستور الجزائر في عام 1963، ودستور عام 1976. ينظر: المنصف ونّاس، المسألة الثقافية في المغرب العربي 2: الدولة والمسألة الثقافية في الجزائر دراسة

في التغيير الثقافي والاجتماعي (تونس: المطبعة العربية، د. ت.)، ص 123 - 126. 66 المرجع نفسه، ص 165.

لا يعكس إقصاءً، بقدر ما يعكس عجزًا نظريًا عن تفهّم بنية المجتمع الجزائري والتعامل معها تعاملً متكيّفًا مع الخاصيات المحلية لكل

مكوّن لها، وخصوصًا في ظرفية دقيقة، مثل ظرفية البناء الوطني لدولة خرجت من مرحلة الاستعمار المباشر بخسائر سياسية واقتصادية كبرى. لكن الخطاب السياسي تجاوز مرحلة الصمت إلى مرحلة الفعل، أو الفعل السلبي. ففي موضوع اللغة الذي خاضت الدولة لأجله صراعًا كبيرًا من أجل التعريب، جرى التعامل مع اللغة الأمازيغية بنوع من الإقصاء التام، حتى إنه "كان ممنوعًا التكلّم بها في الأماكن الرسمية وحتى في النشاطات الثقافية الخاصة، حيث يمنع استعمال اللغة المزابية إلّ بترخيص من الحزب". ووصل هذا التشدد في التعامل مع المسألة اللغوية إلى "تغيير الأسماء الأمازيغية لمدن وادي مزاب، وحتى أسماء الشوارع والساحات". مؤسساتيًا، حاولت مؤسسات الدولة الجديدة افتكاك السلطة من المؤسسات التقليدية المؤثرة في المجتمع، وقد اعتمدت هذه

المحاولات في بعض الأحيان على القمع وتهديد رؤساء الهيئات العرفية من أجل التخلّ عن مهماتهم، أو في الأدنى مساندة المواقف الصادرة عن السلطة المركزية، وفي أحيان أخرى على المحاصرة القانونية والسياسية. وطالبت اتحادية غرداية لحزب جبهة التحرير الوطني السلطات العليا في عام 1967 ب "إلغاء نظام العشائر في مزاب وإلحاق دور العشائر بالأملاك العقارية للحزب، مُدّعية أن نمط الحياة الخاص بالقرى السبع أصبح غير ملائم للتطور الحضاري، معتبرة أن النظام العشائري نظام رجعي". انخرط مختلف هذه التدخلات في نظام عيش المجتمع المزابي في إطار محاولة "الرقيّ" بالمجتمع الجزائري إلى المجتمع الواحد

الموحد. لكنّ هذا المشروع "المواطني" طرح الكثير من الإشكاليات العميقة: تتعلق الأولى ببنية المجتمع الجزائري الذي ما زال يجمع بين خصوصيات طُرحت في مرحلة ما، باعتبارها تناقضات جوهرية، ساهم الاستعمار في مزيد تعميقها، على غرار حضور البنية القبلية/ العشائرية داخل بنية الدولة الوطنية واللّغات المحلية أمام مشروع التعريب ومشروع الديمقراطية في إطار هيمنة الحزب الواحد. أما الثانية، فتعود إلى آليات تطبيق هذا المشروع المجتمعي واقعيًا من خلال الضغط والتهديد وممارسة السلطة في إطار نظام يقوم على

دكتاتورية عسكرية في أجلى مظاهرها؛ وهو ما يطرح تناقضًا بين المشروع الوطني وطبيعة الآليات التي تم تطبيقه من خلالها. وثالثًا، تُحيلنا هذه الوضعية/ المشكلة إلى محاولة تأصيل وضع المزابيين في تلك الفترة التاريخية، ولعلها ملاحظة تنسحب على الحاضر أيضًا: أهو وضع مجتمعي Societal، أم وضع جماعاتي Communautaire؟

67 كمال الدين فخار، "حماية الأقليات: الحق في التنوع والاختلاف"، مقدمة في ندوة: "حول الأقليات اللغوية: مركز التوثيق والإعلام في حقوق الإنسان"، عنابة، 68 المرجع نفسه. 69 كمال الدين فخار، "بعد أن استطاعت أن تسيطر كلية على المجالس العرفية المزابية: هل نجحت السلطة الجزائرية في القضاء نهائيًا على ما بقي من الخصوصية

المزابية؟"، الجزائر تايمز، [د. ت.]، شوهد في 18 / 3 / 2019، في: haVImD 3 / ly. bit:// https 70 الحاج سعيد، ص 42. 71 يجب الإحالة هنا إلى أحد الاتفاقات الصادرة عن مجلس العزابة الممثل لقرى وادي مزاب السبع، في 6 شوال 1346 ه/ 1928 م؛ إذ على الرغم من قدمه وأسبقيته على

مرحلة ما بعد الاستقلال، فإن طرافته تتمثل في إحالته إلى فكرة "الجمهورية" وإيراد نوع من الموقف منها. جاء في نص الاتفاق: "معشر الإخوان أننا لا نقدر إبطال دعوة

الجمهوريةولا حقلنا ولا طاقةلمعارضتها فإن الدولة لا تمنع من فعل ذلك أو أراد أن يفعل ونحن لا نجهل ذلك إلّ أننا نحذّركم وننذركم [...] فإن عقوبة ذلك خسرانًا مبينًا

لأن هذا مما يسوؤنا عقباه في ديننا وأعراضنا وتشتيت ملّتنا ومخالفة أغراضنا وبدعة في سيرتنا". يتعلق هذا القانون بداية بسفر المرأة الذي تمنعه الهيئات العرفية المزابية وتسمح

به الدولة، أي الدولة الاستعمارية. لكن ما نحاول التركيز عليه ليس معارضة القانون المزابي للدولة بطابعها الاستعماري، إنما باختلافها العقدي والمرجعي مع المؤسسات

المحلية، وهي حقيقة تنسحب أيضًا على الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال. لهذا ما يحيل إليه الاستعمال المكثف لضمير المتكلم في صيغة الجمع الذي يعكس رؤية

جماعاتية، يميز نظرة المزابيين المرجع أنفسهم ويحكم تعاملهم مع الآخر المخالف، لتتحول الهوية المحلية إلى هوية مطلقة وشمولية، ولعل ذلك ما يمثل أكبر تحدٍ أمام صنّاع

الجزائر الحديثة والمعاصرة.

مؤسساتيًا، لم تتمكن الحكومات المتوالية من تعويض الفراغ الذي سبّبه خروج المستعمر، ولا من وضع هيكلة إدارية واضحة. ولم

يتم ملء هذا الفراغ إلى حدود إصدار "ميثاق البلدية" في 18 شباط/ فبراير 1967، و"ميثاق الولاية" (المحافظة) في 25 أيار/ مايو 1969. ومن ثم، مرّت المؤسسات الإدارية في مزاب بالكثير من التغيرات والتطورات التي مسّت هيأتها والقوانين المنظمة لها. فمثلً، غيَّ

التقسيم الإداري لعام 1984 توزيع السكان داخل منطقة الشبكة، وبذلك أصبح "غرداية" اسم الولاية السابعة والأربعين في الجزائر، ومساحتها 6850 كيلومترًا مربعًا، وعدد سكانها 400515 نسمة (في عام 2010)، وتضم 13 بلدية. مثّل هذا التقسيم الإداري نوعًا

من القطع المركزي مع مفهوم القصر، باعتباره وحدة تمييز بين الفضاءات العمرانية، ومن ثمّ تم المرور من الحديث عن سبع مدن مزابية

إلى الحديث عن 13 بلدية. أسست الدولة الحديثة مجموعة من المؤسسات والقوانين التي شكلت المجتمع المزابي تشكيلً جديدًا، من خلال قيام هذه المؤسسات بتعويض الكثير من المهمات التي كانت المؤسسات التقليدية تقوم بها، على غرار فض النزاعات والتقاضي عمومًا، وتنظيم

الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية داخل المدن. فأصبح المزابي مواطنًا مثله مثل العربي؛ ما ساهم في تحطيم التقسيم الجغرافي في بلدية غرداية تحديدًا، وهو تقسيم أقامه نظام العزابة بين "الأصلاء" و"النزلاء"، أو بين العرب والأمازيغ، فلم يعد للمؤسسات التقليدية سلطة مطلقة على التحكم في دخول المواطنين وخروجهم داخل أسوار القصور المزابية كما في السابق. ويعني شمول المؤسسات المدنية للدولة مختلف مجالات حياة المواطنين، في الأساس، تقلّص سلطات المؤسسات السابقة، أو غيابها تمامًا أحيانًا. حافظت الهيئات العرفية على وجودها في الواقع المزابي، على الرغم من كل التهديدات التي مرّت بها، لكن تغيرات فارقة حصلت

في تركيبتها ومهماتها وعلاقتها بالسلطة. أما على مستوى المهمات، فاحتفظت الهيئات التقليدية بما يلي: الأدوار الدينية الموكولة إلى العزابة، وخصوصًا الفتوى، لكنهم تراجعوا أمام سطوة الدولة على الحياة المدنية، على الرغم من أن

المزابيين ما زالوا يفضّلون الاعتماد على العزابة لحل النزاعات في ما بينهم، على التقاضي أمام القضاء العمومي. حافظ مجلس عمي سعيد على اجتماعه السنوي مع ممثلي العشائر لمناقشة الشؤون الدينية. حافظت هيئة تمسردين على اجتماع النسوة السنوي في "ليلة لا إله إلا الله". أهم عنصر ثقافي ساهم في تواصل الثقافة المحلية هو التعليم، من خلال تمويل صنف التعليم الحر وإدارته. حافظ مجلس الضمان على الوظائف التضامنية التي تميز بها، من خلال رعاية الأوقاف وشؤون المحتاجين والأرامل واليتامى، إضافة إلى رعاية شؤون العشائر وتوجيه الشباب وردّ "المنحرفين" وردعهم. حلّ النزاعات داخل المدن بين المزابيين أنفسهم، أو بينهم وبين القبائل العربية القاطنة في الولاية، وهي نزاعات تعجز في بعض الأحيان أجهزة الدولة عن فضّها. أما التغيرات التي طرأت على هذه الهيئات، فتتمثل في:

72 بنجامين ستورا، تاريخ الجزائر بعد الاستقلال 1962 - 1988، ترجمة صباح ممدوح كعدان (دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2012)، ص 43.

73 Oussedik, p. 200. 74 Ibid., p. 199. 75 Spiga, p. 68. 76 Oussedik, pp. 208 - 209.

ارتفاع عدد العزابة إلى 29 عزابيًا، ولعل ذلك يعود إلى الزيادة الديموغرافية في المنطقة، كما إلى الصراع الذي ما زال يشق المجتمع بين

المحافظين والمصلحين. التحول من مرتبة الإلزام إلى مرتبة السلطة الأدبية القابلة للرفض، تحوّل سببه أساسًا اندثار نظام البراءة. وهذا لا يعني بأي حال

من الأحوال ثورة المزابيين على قرارات الهيئات العرفية؛ إذ ما زال بيدها البراءة من الفرد من خلال الدعوة عليه والامتناع عن حضور مناسبات أفراحه أو أتراحه والامتناع عن تغسيله عند مماته، ودعوة العامة إلى رفض التعامل معه... إلخ. لكن ما عاد في إمكانها تطبيق العقوبات الجسدية أو المالية أو عقوبة النفي أو السجن، كما كان لها؛ نظرًا إلى احتكار الدولة وظيفتَي التقاضي والتنفيذ. مهمة تسيير الحياة السياسية المحلية من خلال اختيار الممثلين عن المجتمع المزابي في المجالس المحلية وترشيحهم في قوائم مستقلة حاصلة على تصديق الهيئات التقليدية. تأثير اتجاهات عقدية ومذاهب جديدة (الإخوان المسلمون، السلفية العلمية، السلفية الجهادية، الوهابية) في المجتمع المزابي واستقراره واستمرار الانشقاق نفسه داخل هيئة العزابة بين مصلحين ومحافظين. وأبرز مثال على ذلك هو مجلس العزابة لمدينة غرداية، حيث توجد هيئتان للعزابة. لكن، يُحلّ الإشكال فقهيًا باعتبار مجلس عمي سعيد هو مجلس الإفتاء الرسمي الناطق باسم إباضية

بني مزاب. تطوّر علاقة الهيئات العرفية بالسلطة في أثر قضاء مؤسسات الدولة، كما ذكرنا سابقًا، على الهيئات التقليدية، أو باحتوائها من

خلال ضمان عدم المساس بمصالحها وعدم الثورة على قراراتها، ومن ثمّ أصبحت الهيئات المحلية ناطقة باسم السلطة المركزية

ومدافعة عنها. انحسار مواضيع الاتفاقات الصادرة عن العزابة في تنظيم المناسبات، وما يرتبط بها من أفعال تشرف عليها الهيئات العرفية، على غرار الزواج والحج والختان والجنائز. مثّل المرور إلى مرحلة الدولة الحديثة منعرجًا مهمًا في تاريخ بني مزاب، وفي بنيتهم الاجتماعية والمرجعيات التي من خلالها يستمدون

الشرعية والحجية. وأُضيفت إلى الشرعيتين الدينية والعرفية، المتواصلتين من خلال المؤسسات المعبرة عنهما، مرجعيةٌ جديدةٌ تؤسس لها مؤسسات الدولة، وهي المرجعية القانونية التي هيمنت على الكثير من مجالات حياة المزابيين، وحاولت حتى التدخل في المؤسسات العرفية وطريقة عملها؛ ما جعل العلاقة بين المؤسسات التقليدية والمؤسسات الحديثة تتذبذب لتشكل إمكانات علائقية مختلفة.

خاتمة

سمح لنا تركيب تطوّر التاريخ المزابي، من خلال تتبّع منتجاته المؤسسية، بتدقيق الرؤية بشأن التطور الذي عرفه المجتمع المزابي

نفسه من حيث المرجعيات الأيديولوجية والبنية الاجتماعية. ومثّلت المؤسسات المختلفة التي تعايشت، أو تنافست، أو تنافت في مزاب، نماذج مصغرة عن عمليات التفاوض الاجتماعي المتغير تاريخيًا، والمركب حينيًا. فهي لحظات بينيّة Liminal، يعبّ المجتمع المزابي

77 Ibid., p. 197.

78 طالبة، اختصاص بيولوجيا، مقابلة شخصية، جامعة غرداية، 4 / 9 / 2012. 79 (ع.)، باحثة في علم الاجتماع من غرداية، مقابلة شخصية، غرداية، 23 / 5 / 2013. 80 فخار، "بعد أن استطاعت أن تسيطر كلية على المجالس العرفية المزابية."

81 Victor Turner, The Ritual Process: Structure and Anti-structure (New York: Cornell University Press, 1991).

من خلالها في كلّيته، لكن بتلبسات مختلفة في جزئياته، من لحظة تاريخية مخصوصة إلى أخرى، وفي بعض الأحيان من بنية مجتمعية إلى أخرى. تؤدي هذه المؤسسات، على الرغم من اختلافها الأيديولوجي وتفاوتها من حيث التنظيم والدقة والقرب من واقع المزابيين الاجتماعي، دورًا في عمليات الضبط. وكانت مهمة هذه المؤسسات، كما تبدو ظاهريًا، إيقاف عجلة التاريخ عن المرور بمزاب؛ بمعنى

الحفاظ على المجتمع كما هو من دون تغيير، ولفظ كل مختلف عنه خارجًا. لكن، تزداد هذه المهمة الظاهرية تعقيدًا، نظرًا إلى التطورات

الحاصلة داخل هذه المؤسسات نفسها، أيديولوجيًا وبنيويًا؛ إذ تبدو المهمة الأدق التي تضطلع بها هذه المؤسسات هي إدارة عمليات

التغيير داخل آلة الضبط الاجتماعي. فهي المؤسسات الموكل إليها التعامل مع الحادث من الأمور، تشريعيًا أو عمليًا، التي من خلالها

تتم إعادة تركيب البناء الاجتماعي بما يضمن استمرار الجماعة؛ وهو ما يمكن تسميته عمليات الاصطفاف المختلفة والمتقلبة التي قامت بها الجماعة في وجه محيطها المختلف. يدعونا هذا التمرين التاريخ/ الاجتماعي المتواضع إلى إعادة النظر في مفهوم الهوية، باعتباره مفهومًا مؤسّسًا في تعريف الجماعة

لذاتها، وفي بنائها علاقاتها بالآخر وبالعالم؛ إذ يحضر مفهوم الهوية بحسب هذه الدراسة باعتباره مفهومًا مؤسساتيًا، تتم عمليات إنتاجه

واستهلاكه وإعادة تدويره داخل بناء مؤسسة الضبط الاجتماعي. وهذا لا ينفي القدرات الفردية أو الفئوية داخل الجماعة في إعادة تشكيل مفهوم الهوية. لكن لا تتم عملية الاعتراف بهذه التغييرات وتعميم استهلاكها، ومن ثم ترسيخها عرفًا أو دينًا أو عادةً، إلّ من

خلال المؤسسة التي وُجدت للغرض. ولعل من المفيد إعادة قراءة، ليس الواقع المزابي فحسب، بل الواقع العربي عمومًا؛ باعتباره واقعًا

محكومًا بسلطة المؤسسة وبهويات مُشكَّلَة مُحَافَظ عليها من المؤسسة وخدمة لها في الوقت نفسه.

المراجع

العربية

ابن الصغير. أخبار الأئمة الرستميين. تحرير وتعليق محمد ناصر وإبراهيم بحاز. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986. أطفيش، محمد يوسف. شرح كتاب النيل وشفاء العليل. ط 3. جدة: مكتبة الإرشاد، 1985. أعوشت، بكير بن سعيد. دراسات إسلامية في الأصول الإباضية. ط 3. القاهرة: مكتبة وهبة، 1988. أيكلمان، ديل. "الانتماء القبلي في وقتنا الراهن: التداعيات والتحولات". عمران. مج 5، العدد 19 (شتاء 2017.) الجعبيري، فرحات. نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة. تونس: المكتبة التاريخية للمعهد القومي للآثار والفنون، 1975. _______. شخصيات إباضية. عمّان: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، 2010. الحاج سعيد، يوسف بن بكير. الهوية المزابية أهم عناصرها وتشكلها عبر التاريخ. غرداية: المطبعة العربية، 2011. حجاج، قاسم. "غرداية: أزمة ممتدة في عهدة بوتفليقة". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 5 / 8 / 2015 في:.

حنازلة، صوفية. "المرأة الإباضية بين فقه الفرقة والعرف الاجتماعي". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. سوسة، 2014. خواجة، عبد العزيز. "المجتمع الميزابي ونسق القيم من ضبطية التغير إلى تغير الضبط". مجلة الحياة. العدد 11 (2007.) روبانيتشي، روبيرتو. العزابة حلقة الشيخ محمد بن أبي بكر وثيقة قديمة عن حياة نساك الصوامع في الإسلام. ترجمة لميس الشجني. المغرب الأقصى: منشورات تاوالت الثقافية، 2006. الزبيري، محمد العربي. تاريخ الجزائر المعاصر. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1999. ستورا، بنجامين. تاريخ الجزائر بعد الاستقلال 1962 - 1988. ترجمة صباح ممدوح كعدان. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2012. السماوي، صالح بن عمر. العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب. غرداية: جمعية التراث، المطبعة، 2005. الشماخي، أحمد بن سعيد. مختصر العدل والإنصاف. عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1984. فخار، إبراهيم. "التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية: دراسة ميدانية بالمركز الجامعي غرداية". رسالة ماجستير في علم الاجتماع التربوي الديني. معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية غرداية. غرداية. 2012. فخار، كمال الدين. "حماية الأقليات: الحق في التنوع والاختلاف". ورقة مقدمة في ندوة حول الأقليات اللغوية: مركز التوثيق والإعلام في حقوق الإنسان. عنابة. 17 / 10 / 2009. ليفيتسكي تاديوس. المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية. ترجمة ماهر جرار وديما جرار. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2000. معمر، علي يحيى. الإباضية في موكب التاريخ: الإباضية في الجزائر. القاهرة: مكتبة وهبة، د. ت.

References

https://bit.ly/ 37 Ian 4 n

_______. الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي. ط 2. القاهرة: مكتبة وهبة، 1993. الميلي، مبارك بن محمد الهلالي. تاريخ الجزائر في القديم والحديث. الجزائر: مكتبة النهضة الجزائرية، 1964. نجار، عائشة. "مقاربة سوسيولوجية في الأدوار التقليدية للمرأة المزابية وتأثيرات التكنولوجيا الحديثة: دراسة ميدانيّة على عيّنة من النّساء

المتزوّجات بقصر غرداية ". مذكرة ليسانس في علم الاجتماع. جامعة غرداية، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية. غرداية. 2011 / 2012. "نظام حلقة العزابة". تادارات: مركز الدراسات الإباضية. في: GGqsK 2 / ly. bit:// https ونّاس، المنصف. المسألة الثقافية في المغرب العربي 2: الدولة والمسألة الثقافية في الجزائر دراسة في التغيير الثقافي والاجتماعي.

تونس: المطبعة العربية، د. ت.

الأجنبية

• Bousquet, Georges H. "Recueil de délibérations de la mosquée de Béni Isguen."  Annales de l'institut d'études orientales. Tome IX (1951). • Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge, 1990. • Chrifi, Brahim. "Etude d'anthropologie historique et culturelle sur le M'Zab." Thèse doctorat d'anthropologie. Université de Paris 8. Paris. 2003. • Delheure, Jean. Faits et dires du Mzab. Paris: SELAF, 1986. • Foucault, Michel. Surveiller et Punir: Naissance De La Prison. Collection: Bibliothèque des Histoires. Paris: nrf, Gallimard, 1975. • Goichon, Amelie-Marie. La vie féminine au Mzab: Etude de sociologie musulmane. Tome 1. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner, 1927. • Gouja, Moncef. "La théologie ibadite histoire, genèse, formation et formulation definitive." Thèse de doctorat. Université de Paris Sorbonne. Paris. 1986. • _______. La grande discorde de l'islam: Le point de vue des kharijites. Collection: Islamoccident. Paris: L'Harmattan, 2006. • Milliot, Louis. Recueil de délibérations des Djemâ'a du Mzâb. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner, 1930. • Nouha, Spiga. "Les modalités de transmission des valeurs Ibadites dans la famille mozabite contemporaine: L'instruction des filles en question: Etude anthropologique de terrain dans la vallée du Mzab." Mémoire de magister. Université Mouloud Mamri. Tizi-ouzou. 2010. • Oussedik, Fatma, Louis Millot & E. Zeys. Relire les Ittifaqat: Essai d'interprétation sociologique. Alger: ENAG, 2007. • Schwartz, Seth, Koen Luyckx & Vivian Vignoles (eds.). Handbook of Identity Theory and Research. New York: Springer, 2011. • Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti-structure. New York: Cornell University Press, 1991. • Van Dijk, Teun A. (ed.). Discourse as Structure and Process: Discourse Studies: A Multidisciplinary Introduction. vol. 1. London: Sage Publication, 1997.