Return to Article Details A Reading of Historian Andrew Mango's

قراءة في كتاب

A Reading of Historian Andrew Mango's

محمد عثمانلي

الملخّص

عنوان الكتاب: أتاتورك: السيرة الذاتية لمؤسس تركيا الحديثة. عنوان الكتاب في لغته: Atatürk:The Biography of the Founder of Modern Turkey المؤلف: أندرو مانغو Andrew Mango. ترجمة: عمر سعيد الأيوبي. الناشر: دائرة الثقافة والسياحة، مشروع كلمة. مكان النشر: أبو ظبي. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 693 صفحة.

Abstract

Book Title: Atatürk: The Biography of the Founder of Modern Turkey. Author: Andrew Mango. Publisher: Abu Dhabi Department of Culture & Tourism – Kalemah Project, Abu Dahbi. Date of Publication: 2018. Pages: 693.

الكلمات المفتاحية:
  • سيرة
  • أتاتورك
  • مصطفى كمال
  • تركيا
  • الدولة العثمانية
Keywords:
  • Biography
  • Atatutk
  • Mustafa Kemal
  • Turkey
  • The Ottman State
محمد عثمنلي| Osmanli *Mehmet
محمد عثمنلي | Osmanli Mehmetفي التا خ
تر
ا ث
ة إ لا
لا
ات إ
ار
ت
ا
Pا في ت ك
كّلl kk
ة ا
ا
ث
ا تا خ ثمني
كت
*طال
قراءة في كتاب "أتاتورك: الس ةرر الذاتية لمؤسس
تركيا الحديثة" للمؤرخ أندرو مانغو
A Reading of Historian Andrew Mango's "Atatürk: The
Biography of the Founder of Modern Turkey"
محمد عثمنلي | Osmanli Mehmet
عنوان الكتاب: أتاتورك: السيرة الذاتية لمؤسس تركيا الحديثة.
Atatürk: The Biography of the Founder of Modern Turkey عنوان الكتاب في لغته:
المؤلف: أندرو مانغو Andrew Mango.
ترجمة: عمر سعيد الأيوبي.
الناشر: دائرة الثقافة والسياحة، مروع كلمة.
مكان النشر: أبوظبي.
سنة النشر: 2018.
عدد الصفحات: 693 صفحة.

مقدمة

وقعت حوادث في عام 1881، في عهد عبد الحميد الثاني (1842 - 1918)، قد تكون في عرف المشتغلين بالتاريخ غيرت مجرى العالم الشرقي، وربما الكوني، وكان لها أثرٌ أساسي في الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط، أو بتعبير آخر، أعادت تشكيل موازين القوى في قارات العثمانيين الثلاث، بتعبير المؤرخ التركي المعروف إلبير أورتايلي Ortaylı İlber. ومن أهمّ هذه الحوادث احتلال بريطانيا لمصر وتأسيس هيئة الديون العمومية، وعلى مقربة من مسقط رأس القائد المستقبلي للبلاد، سلانيك/ ثاسالونيكا، كانت الأراضي في البلقان تتأكل، وبالتحديد في 24 أيار/ مايو 1881، تخلّت الدولة العثمانية، نهائيًا، عن إقليم ثاساليا لليونانيين، بعدما حكمته أربعة قرون مثخنة، خُتمت بعقود غاية في الحرج، أي بعد مولد الغازي بأيام عدة فقط، في 19 أيار/ مايو من العام نفسه؛ وفق روايته حينما نزل سامسون  Samsun ‏في 19 أيار/ مايو 1919، أو بحسب ترجيح أندرو مانغو أنه في بداية شتاء ذلك العام. وُلد مؤلف الكتاب، أندرو مانغو، في الجمهورية التركية في اليوم نفسه الذي كشفت فيه محاولة اغتيال مصطفى كمال أتاتورك، أي في 14 حزيران/ يونيو 1926. ويحوي كتابه هذا، من القطع الكبير، متنًا مع مقدمة، معزّزًا بالصور المنوعة والخرائط التي توضح أهم أحداث تلك الحقبة. وحوى أيضًا تعريفات بجلّ الشخصيات التي عاصرت مناوشات التأسيس، يليها كرونولوجيا الأحداث، فضلً عن الهوامش المنفصلة عن المتن، وخُتم بمسرد المراجع التي بلغت نحو 286 مصدرًا، تنوّعت بين الخطابات والمدوّنات الشخصية والسيَ الذاتية للرجال المقرّبين من المؤسس، مثل عصمت إينونو وعلي فؤاد جبسوي وفتحي أوقيار وفالح رفقي أتاي وغيرهم كثُر. كما تضمّن السيَ الغيريّة والمراجع العامّة المتعلقة بتأسيس الجمهورية التركية، حيث تناولت مواضيع شتّى، مثل العلاقات السياسية بين تركيا وجيرانها، ومَن كتب عن أتاتورك ورحلاته وإنجازاته في تركيا، وحروب الاستقلال التركية ومحاكمها، وديناميات الدولة التركية وما يتعلق بها، وغلب عليها اللغة التركية (230 مرجعًا) والإنكليزية (52 مرجعًا) وثلاثة مراجع فرنسية ومرجع يوناني واحد، مع العلم أن المؤلف يتقن اللغتين العربية والفارسية، وأحرز الدكتوراه في الأدب الفارسي. يعتبر الكتاب واحدًا من بين الكتب الأساسية التي تبوّأت مكانة مهمة في الإنتاج التاريخي حول مصطفى كمال، على المستويين التركي والدولي؛ إذ يعتبر من أهم الأعمال التي يُرجع إليها عند دراسة سيرة أتاتورك.

شخصية أتاتورك وأثرها يف سياسة الجمهورية التركية

كانت الأجواء السياسية في القرن التاسع عشر حرجة وتسودها دبلوماسية مهادنة ومداهنة، وهزائم عسكرية، واحتقان قومي بلغ أشدّه، وعسكرة على مدى واسع للنظام العثماني، على العكس من الحالة العامّة في أوروبا التي وصفها المؤلف ب "حقبة السلام" (ص. 21)؛ نتيجة تخلّص أوروبا من كثير من المشكلات التي واجهتها، أو لنقل إنها قطفت ثمار ما فقدته الدولة العثمانية آنذاك، ومن بين أشلاء هذه الحوادث الهائلة كان "مؤسس تركيا الحديثة" مصطفى قد وُلد، قبل أن يتسمّى ب "كمال" من معلمه - وفق روايته - على اسم الشاعر والمثقف نامق كمال (1840 - 1888) أحد أبرز رموز العثمانيين الجدد، وقبل إضافة لقب "أتاتورك" بحسب قانون لقب العائلة الذي سنّه في ما بعد. ونشأ مصطفى منذ نعومة أظافره محبًّا وطامحًا للولوج في السلك العسكري، وهذا أمر طبيعي عام مثل سائر أقرانه الذين جايلوه وعاشوا معه هذه الأجواء. استمرت دراسته العسكرية نحو 12 سنة، بدأها منذ كان في الثانية عشرة من عمره، في عام 1893، وانتهى منها في عام 1905، أي في الرابعة والعشرين من عمره، بأوّل تجربة له خارج البلاد في سورية وفلسطين، ليذهب في زيارة إلى سلانيك في السنة التي تليها،

لتأسيس جمعية سرية، ويبقى فيها حتى يتم إعلان المشروطية الثانية (الفترة الدستورية الثانية) في عام 1908. وفي السنة نفسها، ذهب إلى القتال في ليبيا في طرابلس "الغرب" وبنغازي، وعاد في السنة التي تليها، حيث بدأت عمليات التحضير للانقلاب الشهير على السلطان عبد الحميد الثاني. ويبيّ مانغو الدور "الثانوي" الذي يؤدّيه مصطفى آنذاك في هذه العملية (ص 112 و 162). ثم طاف في السنتين التاليتين في جولات عسكرية في ألبانيا، وعاد إلى ليبيا، لذلك، ولعل هذا ما يبيّ، أن حياته العسكرية كانت حافلة، حاول المؤلف إبرازها بشكل لافت. ساهمت هذه الخبرة العسكرية الواسعة التي اكتسبها على مختلف الجبهات في انتشار سمعته العسكرية، خصوصًا بين القادة العسكريين العثمانيين، وعلى سبيل أقلّ، بين كبار القادة الغربيين المحيطين بالأناضول (ص. 175)، أو أنّ سمعته لم تصل إلى الآذان الغربية بشكل أساسي، إلّ عندما بدأ نجمه يسطع (ص. 121)، مثلً، عند زيارته أوروبا في عام 1918 مع ولي العهد وحيد الدين السلطان المستقبلي للبلاد تحت اسم محمد السادس (1918 - 1922) (ص. 193)، كما اكتسب الخبرة الواسعة في التعامل مع الثقافات المنوعة والشعوب المتعددة؛ من أهل الأناضول، إلى بدو الصحراء في الغرب، وليس انتهاءً بالبلقان، وطبعًا ما حصل عليه من تجارب في سورية وفلسطين ولبنان بكل تأكيد، والأهم خبرته العسكرية في مدينة إسطنبول، التي اكتسبها منذ أن أسقط "جيش الحركة" عبد الحميد الثاني في عام 1909 وزياراته المكوكية إليها حتى عام 1911، وشغل بعدها، في عام 1913، وظيفةَ ملحق عسكري في بلغاريا حتى بداية أهم جولة للحلفاء في الحرب العالمية الأولى في (غاليبولي/ جنق قلعة) في عام 1915، ليكون له النصيب المهم من الانتصار في هذه المعركة التي سمّيت باسم المنطقة التي دارت فيها. يتضح من تجربة أتاتورك العسكرية التي عرضها المؤلف، من خلال قيادة الجيش السابع في سورية وفلسطين، أنّه كان على معرفة بالتيارات القومية العربية الناشئة هنالك، واستشعر محاولتهم تكوين اتصالاتهم الدبلوماسية الخاصة مع مختلف القوى في المنطقة، يعني أنّ ثمة يقينًا لديه بأن سياسة إسطنبول الإسلامية للإبقاء على البلدان العربية وغير العربية في حضنها ما عادت نافعة، كما أن سياسة الاتحاديين المتمثلة في الإخضاع القومي فشلت أيضًا؛ ما حدا به بأن يكون الطرف الثالث في عملية تأسيس جمهوريته الجديدة؛ أي التوجّه إلى المحافظة على البلاد (الداخل الأناضول)، لحمايتها من الأخطار الخارجية التي ستكلّفها الكثير، والتي قد تنجم عن السعي وراء سياسة كلٍّ من إسطنبول وحزب الاتحاد والترقّي، وهو ما يمكن فهمه من مراجعة القسمين الأوّليَن من الكتاب: "السنوات المبكرة" و"الحرب الطويلة"، وفهم الفصول التالية في ضوئها؛ أي أثر نشأة استراتيجيته العسكرية وتكوينها في صنع هوية الأمة التركية الجديدة، وبناء الدولة القومية وفق النمط الذي يرتضيه. طبعًا، كان لخبرته في المضائق البحرية دورٌ أساسي في النجاحات التي حققّها في ذلك النصر؛ إذ كان قائد جبهة "أنافارطالار" ANAFARTALAR في عام 1915 بعد أن كان مديرًا لعمليات المضائق (ص. 136) منذ عودته من جبهة برقة في ليبيا في عام 1912، وخلال تلك السنوات كلها، كان يترفّع بالرتب العسكرية وينالها لقاء إنجازاته، ليس بمعزل عن مجايليه ومن سبقه في الوصول إلى سدّة الحكم كقيادات عليا في جمعية الاتحاد والترقي، كان أبرزهم أنور باشا (1881 - 1922) الذي عوّق تحقيق أماني مصطفى كمال العسكرية، وآماله السياسية أيضًا، خصوصًا عند وجود الأول في السلطة وقيادته جمعية الاتحاد والترقي الذي انتسب إليه مصطفى كمال. كما، لا ننسى أن أنور باشا كان زوج أمينة نجية سلطان، ابنة الأمير سليمان أفندي، أخ عبد الحميد الثاني. لتنقلب الآية بعدها،

ويصبح أنور بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى يستجدي (ص. 353) الغازي مصطفى كمال لتولّ مهمة ما في الجمهورية المستقبلية، خصوصًا بعد فشله في تحقيق مبتغاه في آسيا الوسطى والهند.

نشأة النظام الكميل والتنافس مع الأقران

هنا تتّضح طبيعة مصطفى كمال في رفضه التعامل مع "أزلام" النظام القديم؛ ليبني شخصيته الخاصّة، في هذه الأعوام وفي ما بعدها، إلى حين تصفية بعضهم وابتعاد آخرين عن ساحة السياسة، وما جرّوه من "تبعات قراراتهم المتهوّرة لإدخال الدولة في الحرب العالمية الأولى"، فكانت هذه الجملة التهمةَ الاستراتيجية التي كانت تعجب أعداء الاتحاديين، سواء منهم الإنكليز (كرأس للحلفاء) المسيطرين في إسطنبول، أم حتى مبغضيهم من أحرار العرب (بسبب ما عانوه من الاتحاديين). كما استثمرت حكومة إسطنبول هذه الدعاية/ الحقيقة السياسية غاية الاستثمار (حزب الحرية والاتفاق المؤسس من رئيس الحكومة العثمانية آنذاك الداماد محمد فريد باشا (1853 - 1923)، وعلى رأس ذلك كله السلطان الذي أراد التخلّص من وجود الاتحاديين المنافسين له، وبالتأكيد هذا ما استفاد منه مصطفى كمال من أجل نيل دعاية له على الصعيدين المحلي والإقليمي. إبّان حدوث الثورة العربية الكبرى، في جنوب الدولة العثمانية، في حزيران/ يونيو 1916، كان مصطفى كمال في جبهة الشرق الأناضولي والقوقاز يقاتل الروس، بصفته قائدًا للفيلق ال 16، وهنا حاز رتبة الأميرالاي (عميد)، ليعود إلى سورية في عام 1917 وليقود الجيش السابع برتبة أعلى مما كانت له في السابق، لكنه ما لبث في العام ذاته أن عاد إلى إسطنبول ليرافق "الأمير" محمد وحيد الدين " في رحلة إلى ألمانيا، وهو الذي خلف، في ما بعد، أخاه محمد رشاد الخامس، أخ عبد الحميد الثاني الذي كان يبلغ من العمر في ذاك الوقت نحو 75 عامًا، ويشهد شهوره الأخيرة، حيث تكون هذه الرحلة مع هذا الأمير قد زادت من لمعان نجم مصطفى كمال، خصوصًا مع اقتراب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وابتداء صعوده من ضباط الدرجة الثانية في الاتحاد والترقّي، وارتقائه في سلّم الرتب العسكرية، ليصبح في عام 1918 في رتبة الحارس الشخصي للسلطان وحيد الدين بعد تولّيه عرش السلطنة بشهر واحد فقط، أي في آب/ أغسطس من العام نفسه. عاد إلى مجموعة من الصولات والجولات مع الإنكليز بقيادته الجيش السابع في سورية وفلسطين في عام 1918، لتنتهي هذه المناطق مع نهاية الحرب العالمية الأولى تحت سيطرة قوات الحلفاء عمليًا، وكما هو معروف، هو العام الذي تولى فيه محمد وحيد الدين السادس عرش السلطنة وهروب قادة الاتحاديين الأساسيين من البلاد، وبدء سطوع نجم مصطفى كمال، ليقيم بعدها توازناته وفرقه العسكرية، النظامية وغير النظامية، وليرسم خريطة الأناضول العسكرية، وليس ذلك بعيدًا عن همومه السياسية وأحاديثه مع زملائه عن مشاريعه الثقافية المستقبلية، كما يبيّ مانغو. كان ذلك بمنزلة الشرارة الأولى لحروب الاستقلال التركية في عام 1919، وبدء مباحثاته مع إسطنبول، حيث ترك الجيش العثماني في آخر مهمة له فيه، بصفته مفتشًا في الجيش التاسع في الأناضول (ص 253 - 254)، ليتّخذ أنقرة معقلً له، وبناها باعتبارها عاصمة مركزية في ما بعد، لتكون بعدها إسطنبول العاصمة الأخيرة للعثمانيين، بعد أن صمدت قرونًا، حيث كانت قبل اعتمادها عاصمة للدولة تعايش فوضى التنقل بين عواصم عدّة، من سوغوت وبورصة وحتى أدرنة، وما صاحب ذلك من فوضى وحروب داخلية. عندما انتُخب مصطفى كمال رئيسًا للمجلس الوطني الكبير (مجلس النواب) Meclisi Millet Büyük في نيسان/ أبريل 1920، وهو بمنزلة مجلس المبعوثان الأول، بدأت معالمه السياسية وتوجهاته تطفو على السطح، مع استكمال انتصاراته العسكرية في الشرق،

خصوصًا على الأرمن، وهادن بعد ذلك، في العام التالي (1921)، الروس، وحطم القوات اليونانية في معركة سقاريا، وبدأت في هذه السنة بالتحديد تشكلّات الجيش التركي النظامي الرسمي في الظهور، وحُلّت الميليشيات والقوات غير النظامية في عساكر حروب الاستقلال، وهنا أصبح أتاتورك برتبة مشير وحمل لقب الغازي من المجلس الوطني الكبير، ضمن أحداث هي أشدّها ضراوة (يراجع الفصل ال 16 بعنوان "الانتصار في الحرب"). يبيّ المؤلف أنّه من أجل حصول مصطفى كمال على الشرعية من مجلس الأمة الكبير، أُنشئت الذراع القضائية باعتبارها مكملً لسلطة الجيش العسكرية والنواب السياسية، وكانت هذه الذراع ممثلة بمحاكم الاستقلال في الفترة 1919 - 1922 التي أعدمت في أربعة شهور (آب/ أغسطس- كانون الأول/ ديسمبر) في عام 1921 نحو نصف ما أعدمته في كامل قراراتها (ص. 360)، حيث كان مجمل هذا النصف نحو 485 فردًا، منهم المعارض حكومة أنقرة، والفارّ من الجيش، والمتواطئ مع العدو - وفق وجهة نظر أنقرة - من الأرمن والأكراد والأتراك، ولم تتوقف عمليات التخلّص من المعارضين عن طريق تنفيذ أحكام الإعدام حتى بعد إغلاق محاكم الاستقلال، ويُقال الشيء نفسه عن الثورات التي قامت ضدّه (ثورة سعيد بيران، ص 454).

الطريق إىل الدولة

تتوالى أحداث عامي 1922 و 1923 الساخنة والمهمة، حيث ينتهي الوجود الإنكليزي في إسطنبول، ليخرج وحيد الدين على متن باخرة إنكليزية، وجرى التخلّص من الوجود اليوناني في شرق الأناضول، وألغت عندها الجمعيةُ الملّية الكبرى النفوذَ الاسمي للسلطان، وانتخبت الخليفة عبد المجيد بن عبد العزيز، وتوفيت والدة "الغازي"، زبيدة، بعدما أصبح الزعيم الأول في الأناضول، مع بعض المنافسين من جيله، وتزوّج لطيفة التي فشلت علاقته الزوجية بها ولم تستمر سوى سنتين. ونقل المؤلف عنه أيضًا عدم رغبته في الزواج (ص. 196)، ليتفرّغ بعدها للسياسة والجيش، ويؤسس حزب الشعب الجمهوري، وكانت معاهدة لوزان الشهيرة أيضًا في هذه الفترة، وجرى تتويج العاصمة الجديدة، أنقرة، للجمهورية التركية، وتُعلَن في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1923. في عام 1924، انتهى الوجود الشكلي للأسرة الحاكمة العثمانية في إسطنبول، وأُلغيت الخلافة بطرد رموزها من العاصمة القديمة وهروب بعضهم، ومثلما حل مصطفى كمال وجماعته في الفراغ مكان قادة الاتحاديين الأوائل، كان من عارض سياسته من مجايليه أرادوا الحلول مكان العائلة العثمانية في تأسيس حزب معارض أطلق عليه اسم "الحزب التقدمي الجمهوري"، من أبرز قادته كاظم قره بكر ورؤوف أورباي، المشهور ب "بطل البارجة الحميدية"، غير أنه سرعان ما حلّ هذا الحزب - مع طلاق زوجته - في عام 1925؛ لشدّة الاستقطاب الموجود حول المجلس الوطني الكبير وحزب الشعب الجمهوري، كما قضى على المعارضة العسكرية وحلّ المعارضة السياسية أيضًا. يُظهر المؤلف أيضًا أن ثمة محاولة سلطوية لمعارضة زائفة (ص. 495) يقوم بها مصطفى كمال إبان توليه زمام الأمور وإنشائه الجمهورية التركية، وتجلّ ذلك في تأسيس الحزب الجمهوري الحرّ الذي تزعّمه أحد الموالين له، فتحي أوقيار، تمامًا كما فعل السلطان

وحيد الدين (محمد السادس) في تحريك حزب الحرية والائتلاف بقيادة "الداماد" فريد باشا المعارض لحزب الاتحاد والترقّي، فكان أتاتورك يلعب بالحزب الجمهوري الحر ضدّ الحزب الجمهوري التقدمي الذي أسّسه معارضو سياسة مصطفى كمال في الجمهورية الفعليون، والذي كان يمثل نوعًا من النكوص إلى الوراء في رأي مصطفى كمال وأتباعه، فأغلق بعد فترة ليست طويلة.ُ بعد ذلك، بدأت عمليات التغريب وخطط مصطفى كمال في الظهور في عام 1926، التي كان يُحدّث عنها زملاءه في الأناضول قبل سنوات من استلامه زمام الأمور (ص 184 و 195)، وتُسنّ القوانين وتُعلن المساواة بين الرجال والنساء، نظريًّا على الأقل، ليجري تطبيقها بعد فترة لاحقة، ويقدّم نفسه أبًا للمرأة التركية لا كزوج لها. ويوضح المؤلف أن أتاتورك بدأ يصنع نفسه بصفته عرابًا جديدًا للبلاد من خلال نصب أول تمثال له في العاصمة القديمة إسطنبول بعد ثلاث سنوات من إعلان الجمهورية، التي انتهى معها الوجود العثماني، حيث تتضح من هذه العمليات نزعة الذات (ص. 196)، وحُلّت الطرق الصوفية وأُغلقت المدارس الدينية، ورُبط كل ما يتعلق بالمؤسسات الدينية بالدولة، وقبل إلغاء محاكم الاستقلال في عام 1927، كان "الرئيس المتقاعد من الجيش" لا يزال يواجه خطر عمليات الاغتيال والتخلّص من فلول العسكر ومنافسي النظام القديم، وفي أثناء ذلك كانت لا تزال الحدود السياسية للبلاد تُرسَم شيئًا فشيئًا. بدأ أتاتورك إجراءات التغريب على سنوات، بالتوازي مع إصدار قوانين تجديدية أخرى، منها الشكلي والجوهري، فأغلُِقت المدارس الدينية في عام 1924 مع إلغاء الخلافة، وأ قرّت القبّعة في اللباس، وأُغلقت التكايا الصوفية في عام 1925، وأُقرّت الحقوق الخاصة بالنساء في عام 1926، وقرئت المواعظ بالتركية، وأُزيل الإسلام باعتباره دينًا رسميًا للدولة من القانون، وبدأ العمل على الأبجدية اللاتينية، ذلك كله في عام 1928، واعتمدت فريحة توفيق ملكة جمال تركيا في عام 1929، وسُمح بمنصب القاضيات في تركيا في عام 1930، وأُنشئت "مؤسسة أتاتورك العالية للغة والتاريخ والثقافة التركية" في عامي 1930 و 1931. وفي السنة نفسها، اعتُمد الأذان بالتركية. وعملت هذه المؤسسة كما هو واضح من اسمها على صوغ الوعي الثقافي العام والثقافة القومية للدولة الجديدة. وأُعلن عن قانون "اسم العائلة" لمواطني الجمهورية التركية في عام 1934، ومنه حصل مصطفى كمال على لقبه "أتاتورك" الذي يعني "سلف الأتراك"، وهنا لا بد من التأكيد أن كلمة ATA ليست بمعنى الأب العادي، بل تعني السلف الأول والجد الكبير. كانت أوّل زيارة دبلوماسية إلى الجمهورية التركية من شاه إيران رضا بهلوي في عام 1934، في العام نفسه الذي مُنع اللباس الديني على غير رجال المؤسسات الدينية. وفي عام 1935 كان إقرار العطلة يوم الأحد، وبدأت بعدها محادثات بشأن لواء الاسكندرون (1936)، ثم جرت قوننة مبادئ الحزب الستة "الجمهورية والشعبية والقومية والعلمانية والدولتية والانقلابية" في عام 1937، وفي هذه الشهور الأخيرة من حياة مصطفى كمال أتاتورك، كانت قيادته للبلاد روحية "فوقانية"، حيث جرى تعيين جلال بايار محل عصمت إينونو رئيسًا للحكومة، ليتحضّ الأخير لخلافة "سلف الأتراك وجدّهم" في قيادة الدولة، وكما يشير مانغو، كان مصطفى كمال يحلّ قضايا الدولة على مائدة طعامه وقتذاك، من جهة، ولأن المرض بدأ يفتك بجسده من جهة أخرى. وخصص مانغو الفصل السادس والعشرين من كتابه لهذه المسألة في القسم الخامس والأخير بعنوان "محادثات المائدة". أهدى أتاتورك، في عامه الأخير (1938)، الجمهورية آخر إنجازاته بإلحاق منطقة هاتاي/ الاسكندرون، عسكريًّا، بالدولة، ليتم ضمّها رسميًّا (في عام 1939) بعد وفاته في أثر تعرّضه لوعكة صحية في قصر السلطان عبد المجيد الأول والد عبد الحميد الثاني، قصر دولما بهجة، الذي قُرع فيه جرس تنظيمات 1839 وإصلاحات 1856، وإعلان القانون الأساسي (1876)، ليُنتخب فورًا عصمت إينونو

رئيسًا للجمهورية، ويضيف لقب "القائد الخالد" إلى الغازي مصطفى كمال (باشا) أتاتورك، وبعد ذلك ب 15 عامًا (1953)، وهي مدّة حكم أتاتورك نفسها، في عهد رئيس الحكومة التركية عدنان مندريس، نُقل جثمان أتاتورك من المتحف الإثنوغرافي في أنقرة، إلى ما سُمّي بالتركية بال Anıtkabir، أي "نصب القبر التذكاري الشهير" الذي بُني خصّيصًا له.

خاتمة

يلخّص أندرو مانغو سيرة مصطفى كمال منذ ولادته وحتى مماته، وكيف بنى ثوراته الثلاث العسكرية والسياسية والثقافية، وباعتماد كبير على أقرب ما كتب عنه، ليتفوّق بالفعل على كثير مما كُتب عنه حتى بالتركية. لكن، يبقى عنصر مهم قد يكون افتقر إليه هذا الكتاب، وهو عملية استخراج الوثائق المختلفة من الأرشيف، من أجل النظر إلى هذه السيرة بشكل أقرب، ولرفدها بما قدّمه بنقد وثائقي. يُضاف إلى ذلك التفصيلات الطويلة التي قد تُتعب القارئ غير الأكاديمي الذي يروم الحصول على معلومة عامّة لا دقيقة خاصة بشأن أتاتورك. يمكن أيضًا أن نطرح سؤالً أساسيًا، هو: ما مدى الرؤية النقدية للمؤلف بين ما حصل في حقيقة الأمر من أحداث لسيرة حياة مصطفى كمال، وما قام بالاجتهاد فيه لتدوينه في هذا الكتاب؟ وقد ينقلنا من السؤال عن التاريخ السياسي إلى السؤال عن التاريخ الفلسفي، أي إن البحث في سيرة حياة مؤسس الدولة التركية قد لا يكون بحثًا عن مجرد تاريخه الشخصي، بقدر ما هو تاريخ تحوّل أفكار، الذي، في نهاية المطاف، لا يستلزم منّا مجرد دراسات مقارنة عابرة ما كُتب عنه، أو مجرد قراءة أرشيفية عامة، إنما يتطلب بحثًا في حقبة طويلة أنتجت هذه الشخصية الثورية. يضاف إلى ذلك، أن الكتاب من خلال فصوله، مرتّبٌ بناءً على أحداث سردية سياسية، وليس مقسّمًا وفق بنية سوسيولوجية سيكولوجية، لرجالات الدولة ونخب المجتمع، كما لا يتحدث عن البنية المجتمعية الموجودة إبان انتهاء العهد العثماني ونشوء الجمهورية التركية، إلّ ضمن لمحات وإشارات هنا وهنالك، متضمنة في الحدث السياسي، وليست مجلوبة ضمن تمايز يجعلها واضحة المعالم. لا تقلل هذه الانتقادات من قيمة الكتاب العلمية والأكاديمية، لكنها تفتح المجال أمام إعادة طرح ما في الكتاب، أو لدراسات أخرى أكثر اتّساعًا لبيان تاريخ الجمهورية التركية بكل تأكيد.

المراجع

References

• Akbulut, Erden & Mete Tunçay. Türkiye Halk İştirakiyun Fırkası (1920-1923). İstanbul: İletişim, 2016.

• İğdemir, Uluğ. Anafartalar Muharebatı'na Ait Tarihçe. 2. Baskı. Ankara: Türk Tarih Kurumu, 1990.

• Küçük , Cevdet. İslam Ansiklopedisi. cilt 23. Türk Diyanet Vakfı, 2001.