Return to Article Details Historical Writing in Iraq

الكتابة التاريخية في العراق

Historical Writing in Iraq

عبد الرحيم بنحادة

الملخّص

عقدت مجلةأسطور للدراسات التاريخية، في نيسان/ أبريل 2016، ندوة بعنوان "إشكاليات البحث في التاريخ العربي"، ساهم فيها باحثون من جامعات عربية مختلفة، وسلطوا الضوء عى بعض جوانب تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي. وعى الرغم من غنى النصوص التي قُدّمت ونُوقشت، فإن سؤال الحصيلة يظل دائمًا سؤالً متجددًا تفرضه ضرورات إبستيمولوجية وأكاديمية. تندرج في هذا الإطار الندوات القطاعية التي تعتزمأسطور تنظيمها عن الكتابة التاريخية في البلدان العربية في الفرة القادمة؛ كيف كتب المؤرخون تاريخ بلدانهم؟ وما الأسئلة التي أرّقتهم؟ وما السياقات السياسية والإبستيمية التي قادتهم إلى الركيز عى مواضيع دون غرها؟ وكيف حقّبوا وفتّتوا التاريخ؟ وما الصعوبات التي تواجههم في إثارة مواضيع جديدة؟ وهل استطاعوا التغلّب عى فقر المادة التاريخية من خلال الانفتاح عى مواد ونصوص جديدة؟ وما صورة انفتاحهم عى المدارس الغربية؟ تعتزم أسطور مناقشة بعض هذه القضايا وغرها من خلال رصد ما توصّل إليه البحث التاريخي في البلدان العربية. وتهدف من ذلك إلى تعميق النقاش بن المتخصصن في البلد الواحد. كم تهدف إلى مناقشة التقاطعات والاختلافات الموجودة في مقاربة القضايا التي طُرحت. ومن ثمّ، تكون بمنزلة أداة أساسية لإنجاز بحوث تركيبية عن تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي، بعيدًا عن التعميمت والأفكار المسبقة والصور النمطية التي تشكّلت. أمّا الندوات التي تقرحها الدورية، فهي عبارة عن استبيان يتضمن العديد من الأسئلة المنمّطة والموجهة إلى المتخصصن في حقل الكتابة التاريخية ممن راكموا تجربة بحثية ذات أهمية.

Abstract

عقدت دورية أسطور للدراسات التاريخية، في نيسان/ أبريل 2016، ندوة بعنوان "إشكاليات البحث في التاريخ العربي"، ساهم فيها باحثون من جامعات عربية مختلفة، وسلطوا الضوء على بعض جوانب تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي. وعلى الرغم من غنى النصوص التي قُدّمت ونُوقشت، فإن سؤال الحصيلة يظل دائمًا سؤالًا متجددًا تفرضه ضرورات إبستيمولوجية وأكاديمية. تندرج في هذا الإطار الندوات القطاعية التي تعتزم أسطور تنظيمها عن الكتابة التاريخية في البلدان العربية في الفترة القادمة؛ كيف كتب المؤرخون تاريخ بلدانهم؟ وما الأسئلة التي أرّقتهم؟ وما السياقات السياسية والإبستيمية التي قادتهم إلى التركيز على مواضيع دون غيرها؟ وكيف حقّبوا وفتّتوا التاريخ؟ وما الصعوبات التي تواجههم في إثارة مواضيع جديدة؟ وهل استطاعوا التغلّب على فقر المادة التاريخية من خلال الانفتاح على مواد ونصوص جديدة؟ وما صورة انفتاحهم على المدارس الغربية؟ تعتزم أسطور مناقشة بعض هذه القضايا وغيرها من خلال رصد ما توصّل إليه البحث التاريخي في البلدان العربية. وتهدف من ذلك إلى تعميق النقاش بين المتخصصين في البلد الواحد. كما تهدف إلى مناقشة التقاطعات والاختلافات الموجودة في مقاربة القضايا التي طُرحت. ومن ثمّ، تكون بمنزلة أداة أساسية لإنجاز بحوث تركيبية عن تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي، بعيدًا عن التعميمات والأفكار المسبقة والصور النمطية التي تشكّلت. أمّا الندوات التي تقترحها الدورية، فهي عبارة عن استبيان يتضمن العديد من الأسئلة المنمّطة والموجهة إلى المتخصصين في حقل الكتابة التاريخية ممن راكموا تجربة بحثية ذات أهمية.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • العراق
  • ندوة أسطور
Keywords:
  • Historical Writing
  • Iraq
  • Ostour Seminar

الكتابة التاريخية يف العراق Historical Writing in Iraq

عقدت مجلةأسطور للدراسات التاريخية، في نيسان/ أبريل 2016، ندوة بعنوان "إشكاليات البحث في التاريخ العربي"، ساهم فيها باحثون من جامعات عربية مختلفة، وسلطوا الضوء عى بعض جوانب تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي. وعى الرغم من غنى النصوص التي قُدّمت ونُوقشت، فإن سؤال الحصيلة يظل دائمًا سؤالً متجددًا تفرضه ضرورات إبستيمولوجية وأكاديمية. تندرج في هذا الإطار الندوات القطاعية التي تعتزمأسطور تنظيمها عن الكتابة التاريخية في البلدان العربية في الفرة القادمة؛ كيف كتب المؤرخون تاريخ بلدانهم؟ وما الأسئلة التي أرّقتهم؟ وما السياقات السياسية والإبستيمية التي قادتهم إلى الركيز عى مواضيع دون غرها؟ وكيف حقّبوا وفتّتوا التاريخ؟ وما الصعوبات التي تواجههم في إثارة مواضيع جديدة؟ وهل استطاعوا التغلّب عى فقر المادة التاريخية من خلال الانفتاح عى مواد ونصوص جديدة؟ وما صورة انفتاحهم عى المدارس الغربية؟ تعتزم أسطور مناقشة بعض هذه القضايا وغرها من خلال رصد ما توصّل إليه البحث التاريخي في البلدان العربية. وتهدف من ذلك إلى تعميق النقاش بن المتخصصن في البلد الواحد. كم تهدف إلى مناقشة التقاطعات والاختلافات الموجودة في مقاربة القضايا التي طُرحت. ومن ثمّ، تكون بمنزلة أداة أساسية لإنجاز بحوث تركيبية عن تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي، بعيدًا عن التعميمت والأفكار المسبقة والصور النمطية التي تشكّلت. أمّا الندوات التي تقرحها الدورية، فهي عبارة عن استبيان يتضمن العديد من الأسئلة المنمّطة والموجهة إلى المتخصصن في حقل الكتابة التاريخية ممن راكموا تجربة بحثية ذات أهمية. وتستهلأسطور ندواتها هذه بندوة "الكتابة التاريخية في العراق اليوم"، التي عقدتها في 7 ترين الثاني/ نوفمبر 2020، بمشاركة نخبة من المؤرخن والباحثن العراقين. وقد دارت أعمل الندوة حول محورين، هم: قضايا منهجية في الكتابة التاريخية في العراق اليوم، وآفاق الكتابة التاريخية في العراق. وسننر في هذا العدد أعمل هذه الندوة.

The seminar "Problems of Research in Arab History" was held in April 2016. Researchers from across the Arab World took part, highlighting various aspects of the development of historical knowledge there. Despite the richness of the texts presented and discussed, epistemological and academic concerns mean that the question of outcome must remain ever-present. Within this framework Ostour will soon be organising various focused seminars on historiography in Arab countries: How have historians written the history of their countries? What are the questions that have kept them awake at night? What are the political and epistemological questions that have led them to favour some topics over others? What periodisations have they adopted? What are the difficulties that they face in taking up new topics? Have they been able to overcome the poverty of historical material by considering new items and new texts? How open have they been to western schools of thought? Ostour will discuss all these issues and more, in the hope of deepening discussions between experts in each country and establishing points of similarity and difference in their approaches. This will serve as a foundation for complex studies of the development of historical knowledge in the Arab World, avoiding the generalisations, prejudices and stereotypes. This series of seminars began with "Historiographical Trajectories in Iraq Today", held on 7 November 2020 with the participation of a highly skilled group of Iraqi researchers. This seminar considered two main questions: methodological issues in Iraqi historiography and the horizons of Iraqi historiography. The proceedings of the seminar will be published in this issue of Ostour.

مقدمة الندوة

كان يُفترض أن تنعقد ندوة "الكتابة التاريخية في العراق" على هامش مؤتمر "ثورة العشرين في العراق في عامها المئة: سرديات

الدولة الوطنية والصراع على الذاكرة"، الذي كان من المخطَّط أن ينظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة في نيسان/ أبريل 2020، في إطار مؤتمره السنوي للدراسات التاريخية. وكان في الإمكان أن يجتمع المشاركون في الندوة في مقر المركز. لكن الجائحة أبت إلا أن تنعقد الندوةُ عن بعد. وسواء عُقدت الندوة افتراضيًا أو واقعيًا، فالمهم أنها تحقّقت؛ ذلك أنها تناقش وتبحث

في موضوع على قدر كبير من الأهمية، وهو حال الكتابة التاريخية في العراق. يسعدنا كثيرًا، في هيئة التحرير في دورية أسطور، أن تكون هذه الندوة هي اللقاء الافتتاحي الأول، في إطار سلسلة من اللقاءات

التي تتناول الكتابة التاريخية في البلدان العربية المختلفة. فنحن عاقدون العزم على تنظيم حلقات بحثية تحاول رصد الإنتاج التاريخي في الوطن العربي بطريقة جزئية، بعدما خصص المركز العربي الدورةَ الثالثة من مؤتمر الدراسات التاريخية (2016) لموضوع "التأريخ العربي

وتاريخ العرب: كيف كُتب؟ وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة." ويعود فتح هذه الوِرَش إلى اعتبارين: الأول، الرغبة في معرفة التطورات الحاصلة على مستوى الإنتاج التاريخي العربي، للوقوف عند التراكمات التي تحققت عبر السنين، وطبيعة الأسئلة التي يعالجها المؤرخون، والمقاربات المستجدة للظواهر التاريخية، انطلاقًا من المقولة الشهيرة لأحد المؤرخين الفرنسيين "إن كل تاريخ هو تاريخ راهن"، من جهة أنه يجيب عن أسئلة آنية، حتى إن كان الأمر يتعلق بمواضيع موغلة في القدم. لقد أضحى المؤرخون يتجاوبون مع أسئلة الحاضر، ويحاولون إيجاد الإجابة عنها في الماضي. فعلى سبيل المثال، ولّدت جائحةُ كورونا اهتمامًا

بالأوبئة والطواعين. ومن ثم، أصبح العديد من المؤرخين يهتمون بهذا الموضوع: الوباء وتاريخه. وقد نشُرت خلال هاتين السنتين (2020 - 2021) العديد من الأبحاث المتعلقة بتاريخ الأوبئة وطريقة التعامل معها. وكذلك الحال مع مواضيع أخرى، كتلك التي تتعلق بتاريخ الشيعة، مثلً، أو بتاريخ التصوف، فالاهتمام بها ناجم عن تطورات راهنة. إن هذه الأمثلة تكشف مدى تأثير الحاضر في أسئلة المؤرخ، ومن ثم، المواضيع التي يطرحها. وينبغي لنا أن نضع هذه الملاحظة في سياق التطورات التي تعرفها البلدان العربية، منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. الثاني، أن أسطور أضحت مجلةَ كل العرب، يتابع محتوياتها الباحثون في حقل التاريخ وغيره في جميع الأصقاع العربية. من هنا، وضعت الدوريةُ على عاتقها التعريفَ بحصيلة البحث التاريخي في الأوطان العربية. كما وضعت التجسير بين الباحثين العرب المهتمين بالقضايا نفسها في مجالات جغرافية مختلفة أفقًا لها. اسمحوا لي بأن أتطفل، قليلً، على زملائي العراقيين المشاركين في هذه الندوة، لأقتسم معهم بعض الانطباعات التي تكوّنت

لديّ ونحن نفكر في عقد هذه الندوة. إن الكتابة التاريخية في العراق جديرة بالاهتمام لاعتبارات متعددة، يأتي على رأسها ق دم المدرسة

التاريخية العراقية وتجذّرها. في عشرينيات القرن الماضي، انبرى العديد من الباحثين الأجانب والمستشرقين لدراسة تاريخ العراق. وكان همُّ هؤلاء، كما كان في

جميع البلاد العربية زمنَ الاستعمار، النيل من الهوية العراقية وإبراز الجوانب السلبية في التاريخ العراقي، التي تُظهِر أن العراق ليست

له مقومات تكوين دولة، وليس فيه شعب متجانس، بل هو عبارة عن قبائل وجماعات متنافرة. وقد تصدى لهؤلاء، في هذه المرحلة تحديدًا، عدد من المثقفين العراقيين الذين عملوا على دحض أقوالهم، بيد أن العديد منهم كان يعوزه التكوين التاريخي والأدوات

الكفيلة بنفي التهم الملصقة وتجاوز الصور النمطية التي كوّنها الاستشراق عن العراق. وهو ما أدى، في النهاية، إلى إنتاج خطاب سجالي

لم يساهم في تقدّم المعرفة التاريخية، وإن كان قام بواجبه من الناحية السياسية. ومع ذلك، سرعان ما تمأسست المعرفة التاريخية وتمهننت. وقد تجلت هذه المأسسة في: تأسيس كلية الآداب والعلوم ببغداد عام 1949، التي كانت نواة المشروع الذي شرعت فيه الدولة العراقية، منذ النصف الأول من أربعينيات القرن العشرين، بتأسيس جامعة في بغداد. وبالفعل، تأسست الجامعة في عام 1957 - 1958، لتضم كلية الآداب والعلوم. وقد كان قسم التاريخ من أوائل الأقسام المحدثة في الكلية، ليضم الأساتذة والأكاديميين الذين ابتعثتهم الدولة العراقية لدراسة التاريخ، في عدد من الجامعات الأوروبية والأميركية، وذلك، في أواخر الثلاثينيات ومطلع الخمسينيات من القرن العشرين. وقد كان هؤلاء هم الرعيل الأول من المؤرخين المحترفين في العراق. فتح الأرشيف العراقي، أي تأسيس "المركز الوطني لحفظ الوثائق"، عام 1963. وهو من الأرشيفات العربية الأولى التي كانت محكمة التنظيم. ولعل من بين أهم الأرصدة الوثائقية التي كان يحتويها الأرشيف وثائق عثمانية وأخرى متعلقة باستخراج النفط في العراق منذ أن اكتشف النفط فيه في الربع الأول من القرن العشرين (أقول كان يحتويها لأنني أعرف أنه في عام 2003 تم نهب جزء كبير من هذا الأرشيف). وقد جاء الأرشيف ليعزز الأرصدة الوثائقية التي كانت تحتويها المكتبة الوطنية، التي تأسست في وقت مبكر عام 1920. وظهور هاتين المؤسستين (الجامعة والأرشيف) هو ما أدى، كما حدث في كثير من بلدان العالم، إلى نشاط بحثي معتبر في العراق، في بداية السبعينيات من القرن الماضي. وقد تميز هذا النشاط البحثي بالخصائص المتلازمة التالية: تتمثل الخصيصة الأولى بالانفتاح المنهجي: فقد انفتح الباحثون العراقيون، مبكرًا، على المناهج الغربية. ومن هؤلاء من انفتح على

مدرسة الحوليات الفرنسية، فراح يبحث في التاريخ الاجتماعي. وجرى نقاش بين الباحثين العراقيين فيما يتعلق بالتاريخ الشمولي الذي طمحت إلى كتابته مدرسة الحوليات ومفهوم الوثيقة في الكتابة التاريخية. تتمثل الخصيصة الثانية بالانفتاح على مجالات بحثية مختلفة، راوحت بين التاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الثقافي، ولم تبق الدراسات التاريخية محصورة في الجانب السياسي. وقد وضع الباحثون العراقيون سؤال تطور المعرفة التاريخية في البلاد الإسلامية. فتصدَّوا لما يسمى "تاريخ التاريخ." أما الخصيصة الثالثة، وهي نادرة في الوطن العربي، فتتمثل بأن المؤرخ العراقي لم يكن مؤرخًا متقوقعًا على تاريخ بلاده، بل نجد

أنّ العديد من المؤرخين العراقيين قد اهتموا بالتاريخ المغاربي والأندلسي. وراح عدد منهم يبحث في تاريخ الخليج العربي، وتاريخ الدولة العثمانية، ليس في الجانب المتعلق بالعراق في العصر العثماني. وهنا، لا بد من الإشارة إلى الأعمال الرائدة التي ينجزها زميلنا فاضل بيات الذي أضحى متخصصًا في قراءة وثائق الأرشيف العثماني وترجمتها إلى اللغة العربية.

لا أريد أن أطيل في الحديث عن موضوع لست متخصصًا به. ولكن، لا أريد أن أترك الفرصة دون الحديث عن مؤرخين ثلاثة

بصموا معرفتي التاريخية، وهم: جواد علي، وعبد العزيز الدوري، وعبد الرحمن الحجي، فقد تعلّمت من هؤلاء أشياء كثيرة، وأنا طالب في قسم التاريخ. درست تاريخ صدر الإسلام عند سهيل زكار. ولا أعلم لماذا أحالنا زكار، آنذاك، على ضرورة قراءة كتاب جواد علي تاريخ العرب قبل الإسلام. كان العمل مضنيًا، فقد كان علينا أن نكرس جزءًا يسيرًا من وقتنا لقراءة هذا الكتاب الموسوعي. والظاهر أنّ الكتاب

مع شموليته، كان مؤلِّفه جواد علي حريصًا على مراجعته وتجاوز نواقصه. وفي هذا الإطار، عمل على نشر كتاب يعدّ بمنزلة حاشية على

الأجزاء الثمانية، إلا أنه يفوقه في الحجم، إذ يبلغ عشرة أجزاء. وقد سمّاه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. وأحسب أن أعمال

جواد علي فريدة من نوعها، وتضاهي ما كرّسه العاملون في التاريخ في الجامعات الفرنسية، من أمثال جيروم كاركوبينو وستيفان كزيل

من حيث الحجم ورصانة العمل. أما عبد العزيز الدوري فقد كان كتابه عن نشأة علم التاريخ عند العربمن بين الكتب التي بصمت مسارنا العلمي، نحن طلاب الجامعات المغربية. وكم كنا نعقد المقارنات بين ما كتبه الدوري وما كتبه في الموضوع نفسه المستشرقون، من أمثال فرانز روزنتال ومارجوليت! لنتبين أن الكتاب يعدّ حقًّا أداة ديداكتيكية تقدّم صورة واضحة وشاملة عن التأليف التاريخي عند العرب المسلمين. فقد

كان سبيلنا لفهم نصوص ابن قتيبة الدينوري (ت. 276 ه)، والبلاذري (ت. 279 ه)، والمسعودي (ت. 346 ه)، وسواهم، وإدراك سياقات تأليفها الثقافية والسياسية. وما كنّا نقوى على متابعة هذه النصوص من دون الاستناد إلى كتاب عبد العزيز الدوري. وأما المؤرخ الثالث فهو عبد الرحمن الحجي، الذي تعرفنا على كتاباته في الدرس الأندلسي، وبصمَ أعمال الزملاء الذين تخصصوا

فيما بعد في تاريخ الأندلس. فقد كان الحجي واحدًا من المؤرخين الكبار المتخصصين في هذا الموضوع، ولا تخلو بيبليوغرافية أندلسية من

أعماله الكثيرة والمتنوعة. وكان قد اهتم بالنصوص التاريخية. وكان محققًا مدققًا بارعًا. من أبرز أعماله تحقيق جزء من كتاب ابن حيان

القرطبي (ت. 469 ه) المقتبس من أنباء الأندلس، والجزء المتعلق بالأندلس وأوروبا من كتابالمسالك والممالكلأبي عبيد الله البكري.(ت  487 ه). ولم يكتف الحجي بتحقيق النصوص ونشرها، بل عكف على دراسة العلاقات بين الأندلس وأوروبا وبين الأندلس وبيزنطة. كما خص هجرة علماء الأندلس بعد سقوط غرناطة بدراسة مستوفية ووافية. ولم يترك جانبًا من جوانب الحضارة الأندلسية

إلا تناوله بالدرس. ولعل أبرز مثال على ذلك كتابه تاريخ الموسيقى الأندلسية: أصولها، تطورها، أثرها على الموسيقى الأوروبية

اسمحوا لي أن أنهي هذه الكلمة الافتتاحية بالحديث عن مؤرخ رابع، هو أسامة الدوري الذي أسميه، هنا، "المشارك الغائب"؛ لأنه كان يُفترض أن يكون معنا في هذه الندوة، ليحدّثنا عن "الأحوال السياسية وتكوين المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة"، بيد أن

القدر أبى إلا أن تكون له كلمة أخرى، فقد اختطفته يد المنون، وهو يحضر للمشاركة في هذا اللقاء العلمي، متأثرًا بوباء كورونا. فعلى روحه

الطاهرة السلام والرحمة، ولذويه الصبر والسلوان. ولروحه الطاهرة، نُهدي أعمال هذا اللقاء. عبد الرحيم بنحادة رئيس التحرير