Return to Article Details The Path to Renewal: The French Annales School from Emergence to Collapse (2)

مدرسة الحوليات الفرنسية من الانفتاح إلى التفتت (2)

The Path to Renewal: The French Annales School from Emergence to Collapse (2)

ناصر الدين سعيدوني

الملخّص

فتحت مدرسة الحوليات الفرنسية في التاريخ آفاقًا جديدة أمام الباحثين، بسعيها لتجديد مناهج الكتابة التاريخية وأدواتها ومصادرها وإشكالاتها ومواضيعها، من خلال انفتاحها على العلوم الاجتماعية الأخرى. وكان هدف مؤسسيها كسر جمود المدرسة الوضعية التقليدية وقيودها، فانفتحت على حقول الاقتصاد وعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والديموغرافيا، وأغرقت في تحليل المعطيات الكمّية والإحصاءات بوصفها أدوات فعالة لتجسيد مشروعها التجديدي الذي أطلقه رائداها الأولان مارك بلوك ولوسيان فيفر، والذي واصله ورسّخ أسسه فرنان برودال وإرنست لابروس، وحاولا بعث نَفَس جديد فيه أقطاب "التاريخ الجديد". كان ثمن النجاح على الساحة الأكاديمية الفرنسية أزمة هوية التاريخ بوصفه "علمًا" مستقلًا بذاته، بعد أن بدا كأنه يذوب في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والديموغرافيا التي حاول تسخيرها لفائدته. تتناول الدراسة هذه التجربة التاريخية الفريدة من نوعها، التي هيمنت على البحث التاريخي في فرنسا قرابة قرن من الزمن، بالرجوع إلى فترات تطورها وأجيالها المتعاقبة والشخصيات البارزة التي كان لها دور مهمّ في أطوار التأسيس والترسيخ ومحاولة التجديد والأزمة. وتُختَتم ببيان أهم خصائص مدرسة الحوليات الفرنسية وإضافاتها إلى البحث التاريخي. ننشر هنا القسم الثاني من الدراسة، وكنا قد نشرنا قسمها الأول في العدد الرابع عشر من دورية أسطور.

Abstract

* باحث ومؤرخ جزائري، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر. Algerian Researcher and Historian, Professor of Modern and Contemporary History. nsaidouni@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • الحوليات
  • الكتابة التاريخية
  • التجديد
  • الأزمة
Keywords:
  • Annales
  • Histography
  • Renwal
  • Crises
2020 12 092020 12 09
2021 05 06
2021 06 01
DOI: https://doi.org/10.31430/MRVW7761: الرقم التعريفي
فتحت مدرسة الحوليات الفرنسية في التاريخ آفاقًا جديدة أمام الباحثين، بسعيها لتجديد مناهج الكتابة التاريخية وأدواتها
ومصادرها وإشكالاتها ومواضيعها، من خلال انفتاحها على العلوم الاجتمعية الأخرى. وكان هدف مؤسسيها كسر جمود
عاا والأنثروبولوجيا والديموغرافيا،
حقول الاقتصاد وعلوم الاجت
المدرسة الوضعية التقليدية وقيودها، فانفتحت ع
وأغرقت في تحليل المعطيات الكمّية والإحصاءات بوصفها أدوات فعالة لتجسيد مشروعها التجديدي الذي أطلقه رائداها
الأولان مارك بلوك ولوسيان فيفر، والذي واصله ورسّخ أسسه فرنان برودال وإرنست لابروس، وحاولا بعث نفَس جديد فيه
أقطاب "التاريخ الجديد". كان ثمن النجاح على الساحة الأكاديمية الفرنسية أزمة هوية التاريخ بوصفه "علمً" مستقلً بذاته،
بعد أن بدا كأنه يذوب في علوم الاجتمع والأنثروبولوجيا والديموغرافيا التي حاول تسخيرها لفائدته. تتناول الدراسة هذه
التجربة التاريخية الفريدة من نوعها، التي هيمنت على البحث التاريخي في فرنسا قرابة قرن من الزمن، بالرجوع إلى
فترات تطورها وأجيالها المتعاقبة والشخصيات البارزة التي كان لها دور مهمّ في أطوار التأسيس والترسيخ ومحاولة
التجديد والأزمة. وتُختَتم ببيان أهم خصائص مدرسة الحوليات الفرنسية وإضافاتها إلى البحث التاريخي. ننشر هنا القسم
الثاني من الدراسة، وكنا قد نشرنا قسمها الأول في العدد الرابع عشر من دورية أسطور.
كلمت مفتاحية: الحوليات، الكتابة التاريخية، التجديد، الأزمة.
The French Annales School opened up new horizons for researchers through its efforts to renew the methodology,
tools, sources and objects of historiography by drawing on other social sciences. Its founders Mark Bloch and
Lucien Febvre and their successors Ferdinand Braudel and Ernest Labrousse aimed to break with the stagnant and
tightly constrained vision of traditional positivist historians, drawing on economics, sociology, anthropology and
demography and making heavy use of quantitative data and statistics. The price of their success within French
academia, however, was a crisis of identity for history as an "independent" discipline. This paper traces the
unique historical trajectory of the Annales School, which remained dominance within French history departments
for almost a century, assessing the different stages in its development, the different generations of prominent
personalities who played a major role in these different stages, and its remarkable contribution to the discipline
of history. Here, Part II of the article is published, with the first having been published in Ostour 14.
Keywords: Annales, Historiography, Renewal, Crisis.
ناصر الدين سعيدوني*Nacereddine Saidouni |
الطريق إلى التجديد
مدرسة الحوليات الفرنسية من الانفتاح إلى التفتت (2)
The Path to Renewal
The French Annales School from Emergence to Collapse (2)
DOI: https://doi.org/10.31430/MRVW7761: الرقم التعريفي

ثانيًا: زمن التاريخ الاقتصادي والاجتمعي عى ل الطريقة الفرنسية

بعد وضع أسس مدرسة الحوليات، شهدت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية دفعًا لهذه المدرسة بفضل جهود فرنان برودال (1902  -  1985) Braudel Fernand وإرنست لابروس (1895  -  1988) Labrousse Ernest اللذين أسهما إسهامًا كبيرًا في تجديد المصادر والمناهج وأدوات البحث وأساليبه بالاعتماد على فِرَق بحثٍ جماعية يمكنها الإلمام بالمعطيات الكمّية الاقتصادية والديموغرافية، وتسخيرها في التحليل التاريخي.

1. فرنان برودال (1902 - 1985)

وُلد فرنان برودال1 في قرية لوميفي -أون-أورنوا Ornois - en - Luméville بعمالة الموز Meuse في منطقة لورين Lorraine سنة 1902، وحظي برعاية والده المعلم، وكان يميل إلى دراسة الطب لكنه توجه إلى دراسة التاريخ في مدرسة المعلمين العليا normale Ecole supérieure، وحصل على شهادة التبريز في التاريخ في سن العشرين، وقد علّق على تخرجه المبكر قائلً إنّ الشهادة لا تجعلك مؤرّخًا. عمل برودال أستاذًا بثانوية قسنطينة، ثم بثانوية الجزائر العاصمة (1924  -  1932)، وقد كان لإقامته بالجزائر ومناخها وتراثها الثقافي وتاريخها المتوسطي تأثير في توجهاته ونظرته إلى المجال التاريخي، فاكتشف أبعاد البحر الأبيض المتوسط الحضارية، التي أوحت له بموضوع كبير وطَموح يتصل بعالم المتوسط خصّص له الجزء الأكبر من حياته العلمية2. وبعد رحيله إلى فرنسا، درَّس في ثانويات باريس (باستور، وكوندورسي، وهنري الرابع) (1932  -  1935)، لينتقل بعد ذلك إلى البرازيل (1935  -  1937)، ويلتحق بجامعة ساو باولو Paolo Sao، فتوسعت آفاقه، وتجاوز حيّز البحر المتوسط إلى مجال المحيط الأطلسي، وهذا ما عبّ عنه بقوله: "إنّ البرازيل سمحت لي بالوصول إلى إدراك مفهوم تاريخي لم أكن لأمتلكه لو بقيت دائمًا في نطاق البحر المتوسط، ففي البرازيل أصبحت ما أنا عليه الآن"3. وقد ساعدته أسفاره الكثيرة ومعرفته العديد من اللغات الحديثة (إذ كان ملمًّا بالإنكليزية والألمانية والإسبانية والبرتغالية والإيطالية، إضافة إلى الفرنسية)، وعمله الدؤوب في الأرشيفات الأوروبية - خاصة أرشيف البندقية وأرشيف راغوست Raguste دوبروفنيك Dubrovnik - على دراسة موضوع البحر المتوسط بأبعاده الحضارية وواقعه البشري وتاريخه السياسي. لقد كان لقاء برودال مع فيفر، على متن باخرة متّجهة من البرازيل إلى فرنسا، أساس صداقة متينة ومحطّة مهمّة في توجّه أبحاثه التاريخية، وكان لاتّصاله أيضًا بعلماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع والمختصين في الفيلولوجيا دور بارز في تطوّر مدرسة الحوليات. وقد تأكّد هذا المنحى لدى برودال حينما التحق، بعد ثلاث سنوات من سفره إلى البرازيل، بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس

  1. Christian Amalvi (éd.), Dictionnaire biographique des historiens français et francophones, de Grégoire de Tours à Georges Duby , Notice sur Fernand Braudel (Paris: La Boutique de l'Histoire, 2004), pp. 37  -  39 ; Giuliana Gemelli, Fernand Braudel , trad. de l'italien par B. Pasquet & B. P. Marzi (Paris: Éd. Odile Jacob, 1995); وكذلك: جون ليشته، خمسون مفكرًا أساسيًّا معاصرًا من البنيوية إلى ما بعد الحداثة، ترجمة فاتن البستاني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ينظر: ترجمة برودال، ص 191  -  192.
  2. Omar Carlier, "Braudel avant Braudel? Les années algériennes (1923  -  1932)," Insaniyat (Revue algérienne d'anthropologie et de sciences sociales) , no. 19  -  20 (Janvier-Juin 2003), p. 159.
  3. François Ewald & Jean-Jacques Brochier, "Braudel. Le patron de la nouvelle histoire," Le Magazine littéraire , no. 212 (Novembre 1984). [Extrait d'un entretien avec F. Braudel]

) 1938 (EPHE , études hautes des pratique École، ليدرّس فقه اللغة التاريخي والمقارن (الفيلولوجيا)، ويعمل على تطوير نظريته في مستويات الزمن. لكنّه ما لبث أن جُنّد في الحرب العالمية الثانية، ووقع أسيرًا لدى الألمان (تموز/ يوليو 1940)، وظلّ في الأسر في ماينز Mainz ولوبك Lübeck حتى انتهاء الحرب (أيار/ مايو 1945). وفي أثناء فترة اعتقاله حرّر برودال، اعتمادًا على ذاكرته ومن دون الرجوع إلى تقاييد أو وثائق، أطروحته عن البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني، التي ناقشها سنة 1947 ونشُرت سنة 1949. لقد أثمر تعاون برودال مع فيفر وشارل مورازي (1913  -  2003) Morazé Charles في إنشاء القسم الرابع في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس (1947)، التي أصبحت تُعرف فيما بعد بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية hautes des École sociales sciences en études4، والتي سوف تدعم بمساهمته في إنشاء دوائر علمية مثل دار علوم الإنسان في نهج راسباي Raspail

. La maison des sciences de l ' homme) 1985  -  1962 في باريس (

وقد عُيّ برودال أستاذًا في الكوليج دو فرانس (1949) France de Collège، وعمل فيه حتى تقاعده سنة 1968، وظلّ مواظبًا على التدريس والبحث مدة ثلاث وعشرين سنة (1949  -  1972) تولى أثناءها مهمّة مساعد مدير مجلة الحوليات (1946  -  1956)، قبل أن يتولى رئاستها حتى وفاته (1956  -  1985)، ثمّ انتخب قبل وفاته عضوًا في الأكاديمية الفرنسية (1984). أ. الزمن التاريخي عند برودال لقد ترك برودال العديد من الإسهامات التاريخية التي فرضت مكانته مؤرّخًا له نظرية في مستويات الزمن في معالجة التاريخ (المدى الزمني)، وكان أعمق هذه الأعمال تحليلً وأوسعها مجالً وأكثرها تعبيرًا عن البعد التاريخي ثلاثيته عن البحر المتوسط، والحضارة المادية، وهويّة فرنسا5، إضافة إلى مؤلفات وإسهامات كثيرة ومتنوعة تتعلق برؤيته للتاريخ ومعالجته بعض مسائله6. ولكي يتسنّى أخذ فكرة عن طريقة عرض برودال لأحداث التاريخ ونظرته في معالجة الظواهر التاريخية في بعدها الزمني ومجالها الجغرافي ودلالاتها التاريخية، نقدّم نُبذًا عن أهم تآليفه، وهي:

  1. مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، التي أصبحت تُعرف بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا منذ سنة 1968، حدّد مهمتها مرسومٌ صادر في 31 تموز/ يوليو 1968 بالعمل على تقدم العلم بوساطة البحث الأساسي والبحث التطبيقي وتقديم المعلومات للباحثين لتحضير شهادات التعليم العالي في المدرسة بأقسامها الخمسة: 1. الرياضيات، 2. الفيزياء والكيمياء، 3. علوم الحياة وعلوم الأرض، 4. العلوم التاريخية الفلسفية، 5. العلوم الدينية. وقد أسهم برودال منذ سنة 1947 في تكوين القسم الرابع، بناءً على جهود بلوك وفيفر، بهدف العمل في إطار التاريخ الشامل، انطلاقًا من ثقافته الواسعة في المعارف الإنسانية، فكان برودال بعد وفاة فيفر (1956) الشخصية العلمية المؤثرة، ثمّ أصبح الموجّه والمرشد في مدرسة الحوليات التي هيمنت على الكتابة التاريخية في فرنسا في عقدي الخمسينيات والستينيات.
  2. البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني: Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II (Paris: Armand Colin, 1949); الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية: Fernand Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme XV-XVIIIè siècles (Paris: Armand Colin, 1979); هويّة فرنسا: المجال والتاريخ، الناس والأشياء: Fernand Braudel, Identité de la France: espace et histoire, les hommes et les choses (Paris: Arthaud-Flammarion, 1986).
  3. أهم هذه الإسهامات: البواخر والبضائع الداخلة إلى ميناء ليفورن (1547  -  1611)، بالتعاون مع روجيرو رومانو: Fernand Braudel & Ruggiero Romano, Navires et marchandises à l'entrée du port de Livourne (1547  -  1611) (Paris: Armand Colin, 1951). العالم الحاليّ: الحضارات الكبرى في العالم المعاصر: Fernand Braudel, Le monde actuel: Les grandes civilisations du monde actuel (Paris: Belin, 1963); 2 nde ed. (Paris: Flammarion, 1969). ديناميكية الرأسمالية، وهي سلسلة محاضرات ألقاها في الولايات المتحدة: (Paris: Éd. Arthaud, 1985) La dynamique du capitalisme.Fernand Braudel,.Fernand Braudel , Venise (Photographies de Folco Quilici) (Paris: Éd. Arthaud, 1985): البندقية: تعليق على صور فولكو كيليسي.Fernand Braudel, Les Espagnols et l'Afrique du Nord de 1492 - 15 77 (Alger: J. Carbonel, 1928):) 1577  -  1492 الإسبان وشمال أفريقيا (. Fernand Braudel , Écrits sur l ' histoire (Paris: Flammarion , 1969), 2 nd e éd. (1977): كتابات عن التاريخ. Fernand Braudel , L ' Europe (Paris: Arts et métiers graphiques , 1982): أوروبا.Fernand Braudel, Une leçon d'histoire: Actes du colloque de Château-Vallon (Paris: Éd. Arthaud, 1986): درس في التاريخ.Fernand Braudel, Discours de réception à l'Académie française (Paris: Éd. Arthaud, 1986): خطاب الانتساب إلى الأكاديمية الفرنسية مواقع التاريخ (خطاب الدرس الافتتاحي في الكوليج دو فرانس) (أول ديسمبر 1950): Fernand Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 (Leçon inaugurale au Collège de France, 1 er septembre 1950)," in: Braudel, Écrits sur l'histoire, 2 nde éd. (Paris: Flammarion, 1977). فرنان بروديل، قواعد لغة الحضارات، ترجمة الهادي التيمومي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009:) Fernand Braudel, Grammaire des civilisations (Paris: Flammarion, 1993)..Fernand Braudel (dir.), Le monde de Jacques Cartier (Paris: Éd. Berger-Levrault, 1984):) (تحت إشرافه عالم المستكشف جاك كارتييه

البحر المتوسط والعالم المتوسطيّ في عهد فيليب الثاني7

وهو أطروحته للدكتوراه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، تعرض فيه لفترة الصراع الإسباني - العثماني في القرن السادس عشر، انطلاقًا من دراسة مستفيضة لجغرافية البحر المتوسط، استخلص منها ما اعتبره "شخصية البحر المتوسط التاريخية"، ورجع فيها إلى ذاكرة المتوسّط التاريخية التي ساعدته على تفهّم الامتداد الزمني والمجال الجغرافي لعالم المتوسط، وسمحت له بتكوين رؤية تاريخية متكاملة، ومكّنته من تلمس الثوابت الجيوتاريخية، انطلاقًا من التحولّات والتفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المرتبطة بأحداث الحياة السياسية والعسكرية والتنظيمات الإدارية والأساليب الاقتصادية8. يتضمن كتابه هذا ثلاثة أقسام رئيسة تشكّل المستويات المختلفة للمعرفة التاريخية، من حيث المدى الزمني، وطبيعة الأحداث، وتأثيراتها. وقد تناول في القسم الأول الوسط الطبيعي والبيئي، مركّزًا على البعد الزمني والمجال الجغرافي من خلال نظرة تأخذ بمفهومي الاستمرارية والنسبية والمدى الزمني البطيء، وما يعبّ عنه بالزمن الطويل في تشكّله وفي تحولّاته التي تتّسم بالتكرار والاستمرارية. أما القسم الثاني، فقد عالج فيه التاريخ الاجتماعي من خلال المجموعات والكتل البشرية وحركتها وتوجهاتها، وتعرّض فيه للدولة والمجتمع والاقتصاد والأفكار، محاولً إظهار حركية الصراع فيما بين هذه العوامل التي تعمل في العمق وفي مجال معقّد؛ فالحرب وفقًا لهذا المنظور التاريخي ليست مسؤولية الأفراد، بل تنبع من طبيعة العلاقات وتصادم المصالح. وقد أعطى برودال في هذا القسم أهمية لمسائل العملة النقدية والاقتصاد والمبادلات وقضايا الهوية في إطار القوى السياسية الموحدة آنذاك، وفي مقدمتها الإمبراطوريتان العثمانية والإسبانية9، آخذًا في ذلك بمفهوم الزمن الاجتماعي أو زمن المجموعات والتجمعات المتميز بالتطور البطيء، والمعبَّ عنه بالزمن الاجتماعي أو المدى المتوسط لكونه يعمل في الأعماق بوتيرة متوازنة ومستمرة لتشكّل الأوضاع الاجتماعية، وهو زمن قد لا تطفو فيه التطورات التاريخية على السطح؛ ما لا يسمح بمعاينتها. أما القسم الثالث فيتناول فيه برودال المدى الزمني الطويل durée Longue لتاريخ البحر المتوسط، وهو الزمن الجغرافي الساكن وغير المتغيّ في الغالب، وذلك بدراسة الخصائص الثابتة أو عناصر البناء من ثقافات مادية ووضع سياسي، أساسه مظهر جغرافي متداخل المناظر يتشكّل من تيارات صامتة وراسية في الأغوار؛ فحوض البحر المتوسط يُدرس في هذا الزمن الطويل بالرجوع إلى وسطه الطبيعي،

  1. Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II.
  2. وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000)، ص 131.
  3. Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II , 2 nde éd. (Paris: Armand Colin, 1966), tome 2 , pp. 10  -  48.

أي الزمن الجغرافي، حيث يعيش فيه الناس، وتشكّله السهول الساحلية حيث كانت تنتشر المستنقعات والهضاب والجبال المتصلة بأوروبا شمالً وأفريقيا جنوبًا وآسيا شرقًا، وهناك الطرق والمدن والقرى والجبال والسهول والأنهار التي تتطوّر ببطء شديد بحيث تصعب ملاحظة التغيّات فيها. أما المدى الزمني المتوسط durée Moyenne لعالم البحر المتوسط، فيعرض فيه اقتصاديات المتوسط من خلال مسألة تطوّر الرأسمالية الذي ساهمت فيه المراكز العمرانية (البندقية، وميلانو، وجنوة، وفلورنسا)، والمبادلات بين المدن، وطرق المواصلات؛ ما أدّى في المدى المتوسط إلى تغيير في هياكل الدولة وتحوّل في الأوضاع السياسية. وكان له دور في إنتاج الثروة وتغيّ الحدود وتكريس الانحطاط التاريخي الكبير الذي عرفه القرن السادس عشر والمتمثل في انتقال نبض العالم من قلب المتوسّط إلى المحيطات، والذي أسفر عن علاقات غير متكافئة بين الشرق المتوسطي حيث جذور العالم العربي الإسلامي، وأوروبا الغربية التي خرجت إلى المحيطات الغربية بديناميكية توسّعية نشطة10. فقد شكّل بناء تاريخ المتوسط وتطوّره، في هذا المدى الزمني المتوسط، حركاتٍ دورية Conjonctures كان لها تأثير عالمي؛ ما يدرجه في التاريخ الإجمالي الذي يستوعب مجالً واسعًا يتجاوز عالم المتوسط لتنتظم فيه سيرورة الحضارة الإنسانية. أمّا المدى الزمني القصير والسريع durée Courte لمجال البحر المتوسط، فقد ربطه برودال بالوقائع Faits وأعمال الرجال Gestes التي هي بمنزلة تموّجات سطح البحر. وركز في كتابه على معركة ليبانت البحرية Lépante لأهميتها التي لا تعود إلى نتائجها المادية والمباشرة فحسب، ولا لأنها وضعت حدًّا لمركّب النقص المسيحي أمام الأتراك، وإنما أوقفت الاندفاع العثماني في القرن السادس عشر11.

الحضارة المادية والاقتصاد والرأسملية (القرن الخامس عشر-القرن الثامن عشر)12

بدأ برودال تأليف كتابه في الحضارة المادية بوصفه مشروعًا مشتركًا مع فيفر ليكون مدوّنة تاريخية تصدرها مؤسسة النشر آرمان كولان، على أن يتولّ برودال تغطية الجانب المادي ويتولّ فيفر الجانب الروحي للفترة التاريخية الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر. لكن لم يُنجز من هذا العمل إلّ القسم الخاص بالجانب المادي الذي ألّفه برودال في مدة زمنية استمرت أكثر من عشرين سنة، وكان يأمل أن يكون تاريخًا مجمل globale Histoire، لكنه اقتصر على الفترة التاريخية الحديثة (القرون 15  -  18)13. لقد قدّم برودال في هذا الكتاب صورة عميقة للتاريخ الأوروبي من عصر الاستكشافات إلى فترة الثورة الصناعية، مستعرضًا الأحداث ومستخلصًا النتائج، بالرجوع إلى الحاضر ومعتمدًا على مفهومه الزمني للتطوّرات التاريخية. فقد رأى أنّ أوروبا تعيد إنتاج دينها وكنيستها في لحظة إنتاج نفسها وصوغ تصوّراتها عن ذاتها وعن الآخَر14. ونظر إلى التاريخ الأوروبي من زاوية التطوّر الزمني، معتبرًا إياه سنّة الحياة، وأنّه ينبثق من حاجة البشر ونظرتهم المتراكمة تاريخيًّا في التعامل مع الأشياء؛ وهذا ما يجعل تاريخ البشر، في نظره، متشابهًا في أساسه، فلا فرق بين شعب وآخر سار في سياقات تاريخية حضارية مختلفة حتى نهاية القرن الخامس عشر. وبعدها

  1. كوثراني، ص 130 ; 470  -  469  Ibid., pp. 10
  2. Jacques Frémeaux, "Du travail historique," in: Jacques Frémeaux & Bernard Valette (dir.), Analyses et réflexions sur l'histoire: L'écriture de l'histoire (Paris: Ellipses Edition Marketing, 1980), p. 47.
  3. Fernand Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme XV-XVIIIè siècles (Paris: Armand Colin, 1979).
  4. Ewald & Brochier.
  5. وليد نويهض، المفكّرون العرب ومناهج كتابة التاريخ: عرض ومناقشة (بيروت: دار ابن حزم، 1996)، ص 177.

انتظم التاريخ الأوروبي، بحسب مفهوم برودال، فيما يسمى اليوم النظام الدولي أو التاريخ الدولي الذي يفرض إنجازًا واحدًا على حساب الإنجازات الأخرى15. بنى برودال كتابه هذا على نظريته التاريخية التي تعالج تطور الرأسمالية من خلال المجال أو الوسط الجغرافي والزمان (الفترة الحديثة: القرون 15  -  18)، ورأى فيها نفيًا وتنكّرًا للسوق التقليدية، وعالج الأزمة الاقتصادية بوصفها مظهرًا للتحوّل والتغيّ، واعتبر النظام بناءً يضبط التعامل مع المجال Espace عن طريق مجموع القنوات Réseaux التي تنظم الحضارة16. حاول برودال تحليل تشكّل الرأسمالية وتطوّر هياكلها، من خلال ثلاثة مجالات: أولً، النواة أو القلب الذي يمارس السلطة ويتمثّل في الشركات والمؤسسات القوية، خاصة المؤسسات العسكرية التي ينتقل فيها مركز الثقل من مكان إلى آخر. ثانيًا، الوسطاء الذين يتمثّلون في المؤسسات الصغيرة وفي الأسواق حيث يجري التبادل وانتقال الثروة. ثالثًا، الأطراف حيث يعيش الأفراد، وذلك هو مجال حياة الناس اليومية حيث يعيش المجتمع ويجري إنتاج الثروة التي يتطلبها القلب ولا يستطيع الاستمرار من دونها. وتكوّن هذه المجالات الثلاثة عوالمَ متداخلة ومتباينة، وتمثّل حقيقة مركّبة تشكّل منها الرأسماليةُ بنيتها وهياكلها؛ فالمستوى الأعلى (الشركات والمؤسسات القوية والعسكرية) لا يستطيع العيش من دون الثروات التي يوفرها المجالان الآخران. وبهذا قدّم برودال مقاربة تحليلية وقراءة اقتصادية إجمالية للعالم لم يجرؤ أحد منذ كارل ماركس Marx Karl على القيام بها. هذه المنظومة الثلاثية (المؤسّسات - الأسواق - الأفراد) ليست حقيقة بالنسبة إلى الزمن فحسب Temps، وإنما هي حقيقة بالنسبة إلى الوسط Espace أيضًا؛ لأنّ الرأسمالية شكّلت منذ القرن الثالث عشر اقتصادًا عالميًّا قلبه أو نواته مركزية السلطة، ووسطه الطبقة الوسطى التي تنقل الأوامر وتتسلّم الموادّ الأولية من الأطراف Périphérie التي هي باقي العالم، حيث تُنتَجُ الثروة التي يمتصّها القلب أو النواة. وتشهد هذه المنظومة (السلطة، والطبقة الوسطى، والأطراف) تحوّلً مستمرًّا؛ فليس هناك شيء ثابت، وذلك ما يجعل فترة هيمنة قلب اقتصاد العالم قصيرة، وإن تراءت لنا في مظاهر فخمة. وبفضل الاستقطاب الذي تشكّله مراقبة مصادر الثروة، والتحكّم في التقنية التي تعتبر مفتاح المواصلات وأساس المبادلات، مارست مراكز القلب هيمنتها الرأسمالية، ومنها مدينة بروج Bruges، بسبب تقنية السفن ذات الدفة étambot ' d Gouvernail التي طوّرتها، ومدينة جنوة Gênes بحساباتها الدقيقة Comptabilité، ومدينة البندقية Venise بقوافلها البحرية، ومدينة آنفرس Anvers بمطابعها، ومدينة أمستردام Amsterdam بسفنها الحربية Flûte، ومدينة لندن London بآلتها البخارية17.

هويّة فرنسا18

لاحظ برودال أنّ هناك نقصًا في معالجته تاريخ فرنسا أثناء تدريسه التاريخ في الكوليج دو فرانس، وأرجع سبب ذلك إلى توجّهه إلى دراسة عالم البحر المتوسط وتاريخ إسبانيا وأميركا وإيطاليا وغيرها. فعقد العزم على كتابة تاريخٍ لفرنسا، انطلاقًا من محاضراته في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا بعد تقاعده سنة 1970، وأن يكون هذا العمل خلاصةً لتجربته التاريخية وآخر أعماله الكبرى في معالجة

  1. المرجع نفسه، ص 140.
  2. Jacques Attali, "L'homme au regard transversal," Le Nouvel Observateur , 6 / 12 / 1985 , p. 47.
  3. Ibid., pp. 47  -  48.
  4. Braudel, Identité de la France.

إشكالية المجال والزمان والإنسان. بيد أنّ الأجل لم يمهله لإتمامه؛ إذ توفي بعد خمس سنوات من الشروع في تأليفه، فأنجز منه الجزء الأول الذي تناول فيه المجال والتاريخ، وعنوانه هوية فرنسا، أمّا الأجزاء الأخرى المتعلّقة بالناس والأشياء والاقتصاد والمجتمع والدولة والعلاقات الخارجية، فلم ترَ النور. لم يتوقّف برودال فيما أنجزه من كتابه هوية فرنسا عند الأحداث والوقائع، بل طرح إشكاليات ومسائل عالج من خلالها الذاكرة الجماعية لفرنسا، منطلقًا من تساؤلاته عن الخصوصيات التي تساعد الإنسان على فهم نفسه فهمًا جيدًا واكتساب ثقته بنفسه19، معتبرًا أنّ القضية التاريخية المتمثلة في هوية فرنسا هي التي تفرض على المؤرّخ أن يتجاوز مساحة فرنسا أو (إطار) فرنسا في بحثه؛ باعتبار أنّ "المكان ليس هو إطار البحث، بل القضية هي إطار البحث"20. تطرّق برودال من خلال الذاكرة الجماعية لفرنسا إلى الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمناطق شمال فرنسا وجنوبها، مركّزًا على الأعمال الصغيرة والمواقف الظرفية منذ الفترات التاريخية القديمة (العصر الحجري الحديث) Néolithique. وبرّر ما تميّز به أبناء الشمال بقاماتهم الطويلة ومستوى ثقافتهم ونوعية تغذيتهم، في حين تميّز أبناء الشمال الشرقي (منطقة اللورين) بروحهم الوطنية. وتناول أيضًا أوضاع سكّان الوسط (الهضبة المركزية) central Massif والجنوب الذين عُرفوا بالميل إلى العصيان والتهرّب من الضرائب، من دون أن يغفل الحوض الباريسي وما كان يوفّره من غذاء لفرسان القرون الوسطى21. أولى برودال، في كتابه هوية فرنسا، أهمّية خاصة لمدينة باريس- مركز الحوض الباريسي - التي خضعت للقواعد العامة للعمران القديم Urbanisation؛ فهي ملتقى الطرق لما حبتها به الجغرافيا من مجارٍ مائية، وتلك حقائق بسيطة يمكن ملاحظتها على أبسط خريطة. لقد نبتت باريس انطلاقًا من ملتقى الطرق، فهناك محور شمال - جنوب (التقاء شارعي سان جاك وسان مارتن)، ومحور شرق - غرب على الضفة اليمنى لنهر السين (نهج سان هونوري Honoré - St)، ثمّ أضيف محوران جديدان إلى المحورين القديمين (شارع سان ميشال وشارع سيباستوبول)، وهما يتقاطعان بزاوية قائمة على امتداد شارع ريفولي Rivoli الذي بدأت تهيئته سنة 1830، وحول هذه المحاور القديمة والجديدة توجد اليوم الشواهد العمرانية الكبرى لماضي باريس22. ب. مفهوم برودال للتاريخ من خلال هذه الكتب التي جرى التطرق إليها، وبالرجوع إلى مجمل إسهامات برودال، يمكن التعرف إلى توجهاته في دراسة التاريخ، واستخلاص طريقته في معالجة الأحداث، وتوجهه إلى وضع مفهوم خاص به ضمن إطار مدرسة الحوليات. ويمكن أيضًا تلمّس نظريته خاصة في تناوله النشاط البشري، وفي تعامله مع المعارف الإنسانية، وفي تحليله لمستويات الزمن التاريخي، وهذا ما نحاول عرضه في النقاط التالية:

  1. André Burguière, "L'épopée du Roi Braudel,"  Le Nouvel Observateur , 6 / 12 / 1985 , p. 41.
  2. قيس ماضي فِرُّو، المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 203.
  3. Emmanuel Le Roy Ladurie, "Braudel rentre au pays," L'express , 28 / 3 / 1986 , p. 59.
  4. Fernand Braudel, L'identité de la France , tome. 1: Espace et histoire (Paris: Arthaud-Flammarion, 1986), p. 227.

النشاط البشري

رأى برودال أنّ النشاط البشري يقوم أساسًا على تفاعل المجال (شروط الوسط الطبيعي) مع الزمن، وأن الفعل الإنساني حقيقة مركّبة تخضع لعوامل متداخلة ومتشابكة تتحكّم فيها عوامل البناء والهدم، التي تجعل من النشاط البشري مجمل الإسهام الإنساني وحصاد الحضارات التي أنجزتها. وهذا ما جعله يرى أنّ موضوع التاريخ هو كلّ ما يصنعه الناس الضعفاء منهم والأقوياء والبعيدون عن مسرح الأحداث ورافعو شعلتها، منذ إنسان ما قبل التاريخ حتى إنسان الوقت الحاضر23. فالتاريخ بذلك يشمل قطاعات متباينة ومجالات واسعة اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية، وهو حصيلة لكلّ التواريخ الممكنة؛ لأنّه في حقيقته مجموعة من الرؤى الشخصية للأمس واليوم والغد24، فكلّ شيء تاريخ، فما كان بالأمس تاريخ، وما وقع قبل دقيقة تاريخ25. عالج برودال الحضارات الإنسانية من خلال نشاطها المادي وقيمها المعنوية، واعتبرها استهلاكًا وأحيانًا تبذيرًا، لأنّ لكلّ ثقافة فائضًا اقتصاديًّا؛ فالرأسمالية مثلً، في كلّ لحظة من تاريخها، هي كمّ من الوسائل والأدوات والممارسات والعادات والتفكير، فهي أدوات ثقافية في حدّ ذاتها تنتقل (تسافر) وتُستبدَل (المبادلات)26. ولذا، فهو يعتبر أنّ الثقافة والحضارة كلمتان متداخلتان. إنّهما محيطات من العادات والظروف والمكتسبات التي ينظر إليها بوصفها بدهيّات؛ فاللغة مثلً تأتي إلينا من بعيد جدًّا، فهي ميراث. وحتى حين تسفر الظروف عن ظهور تشقّقات أو فراغات، فإنّ الثقافة تقوم بملئها أو تمثّلها على الأقلّ وتخضع لها مشاغل الناس اليومية. ولذلك فهي قيد وبلسم في آن واحد، تحافظ على الاستمرارية وتعمل على التجديد، فحينما استؤنفت الحياة في أوروبا في القرن التاسع الميلادي، كان اقتصاد السوق واستعمال العملة أمرين جديدين لم يألفهما الناس، لأنّ الحضارة كالإنسان القديم الذي يعتاد التجديد، وهذا ما جعل أوروبا تعتاد على السوق ورأس المال والفائدة، ولو لم تكن كذلك لكانت متشكّكة أو متحفّظة. ومع مرور السنوات، ولضرورات الحياة وضغوطها اليومية، أعادت تجديد هذه الأشياء. لقد قبلت الحضارة الأوروبية التحولّات مع أنها كانت تخالفها وتعاديها27. وما دامت الحضارة تتّصف بالدوام والحركة فهي مستمرة ومتغيرة (محافظة وتتقبّل الجديد) في آن واحد، وهي حاضرة في الوسط الذي تشبثت به عدّة قرون، وفي الوقت نفسه، فإنّها تتقبّل بعض المنافع Biens المقدّمة لها أو المقترحة عليها من حضارات مجاورة أو بعيدة، ثمّ إنّها تبثّ إسهاماتها خارج نطاقها. فالتقبّل والتأثّر Contagion متساويان في مواجهتهما لبعض المحاولات الدخيلة؛ ومن هذا المنطلق رفض برودال فكرة مصير الحضارات الذي يتحدّد بولادتها وازدهارها ثمّ موتها، ورفض مفهوم العهود الثلاثة الذي قال به جيام باتيستا فيكو (1668  -  1744) Vico Giambattista (فترات الآلهة والأبطال والبشر)، ثمّ لم يأخذ بالمظاهر الثلاثة لأوغست كونت (1798  -  1857) Comte Auguste (اللاهوتي - الميتافيزيقي - الوضعي) Positivisme - Métaphysique - Théologique؛ ولم يأخذ بمعادلة أوسفالد شبينغلر (1880  -  1936) Spengler Oswald القائمة على الإرغام ثمّ الحرية liberté puis Contrainte، ولا بفكرة المضامين المتتالية لدوركهايم: المظهر والباطن Intérieur /  Extérieur28.

  1. Attali, p. 47.
  2. Fernand Braudel, "Histoire et sciences sociales (la longue durée)," in: Braudel, Écrits sur l'histoire (1977) p.  55.
  3. Claude Lévi-Strauss, Anthropologie structurale (Paris: Plon, 1958), p. 17.
  4. Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme XV-XVIIIè siècles , tome 2 , p. 495.
  5. Ibid.
  6. Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 ," 2 nde éd., p. 20.

وفي مقابل ذلك، اعتبر برودال أنّ عاملَ الإبداع (العبقرية والخوف) يتحكّمان في قدر الأمم ومصير الحضارات؛ باعتبارهما العاملين اللذين ينظمان المجال أو يدمّرانه29، كما أوضح ذلك في كتابه هوية فرنسا (1986)30. وبهذا المفهوم، عالج برودال النشاط الإنساني من خلال تفاعل المجال المتمثّل في شروط الوسط الطبيعي مع الزمان، أي نوعية النشاط البشري عبر الزمن. وقد قدّم عن ذلك مقاربة متكاملة في كتابه الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية الذي سبقت الإشارة إليه. لقد طرح برودال، من خلال النشاط الإنساني، مسألة التطور أو الاستمرار والانتقال والتبدل والاحتقان؛ نظرًا إلى أنّ التاريخ في جوهره هو (علم التبدل)، لأنّه يكشف عبر تطوّر الإنسان نواميس وعناصر طويلة المدى وإن لم تكن دائمة ومستمرة31، لأن ذلك ناجم عن علاقة الزمن بالأشياء وعلاقة الأشياء بعضها ببعض، ولأنّ فهم التاريخ يكون بدراسة علاقة الإنسان والزمان التي هي علاقة معقّدة. وقد رأى برودال، بهذه المقاربة، أنّ تاريخ البشر يجب أن يُقرأ من خلال الأشياء الصغيرة التي تطرح هي الأخرى أسئلة صغيرة تحتاج إلى إجابات. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن الحاجة عند البشر هي أساس التطور، وبما أنّ تراكم الحاجة وازديادها يؤديان إلى التطور، فقد توجّه الإنسان نحو تأمين الرفاهية وتخفيف الجهد البشري ونقله من مكان إلى آخر32. وبهذا التناول للنشاط البشري ردّ برودال على بينيديتو كروتشه (1866  -  1952) Croce Benedetto الذي قال "إنّ الرجال يصنعون التاريخ" بقوله: "إن التاريخ بدوره يصنع الرجال ويصوغ أقدراهم، وإنّ الحياة هي مدرستنا، فحتى وإن كان الرجال يصنعون التاريخ فإنّهم يجهلون أنّهم يصنعونه"33.

علوم الإنسان

نظر برودال إلى التاريخ على أنّه بمنزلة بُعدٍ لعلم الاجتماع، فهما في معالجتهما الأحداث يتواصلان ويتلاحمان ليكوّنا شيئًا واحدًا34. وربط أيضًا التاريخ بالجغرافيا وعلم الاجتماع والاقتصاد ليجعل منه علمًا معقّدًا يتركّب من فروع معرفية متداخلة؛ فالتاريخ في تصوّره ليس مجرّد تاريخ اقتصادي واجتماعي، بل هو هذا وذاك وشيء آخر غيرهما، فقدّم لنا بذلك شبكة من القواعد التي يسهل استخدامها35. وإذا كانت علوم الإنسان في أساسها ذات طبيعة بنائية Structuré، فإنّ التاريخ أكثرها تقبّلً للعلوم الأخرى وتفاعلً معها، فهو يتقبّل كلّ الدروس في المحيط والجوار؛ ما يجعل التاريخ أكثر علوم الإنسان قابليّة للنظرة البنائية36، على أنّ العلاقات بين التاريخ وعلم الاجتماع تشكّل القسم الأكثر صعوبة لإعادة بناء مجمل علوم الإنسان، لأنّ علم الاجتماع علم كثيف ومتداخل confuse et Massive ويشمل كلّ غنى الأمس واليوم أو (ثرواتهما)، ما يصعّب على المؤرخ النفاذ إليه37.

  1. Burguière, p. 41.
  2. Braudel, L'identité , tome 1 , pp. 9  -  21 [Introduction].
  3. جوزف هورس، قيمة التاريخ (دراسة فلسفية)، ترجمة الشيخ نسيب وهيبة الخازن (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1964)، ص 108.
  4. نويهض، ص 173.
  5. Braudel, "Positions de l'histoire," p. 21.
  6. Fernand Braudel, "Histoire et sociologie," in: Braudel, Écrits sur l'histoire (1977), p. 105.
  7. سالم يفوت، الزمان التاريخي: من التاريخ الكلي إلى التواريخ الفعلية (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1991)، ص 39.
  8. Benoît Le Roux, "Promenades chez Clio," in: Frémeaux & Valette (dir.), p. 30.
  9. Fernand Braudel, "Avant-propos," in: Braudel, Écrits sur l'histoire (1977), p. 7.

لقد رأى برودال أنّ الفترة المعاصرة تتطلب الجمع بين علوم الإنسان، وأنّ ذلك ممكن بفضل المعلوماتية التي تسمح بالوصول إلى لغة مشتركة، وهي سبيل أكثر نجاعة من محاولة العمل على إيجاد ورشات بحث من قبيل ورشة التاريخ الإحصائي statistique Histoire، وقد ذهب إلى ذلك أيضًا المؤرخ لوروا لادوري Ladurie Roy Le38. واستنادًا إلى البحوث المتّصلة بالمعارف الإنسانية، حاول برودال التأسيس لعلم الإنسان، وكان غرضه أن يكون التاريخ، باعتباره أساس علم الإنسان، تاريخًا شاملً يتبوّأ مكان الصدارة، ويتواصل مع كلّ علوم الإنسان في تكاملها وليس في تعارضها، ويأخذ بجدلية المدى الزمني، بحيث يتوسّع أفقيًّا على مساحة واسعة، وعموديًّا إلى أمد طويل.

نظرية المدى الزمني

ركّز برودال على دراسة الأحداث في بعدها الزمني بسبب ارتباط الحدث بالزمن: "فتجاوز الحدث هو تجاوز للزمن الذي يتضمنه بالرجوع إلى الأحداث اليومية"39، إذ لم يتوقف عند ملاحظة الزمن القصير court temps Le، بل انصبّ اهتمامه على تحليل المدى الزمني الطويل المعروف بنظرية المدّة الطويلة durée longue La التي كانت معروفة عند الاقتصاديين، وهي نظرية يمكن تناولها في إطار دولي أو محلّ، وتتألّف من سلسلة من الفترات الزمنية التي تحدّدها حركية ارتفاع الأسعار وانخفاضها في فترة زمنية تُعرف ب "الحركة القرنية" séculaire Mouvement40. وهي التي اشتهر بها برودال، ونسبت إليه وإن أخذ بها مؤرّخون آخرون من مدرسة الحوليات، منهم ميشيل وينوك Winock Michel الذي رأى أنّ مفهوم الحركة القرنية لم يأتِ من فراغ، وأنّه يرتكز على معايير تحليليّة، فهو يقوم على الأخذ بأربعة متغيرات Variables لتحديد الحادثة التاريخية وقياسها زمنيًا، وهي: الكثافة Intensité، والفجائية Imprévisibilité،

والصدى Retentissement، والإبداع Créativité41.

وضمن هذا المنظور، لا يخضع التاريخ لقوانين محدّدة، وإنما يستند إلى مقارنات معمّقة وتحليل لمعطيات الأحداث؛ فالتاريخ لا يتوقّع الحدث، بل يرصد الإبداعات الأساسية والاختراعات الرئيسة، حتى تلك التي ليس لها إلا صدى ضعيف عند حدوثها42، وذلك ما يملي على المؤرخ أن يرصد الأحداث مهما كانت تافهة أو غير مألوفة، وأن يتلمّس الحقائق التي تصدر عن وعي وتدبّر، وكذلك الأمور التي تعكس اللاشعور في تصرّف الفرد وسلوك المجتمع. وقد حدّد برودال معالم نظرية المدة الطويلة في معالجة التاريخ، وعمل على تطويرها وتطبيقها في دراساته، وأكّد ذلك بقوله: "لقد قلت وكرّرت القول بإلحاح إنّ المدة الطويلة هي طريقي الأساسية في التاريخ، فهي وإن لم تكن الطريق الوحيدة، فإنّها تظل وحدها كفيلةً بطرح المسائل المتعلقة بالهياكل الاجتماعية في الحاضر والماضي، بحيث تشكّل المنطلق الوحيد الذي يربط التاريخ بالحاضر، ويجعل منهما شيئًا واحدًا متلاحمًا لا يتجزأ"43.

  1. Ibid.
  2. Braudel, "Histoire et sociologie," p. 103.
  3. Ernest Labrousse, La crise de l'économie française à la fin de l'Ancien régime et au début de la Révolution française (Paris: PUF, 1944), p. X.
  4. Michel Winock, "Qu'est-ce qu'un événement?" Histoire , no. 268 (Septembre 2002), pp. 52  -  55.
  5. Ibid.
  6. Braudel, "Avant-propos," p. 6.

إنّ التاريخ، بحسب برودال، هو دراسة الشيء الاجتماعي، أي كلّ ما هو اجتماعي في الماضي والحاضر، ويجب معالجته انطلاقًا من جدلية العلاقة بين الحاضر والماضي؛ لأنّ أوجه الحياة هي في الواقع حوار بين ذلك الماضي وهذا الحاضر44. وضمن هذا المشهد المتعدد المظاهر، يبرز التاريخ كأنّه مسرح بلا تجميل وبلا مشاهدين، فكل الناس يعيشون المشهد، وكل واحد يؤدّي دوره فيه، بل إنّ كل واحد يؤدّي عدة أدوار في آن واحد بحسب الطبقات الزمنية والتطورات المختلفة التي يخضع لها. وبالتعرّف إلى كنه هذه الطبقات المختلفة للتطور التاريخي، التي تقوم بوظيفتَي البناء والهدم في الوقت نفسه، يتّضح لنا أنّها تنتج الأزمات وتعيد إنتاج المؤسسات والأفراد والمجموعات45. على أنّ ذلك لا تتسنّى دراسته وتحليله إلا بالاستناد إلى نظرية المدة الطويلة التي تقوم على ثلاث طبقات أو تراتبات زمنية Trois

: étages de la temporalité

أولً، الطبقة العميقة، وهي الزمن الساكن غير المتحوّل الذي تكون آثاره بطيئة غير محسوسة في كثير من الأحيان، والذي يتمثّل في البيئة التي لا تتأثر بالأحوال والظروف الآنية والمتعلّقة بالمظاهر الجغرافية والمناخية والسكانية. وهذا الزمن غير المتحوّل في الأعماق هو أشبه شيء بالمظهر الجغرافي؛ فهو متداخل المناظر متكامل التضاريس ويشمل الوضع السكّاني وشروط الوسط الجغرافي، بحيث تشكّل هذه الأبعاد تيّارات كامنة في أعماق التاريخ لا يمكن تبيّنها إلّ إذا عرضت ضمن قراءة تاريخية واسعة. ثانيًا، تسلسل الحركة التي تخضع للظروف، وهي الطبقة الوسطى التي تمثّل الزمن شبه الثابت أو البطيء، وهو الزمن الاجتماعي والثقافي؛ زمن الجماعات والتجمّعات والإمبراطوريات واقتصاديات البحر المتوسط كما درسها برودال. ويقوم هذا الزمن على الثوابت الجيوتاريخية، ويعكس نمط الحياة الروتينية باعتباره زمن الظرفية والتغيّات الدورية التي تصيب الاقتصاد. وهو أيضًا الزمن الاجتماعي أو تاريخ الجماعات والكتل البشرية، فالأحداث لها صدى آنيّ، في حين أنّ الظواهر التاريخية المرتبطة بالزمن الاجتماعي لا يمكن أن تفسّ إلّ بذاتها. ويشمل هذا المستوى الثاني المتوسط النشاطَ الإنساني في بعده الاجتماعي، وترسمه الكتل البشرية والمجموعات في حركتها من خلال تنظيمات الدولة والاقتصاد والأفكار. وهذا الزمن الاجتماعي ليس قابعًا في الأعماق، فهو يختلف عن المظهر الجغرافي الذي يكوّن المستوى الأوّل، وهو ليس سطحيًّا يهتم بالأحداث وأعمال الرجال التي هي بمنزلة تموّجات سطح البحر، بل هو زمن بطيء نسبيًّا ويمكن أن نطلق عليه "الزمن المتوسّط" لأنّه يهتم بالتطوّرات التي تحدث في الأعلى لتستقرّ في هذا المستوى المتوسط، ولا تنعكس ثانية إلى السطح، ومن هذا المستوى يغوص المؤرّخ في المياه العميقة للتعرّف إلى التاريخ البطيء، ويجتهد في استكشاف تنظيماته وأسبابه وأهدافه وتحديد أهمّيتها النسبية46. وهذا الزمن المتوسط (الاجتماعي) هو تاريخ لا يتكرّر، وأحداثه تتحرّك بوتيرة بطيئة rythmée lentement histoire ' L، وتتحكّم فيه الظروف والنتائج البعيدة المترتبة على ذلك، وتعدّله حركة السكّان والدول والحروب، ويتحقّق فيه التغيير من خلال تطوّر القوى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي مارست تأثيرها في الأحداث وفي عمل الحكومات وفي ميول الشعوب التي لا يمكن أن نتلمّسها إلّ من خلال هذا الزمن المتوسط أو الزمن الإنساني. ثالثًا، الطبقة السطحية أو الحركة المضطربة التي تُعرف بالزمن السريع rapide temps Le، وهو المستوى السريع الذي يحسّ به الناس. إنّه الزمن الفردي individus des histoire ' L أو الزمن الحدثي événementielle histoire ' L الذي يتعلق بتاريخ الأفراد ويرصد سلوكهم وحركتهم، ولذلك فهو يزخر بالتطوّرات السياسية والدبلوماسية والأحداث التاريخية التي تفرزها الحروب والفتوحات

  1. Braudel, "Histoire et sociologie," p. 104.
  2. Burguière, p. 41.
  3. Paul Veyne, Comment on écrit l'histoire, essai d'épistémologie , Collection L'université historique (Paris: Seuil, 1971), p. 45.

والمعاهدات وسياسات الدول والعلاقات الفردية. إنّه تاريخٌ حدثي وقائعي، أحداثه سريعة جدًّا rapides très événements Des، وحركته الآنيّة تشكّل ذبذبات انفعالية، فهو بمنزلة هيجان سطحي للأمواج ذبذباته قصيرة وسريعة وأكثر إثارة والتهابًا؛ وبذلك فهو تاريخ ذو بعد إنساني وإن كان مظهره فرديًّا47. وبهذه المواصفات، فإنّ التاريخ في هذا المستوى الثالث (السريع أو الحدثي) هو الأكثر إثارة والأشدّ خطورة؛ ما يوجب الحذر منه لأنّه الزمن الذي ما يزال محرقًا نعيشه ونكتبه ونتأثّر بمظاهره، ومن هذه الزاوية يمكننا أن نضمّنه بعدًا تاريخيًّا آخر هو الزمن الآني، أو نقطة التقاء الأحداث في الزمن الذي نعيشه اللحظةَ أو توًّا. وبما أنّ مشكلة كتابة تاريخ الزمن السريع - وكذلك المتوسط - تكمن في إمكانية تحوّلها إلى مجرّد سجلّ يعوزه العمق، لأنّه يفترض تجانس الزمن وانفرادية المنظور48، فإنّ المؤرخ مطالب بملاحظة سير الأحداث في الاتّجاهين الأعلى والأسفل، وبألّ يقتصر اهتمامه على أحداث السطح التي هي بمنزلة ذبذبات قصيرة وسريعة قد يتلاشى أثرها في السطح من دون أن تبلغ الأعماق. ويطرح عليه أيضًا هذا الزمن السريع مسألة تحديد الفترات الزمنية المحدّدة لسير الأحداث أو ما يعرف بالتحقيب الزمني؛ فالقرن التاسع عشر، باعتباره ضمن التاريخ السريع، يبدأ سنة 1815 وينتهي سنة 1914 أو 1918، في حين ينتهي القرن العشرون بسقوط حائط برلين سنة 1989 بحسب ما ذهب إليه المؤرخ جاك لوغوف Goff Le Jacques49. وأخيرًا خلص برودال، في مقاربته الزمن، إلى أنّ على المؤرخ القيام بعملية تفكيك الزمن الماضي، واختيار أبعاد موضوعه الزمنية، والتعرّف إلى متطلبات تناول كلّ منها. فمصير الحضارات يعالج ضمن الزمن شبه الثابت، والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي الحديث تكون دراسة تطوّره في إطار الزمن المتوسّط، أمّا التاريخ التقليدي فيرتبط بالزمن القصير وبالأفراد والأحداث، وكل ذلك يفرض على المؤرخ أن يكون حذرًا ومتيقظًا في تناوله التاريخ التقليدي الحدثي حتى لا تستغرقه الأحداث التي يعيشها.

2. مؤرخون آخرون من الجيل الثاني

على الرغم من هيمنة شخصية فرنان برودال الذي ينتمي إلى الجيل الأول باعتباره مؤرخًا مخضرمًا، عرفت مرحلة تركيز مدرسة الحوليات على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بروز أقلام أخرى، لا يقلّ بعضها مكانةً عن برودال، طبعت الساحة التاريخية الفرنسية حتى نهاية ستينيات القرن العشرين، وكانت لها استمرارية في الاهتمامات الأنثروبولوجية للجيل التالي (الثالث)، من خلال أعمال جورج دوبي (1919  -  1996) Duby Georges على سبيل المثال. وبفضل جهود الجيل الثاني من مؤرّخي الحوليات، لم يعد التاريخ علمًا خاصًّا، بل أصبح فرعًا معرفيًّا متعدّد الاختصاصات، وبتعبير أدقّ أصبح علمًا ذا طابع بيني Interdisciplinaire تتقاطع فيه العلوم الإنسانية الأخرى. وهذا ما ساعد على تحديد مجال الدراسات التاريخية، والتعمّق في البحث العلمي، وتأكيد تواصله مع العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى؛ ما مكّن مدرسة الحوليات في هذه المرحلة من أن تهيمن على الكتابات التاريخية الأكاديمية في الجامعات الفرنسية بفضل تخرج أعدادٍ متزايدة من الباحثين. فقد ارتفع عدد الباحثين الذين امتهنوا البحث التاريخي من 300 مؤرخ في بداية الخمسينيات إلى 8000 مؤرخ وباحث مع نهاية الستينيات

  1. Fernand Braudel, "Les temps de l'histoire," in: Braudel, Écrits sur l'histoire (1977), pp. 11  -  12. [Extrait de la préface de: La Méditerrané].
  2. ليشته، ص 194.
  3. Bernard Hirsch & Jean-Pierre Chrétien, "Maîtriser le temps: Entretien avec Jacques Le Goff," Afrique et Histoire , vol. 2 , no. 1 (2004), p. 28.

(1967)50، وصاحب ذلك تزايد نشاط مؤسسات البحث التي اهتمت بالتاريخ في فرنسا. وجرى تأطير جهد المؤرخين بعد إنشاء المركز مختصة وفرق بحثٍ وانتظام ورشاتٍCentre national de la recherche scientifique , CNRS) 1939 الوطني للبحث العلمي (

Institut d ' histoire moderne et contemporaine , IHMC ; Institut de recherche et d ' histoire des textes , IRHT ; Centre مثل:. de recherches historiques , CRH ; Institut d ' Histoire du Temps Présent , IHTP

وبالفعل، تبلورت معايير حقيقية للإنتاج التاريخي من حيث الأساليب الجديدة وكيفية العمل الجماعي، وترسّخ منهج التاريخ الكمّي Quantitative الذي يتماشى والتاريخ العامّ الشامل الذي يرصد الظواهر التاريخية كالبناءات والجرائم والتاريخ النوعي المتسلسل Sérielle. وهو تاريخ انتقائي يتماشى وتوجّه التاريخ نحو معالجة "المسائل" التاريخية (أو التاريخ المسألة) المعتمد على دراسة الإحصائيات والشهادات في فترات طويلة51. ومن أهم وجوه الجيل الثاني من مؤرّخي الحوليات: أ. إرنست لابروس (1895 - 1988) لا يقل مكانة عن برودال؛ نظرًا إلى دوره في ترسيخ مناهج مدرسة الحوليات وأدواتها ومصادرها، وقد كان له تركيز على المعطيات الكمّية والإحصائية في التحليل التاريخي. حلّل لابروس النظام القديم (النظام الملكي) régime Ancien تحليلًاجتماعيًّا وفكريًّا ونفسيًّا بالغ العمق والشمول، فكان أحسن من عرّف بظروف الثورة الفرنسية وأسبابها، استنادًا إلى دراسته الأزمات الاقتصادية المحدّدة في الزمن بين انخفاض الأسعار وارتفاعها، وقد لاحظ الدورة القصيرة court Cycle في التطور التاريخي بوساطة الإحصائيات، ورأى أنّها أفضل معبّ عن الحقيقة الاقتصادية للقرن الثامن عشر الفرنسي، وللدورة الأصلية التي يمثلها نمط الإنتاج الفيودالي52. من أهم مؤلفات لابروس: أزمة الاقتصاد الفرنسي في نهاية العهد القديم (الملكي) وبداية الثورة الفرنسية:

La crise de l'économie française à la fin de l'Ancien régime et au début de la Révolution française (Paris: PUF, 1944).

ونظرة في حركة الأسعار والمداخيل في فرنسا في القرن الثامن عشر:

Esquisse du mouvement des prix et des revenus en France au XVIIIè siècle (Paris: Dalloz, 1933).

ب. لويس هالفان (1880 - 1950) كتب لويس هالفان عن شارلمان والدولة الكارولنجية، وله كتاب مدخل إلى التاريخ:) 1946 , PUF: Paris (histoire ' l à Introduction. ج. ألفونس دوبون (1905 - 1990). Le Mythe de croisade (Paris: Gallimard , 1977): خرافة الحروب الصليبية لألفونس دوبون نشُر هذا الكتاب بعد وفاة المؤلف، وهو في الأصل أطروحة الدكتوراه التي ناقشها في عام 1956 ورفض نشرها آنذاك.

  1. جيلان آلوم، "نتاج عمل المؤرخين في فرنسا من 1945 إلى 1995 "، في: أعمال ندوة حصاد المدرسة التاريخية لتاريخ مصر الحديث والمعاصر في الخمس والعشرين سنة الأخيرة (4  -  5 نوفمبر 1995) (بيروت/ القاهرة: دار الشروق، 1997)، ص 43؛ 33. p , Roux Le.
  2. فِرُّو، ص 204، 206.
  3. Labrousse, p. 192.

د. غابريال لو برا (1891 - 1970). Etudes de sociologie religieuse (Paris: PUF , 1955  -  1956): دراسات في علم الاجتماع الديني ه. جان ماركزيوسكي (1908 - 1990) بحث جان ماركزيوسكي في الاقتصاد الفرنسي واقتصاديات أوروبا الشرقية، له مدخل إلى التاريخ الكمي:

و. إرنست روبير كورتيوس (1886 - 1956) لإرنست روبير كورتيوس كتاب بعنوان الأدب الأوروبي والعصر الوسيط اللاتيني:

ز. آندريه بيغانيول (1883 - 1968) لآندريه بيغانيول دراسة "ما هو التاريخ؟":

ح. فيليب آرييس (1914 - 1984) ركّز فيليب آرييس على الزمن الطويل وتطرّق إلى ظواهر اجتماعية محدّدة كالطفولة والعائلة والموت. من تآليفه زمن التاريخ:

. L ' Enfant et la vie familiale sous l ' Ancien Régime (Paris: Plon , 1969):) الطفل والحياة العائلية تحت النظام القديم (الملكي و

. L ' homme devant la mort (Paris: Seuil , 1977): الإنسان أمام الموت و ط. بيار دو سان جاكوب (1906 - 1960) من مؤلفات بيار دو سان جاكوب، الفلاحون في بورغنديا الشمالية في القرن الأخير للعهد القديم (الملكي):

Les paysans de la Bourgogne du Nord au dernier siècle de l ' Ancien Régime (Dijon: Impr. Bernigaud et Privat ,

ي. جان موفري (1901 - 1971) كتب جان موفري دراسة "الزراعة في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر":

" L ' agriculture en Europe aux XVII ' e et XVIII ' e siècles , " in: Actes du Xe Congrès international des Sciences Introduction à l'histoire quantitative (Genève: Droz, 1965).

La Littérature européenne et le Moyen Âge latin (Paris: PUF , 1956).

" Qu ' est - ce - que l ' histoire ? " Revue de Métaphysique et de Morale , vol. 60 , no. 3 (1955), pp. 225  -  247.

Le temps de l ' Histoire (Paris: éd. du Rocher , 1954).

historiques , tome IV: Histoire Moderne (Florence: Sansoni , 1955), pp. 139  -  168.

ك. بيار فيلار (1906 - 2003) اختص بيار فيلار في التاريخ الإسباني، من مؤلفاته تاريخ إسبانيا): 1947 , PUF: Paris (Espagne ' l de Histoire.. Or et monnaie dans l ' histoire (Paris: Flammarion , 1969):) 1920  -  1450 (الذهب والنقد في التاريخ و و"التاريخ الماركسي: تاريخ في طور البناء":

" Histoire marxiste , histoire en construction: Essai de dialogue avec Althusser , " Annales. Histoire , Sciences

Sociales , vol. 28 , no. 1 (1973), pp. 165  -  198.

ثالثًا: من "التاريخ الجديد" إىل زمن الشكوك

1. زمن "التاريخ الجديد:" -1969 مطلع ثمانينيات القرن العشرين

يمثّل الجيل الثالث من مؤرخي مدرسة الحوليات المرحلة الثالثة لإسهام هذه المدرسة الذي بدأ يفرض نفسه مع نهاية ستينيات القرن العشرين (1969)، وأكد حضوره في السبعينيات، واستمر في العطاء حتى نهاية الألفية الثالثة؛ ما مكّن هذا الجيل من الهيمنة على الساحة الثقافية، والحدّ من نشاط المؤرخين الهواة، فغدت لهم الكلمة المسموعة في الهيئات الأكاديمية والمؤسسات التعليمية بفضل نوعية إسهامهم التي توسعت إلى مجال الثقافة العامة والإعلام والمواضيع العامة، وأصبح من الصعب التمييز بين المؤرخ الذي يُعنى بالتاريخ فحسب، والمؤرخ ذي الاهتمامات الإنسانية. ركز مؤرخو مدرسة الحوليات من الجيل الثالث على الذهنية الجماعية والزمن الاجتماعي، وواصلوا دراسة البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحاولوا التنوع والانفتاح على أبعاد محددة ظلت مهمشة؛ فعمّقوا البحث في دراسة العائلة والأطفال والنساء على سبيل المثال53، واهتموا بالتاريخ المجهري أو الميكرو تاريخ histoire - Micro القائم على دراسة الذهنية الجماعية (المتخيّل الاجتماعي) من خلال الخصائص الثقافية للأحداث الاجتماعية الصغيرة في مجالات محددة كالقرية. وهذا أعطى التاريخ منحى أنثروبولوجيًا يهتم بتاريخ الأنساق الفكرية وعلم النفس الاجتماعي والتراث الإبداعي والأدبي والفني المرتبط بتاريخ العقليات وتاريخ المخيال الذي يعدُّ أحد مكونات المجتمعات البشرية54. كما كان لمؤرخي الجيل الثالث ميلٌ للعودة إلى التاريخ السياسي؛ بالنظر إلى أن السلوك السياسي من مقومات الذهنية الجماعية. وقد اشتُهر من مؤرخي المرحلة الثالثة في تطور مدرسة الحوليات كلٌّ من: أ. جاك لوغوف (1924 - 2014) يُلقَّب جاك لوغوف Goff Le Jacques بعملاق التاريخ؛ لسعة معارفه، وكثرة إنتاجه وتنوعه، وتواصله مع الجمهور، وانفتاحه على التاريخ الأوروبي. وقد نشّط حلقات "التاريخ أيام الإثنين" histoire ' l de Lundis، وشارك في إصدار مجلة الحوليات، وكان له تأثير قوي في مجموعة من الباحثين المرموقين الذين يمثلون الجيل الثالث من مؤرخي الحوليات.

  1. جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 39  -  40.
  2. محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين - السوربون- استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج (الرباط: دار الأمان، 2018)، ص 102  -  104.

درّس لوغوف بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية التي ترأسها من 1972 إلى 1977، وأصدر سلسلة عن تاريخ أوروبا في العصر الوسيط في أبعاده الاقتصادية والسياسية والدينية. ودعا لوغوف إلى وجوب اعتماد البيوغرافيا التاريخية (السير الذاتية) التي تعتمد على تحليل اجتماعي ونفسي للشخصيات، بحيث يُطبَّق عليها المنهج البنائي في دراسة دورها ووظيفتها. وقال إن المؤرخ "يستطيع أن يقدم من خلال أناس عاشوا في الماضي صورة وشرحًا للماضي [...] تبعًا لتساؤلات عصرنا وتقدُّم علم التاريخ"55. وبهذه النظرة رأى لوغوف أن التاريخ الجديد يجب أن يسعى لبلوغ تاريخ شامل يمكن استكشافه من مكونات الحياة الاجتماعية والثقافية جمعاء56. ومن مؤلفات لوغوف:. Marchands et banquiers au Moyen Âge (Paris: Seuil , 1957): تجار ومصرفيون في العصر الوسيط. Les intellectuels au Moyen Âge (Paris: Seuil , 1957): المثقفون في العصر الوسيط. La civilisation de l ' Occident médiéval (Paris: Arthaud , 1964): حضارة الغرب الأوروبي في العصر الوسيط. Pour un autre Moyen Âge (Paris: Gallimard , 1977): من أجل عصر وسيط آخر

. La Naissance du purgatoire (Paris: Gallimard , 1981): نشأة المطهر

. L ' Imaginaire médiéval (Paris: Gallimard , 1985): مخيال العصر الوسيط

. La Bourse et la Vie (Paris: Hachette Littératures , 1986): البورصة والحياة

. L ' Europe racontée aux jeunes (Paris: Seuil , 1996): أوروبا محكية للشباب ب. بيار نورا (1931)- من مؤلفات بيار نورا Nora Pierre دراسة "من أجل تاريخ معاصر" (1973):

" Pour une histoire contemporaine , " in: Mélanges en l ' honneur de F. Braudel (Privat: Toulouse , 1973).

ومن بين كتاباته الكثيرة عُرف بيار نورا بإسهامه المعنون ب "عودة الحدث:"

Pierre Nora , " Le retour de l ' événement , " in: Faire de l ' histoire , Tome 1 , Nouveaux problèmes , Sous la direction de Jacques Le Goff et Pierre Nora (Paris: Gallimard , 1974).

وقد حلّل فيه عودة الحدث من خلال انتشار المعرفة التاريخية على نطاق واسع في المجتمعات الحديثة؛ ما يدفع المؤرخ إلى الاهتمام بالبحث في مغزى الحدث وتحليله بوصفه بناءً معرفيًّا وتاريخيًّا، فيتناوله تناولً مختلفًا عمّا كان سائدًا في الكتابات التاريخية التقليدية التي تبحث في الأسباب والظروف الممهدة والمؤدية إلى الحدث. كما أسهم بيار نورا في المشروع الكبير الذي أشرف عليه تحت عنوان أماكن الذاكرة) 1984  -  1992  (Mémoire de Lieux، الذي أصبح مرجعًا لإعادة قراءة التاريخ القومي وتشكل المخيال والذاكرة الفرنسية والتاريخ الثقافي لفرنسا عمومًا.

  1. Jacques Le Goff (dir.), L'homme médiéval (Paris: Seuil, 1994), présentation en couverture.
  2. هورس، ص 108.

ج. جورج دوبي (1919 - 1996) ترك جورج دوبي Duby Georges بمقاربته الأنثروبولوجية إنتاجًا غزيرًا في التاريخ الريفي والعمراني والفني، من مؤلفاته: تاريخ فرنسا الريفية، القسم الأول: من الأصول إلى 1340:) 1976 (1340 à origines Des: 1 Tome , rurale France la de Histoire. وكان له إسهام كبير في توجيه البحث التاريخي نحو دراسة الذهنيات والسير، وإحياء الاهتمام بالتاريخ السياسي. د. بول فاين (1930)- من مؤلفات بول فاين Veyne Paul كيف يُكتَب التاريخ. محاولة بحث نقدي:

Comment on écrit l ' histoire , essai d ' épistémologie , Coll. Univers historique (Paris: Seuil , 1971).

وقد طرح بول فاين في كتابه كيف يُكتَب التاريخإشكالية منهجية التاريخ وعلميّته؛ فرأى أنهما غايتان مستعصيتان، وفي هذا السياق أعاد الأهمية للحدث الذي يشكّل مدخلً لفهم التاريخ كما يكتبه المؤرخون، فالتاريخ رواية للأحداث التي يصنعها الإنسان، إلا أن ذلك لا يعني بالنسبة إليه العودة إلى التاريخ الحدثي (تاريخ الحروب والمعاهدات...)، وإنما يكون الحدث منطلقًا إلى تاريخ شامل  complète Histoire  يصف واقع الحياة بالاعتماد على المصادر، ويكون مدخل المؤرخ في كتابة التاريخ اختياره موضوعًا أو مواضيع محددة  item par Histoire، وبذلك يكون التاريخ أقرب إلى الفن منه إلى العلم. ه. إيمانويل لوروا لادوري (1929)- تناول إيمانويل لوروا لادوري Ladurie Roy Le Emmanuel الحياة اليومية بدقائقها في كتاباته:. Montaillou , village occitan de 1294 à 1324 (Paris: Gallimard , 1975):) 1324 - 1294 مونتيو قرية أوكتانية (

. Le Territoire de l ' historien (Paris: Gallimard , t. I , 1973  ; t. II , 1978): حيّز المؤرخ

"دفاع عن المنبوذين في الأرض":

" Apologie pour les damnés de la terre , " in: Le Territoire de l ' historien (Paris: Gallimard , 1973), pp. 536  -  542.

و. بيار شونو (1923 - 2009) لبيار شونو Chaunu Pierre كتابات عديدة منها: التاريخ الكمي، التاريخ المجزأ:

Histoire quantitative, histoire sérielle , Cahiers des annales 37 (Paris: Armand Colin , 1978).

ز. فرانسوا دوس (1950 -) من أهم كتب فرانسوا دوس Dosse François: التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد:

L ' histoire en miettes. Des " Annales " à la " nouvelle histoire " (1987).

وتنبه فيه لتوجه التاريخ كما تصورته مدرسة الحوليات؛ إلى التفتت وفقدان هويته بعد طغيان العلوم الاجتماعية عليه، بحيث تحول إلى تواريخ منشطرة.

2. زمن الشكوك والتجديد: -1987 مطلع الألفية الثالثة (بداية عام 2000)

بعد أن سادت مدرسة الحوليات بفرنسا، وسيطرت على الجامعات الفرنسية لمدة نصف قرن (من الثلاثينيات إلى الثمانينيات من القرن العشرين) من خلال الجيل الأول المؤسس (بلوك وفيفر)، والجيل الثاني الذي تجاوز بالحوليات نطاق الجامعة (مثل فرنان برودال)؛ لم تسلم مدرسة الحوليات في جيلها الثالث من مآخذ هي الأخرى؛ إذ لم تعد تتجاوب مع تطلعات المؤرخين المحدثين الذين أصبحوا يشعرون بأنهم ينتمون إلى عصر غير عصر بلوك وبرودال. وقد عبّ عن ذلك برودال في آخر حياته بقوله: "أصبح التاريخ اليوم أمام مسؤوليات واعدة"57، إلا أن ذلك لم يكن يثير قلقه؛ لأن التاريخ في نظره يندرج ضمن جدليّة التطور، ويتماشى وتطور الدراسات التاريخية، فبحسب قوله: "ليس هناك داعٍ للقلق على التاريخ، فهناك تطور لم تتوقف عجلته عن الدوران منذ مارك بلوك، سواء بالنسبة لاختصاص التاريخ الضيق أو مجال اتصاله بالعلوم الأخرى"58. عرفت مدرسة الحوليات تراجعًا بعد أن بدأ المؤرخون يشعرون بالقلق من عدم استجابتها لحاجات العصر بحكم التطور التاريخي، وهذا ما أحسّ به برودال حينما أشار إلى ذلك في درسه الافتتاحي بالكوليج دو فرانس (أيلول/ سبتمبر 1950) المعنون ب "موقع التاريخ"؛ بقوله: "إذا كانت مناهج التاريخ وبرامجه وأطروحاته [بحسب منظور مدرسة الحوليات] تبدو أكثر تماسكًا وثقة من الأمس، فمفاهيمه بدت كأنها تتهاوى كلها مرة واحدة تحت ثقل تفكيرنا وعملنا وضغطهما، وخاصة تجاربنا المعيشة التي اتّصفت في آخر أربعين عامًا بالقسوة؛ ما وجّه بحثنا في التاريخ نحو مسائل عويصة تتعلق بتفسير مجمل تاريخ البشر"59. ومع مرور الوقت، ظهرت لدى الجيل الأخير من مؤرخي مدرسة الحوليات؛ مثل فرانسوا دوس (المولود عام 1950)؛ نزعة تسعى لتجاوز مفاهيم مدرسة الحوليات والبحث عن "تاريخ جديد" يعكس تطلعات الجيل الجديد الذي قد يُطلَق عليه الجيل الرابع من مؤرخي الحوليات، وهذا ما عبّ عنه كذلك شارتييه (المولود عام 1945) Chartier. R حينما بحث عن نفسه متجاوزًا القوالب القديمة، ومركِّزًا على دراسة تاريخ الكتب وطباعتها ودور نشرها وتأويل نصوصها من جانب المتلقين، فتحوّل بذلك من التاريخ الاجتماعي للثقافة إلى التاريخ الثقافي للمجتمع60. كما طُرحت مسألة الهوّة الزمنية (بين زمن كاتب الوثيقة أو الحولية وزمن المؤرخ) المتمثّلة في شبه استحالة تجاوز الزمن الحاضر (زمن المؤرخ) إلى ماضٍ غير موجود أصلً، لا نعرفه إلا من خلال الوثيقة؛ لأن أوصاف الحوليات أو الشواهد محض أوصاف لا تعبِّ عن واقعية الماضي. وأشار إلى ذلك أفيزير توكر Tucker. A بقوله: "التاريخ هو إنتاج المعرفة (تأويل أحداث الماضي على شكل نصوص)، ولهذا فإن للتاريخ وجودًا (الأحداث والشواهد) مستقلًّ عما يكتبه المؤرخون (إنتاج المعرفة")61. وفي خضم هذه التحولات، طرحَ استمرارُ مدرسة الحوليات على نهجها القائم على الانفتاح على مناهج العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية وتكسير الحدود مع التخصصات الأخرى62 تساؤلات حول مستقبل التاريخ، بعد أن بدا بوضوح أن "التاريخ هو العلم الاجتماعي الوحيد من بين العلوم الاجتماعية الذي لا يتحكم فيه صاحب الاختصاص وحده؛ لأن تناول هذا التاريخ هو تناول

  1. François Dosse, L'histoire en miettes: des Annales à la nouvelle histoire (Paris: éd. La Découverte, 1987).
  2. فِرُّو، ص 209  -  210.
  3. Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 ," p. 55.
  4. فِرُّو، ص 155.
  5. لوغوف، ص 35  -  49.
  6. Jacques Revel, "Histoire et sciences sociales: les paradigmes des Annales,"  Annales. Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 34 , no. 6 (1979), pp 1359  -  1376.

متعدد"63. وانتشر هذا الشعور لدى الجيل الجديد من المؤرخين الذين أصبحوا يعيشون أزمة هوية أثارت مناقشات حادة من خلال ما كانت تنشره المجلة التي يُعبر عنها عنوانها الذي تغيّ عام 1946 من حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي (1929  -  1946)

Annales des sciences sociales) 1994  -  1946 (حوليات العلوم الاجتماعية إلى Annales d ' histoire économique et sociale

إلى الحوليات. اقتصاديات، مجتمعات، حضارات (منذ 1994) civilisations , sociétés , Economies. Annales. وأدى ذلك مع مرور الوقت إلى أزمة في الكتابة التاريخية التي أصبحت مثار تساؤل وجدال في الفترة الممتدة من 1980 إلى 1990، وتحولت إلى أزمة حول كيفية معالجة الموضوعات، ورؤية أحداث التاريخ؛ ما أدى إلى فوضى إبستيمولوجية أقرها العديد من كتاب الجيل الثالث؛ أمثال: بيار نورا وجورج دوبي وبول فاين، بعد أن ظهرت نماذج لما يُعرَف بالتاريخ المجزأ أو التاريخ المفتت، وأعادت هذه النماذج الأهمية للحدث والفرد اللذين أُهمِلا سابقًا بفعل الأخذ بالبنية الاجتماعية والظروف العامة في معالجة المسائل التاريخية، وبذلك انفتح الطريق أمام كتابات تاريخية جديدة حاولت العودة بالتاريخ إلى ما كان عليه قبل ظهور مفهوم الحوليات للتاريخ، مهتمّةً بالحدث والحياة الخاصة64، على غرار ما يظهر في أعمال بيار ريفار Riffard Pierre الذي ركّز على الحياة الخاصة للفلاسفة والتاريخ السياسي، وبرز توجّهٌ نحو السير الذاتية للرجال العاديين والفئات المهمّشة والأماكن المهملة، كما هو الحال لدى آلان كوربان Corbin Alain، وحظيت البيوغرافيا باهتمام متزايد عبّ عنه بعض المؤرخين ب "حمّى البيوغرافيا"، كما هو الشأن عند كل من شارل إدمون بيرين (1887  -  1974) Perrin Edmond - Charles، وآندري كاستيلو (1911  -  2004) Castelot André، وماكس غالو (1932) -  Gallo Max65. وبفعل هذا التوجه اضطر جورج دوبي إلى التسليم بأن الرجوع إلى السير والتاريخ السياسي هو في أساسه تجديد حيّ للتاريخ المعاصر في فرنسا66، ورأى فرانسوا دوس أن عمل المؤرخ يكون في نطاق علوم الإنسان للحصول على المعطيات التي يشاركه فيها غيره. وأما لوروا لادوري Ladurie Roy Le فبيّ أن المؤرخ مثل عامل المناجم الذي يعمل في باطن الأرض، ويستخرج المعطيات إلى السطح، ليستغلها مختص آخر؛ مثل: عالم الاقتصاد أو عالم المناخ أو عالم الاجتماع، بعد أن استقال المؤرخ من تأدية رسالته، وتخلى عن أساس اختصاصه67. ولعل هذا ما أثار تخوّف برودال عندما تساءل عن مستقبل التاريخ ومخاطر انعزاله، داعيًا إلى الابتعاد عن الأسوار العالية التي تعزل التاريخ وتحول دون تواصله، وتعيق الفهم الذكي للأحداث68، ودعا إلى وجوب الابتعاد عن علاقات الجوار، ومع ذلك فقد تكهّن بأزمة التاريخ في درسه الافتتاحي بقوله: "إذا لم أخطئ فقد بدأ وعي المؤرخين بتاريخ جديد؛ تاريخ يطرح مسائل وإشكالات جديدة، فمع كل خطوتين إلى الأمام هناك خطوتان إلى الخلف، فهناك الاتجاه والاتجاه المضاد؛ لأنهما ينتميان إلى الهيكلة الديناميكية للتاريخ Structure

histoire ' l de dynamique، "فليس هناك الله فقط، فهناك الشيطان أيضًا " Diable le aussi a y il , Dieu que pas a y ' n Il69.

  1. حبيدة.
  2. Georges Duby, Orientations récentes des recherches historiques en France, Conférence à l'Institut français d'Athènes, 14 octobre 1991 (Athènes: Institut français d'Athènes, 1992), pp. 33  -  35.
  3. خالد فؤاد طحطح، تحولات الكتابة التاريخية، سلسلة كتاب الرافد 43 (الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام، 2013)، ص 151 - 155، 164، 168، 173.
  4. Duby, p. 35.
  5. طحطح، ص 217.
  6. Ewald & Brochier.
  7. Fernand Braudel, "Le présent explique le passé," in: Braudel, Écrits sur l'histoire (1969), p. 249.

ما سبق يسمح لنا بالقول إن التاريخ الجديد لا يمكن أن يرى النور إلا بتوافر رصيد يستجيب لتساؤلاتنا الجديدة، وهذا ما لا يتوافر في العمل التقليدي للمؤرخ كما نعرفه، فبحسب قول برودال، ليس هناك نجاح دائم في هذه المهمة خارج مناهج عمل تنجزها مجموعات من الباحثين.

رابعًا: خصائص مدرسة الحوليات

بعد التطرق إلى تطور مدرسة الحوليات، يجدر في نهاية البحث إبراز أهم مميزات الكتابة التاريخية التي جسّدتها مدرسة الحوليات من خلال إسهام مؤرخيها، وفي طليعتهم بلوك وفيفر وبرودال. ويمكن إجمال هذه المميزات في النقاط الآتية: 1. ركزت مدرسة الحوليات اهتمامها على الإنسان، ووسَّعت اهتمام التاريخ، ووصلته بالاقتصاد وحياة الجماعات وأمور السياسة والعبادة؛ تماشيًا مع مقاربتها لموضوع التاريخ بوصفه الإنسان باهتماماته ومشكلاته وقضاياه وأفكاره وميوله وبيئته، فمعرفة الماضي قد لا تفيد شيئًا إذا لم يكن الهدف منها معرفة الإنسان في حد ذاته70. وهذا ما جعل مدرسة الحوليات تربط مواضيع التاريخ واهتماماته بالحاضر، ونظرت إلى التاريخ نظرة شاملة تنطلق من الزمن الحاضر ومعرفة مشكلاته لمعرفة الماضي، فركزت على ما يهم الإنسان نفسه وما يتعلق به même - lui pour et même - lui homme ' L بوصفه فردًا، من دون أن تبتعد عن تاريخ الشخصيات المهمة والمؤسسات الكبرى. وجعلت مدرسة الحوليات من التاريخ "علم الإنسان" عبر الزمن، وربطت الحاضر بالماضي، في نظرة شاملة للأحداث تقوم على مبدأ النسبية والمقارنة والتحليل. وبذلك غدا التاريخ محور تفاعلات الجنس البشري وميدان نشاطه وساحة تتحقق فيها الجهود الفردية والجماعية، وأمكن توسيع حقل البحث التاريخي من حيث المواضيع والاهتمامات والأنشطة. فلم يعد الجانب السياسي والدبلوماسي والعسكري طاغيًا على الكتابات التاريخية كما كان الحال في كتابات المدرسة الوضعية، وإنما خُصّت النشاطات الاقتصادية والحركية الاجتماعية والميول الفردية بمعالجة معمقة71. فالتاريخ بحسب إدغار موران "واقع معقّد لا يمكن مقاربته إلا من خلال فكر معقّد"72. ولعل هذا ما أحسّ به بلوك، وحاول تجاوزه واستيعابه بقوله: "ليس هناك سوى علم للإنسان في الزمن، وهو في حاجة باستمرار إلى أن يوحد بين دراستَي الأموات والأحياء، إنه التاريخ العام universelle Histoire الذي لا يستطيع أن يتكون إلا بتكامل المعارف الإنسانية"73. 2. عملت مدرسة الحوليات على ربط التاريخ بالعلوم الاجتماعية والمعارف الإنسانية التي حاولت الجمع بينها Interdisciplinarité في تكامل يسمح بتصور شامل للتاريخ. فحاولت إلغاء حدود الاختصاص الضيق بين علوم التاريخ والاقتصاد والإحصاء والاجتماع واللسانيات والأنثروبولوجيا، وعالجت أحداث التاريخ من منطلق جغرافي وتحليل اقتصادي ومقاربة إحصائية ونظرة اجتماعية؛ لأن دراسة المجتمعات تتطلب استغلال المعارف كلها لفهمها وتحليلها. كما رأت أن منطق التاريخ هو تحليل شروط الوسط والمجال الطبيعي، وأن عمقه هو تحديد مكونات المناخ العقلي والثقافي والنفسي، مع اعتماد منظور كمي ومقاربة نوعية، مستعينة في ذلك بالمعارف الإنسانية، خاصة بسوسيولوجية إيميل دوركهايم (1858  -  1917) Émile Durkheim وجغرافية فيدال دو لابلاش (1845  -  1918)

  1. Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 ," p. 23.
  2. Fernand Braudel, "L'histoire et les sciences de l'homme," in: Braudel, Écrits sur l'histoire (1977), p. 87.
  3. إدغار موران، "المعارف العلمية: تكامل وترابط"، ترجمة الزواوي بغورة، مجلة البيان، العدد 418 (أيار/ مايو 2005)، ص 67.
  4. Marc Bloch, Apologie pour l'histoire ou métier d'historien (Paris: A. Colin, 1949), p. 15 ; Jean Ehrard & Guy Palmade, L'Histoire , Collection U (Paris: A. Colin, 1965), p. 380.

Blache La de Vidal74. وهذا ما أثار مسألة استقلال علم التاريخ بخصوصيته وعلاقة المؤرخ باختصاصات مميزة، "فالحياة (بالنسبة إلى المؤرخ) قصيرة جدًا لا تسمح له بالتعمق والتخصص في وثائق تتطلب وقتًا طويلً للحصول عليها وتحليلها، فالمؤرخ عليه أن يبقى مؤرخًا والجغرافي جغرافيًا والاقتصادي اقتصاديًا، فعلى كل واحد أن يتكلم لغة أمه، ويتحاور حول ما يعرفه"75. وقد اتخذ مؤرخو الحوليات مرجعية لهم من توجه فيدال دو لابلاش في حوليات الجغرافيا (1891) géographie de Annales، ومن أطروحات تلميذه إيمانويل دومارتون (1873  -  1955) Martonne de Emmanuel، وكتابات فريدريش راتزل (1844  -  1904) Ratzel Friedrich، فغدت الجغرافيا الإنسانية والثقافية عاملً في التحليل التاريخي، فقد "اهتم راتزل بنشاط الإنسان في الأرض وأنماط حياته لإحداث التوازي والتوازن في وقت واحد الذي رأى فيه قاعدة مهمة في علم الجغرافيا الحديثة"76؛ كما كان لسوسيولوجية دوركهايم تأثيرٌ في بلوك في دراسته للجوانب المتعلقة بالمقومات الاجتماعية، فكانت عاملً مساعدًا على زرع روح مفاهيمية حيّة واكتساب القدرة على التفسير الاجتماعي في الأمد التاريخي77. وأصبح التواصل مع العلوم التي لها صلة بالتاريخ، وخاصة علوم الجغرافيا والاجتماع والأنثروبولوجيا، من أهم مميزات مدرسة الحوليات، وغدت الجغرافيا أساس الدراسة التاريخية، وخاصة الجغرافيا الإنسانية التي طوّرها في جامعة السوربون كلٌّ من فيدال دو لابلاش وألبير دومانجون (1872  -  1940) Demangeon Albert. وهذا ما سمح لمؤرخي الحوليات بأن يعالجوا المجال الجغرافي، بوصفه محيطًا مرتبطًا بنشاط الإنسان؛ حيث يعيش السكان، وتُقام الهياكل والبنى، وتتطور علاقات الجماعات وعقلياتهم ونفسياتهم. وتعامل مؤرخو الحوليات مع علم النفس واللسانيات، بوصفهما أساس التواصل الذي تُبنى عليه العلوم الإنسانية انطلاقًا من اللسان؛ لأن اللغة هي الطريق المفضل لدراسة علوم الإنسان78. وغدت علوم النفس واللسانيات والأنثروبولوجيا معارف ساعدت على توسيع مجال التاريخ وفتح آفاق واسعة له، كما سمحت بتظافر جهود ذوي الاختصاص في علوم الإنسان للتغلب على الصعوبات التي تعترض المؤرخ في إطار تقسيم العمل وتكامله. وبذلك تمكَّن التاريخ من أن يتوسّع، ويأخذ أبعادًا عالمية في سعيه للتعرف الكلي إلى التطورات الاجتماعية كلها، وتوجهه للارتقاء إلى تاريخ مقارن بين الحضارات. وهذا يتطلب أساسًا ثقافة شاملة، ونظرة بنائية، والعودة إلى النظر إلى التاريخ، بوصفه أحد علوم الإنسان التي لا تُفهم إلا في سياق واحد يقوم على تعاون المعارف المتكاملة interdisciplinaire coopération La، بهدف إرساء منهج تكاملي للعلوم الإنسانية والاجتماعية من داخل علم التاريخ Pluridisciplinaire79. 3. رأت مدرسة الحوليات التطور التاريخي ظاهرة بشرية فرضتها متطلبات الحياة ومنطق التعامل مع الأشياء، فحاولت دراسة المجتمع بوصفه مجموعات متحركة وليس بوصفه وحدات جامدة، انطلاقًا من المعلوم والملموس والملاحظ، بدءًا بالحاضر، ومرورًا بمتغيرات الحركة التاريخية التي جعلت من الحضارة عملية استهلاك، وأحيانًا تبذير؛ بالنظر إلى أن لكل حضارة فائضًا اقتصاديًّا، وأن

  1. فِرُّو، ص 200.
  2. Bloch, p. 15 ; Ehrard & Palmade, p. 380.
  3. صلاح الدين الشامي، الفكر الجغرافي: سيرة ومسيرة (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1999)، ص 377.
  4. حبيدة، ص 62.
  5. Henri Lefebvre, Au-delà du structuralisme (Paris: Anthropos, 1971), p. 141 ; Antoine Casanova & François Hincker, Aujourd'hui l'histoire (Paris: Éd. Sociales, 1974), p. 8
  6. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات– مدارس– مناهج، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 206.

عاملَ الإبداع والخوف ينظمان المجال أو يدمرانه، وهذا ما يجعلهما يتحكمان في قدر الأمم ومصير الحضارات، كما أوضح ذلك برودال في كتابه هوية فرنسا. وقدم دوركهايم وتلامذته في مجلة سنة علم الاجتماع sociologique année ' L التي أُنشِئَت عام 1897 لمؤرخي الحوليات الفرنسيين نموذجًا جديدًا في البحث، أثار فيهم الأمل في فهم العالم مباشرة في مجموعه وخصوصيته واستخلاص قوانين المجتمعات80، بحيث أمكن لمؤرخي مدرسة الحوليات أن يصلوا إلى معنى الأحداث التاريخية، سواء في مظهرها الاقتصادي أو دوافعها ومظاهرها الدينية. وبذلك تراجع المنهج التاريخي المعتمد على تحليل الوثائق أمام الأخذ بالبنائية Structuralisme بوصفها منهجًا للبحث؛ ما أدى إلى اعتراضات جوهرية على المناهج التاريخية القديمة القائمة على ملاحظة التطور، وبذلك غدت المقاربة البنائية أساسًا لدراسة المجتمعات البدائية، فتراجعت الأحداث التاريخية أمام تحليل الظواهر. وهذا أثار قلق المؤرخين من أصحاب التوجه البنائي Structure، بعد أن رأوا أن مهمة التاريخ انحصرت في اختراع أسس الهياكل (البنائية)، بينما الباقي أصبح من مهمة الاختصاصيين الأكثر تميزًا81. وعبّ عن ذلك عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي ستروس (1908  -  2009) Strauss - Lévi Claude حينما لاحظ أن البنائية في دراسة التاريخ قد "تؤدي إلى كل شيء شريطة أن تبتعد عن هذا الكل"82؛ وينجم عن ذلك تراجع مكانة التاريخ وحصره في مبادئ بسيطة متعلقة بعملية النقد. 4. حاولت مدرسة الحوليات تطوير منهج البحث التاريخي؛ فعملت على تجاوز الطرائق التقليدية والقواعد التي رسّختها المدرسة الوضعية في معالجة الوثائق وتحليلها. فركَّزت على طرح الإشكالات وتطوير التحليل والاستنتاج، وحدَّت من التوجُّه نحو التاريخ الحدثي المجرد événementielle Histoire الذي هيمن على التاريخ السياسي والعلاقات الدولية، لتتعمق أكثر في التاريخ التفسيري Histoire explicative الذي يعالج التاريخ من منطق جغرافي وتحليل اقتصادي ونظرة اجتماعية، وأسهمت في ذلك الدراسات المؤسسة للتاريخ المسألة أو تاريخ الإشكالات، فحققت خطوات متقدمة سهّلتها التحولات المنهجية والتصورية التي صاحبت نمو العلوم الاجتماعية. طُرحت من خلال هذا التوجه إشكالية "التاريخ المسألة" problème histoire ' L من منظار كمي ومقاربة نوعية، والتاريخ المسألة هو معالجة التاريخ من خلال مسائل رئيسة يُعتمَد فيها التعمق والتحليل والنظرة الشاملة، بحيث لا يمكن تفسير ظاهرة تاريخية إلا بوساطة "تاريخ شامل إجمالي" يربط العوامل المختلفة (جغرافية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ثقافية) للوصول إلى سبر أغوار الحالات الذهنية للمجتمعات موضوع الدراسة في زمن محدد83. وقد قدم بلوك نموذجًا لهذا التوجه في كتابيه: الخصائص الأصلية لتاريخ الريف الفرنسي (1931)، والمجتمع الفيودالي وتشكل علاقات التبعية (1940). وبذلك تراجع المضمون التاريخي بوصفه أحداثًا وتصورات أمام طغيان الدراسات المتخصصة، خاصة في مجالَ الاقتصاد والاجتماع، فكان التقصي والتحليل المعمق للأعمال والأطروحات والمقالات عائقًا دون الإلمام بها وتكوين فكرة متكاملة عنها من القراء؛ ما اضطر الباحثين إلى المعالجة المعتمدة على العرض التاريخي العام والاستنتاجات العامة.

  1. المرجع نفسه، ص 201.
  2. Léon-E. Halkin, "L'histoire en question," in: Initiation à la critique historique , 4 ème édition revue , Cahiers des Annales 6 (Paris: A. Colin, 1973), p. 149.
  3. Claude Lévi-Strauss, La pensée sauvage (Paris: Plon, 1962), p. 348.
  4. فِرُّو، ص 199.

5. نادت مدرسة الحوليات بالتاريخ المفتوح المنافي لفكرة الشمولية والمتجاوز لمفهوم المركزية الأوروبية، فتجاوزها للمنهج الوضعي الملتزم بالقواعد، وانتقالها إلى تاريخ إنساني منفتح على الفعل الإنساني لا يقل أهمية، في مجال التاريخ، من الانتقال من فهم بطليموس إلى نظرة كوبرنيكوس في فهم بناء الكون84. وقد أخذت في ذلك بمنهج تاريخي يستوعب مناهج العلوم الاجتماعية وحقول المعرفة الإنسانية ومظاهر الحياة المختلفة. فمسألة الموت على سبيل المثال لا يمكن معالجتها إلا من خلال الحياة بحسب تعبير لوسيان فيفر، كما أن مواضيع من قبيل الطفولة والعائلة والحب والحياة والجنس هي مظاهر لتاريخ وجودي existentielle Histoire، وتاريخ معيش vécue Histoire، وتاريخ كل totale Histoire، بحسب ما ذهب إليه فيليب آرييس85. وأدى ذلك إلى توسع مفرط في مختلف جوانب التاريخ، بوصفه علم الإنسان في أبعاده جميعها؛ بحيث أصبح تنوع المعرفة التاريخية وشموليتها عائقًا أمام التوجّهات أو المراهنات على إعادة كتابة تاريخ نوعي شامل ومتكامل؛ ما أثار نقاشًا لتحديد البعد التاريخي وعلاقته بالمعارف الأخرى. كما أن هذا التوسع المفرط في المعالجة التاريخية وتوجّه التاريخ للاندماج في علوم الإنسان، جعل بعضهم يخشى أن ينهار علم التاريخ، ويفقد وجوده. ولعل هذا ما أوحى إلى برودال، في درسه الافتتاحي في الكوليج دو فرانس حول التاريخ، قولَه إنه ليس هناك أفظع من حالة يمارس فيها إنسان اختصاصه، ويزرع مزروعه، ويتابع في الوقت نفسه إسهام جاره، ما دامت الأسوار العالية غالبًا ما تسد النظر86. وبهذا التوسع والتنوع في مواضيع التاريخ، توجّهت الدراسات التاريخية إلى نشر ثقافة تاريخية عامة؛ ما حدّ من جهود الباحثين في التعمق، ولم يساعد على إضافة شيء جديد للمنهج التاريخي، وأبعد الهواة من الساحة، وفرض الأعمال الأكاديمية على المكتبات التاريخية، وأسهم في حضور المؤرخ الأكاديمي على الساحة الثقافية. 6. اعتبار البعد الزمني أو الأمد الزمني Durée على أنه أساس الحركية التاريخية، فقد رأى برودال أن الأمد الزمني هو مكون رئيس للتاريخ، وأنه متعدد المراحل ومختلف السرعة بحسب طبيعة الأحداث، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هناك الزمن شبه الثابت (الجغرافي)، والمدى المتوسط (الاجتماعي)، والسريع (الحدثي أو الفردي). وهذا ما حاول المؤرخون الماركسيون الاعتراض عليه؛ إذ رأوا أنه محض وجهة نظر متفردة عن الوجود المادي الذي جرى تحليله بحسب النظرة الماركسية. لكنّ البحث في حقول التاريخ الاقتصادي والاجتماعي تجاوز ذلك حينما توجه نحو بلورة أنماط التفكير الجدلي التي تربط بين مستويات التعبير والتحول في مجرى التاريخ87. وعلى كل فإن عامل الزمن باختلاف سرعته يؤدي إلى تغير مواضيع التاريخ؛ لذلك من الضروري إعادة التفكير في جدلية المجال والزمن، والانطلاق من مقاربة جغرافية؛ فالتاريخ بهذا المنظور أشبه بالأوراق المرصوصة فوق بعضها، تعبرها التيارات التاريخية صعودًا ونزولً، وقد لا تبلغ السطح الخارجي أو لا تصل إلى الأعماق. ولهذا يجب أن يُنظَر إلى أحداث التاريخ رأسيًا؛ لكون تلك الأحداث التي تأتي من الأعلى نحو الأسفل قد لا تصل دائمًا إلى العمق، وبالعكس فما يحدث ببطء شديد بالقرب من القاع قد لا يصل دائمًا إلى السطح. وهذا ما يجعل المؤرخ أمام تواريخ Histoires متوازية بوتيرة مختلفة، وهذا يتطلب منه أن يعيش داخل الزمن، وأن يعالج موضوعه انطلاقًا من مجاله (الزمن البطيء) ومجتمعه (الزمن المتوسط)، قبل التعرض لأفراده وأحداثه السريعة (الزمن السريع)، وهذا ما طبقه برودال في تاريخ البحر المتوسط في القرن السادس عشر.

  1. فاطمة قدورة الشامي، علم التاريخ (القاهرة: دار النهضة العربية، 2001)، ص 114  -  118.
  2. Ariès, Le Temps de l'histoire (1954); Philippe Ariès, Le Temps de l'histoire , Collection L'univers historique (Paris: Seuil, 1986), pp. 227  -  228.
  3. Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 ," p. 33.
  4. حبيدة، ص 59.

7. تجاوزت مدرسة الحوليات التاريخ الخطي الماركسي linéaire Histoire الذي تغلب عليه الرؤية الأحادية للتأثيرات المادية في تطور المجتمعات، ويظهر في توجّهات جان جوريس Jaurès Jean في مشروع التاريخ الاشتراكي للثورة الفرنسية de socialiste Histoire française Révolution la. وكان لهذا التوجه تأثير ملموس في التوجّهات الأولى لمدرسة الحوليات، لكنّ تنوع المصادر والانفتاح على العلوم المساعدة للتاريخ، والأخذ برؤية تتناول المجتمع من خلال دراسة السلوك والذهنيات والمعتقدات، سمحا للحوليات بالتمايز من التوجه الاشتراكي في معالجة التاريخ؛ وهذا ما أكد استقلالية منهج الحوليات عن المقاربة الماركسية في نظرته إلى التطور التاريخي. وعلى الرغم من استقلال مدرسة الحوليات برؤيتها للتاريخ عن المقاربة الماركسية التي حاولت التأثير فيها وتوجيهها، فإن المسحة الاشتراكية ظلت ماثلة في أعمال روّاد مدرسة الحوليات التي تناولت الريف وتطور المجتمع والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية للثورة الفرنسية، التي حاول الماركسيون استغلالها للتنظير لمشروعهم الثقافي88. وظهر هذا التأثير واضحًا في بعض المقاربات من قبيل دراسة جورج لوفيفر Lefebvre Georges "الفلاحون في منطقة الشمال خلال الثورة الفرنسية" (1960 ") française révolution la pendant Nord du paysans Les "، ودراسة فيلار "كتالونيا في إسبانيا الحديثة" (1962  -  1963 ") moderne Espagne ' l dans Catalogne La "، ومعالجة لابروس ل "تاريخ الأسعار في القرن

". Histoire des prix au XVIIIè siècle " (1933 الثامن عشر) "

8. الاهتمام بجوانب التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ولعل أفضل مثال على هذا المنحى دراسات بلوك في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للعصر الوسيط في أوروبا التي أحدثت نقلة نوعية في منهج التاريخ وطريقة معالجته، وقد جمع في هذه الدراسات بين نظرته للبعد الزمني والنشاط الإنساني، خاصة في دراسته لخصائص التاريخ الريفي الفرنسي من خلال مسألة الرق والقنانة والإقطاع والأدوات والآلات الزراعية، التي كان لها أثر كبير في مؤرخي الحوليات الذين اعتمدوا الإحصائيات والتحليل في دراستهم للتاريخ الاقتصادي. كما تحوّل الاهتمام نحو تلمّس الحقائق الاجتماعية بوصفها وقائع Faits تفرض نفسها عن طريق التراكم عبر فترة زمنية طويلة؛ ما أكد المنحى الذي يرى أن الإنسان موضوع التاريخ، والتاريخ علم المجتمعات البشرية، وهذا أدّى إلى الاهتمام بالذهنيات المنظمة لتلك المجتمعات، فتوجّه لوسيان فيفر - على سبيل المثال - إلى دراسة السلوكات والعقائد. وبذلك أعادت مدرسة الحوليات التاريخ إلى مصادره الإنسانية التي عرفها عصر النهضة (القرن السادس عشر) من خلال كتابات جان بودان (1530  -  1596) Bodin Jean والبندكتيين89. وساعد هذا التوجه على إضفاء طابع اجتماعي ونظرة اقتصادية وتصور جغرافي على التاريخ؛ وذلك بإلغاء الحدود بين هذه المعارف، بحيث أصبح علمَا الاجتماع والتاريخ متداخليَن، فبحسب تعبير المؤرخ الإنكليزي إ. ه. كار Carr. H. E أصبح التاريخ اجتماعيًّا، وأصبح علم الاجتماع تاريخيًّا90، وهذا تطوّرٌ جيدٌ للعلْميَن؛ لأنه جعل الحدود بينهما مفتوحة الحركة في الاتجاهين، إلا أنه حدّ من حيوية البحث.

خاتمة

نقل مشروع مدرسة الحوليات الفرنسية الذي أسّس له لوسيان فيفر ومارك بلوك؛ التاريخ من طغيان الحدث إلى دراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأنثروبولوجية والذهنية في حياة الإنسان، وأحدث تحولً حقيقيًا عن التاريخ الحدثي - السياسي وتاريخ الوقائع؛ أي تاريخ السرد والحدث والفرد، وهذا ما عبّ عنه فيفر بقوله إن التاريخ "الدبلوماسي" محض أحجيات لخلوِّه من الأحداث العميقة؛

  1. كوثراني، تاريخ التأريخ، ص 196  -  197.
  2. Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 ," p. 15.
  3. Edward Hallett Carr, What is History? (Cambridge: University of Cambridge; Penguin Press, 1961).

ما يسوّغ تجاوزه إلى تاريخ "اجتماعي" ينطلق من واقع الحياة بشموليتها91، وفق الفيلسوف الفرنسي بول ريكور Ricœur Paul الذي يرى أن مواضيع (الحوليات) تتناول "حقيقة اجتماعية شاملة" total social Fait92. من خلال هذا التوجه، سعت مدرسة الحوليات لمعالجة التاريخ، بوصفه وحدة متكاملة تتفاعل فيها عوامل جغرافية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، بحيث لا يمكن تفسير أي ظاهرة تاريخية إلا بوساطة معالجة متكاملة ضمن "تاريخ إجمالي" يقوم على مقاربة اجتماعية تحاول سبر أغوار الحالات الذهنية للمجتمعات المخصوصة بالدراسة في زمن تاريخي محدد93. وقد أُطلِق عليها مصطلح "الذهنية الجماعية"؛ لأنها تهتم بمظاهر الثقافة من حيث هي بناء اجتماعي في أمد طويل، وتبحث في دلالة سمات الإنسان وأفعاله، والانطلاق منها إلى مقاربة خصائص سلوكه وذهنيته التي ترقى إلى مصافّ الرموز، بوصفها سمات الفكر الذي ساد مدنية من المدنيات94. وعلى الرغم من وحدة منطلقاتها وأهدافها الأولى، فقد تنوّعت مدرسة الحوليات الفرنسية، وتحوّلت اهتماماتها، وتشعّبت منذ مرحلة التأسيس، وفي أثناء مرحلة الترسيخ، ثم محاولة التجديد والأزمة، فترك كلُّ جيل من الأجيال المتعاقبة بصماته المتميزة عليها. لكن ما جمع بين هذه الأجيال من مؤرخي الحوليات هو انفتاحهم على العلوم الاجتماعية الذي مكّنهم من توسيع آفاق البحث التاريخي ومناهجه وأساليبه، حتى بدا التاريخ كأنه علم مركزي يسخّر المعطيات الاقتصادية والكمية، وتتقاطع فيه العلوم الاجتماعية الأخرى التي تبدو كأنها أُخضعت له، فيظهر المؤرخ كقائد الجوق الذي يخضع له العازفون الآخرون، إلا أن شعورًا بذوبان هوية المؤرخ والتاريخ انتشر بين المؤرخين منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. فبعد أن أراد المؤرخ تسخير العلوم الأخرى لتكون في خدمة التاريخ، وهذا ما نجح في تحقيقه فرنان برودال إلى حد بعيد بفرضه التاريخ بوصفه محورًا للعلوم الاجتماعية من خلال مفهوم "الزمن الطويل"، تهشّمت الصورة المثالية بعد أن ضاق التاريخ بما عُدَّ هيمنة للعلوم الاجتماعية الأخرى عليه، لتدفع بذلك مدرسة الحوليات ثمن انفتاحها ونجاحها. وكان هذا الثمن أزمة هوية المؤرخ الذي انغلقت عليه البناية التي شيّدها بنفسه؛ فهو كالبنّاء الذي يبني بيتًا من الداخل بمواد جلبها من أماكن بعيدة، فأحاطت به جدران البيت لتأسره. وعلى الرغم من أن "التاريخ الجديد" نجح مؤقتًا، من خلال أعمال لوغوف ونورا ودوبي، في إعطاء مدرسة الحوليات نفَسًا جديدًا، فإن هذا النفس كان قصيرًا كما تنبّه لذلك فرانسوا دوس وغيره من المؤرخين، وليس أقلهم شأنًا بيار نورا وجورج دوبي. ربما يحمل هذا الشعور بالأزمة في طياته مشروع "انفتاح" جديد، يتجدد من خلاله عمل المؤرخ باسترجاعه هامش المناورة والمبادرة والحرية التي فقدها، فتتجدد علاقته بالماضي والكتابة التاريخية المستقلة بذاتها المتقبّلة لتنوع الأطروحات والإشكالات والمناهج.

وبناء عليه، فقد تناولنا في هذا البحث منطلقات مدرسة الحوليات وإسهاماتها والأزمة التي آلت إليها، وهاهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال مهم قد يكون منطلق أبحاث مستقبلية، يتعلق بموقع الدراسات التاريخية في العالم العربي وهو: أكان لها أثر في تجديد المنهج وطرح التساؤلات حول قضايا التاريخ العربي، أم أن أثرها انحصر في تتبع بعض المؤرخين العرب لإنتاج هذه المدرسة وإعجابهم بمنهجها في تناول أحداث التاريخ؟ وفي انتظار أبحاث معمّقة في هذا المجال، نرجح الطرح الثاني؛ إذ إن العالم العربي يعيش أزمة مضاعفة سواء

  1. طحطح، ص 132.
  2. المرجع نفسه.
  3. فِرُّو، ص 199.
  4. هورس، ص 108.

من حيث المنهج وطريقة المعالجة أو من حيث مجالات البحث ومضامين الدراسات. وقد أشار إلى ذلك بعض المؤرخين العرب ومنهم قسطنطين زريق الذي نقد استخدام مناهج بلوك بشيء من الضمنية في كتاباته95، وكذلك بعض المؤرخين الأكاديميين لاحقًا أمثال وجيه كوثراني ووليد نويهض ومحمد حبيدة الذين عرَّفت كتاباتهم القارئ العربي بمنهج مدرسة الحوليات وتوجّهاتها96. في حين ظل مجمل الإسهام التاريخي العربي غير متجاوب مع ما طرحته مدرسة الحوليات؛ ولعل ذلك يعود إلى التباين الحاصل في مجال الدراسات التاريخية العربية بين الجيل القديم أو المخضرم والجيل الجديد الناشئ. فالجيل القديم حافظ على المستوى الأكاديمي باعتماده المنهج التاريخي المستمد من المدرسة الوضعية التي تعبّ عنها العديد من المؤلفات المنهجية الموجّهة إلى الطلاب الجامعيين في البلاد العربية، بينما حاول الجيل الجديد تعرُّفَ واقع الدراسات التاريخية في الغرب من دون أن ينجح في الاستفادة منها في تجديد مقارباته ومناهجه. ومن ثم ظل المشتغلون بالتاريخ في العالم العربي بعيدين عن تفاعل مثمر مع ما طرحته مدرسة الحوليات، باستثناء بعض المؤرخين الذين سمحت لهم الظروف بالاحتكاك بالأوساط العلمية الغربية، والاطلاع على واقع البحث التاريخي في الغرب في أثناء تحضيرهم أطروحات جامعية تحت إشراف أساتذة أخذوا بمنظور مدرسة الحوليات ومنهجها.

  1. من إسهاماته ضمن هذا التوجه: قسطنطين زريق، نحن والتاريخ، ط 2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1962)؛ قسطنطين زريق، معركة الحضارة (بيروت: دار العلم للملايين، 1964)؛ قسطنطين زريق، نحو المستقبل (بيروت: دار العلم للملايين، 1977.)
  2. وجيه كوثراني، المدارس التاريخية في الغرب وعند العرب (بيروت: دار الأزمنة، 2008)؛ كوثراني، "قراءة ومراجعات في الممارسة التاريخية العربية"، في: تاريخ التأريخ، القسم الثالث، ص 233  -  298؛ كوثراني، "تاريخ التأريخ وإشكالية المنهج في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة"، منبر الحوار، السنة 9، العددان 32  -  33 (1994)، ص 132  -  135؛ حبيدة؛ وليد نويهض، المفكرون العرب ومناهج كتابة التاريخ: عرض ومناقشة (بيروت: دار ابن حزم، 1996)؛ خالد فؤاد طحطح، الكتابة التاريخية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012.)

المراجع

في القائمة لكثرتها، ويمكن القارئ الرجوع إلى عناوينها في متن البحث أو هوامشه).

العربية

بيروت/ القاهرة: دار الشروق، 1997.

بروديل، فرنان. قواعد لغة الحضارات. ترجمة الهادي التيمومي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

حبيدة، محمد. المدارس التاريخية: برلين - السوربون- استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج. الرباط: دار الأمان، 2018.

زريق، قسطنطين. معركة الحضارة. بيروت: دار العلم للملايين، 1964.

_______. نحن والتاريخ. ط 2. بيروت: دار العلم للملايين، 1962.

_______. نحو المستقبل. بيروت: دار العلم للملايين، 1977.

الشامي، صلاح الدين. الفكر الجغرافي: سيرة ومسيرة. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1999.

الشامي، فاطمة قدورة. علم التاريخ. القاهرة: دار النهضة العربية، 2001.

طحطح، خالد فؤاد. الكتابة التاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012.

_______. تحولات الكتابة التاريخية. سلسلة كتاب الرافد 43. الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام، 2013.

السياسات، 2013.

والنشر، 2000.

_______. المدارس التاريخية في الغرب وعند العرب. بيروت: دار الأزمنة، 2008.

_______. تاريخ التأريخ: اتجاهات– مدارس– مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.

لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

للترجمة، 2008.

موران، إدغار. "المعارف العلمية: تكامل وترابط". ترجمة الزواوي بغورة. مجلة البيان. العدد 418 (أيار/ مايو 2005).

References

(ملاحظة: اقتصرنا في هذه القائمة على المراجع المستخدمة في كتابة البحث. أما تلك المُشار إلى عناوينها، فقد ارتأينا عدم إدراجها

أعمال ندوة حصاد المدرسة التاريخية لتاريخ مصر الحديث والمعاصر في الخمس والعشرين سنة الأخيرة (4  -  5 نوفمبر 1995). فِرُّو، قيس ماضي. المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة كوثراني، وجيه. "تاريخ التأريخ وإشكالية المنهج في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة". منبر الحوار. السنة 9، العددان 32  -  33 (1994). _______. الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي. بيروت: دار الطليعة للطباعة ليشته، جون. خمسون مفكرًا أساسيًّا معاصرًا من البنيوية إلى ما بعد الحداثة. ترجمة فاتن البستاني. بيروت: المنظمة العربية نويهض، وليد. المفكّرون العرب ومناهج كتابة التاريخ: عرض ومناقشة. بيروت: دار ابن حزم، 1996. هورس، جوزف. قيمة التاريخ (دراسة فلسفية). ترجمة الشيخ نسيب وهيبة الخازن. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1964. يفوت، سالم. الزمان التاريخي: من التاريخ الكلي إلى التواريخ الفعلية. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1991.

الأجنبية

Ariès, Philippe. L'homme devant la mort. Paris: Seuil, 1977.

_______. Le Temps de l'histoire. Monaco: Éd. du Rocher, 1954.

_______. Le Temps de l'histoire. Collection L'univers historique. Paris: Seuil, 1986.

_______. L'Enfant et la vie familiale sous l'Ancien Régime. Paris: Plon, 1969.

Bloch, Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. Paris: A. Colin, 1949

Braudel, Fernand (dir.). Le monde de Jacques Cartier. Paris: Éd. Berger-Levrault, 1984.

_______. Civilisation matérielle, économie et capitalisme XV-XVIIIè siècles. Paris: Armand Colin, 1979.

_______. Discours de réception à l'Académie française. Paris: Éd. Arthaud, 1986.

_______. Écrits sur l'histoire. 2 nde éd. Paris: Flammarion, 1977.

_______. Écrits sur l'histoire. Paris: Flammarion, 1969.

_______. Grammaire des civilisations. Paris: Flammarion, 1993.

_______. L'Europe. Paris: Arts et métiers graphiques, 1982.

_______. L'identité de la France. Tome 1: Espace et histoire. Paris: Éd. Arthaud-Flammarion, 1986.

_______. La dynamique du capitalisme. Paris: Éd. Arthaud, 1985.

_______. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. Paris: Armand Colin, 1949.

_______. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. 2 nde éd. Paris: Armand Colin, 1966.

_______. Le monde actuel: les grandes civilisations du monde actuel. Paris: Belin, 1963 ; 2 nde ed. Paris: Flammarion, 1969.

_______. Les Espagnols et l'Afrique du Nord de 1492  -  1577. Alger: J. Carbonel, 1928.

_______. Navires et marchandises à l'entrée du port de Livourne (1547  -  1611). Paris: Armand Colin, 1951.

_______. Une leçon d'histoire , Actes du colloque de Château-Vallon. Paris: Éd. Arthaud, 1986.

_______. Venise (Photographies de Folco Quilici). Paris: Éd. Arthaud, 1985.

Carlier, Omar. "Braudel avant Braudel? Les années algériennes (1923  -  1932)." Insaniyat (Revue algérienne

d'anthropologie et de sciences sociales). no. 19  -  20 (Janvier-Juin 2003).

Carr, Edward Hallett. What is History? Cambridge: University of Cambridge; Penguin Press, 1961.

Casanova, Antoine & François Hincker. Aujourd'hui l'histoire. Paris: Éd. Sociales, 1974.

Dosse, François. L'histoire en miettes: Des Annales à la nouvelle histoire. Paris: Éd. La Découverte, 1987.

مراجع إضافية

Duby, Georges. Orientations récentes des recherches historiques en France, Conférence à l'Institut français

d'Athènes, 14 octobre 1991. Athènes: Institut français d'Athènes, 1992.

Ehrard, Jean & Guy Palmade. L'Histoire. Collection U. Paris: A. Colin, 1965.

Ewald, François & Jean-Jacques Brochier. "Braudel. Le patron de la nouvelle histoire." Le Magazine littéraire.

no. 212 (Novembre 1984).

Frémeaux, Jacques & Bernard Valette (dir.). Analyses et réflexions sur l'histoire: L'écriture de l'histoire. Paris:

Ellipses Edition Marketing, 1980.

Gemelli, Giuliana. Fernand Braudel. trad. de l'italien par B. Pasquet & B. P. Marzi. Paris: Éd. Odile Jacob, 1995.

Halkin, Léon-E. Initiation à la critique historique. Paris: A. Colin, 1973.

Henri Lefebvre, Au-delà du structuralisme. Paris: Anthropos, 1971

Hirsch, Bernard & Jean-Pierre Chrétien. "Maîtriser le temps: Entretien avec Jacques Le Goff." Afrique et Histoire.

vol. 2 , no. 1 (2004).

Labrousse, Ernest. La crise de l'économie française à la fin de l'Ancien régime et au début de la Révolution

française. Paris: PUF, 1944.

Le Goff, Jacques (dir.). L'homme médiéval (Paris: Seuil, 1994),

Lévi-Strauss, Claude. Anthropologie structurale. Paris: Plon, 1958.

_______. La pensée sauvage. Paris: Plon, 1962.

Revel, Jacques. "Histoire et sciences sociales: Les paradigmes des Annales."  Annales. Économies, Sociétés,

Civilisations. vol. 34 , no. 6 (1979).

Veyne, Paul. Comment on écrit l'histoire, essai d'épistémologie. Collection L'université historique. Paris: Seuil, 1971.

Winock, Michel. "Qu'est-ce qu'un événement?" Histoire. no. 268 (Septembre 2002).

Amalvi, Christian (éd.). Dictionnaire biographique des historiens français et francophones, de Grégoire de Tours

à Georges Duby. Notice sur Fernand Braudel. Paris: La Boutique de l'Histoire, 2004.

Armitage, David & Jo Guldi. "Le retour de la longue durée: Une perspective anglo-américaine." Jérôme Baudry

(trad.). Annales Histoire, Sciences sociales. vol. 70 , no. 2 (Avril-Juin 2015).