وثيقة الاثني عشر: خُطاطة في تنظيم العلاقة بين الدّين والقانون في ألمانيا اللوثرية
The Twelve Articles: A Sketch of the Relationship between Religion and Law in Lutheran Germany
الملخّص
اشتعلت في ألمانيا، في القرن السادس عشر ميلاديًّا، ثورة واسعة أُطلق عليها "ثورة الفلاحين الألمانية" طوال عدة سنوات، وأفرزت خُطاطة مبدئية للدخول في مفاوضات بين الفلاحين والسلطة الحاكمة سُمّيت "وثيقة الاثني عشر"، وهي تتكون من اثني عشر بندًا. وحملت هذه الخطاطة معنًى جديدًا في تفسير الحق الإلهي. وبناءً على ذلك، انبثقت فكرة إعادة تنظيم القوانين بين الكنيسة والمجتمع المدني، وجرى تقديم دستور أوليّ متواضع وأفق إنساني جديد في كُنه الحقوق الإنسانية بالنسبة إلى مجتمع مُغلق، وهذا ما تريد الدراسة الكشف عنه، فضلًا عن اختبار مدى صحة هذا الأمر. وقد خلصت الدراسة إلى أن الثورة فشلت في تحقيق أهدافها، إلا أنّ التفكير الثوري القائم على وضع ضوابط تنظيمية حقوقيّة قد استقرّت جذوره في العقول.
Abstract
In the sixteenth century, a revolution was ignited in Germany that lasted several years, dubbed the Great Peasant Revolt. An initial plan for the peasants and the ruling authority to enter negotiations, called the Twelve Articles, was drawn up, consisting of twelve clauses. This document carried a new interpretation of divine truth and from it emerged the idea of reorganizing the laws between the Church and civil society. This study seeks to document and evaluate the proposition that this document drafted a modest preliminary constitution and a new horizon for human rights in a conservative society. The revolution failed to achieve its goals, but nascent revolutionary thinking based on the establishment of human rights provisions took root.
- ألمانيا
- تاريخ العصر الوسيط
- الدستور
- حقوق الإنسان
- ثورة الفلاحين
- germany
- Medieval History
- Peasant Revolution
- Human Rights
- Constitution
| 2021 02 09 | 2021 02 09 2021 08 22 2021 10 03 DOI: https://doi.org/10.31430/PHSH1519: الرقم التعريفي أستاذ اللغة العربية الحديثة في جامعة الكويت. * Professor of Modern Arabic Language at Kuwait University. omrimoez1@gmail.com طلال الجسار | Aljassar *Talal الألمانية" طوال عدة اشتعلت في ألمانيا، في القرن السادس عشر ميلاديًّا، ثورة واسعة أ طلق عليها "ثورة الفلاح ُ سنوات، وأفرزت خُطاطة مبدئية للدخول في مفاوضات بين الفلاحين والسلطة الحاكمة سُمّيت "وثيقة الاثني عشر"، وهي ذلك، انبثقت فكرة تتكون من اثني عشر بندًا. وحملت هذه الخطاطة معنى جديدًا في تفس الحق الإلهي. وبناءً ع إعادة تنظيم القوانين بين الكنيسة والمجتمع المدني، وجرى تقديم دستور أوليّ متواضع وأفق إنساني جديد في كُنه الحقوق الإنسانية بالنسبة إلى مجتمع مُغلق، وهذا ما تريد الدراسة الكشف عنه، فضلً عن اختبار مدى صحة هذا الأمر. وقد خلصت الدراسة إلى أن الثورة فشلت في تحقيق أهدافها، إلا أنّ التفكير الثوري القائم على وضع ضوابط تنظيمية حقوقيّة قد استقرّت جذوره في العقول. كلمت مفتاحية: ألمانيا، التاريخ الوسيط، ثورة الفلاحين، الدستور، حقوق الإنسان. In the sixteenth century, a revolution was ignited in Germany that lasted several years, dubbed the Great Peasant Revolt. An initial plan for the peasants and the ruling authority to enter negotiations, called the Twelve Articles, was drawn up, consisting of twelve clauses. This document carried a new interpretation of divine truth and from it emerged the idea of reorganizing the laws between the Church and civil society. This study seeks to document and evaluate the proposition that this document drafted a modest preliminary constitution and a new horizon for human rights in a conservative society. The revolution failed to achieve its goals, but nascent revolutionary thinking based on the establishment of human rights provisions took root. Keywords: Germany, Medieval History, Peasant Revolution, Constitution, Human Rights. وثيقة الاثني عشر خطاطة في تنظيم العلاقة بين الدين والقانون في ألمانيا اللوثرية The Twelve Articles A Sketch of the Relationship between Religion and Law in Lutheran Germany | |||
|---|---|---|---|---|
مقدمة
لم تكن الثورة الفرنسية (1789 - 1799)، التي استطاعت القضاء على النظام المَلكي في فرنسا ما جعل عنفوانُها يطير إلى الدول الأوروبية التي كانت ترزح أيضًا تحت مَلكيات سلطوية، هي أولى الثورات الأوروبية الداعية إلى الحرية والمساواة، بل سبقتها بمئتين وخمسين سنة ثورة تستحق التوقف عندها، لأنها كانت نتيجة انتشار مفاهيم جديدة لماهية الحرية وحقوق الإنسان ودور المؤسسات الدينية في المجتمع، ألا وهي "ثورة الفلاحين الألمانية" (1524 - 1526)، بيد أن وهج الثورة الفرنسية يبقى حاضرًا مشتعلً لنجاحها، في مقابل فشل ثورة الفلاحين الألمانية، لكن مع ذلك أفرزت الأخيرة خُطاطة1 تحمل مطالب الفلاحين إلى السلطة الحاكمة. تحاول هذه الدراسة رصد تعريف أسباب وأُسس هذه الخطاطة، التي نتصور أنها متشابهة النشأة والهدف مع الدساتير الحديثة من الناحية القانونية شكلً وموضوعًا، حين قدّمها الفلاحون الألمان الثائرون على الأوضاع الاجتماعية إلى السلطة الحاكمة في ولاية شوابيا العليا الألمانية، والتي تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين فئات المجتمع، وبسط عدالة القانون، وتوفير الحرية للأفراد، وإبطال القنانة في ظل مجتمع يئنّ تحت وطأة النظام الفيودالي، وإيقاف ما وجدوه من ظلم بسبب تحالف أمراء الدنيا والدين ضد الفلاحين والعامة، كذلك إيقاف تسلّط الكنيسة واحتكارها تفسير الكتاب المقدس. لكن من الأهمية بمكان الاطلاع سريعًا على الوضع السياسي والاجتماعي في ألمانيا في زمن ثورة الفلاحين، بعيدًا عن أي سرد تاريخي مُطول. ولتحقيق هذه النتاتج المرجوة، اعتمدت الدراسة على خطوات منهج البحث التاريخي في تقصّ ماهية خطاطة الاثني عشر، وتوصيفها توصيفًا موضوعيًا، ثم المقارنة العلمية بينها وبين الدساتير الحديثة، للوصول إلى الهدف الدقيق وهو مدى الصحة والدقة في وصف هذه الخطاطة بأنها كالدستور.
أولً: المجتمع الألماني يف القرن السادس عشر
كانت ألمانيا ما تزال جزءًا من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي قامت على أنقاض الإمبراطورية الكارولنجية عام 962 م بتتويج أوتو الأول إمبراطورًا، وعرفت بالمقدسة في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، وبالرومانية في القرن الثالث عشر الميلادي، وبالجرمانية في القرن الخامس عشر الميلادي. وخلافًا لنظام الحكم الوراثي في الإمبراطورية الكارولنجية، اعتمدت الإمبراطورية الرومانية المقدسة نظامًا انتخابيًا بموجب قرار بابوي عام 1356 م، فسُميت الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي ضمت عدة ممالك وإمارات. ومع بداية القرن الرابع عشر الميلادي، بدأت ألمانيا تأخذ شكلً سياسيًا جديدًا هو تعدد الممالك والإمارات المُنفصلة داخل أراضيها، بسبب عدم وجود مَلكية واحدة مطلقة في الدولة كما في فرنسا وإنكلترا، إلا أن هذه الممالك الألمانية كانت جميعها تتبع الحكم الإمبراطوري سياسيًا وبابا روما دينيًا، أما اجتماعيًا فقد عاش الناس تحت سطوة النظام الإقطاعي، الذي يقوم على الطبقية ومبدأ اللامساواة بين الأفراد أمام القانون، ما أدى إلى وجود هرمية مجتمعية واضحة، وهذا ما تكشفه طبقات المجتمع، كما لي:
1. مكونات الطبقة العليا (الحاكمة)
وتضم من يسيطرون على مؤسسات الحكم والقضاء، ويتحكمون في الفرسان والجنود، ويملكون الأرض ويُسخرون المزارعين، وهم كما لي:
أ. الإمبراطور نظرًا إلى أن الإمبراطور كان يحكم إمبراطورية مكونة من عدة ممالك وإمارات، فإن الأباطرة لم يكونوا موجودين على نحو دائم في ألمانيا، وهذا ما جعل حُكمهم ونفوذهم فيها ضعيفًا2؛ فسلطة الإمبراطور المنتخب من ثلاثة من كبار الأساقفة وملك وثلاثة أمراء كانت، في غالب الأحيان، سلطة اسمية. ب. الأمراء أدى انصراف الأباطرة عن شؤون ألمانيا إلى انعدام قيام سلطة مركزية قوية؛ ففتح الباب أمام أمراء ألمانيا للتحرر من سيطرة الإمبراطور، وتوطيد نفوذهم وسلطانهم في ممالك أو إماراتٍ منفصلة جغرافيًا لم تكن تعترف سوى بالسيادة الاسمية الإمبراطورية3، فأضحى الأمراء رأس الهرم فيها، بسلطة مطلقة في الحرب وفرض الضرائب وتنفيذ القوانين وسكّ العملة. وقد حاول الإمبراطور ماكسيمليان (1493 - 1519) تقوية السلطة المركزية في ألمانيا كإنشاء جيش واحد وضرائب موحدة، إلا أن الأمراء أحبطوا ذلك. ج. السادة الإقطاعيون تميز السادة الإقطاعيون من بقية مكونات المجتمع بنمط عيشهم الباذخ وعقلياتهم، وبقوة العلاقات العائلية عندهم. وقد تحكموا في حقول ومروج وبساتين وغابات وأحراش، وسخّروا المزارعين لخدمتها مقابل جزء من الإنتاج ومجموعة من الضرائب والخدمات. د. الفرسان أو المحاربون الفرسان أو المحاربون Bellatores شريحة نبيلة من الرجال الذين أتقنوا فن الحرب وسخّروا أنفسهم للعمل مع الأباطرة والأمراء وبقية السادة الإقطاعيين وحماية مصالحهم نظير مبالغ مالية4. ه. رجال الدين المصلون تتكون طبقة رجال الدين المصلين Oratores من فئتين5: الفئة الأكبر منهم يعيشون في المدن والقرى ويشرفون على الصلوات والواجبات الدينية في الكنائس، ولهم سلّم كهنوتي يضم على رأسه البابا ثم الكرادلة فالأساقفة والقساوسة، وكانوا مستقرين في روما. الرهبان الذين يعيشون في الأديرة في إطار التنظيمات الديرية، بقصد التعليم والتعلم والعبادة والعمل، والوعاظ الذين يقومون بالحملات التبشيرية. عُرفت هذه الطبقة بأنها السلطة الفكرية التي احتكرت حق التعليم الديني وتفسير الكتاب المُقدس وإدارة شؤون الحياة الروحية، فأصبحت الكنيسة المتمثلة بالبابوية تملك قوة جامحة، ما جعلها تتحول إلى قوة سياسية بجانب القوة الدينية، ولذلك رفض البابا
والسادة الإقطاعيين.
2. مكونات الطبقة الوسطى
أ. التجار ب. المواطنون المتعلمون كالمدرسين والأطباء والمهندسين وكبار الصناع أو الحرفيين المهرة.
3. مكونات الطبقة الكادحة
طبقة كادحة مُعدمة تقبع في أسفل السلّم الاجتماعي، وتتكون من: أ. طبقة العامة
ومجذومين وغيرهم من المنبوذين. ب. طبقة الفلاحين
حيوانًا لحمل الأثقال أو ربما أسوأ"6. وتكونت طبقة الفلاحين من الفئات الآتية: بونيفاس الثامن (1294 - 1303) حق الملوك في فرض ضريبة على رجال الدين "الإكليروس"7، فزادت ثروة الكنيسة، وفي المقابل فرضت ضريبة على الفلاحين تُسمى العشُر الكنسي أي عشُر بيع محاصيلهم، فأضحى كبار رجال الكنيسة ومقدمو الأديرة سادةً يتحكمون في أراضٍ شاسعة، يسخّرون المئات وأحيانًا الآلاف من الأقنان في خدمتها، وبناء عليه ارتبط مصير رجال الدين بالأباطرة والأمراء
كأصحاب الحرف المتواضعة والعمال المياومين في القرى والمدن، إضافة إلى شريحة العوام المهمشين من متسولين ومشرّدين
كان الفلاحون القاعدة التي قام عليها هرم المجتمع آنذاك، واستمدت فئات المجتمع منهم المقومات الأساسية للحياة كالمأكل والمشرب، وقد ذكر الباحث بيتر بليكل أنه "في ضوء الحقيقة، شكّل الفلاحون ما نسبته 80 في المئة من سكان ألمانيا في القرن السادس عشر"8، واعتمد عليهم الأمراء والنبلاء في زيادة الثروة من خلال الضرائب والإنتاج الزراعي وتربية الماشية والعناية بالأرض، "لقد كانت كل الطبقات الرسمية في الإمبراطورية تعيش على ذبح الفلاح"9. ومع ذلك، فقد كانت طبقة الفلاحين الكبيرةُ موضع ازدراء، ومجردة من الحقوق تقريبًا وعليها التزامات كثيرة، و"أيًا كان الذي يستعبد الفلاح، أميرًا أو نبيلً أو أسقفًا، فقد كان الجميع يُعاملونه باعتباره
فئة الفلاحين الأحرار
وهي فئة قليلة العدد من الفلاحين الذين يملكون مساحات محدودة من الأراضي ما وفّر لهم بعض الحقوق، كبيع أراضيهم أو شراء أخرى وبيع مواشيهم ومحاصيلهم وحمل السلاح من دون موافقة السيد الذي يتبعونه مع دفعهم الضرائب له نظير الحماية. إلا أن هذه الفئة مع مرور الوقت بدأت تتضاءل نظرًا إلى ما تتعرض له من ظروف اقتصادية قاسية10، فكانت النتيجة أن تحوّل معظمهم إلى الفئة التالية.
فئة الأقنان (عبيد الأرض)
أدت الفوضى والمجاعات وطغيان الأقوياء إلى تحوّل عدد من الفلاحين الأحرار إلى أقنان، أو كما أُطلق عليهم اجتماعيًا "أنصاف الأحرار" أو "أنصاف العبيد"11، وهم القسم الأكبر من طبقة الفلاحين الذين يعملون في أراضي السادة والأتباع والكنائس والأديرة مقابل بعض سبل العيش (كالكسوة، والأكل، والسكن). وبذلك أضحت القنانة منزلة بين العبودية والحرية، وفيها لا يتمتع الفلاح إلا بالقليل من الحقوق المدنية، فمن جهة لم يكن القن عبد سيده، بل كانت له حقوق قانونية (كالزواج وتكوين أسرة، والحماية، والسكن) واقتصادية (قسط من إنتاج الأرض التي يستغلها والحيوانات التي كان يرعاها)، ومن جهة أخرى لم يكن للقن حرية التصرف بنفسه وأهله، إذ لم يكن في استطاعته أو استطاعة أحد أفراد أسرته أن يترك ضيعة سيده، أو أن يتزوج من دون موافقة السيد، إلى جانب التزامه بدفع الضرائب. إذًا، فقد ارتبط القن بالأرض وارتبطت به، وهو أداة فلاحتها ولا حق له في أن يملك شيئًا، فالأرض التي يستغلها، والمنزل الذي يقطنه وما هو تحت تصرفه من متاع وماشية ملكٌ للسيد الذي كان يتحكم في القن وعائلته قانونيًا واقتصاديًا، وكان للسيد حق معاقبة الفلاح وسجنه إذا عصى أوامره. وخلافًا للمنزلة السابقة، أي الفلاح الحر، كان على القن دفع ضريبة الرأس12. ولذا، كانت علاقة القن بسيده ذات شقين: تبعية اقتصادية، وعبودية شخصية.
ثانيًا: ألمانيا متأهبة للإصلاح ضد الإقطاع
كانت ألمانيا تتحرك نحو الثورة طلبًا للإصلاح الديني والاجتماعي، سواء أدركت ذلك أم لم تدركه، بعد أن تنامت أسباب الثورة التي لا يمكن تفسيرها على نحو منفرد؛ فقد أضعف النظام الإقطاعي ألمانيا كثيرًا من الناحية الاقتصادية، واستُغل الفلاحون أبشع استغلال على أيدي برجوازية ناشئة حضرية، وشكّلت الضرائب المتواصلة ثقلً على كاهل الناس، وزاد هذا النصَب تحت حكم الإمبراطور شارل الخامس (1520 - 1550) الذي ترك ألمانيا "ترزح ألمًا تحت وطأة إقطاع رجعي"13. ولم يعد الفلاحون قادرين على دفع الضرائب، خاصة خلال فترات الفيضانات أو الجفاف أو المواسم الثلجية التي تؤثر في الزراعة، فبدأ الحكام والنبلاء جمعها بالقوة المسلحة، ما دفع
الفلاحين العاجزين عن سداد ديونهم إلى الفرار إلى المدن، فأدى ذلك إلى ضعف الإنتاج الزراعي والاقتصادي، فاحتاجت الطبقات الحاكمة إلى خطط جديدة لوقف هذا النزيف، من ذلك إعادة تنشيط القنانة لكبح جماح الهجرة الريفية، ومنع زواج الفلاحين من أسياد مختلفين، بل بقاؤه محصورًا في الأسرة الواحدة، لتكون عائلات الفلاحين مرتبطة بمزارعهم، ولمعرفتهم والتحكم فيهم من وجهة نظر إدارية. بدأت عملية الأقلمة التنظيمية الجديدة تنتشر في أنحاء ألمانيا كافة، لكن كانت تحتاج إلى موافقة ودعم كنسيَيّن مؤطرَين دينيًا. ولما كانت الضرائب في ألمانيا تُقسَّم بين الإقطاعيين وكبار الأساقفة والقساوسة رجال الكنيسة الكاثوليكية في روما المتحالفة في الأساس معهم، فقد وافقت الكنيسة على القنانة باسم الدين، ورفضت كل محاولات تغيير أوضاع المجتمع الجديدة، لأنها وجدت أن في التغيير خطرًا على مصالحها الاقتصادية، ما دفعها إلى ممارسة القمع الفكري ضد كل ما لا يتوافق مع منهجها وآرائها، فظهرت محاكم التفتيش للتخلص من المفكرين الأحرار بحجة التمرد والهرطقة، واحتكرت تفسير نصوص الكتاب المقدس، وساعدها في ذلك كون رجال الدين هم الفئة المُتعلمة الكبرى التي مارست كذلك أساليبَ وتبنّت آراءً دينية لتعزيز نفوذها، منها أن الإنسان مذنب على الدوام ولا طريق أو خلاص له إلا عن طريق الكنيسة ورجالاتها وما تقدّمه من صكوك وتأمر به من أفعال، فهي المسؤولة عن شؤون الحياة الروحية، لذا لا بد من أن يخضع للبابا كلُّ مخلوق بشري يريد الخلاص، خاصة بعد أن أعاد البابا بونيفاس الثامن تعريف مبدأ "السيفين" بمرسوم بابوي باسم "يونام سانكت": "السيفان الروحي والمادي كلاهما تحت سلطان الكنيسة، الأول يُستخدَم بواسطة الكاهن، والثاني بواسطة الملوك والقادة ولكن بمشيئة الكاهن وموافقته، وللبابوية السلطة المطلقة على كل الناس وفي كل الشؤون"14. لقد رسم كل هذا في نفوس الألمان صورة سلبية عن الكنيسة المُستبدة ورجالاتها الذين يعيشون حياة بعيدة عن المسيحية والزهد، وينافسون رجال الإقطاع في امتلاك الأراضي الزراعية وفرض الضرائب وبيع صكوك الغفران، "حتى ضجَّ الناس بالشكوى من أعلى حاكم إلى أدنى قرويّ من أن الكنيسة عاشت للمال، وأرى أننا نادرًا ما نحصل على شيء من خدم المسيح إلا بالمال: في العماد، في الزواج، في الاعتراف، في دق الأجراس أو في مراسم الدفن دون المال"15. ومما أشعل كذلك جذوة الثورة والإصلاح تنامي النزعة القومية، حيث بدأت الدعوات المُستعرة إلى تحرير ألمانيا من تبعية روما الدينية، والانعتاق من الهيمنة الأجنبية المتمثلة بالبابوية التي تدفع لها الكنيسة الألمانية الأموال الضخمة جزيةً وضرائبَ وتبرعاتٍ، والاستعاضة عن ذلك ببناء كنيسة قومية ألمانية وأداء الصلاة بلُغة ألمانية وليست لاتينية غير مفهومة. كذلك كان النبلاء ينظرون بحسد إلى ممتلكات الكنيسة من الأراضي، وينتظرون الفرصة للاستحواذ عليها، وقد وجدوا ضالتهم في حركة الإصلاح الديني. أضف إلى ذلك اختراع الطباعة، ثم ما قدّمته النهضة الإنسانية من أعمال تدعو إلى تحرير العلوم والفكر، حين اهتمت بإحياء التراث اليوناني والآداب الإنسانية. وكتب رجال هذه النهضة الكتيبات الساخرة والهجاء المر بالكنيسة، واتهموها بالجشع وحب المال وإهمال العقل والفكر الحر ونشر الخرافة وطالبوا بإصلاحها16، وإن كانوا لم يشقّوا عصا الطاعة ويُعلنوا الحرب العلنية عليها كما فعل القس وأستاذ اللاهوت مارتن لوثر حينما صبّ الزيت على النار بمعارضته الكنيسة والتحريض عليها برفض صكوك الغفران وتقديم رؤية دينية شاملة في المسيحية تعارض ما تطرحه الكنيسة.
ثالثًا: انطلاق الثورة17
توزعت ثورة الفلاحين19 في ألمانيا على مجموعات مناطقية لم يكن بينها تنسيق وتخطيط ثوري، بمعنى أنه لم تنطلق الثورة في كل القرى في وقت واحد، بل كانت بحسب معاناة القرية، أو حين تتوافر لها بعض الأسباب كوجود محرضين فيها، أو مما يصل إليها من رسائل تهديد أو تشجيع من قرى ثارت وتطالبها بالانضمام، لهذا كان قيام الثورة تدريجيًا. وبعد أن كانت الثورات مقتصرة داخل القرى وبين أبنائها، بدأ يظهر التنسيق والاتفاق بين الثوار في نهاية عام 1524. في البداية، انطلقت الثورة من ولاية شوابيا العليا20Oberschwaben، وانضم بعض العامة القاطنين في المدن إليها، وبدؤوا في تنظيم صفوفهم واختيار قادة لهم، فأخذ الثوار في مدينة لينداو Lindau في التجمع والتداعي حتى بلغ عددهم اثني عشر ألف رجل، مكونين ثلاث مجموعات مقاتلة مسلحة، وهي: مجموعة بالترينغر
Haufen Baltringer Der، ومجموعة زيهاوفن Seehaufen Der، ومجموعة آلغويا Haufen Allgäuer Der.
وأيّد الثورة الكثيرُ من رجال الدين الساخطين من الرتب الدنيا الذين كانوا يمقتون السلطة الكهنوتية في روما، منهم الراهب هانز جاكوب الذي أصبح قائدًا ثوريًا، وجمع خمسة آلاف فلاح، وأستاذ اللاهوت والقس توماس مُونتزر أحد المحرضين الأساسيين على قيام هذه الثورة بعدما ألهب مشاعر الفلاحين بكتاباته وشعاراته. وقد كانت سرعة تنظيم الفلاحين لأنفسهم مدهشة، فانطلقت مجموعات الثوار في محيط هذه الولاية تنهب الكنائس والأديرة وقصور الأمراء ومنازل النبلاء، "وأحب الفلاحون ما يفعلون من نهب واستيلاء على الأديرة21". وحينئذ تحرك أمير مناطق شوابيا في محاولة لصد الفلاحين، لكنه لم ينجح تمامًا في إيقاف الثورة، لأنها لم تكن ثورة منظمة وحربًا نظامية، بل كانت عبارة عن مجموعات مختلفة، بعضها قد يُباغت مدينة ويحتلها، وبعضها الآخر قد يفشل ويتراجع، وهكذا دواليك، إلى جانب قلة عدد جنودها بسبب وجود الأغلبية مع الإمبراطور في حروبه. تطورت الأحداث واشتعل الصراع علانية خاصة بعد تزايد المناطق الثائرة التي زلزلت جنوب ألمانيا وغربها، وزاد عدد المجموعات المسلحة حتى بلغ عدد الثوار عشرات الآلاف من المدججين بالسلاح، وانتشرت النار في الهشيم. أما سبب إطالة أمد الثورة، فهو أن السلطة كانت تخمد الثورة في قرية أو مدينة، وبعدها تنتفض أخرى.
1. محاولة إصلاح معتدل
بذل بعض الفلاحين المثقفين محاولات حثيثة وأخيرة لدرء الحرب وإيقاف الثورة عن طريق اقتراحهم تحسين أوضاع الفلاحين وتحقيق مطالبهم، فهم لم يكونوا أهل حرب وضرب ولا يرغبون فيها، لكنهم اضطروا إلى رفع السلاح لتخفيف معاناتهم، فقدّموا مئات الشكاوى إلى مجلس اتحاد شوابيا العليا ضد ما يعانونه، يطلبون فيها منهم التفاوض حول هذه الرغبات، ولم يكن نبلاء اتحاد شوابيا العليا جادين في النظر في هذه الشكاوى. لكن، كسبًا للوقت واستعدادًا للمعركة مع الفلاحين لإخضاعهم قسرًا، وافق المجلس على عقد مفاوضات معهم وشكّل فريقًا من النبلاء وأعضاء مجلس المدينة لهذا الغرض، ومع ذلك لم تستمر المفاوضات طويلً، فقد انفضّ النقاش بعد أيام، ورفض مجلس اتحاد شوابيا العليا إتمام المفاوضات لما وصلت أخبار عودة جيوش أمراء شوابيا العليا من فرنسا التي
كانت تساند الإمبراطور في حربه هناك22، فاشتعل غضب الثوار خلال المفاوضات، واحتلوا بعض القلاع والأديرة على الرغم من تحذير القادة لهم وأمرهم بالتزام الصبر.
2. جمعية تأسيسية منتخبة
تشاور الفلاحون ومؤيدوهم قبل الاجتماع مع مجلس اتحاد شوابيا العليا، فقرروا إنشاء "الرابطة الإنجيلية للفلاحين" التي تعهدت بتحرير فلاحي ألمانيا من وطأة النظام الإقطاعي23، واندرجت مجموعات الثوار جميعها تحت هذه الرابطة، واختير خمسون شخصًا ليكوّنوا لجنة تمثل الثوار أمام السلطات، وكان منهم قادة المجموعات الثائرة وبعض الكُتاب المتعلمين وأساتذة اللاهوت، "وكانت هذه أول جمعية تأسيسية سياسية اتحادية على الأراضي الألمانية"24. وفي الحقيقة، لم يغب عن قادة الثوار هزيمة ثورة العامة في إسبانيا قبل سنتين، عام 1522، وهي ثورة كبيرة نجحت في البداية وحررت مدريد من سلطة الإمبراطور والنبلاء، ولكن بسبب قسوتها وهمجيتها تعاون النبلاء للقضاء عليها، ومن أجل ذلك لم يكن هدف بعض قادة الثوار الانغماس في حرب مع الأمراء والنبلاء، بل التوافق والوفاق معهم، لأن ثورة الفلاحين لم تكن تطمع في إسقاط الإمبراطور والأمراء وتغيير النظام السياسي برمته، بل "كانوا يرجون احترام مطالبهم وحقوقهم تحت سلطة إمبراطور قوي"25، لذلك حاولوا أن تقوم ثورتهم على أسس دينية وحقوقية وبدعم من الكتاب المقدس، ليكون دافعًا لهم ورادعًا للسلطة عن قتلهم وسبيلً لتحقيق مطالبهم. حاول السيد أولريش شميد، قائد مجموعة بالترينغر، الاعتماد على دعم ديني وقانوني قبل لقائه بالسلطة الحاكمة، لعلها تقتنع فتتوقف الثورة، وذلك لعلمه بقوة السلطة عسكريًا، فجُل ما أراد أن يعرض شكاوى الفلاحين بصدق، ولذا اختار كاتبًا مثقفًا بليغًا هو سيباستيان لوتزر ليذهب معه26، وقبل الاجتماع ناقش الفلاحون مطالبهم المتعددة التي صاغها الكاتب المُحترف لوتزر بمساعدة القس كريستوف شابيلر في عدة صفحات أُطلق عليها اسم "المقالات أو البنود الاثنا عشر"، ليعرضها شميد على مجلس اتحاد شوابيا العليا، فطبع منها خمسة وعشرين ألف نسخة، وطارت بها الركبان قبل الاجتماع في أراضي الإمبراطورية لتصل إلى أغلب الثوار، فتجمع كلمتهم وتوحّد مطالبهم وتقوّي صفوفهم، وقد جاء الدعم والتأييد للبنود الاثني عشر من الأغلبية الساحقة، ولهذا تعد وثيقة البنود الاثني عشر أول وثيقة مكتوبة للمطالبة بتنظيم عقد اجتماعي جديد وتنظيم إداري حديث لسلطة حاكمة في ألمانيا وأوروبا، كتبتها جمعية تأسيسية منتخبة، وحازت موافقة شعبية في العصور الوسطى. وحينما اجتمعت الجمعية التأسيسية مع أعضاء مجلس اتحاد شوابيا العليا لمناقشة مطالب الثوار في آذار/ مارس 1525 في منطقة ميمينجين Memmingen، دفعت الجمعية وثيقة الاثنى عشر فقط خلال المفاوضات، وفيها قدّم الفلاحون رؤية عميقة حول الحقوق الأساسية للأفراد، وكان الحِجاج على ذلك من الكتاب المقدس، ما يدل على وعي ديني ورؤية إصلاحية جديدة للمجتمع. وكما هو متوقع، كانت المفاوضات معقدة جدًا، وانتهت من دون أي نتائج تقريبًا؛ لقد "أرادت مجموعة آلغويا تطبيق البنود كاملة، بينما كانت مجموعة بالترينغر تأمل في تسوية سلمية مع السادة. نُوقشت بنود وثيقة الاثني عشر وتمت الموافقة على بعضها"27.
3. بنود وثيقة الاثني عشر
تتكون بنود وثيقة الاثني عشر من بضع ورقات كُتبت باللغة الألمانية القديمة التي يُطلق عليها اسم Mittelhochdeutsch، و"تحمل شكاوى وبرنامجًا إصلاحيًا وميثاقًا سياسيًا في الوقت نفسه"28، وتحتفظ المكتبة العامة في مدينة ميمينجين بنسختين أصليتين منها تعودان إلى عام 152529، وبنودها كالآتي30: يجب أن تمتلك كل بلدة وقرية حق الاختيار في تنصيب قِسيسها وعزله إن تصرف بطريقة غير لائقة، كذلك يجب على القسيس أن يقدم خُطبته وعِظته من الكتاب المُقدس فحسب ومن دون أي إضافات أو تفسيرات من فهمه؛ فالكتاب المقدس ينص على أننا جميعًا نستطيع الوصول إلى الله من خلال الإيمان الحقيقي وبلا واسطة. إن ضريبة العشُر حق لله لا مراء فيه، ونصها مُثبت في الكتاب المُقدس، ولكن يجب أن تُجمع وتصُرف بطريقة مختلفة عما هي عليه الآن، فهذا العشُر يُجمع أولً من مسؤول كنسي تتفق على تعيينه الجماعة (القرية) بما يعود نفعه على عدة أطراف، فيجب أن يُعطى القسيس المُنتخَب من الجماعة ما يعتبره الجميع ضروريًا وكافيًا لمعيشته مع أسرته، ثم يُوزع الباقي على الفقراء المحتاجين في القرية بحسب الحاجة وبموافقة الجماعة (القرية). أما ما يفيض فيجب الاحتفاظ به لأي أخطار مستقبلية كجفاف الأرض، فحينها تُدفع ضريبة العشُر من هذا الفائض، وأما إذا اتفقت القرية كاملة - في حالة الحاجة المُلحة والجفاف الشديد - على بيع ضريبة العشُر، فلا بأس في ذلك، ولا تُطالَب لاحقًا بدفع هذه الضريبة. وأما ضريبة العشُر الصغيرة التي ابتدعها البشر فإننا لن ندفعها إطلاقًا، ويجب إلغاؤها، فالله قد خلق الماشية للإنسان كي ينتفع بها31. لقد جرت العادة، حتى الآن، على أن يعُدّنا السادة متاعًا لهم، وهذا أمر يدعو إلى الحُزن، لأن المسيح كفّر عن سيئاتنا جميعًا، وافتدى بدمه الزكي المراق الأدنياء والعظماء على السواء وبلا استثناء، ومن ثم فإنه مما يتفق مع تعاليم الكتاب المقدس أن نكون أحرارًا، وهكذا نريد أن نكون. مما ليس في الكتاب المقدس ولا من رباط إخوة الدين أن يبقى الفقير محرومًا وغير قادر على صيد السمك والدواجن واللحوم إلا بإذنٍ وموافقةٍ من سيده، فهل أعطى الرب للسيد وحده ذلك الحق في اصطياد جميع الحيوانات، سواء أكان طائرًا في السماء أم سمكًا في الماء، في حين حرّمه على الفقير. لقد احتكر السادة الخشب في الغابات التي هي ملك للجميع، فإن كان للفقير حاجة في قطع الأخشاب فوجب عليه أن يدفع لهم مقابل ذلك ضعف السعر، ولأجل هذا فإنه يجب إيقاف ذلك وإعادة جميع الأخشاب التي سُلبت من الغابات ولم يُدفع ثمنُها إلى البلدية في كل مدينة، لكي يستطيع كل محتاج أن يحصل على حاجته منها للبناء أو التدفئة.
إن مضاعفة الأعمال والأعباء على كاهل الفلاح من يوم إلى آخر أمر مُحزن، ولذلك نطالب بتحديد هذه الأعمال وتفهّم طاقة الفلاح على القيام بكل هذا، إضافةً إلى أهمية حصول الفلاح على الراحة في يوم الأحد وفقًا لما جاء في الكتاب المقدس، الذي خصصه وقتًا للراحة والعبادة والاجتماعات الدينية. أهمية الاتفاق مع الفلاحين قبل السنة الزراعية على تحديد نِسَب المحاصيل، ولا يجوز للسادة المطالبة برفعها بعد ذلك. لقد لحق الضرر والخراب الكبير ببعض الفلاحين بسبب أراضٍ مستأجرة غير صالحة للزراعة، ما جعل الغلة في النهاية تكون غير كافية لسداد قيمة الإيجار، ولكي لا يذهب مجهود الفلاح سُدىً فإننا نرجو من السادة تكليف أشخاص أمناء أولً لمعاينة كل أرض قبل أن يستأجرها، ثم تحديد الإيجار العادل وفق جودتها. إن الغرامات الضخمة التي فُرضت في ظل القوانين الجديدة لم تكن تتوافق مع جريرة الأفعال المُرتكبة، بل ظهر أنها أداة بيد السادة والقضاة لمضاعفة غرامة العقوبات وقت الإدانة ضد من يريدون، ولأجل ذلك نريد أن تكون العقوبة لكل جريرة بحسب لوائح العقوبات القديمة المسجلة. انتزع السادة لأنفسهم ملكية مروجٍ ومراعٍ من الحقول المشاع، بعد أن كانت ملكًا للجميع، ثم منعوا عنها الفلاحين والعامة، ما سبّب الضرر الكبير للفلاحين ومواشيهم، لذلك نود أن تعود هذه المروج والمراعي لنتشارك فيها جميعًا. ينبغي حال وفاة الفلاح أن تسقط الضرائب التي عليه كافةً، خصوصًا ما يُطلق عليها ضريبة الميراث، وهي مشاركة السادة في هذا الميراث، لأننا نرفض نهب أموال اليتامى والأرامل على هذا النحو المضُرّ بهم بما لا يتوافق مع شريعة الله والشرف. أخيرًا إن ما قرأتموه آنفًا يوضح رغباتنا. لكن على الرغم من ذلك، إذا تبين أن ثمة خطأ في بند أو أكثر من البنود المُوضحة والمُؤطرة بفضل كلمة الله "الكتاب المقدس"، فإننا نتراجع عنها فورًا وتُلغى إن ظهر لنا هذا الخطأ من الكتاب المقدس، وفي المقابل نريد المحافظة على حقوقنا إن تبيّ أيضًا في الكتاب المُقدس أي بند جديد ضد شريعة الله وما هو فوق المعتاد.
رابعًا: أسس خطاطة الاثني عرش
1. الحق الإلهي
"وقف أولريش شميد في المفاوضات ليسأل أعضاء السلطة: هل يرجع الحق الإلهي إلى الإمبراطور أم إلينا؟ فرد عليه الأعضاء: أنت تسأل عن الحق الإلهي. لكن قل لنا: من يُطبق هذا الحق؟ الرب يُنزل به من السماء ونحن نعمل بهذا الحق"32. وأما قانون "الحق الإلهي" Recht göttliche Das فهو مفهومٌ ديني وسياسي شاع في أوروبا القرون الوسطى، وقد استمد الملوك والأمراء من بعض قوانينه حقًا إلهيًا في شرعية الحُكم المُطلق بلا منازع أو معارض لأوامرهم، لأن الملك هو ظل الله في الأرض ونائبه أو ممثل عنه في حكم عباده. وهذا الحق نعمة من الله له، وبناءً عليه فلا يحق لأي قوة في الأرض أن تحاكمه أو تسأله عما يفعل. وقد وفرت الكنيسة الكاثوليكية غطاءً شرعيًا لتوضيح أن الله قد أعطى الملوك حق السلطة الإلهية، وأعطى الكنيسة حق السلطة الروحية. ومما جاء في قانون الحق الإلهي: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مَرتبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفًا للأعمال
الصالحة بل للشريرة، أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه، لأنه خادم الله للصلاح! ولكن إن فعلت الشر فخَف، لأنه لا يحمل السيف عبثًا، إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر"33. أطلقت الكنيسة على الحق الإلهى اسم "قانون إرادة الله للخلاص" Gottes Heilswille Der، ثم ذكرت أنه "من أجل الصالح العام وخدمة الناس، فإنها المُختصة والمفوضة بتفسير هذا القانون وتوضيحه وتحديده، لأنها المسؤولة عن شؤون الناس الدينية، ثم إن القانون يتضمن تفاصيل متعددة منها قواعد الحياة كالزواج وتربية الأطفال تربية مسيحية"34، بل جعلت الكنيسة قانون الحق الإلهي هو "جوهر وبذرة الدستور الكنسي، ومعيار تنظيم الاختصاصات"35. لقد وجدت الكنيسة في قانون الحق الإلهي قوةً كبيرة لإخضاع المجتمع، ولذلك أصبحت له الأولوية على القانون العام. لكن في النهاية لم تلتزم الكنيسة بتقديم تعريف دقيق له. لقد أصبح قانون الحق الإلهي يُضفي الشرعية والقانونية على قرارات الكنيسة، وفتح لها كل الأبواب، وتجاوزت به كل الصعاب. لكن ثورة الفلاحين الألمانية أرادت إعادة تعريف مفهوم الحق الإلهي بالتوافق مع قانون الحق الطبيعي Naturrecht، اعتمادًا على إسهامات النهضة الإنسانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، التي كانت تدفع في اتجاه الرجوع إلى المصادر الأولى للمسيحية دون فلسفة القرون الوسطى ودراسة مخطوطات الكتاب المقدس باللغة اليونانية36. وعلى الرغم من أن هدف النهضة الإنسانية لم يكن التصادم المباشر مع الكنيسة أو النظام السياسي، كما فعلت الثورة، فإنها حينما أعادت نشر التراث الأوروبي القديم، خصوصًا الدراسات اليونانية المُتقدمة، واهتمت بترجمتها وتفسيرها، فتحت بهذا العمل آفاقًا لإعادة النظر في اللاهوت ودراسته، وأدى الإنسانيون دورًا حيويًا في توعية الناس بما أنتجته الثقافة اليونانية من ثراءٍ في الفكر والأخلاق والفن37، وإصلاحٍ تعليمي عن طريق إنشاء الجامعات لإعداد معلمين ومحامين وأطباء وعلماء لاهوت. وهذا كله صبّ في خدمة الإصلاح الديني والنهضة الأوروبية، وزاد عدد الإنسانيين في ألمانيا، وكذلك انتشرت المطابع وراج تأليف الكتب والاتّجار بها والمحاضرات والمناظرات، حتى قال أحد معاصري هذه الحقبة: "إن كل إنسان اليوم يريد أن يقرأ ويكتب"، وكتب آخر: "لا نهاية للكتب الجديدة التي تؤلَّف"38. ومن أشهرهم يوهانس روشلين (ت. 1552)، الذي حاول التوفيق بين الأخلاق المسيحية ومفاهيم الإنسانية كالحق الطبيعي استنادًا إلى ما كتب القسيس الإيطالي والفيلسوف توما الأكويني في القرن الثالث عشر عن إعادة إحياء فلسفة قانون الحق الطبيعي المُستنبط من الفلسفة اليونانية الوثنية وتطويره وربطه بالمسيحية الدينية. كانت المجتمعات الأوروبية المسيحية في العصور الوسطي آنذاك تفضّل، في المقام الأول، القوانين التي ترجع إلى طبيعة دينية أو مرجع إلهي من الكتاب المقدس وتدعمها وتؤيدها، ولذا لم تقم محاولات المفاضلة أو المقارنة أو التمييز أو البحث النظري للمعايير القانونية بين القانون الطبيعي والقانون الإلهي، خوفًا مما قد يُستنتج أو يُفهم أنه طعن أو تشكيك في المسيحية باعتبارها أساسًا دينيًا قائمًا للمجتمع، ثم نظرًا إلى أن هذا القانون الإلهي كان يُفهم ويُعرف على نحو أساسي بأنه إرادة من الله أو نعمة منه على الملك، وبناء عليه فلا تحتاج السلطة إلى مُناقشة أو تبرير لاستخدامها له، وخاصة أن الكنيسة كانت تطلب من الناس الاتباع من دون مناقشة،
ما أمات روح الإبداع والابتكار. لكنْ بدأ اللجوء إلى القانون الطبيعي وتفسير القانون الإلهي يأخذان منحىً آخر مرة أخرى، ويؤديان دورًا مهمًا في سياق التنوير والعلمنة مع النهضة الإنسانية، وغدت حجج قانون الحق الإلهي السلفية موضع شكٍ متزايد، وأخذ الناس يُطالبون بفصل القانون الطبيعي عن الأساس الديني - اللاهوتي الذي وضعه فلاسفة الكنيسة. ومن أجل ذلك، وقبل ثورة الفلاحين، كان الفلاحون في جدال مستمر مع رجال الدين حول القانون الإلهي، ما شجع على قيام حركة أو رابطة "البوندشُوه" Bundschuh39عام 1493 ضد آراء الكنيسة التي فرضتها في قانون الزواج وما فيه من عقبات40. اعتمدت ثورة الفلاحين، في صياغة بعض القوانين والأهداف والسمات الرئيسة لنظام اجتماعي طموح في بنود وثيقة الاثني عشر، على مفهوم أساسي وهو أن قانون الحق الإلهي يتضمن العدالة الإلهية لجميع البشر، وهو لا يتعارض مع قانون الحق الطبيعي، بل داعمٌ له. وقد تكررت هذه العبارة في جميع الرسائل والمخاطبات بين القرى الثائرة، "وحاول توما الأكويني تفسير الحق الإلهي بأنه سببُ نشأة قانون الحق الطبيعي، الذي اعتمد عليه القانون الوضعي"41. أما قانون الحق الطبيعي، فهو يدعو إلى أن إرساء القواعد والقيم والمعايير في التعايش البشري من طبيعة الناس وحاجاتهم، وأن حقوق الإنسان لا تنبع من نوعية وظيفته أو نشاطه في المجتمع، بل من
كرامته وجوهره، بمعنى أنها مجموعة من الحقوق التي يكتسبها الفرد بالطبيعة، ولا تنزع وتُنسب إلى الإنسان. على سبيل المثال، يولد الإنسان حرًا، فهذه الحرية اكتسبها من الطبيعة لا من مَلك أو أمير، وبناء عليه فلا يجوز انتزاعها. ويُستنتج مما سبق أنّ الحق الإلهي طريق إلى الحق الطبيعي ولا يتعارض معه:
اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ
اﻟﺤﻖ اﻹﻟﻬﻲ
أو اﻟﺤﻖ اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ
وقانون الحق الطبيعي معيار قانوني قديم يعود إلى العصور اليونانية، حين انتقد الفلاسفة الدولة وقوانينها لأنها تتعارض مع الطبيعة البشرية، "وقانون الحق الطبيعي يشمل كلًّ من القواعد القانونية التي تنبع، في تقاليد الفلاسفة القدماء كأرسطو وأفلاطون، من فكرة الحقيقة الموضوعية أو المطلقة، وهي أن كل إنسان بطبيعته، وليس بالاتفاق، يتمتع بحقوق خاصة وغير قابلة للتصرف بها بعيدًا عن الجنس أو العمر أو البلد أو السلطة التي تحكمه"42، ومن هنا تُفهم "الطبيعة" على أنها علامة أو دليل على كينونة الإنسان وليست الحقوق بالمعنى الأخلاقي الطبيعي. في هذا الصدد، ترتبط فكرة الحق الطبيعي ارتباطًا وثيقًا بفكرة حقوق الإنسان، لذا يُنظر إلى الحقوق الطبيعية على أنها حقوق "أبدية" قبل تشكّل كيان الدولة. ومع أن المعرفة الإنسانية ونُظم الحكم في العصر اليوناني ثم في العصر الروماني قد تطورت بجهود الفلاسفة، فإن الحرية الإنسانية لم تكتمل، ولم ينل الأفراد حقوقهم، وظلّ نظام الحكم مهمينًا على شؤون الأفراد. وبعد ظهور المسيحية، دعت الكنيسة في البداية إلى مبدأ حرية العقيدة من أجل نشر الدين المسيحي، وهذا ما ساهم في ترسيخ مبدأ حرية العقيدة عند الإنسان والاعتراف بكيان الفرد المُستقل. لكنها مع ذلك، لم تحدد حقوقه أو تعترف بها؛ وإن كانت قد قالت بالفصل بين ما لله وما لقيصر، إلا أنها لم تبيّ ما لقيصر وما يتُرك لله. وعلى إثر ذلك، ظل الحاكم يتمتع بسلطات مطلقة غير مقيدة، في حين حُرم الأفراد من الحق في مواجهته، وبناءً عليه حُرم الشعب من حرياته وحقوقه إلا ما ارتآه هذا الحاكم43، حتى قدّمت ثورة الفلاحين خُطاطة الاثني عشر بندًا مُعلنةً ظهور تفكير جديد بالاستناد إلى المعيار نفسه، أي الحق الإلهي الذي اتخذ ملوك أوروبا من قوانينه ذريعةً للحكم المُطلق بدعم الكنيسة، وزعموا أنه طريق إلى قانون الحق الطبيعي، ولهذا أسست الوثيقة على نصوص الكتاب المقدس التي تُقيد هذا الحق، وردًا كذلك على الكنيسة باستئثارها بتفسير الحق الإلهي. ولذلك رد44 شميد على إجابة أعضاء مجلس شوابيا العليا: "مَن يُطبق الحق الإلهي هم هؤلاء الرجال المتعلمون المتدينون الإصلاحيون، الذين لا يكرزون بالكتاب المقدس فحسب، بل يُبشرون وينشرون الفهم الحي له، وليس ما تقوله السلطات الكنسية الجائرة في روما"45، وأشار إلى القس الثائر بجانبه كريستوف شابيلر، الذي كان يدعو إلى مراجعة القوانين للفصل بين قوانين الحق الإلهي والحق الطبيعي. ويمكن القول إن وثيقة الاثني عشر تضمنت فلسفة إعادة العمل بمبادئ حقوق الإنسان، وذلك اعتمادًا على القانون الطبيعي وما يتضمنه من أفكار مثالية.
إن مصطلح الحق الإلهي إرث عظيم تركه فلاحو ثورة 1525، وإن لم يستطيعوا تخليصه ممن أساء له، لكنهم أرادوا توضيح تعاليمه التي تدعو إلى العدالة الإلهية والحرية والسلام والمنفعة المشتركة، أي الصالح العام، وهذه أهداف جميع الثورات اللاحقة. إنه مصطلح أسُيء تفسيره واستعماله كثيرًا بسبب التفسيرات الذاتية التي دخلت عليه46.
2. الحرية الإنسانية
كان هدف الفلاحين، في المقام الأول، من الثورة تحقيق الحرية التي سطّروها في وثيقة الاثني عشر، وإلغاء القنانة والعبودية والتبعية، لذا تعالت أصوات بعض الفلاحين في المفاوضات ضد اتحاد شوابيا العليا. "إن كرامة الإنسان تُسحق بالقنانة، ولا يملك الرجل البسيط أي حقوق، لأن من لا يملك المال لا يملك الحق"47، ومن هنا تكوّن انطباعٌ عند أعضاء مجلس اتحاد شوابيا العليا المُفاوِض بأن الفلاحين كانوا "متفقين عقليًا وإراديًا للضغط على السادة وإقناعهم دينيًا وقانونيًا بكل صدق وإخلاص لنيل حريتهم، وإرساء قواعد القانون التي لا تستثني أحدًا"48. لقد ساهمت البروتستانتية في توضيح فكرة أن المؤمن شخصية فردية مستقلة يُفترض أن يقرأ ويفهم من الكتاب المقدس من دون وسيط، ولذلك طالب الفلاحون أيضًا بالعودة إلى حرية المسيحية في القرون الأولى التي كانت تخلو من القنانة قبل تدخّل الكنيسة. تُعد الحقوق والحريات من أبرز الموضوعات التي تحتل مكانة رفيعة في صلب الدساتير الحديثة في هذا الوقت، لذلك يتضمّن أي دستور من دساتير الدول المتقدمة بند الضمانات الأساسية لحقوق وحرية الأفراد والحفاظ عليها، فهذا حق مكفول لهم. وإذا ما قورن هذا البند ببنود وثيقة الاثني عشر يتضح أنها كفلت بعض هذه الحقوق وتمثلت واضحة في بنودها، فعلى سبيل المثال: ظهرت الحرية الدينية مُتمثلة في البند (1) بإعطاء الفرد أو أهل القرية حق اختيار الواعظ الذي تصلّ معه وإمكانية عزله، والطلب بعدم الفرض القسري لآراء جهة معينة، وهذا يدخل تحت كفالة حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية من دون مُضايقة، وهو مشابه للمادة (4) (حرية المعتقد والضمير والدين) من القانون الأساسي الألماني لعام 194949. تقوم الحرية المدنية على رفض جميع أشكال التمييز العنصري بين أفراد المجتمع لأي سبب، وتدعو إلى إقامة مبدأ المساواة بين الأفراد في التمتع بالحقوق، وبناء عليه فإن الحرية المدنية أقرت للفرد اختيار العمل والسكن. وقد ذكرت المادة (1) من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري50 "ويقصد بتعبير التمييز العنصري أي تمييز أو استثناء أو تقييد يستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة"، وظهر هذا جليًا في البنود (4 و () 5) و (10) من بنود وثيقة الاثني عشر، التي طالبت بهذه الحقوق وبإيقاف التمييز العنصري الفظيع ضد فئة في المجتمع تُمنع من ممارسة الصيد بأنواعه كافة والاستفادة من المراعي العامة والغابات والراحة. "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق"، المادة (1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. لقد قامت ثورة الفلاحين، في المقام الأول، من أجل إلغاء القنانة والسُّخرة من قبل السادة، "وكان السيد يفرض تحكّمه في شخص الفلاح نفسه
وزوجته وبناته، إضافة إلى ممتلكاته، بل كان له حق الليلة الأولى"51. وكان من أهداف الثورة أيضًا البحث عن الكرامة الإنسانية، باعتبارها صفة مميزة متأصلة في جميع الأفراد، وقد أكّد البند (3) من وثيقة الفلاحين هذه الرغبة في الحرية الاجتماعية، مستشهدًا على هذا بالكتاب المقدس للدلالة على صحة اعتقادهم، ولذا قال شميد أمام مجلس أعضاء شوابيا العليا: "إن القنانة ضد الرب، وضد العقل، وضد الحق الطبيعي"52. إن تقييد حرية الفرد ومنعه من التنقل واختيار محل الإقامة ومنعه من الزواج أو التدخل في شؤون أسرته هو ضد الحرية في الحياة الإنسانية ونوع من التدخل التعسفي في حياة الفرد الخاصة، ولذلك حظرت الأمم المتحدة الرق والعبودية والعمل القسري بحسب الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية. كذلك دعت وثيقة الاثني عشر إلى تحقيق حرية اقتصادية بما سيعود بالنفع على الجميع، من خلال البنود (6 و () 7 و () 8) التي تطلب المساعدة والتعاون لضمان حقوق الفلاح في العمل من دون أي استغلال أو إجحاف أو ظلم، مع تقدير مناسب لما يُقدّم له من رزق وفق مجهود العمل الذي يبذله. دعت الوثيقة، إضافة إلى ما تقدم، إلى تحقيق التكافل الاجتماعي ورعاية الفقراء بما اقترحت تطبيقه على مؤسسة الكنيسة في البند
تدعو الدساتير الحديثة إلى استقلال السلطة القضائية نظرًا إلى دورها في تحقيق العدالة في المجتمع، وهذا يستدعي فصل السلطة القضائية عن السلطة الحاكمة، كي لا تتدخّل في أعمال القضاء أو تفرض رغباتها عليه، وقد دعت وثيقة الفلاحين إلى الإنصاف في تطبيق القانون، كما في البند (9) الذي وضّح صراحة أن القضاء لا يقدم العدالة أو العقوبة على نحو متكافئ بسبب بعض التدخلات، ولهذا نقرأ "وقت الإدانة ضد من يريدون". أخيرًا، يُلمس من بنود هذه الخُطاطة أنها تدعو إلى ما نصّت عليه الدساتير الحديثة، من إقامة للأمن المجتمعي بالحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته وحريته.
3 ي. خُطاطة الفلاحين: نموذج للحرية ف التاريخ الألماني
احتفلت الحكومة الألمانية في 10 آذار/ مارس 2000، في منطقة ميمينجين، بمناسبة مرور 475 عامًا على وثيقة الاثني عشر، وأوضح المشاركون من أكاديميين وسياسيين أن الأمر استغرق وقتًا طويلً حتى فهم الألمان حقيقة أحداث عام 1525، وأن الأمر ليس مجرد ثورة جماعات غير منظمة ضد السلطة القائمة آنذاك، بل هي ثورة حرة للإصلاح وجزء مهم من تاريخ الحرية الألمانية، وهي علامة فارقة ونقطة مشُرقة لحقوق الإنسان في تاريخ ألمانيا والعالم. وقد ألقى رئيس الجمهورية آنذاك، يوهانس راو، خطابًا بهذه المناسبة53، ومما قال فيه: "لقد تضمن جوهر وثيقة البنود الاثني عشر على الإيمان بعالمية حقوق الإنسان، ومن المؤكد أن كلمة حقوق الإنسان لا تظهر في نصوصها. لكن ذلك مما يُفهم ويُدرك حين نعلم أن الناس كانت تعاني القنانة والاستغلال والحرمان باسم الرب"، ثم أضاف: "إن وثيقة الفلاحين المكتوبة استنادًا إلى مبدأ قانون الحق الإلهي تثبت وجود قوانين عالمية لا يمكن الاستعاضة عنها بقانون وضعي محلي أو خاص"، وختم بقوله: "أفهم أن وثيقة البنود الاثني عشر مهمة لنا جميعًا كي لا ننسى أن الحرية لا تأتي بنفسها، بل يجب التوق إليها
والكفاح من أجلها والدفاع عنها". وهو ما وصفه عزمي بشارة، في كتابه الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ب "النزعة الأنسنية " و"الأنسنية المسيحية"، لأنها "اعتبرت الحرية متجذرة فيها"54. وقد وصف المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه Ranke von Leopold ثورة الفلاحين وما أفرزته وثيقة الاثني عشر بأنه "أعظم مظهر طبيعي للدولة الألمانية"55، كذلك نشر الأكاديمي فيلهلم زيمرمان وصفًا مُفصلً لمسار ثورة الفلاحين وأحداثها في مجلد كبير بعنوان: حرب الفلاحين الألمانية العظمىفي عام 1843، وقال إنها "نضالٌ من أجل الحرية ضد الاضطهاد اللاإنساني، نضالُ النور ضد الظلام"56، وأشار إلى ما كتبه فرديناند فريدريك Frederick Ferdinand في عام 1830 "مقالات في تاريخ حرب الفلاحين في الأراضي الحدودية الشوابية - الفرانكونية"، الذي أشاد بمحاولات المواطنين والمزارعين لصياغة دستور57. وفي عام 1975، شهد البحث العلمي في ألمانيا اهتمامًا متزايدًا مع ذكرى مرور 450 سنة على ثورة الفلاحين، التي أصبحت ميدان بحث في الجامعات، فقد "لوحظ كتابة ما يقرُب من 500 عنوان في عام واحد عن ثورة الفلاحين"58. بجانب ذلك، افتتحت ألمانيا في عام 1976 متحفًا يصور حرب الفلاحين، وشيدت عدة تماثيل لقادة الثورة لدورهم في الدفاع عن الحرية.
خامسًا: هل تُعد وثيقة الاثني عرش خطاطة دستورية؟
"يمكن أن يكون الدستور القائم على حقوق الإنسان أداة فعالة لمنع النزاع الذي يستمد جذوره من قمع الحكومة للشعب أو تسويته على نحو مستدام"59. لقد عرفت بعض المدنيات القديمة شريعة الدساتير، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوانين حمورابي، ثم ظهرت شرائع القاضي صولون في أثينا اليونانية60، وبعدها دستور ﻷﺍﺛﻴﻨيين، وأما في مرحلة العصور الوسطى فلم يعد هنالك مجال البتة للحديث عن دستور بوجود الكتاب المقدس، ولم يعد هناك حديث عن نظم سياسية تعترف بالحقوق والحريات أو تعترف للإنسان بالمساهمة في الحياة السياسية في عصر الإقطاع، وخصوصًا بعد قانون الحق الإلهي الذي نشرته الكنيسة، إلا أن ماهية وثيقة الاثني عشر تصح أن تكون دستورًا بسيطًا أوروبيا في القرون الوسطى على الرغم من هيمنة تفسيرات الكنيسة. في البداية، يُعرف الدستور في المفهوم الحديث61 بأنه وثيقة تحتوي على مجموعة قواعد أساسية تُنظم أو تحدد قواعد الحكم في دولةٍ أو جماعة سياسية، وهو مدوّن في وثيقة رسمية، ويضمن شكل الدولة ومقوماتها، ومجموع الحريات والضمانات الأساسية لحقوق الأفراد، ويكون مكتوبًا بلغة الدولة أو الجماعة، وإمكانية تعديله وفق ضوابط معينة إن طرأ ما يحتاج إليه المجتمع أو ما يجدّ، وتكون مصادر قواعد الدستور بوجه عام من الدين والأعراف والقضاء والتشريع. أما أساليب نشأة الدساتير فهي متعددة، فمنها ما
يجري من خلال جمعية تأسيسية منتخبة، لأن الأصل في إعداد الدساتير هو قيام الشعب بوضعها، إلا أنه بسبب اعتبارات عملية وواقعية تتعذر مشاركة جميع أفراد الشعب في كتابة الدستور. إضافة إلى ذلك، فإن أحكام الدستور تُعد من المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى دراسة ومناقشة عميقة، لذا تأتي فكرة اختيار أو انتخاب ممثلين عن الشعب لهذه المهمة، بما يُسمى الجمعية التأسيسية، غير أن الدستور لا يُصبح نافذًا إلا بعد طرحه للاستفتاء ليوافق الشعب عليه أو يرفضه. وبمقارنة بسيطة بين مفهوم الدستور حديثًا ووثيقة الاثني عشر في القرن السادس عشر، يتضح أن الأخيرة أخذت شكلً دستوريًا صحيحًا، عمليًا وواقعيًا، فهي وثيقة مكتوبة باللغة الألمانية التي يتحدثها الشعب ويفهمها، وليس باللاتينية لغة العلم والعلماء فقط آنذاك. واعتمدت في صياغتها على مرجعية دينية مُتفق عليها بين طبقات الشعب والسلطة الحاكمة، أي الكتاب المقدس ثم العرف الاجتماعي، وأن مَن تصدى لكتابتها، كما جاء آنفًا، مجموعة منتخبة ومُختارة لعلمها وثقافتها، وبعد الاتفاق على بنودها أُرسلت إلى قادة الثوار في المناطق والقرى، فعادت حاملةً الموافقة الشعبية عليها قبل بدء المفاوضات مع السلطات الحاكمة، وهو ما يُعادل استفتاءً دستوريًا في هذا الوقت، ولذلك ارتكزت عليها وحدها الرابطة الإنجيلية للفلاحين خلال المفاوضات الرسمية، ولم ينحرفوا في النقاش إلى مسائل متشعبة خارج إطار الوثيقة، ما أثمر بموافقة السلطة على بعض بنودها قبل توقف المفاوضات. إضافة إلى ذلك، أظهر البند الأخير في وثيقة الاثني عشر مرونة واضحة في قبول أي بند سابق في الوثيقة وإمكانية التعديل عليه بعد الرجوع إلى مصادر التشريع كالدين أو العرف، وهو ما يتماهى ويتشابه مع أي تعديلات دستورية حديثة لأي دستور من دساتير الدول. لقد أرادت وثيقة الاثني عشر فرض مبدأ سيادة القانون، وإعادة تنظيم عمل السلطة الحاكمة، وتقييد حدودها تجاه الشعب وفق ضوابط جديدة تكفل مصلحة الطرفين ومن دون هضمٍ لحق أحدهما، وضبط الواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ووضع الضمانات لها تجاه السلطة، وهذا هو عمق الدساتير الحديثة وروحها.
سادسًا: نهاية الثورة
"إذا كان الفائزون فحسب من يصنعون التاريخ، فنادرًا ما يحصل الخاسرون على العدالة، لا سيما حينما يكون النصر والهزيمة كُليَيّن، كما في نهاية حرب الفلاحين الألمانية"62. فشلت ثورة الفلاحين، في النهاية، في تحقيق أهدافها التي سطّرتها في وثيقة الاثني عشر، ويعود ذلك إلى عدة أسباب؛ فقد انحرفت الثورة عن مقاصدها لما وقعت فيه من عمليات انتقام ضخمة، فنشرت السلب والنهب والخوف، ولاحقت رجال الدين والنبلاء لقتلهم، وحينئذ تبرّأ لوثر منها حماية لآرائه ومذهبه، فقد كان متألمًا مما يشاع بأنه السبب في اشتعال ذلك، إذ إنه لم يكن السبب في وقوعها، لكنه وضع سلاحًا في أيدي الفلاحين والعامة بترجمة الكتاب المقدس، وذلك حينما قارن بين المسيحية في زمنه وموافقتها للإقطاع، كما ذكرنا آنفًا، والمسيحية في القرن الأول وما كانت تدعو إليه من عدالة ورفض للقنانة، فأدت هذه المقارنة إلى رسم صورة مقارنة بين مجتمع ظالم ومجتمع عادل، وحينها تأكد الفلاحون أن معارضتهم لمجتمعهم صحيحة وهي ليست ضد المسيحية. وإلى جانب ذلك، نشر لوثر مذكرة عام 1520 بعنوان "حرية الرجل المسيحي"، وكان تأثير مفهوم الحرية التي طرحها كبيرًا، وفي الحقيقة لم يكن مفهوم الحرية اللوثرية مرتبطًا بالسياسة، بل بالمسيحية على وجه الخصوص، إلا أن المبشرين بأفكار لوثر أضافوا تفسيراتهم الخاصة بحيث أصبح مفهوم الحرية عند الفلاحين سياسيًا واجتماعيًا63، ولا يظهر في ذلك العجب؛ فلئن ظلت
الكنيسة والدولة مستقلتين إحداهما عن الأخرى من الناحية النظرية، فإنهما كانتا تستمدان القوة إحداهما من الأخرى وتعملان معًا لأجل المصالح المُشتركة. لقد حاول لوثر أن ينحو في اتجاه وسطي في بداية الثورة، وخاصة في المناطق التي كانت أكثرية الأمراء والنبلاء فيها من الكاثوليك، ووجه إليهم أصابع اللوم والهجوم لقيام الثورة بسبب حكمهم الظالم، ولأن الذي ثار ضدهم ليس الفلاحين، بل الإله نفسه. لكن انغماس الفلاحين في أعمال الشغب والنهب التي لم تفرّق بين صديق وعدو، وانعدام القانون والأمن، وتوقف الإنتاج والعمل، ثم شعور لوثر بأن ثورته "الدينية"، التي خاطر من أجلها، باتت في خطر بسبب ثورة فاشلة عسكريًا قطعًا، لأن جموع الفلاحين الضعيفة التي لا تثق بنفسها ولا تملك الأسلحة الحديثة ولا تتقن فن الحرب لن تصمد طويلً في النهاية أمام جيش الأمراء المُتمرس، وكذلك فقد أسبغ عليه بعض الأمراء والنبلاء الحماية والمساعدة وآمنوا بإصلاحه ورفضوا تسليمه إلى البابا والإمبراطور، فمن كان سينقذه مستقبلً لو زالت هذه الحماية؟ كل ذلك جعل لوثر ينقلب إلى صف السلطة الحاكمة في مواجهة الفلاحين، بل تطرّف لوثر في الكتابة ضد الفلاحين وتحريض السلطات على قمعهم، فنشر كتابًا في عام 1525 بعنوان "ضد قطعان الفلاحين المجرمة النهابة"64، وهاجم مونتزر كثيرًا ووصفه بإبليس، ورد عليه المحرض الراديكالي وأحد أقطاب الثورة بأنه مجرد قطعة لحم مترفة خاضعة للأمراء65. لقد توقع قادة ثورة الفلاحين أن يحسَب الأمراء والنبلاء أن سبب تمردهم هو إنجيل لوثر، لذلك كتبوا في بداية وثيقة الاثني عشر: "إن النقاد من الكافرين والأشرار سيجدون الجواب عن أسئلتهم في البنود التالية، لكي يوقفوا ما يلقونه من اللوم على كلمة الله (الكتاب المقدس بترجمة لوثر) ويبرروا بطريقة مسيحية أسباب عدم امتثال الفلاحين وثورتهم". في النهاية، استطاع جيش الأمراء القضاء على ثورة الفلاحين ومطاردتهم من مدينة إلى أخرى حتى إخضاعهم، وفقدت ألمانيا نتيجة الأعمال الانتقامية من الطرفين المتنازعين مقدارًا عظيمًا من الأرواح والممتلكات، وقُتل ما لا يقل عن مئة ألف فلاح، وأعدمت سلطة شوابيا العليا عشرة آلاف منهم، وبعد هذه العواقب الوخيمة اندثر الإصلاح الديني اللوثري فترةً من الزمن، وجددت كل المدن التي تعرضت للدمار من قبل الفلاحين الولاء للكنيسة في روما، وأُعدم الكثير ممن اعتنق اللوثرية من النبلاء والتُجار، وانصرف الفلاحون عن دعوة الإصلاح الديني، واعتبروا لوثر عدوًا وخائنًا، وأطلقوا عليه "الدكتور الكذاب"، وتضاءلت شعبيته.
خاتمة
حاولت هذه الدراسة الكشف عن أهمية هذه الخطاطة الدستورية التي تغشّاها النسيان بين ثورات كبيرة لاحقة، وتقع أهميتها في أنها وثيقة حملت مشروعًا إصلاحيًا في تنظيم علاقة الدين بالقانون، وذلك بتفسير جديد لقانون الحق الإلهي ليُصبح مرجعية جديدة لإصدار القوانين في المجتمع وضامنًا للحقوق، ولذلك يصح تسميتها بخطاطة دستورية مُبكرة، لأنها شابهت دساتير الدول الحديثة في شروط النشأة القانونية ثم هدف التشريع في تنظيم الحقوق الاجتماعية والقوانين الاقتصادية للأفراد والسلطة، والعمل على تحقيق
توازن بين مصالح الجميع. لذلك، فإن أهم ما ميز وثيقة الاثني عشر في بداية القرن السادس عشر هو أنها تضمنت مطالب مطلقة غير قابلة للنقاش مثل: احترام كرامة الفلاحين عبر تحرير الأقنان (البند 3)، وإلغاء ضريبة الميراث (البند 11)، ومطالب نسبية قابلة للنقاش والتحقيق مثل تخفيف أعمال السخرة (البند 6)، والخدمات (البند 7)، وإيجار الأرض (البند 8). وبناءً عليه، تؤكد وثيقة الاثني عشر، بهذا المفهوم الديني والقانوني الذي استندت إليه، أنها ثورة قد سبقت فكريًا جميع الثورات في الدعوة إلى إعادة النظر في تفسير مفهوم الحق الإلهي والحرية، ووضع مرتكزات وضوابط قانونية في علاقة وظيفية جديدة بين السلطة الحاكمة والشعب، ومن هذه الثورات التي وقعت بعدها الثورة الإنكليزية في عام 1688، التي كان من نتائجها إيقاف العمل بقانون الحق الإلهي للملوك، والفرنسية عام 1789، والأميركية عام 1765، إلا أن فشل ثورة الفلاحين الألمانية في النهاية قد أضاع عليها هذا السبق الفكري التاريخي، وأشرنا إلى أن مارتن لوثر لم يكن السبب الرئيس في اندلاع ثورة الفلاحين الألمانية، ثم إنها كانت تطمح إلى تقويم النظام السياسي وليس إلى تغييره برمّته كالثورة الفرنسية التي كان هدفها إزاحة الملك والكنيسة تمامًا من المشهد السياسي، وبناء نظام سياسي جديد.
المراجع
References
العربية
الأمم المتحدة، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. حقوق الإنسان ووضع الدستور. نيويورك/ جنيف: 2018. في:
http:// bit. do / fHeTq
بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.
بيرنجيه، جان [وآخرون]. أوروبا منذ بداية القرن الرابع عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر. ترجمة وجيه البعيني. بيروت: منشورات عويدات، 1995.
ديورانت، ول. قصة الحضارة. ترجمة عبد الحميد يونس. بيروت/ تونس: دار الجيل، 1988.
رمضان، عبد العظيم. تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث: من ظهور البورجوازية الأوروبية إلى الحرب الباردة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997.
الزيدي، مفيد. موسوعة تاريخ أوروبا الحديث والمعاصر. ط 3. عمّان: دار أسامة للنشر والتوزيع، 2009.
عاشور، سعيد عبد الفتاح. أوروبا العصور الوسطى. ط 8. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1997.
لوريمر، جون. تاريخ الكنيسة. ترجمة عزرا مرجان. القاهرة: دار الثقافة، 1990.
محمد، فايز وحسين محمد. "فلسفة القانون وسيادة القانون في الدولة الحديثة". مجلة التفاهم، العدد 39 (2013).
الأجنبية
Ambach, Florian. "Der Bauernkrieg: Ein Systemkonflikt an der Wende vom Mittelalter zur Neuzeit." Historia.
no. 11 (2019).
Blickle, Peter. Die Geschichte der Stadt Memmingen, von den Anfängen bis zum Ende der Reichsstadtzeit.
Stuttgart: Konrad Theiss Verlag, 1997.
________. Die Revolution von 1525. München: Oldenburg Wissenschaftsverlag, 2004.
________. Der Bauernkrieg: Die Revolution des gemeinen Mannes. 4 ed. überarbeitete Auflage. München:
C. H. BECK, 2012.
Kistner, Peter. Das göttliche Recht und die Kirchenverfassung. Berlin: LIT Verlag, 2012.
Kuhn, Elmar L. Der Bauernkrieg von 1525 in Oberschwaben. Ravensburg: Kreissparkasse, 2000.
Marx, Karl & Friedrich Engels. Werke. Berlin: Dietz Verlag 1960.
von Mayenburg, David. Gemeiner Mann und Gemeines Recht: Die zwölf Artikel und das Recht des ländlichen
Raums im Zeitalter des Bauernkriegs. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann Verlag, 2017.
Wolf, Erik. Griechisches Rechtsdenken. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann Verlag, 1952.
Zimmermann, Wilhelm. Der grosse deutsche Bauernkrieg. Berlin: Dietz Verlag, 1982.