Return to Article Details Islam and the Early Founders of the English Colonies in North America 1607-1789

الإسلام والمؤسّسون الأوائل في المستعمرات الإنكليزية في أميركا الشمالية 1607–1789

Islam and the Early Founders of the English Colonies in North America 1607-1789

نغم طالب

الملخّص

أستاذ التاريخ الحديث المساعد، كلية التربية ابن رشد للعلوم الإنسانية، جامعة بغداد.

Abstract

nagham.talib@ircoedu.uobaghdad.edu.iq Assistant Professor of Modern History, Ibn Rushd College of Education, University of Baghdad.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلام
  • المستعمرات
  • أميركا
  • المؤسسون
Keywords:
  • Islam
  • Founding Fathers
  • Coloniesm
  • North America
2021 02 152021 02 15
2021 08 10
2021 09 19
DOI: https://doi.org/10.31430/OEIB8009: الرقم التعريفي
نغم طالب عبد الله*Nagham Talib Abdullah |
تستعرض هذه الدراسة أبرز المصادر والنظريات التي أسهمت في تشكيل التجربة الأميركية وصياغتها، ولكن من خلال
تأثّر تلك المصادر، في حدّ ذاتها، بالفلسفة الإس مااية والقرآن الكريم وشخص الرسول محمّد خلال المرحلة الاستعمرية
والثورية، وذلك بتأثير تداعيات حركة الكشوف الجغرافية والاندفاع العثمني إلى أوروبا، ثمّ قيام الإصلاح الديني. ويمكن
القول إنّها تصوّرات سادها غالبًا الشك والحذر والريبة تجاه العقيدة الإس مااية والمسلمين، وقد انتقلت تلك التراكمت
إلى العالم الجديد مع موجات المهاجرين الأوائل. وتبيّ الدراسة أيضًا دور تجارة الرقيق التي طوّرها المستعمرون
الأوروبيّون في وصول طلائع المجاميع الإس مااية إلى العالم الجديد، ثم تتطرّق إلى الإشارات والدلائل التي أكّدت فكرة
نجاح المسلمين في الوصول إلى المستعمرات الإنكليزية، ومحاولة الاندماج في مجتمعاتها. وأخيرًا تسلّط الدراسة الضوء
ومواقفهم وتكهّناتهم، التي توقّعت إمكانية أن يصبح المسلمون في أميركا بمرور
على وجهات نظر الآباء المؤسّس
الوقت مواطنين يمتلكون الحقوق والواجبات ذاتها، وقد يتشاركون مع غيرهم في إدارة دفّة البلاد ومؤسساتها حتّى
تبنّي الدستور الفدرالي للولايات المتحدة الأميركية، وتأسيس أول حكومة منتخبة فيها في عام.1789
كلمت مفتاحية: الإسلام، المؤسّسون، المستعمرات الإنكليزية، أميركا الشملية.
This Study Reviews The Most Prominent Sources and Theories That Contributed to the Formation and Formulation
of The American Experience, But Through the Influence of Those Sources in Themselves By Islamic Philosophy,
The Holy Qur'an, and The Person of The Prophet Muhammad (Peace Be Upon Him) During the Colonial And
Revolutionary Era, and that is Due to The Impact of The Repercussions of The Establishment of The Geographical
Discovery Movement and The Ottoman Rush to Europe and Then The Reformation. It Can Be Said That They
Are Perceptions That Were Often Dominated by Suspicion, Caution and Mistrust Towards the Islamic Faith and
Muslims, And These Accumulations Moved to The New World with The First Waves of Immigrants. It Also
Showed the Role of The Slave Trade Developed by The European Colonizers in The Arrival of The Vanguard of
Islamic Groups to The New World. Then We Touched on The Signs and Evidence That Confirmed the Idea of ​
Muslims' Success in Reaching the English Colonies and Trying to Integrate into Their Societies. Finally, We Shed
Light on The Views, Attitudes, And Speculations of The Founding Fathers, Which Predicted the Possibility That
Muslims In America Would, Over Time, Become Citizens With The Same Rights And Duties, And They Might
Share With Others In Managing The Country And Its Institutions Until The Adoption Of The Federal Constitution
Of The United States And The Establishment Of The First Elected Government In It In 1789.
Keywords: Islam, Founding Fathers, English Coloniesm, North America.
الإسلام والمؤسّسون الأوائل في المستعمرات الإنكليزية
في أميركا الشملية 1607 - 1789
Islam and the Early Founders of the English Colonies
in North America 1607 - 1789
DOI: https://doi.org/10.31430/OEIB8009: الرقم التعريفي

مقدمة

قبل البدء في المعالجة التاريخية للدراسة، تجدر الإشارة إلى أنّ المستعمرات الإنكليزية في أميركا الشمالية، التي استوطنها الإنكليز وتحوّلت بعد اندلاع حرب الاستقلال إلى الولايات المتحدة الأميركية، قامت على ركائز عقَدية مسيحية، وبحضور قويّ للفِرَق والطوائف البروتستانتية بنسبة أكبر من الكاثوليكية. قبل اندلاع الثورة الأميركية كانت هناك ثلاث عشرة مستعمرة تبنّت ستّ منها الأنجليكانية1Anglicanism كنيسةً رسميةً، وهي كلّ من: فرجينيا، وميريلاند، والكارولينتين، ونيويورك، وجورجيا؛ في حين اعتنقت البقية منها الكنيسة البيوريتانية Puritanism، إضافة إلى كنائس أخرى متنوّعة يؤمن معظمها بالثالوث الأقدس Trinity مع استثناء طفيف. وقد أفردنا دراستين تناولتا هذا الجانب في وقت سابق، وفي إمكان المهتمّ الرجوع إليهما ومتابعة البناء الديني للمستعمرات الإنكليزية في أميركا الشمالية والتنوّع الطائفي الذي ساد فيها. ومن هنا جاءت أهمّية تسليط الضوء على بعض الحقائق المبهمة، التي وضعت دور الإسلام والمسلمين - خلال العصر الكولونيالي ومسيرة الجمهورية الأميركية، ومراحل بنائها الأولى - في مكانها الصحيح، على الرغم من محاولات بعض الباحثين التغاضي عنها. إنّ القول بوجود مجاميع قومية متعدّدة اعتنقت الإسلام، وحملته معها جهرًا أو سرًّا إلى العالم الجديد، لا يُقصد منها الترويج لفكرة أنّ جيل الآباء المؤسّسين كانوا يشجّعون المسلمين على القدوم إلى أميركا. والواقع أنّنا لسنا في هذه الدراسة بصدد إظهار أنّ الإسلام كان يحاول مزاحمة المسيحية في المستعمرات أو الحلول محلّها، فلم يكن يسيرًا البتّة المطالبة بتسامح ديني مع الأقلّيات، أو الفِرَق المخالفة في مجتمع ذي أغلبية بروتستانتية لم ينج العديد من طوائفه وفِرَقه الدينية من التنكيل، والاضطهاد والإقصاء والتمييز. لكنّ اعتراف المؤسّسين بوجود آلاف المسلمين في مجتمعاتهم، والعديد من الإشارات التي لم تكن حدثًا عرضيًّا، على الرغم من تحدّيات البيئة والظروف المحيطة، قد أسهم من دون شكّ في صياغة وجهات نظر ومواقف وتكهنات لدى الكثيرين بإمكانية أن يصبح لهؤلاء المواطنين الحقوق والواجبات ذاتها، وقد يشاركون في إدارة دفّة البلاد ومؤسّساتها، بل إنّ الكثير من الآباء المؤسّسين توقّعوا فكرة وصولهم إلى الحكم باستحقاق انتخابي.

أوّلً: الإرث التاريخي وموقف الأوروبيين من الإسلام

إنّ للحذر الأوروبي من الإسلام جذورًا عميقةً ترجع إلى القرن الثامن الميلادي، اختلط فيها سوء الفهم والتضليل المتعمَّد بالجهل التام بالعقيدة الإسلامية، فاجتمعت العوامل التي غذّت جذوة الخلاف فيما بعد، وغالبًا ما وصف المسلمون بالمحمّديين Mohametans نسبة إلى رسولهم محمّد - وقد استعملت هذه المفردة منذ القرن السادس عشر - نظرًا إلى اعتقادهم بأنّ المسلمين يعبدون محمّدًا وليس الله، ولإيهام الآخرين بأنّ هذا الدين من صنع محمّد وليس دينًا سماويًّا نزل بالوحي الإلهي. ثمّ استعملت كلمة ترك Turks لوصف المسلمين أيضًا في إشارة إلى العثمانيين، وهم من وجهة نظرهم أولئك الذين ينكرون الثالوث الأقدس، ومَن انتشر دينهم وعقيدتهم بقوّة السيف والحروب. وقد هيّأت هذه التصوّرات فرصة سانحة لجيل واسع من الكتّاب ممّن تناولوا سيرة الرسول والدين الإسلاميّ لتأليف دراسات طبعتها روح التشكيك والطعن في الإسلام وفي شخص الرسول، وقد حظي الكثير منها بشهرة واسعة. وبإضافة عامل

  1. تعرف كنيسة إنكلترا باسم الأنجليكانية، وقد أسّست في القرن السادس عشر بعد حركة الإصلاح الديني في عهد الملك هنري الثامن، ولكنّها أخذت شكلها النهائي في عهد ابنته إليزابيث الأولى، حيث أصبحت الكنيسة الرسمية للبلاد، وجرى تقليص الفقرات التي صدرت في عهد أخيها إدوارد السادس من اثنتين وأربعين إلى تسع وثلاثين مادة دينية، ولا تزال إلى يومنا هذا تشكل جوهر الكنيسة. للمزيد ينظر: نغم طالب عبد الله، "الأنكليكانية وقراءة في تطوّر الكنيسة البروتستانتية الأسقفية في الولايات المتحدة الأمريكية"، مجلة الآداب، العدد 109 (2014)، ص 431.

الصراع في إسبانيا حتّى سقوط الأندلس، وما تلاه من ملاحقة وبطش بالمسلمين، أخذت فكرة التحامل ضدّ الإسلام شكلً على درجة كبيرة من التعقيد2. لم تتغيّ تلك النظرة لدى قادة حركة الإصلاح الديني مارتن لوثر (1483  -  1546) Luther Martin، وجون كالڤن (1509  -  1564) Calvin John، فكلاهما أنكر نبوّة الرسول محمّد، وتطاول عليه بالنبرة والعبارات القاسية المتهكّمة نفسها التي تهجّموا بها على البابا الكاثوليكي، وفي مناسبات كثيرة أخرى على السلطان العثماني لكونه حاميًا للعقيدة الإسلامية ومحاربًا باسمها، فقد وصف لوثر وكالڤن البابا والسلطان سليمان القانوني بأنّهما يمثلّان قرني المسيح الدجال Antichrist، وأنّهما ألدّ أعداء الدين3. ومع أنّ مارتن لوثر كتب المقدّمة الاستهلالية لنسخة القرآن المترجمة إلى اللاتينية، والمطبوعة عام 1543، والمعروفة ب  القرآن اللاتيني للمبجّل بطرس - طبعة بازل - an ' Qur Latin s ' Venerable The Peter، فإنّه كان قد ألّف مقالات عدّة حول خطر العثمانيين على أوروبا والمسيحية، وكان يصفهم بيأجوج ومأجوج Magog Gog، ورأى أنّ الأتراك بالنسبة إلى الأوروبيين هم كالبابليين وما فعلوه ببني إسرائيل: عقاب مسلّط من الله. ثمّ إنّه ترجم عام 1542 كرّاسًا قديمًا إلى اللغة الألمانية نبّه فيه إلى خطر انتشار الإسلام في أوروبا، لذا كان يحرّض في مواعظه على مقاتلتهم. أمّا كالڤن فقد كان يعدّ المسلمين، كما اليهود والوثنيين، يجاهرون بالتعالي على الله، وذلك بإنكارهم ألوهية المسيح4. لعلّ أبرز المؤلّفات التي بحثت في هذا الإطار كتاب همفري بريدو (1648  -  1724) Prideaux Humphrey، وهو لاهوتيّ أنجليكاني نشر عام 1697 كتابًا بعنوان: حياة محمّد، تهجم فيه على الإسلام وعلى الرسول محمّد، وأنكر الوحي الإلهي. وقد حقّق كتابه شهرة واسعة في لندن، وطبع ثماني مرّات، وتوصّل بريدو إلى خلاصة مفادها أنّ الإسلام هو حكم الله على الكنائس الشرقيّة، التي كانت تعجّ بالمشاحنات قبل بعثة الرسول، ولأنّ الكنائس المسيحية حوّلت الدين المقدّس إلى جمرة متّقدة لتغذية الخصومات والتناقضات والنزاعات والعنف فيما بينها، فقد سلّط الله عليها المسلمين، الذين حوّلوا كنائسها إلى مساجد وجوامع، لذا فإنّ ظهور الإسلام من وجهة نظره هو ردّ فعل ضدّ معكّري سلام الكنائس. ورأى بريدو أنّ الكاثوليكية شكّلت خطرًا على مملكة المسيح في الشرق والغرب تمامًا كالإسلام، والتحدّي الأكبر كان يكمن في السماح لهما بالانتشار وعواقبه. هاجم بريدو أيضًا الموحّدين5 وأتباع مذهب الدييزم Deism أو كما يعرفون أيضًا بالربوبيين6 وقارنهم بالمسلمين7. ووصلت نسخ منه إلى المستعمرات الأميركية في فيلادلفيا ونيويورك وكونكتكت، وتأثّر

  1. Nilüfer Göle (ed.), Islam and Public Controversy in Europe (London: Ashgate Publishing Limited, 2013), p. 116 ; D'Maris Coffman, Adrian Leonard & William O'Reilly (eds.), The Atlantic World (New York: Routledge, 2015), pp. 378  -  379.
  2. Ibid., p. 380.
  3. Diane Morgan, Essential Islam: A Comprehensive Guide to Belief and Practice (California: Greenwood Publishing Group, 2010), pp. 35  -  36 ; Ina Baghdiantz McCabe, Orientalism in Early Modern France: Eurasian Trade, Exoticism, and the Ancient Régime (Oxford/ New York: Berg, 2008), pp. 31  -  34.
  4. الموحّدون Unitarians: فرقة مسيحية تنكر عقيدة الثالوث، وتعتقد بأنّ المسيح هو مخلوق آدمي لم يدّع الألوهية، إنّما هو رسول من الله، الذي كان يعبده ويصلّي له ربًّا وأبًا، ومنه كان يستمدّ عقيدته وقوّته، وهو ما تكلّم به الحواريّون. ينظر: Charles Augustus Goodrich, A History of the Church: From the Birth of Christ to the Present Time (Hartford: Harvard College Library, 1839), pp. 197  -  200.
  5. مذهب يعترف بوجود الله الذي خلق الكون، ووضع له قوانين تحكمه وتديره. لكنّه ينكر تأثيره في الطبيعة والمجتمع بعد ذلك. ويعتقد أتباع المذهب بالدين الطبيعيّ، الذي لا يعتمد على الوحي والمعجزات، بل على الطبيعة والأسباب. ويؤكّد على ربط العبادة بالفضيلة والقيم الأخلاقية، فضلً عن حتمية الثواب والعقاب في الحياة وبعد الممات، يُنظر: عبد الوهّاب المسيري، فكر حركة الاستنارة وتناقضاته (القاهرة: دار نهضة مصر للنشر والتوزيع، 1998)، ص 11  -  17.
  6. Humphrey Prideaux, The True Nature of Imposture Fully Displayed in the Life of Mahomet (London: Nabu Press, 1697), pp. vi-viii; Gerald MacLean & Nabil Matar (eds.), Britain and the Muslim World: Historical Perspectives (Cambridge: Cambridge Scholars Publishing, 2011), p. 90 ; Robert J. Allison, The Crescent Obscured: The United States and the Muslim World, 1776  -  18 15 (Chicago/ New York: Oxford University Press, 1995), pp. 38  -  39.

به جوناثان إدواردز (1703  -  1758) Edwards Jonathan فيما بعد، وهو أحد روّاد اليقظة العظمى Awaking Great8 ومبشّيها في أميركا، وبدأ يدعو إلى أخذ الحيطة والحذر من الإسلام. وفي جملة ما طرحه إدواردز وضع مقارنة بين المسيحية والإسلام أكّد فيها أنّ كلتا العقيدتين تتشاركان في بعض الركائز الطبيعيّة للدين الحقيقي، إلّ أنّ كلتيهما لديها إلهٌ يختلف عن الآخر، فمن وجهة نظره أنّ المسيحية قد أشاعت قيم النور والمعرفة. أمّا الإسلام فمثل الانتقال من النور إلى الظلام، وأنّ المسيحية قد انتشرت بالعقل، بينما انتشر الإسلام بالسيف9. أمّا الكاتب الفرنسي هنري دي بولانفلييه (1658  -  1722) Boulainvilliers de Henri، فيعدّ أبرز المستشرقين الذين كتبوا عن حياة محمّد Mahomet of Life The عام 1730، وترجم كتابه إلى الإنكليزية، وكان بلهجة أقلّ حدّة، فوجد أنّ الإسلام هو ردّ فعل ضدّ الممارسات غير المسيحية للكنيسة الكاثوليكية، فالنبي محمّد قد أرسله الله بالفعل لينشر عقيدة التوحيد من الهند إلى إسبانيا، وليحكم الكنيسة وينقّيها ويطهّرها. لقد كان النبي محمّد أداة الله التي قضى بها على العبادة الباطلة، وأحلّ محلّها العبادة الحقّة. لقد تبنّى النبي محمّد من وجهة نظره أفضل قيم المسيحية وفضائلها وألغى مساوئها. وقد أقرّ بولانفلييه "أنّ المسلمين ليسوا عصاة"، بل "إنّ المسيحيين هم الذين رفضوا الاعتراف بأنّ محمّدًا قد أوحي إليه، وأنّه سار بتوجيه من الله. لكنّ النبي محمّدًا، على الرغم من فضائله، لم يفهم على نحوٍ كامل الطبيعة الحقيقيّة للمسيح". وظهر كتابه في مستعمرات عدّة كفيلادلفيا عام 1741 وفرجينيا عام 177210. كما اطّلع ريتشارد باكستر (1615  -  1691) Baxter Richard، وهو لاهوتيّ بيوريتاني وشاعر وكاتب ترانيم، على النسخة الإنكليزية من القرآن لألكسندر روس Ross Alexander، وألّف كتابًا عام 1667 بعنوان: مدارك الدين المسيحيّChristian of Reasons Religion ناقش فيه جوانب من العقيدة الإسلامية، وذكر إشارات إيجابية عن فهم الإسلام لطبيعة المسيح، "جاء في قرآن محمّد أنّ عيسى المسيح رسول عظيم، وأنّه كلمة الله، وأنّه ولد من العذراء مريم من دون أب، وأنّه موحى إليه من الله، وقد حُبي بمعجزات شفى بها الأعمى والمُقعد وأحيا الموتى، وأنّه رفع إلى السماء وسيعود مرّة أخرى. لكنّ المسلمين ينكرون موته وألوهيّته". لكنّ باكستر، على الرغم من ذلك، لم يتردّد في انتقاد نسق آيات القرآن ومعانيها، ووصفها بالمربكة، وصنّف، في كتاب آخر نشره عام 1670، المسلمين والموحّدين في مجموعة واحدة؛ والحقيقة أنّه كان شائعًا جدًّا في إنكلترا في هذه المرحلة وصف من لا يؤمن بعقيدة الثالوث بأنّه "محمّديّ"، وكان عرضة للشكّ في كونه اطّلع على تعاليم الإسلام11. في السياق ذاته، هاجم آرثر بيري (1624  -  1713) Bury Arthur، رئيس كلّية إكستر - أوكسفورد، عقيدة الثالوث في كتابه: الإنجيل المجرّد Gospel Naked الصادر عام 1690، وقال إنّ المسلمين موحّدون، ولهذا انتشر دينهم في أصقاع العالم. وإنّ تعاظم قوّة النبي محمّد ووصوله إلى مركز السلطة جاء بسبب العناية الإلهية، وإنّه مصلح عظيم وليس مرتدًّا مارقًا، وفسّ بيري سبب تفوّق القرآن على

  1. هي محاولة إنعاش للحماسة الدينية التي أصابها الفتور في المستعمرات الأميركية، إذ شدّد المبشّرون في هذه المرحلة على التلويح بالعقاب المستقبليّ للمذنبين والخاطئين. تمكّن إدواردز بسلسلة خطبه من أن يجعل موضوع الدين الشغل الشاغل للمؤمنين، ما وسّع أفق الممارسات والتجارب الدينية من خلال حلقات الوعظ والتبشير الجديدة والمتنقّلة أو المتجوّلة، وكانت فاتحة لمرحلة من التسامح الديني. للمزيد يُنظر: نغم طالب عبد الله، "التنوّع الطائفي في المستعمرات الإنجليزية في أميركا الشمالية 1607  -  1776 "، مجلّة كلية التربية، العدد 2 (2014)، ص 512  -  514.
  2. Thomas S. Kidd, American Christians and Islam: Evangelical Culture and Muslims from the Colonial Period to the Age of Terrorism (Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2009), pp. 16  -  17.
  3. Göle, pp. 116  -  117 ; Kidd, pp. 10  -  11.
  4. William Orme, The Practical Works of the Rev. Richard Baxter, With a Life of the Author, and a Critical Examination of his Writings , vol. 20 (London: James Ducan, 1830), pp. 290  -  291.

الإنجيل بأنّه دليل، فمثلما كان دين موسى أفضل من ديانة الكنعانيين Canaanites، ودين المسيح أفضل من دين موسى، لذا يجب أن يكون دين محمّد أفضل من دين المسيح. وإنّ عقيدة الثالوث بدعة وحيلة أفلاطونية دينيّة ابتدعها رجال الكهنوت في المسيحية. ودعا بيري إلى البساطة والعودة إلى قيم المسيحية الأولى. لكنّ آراءه لم تخل من تحامل في مواضع أخرى. إلّ أنّ كتابه أحرق وعدّ عملً هرطقيًّا، وتمّ تغريمه خمسمئة جنيه. ولعلّ مواطنه توماس أيكنهيد Aikenhead Thomas لم يتوقّع أن تكون طروحاته الموضوعية بشأن الإسلام سببًا في اتّهامه بتفضيل الإسلام على المسيحية، بل وفي إعدامه في إدنبرة في الثامن من كانون الثاني/ يناير 1698 بتهمة التجديف Blasphemy، لأنّ القانون الإنكليزي كان يجرّم المتحمّسين والمتعاطفين مع المسلمين، ويعدّهم أعداءً للدولة12. وفي وصفه لعقيدة المسلمين مقارنة بفرقة الموحّدين، ذكر روبرت ساوث South Robert المبشّ الأنجليكاني عام 1698 أنّ منكري الثالوث هم.13كذا] [Christian Mahometans مسيحيّون محمّديّون وأوّل إشارة إلى تأثّر جون لوك (1632  -  1704) Locke John بالإسلام ارتبطت بدراسته اللّغة العربية في جامعة أوكسفورد عام 1671 على يد إدوارد بوكوك (1604  -  1691) Pococke Edward، وتزامن هذا الأمر مع بدء لوك كتابة مقالته "عن الفهم والإدراك الإنساني" " Understanding Human On Essay "، وقد تضاربت الآراء في تأثير الفلسفة الإسلامية في أعمال لوك اللاحقة، ومواقفه من الإسلام والعثمانيين، لا سيّما أنّ الإسلام أصبح مركزيًّا في النقاشات، التي شهدتها إنكلترا في القرن السابع عشر؛ بسبب التشابه بينه وتعاليم طائفة الموحّدين، وبسبب المتغيّات السياسية والاقتصادية التي رافقت الزحف العثماني إلى أوروبا، وحالة الهلع التي ولّدتها حوادث كثيرة ومتكرّرة، أسر خلالها سفن وبحّارة من الأوروبيين وبخاصّة الإنكليز، على يد رجال ساحل البربر14. ولعلّ امتلاك لوك الترجمة الفرنسية للقرآن لأندريه دي ريير Ryer de Andre، المطبوعة في عام 1647، قد أسهم في صياغة رؤيته لماهية الإسلام، فأصبح لاحقًا مناصرًا لقضية التسامح إزاء المسلمين واليهود، ودعا إلى أن يسلك العرش الملكي في إنكلترا سياسة متسامحة إزاء غير المسيحيين، وأن يكفل للمسلمين الحقوق المدنية والدينية كافّة كما فعل العثمانيّون في أرجاء دولتهم مع بقية الأديان والطوائف، موضّحًا أنّ دول شمال أفريقيا قدّمت خلال حربَ التسع سنوات (1688  -  1697) والوراثة الإسبانية (1701  -  1714)، الكثير من الدعم والتمويل للأساطيل الإنكليزية، للحدّ من طموح الملك لويس الرابع عشر XIV Louis، ثمّ فتحت موانئها لسفن التجّار في طريقهم إلى الشرق، وحمتهم من بعض هجمات القراصنة المسيحيين. ومثلما قدّم المغاربة تلك المساعدة لإنكلترا، كان عليها أن تمنح المسلمين وضعًا قانونيًّا وشرعيًّا وملجأ آمنًا، وألّ تجعل الدين عقبة أو حجر عثرة أمام التكامل الشامل في سياسة الدولة15. سلّط لوك الضوء على ماهيّة الإسلام، التي ستجسّد رؤاه الليبرالية في الدفاع عن الموحّدين والمسلمين وغيرهم أمام ما قد يتعرّضون له من اضطهاد، في عمله الشهير: رسائل بخصوص التسامح، الذي نشره عام 1689، ودعا فيه إلى منح كل مواطني إنكلترا وقاطنيها بمختلف دياناتهم وطوائفهم حرية العيش والممارسة الدينية. وجاء فيه "أنّه ينبغي عدم إقصاء الوثنيّ أو المحمّدي أو اليهودي، وحرمانه من حقوقه المدنية في أنحاء الكومنولث بسبب دينه، فالإنجيل لم يأمر بشيء كهذا"16. وذكر لوك أنّ الأتراك ليسوا - ولا يمكن أن

  1. Humberto Garcia, Islam and the English Enlightenment, 1670  -  18 40 (Maryland: The Johns Hopkins University Press, 2012), p. 162 ; J. A. I. Champion‏, The Pillars of Priestcraft Shaken , The Church of England and its Enemies 1660  -  1730 (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), pp. 107  -  108 ; John Marshall, John Locke, Toleration and Early Enlightenment Culture (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), p. 392.
  2. Marshall, pp. 390  -  391.
  3. Coffman, p. 382.
  4. Maleiha Malik, (ed.), Anti-Muslim Prejudice: Past and Present (London/ New York: Routledge, 2013), p. 22.
  5. John Locke, Letters Concerning Toleration (London: 1765), p. 63.

يكونوا - هراطقة أو منشقيّن بالنسبة إلى المسيحيين. وقد اتّهمه جون إدواردز (1637  -  1716) Edwards John صراحة "باعتناق عقيدة محمّد"17. وعلى الرغم من ذلك، أسهم لوك في إظهار تميّز العقيدة الإسلامية من المسيحية، في وقت حاول الآخرون تبيان العكس.

ثانيًا: وصول المسلمين إىل العالم الجديد

بدأ الأوروبيون البحث عن أصقاع جديدة في العالم، بعد تعثّ تجارتهم عبر البحر المتوسّط بفعل التهديد العثماني، واحتكار البنادقة والجنويين نقل السلع الشرقية، فضلً عن دوافع حرّكت المغامرين والمتحمّسين للمسيحية للوصول إلى مصادر الذهب وتحقيق الشهرة ونشر الكاثوليكية. وكانت تجارة الرقيق من أقدم الممارسات التي زاولها البرتغاليّون أوّلً، حينما وصلوا إلى جزر المحيط الأطلسي، ثمّ أعقبهم الإسبان والإنكليز، لاستغلال سكانها في زراعة الكروم وإنتاج الخمور18. ويبدو أنّ المسلمين الأوائل وصلوا إلى المستعمرات الإنكليزية في أميركا الشمالية، والكاريبي والمستعمرات الإسبانية من خلال تجارة الرقيق، التي ازدهرت في غرب أفريقيا مع بداية القرن السادس عشر. وقدّر بعض الباحثين أنّ نسبة المسلمين من العبيد الأفارقة، الذين وصلوا إلى تلك المناطق، نحو 15  -  20 في المئة، وهم ممّن كانوا يمتهنون الزراعة. وقدّر المؤرّخ الإسباني مايكل غوميز Gomez Michael عددهم بحوالي 200 ألف جاؤوا من مناطق أفريقيا بمؤثّرات إسلامية. وربما لم يكونوا جميعهم مسلمين، لكنّ بضعة آلاف منهم كانوا مسلمين أو يتّفقون مع المعتقدات الإسلامية. وعلى الرغم من أنّ التجّار والبحّارة المسلمين قد اجتازوا الموانئ الأميركية في مناسبات عدّة خلال تلك الحقبة، فإنّ معظم الأميركيين المسلمين كانوا أفارقة جرى جلبهم للعمل في مزارع الجنوب19. وقد وصل كذلك بعض المورسكيين إلى أميركا الإسبانية بعد أن تخفّى كثير منهم وراء المسيحية خوفًا من بطش محاكم التفتيش فيها، إذ كانت تطارد كلّ من يكتب الحُجب أو التمائم الإسلامية على واجهة بيته لغرض الحماية. وكانت السلطات الإسبانية الرسميّة تصف العبيد المسلمين بأنّهم مثيرو المشكلات بين السكان الأصليين، إذ اندلعت سلسلة تمرّدات من عام 1522 حتّى منتصف القرن السابع عشر في المكسيك وكوبا وغواتيمالا وبنما وفنزويلا ومارتينيك، وقد أُلقي باللوم فيها على المسلمين؛ لأنّهم كانوا يحثّون السكان على الانتفاض ضدّ الإسبان20. ترك بعض الأحداث أثرًا عميقًا في ذاكرة جون سميث (1580  -  1631) Smith John قائد الرحلة الإنكليزية التي حطّت الرحال في جيمستاون عام 1607. قاتل سميث الجيوش العثمانية منذ عام 1956، وفي عام 1603 انضمّ إلى القوات النمساوية للقتال في هنغاريا. لكنّه أصيب في معارك ترانسلفانيا وأُسر وجرى بيعه عبدًا لسيّدة مسلمة في إسطنبول عاملته بإحسان. لكنّه في محاولته الفرار والعودة إلى بلاده قتل ثلاثة أتراك. وقد تكون تلك التجربة هي السبب في تسميته إحدى الجزر في المنطقة الساحلية شمال ماساتشوستس

  1. Matthew Dimmock, Mythologies of the Prophet Muhammad in Early Modern English Culture (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), p. 187.
  2. محمّد محمّد صالح، تاريخ أوربا من عصر النهضة إلى الثورة الفرنسية (بغداد: دار الجاحظ للطباعة والنشر، 1982)، ص 181  -  182.
  3. Daniel L. Dreisbach & Mark D. Hall (eds.), Faith and the Founders of the American Republic (New York: Oxford University Press, 2014), p. 84.
  4. Coffman, pp. 378 , 389 ; Sylviane A. Diouf‏, Servants of Allah: African Muslims Enslaved in The Americas (New York: New York University Press, 2013), pp. 212  -  213.

باسم تلك المرأة التي امتلكته لفترة Tragabizanda، وقد تغيّ اسمها لاحقًا إلى جزيرة رأس آن، ثمّ أطلق على الجزر الثلاث في رأس ماساتشوستس اسم "الأتراك الثلاثة" Turks Three، وذلك عقب رحلة قام بها إلى مناطق شمال فرجينيا عام 161421. ومن أهمّ الأحداث، التي بلورت نظرة الريبة والحذر لدى الأوروبيين إلى المسلمين والعثمانيين، عمليات الأسر الكثيرة التي تعرّضت لها سفنهم وطواقمها من جانب المغاربة بقصد طلب الفدية منذ القرن الثاني عشر، وكانت تلك العمليّات شائعة جدًّا في مياه البحر المتوسّط والمحيط الأطلسي. وقد عانت السفن الإنكليزية كثيرًا من تلك الحوادث، ولم تتمكّن السلطة من إيقافها أو منعها. لكن جرت محاولات للحدّ منها، ولم ينج مستوطنو المستعمرات الإنكليزية في أميركا من تلك الهجمات، وقد جرت محاولات عدّة لتحرير أسراهم مقابل دفع ذويهم الأموال، وكان يتمّ جمع كثير منها من خلال حملات تبرّع خيرية، بجهود مؤسّسات وشخصيات دينية وعامّة22. أسر المغاربة بين عامي 1609 و 1616 حوالى 466 سفينة. وقد أشار جون سميث إلى أنّ إحدى سفن شركة فرجينيا، وكانت في طريق العودة إلى إسبانيا مع شحنة من الأسماك في عام 1615، قد استولى عليها الترك (مسلمو شمال أفريقيا). وتكرّر الأمر عام 1678، فقد احتجز قراصنة الجزائر ثلاث عشرة سفينة من المستعمرة، في حين أنّ بعض تجّار ماساتشوستس قدّموا عام 1644 عريضة للجمعية العامّة، وطالبوا بتوفير الحماية لهم في البحر من "قراصنة الجزائر والمغرب"، وبدأت الدوريات تتعقّب تلك السفن في محاولة لصدّها23. من أنجح الوسائل، التي لجأت إليها الحكومة البريطانية للحدّ من تلك الهجمات على سفنها وسفن مستعمراتها، كانت مهادنة دول البربر بدل مقارعتها، وذلك بدفع رسوم سنوية، وهي بديل مهذّب من كلمة إتاوة؛ ما جعل المغاربة يتحوّلون إلى اصطياد سفنِ قوى أخرى تابعة للدنمارك والبرتغال وإسبانيا. وكان يتحتّم على التجّار الأميركيين أن يتوقّفوا في موانئ إنكلترا للحصول على تصاريح الحماية من هجمات القراصنة. لكنّ الأمر تغيّ تمامًا بعد عام 1776، وباتت الجمهورية الفتيّة في مواجهة تلك الغارات وحدها. وبعد عام 1783 كان معظم السفن الأميركية قد دُمّر أو أُسر أو أُغرق، وأصبحت الولايات المتّحدة عاجزة نتيجة افتقارها إلى الأسطول والقوّة البحرية والتمويل الكافي، إلى جانب ضعف الحكومة المركزية في الدفاع عن سواحلها، ودرء خطر غارات البربر عن سفنها التجارية، فازدادت حوادث أسر السفن الأميركية، وأسر المغاربة السفينة بيتسي Betsy من بوسطن، واستولت الجزائر على السفينتين دوفين Dauphin وماريا Maria عام 1784، ما حدا بقادة البلاد إلى التفكير في حلول تتناسب مع واقع الحال الهشّ. وجرى التخطيط لعقد معاهدات سلام مع تلك الأقطار، إلّ أنّ جميع الجهود الدبلوماسية التي بذلها الكونغرس للحصول على اتّفاقية سلام دائم مع الجزائر وطرابلس وتونس عام 1785 فشلت، بعد اشتراط ولاتها أن تدفع الحكومة الأميركية مبلغ مليون دولار سنويًّا إتاوة، لمنع عمليات الاعتراض، وإطلاق سراح بحارتها وطواقم سفنها المحتجزين لديها. لكن بجهود مضنية تمكّن بنيامين فرانكلين Franklin Benjamin، إلى جانب توماس جيفرسون Jefferson Thomas، وجون آدمز Adams John، والمندوب الأميركيّ توماس باركلي Barclay Thomas، في عام 1786 من إقناع (سلطان) المغرب سيدي محمد بن عبد الله، لقاء مبلغ عشرين ألف دولار، بإبرام اتّفاقية سلام وصداقة مع المغرب، وإطلاق سراح

  1. Coffman, pp. 379 ; Arthur Meier Schlesinger Jr, Tara Baukus Mello & John Smith, English Explorer and Colonist (Pennsylvania: Chelsea house Publishers, 2009), p. 14.
  2. Coffman, p. 380.
  3. Timothy Marr, The Cultural Roots of American Islamicism (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), pp. 28  -  29.

السفينة بيتسي وطاقمها، وتأسيس قنصلية أميركية في طنجة24. لكنّ بقية دول الشمال الأفريقي ظلّت تلاحق السفن الأميركية في مياه الأطلسي والبحر المتوسّط، وتحتّم على الولايات المتحدة أن تخوض ضدّها حربًا قاسية فيما بعد25. يعد روجر وليامز (1603  -  1683) Williams Roger أول مناصر ومدافع عن الحريات الدينية في المرحلة الاستعمارية في أميركا، إذ صدر له عام 1644 كتاب بعنوان العقيدة الدموية للاضطهاد بسبب المعتقد of Cause for Persecution of Tenent Bloudy The Conscience، [كذا] شنّ فيه هجومًا عنيفًا على التعصب الديني والسياسي في إنكلترا ونيو إنجلند England New على حد سواء. وأشار وليامز إلى أنه أُجيز لمن وصفهم "بالوثنيين"، كاليهود والترك وغير المسيحيين على اختلاف أممهم وأقطارهم منذ مجيء المسيح، أنُ يمارسوا معتقداتهم وعباداتهم الدينية26. لكن وليامز شنّ في الوقت ذاته هجومًا عنيفًا على الإسلام والنبي محمد، إلى جانب البابا، بعبارات قاسية ولاذعة، وأنكر كما فعل همفري بريدو من قبل نزول الوحي الإلهي على النبي محمد، وواصفًا إياه "بالوحي المزيف"، وذكر أن المحمّديين ليس لديهم فرصة للنجاة أو الخلاص27. لكن، على الرغم من ذلك، كرر وليامز، مرات عدة، أن للمسلمين حق ممارسة العبادة بحرية تامة من دون إكراه أو تضييق أو عنف من السلطات المسيحية الحاكمة في أميركا، وناشد وليامز منذ وقت مبكر، متوقعًا مستقبلهم جيرانًا وربما مواطنين، ألا تخضع معتقداتهم لسيطرة الدولة أو تدخّلها (يقصد المسلمين)، ونعتهم بالأتراك

.28) Turks (

هاجم وليامز طائفة الأصحاب الدينية المعروفة باسم الكويكرز Quakers29، وكل الأنظمة البشريّة الدينية التي تتقاطع مع الدين الحقيقي للمسيح، ووصف جورج فوكس (1624  -  1690) Fox George مؤسّس الطائفة بأنّه "محمّد الجديد" Mahomet New، وأنّه ادّعى الوحي بوساطة روح القدس. ولكنّه أشار في الوقت ذاته إلى أنّ الإسلام والكاثوليكية أحرزا نجاحًا كبيرًا بازدياد أعداد أتباعهما والمنضوين تحت لوائهما، مشيرًا إلى الأعداد الهائلة التي "تتّبع تلك الشخصيّة المذهلة محمّد". وسواء أكان يقصد بهم الأقلّية الموجودة في المستعمرات أو دول شمال أفريقيا، فهو قد حدّد طبيعة العلاقة التي يجب انتهاجها أو سلوكها إزاءهم30. لا تُعرَف، على وجه الدقّة، طبيعة الحياة التي زاولها المسلمون في أميركا، والعلاقة التي سادت بينهم وبين الأميركيين الأوائل. لكنّ بعض الإشارات تؤكّد أنّهم شكّلوا نسبة لا بأس بها في مدن معروفة، ففرجينيا شرّعت في عام 1691 قانونًا يقضي بطرد أيّ شخص أبيض

  1. على الرغم من أنّ العلاقات المغربية - الأميركية بدأت منذ عام 1777، فإنّها توطّدت في إطار اتّفاقية رسمية في عام 1787، ففي صيف عام 1786 جرى إيفاد توماس باركلاي، وهو أوّل قنصل للولايات المتحدة لدى فرنسا، إلى مراكش مبعوثًا من جيفرسون وجون آدمز لبدء المفاوضات لعقد معاهدة للصداقة والسلام مع مولاي محمّد الثالث (1757  -  1790)، وجرى توقيعها في 28 حزيران/ يونيو من العام نفسه ولغاية 15 تمّوز/ يوليو، حيث أدرجت فيها بنود إضافيّة، وصدّق عليها جيفرسون في باريس في الأوّل من كانون الثاني/ يناير 1787، وآدمز في لندن في 25 من الشهر ذاته، وتضمّنت خمسةً وعشرين بندًا، وقد صدّق عليها الكونغرس القاري، يُنظر: روبرت جي أليسون، هلال وراء الغيوم: الولايات المتّحدة والعالم المسلم 1776  -  1815، تراث حروب البربر، ترجمة وتقديم أسامة الغزولي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 45  -  62.
  2. مايكل أورين، القوّة والإيمان والخيال: أميركا في الشرق الأوسط منذ 1776 حتى اليوم، ترجمة آسر حطيبة (القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 2008)، ص 37  -  45.
  3. James D. Knowles, Memoir of Roger Williams, The Founder of The State of Rhode Island (Boston: Lincoln Edmands and co., 1834), p. 362.
  4. Coffman, p. 384.
  5. Ibid.
  6. الكويكرز: طائفة تأسست في إنكلترا على يد جورج فوكس، احتجاجًا دينيًّا في وجه الشكلية المفرطة للكنيسة الرسمية. اسمها الرسمي هو الجمعية الدينية للأصحاب، ويؤمن الكويكرز بالفصل التامّ بين الكنيسة والدولة. بدؤوا في البروز في المستعمرات الأميركية، اضطهدهم البيوريتان في ماساتشوستس والأنجليكان في فرجينيا بسبب معتقداتهم الرافضة لخوض الحرب والإذعان للسلطة. وأسّسوا مجتمعًا مزدهرًا في بنسلفانيا، ينظر: Jeffrey D. Schultz et al. (eds.), Encyclopedia of Religion in American Politics (Phoenix, AZ: Oryx Press, 1999), p. 202.
  7. Kidd, pp. 10  -  11.

حرّ رجلً كان أو امرأة إذا تزوّج من الزنوج أو الهنود عبيدًا كانوا أم أحرارًا، وربّما جاء هذا الإجراء بعد تزايد عدد الزيجات بين البيض والزنوج أو الهنود31. ومن بعض الحوادث المسجّلة يتبيّ أنّ بعض المسلمين قد حقّقوا مكاسب مادية مكّنتهم من الحصول على عبيد للخدمة، وهو ما دفع مجلس المندوبين في فرجينيا عام 1705 إلى أن يشرّع قانونًا يمنع بموجبه الزنوج والمولّدين المغاربة والهنود الحمر حتّى إن كانوا مسيحيين، واليهود والمحمّديين، وأيّ ملحد من اتّخاذ مسيحي أبيض عبدًا32. وصلت أقدم نسخة من القرآن الكريم إلى المستعمرات الإنكليزية في العالم الجديد، كما يُعتقَد، مع شخص يدعى أنتوني جانسن Janszoon Anthony إلى نيو أمستردام، وهو أحد رعايا شركة الهند الغربية الهولندية في حدود عام 1630. كان والده هولنديًّا، ووقع في أسر المغاربة في شمال أفريقيا، واعتنق الإسلام وتزوّج من امرأة مغربية، وأوصى أنتوني عند وفاته عام 1676 بأن تنقل مقتنياته إلى أقربائه في نيويورك، ومن بينها نسخة القرآن الخاصّة به، ولم تعرف اللغة التي كتب بها، وتعدّ بهذا أقدم نسخة من القرآن في أميركا الشمالية. وبحسب ما ذكر، فقد خاض جانسن صراعًا مع السلطات الهولندية هناك لأنّها لم تراع الشريعة الإسلامية في قوانينها، ورفض مرّات عدّة أوامر المحكمة التي طالبته بمغادرة المستعمرة، ورفض أن تطبّق عليه القواعد الدينية لكنيسة هولندا والقانون المدنيّ فيها، وبهذا عدّ أوّل أوروبي مسلم بنى أوّل مستوطنة في نيو أوترخت Utrecht New - بروكلين - نيويورك، إذ كان يمتلك أراضي فيها33. وإذا ما أردنا أن نوضّح أكثر تأثير الفلسفة الإسلامية في المستعمرات الإنكليزية وروّادها الأوائل، فينبغي لنا الحديث عن إحدى شخصيات نيو إنجلند البارزة، وهو القسّ البيوريتاني والعالم كوتون ماذر (1663  -  1728) Mather Cotton من مستعمرة خليج ماساتشوستس، الذي سجّل ملاحظات على جوانب عدّة من الإسلام، جاء بعضها منصفًا والآخر حكمته نزعات متناقضة، فقد نشر ماذر عام 1721 كتابه الفيلسوف المسيحي، وهو مجموعة دراسات أوضحت مدى التناغم بين العلم والدين، واستندت إلى القرآن لتفسير ظواهر علمية وكونية وطبيعية كالنجوم في السماء والهزّات الأرضية والزلازل وظاهرتي البرق والرعد34. ومن المحتمل أن يكون ماذر قد امتلك أوّل ترجمة إنكليزية للقرآن، وهي التي أنجزها الإسكتلندي ألكسندر روس Alexander Ross عام 1649 بعنوان قرآن محمّد Mahomet of Alcoran The، والتي استندت بدورها إلى النسخة الفرنسية الأولى من القرآن. وكانت ترجمة روس تلك قد أثارت جدلً واسعًا في لندن خوفًا من تشجيعها المسيحيين على اعتناق الإسلام، وبخاصّة مع أحداث الحرب الأهلية الإنكليزية وإعدام الملك شارل الأوّل، والتي صاحبتها حالة هياج ديني. ولهذا ارتأى روس أن يعلّق على عمله بالقول إنّه لم يعد هناك من مخاطر في قراءة القرآن أو أحد الكتب الهرطقية التي ابتدعتها الفرق المسيحية المختلفة، أو حتّى كتب قراءة الكفّ أو علم التنجيم والعرافة والسحر واستحضار الأرواح، لمعرفة ماهيتها بقصد البحث والاستقصاء. وقد دافع روس عن نفسه قائلً إنّ المسيحيين الأتقياء والمخلصين لا يمكن أن يتزعزع إيمانهم35. تأثّر ماذر أيضًا بدرجة كبيرة بالفيلسوف العربي الأندلسي ابن طفيل (1110  -  1185)، وبمؤلّفه الشهير: حيّ بن يقظان، الذي ترجم إلى لغات عدّة، وترجم من اللاتينية إلى الإنكليزية عام 1671، بعنوان: فيلسوف المعرفة الذاتية Philosopher taught - Self، وتجسّدت في روايته رغبة الإنسان في فهم أسرار الكون وماهيته، والظواهر الفلكية والمادّية، ومتناقضات الوجود للوصول والاهتداء

  1. هوارد زن، التاريخ الشعبي للولايات المتحدة، ترجمة شعبان مكّاوي، ط 2 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2009)، ص 70.
  2. Winthrop D. Jordan, White Over Black: American Attitudes toward the Negro 1550  -  1812 , 2 nd ed. (Chapel Hill: UNC Press, 1968), p. 94.
  3. Kambiz Ghanea Bassiri, A History of Islam in America: From the New World to the New World Order (New York: Cambridge University Press, 2010), pp. 9  -  13 ; Frederick William Dame‏, The Muslim Discovery of America (Norderstedt: Books On Demand, 2013), p. 95.
  4. Cotton Mather, The Christian Philosopher: A Collection of the Best Discoveries in Nature (London: Eman Matthews, 1815), pp. 8  -  9.
  5. Philip C. Almon, Heretic and Hero: Muhammad and the Victorians (Wiesbaden: Otto Harrasowitz, 1989), p. 65.

بالفطرة إلى الخالق. وقد أعجب ماذر بهذا العمل الفريد، الذي أنجزه عالم مسلم قبل خمسمئة عام في رحلة الاستبصار هذه من دون معلّم، وأشار إلى أنّ الإنسان ببساطته وباستعمال مداركه العقلية الفطرية لا يستطيع أن يفهم العلم الطبيعي والتاريخ العلمي فحسب، وإنما سيدرك أيضًا وجود الله، لذا فإن الله قد علّم ودرّس محمّدًا36. وأكّد ماذر أنّ بقية المعارف الإسلامية الأخرى قد تؤثّر في بناء المجتمعات المسيحية عبر الأطلسي37. وتجدر الإشارة إلى أنّ قصة حيّ بن يقظانقد أثّرت في جون لوك من قبل، وفي جورج فوكس مؤسّس طائفة الكويكرز، وفي مفكّرين غربيين كثر. ولكن كان لماذر تصريحات متحاملة ضدّ الإسلام بعد تكرار حوادث الأسر التي تعرّض لها العديد من سفن نيو إنجلند على يد المغاربة، وكان ممّن قادوا حملات عدّة لجمع التبرعات المالية، لفكّ الأسرى وتحريرهم. وفي موعظة له لمجموعة أطلق سراحهم وعادوا إلى الوطن، أشار ماذر إلى أنّ بعض من أسره "البربر" قد تخلّ عن المسيحية واعتنق الإسلام، وأشار إلى أنّه لم يكن بينهم سكان من نيو إنجلند، وذكر أنّ هذا الأمر هو "بفضل بركة الله، وأنّ صلوات الكنائس هي من أنقذتهم من قبضة أتباع محمّد"38. نقلت أوّل ترجمة للقرآن مباشرة من العربية إلى الإنكليزية على يد المحامي والمستشرق الإنكليزي الأنجليكاني جورج سال (1697  -  1736) Sale George، الذي تعلّم العربية على يد اثنين من مسيحيي سورية في لندن عام 1734. كتب سال، إلى جانب الترجمة، افتتاحية من مئتي صفحة عن العقيدة الإسلامية، وعلى الرغم من التحفّظ في قناعته ببعض المفاهيم الجوهرية حول حقيقة الرسالة المحمّدية والوحي والقرآن، فقد وصف سال الرسول محمّدًا بأنّه مشرّع العرب Arabians the of Giver - Law، وأشاد بفضيلته التي ارتكزت على صدقه وعدالته وتقواه ورأفته وتواضعه وتقشّفه39. رفض جورج سال فكرة انتشار الإسلام بقوّة السيف، ورفض أيضًا إدانة تعدّد زوجات النبي، مشيرًا إلى أنّ بعض أنبياء اليهود قد اتّخذوا أكثر من زوجة، ونتيجة لمواقفه الموضوعية تلك، التي ناقضت ما جاء به مواطنه همفري بريدو من قبل، فقد وصفه المؤرّخ إدوارد جيبون (المتوفّ عام 1794) Gibbon Edward، في الجزء الخامس من كتابه اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها المنشور عام 1788، بأنّه: "نصف مسلم " Mussulman a half [كذا]40.

ثالثًا: نظرة الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة إىل الإسلام

اتّضح من بعض سجلات الملكيّة، التي قدّمها جورج واشنطن عام 1774، أنّه امتلك امرأتين زنجيّتين مسلمتين، هما أُمّ وابنتها، إحداهما كانت تدعى فاتيمار Fatimer، والأخرى فاتيمار الصغيرة Fatimer Little [كذا]41، في إشارة إلى اسم فاطمة ابنة الرسول الكريم.

  1. Cotton Mather, The Christian Philosopher , Winton U. Solberg (ed.) (Urbana: University of Illinois Press, 2000), p. 12.
  2. Coffman, p. 382.
  3. Kidd, p. 6.
  4. The Koran, Commonly Called: The Alcoran of Mohammed , Translated from the Original Arabic with Explanatory Notes Taken from the Most Approved Commentators to which is Prefixed a Preliminary Discourse by George Sale, vol. 1 (London: S. Hazard for J. Johnson Vernor and Hood Ogilvy and Speare et al, 1795), pp. iii, 54
  5. G. S. Rousseau & Roy Porter (eds.), Exoticism in the Enlightenment (Manchester/ New York: Manchester University Press, 1990), p. 30.
  6. Denise A. Spellberg, Thomas Jefferson's Qur'an: Islam and the Founders (Toronto: Alfred A. Knopf, 2013), p. 12 ; Rebecca Mark, Ersatz America: Hidden Traces, Graphic Texts and the Mending of Democracy (Virginian: University of Virginia Press, 2014), p. 12.

ويبدو أنّ واشنطن لم يكن يمتلك مواقف مسبقة أو ردود فعل معارضة لتوظيف المسلمين في مزرعته، فقد أعرب في رسالة إلى صديق بأنّه سيرحّب بالمحمّديين أو اليهود أو المسيحيين من أيّ طائفة، وحتّى بالوثنيين في مونت فيرنون إن كانوا عمّالً جيّدين42. والأهمّ من ذلك أنّ واشنطن، بعد تقاعده عقب الحرب الثورية، بدأ يهتم بشؤون مواطني فرجينيا، وبدأ في البحث عن وسيلة لتمكين المسلمين واليهود من الحصول على إعانة مناسبة. وجاء ذلك ضمن جملة آراء ضمّنها إزاء مشروع قانون قدّم إلى مجلس المندوبين في الولاية عام 1784، لتضمين فقرة لدعم معلّمي الدين المسيحي من خلال الضرائب العامّة، وأكّد فيها كذلك على معارضته أي شكل من أشكال القيود والعوائق على أساس الخلفيات الدينية، واتّضح ذلك في رسالة بعث بها إلى جورج مايسون (1725  -  1792) Mason George عام 178543. قد يكون ما صرّح به عزرا ستايلس (1727  -  1795) Stiles Ezra رئيس كلّية يال في عام 1783، في موعظة أمام الحاكم والجمعية التشريعية في كونكتكت، من أنّ "الأخلاق المحمّدية" أرفع بكثير بالنسبة إلى المسيحية، قد خضع لتأويلات عدّة، وحاول الكثيرون تفسيره بأنّه لم يكن محاولة للترويج للإسلام أو لجعله مركزيًّا في المناقشات إزاء شكل الجمهورية وصيغتها ومستقبلها، أو حتّى لوضعه في كفة المقارنة المزعومة بين العقيدتين، لكنّه كان على الأغلب مناورة كلامية في محاولة منه للفت الأنظار، ومحاولة إظهار مدى ولع العديد من الربوبيين بالتقليل من قيمة الفضائل المسيحية مقارنةً بالديانات الصينية والإسلامية والقيم الشرقية الأخرى، التي يعدّونها أرقى وأسمى من المسيحية. ونراه في إشارة أخرى في الموعظة يؤكّد ضرورة تبنّي المسيحيّة أطرًا دينية لأميركا لأنّها تتلاءم مع قيم الجمهورية، وليس هناك من فرصة للإسلام أو الهندوسية أو البوذية أو لأيّ دين مزيّف أو وثني، كما قال، إلى جانب مذهب الدييزم ليسود في أميركا؛ لأنّ المسيحية من وجهة نظره ستنتصر وستسود العالم44. لكنّ الشاهد يدلّ على أهمية النظرة السائدة آنذاك عن قيم الإسلام، وعمق المناقشات التي جالت في أروقة العديد من المحافل الفكرية على امتداد الولايات45. إنّ ما جاء به جيمس هاتسن Hutson. H James رئيس قسم المخطوطات في مكتبة الكونغرس الأميركي، في مقاله المثير للجدل المعنون ب "الآباء المؤسّسون والإسلام"، الذي نشره عام 2001 عقب تصاعد حمّى فوبيا الإسلام، أكد وجود الآلاف من الوثائق تعود إلى عهد الجيل الثوري، ناقشت منذ وقت مبكّر أبعاد العلاقة بين المسلمين الأوائل والأميركيين، فضلً عن مختاراتٍ من أوراق جورج واشنطن وجيفرسون وغيرهما؛ ما حتّم على المؤسّسين في أميركا أن يضعوا آلاف المسلمين، قبل إعلان الاستقلال وبعده، في حساباتهم خلال مسيرة إرساء سياسة التسامح وضمان الحقوق المدنية والدينية للجميع46. وفي معرض ردّه على ما جاء به هاتسن، كتب ديف ميلر Miller Dave مقالً مطوّلً أشار فيه إلى أنّ استقدام المؤسّسين لهؤلاء المسلمين لم يكن، بأيّ حال من الأحوال، محاولة لتهيئة مكان لهم، أو لتشجيع نشر الإسلام في المستعمرات الأميركية، موضّحًا أنّه على الرغم من اعتراف الجميع بوجود تلك النسبة الكبيرة من المسلمين ممّن جيء بهم من غرب أفريقيا عبيدًا، فإنّه ليس هناك من

  1. John C. Fitz Patrick, The Writings of George Washington from the original Manuscript Sources 1745  -  1799 , vol. 27 (Washington, DC: Government Printing Office, 1934), p. 367.
  2. Jared Sparks, The Writings of George Washington, vol. 9 (Boston: American Stationers Company; London: J. M. Campbell, 1835), pp. 136  -  137.
  3. John W. Thornton, The Pulpit of the American Revolution (Boston: D. Lothrop & Co. Publishers, 1860), pp. 485 , 502.
  4. Jonathan D. Sassi, A Republic of Righteousness: The Public Christianity of the Post- Revolution New England (New York: Oxford University Press, 2001), p. 220.
  5. James Hutson, "The Founding Fathers and Islam: Library Papers Show Early Tolerance for Muslim Faith," Information Bulletin , Library of Congress (2002), accessed on 26 / 12 / 2021 , at: https://bit.ly/ 3 FtGVyB

دليل على أنّ المؤسّسين كانوا مدركين أو مطّلعين بدقّة على القناعات الدينية لعبيدهم، ربّما لأنّهم مارسوا طقوسهم الدينية وعباداتهم سرًّا وفي الخفاء خشية التنكيل أو الاضطهاد، وأكّد أنّ المسيحية كانت الركيزة الأساسية التي شيدت عليها أميركا، ولم يفكّر أحد البتّة في جعل الإسلام أو أيّ دين لا يعترف بالمسيح والثالوث، يسهم في صياغة شكل الجمهورية وإدارتها، أو حتّى إفساح المجال أمامهم لتقلّد أيّ مناصب قيادية، بل كان المؤسّسون يتوقون إلى نشر المسيحية بين الوثنيين من الهنود الحمر والأفارقة، وإنّ الإشارات المتفرّقة إلى الإسلام في تلك الفترة لا تعدو كونها حوادث لا تؤخذ في الحسبان من منظور سياسي أو موقف رسمي47. ترى هل انتقل اهتمام جون لوك بالإسلام إلى توماس جيفرسون؟ وهل كانت مواقفه حماسية ثابتة إزاءه؟ بدأ اهتمام جيفرسون يتشكّل حيال الإسلام بالتزامن مع حصوله على الطبعة الثالثة للقرآن باللغة الإنكليزية عام 1765 (أي قبل كتابة إعلان الاستقلال بأحد عشر عامًا، وكان حينها يدرس القانون في ويليمسبيرج في فرجينيا)، وهي النسخة التي ترجمها جورج سال وبقيت مع ملاحظات بخطّ يد جيفرسون محفوظة إلى يومنا هذا في مكتبة الكونغرس بوصفها شاهدًا على العلاقة المبكّرة والمعقّدة بين أميركا والإسلام والمسلمين48. ويبدو أنّ قناعاته حيال الإسلام لم تتّضح، وظلّ طوال حياته يتأرجح بين موقفين، أحدهما غلّفته آراء سلبية حيال الإسلام، والآخر دافع فيه عن حقوق المسلمين المدنيّة والدينية إلى جانب بقية الفِرَق والطوائف والأديان في أميركا49. فقد أعرب عام 1776 عن توجّهات اقتبسها من فولتير، وناقشها في مجلس الممثّلين في فرجينيا، وادّعى فيها أنّ الإسلام يشبه الكاثوليكية في كبته وقمعه لحريّة الاستقصاء والبحث والتفكير50. والواقع أنّ فولتير كتب مسرحيّة عام 1736 بعنوان محمّد النبي Prophète le Mahomet، عرضت أوّل مرّة في مدينة ليل عام 1741، وتهجّم فيها على الإسلام وشخص النبي، وحينما عرضت في باريس سبّبت هياجًا شعبيًّا واسعًا. فقد فسّها بعض النقّاد بأنّها محاولة مبطنة لإدانة الكنيسة ورجالها بطريقة غير مباشرة، بسبب اضطهادها الكثيرين باسم المسيح، بل هي هجوم على الأفكار الدينية بعامّة، وقد حاكمته السلطات حينها، ومنعت عرض المسرحية51. وكانت مسرحية فولتير هذه قد عرضت في نيويورك أوّل مرّة عام 1780، بعد أن أنجز جيمس ميلر جزءًا من ترجمتها إلى الإنكليزية قبل وفاته عام 1744، وأكمل المتبقّي منها جون هودلي Hoadly John، ونشرت عام 1759. إلّ أنّ آراء فولتير في الإسلام والنبي محمّد تغيّت، وعاد ليدحض افتراءات المتحاملين ضدّهما حينما قرأ سيرة محمّد لهنري دي بولانفلييه. وفي كتابه مقالة عن أخلاق الأمم وروحها عام 1756، دافع فولتير عن النبي محمّد، وعدّه مفكّرًا سياسيًّا عميق التأثير، ومؤسّسًا لدين عقلاني حكيم، ورأى أنّ الدول الإسلامية كانت تتمتّع بالتسامح الذي خلا منه التقليد المسيحي تاريخيًّا، ثمّ نشر عام 1765 كتابه بحث في العادات، وأشاد بالقرآن، وصرّح بأنّ محمّدًا مع كونفوشيوس وزرادشت يعدّون أعظم المشرّعين في العالم52.

  1. Dave Miller, "Were the Founding Fathers 'Tolerant' of Islam? [Part II]," Apologetics (April 2003), accessed on 26 / 12 / 2021 , at: https://bit.ly/ 3 JtUvom
  2. Spellberg, p. 10.
  3. Chris Beneke & Christopher S. Grenda (eds.), The Lively Experiment: Religious Toleration in America from Roger Williams to the Present (Lanham: Rowman & LittleField, 2015), pp. 94  -  95.
  4. Coffman, p. 383.
  5. Jonathan E. Brockopp (ed.), The Cambridge Companion to Muhammad (New York/ Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 241  -  242 ; Allison, p. 43.
  6. Nilüfer Göle, p. 117 ; Allison, pp. 44  -  45.

تأثّر فولتير بسيرة النبي محمّد، حتّى إنّه فضّله على المسيح في بعض جوانب الرسالة والصفات الشخصية، "أقلّ ما يقال عن محمّد أنّه جاء بكتاب وجاهد. أمّا عيسى فلم يترك شيئًا مكتوبًا، ولم يدافع عن نفسه. لقد امتلك محمّد شجاعة الإسكندر وحكمة توما. أمّا المسيح فقد نزف دمًا بمجرّد أن أدانه قضاته. ومحمّد لم يغيّ رسالته. لكنّكم ورجال دينكم غيّتم دينكم عشرين مرة"53. لكنْ سجّل جيفرسون، بعد كتابة إعلان الاستقلال، اقتباساتٍ أخرى من بطله الفكري جون لوك تدعو إلى منح المحمّديين واليهود وجميع الفرق المسيحية الأخرى وحتّى الوثنيين الحرّية الدينية54. والحقيقة أنّ جيفرسون أظهر وجهات نظر متباينة ومتناقضة في آن واحد إزاء قضية الدين بالمجمل؛ ومردّ ذلك إلى الميراث الأوروبي، وسلوكيات رجال الكنيسة، والضبابية التي رافقت وصول المسلمين إلى أميركا، وعلاقة الجمهورية الفتية لاحقًا بدول شمال أفريقيا، إلى جانب تأثير أفكار الاستنارة التي أنعشت مذهب الدييزم، الذي ولّد حالة من الفتور الديني إبّان الحرب وبعدها. واللافت للنظر أنّ جيفرسون عدّ نجاحه في معركته من أجل تمرير قانون فرجينيا للحرية الدينية عام 1786 في الجمعية التشريعية انتصارًا لجميع الفِرَق والطوائف، بالعيش في كنف المجتمع من دون مضايقات أو ضغوط من السلطة المدنية بسبب معتقداتهم الدينية، التي عدّها شأنًا خاصًّا بالفرد، وذكر في سيرته أنّ القانون كان يهدف إلى أن يضمن في طيّاته حماية المسيحي والوثني واليهودي والمسلم والهندوسي والملحد، وكل الطوائف الأخرى55. لقد ظهر جليًّا انفتاح أميركا على الإسلام وبقية الأديان في تصريح لريتشارد هنري لي Lee Henry Richard ضمّنه في رسالة بعث بها إلى جيمس ماديسون عام 1784 جاء فيها: "إني أتّفق تمامًا مع المشيخيين Presbyterians56 في أنّ الحرّية الحقيقية تشمل الدين المحمّدي (الإسلام) والهندوسي فضلً عن المسيحي، وتعانقها"، وقد جاءت بعد اعتراض المشيخيين على تمرير أيّ توصية تتبنّى دعم الدين بمساهمات مالية في الجمعية العامة في فرجينيا57. لقد وضع دستور ماساتشوستس عام 1780 أسس الحرّيات الفردية والدينية لسكان الكومنولث، وضمن حرّية ممارسة العبادة لجميع المسيحيين والربوبيين والمحمّديين واليهود وحتّى الوثنيين، كما صرّح بذلك كبير قضاة المحكمة العليا ثيوفلس بارسونز Parsons Theophilus في معرض دفاعه عن المادّة الثالثة الواردة في الدستور. وهذا يعدّ تطوّرًا فريدًا لنضوج فكرة التسامح الديني، التي لم يألفها البيوريتان في المراحل الأولى من تأسيس نيو إنجلند، مع أنّها بقيت متمسكة بالأبرشية كنيسةً رسميةً حتّى عام 183058.

  1. عبد الراضي محمد عبد المحسن، الرسول الأعظم في مرآة الغرب (الرياض: جامعة الملك سعود، 2011)، ص 48.
  2. Beneke & Grenda (eds.), pp. 95  -  96.
  3. Ann W. Duncan & Steven L. Jones (eds.), Church State Issues in America Today , vol. 1 (Westport, CT: Praeger Publishing, 2007) p. 15 ; نغم طالب عبد الله، "جذور الحرية الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية - قانون فرجينيا للحرية الدينية عام 1786 أنموذجًا"، مجلّة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، العدد 42 (2019).
  4. المشيخية كنيسة بروتستانتية أسّست في إسكتلندا بجهود جون نوكس. تؤمن باعتراف ويستمنستر للإيمان، faith of Confession Westminster الذي انبثق من سلسلة لقاءات دعا إليها البرلمان بتأثير البيوريتان بين عامي 1643 و 1648 في كنيسة ويستمنستر، لاقتراح تعديلات أكثر لإصلاح كنيسة إنكلترا، فأنجزت وثائق عدة كان من بينها هذا الاعتراف، ليحل محل التسع والثلاثين مادة دينية في تلك الكنيسة، إلى جانب استبدال كتاب العبادة والصلاة الإنكليزي المشترك BCP بصيغة أخرى، وأن تصبح حكومة الكنيسة مشيخية بدلً من الأسقفية، إلا أن المقترح لقي معارضة شديدة في إنكلترا، ورحبت به كنيسة إسكتلندا. صدّق عليه البرلمان الإنكليزي وكنيسة إسكتلندا عام 1649، ليصبح أنموذج عقيدة كنيسة إسكتلندا، وترك لها اختيار المشيخية مذهبًا رسميًا، وعدم فرض الأسقفية الإنكليزية. يتألف الاعتراف من ثلاثة وثلاثين فصلً تضم أسس المذهب، باعتبار أن التوراة هي كلام الله، وعقيدة القضاء والقدر، والثالوث، والفداء بالمسيح وسيلة للنجاة، إلى جانب سري التعميد والعشاء الرباني المقدس، فضلً عن رجوع أرواح الموتى إلى الله حال وفاتهم. ويفضل المشيخيون الفصل التام للكنيسة عن الدولة. J. L. Diman, "Religion in America 1776  -  1876 ," The North American Review, vol. 122 , no. 250 (January 1876), p. 19.
  5. Richard Henry Lee, Memoir of the Life of Richard Henry Lee And His Correspondence, by His Grandson Richard H. Lee , vol. II (Philadelphia: William Brown Printer, 1825), p. 51.
  6. Theophilus Parsons, Defence of the Third Article of the Massachusetts Declaration of Rights; as delivered by Chief Justice Parsons, as the Opinion of the Supreme Judicial Court (Worcester: Harvard College Library, 1820), p. 4.

إنّ التأكيد على فكرة الثواب والعقاب وأهميّتها في تهذيب النفس في حياة الفرد من أجل بناء مجتمع صالح، دفعت أحد رجال الدين في ماساتشوستس، وهو سامويل ويست (1730  -  1807) West Samuel، إلى كتابة تعليق في إحدى صحف بوسطن عام 1780، أكّد فيه اعتقاده برسوخ تلك الفكرة في العقيدة الإسلامية المتعلّقة بصقل الشخصية، إذ قال إنّ "المحمّدي متحمّس للالتزام والتحلّ بالأخلاق والفضائل الحميدة، لأنّ الأمل يحدوه بأنّه بعد القيامة سيحظى بالجنّة إلى الأبد بالفتيات الجميلات [في إشارة إلى الحور العين]، وأنّه يخشى من ارتكاب الخطايا كالقتل والزنا والسرقة ما دامت ستكلّفه دخول جهنّم، إذ سيتحتّم عليه شرب مياه حارقة في قاع الجحيم"59. يبدو أنّ بعض المجاميع المسلمة قد حقّقت نجاحًا إلى درجة كبيرة، جعلت السكان في مقاطعات مهمّة يعتمدون عليهم، فبعض سكان مقاطعة تشسترفيلد County Chesterfield - فرجينيا كانت لديهم نظرة إيجابية إلى المسلمين القاطنين فيها، وقدّموا عريضة إلى جمعية الولاية عام 1785 طالبوا فيها بمنح المسلمين وبقية الأقلّيات الدينية الأخرى حرّية ممارسة شعائرهم وعباداتهم من دون تضييق، وممّا جاء فيها: "دعوا اليهود، والمحمّديين، والمسيحيين من كلّ طائفة يتمتّعون بالحرية الدينية. وبجعل الدين المسيحيّ دينًا رسميًّا فإنّنا سنساهم في إضعاف هذه الولاية الوليدة. إنّ خدماتهم ومساهماتهم في البحر والبرّ هي التي نهضت ببلدنا وليس عقيدتهم. إنّهم رجال عمل في صناعاتنا. دعوا اليهود والمحمّديين والمسيحيين من كلّ طائفة يجدون صالحهم ومصلحتهم بالعيش في ظلّ قوانينكم"60. هل فكّر المؤسّسون في احتمالية تقلّد المسلمين مستقبلً منصبًا عامًّا أو رفيعًا في الولايات المتحدة؟ وكيف ضمّنوا تلك التصوّرات في الدستور؟ أعلن جيمس آيريدل Iredell James - المحامي الأنجليكاني من كارولينا الشمالية، الذي عيّنه واشنطن كبير قضاة المحكمة الاتّحادية العليا عام 1788  - أنّ فكرة وصول أيّ شخص لا يعتنق المسيحية إلى أيّ منصب سيادي أمر مستبعد تمامًا. "إنّه لشيء مرفوض أن يختار شعب أميركا يومًا ما نوّابًا وممثّلين لا يعتقدون بأيّ دين البتّة، وإنّ الوثنيين والمحمّديين (المسلمين) قد يسمح لهم بتقلّد المناصب [...] لكن لا يمكن افتراض أنّ شعب أميركا سيثق ويأتمن على أعزّ حقوقه أشخاصًا لا يدينون بأيّ دين أبدًا، أو يعتنقون دينًا يختلف جوهريًّا عن دينهم"61. صرّح صموئيل جونستون Johnston Samuel حاكم كارولينا الشمالية، وعضو مؤتمر المصادقة على الدستور، عام 1788 بأنّه ينبغي عدم السماح للمسلمين بأن يصبحوا مؤثّرين في السياسة الأميركية. إلّ أنّ احتمالية أن يُنتخب اليهود والمسلمون وربّما الوثنيون وغيرهم لمناصب عليا في حكومة الولايات المتحدة، جعلته يشير إلى حالتين فقط يمكن فيهما السماح بانتخاب المسلمين، أو سواهم من غير المؤمنين بالدين المسيحي، لمنصب الرئيس أو أيّ منصب رفيع آخر، "الأولى: إنْ وضع شعب أميركا الدين المسيحي برمّته جانبًا، فأمر كهذا للأسف قد يحدث، أمّا الحالة الثانية، فهي إنْ حصل أشخاص كهؤلاء، وبغضّ النظر عن دينهم، على ثقة الشعب الأميركي واحترامه، وذلك لسلوكهم القويم وفضيلتهم، فسيتمّ آنذاك اختيارهم"62.

  1. James Hutson, Forgotten Features of the Founding: The Recovery of Religious Themes in the Early American Republic (Lanham: Lexington Books, 2003), p. 22.
  2. Carl W. Ernst (ed.), Islamophobia in America: The Anatomy of Intolerance (New York: Palgrave Macmillan, 2013), p. 28.
  3. Jonathan Elliot, The Debates in the Several State Conventions on the Adoption of the Federal Constitution as Recommended by the General Convention at Philadelphia in 1787 , vol. IV (Philadelphia, 1863), p. 194.
  4. Elliot, pp. 198  -  199.

تكلّم المبشّ المعمداني جون ليلاند Leland John، في خضمّ مناشداته لإلغاء الصفة الرسمية للكنيسة في ماساتشوستس وكونكتكت، عن تصوّرات سلبية إزاء النظام السياسي السائد والمتّبع في البلدان الإسلامية، وأعلن أنّ مثل هذا النظام يصلح لأن يسود بين الأمم الإسلامية، لأنّ محمّدًا كما زعم دعا إلى استعمال التشريع والسيف لنشر دينه63. وعلى النقيض من ذلك، أعرب بنيامين رش Rush Benjamin64، أبرز رموز الجيل الثوري ممّن نهضوا بواقع التعليم في الولايات المتحدة، أنّه يفضّل رؤية "معتقدات كونفوشيوس أو محمّد" تترسّخ في أذهان شباب أميركا اليافعين، بدلً من رؤيتهم يكبرون وهم يتجنّبون نظامًا تعليميًّا يخلو تمامًا من المبادئ الدينية. وعلى الرغم من تشديده مرارًا على أنّ المسيحية هي الإطار الأفضل لتلك الفضائل، فإنّه عبّ عن إدراكه بأنّ جوهر الإسلام يرتكز على القيم الأخلاقية والسلوكية، إلى جانب الممارسة الدينية65. وكان بنيامين فرانكلين قد أعرب عن آرائه بمواقف سلبية ومتباينة حيال الإسلام في مناسبات عدّة. لكنّ وجهة نظره نضجت وأخذت تتبلور بموضوعية أكبر ممّا ظهر في سلسلة مقالاته الموسومة ب "ريتشارد الفقير" Richard Poor، التي غلّفتها لغة متهكّمة في بعض الأحيان على الإسلام والرسول محمّد. ومن أبرز مواقفه التي استعار منها رؤيته حياله كانت عام 1764، حينما كتب مقالة هاجم فيها الأفعال المشينة وغير الإنسانية، التي أقدمت عليها جماعة من سكان الحدود في بنسلفانيا، في محاولة منهم لإيقاف هجمات الهنود الحمر على قراهم. وذلك بشنّ حملة شارك فيها ما بين ثلاثة وخمسين وسبعة وخمسين رجلً قتَلوا فيها، بأسلوب مثير للاشمئزاز، العشرات من السكان الأصليين، ومثّلوا بهم وأحرقوا قراهم، وكان من بين الضحايا أطفال ونساء وشيوخ عزّل. فكتب فرانكلين يصف هذا الفعل ومرتكبيه بأنّهم كانوا أكثر بربرية ووحشيّة ممّن ادّعوا أنّهم أعلى منهم مرتبة "كالترك والزنوج والهنود"، وأنّهم لا يملكون ذرّة من الرحمة التي أظهرها للأسرى نبيّ الإسلام، الذي أطرى في إحدى المناسبات على شفقة جنوده الذين عاملوا أسراهم بالحسنى ورأفتهم. ثمّ امتدح فرانكلين صلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين، ووصفه بأنّه جسّد عادات العرب المحمودة والسخية، وأضاف أنّ الهنود الحمر لو كانوا يعيشون في بلد مسلم لتمّت معاملتهم بعدالة، ولكانوا أكثر أمانًا66.

خاتمة

ينبغي إدراك حقيقة أنّ الإسلام وصل إلى العالم الجديد مع طلائع موجات الهجرة الأوروبية، التي حطّت الرحال هناك في أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر، وفي الوقت الذي لم يأت فيه البيوريتان إلى هذه البقعة لممارسة التسامح الديني أو لفصل الكنيسة عن الدولة - سواءٌ في فرجينيا ومستعمرات الجنوب أو حتّى في نيو إنجلند - لأنّهم جاؤوا أساسًا لممارسة معتقداتهم الدينية على طريقتهم، من دون السماح للفرق المخالفة بالعيش بينهم، فإنه لم يفسح المجال للمسلمين في تلك المستعمرات للقيام بأيّ نشاط يسلّط الضوء على واقعهم ونمط عيشهم، أو حتّى كيفية أدائهم لطقوسهم الدينية بطريقة واضحة وعلى نطاق واسع، وذلك بفعل مخلّفات

  1. Dreisbach & Hall (eds.), pp. 87  -  88 ; Kidd, p. 18. ‏
  2. طبيب وسياسي، وشخصية وطنية لامعة، ولد قرب فيلادلفيا عام 1746، وتوفي فيها عام 1813. درس الطبّ في جامعة برنستون، ثم سافر إلى إدنبرة، وحصل على الماجستير. عاد إلى بلاده ومارس الطبّ، وانضم إلى المؤتمر القارّي، ونشط في قضية الثورة، ووقع على إعلان الاستقلال. أسّس جامعة ديكنسون عام 1783. عارض تجارة الرق، وساهم في تأسيس أوّل جمعية مناهضة للعبودية في أميركا، وعمل جرّاحًا في الجيش القارّي، يُنظر: William Pepper, Benjamin Rush (Chicago: The Office of the Association, 1890), pp. 3  -  24 ; Charles Karsner Mills, Benjamin Rush and American Psychiatry (New York: 1886), pp. 4  -  36.
  3. Benjamin Rush,  Essays, Literary, Moral and Philosophical , 2 nd ed. (Philadelphia: Thomas and William Bradford, 1806), p. 8.
  4. Akbar Ahmed, Journey into America: the Challenge of Islam (Washington: Brookings Institute Press, 2010), p. 63.

التاريخ وتراكمات التراث المشوّش، الذي كتبه ونقله متحاملون على العقيدة في القرون المنصرمة، إلى جانب الصراع الأوروبي - العثماني في أوروبا وشمال أفريقيا، الذي فاقم من حدّة الخلاف بين العقيدتين. لقد كانت أعداد الهجرة التي شكّلها المسلمون الأفارقة كبيرة جدًّا كما تبيّ لنا ممّا سبق. لكنّهم لم يؤدّوا دورًا بارزًا في المستعمرات الإنكليزية في أميركا الشمالية؛ بسبب طبيعة تلك الموجات التي ضمّت الآلاف من العبيد والزنوج ممّن جلبوا من غرب أفريقيا للعمل في المزارع والمنازل. ولا ننسَ ما رافق نظرة الأوروبيين إلى الإسلام والمسلمين، التي اتّسمت بالحذر الشديد. لم يعد هناك من شكّ في أنّ الإسلام شغل حيّزًا في مناقشات الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة، إلّ أنّ مقدار الاهتمام تباين في العصر الاستعماري والثوري، وإن كان يبدو غير حاسم إثبات أنّ المؤسّسين كانوا على استعداد لقبول فكرة اندماج تلك الأقلّية في المجتمع، أو التشجيع على استقطاب مزيد من المسلمين؛ وذلك مردّه إلى إيمانهم الثابت بأنّ المسيحية هي الدين الأنسب الذي يجب أن تتبنّاه الجمهورية. وبدورنا نتّفق مع الرأي القائل إنّ بناة الولايات المتحدة، باستثناء بعضهم، قد آمنوا بأن تكون مبادئ المسيحية فقط الركيزةَ الأساسية، مستبعدين فكرة مشاركة بقية الأديان. كان الهدف من التعديلات الأولى للدستور إبعاد شبح التنافس بين الطوائف المسيحية المتعدّدة، والحيلولة دون تبنّي دين رسمي للدولة يحظى برعاية الحكومة المدنية وامتيازها، وليس تشجيعًا للأديان الأخرى ومنها الإسلام؛ إذ إنّ التسامح لم يكن يعني السماح للمسلمين بتقلّد مناصب حكومية عليا. وقد استمرّ جدل الصراع بين إلغاء الصفة الرسمية عن بعض الكنائس التي تأسّست مع طلائع المستعمرين الأوائل، وإبطال المؤهلّات الدينية للترشّح وتولّ المناصب المهمّة، وحتّى العامة منها زمنًا طويلً. وبهدف تعميق البحث في هذا المجال، فإنّنا نقترح ما لي: ينبغي إعادة قراءة التاريخ المبكّر للولايات المتحدة الأميركية لفهم التشكيلة السكانية المتنوعة التي هاجرت إليها، واكتشاف مدى التناغم والتنافر الذي طبع العلاقة بين تلك المجاميع. ضرورة الاهتمام بالدراسات التي تؤكّد دور الأقليات العرقية والقومية التي اعتنقت الإسلام في الوصول إلى المستعمرات الأميركية في الفترة الاستعمارية الممتدة من بدء الاستيطان الإنكليزي عام 1607 حتّى سَنّ الدستور الفدرالي عام 1787. أهمية تمحيص الوثائق والمراسلات والسجلات الرسمية ومجلدات المذكرات الشخصية لجيل الآباء المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة، للتعرف إلى كيفية تعاملهم مع وجود آلاف المسلمين بينهم.

المراجع

References

العربية

أليسون، روبرت جي. هلال وراء الغيوم: الولايات المتّحدة والعالم المسلم 1776  -  1815، تراث حروب البربر. ترجمة وتقديم أسامة الغزولي. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.

أورين، مايكل. القوّة والإيمان والخيال: أميركا في الشرق الأوسط منذ 1776 حتى اليوم. ترجمة آسر حطيبة. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 2008.

زن، هوارد. التاريخ الشعبي للولايات المتحدة. ترجمة شعبان مكّاوي. ط 2. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2009.

صالح، محمّد محمّد. تاريخ أوربا من عصر النهضة إلى الثورة الفرنسية. بغداد: دار الجاحظ للطباعة والنشر، 1982.

عبد الله، نغم طالب. "الأنكليكانية وقراءة في تطوّر الكنيسة البروتستانتية الأسقفية في الولايات المتحدة الأمريكية"ُ. مجلة الآداب. العدد 109 (2014).

_______. "التنوّع الطائفي في المستعمرات الإنجليزية في أميركا الشمالية 1607  -  1776 ". مجلّة كلية التربية. العدد 2 (2014).

_______. "جذور الحرية الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية - قانون فرجينيا للحرية الدينية عام 1786 أنموذجًا". مجلّة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية. العدد 42 (2019).

عبد المحسن، عبد الراضي محمد. الرسول الأعظم في مرآة الغرب. الرياض: جامعة الملك سعود، 2011.

المسيري، عبد الوهّاب. فكر حركة الاستنارة وتناقضاته. القاهرة: دار نهضة مصر للنشر والتوزيع، 1998.

الأجنبية

Ahmed, Akbar. Journey into America: the Challenge of Islam. Washington: Brookings Institute Press, 2010.

Allison, Robert J. The Crescent Obscured: The United States and the Muslim World, 1776  -  18 15. Chicago/ New

York: Oxford University Press, 1995.

Almon, Philip C. Heretic and Hero: Muhammad and the Victorians. Wiesbaden: Otto Harrasowitz, 1989.

Bassiri, Kambiz Ghanea. A History of Islam in America: From the New World to the New World Order. New York:

Cambridge University Press, 2010.

Beneke, Chris & Christopher S. Grenda (eds.). The Lively Experiment: Religious Toleration in America from

Roger Williams to the Present. Lanham: Rowman & LittleField, 2015.

Brockopp, Jonathan E. (ed.). The Cambridge Companion to Muhammad. New York/ Cambridge: Cambridge

University Press, 2010.

Champion‏, J. A. I. The Pillars of Priestcraft Shaken, The Church of England and its Enemies 1660  -  17 30. Cambridge:

Cambridge University Press, 2012.

Coffman, D'Maris, Adrian Leonard & William O'Reilly (eds.). The Atlantic World. New York: Routledge, 2015.

Dame‏, Frederick William. The Muslim Discovery of America. Norderstedt: Books On Demand, 2013.

Diman, J. L. "Religion in America 1776  -  1876." The North American Review. vol. 122 , no. 250 (January 1876).

Dimmock, Matthew. Mythologies of the Prophet Muhammad in Early Modern English Culture. Cambridge:

Cambridge University Press, 2013.

Diouf‏, Sylviane A. Servants of Allah: African Muslims Enslaved in The Americas. New York: New York University

Press, 2013.

Dreisbach, Daniel L. & Mark D. Hall (eds.). Faith and the Founders of the American Republic. New York: Oxford

University Press, 2014.

Duncan, Ann W. & Steven L. Jones (eds.). Church State Issues in America Today. Westport, CT: Praeger Publishing, 2007.

Elliot, Jonathan. The Debates in the Several State Conventions on the Adoption of the Federal Constitution as

Recommended by the General Convention at Philadelphia in 1787. Philadelphia: 1863.

Garcia, Humberto. Islam and the English Enlightenment, 1670  -  18 40. Maryland: The Johns Hopkins University

Press, 2012.

Göle, Nilüfer (ed.). Islam and Public Controversy in Europe. London: Ashgate Publishing Limited, 2013.

Goodrich, Charles Augustus. A History of the Church: From the Birth of Christ to the Present Time. Hartford:

Harvard College Library, 1839.

Hutson, James. "The Founding Fathers and Islam: Library Papers Show Early Tolerance for Muslim Faith."

Information Bulletin. Library of Congress (2002). at: https://bit.ly/ 3 FtGVyB

_______. Forgotten Features of the Founding: The Recovery of Religious Themes in the Early American Republic.

Lanham: Lexington Books, 2003.

Henry Lee, Richard. Memoir of the Life of Richard Henry Lee And His Correspondence, by His Grandson Richard

H. Lee. Philadelphia: William Brown Printer, 1825.

Jordan, Winthrop D. White Over Black: American Attitudes toward the Negro 1550  -  18 12. 2 nd ed. Chapel Hill: UNC

Press, 1968.

Kidd, Thomas S. American Christians and Islam: Evangelical Culture and Muslims from the Colonial Period to

the Age of Terrorism. Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2009.

Knowles, James D. Memoir of Roger Williams, The Founder of The State of Rhode Island. Boston: Lincoln

Edmands and co., 1834.

Locke, John. Letters Concerning Toleration. London: 1765.

MacLean, Gerald & Nabil Matar (eds.). Britain and the Muslim World: Historical Perspectives. Cambridge:

Cambridge Scholars Publishing, 2011.

Malik, Maleiha (ed.). Anti-Muslim Prejudice: Past and Present. London/ New York: Routledge, 2013.

Mark, Rebecca. Ersatz America: Hidden Traces, Graphic Texts and the Mending of Democracy. Virginian:

University of Virginia Press, 2014.

Marr, Timothy. The Cultural Roots of American Islamicism. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

Marshall, John. John Locke, Toleration and Early Enlightenment Culture. Cambridge: Cambridge University

Press, 2006.

Mather, Cotton. The Christian Philosopher. Winton U. Solberg (ed.). Urbana: University of Illinois Press, 2000.

_______. The Christian Philosopher: A Collection of the Best Discoveries in Nature. London: Eman Matthews,

McCabe, Ina Baghdiantz. Orientalism in Early Modern France: Eurasian Trade, Exoticism, and the Ancient

Régime. Oxford/ New York: Berg, 2008.

Miller, Dave. "Were the Founding Fathers 'Tolerant' of Islam? [Part II]." Apologetics (April 2003). at: https://bit.ly/ 3 JtUvom

Mills, Charles Karsner. Benjamin Rush and American Psychiatry. New York: 1886.

Morgan, Diane. Essential Islam: A Comprehensive Guide to Belief and Practice. California: Greenwood Publishing

Group, 2010.

Orme, William. The Practical Works of the Rev. Richard Baxter, With a Life of the Author, and a Critical Examination

of his Writings. London: James Ducan, 1830.

Parsons, Theophilus. Defence of the Third Article of the Massachusetts Declaration of Rights; as delivered by

Chief Justice Parsons, as the Opinion of the Supreme Judicial Court. Worcester: Harvard College Library,

Patrick, John C. Fitz. The Writings of George Washington from the original Manuscript Sources 1745  -  17 99.

Washington, DC: Government Printing Office, 1934.

Pepper, William. Benjamin Rush. Chicago: The Office of the Association, 1890.

Prideaux, Humphrey. The True Nature of Imposture Fully Displayed in the Life of Mahomet. London: Nabu Press,

Rousseau, G. S. & Roy Porter (eds.). Exoticism in the Enlightenment. Manchester/ New York: Manchester

University Press, 1990.

Rush, Benjamin.  Essays, Literary, Moral and Philosophical. 2 nd ed. Philadelphia: Thomas and William Bradford,

Sassi, Jonathan D. A Republic of Righteousness: The Public Christianity of the Post- Revolution New England.

New York: Oxford University Press, 2001.

Schlesinger Jr, Arthur Meier, Tara Baukus Mello & John Smith. English Explorer and Colonist. Pennsylvania:

Chelsea house Publishers, 2009.

Schultz, Jeffrey D. et al. (eds.). Encyclopedia of Religion in American Politics. Phoenix, AZ: Oryx Press, 1999.

Sparks, Jared. The Writings of George Washington. Boston: American Stationers Company; London: J. M.

Campbell, 1835.

Spellberg, Denise A. Thomas Jefferson's Qur'an: Islam and the Founders. Toronto: Alfred A. Knopf, 2013.

The Koran, Commonly Called: The Alcoran of Mohammed. Translated from the Original Arabic with Explanatory

Notes Taken from the Most Approved Commentators to which is Prefixed a Preliminary Discourse by George

Sale. London: S. Hazard for J. Johnson Vernor and Hood Ogilvy and Speare et al, 1795.

Thornton, John W. The Pulpit of the American Revolution. Boston: D. Lothrop & Co. Publishers, 1860.

W. Ernst, Carl (ed.). Islamophobia in America: The Anatomy of Intolerance. New York: Palgrave Macmillan, 2013.