Return to Article Details Universal History (2)

التاريخ العالمي (2)

Universal History (2)

سوزان باك-مورس

علي حاكم صالح

الملخّص

في صيف عام 2000، نُشرت مقالةٌ للفيلسوفة الأميركيّة سوزان باك-مورس في مجلة Critical Inquiry بعنوان "هيغل وهايتي". وكان ظهورها حدثًا ثقافيًا في حينه، فأثارت ردود أفعال مؤيدة ومناهضة، وتعرضت للنقد. وردًا على هذا النقد، كتبت مقالةً ثانية بعنوان "التاريخ العالمي". وجمعت المقالتين في كتاب واحد عنوانه: هيغل وهايتي والتاريخ العالمي (2009)، ستصدر ترجمته عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهذه ترجمة القسم الثاني من المقالة الثانية؛ إذ نُشر القسم الأول في العدد الرابع عشر من أسطور. البحث العلمي في كلتا المقالتين متعدّي الحقول العلمية؛ فهو بحث فلسفي تاريخي، أو يكتب التاريخ بوصفه فلسفةً سياسيةً، ويعرض شعارات العقلانية والإنسانية والعالمية التي رفعها عصر الأنوار والحداثة الغربية، ويحللها وينتقدها، ولكنه لا يهدف إلى محوها وإلغائها، بل إلى تقويمها.

Abstract

In Summer 2000, Susan Buck-Morss published an essay in Critical Inquiry titled “Hegel and Haiti”. This article quickly developed into a real cultural phenomenon, attracting both high praise and sharp criticism. In response to this criticism, Morss authored a second essay, “Universal History”. The two essays were subsequently published together as Hegel, Haiti and Universal History (2009), which is soon to be published in an Arabic edition by the ACRPS. This is the translation of Part II of the second article, the first having been published in Ostour 14. Both essays span multiple fields: they are a sort of historical-philosophical enquiry, or history written as political philosophy, which analyse and critique the rationalist, humanist and universalist slogans of the enlightenment without trying to erase them.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ العالمي
  • هيغل
  • هايتي
  • العبودية
  • الفكر التاريخي
Keywords:
  • Hegel
  • Global History
  • Haiti
  • Slavery
  • Historical Thought
DOI: https://doi.org/10.31430/CNST7131: الرقم التعريفي
أستاذة متميزة في الفكر السياسي في جامعة مدينة نيويورك CUNY. فيلسوفة ومؤرخة تتركز اهتمماتها البحثية في
*
قضايا العولمة والدراسات الثقافية والنظرية الفنية.
Distinguished Professor of Political Thought at CUNY. A Philosopher and Historian Interested in Globalisation, Cultural
Studies and art Theory.
**. كاتب ومترجم عراقي
Iraqi Author and Translator.
سوزان باك-مورس | Buck-Morss *Susan
**Translation: Ali Hakim Saleh | ترجمة: علي حاكم صالح
في صيف عام 2000، نُشرت مقالةٌ للفيلسوفة الأميركيّة سوزان باك-مورس في مجلة Inquiry Critical بعنوان "هيغل
وهايتي". وكان ظهورها حدثًا ثقافيًا في حينه، فأثارت ردود أفعال مؤيدة ومناهضة، وتعرضت للنقد. وردًا على هذا النقد،
كتبت مقالةً ثانية بعنوان "التاريخ العالمي". وجمعت المقالتين في كتاب واحد عنوانه: هيغل وهايتي والتاريخ العالمي
(2009)، ستصدر ترجمته عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهذه ترجمة القسم الثاني من المقالة الثانية؛
إذ نُشر القسم الأول في العدد الرابع عشر من أسطور. البحث العلمي في كلتا المقالتين متعدّي الحقول العلمية؛ فهو
بحث فلسفي تاريخي، أو يكتب التاريخ بوصفه فلسفةً سياسيةً، ويعرض شعارات العقلانية والإنسانية والعالمية التي
رفعها عصر الأنوار والحداثة الغربية، ويحللها وينتقدها، ولكنه لا يهدف إلى محوها وإلغائها، بل يهدف إلى تقويمها.
كلمت مفتاحية: التاريخ العالمي، هيغل، هايتي، العبودية، الفكر التاريخي.
In Summer 2000, Susan Buck-Morss published an essay in Critical Inquiry titled "Hegel and Haiti". This article
quickly developed into a real cultural phenomenon, attracting both high praise and sharp criticism. In response to
this criticism, Morss authored a second essay, "Universal History". The two essays were subsequently published
together as Hegel, Haiti and Universal History (2009), which is soon to be published in an Arabic edition by the
ACRPS. This is the translation of Part II of the second article, the first having been published in Ostour 14.
Both essays span multiple fields: they are a sort of historical-philosophical enquiry, or history written as political
philosophy, which analyse and critique the rationalist, humanist and universalist slogans of the enlightenment
without trying to erase them.
Keywords: Global History, Hegel, Haiti, Slavery, Historical Thought.
التاريخ العالمي (2)
Universal History (2)
سوزان باك-مورس | Buck-Morss *Susan
**Translation: Ali Hakim Saleh | ترجمة: علي حاكم صالح
التاريخ العالمي (2)
Universal History (2)

ثالثًا: إنسانوية جديدة

1. كونيات أطلسية

تفيض نفسُ كانط "بالإعجاب والخشوع" عندما ينظر إلى النجوم1، أما هيغل المتكبّ فما كان ليقع أسير النجوم. يتذكر الشاعر هاينريش هاينه زيارته الفيلسوف الألماني المشهور آنذاك في برلين، حيث عبَّ هاينه عن حماسته المتقدة لمنظر السماء المرصّعة بالنجوم حينما وقفا معًا أمام النافذة يتطلعان إليها، فدمدم هيغل بغير استسحسان: "النجوم، إنما النجوم وميض جذام في السماء"2. ومع ذلك، فبالنسبة إلى أولئك الذين يتحملون عبور الأطلسي، كانت النجوم هي كلّ ما يبقى. كان بحارة الأطلسي، قبل اختراع الكرونومتر البحري لقياس خط الطول، تحت رحمة السماوات المرصّعة بالنجوم، يبحرون على هدي تركيبة جنوبية تسمى هايدرا، وهي علامة قديمة للبحارة3. وقد جرى التحقق من أصول العبيد الذين بيعوا في الأميركتين من خلال تذكرهم لمواقع النجوم خلال رحلاتهم البرية إلى الساحل الأفريقي4. شغلت العلاماتُ الفلكيةُ مكانةً مركزيةً في الحساب المكاني في العالم الجديد. ولكن زمان السماوات كان أداةً خرقاءَ للتأمل في تاريخ البشرية، بينما كان في المتناول دليل واضح من ثقافات متنوعة. لم تكن هناك لغة مشتركة في العالم الجديد، ولم يكن بَعدُ للمعاني المشتركة نظامٌ صوتي ينقلها. ومثلما يصدق هذا على العبيد الأفارقة فإنه يصدق على الحشد المتنوع، أو بالدرجة نفسها يصدق على الاستعماريين الأميركيين5. وفي ربوع هذه البيئة ازدهرت الماسونية. افتتنت الحركةُ الماسونيةُ بوسائل التواصل غير اللفظية، فبحثت عن معرفةٍ إنسانيةٍ كليةٍ في العلامات، والرموز، والأعمال المصنوعة، والعجائب المعمارية الماضية، وتأويلها تأويلً باطنيًا بوصفها مصدرًا سريًا للحكمة6. لقد استُقصي عالمٌ من الصور البصرية، بدءًا من الأهرامات المصرية إلى لغة الإشارة لدى الهنود الأصليين، التماسًا لمفاتيح ممكنة لإنسانية مشتركة كانت قائمةً قبل سقوط بابل7.

  1. قارنَ كانط الجلالَ الهائلَ للنظر إلى النجوم بالشعور "بالقانون الأخلاقي الداخلي"، وهذه تجارب تسمُ حدودَ العالم المحسوس من الأعظم لانهائيةً إلى الأكثر شخصية. ينظر: Immanuel Kant, Critique of Practical Reason , Werner S. Pluhar (trans) (Indianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, Inc., 2002), p. 203.
  2. Hans Blumenberg , The Genesis of the Copernican World , Robert M. Wallac (trans.) (Cambridge , MA: The MIT Press , 1987), p. 71 مقتبس من:  2
  3. Peter Linebaugh & Marcus Rediker, Many-Headed Hydra: Sailors, Slaves, Commoners, and the Hidden History of Revolutionary Atlantic (Boston: Beacon Press, 2000), p. 353. لم يثبَّت الكرونومتر البحري، الذي كان من اختراع صانع الساعات والعال م الهاوي جون هاريسون (واعتُرف به رسميًا في عام 1773)، على السفن على نحو واسع إلّ في أواخر القرن الثامن عشر. ينظر: Dava Sobel, Longitude: The Story of a Lone Genius Who Solved the Greatest Scientific Problem of His Time (New York: Penguin Books, 1995).
  4. تمثلت محاولات معرفة الأماكن التي جاء منها العبيد بسؤالهم عن "عدد الأيام التي قضوها في الطريق، أو عن عدد الأسواق التي بيعوا فيها خلال رحلتهم، وعلى أي جانب من رحلتهم كانت الشمس تشرق وتغرب، أو عما إذا كان بلدهم إلى يسار هذا 'النجم' أم إلى يمينه". ينظر: Gabriel Debien, Les esclaves aux Antilles francais (XVIIe-XVIIIe siècles) (Gourbeyre: Société d'histoire de la Guadeloupe; Fort de France: Société d'histoire de la Martinique, 2000), p. 73.
  5. إنّ اللغة الكريولية الهايتية، شأنها شأن اللغات الكريولية الأخرى، تطورت بوصفها "لغة اتصال Language Contact "، على نحو ما تطورت اللغات "الهجينة Pidgin " التي تتكلمها الحشود المتنقلة. ولم يوثَّق تطورها توثيقًا جيدًا، نظرًا إلى الجهل باللسانيات عمومًا حتى القرن العشرين. واللغة الكريولية الآن هي (مع الفرنسية) اللغة الرسميةُ لهايتي. فهي تقوم على الفرنسية (أما مسألة مدى صلتها بطبقة أصحاب المزارع الفرنسية الاستعمارية فهي مسألة موضع سجال)، وتحتوي على عناصر من لغة شعب الفون Fon (بوصفها طبقة إثنية لغوية)، ولغة يو/أنلو-يو Awe - Anlo \ Awe، واللغة الوولوفية Wolof، ولغة جبي Gbe (وهذه اللغات جميعها تنحدر من منطقة النيجر)، وعناصر من لغة البنتو (من الكونغو)، ومن اللغة العربية (بوساطة الإسلام). ينظر: Pierre Anglade, Inventaire etymologique des termes créoles des Caraïbes d’origine africaine (Paris: L'Harmattan, 1988).
  6. آمنت الماسونية، التي ألهمتها الخبرات الأوروبية في التنقل حول العالم، بما تنطوي عليه تراثات أخرى من إمكانيات إشراقية، ولا سيما تلك التي في الشرقين الأوسط والأدنى (التصوف اليهودي، والزرادشتية، والوثنية المصرية، والتصوف الإسلامي، والفيدانتا الهندوسية). كان الماسونيون مطَّلعين جيدًا على المعرفة الغامضة (طقوس سرية، وخيمياء القرون الوسطى، وسحر عصر النهضة)، ومعرفة عصر التنوير العلمانية (العلم التجريبي، والصحافة الحرة، والحكم الديمقراطي)، وكذلك المشاركة في الميدان العام، ومساهمين في شبكة من المنشورات العابرة للأمم. كانوا في جانب من عصر التنوير لم يتطرق إليه تفسير يورغن هابرماس النافذ. ينظر: Jürgen Habermas, Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society , Thomas Burger (trans.) (Cambridge, MA: The MIT Press, 1989).
  7. للاطلاع على التفكير الماسوني في لغة الإشارة الهندية، ينظر: William R. Denslow, Freemasonry and the American Indian (St. Louis: Missouri Lodge of Research, 1956). وبقدر ما تَدين الماسونيةُ النظريةُ في ولادتها في القرن الثامن عشر للحافز الكبير من المزيج الثقافي في العالم الجديد، فإنها مدينة أيضًا للحفريات الآثارية في أصول أوروبا القديمة. وفي الحقيقة، سارت هذه المساعي بالتوازي، بما أنّ الأوروبيين اعتقدوا أنّهم يرون ماضيهم البدائي في الشعوب الأميّة ("قبل التاريخية") الموجودة اليوم.

وغالبًا ما كانت روابط انتماءات الماسونية، في الفضاء المسامي عبَر الأطلسي، أقوى من روابط الوطن، والإثنية، أو حتى الع رق، وهي بالغة الأهمية الحيوية لفهم الحوادث التاريخية في عصر الثورات. ولكن يصعب إثبات التعميمات. فماذا يعني تحديدًا قولنا إنّ الماسونية ازدهرت في ربوع العالم الجديد؟8 ثمة قائمة من المحافل والفاعلين التاريخيين ممن كانوا أعضاء فيها يستطيعون إخبارنا بأنفسهم. إن الأرقام، وإن كانت ذات تأثير، غامضة جوهريًا، ومضللة عرضيًا، فتغذّي أسطورةَ المؤامرة العالمية التي تقودها الماسونية التي ما زالت حيةً إلى يوم الناس هذا. هناك حقائق ماسونية متعددة، تتباين تباين الزمان، ولها أدوار اجتماعية اختلفت فيما بينها اختلافًا عظيمًا. وأن يكون المرء ماسونيًا فهذه مقولةٌ أنطولوجيةٌ خاليةٌ من صفاتٍ محددةٍ تكون مسؤولةً عنها سببيًا (فأن يكون المرء مسيحيًا فهذا لا يجعله فاضلً، وأن يكون ماركسيًا فهذا لا يجعله ثوريًا، وأن يكون مسلمًا فهذا لا يجعله إرهابيًا). إنّ الماسونية هي الدال الفارغ المثير للذعر. ففي حين كانت هناك ضمن الحركة تنظيماتٌ داخلية ومعرفة سرية مشتركة، فإن الماسونية الحديثة، التي تأسست في القرن الثامن عشر، تنطوي على تناقضات جوهرية. لقد صار توسان ماسونيًا، ولكن يُزعم أنّ نابليون هو من حطمه9. كانت الأخوةُ جمعيةً تضم أفرادًا متساوين، ولكنها نُظِّمت على وفق تراتبية الجدارة، أما المساواة الاجتماعية فقد توقفت عند باب المحفل ولم تلجه. من الناحية الاستعارية، تعود نسابية الماسونيين [أصلهم وفصلهم] إلى بُناة الحجارة والعمال اليدويين، ولكن من الناحية العملية هم ليسوا كذلك، بل كانوا، بالأحرى، "معماريين اجتماعيين"، غير أنّ هذا يعني أشياء كثيرةً أيضًا. فجميعهم كانوا مناصرين للنزعة الكوزموبوليتانية، ومعتنقين بحماسة متقدة فكرة الأخوة العالمية10. كانت بعض المحافل تشمل الجميع في عضويتها11، ولكن القليل منها كانت مختلطة عِرقيًا، أما الأخريات فكانت للسود حصرًا12. طبقت جميعُ المحافل الفضائلَ المدنيةَ أساسًا للتدريب على المواطنة. وأتاحَ انسحابُ الأعضاء من المجتمع الخروجَ على القيم الثقافية السائدة، وشجعَ على التفكير اليوتوبي الذي لم يكن العالم الخارجي الواقعي أرضًا صالحةً له؛ وهذه العناصر في بناء الماسونية أثارت ضدها، وهو أمر مفهوم، السلطات المدنية. كان الطابع السريّ للمحفل سياسيًا بطبيعته، بما أنّ العضوية توفر ولاءات أممية،

  1. تناثرت المحافل في الكاريبي وفي المستعمرات الأميركية. فكانت "سمة شائعة في مستعمرة سان دومينيك" بين المستعمِرين البيض. ينظر: David Nicholls, From Dessalines to Duvalier: Race, Colour and National Independence in Haiti (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), p. 23. وأعيد تأسيسها في هايتي السوداء بوصفها رابطة مجتمع مدني أساسية. وفي عصر الثورة وجدت في هايتي، ومارتينيك، ونيكاراغوا، وأنتغيوا، وجزر العذراء، وبيرمودا، وهندوراس، وغرانادا، ودومينيكا، والباهاماس، وسانت توماس، وترينيداد، وكوبا، والمكسيك، وشعبَيْ الكريك والشيروكي من جنوب شرق القارة الشمالية (أشكر ريتشينال أزانو وليندا روبرت لتزويدي بهذه المعلومات).
  2. يُظن أنّ نابليون صار ماسونيًا في مالطا عام 1798، وإذا كان هذا الظنُّ محل سجال، فمما لا مراء فيه أنّه كان متعاطفًا مع الحركة وعيَّن أعضاءها في مناصب عليا. وقوَّت مغامرتُه العسكريةُ في عام 1798 في مصر هذه الرابطة، حيث أدخلَ ضباطُه المحافلَ إلى مصر. ومنذ ذلك الوقت، صار العديد من قادة الدولة الفرنسية يُدمغون بالماسونية. ولا تزال الماسونية لدى الكثيرين رمزًا إلى الإمبريالية الأوروبية، جاذبةً إلى عضويتها نخبًا استعمارية (وما بعد استعمارية).
  3. التحق الهنود الأميركيون، الذين أُدخلوا في محافل لندن بوصفهم ماسونيين، بالجانب البريطاني ضد الثوار الأميركيين؛ وزُعم أنّ الماسونيين على كلا جانبي الصراع أظهروا الرفق في تعاملهم مع الأسرى من زملائهم الماسونيين، وكذا كان الأمر في حرب الهنود الحمر وفرنسا.
  4. في رواية أليخو كاربنتير التاريخية والمتميزة بروحها البحثية (تظهر فيها الشخصية التاريخية والماسوني أوج Ogé)، كان محفل الأجانب المتطرف سياسيًا "ذا مناخ ديمقراطي" حيث يختلط فيه النبلاء الأوروبيون "بكل أريحية ببطل وطني ملوَّن من مارتينيك، وبيسوعي سابق من الباراغواي، مصاب بالحنين إلى مكان إرساليته، وبطابعي فلمنكي، منفي من بلده لطباعته دعايات سياسية، وبإسباني منفي، وهو بائع جوال نهارًا وفي الليل خطيب، وزعم أنّ الماسونية كانت نشيطةً في آبلة بإسبانيا في القرن السادس عشر مثلما أثبتت ذلك تصاميم معينة للفرَاجير، والكوسات والمطارق الخشبية، التي اكتُشفت حديثًا - كما يقول - في كنيسة انتقال العذراء، التي بناها المعماري اليهودي الشهير موشين روبي البراكومنتي". ينظر: Alejo Carpentier, Explosion in Cathedral , John Sturrock (trans.) (New York: Harper & Row, 1963), pp. 102  -  103.
  5. بعض هذه المحافل كان لها تاريخ طويل ومهم؛ المحفل الماسوني للأمير هال بدأ في بورتو ريكو، وفي نيويورك في نهاية القرن التاسع عشر انضم إليه شومبورغ، وهو أسود من بورتو ريكو تغلب على "الاختلاف العابر للثقافات" للهويات المتعددة من قبيل الأسود، والماسوني، والهسباني الأفريقي، والكاريبي، والغواريونيكس، وكان اسمه الثوري المستعار اسم لص هندي من سانتو دومينغو، كانت السلطات الإسبانية الاستعمارية قد دانته لانتفاضاته ضدهم ومات في عام 1502. ينظر: Jossianna Arroyo, "Technologies: Transculturations of Race, Gender and Ethnicity in Arturo A. Schomburg's Masonic Writings," CENTRO: Journal of the Center for Puerto Rican Studies , vol. 17 , no. 1 (Spring 2005), pp. 4  -  25.

وهويات اجتماعية بديلة، ومصادر للقوة منافسة للقوى القائمة. ولكنّ الصلات السياسية استغرقت الطيفَ: كانت المحافلُ البريطانيةُ في بواكير القرن الثامن عشر تقف بوعي ضد النشاط السياسي، والمحافل النمساوية كانت تتباهى لبعض الوقت بالملوك رعاةً لها، بينما قامت أخرى، كتلك التي ناقشناها في مقالة "هيغل وهايتي"، بتفريخ ثوريين مسلحين13. انتشرت الماسونية بانتشار الاستعمار، ولكنّ الاستعمار غيّها. ولعل الجانبَ الأهم في هذا السياق كان الحاجة إلى غرباء مأمونين في أرض غريبة. "بدأت المحافل أولً في الموانئ والمجتمعات التجارية كنوادٍ تجارية أو مراجع تزكية من أجل عمل"14. وأنشأت الماسونية، شأنها شأن الجمعيات السرية، علاقات قرابة مصطنعة15 وفرت مساعدةً متبادلةً للإخوة في المحفل (كانت محافل السود الكوبية تجمع المالَ لتحرير العبيد)16؛ فكانت نموذجًا لجمعيات سرّية عبر التاريخ امتدت على امتداد طرق التجارة، حيث لا تكفي تعاقدات العمل عبر خطوط الجماعات والصلات الاجتماعية التقليدية لبناء شبكات إنسانية مأمونة. ويكتب الأنثروبولوجي ألفرِد ميترو في دراسته عن العقيدة الدينية في هايتي: "يُطرح سؤال: هل أسهمت الماسونية في مراسيم الفودو vodou؟"17، تغيرت الفودو عبَر الزمن، وتغيرت من حيث علاقتها بالماسونية الهايتية. ولكنّ أبناء عصر الثورة قد رأوا الفودو "نوعًا من ماسونية دينية وراقصة" تتمتع بالعقل، نظرًا إلى احتضانها الغرباء، ولأنّ مبناها الإبستيمولوجي توفيقي18. كان ملايين العبيد الذين جُلبوا إلى العالم الجديد، وقد نُظر إليهم كتلةً واحدةً لا تمايز بينهم، متنوعين ومختلفين من حيث اللغة، والدين، والعادات والمؤسسات السياسية تنوعَ السكان الأوروبييّن في المستعمرات واختلافهم. وإذا كان صحيحًا أنّ العبيد المتدفقين على سان دومينيك كالسّيل في عقود ما قبل الثورة كانوا يُشحنون في الغالب من سواحل الكونغو وبِنين، فإنهم كانوا يُجلبون من مواقع مختلفة في داخل تلك المناطق بوصفهم أسرى حروب نشبت بين بعضهم بعضًا: كانت الحروب الأهلية العظمى في الكونغو قد اشتعل

  1. ينظر: "هيغل وهايتي"، ص 62  -  65. كان المحفل الذي انضم إليه موزارت في فيينا لأغراض العلاقات الاجتماعية والشرب، على عكس تلك التي نسجت شبكات ثورية. كان جوزيف الثاني، الإمبراطور الهبسبورغي، متعاطفًا بدايةً مع الحركة كونها تبني روحًا وطنية، ولكنّه في عام 1785 أخذ يخشى سطوتها المتنامية. واليوم صرنا نعرف جيدًا العلاقات بين أوبرا موزارت النايالسحريوالماسونية. وصمَّم المعماري الشهير كارل فريدريك شينكل المسرح لإنتاج الناي السحريالذي افتتح في برلين في عام 1816، قبل سنة واحدة من بدء هيغل تدريسه الأكاديمي هناك. ويُعرف عملُ موزارت المكتمل الأخير، وهو 623 K، بعنوان "الأنشودة الماسونية الصغيرة Little Cantata Masonic "، ويعود تاريخه إلى 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1791. أمّا الكلمات التي يبدو أنّ موزارت نفسه كتبها من أجل تدشين معبد جديد هي: "إنّها تحتضن السلسلة كلها؛ إنّها مثل هذا المكان المقدس/ والأرض كلها أيضًا". ينظر: H. C. Robbins Landon, Mozart and the Masons: New Light on the Lodge of “Crowned Hope” (London: Thames & Hudson, 1982).
  2. Dorothy Ann Lipson, Freemasonry in Federalist Connecticut (Princeton: Princeton University Press, 1977), p. 7.
  3. علاقات قرابة لا تتكون على أساس علاقات القرابة المألوفة، أي علاقة الدم أم التزاوج. (المترجم)  Fictive Kinships Relationships: 15
  4. كتب بنجامين فرانكلين، الذي هو نفسه كان ماسونيًا: "إنهم يتحدثون لغةً عالميةً ويتصرفون بوصفهم رُسل عناية ودعم لجميع الأعضاء في جهات العالم الأربع [...] وحملوا الرجال من أصحاب أشد المشاعر عدائية، والرجال ممن ينتمون إلى ديانات أكثر بعدًا، والرجال المنتمين إلى خلفيات أشد تنوعًا [اليهود، والمسلمين، والسود، والأميركيين الهنود] حملوهم على مساعدة أحدهم الآخر، وعلى الشعور بالحبور والرضا الاجتماعيين كونهم كانوا قادرين على تقديم يد العون لأخ ماسوني". مُقتبس من: Marry Ann Clawson, Constructing Brotherhood: Class, Gender and Fraternalism (Princeton: Princeton University Press, 1989), p. 77.
  5. Alfred Métraux, Voodoo in Haiti , Hugo Charteris (trans.) (New York: Oxford University Press, 1959), p. 140. كان ميترو، السويسري المولد والباريسي التعليم، معاصرًا لجيل من سرياليي باريس ممن فتنتهم ديانة الفودو، ولم يرَ بعضهم، مثل ميشيل ليريس Leris Michel، ممارسي هذه الديانة على أنهم "الآخر" البدائي، بل رأوها ظاهرة حداثية زعزعت فكرة الآخرية نفسها، أي فكرة الثقافات المنفصلة انفصالً بائنًا التي على أساسها تأسست الإثنوغرافيات المعروفة. واعتقد ميترو، بإصراره على الطابع المسرحي لطقوس الفودو، أنه لا يجب دراسة الفودو بوصفها بقايا ظاهرة غريبة وبدائية، بل مكان للتداخل، والاشتباك، والخلق، إنّه دين حضاري يمثل "الغرب الآخر The Other West ". ينظر: J. Micheal Dash, "Le Je de l'autre," L'Esprit Créateur , vol. 47 , no. 1 (2007), pp. 84  -  95. وأنا أتعاطف مع ما يذهب إليه ميترو.
  6. ينظر سابقًا: "هيغل وهايتي"، ص 65  -  129.

الصورة (4) مراسيم الفودو (1970)

المصدر: تصوير ليون شالوم، في: Joan Dayan, Haiti, History and the Gods (Berkeley: University of California Press, 1955).

أوارها قرنًا من الزمان وبلغت ذروتها في ثمانينيات القرن الثامن عشر، وكانت هناك حروب عديدة أعلنتها مملكة داهومي Dahomey (دولة بِنين اليوم) ضد إمبراطورية أويو Oyo وجيران آخرين، وأسفرت عن نتائج متباينة وحدّة متزايدة19. إنّ أولئك الذين كانوا أعداءً ذات مرة، واستُعبدوا في ساحات القتال وباعهم تجارٌ منهم وفيهم إلى الأوروبيين بضائعَ بشريةً، عانوا نوعًا من عملية تسليم استثنائية، ونُقلوا بالقوة من أماكن سيادتهم الأصلية بما يماثل التعذيب بالوكالة Proxy by Torture؛ فكانت صدمةُ الهزيمة، والعبودية، والإبعاد، ورعب عبور الأطلسي والعمل في المزارع قد حوّلت الفودو، في لحظة إبداع ثقافية، إلى مجتمع مفعم بالثقة20.

  1. وبعد ذلك، يجدر النظر أنه ربما كان ثلثا العبيد في سان دومينيك (هايتي) عشية الثورة قد ولدوا، ونشؤوا وتربوا في أفريقيا"، بمن فيهم 62000 كونغولي جرى تصديرهم بين عامي 1780 و 1790 ينظر:. John K. Thornton, "'I am the Subject of the King of Congo': African Political Ideology and the Haitian Revolution," Journal of World History , vol. 4 , no. 2 (Fall 1993), p. 183. كان الشعب الكونغولي قد مزقته الحرب الأهلية منذ أواسط القرن السابع عشر. انتصرت إمبراطورية أويو على حساب شعوب ب نين في الشرق، وبذلك سيطرت في أواخر القرن الثامن عشر على نصف ما سمّي لاحقًا يوروبالاند Yorubaland. ومن أجل الاطلاع على وصف لأهمية خبرة هذا الجيل في الحرب وشكل المناورات العسكرية التي مكنت المتمردين العبيد من النجاح، ينظر: John K. Thornton, "African Soldiers in the Haitian Revolution," Journal of Caribbean History , vol. 25 , no. 1  -  2 (1991), pp. 58  -  80.
  2. هناك ظواهر وثيقة الصلة: الكاندومبليه Candomblé (في البرازيل)، السانتيرية Santerîa (في كوبا، وبورتوريكو، وبنما)، والشانغو Shangó (في ترينيداد.)

كانت الفودو ديانةً عموميةً ومجتمعًا سريًا كذلك. وشأنها شأن الماسونية، حيث لا تواصلَ لفظيًا لعدم وجود لغة مشتركة، تصبح فيها الرموز، والعلامات السرية، وأفعال المحاكاة، والطقوس أساسيةً. وشأنها شأن الماسونية، نُظر إلى ما بحوزتها من معرفة على أنّها أخلاط عناصر من سائر الثقافات الإنسانية المتنوعة، منفتحة ومستوعبة بدلً من كونها منغلقةً على نفسها في بناء تراتبي. أما طريقة التفكير في الكون فتسير هنا بخلاف التفكير المنطقي، والمبدأ الفلسفي هنا توفيقي Syncretism وليس تركيبيًا Synthesis، وهناك توافقات عبر حقول ثقافية متباينة. أما بقايا العالم، تلك التي يسميها هيغل "الوجود الكسول" فلا يجري التغلب عليها. فعلى العكس من تركيبية هيغل، حيث تندرج الحدود المتناقضة تحت مفهوم أشمل، تظل العلامات متمايزةً، ومنفصلةً، وفرديةً، مرتبطةً ضمن الكل ترابطًا جُذموريًا Rhizomically21. وحدود أنظمة المعاني هذه مسامية. فليس ثمة حافة للرموز الماسونية ورموز الفودو، وبهذا فهي تستطيع أن يتدفق أحدها في الآخر، ولقد حدث ذلك فعلً؛ فصار الصليب الأرثوذكسي، وفرجار البنّائين، وقوس قزح، والثعبان رموزًا تشاركتها الماسونية والفودو. ومع ذلك، كانت ممارسات العالم الجديد أبعد ما تكون عن التطابق، لا بسبب "آخريةٍ" جوهريةٍ تطبع كينونةَ الإنسان الأفريقي، بل بسبب التجربة اللاإنسانية جوهريًا للعبودية الحديثة. ويصرّ ميترو على القول: "إنّ الشبكات السياسية والاجتماعية الخاصة بالقبائل الأفريقية التي انحدر منها أهل هايتي اليوم قد سحقتها العبودية "22. وما من شيء من ذلك يمكن أن يضاهيه في الماسونية الأوروبية.

2. النمط الأمثولي

الرموز علامات صامتة، لا تتوفر على معنى إلّ عندما تُؤوَّل، وهنا يكون نمط التأويل مسألةً حاسمة. بُنيت الفودو من نمط رؤية أمثولية Allegorical خبرت التاريخ على أنه نكبة23. فمن هزمه التاريخ، وأصبحت علاقاته الاجتماعية شذرًا مذرًا، واستوطن المنفى، ينزُ المعنى عنده من أشياءِ عالمٍ تيبس بفعل البُعد المكاني والفقدان الشخصي. وفي الفودو، صارت الحياة الجماعية لعدة ثقافات، وليس ثقافة واحدة فقط، هباءً منثورًا، ولم تنجُ إلّ كأطلال وفي حالة اضمحلال. تتجوف الرموز، فتصبح معانيها اعتباطية24. إنّ الجمجمة والعظمتين المتصالبتين، وهي تنويعة رمزية ذائعة الانتشار عن الموت، لا تدل على زوال الحياة فحسب، بل على زوال المعنى أيضًا، أي لا دوام الحقيقة نفسها25. نأت الآلهة بعيدًا جدًا، وهجرت الحياة. فلا مناص من استدعائها، وإعادة تجسيدها، ما يعني حرفيًا

  1. الجُذمور ساق تنمو أفقيًا تحت الأرض يستعملها النبات للانتشار وتكوين نباتات جديدة تطلق جذورًا وسوقًا عند العقد الساقية. وهذه الاستعارة من عالم النبات استعملها دولوز في فلسفته في مفهوم الجُذمور. وواضح هنا أن المؤلفة تعني المعنى نفسه. (المترجم)
  2. ) التشديد لي. (59  Métraux, p. 22
  3. أدين بهذا الفهم لوالتر بنجامين، الذي عنت له "الأمثولة نمطًا إدراكيًا يميز زمن الفوضى الاجتماعية والحرب الطويلة، عندما كانت المعاناة الإنسانية والحطام المادي لحمةَ الخبرة الإنسانية وسداها". ينظر: Suzan Buck-Morss, The Dialectics of Seeing: Walter Benjamin and the Arcades Project (Cambridge, MA/ London: The MIT Press, 1989), p. 178.
  4. يمكن أن تُملأ الأشياء في العالم، المفرَّغة من معانيها التقليدية، ببقايا مضامين متنوعة. فهي بدلً من أن تشير إلى حقيقة متعالية، تكون علامات على معنى قابل للاستبدال - فصورة الأفاعي التي أخرجها القديس باتريك من إيرلندا تحولت إلى "تجسدات متعددة لأفعى السماء [الداهومية المقدسة]". ينظر: Robert Farris Thompson, Flash of the Spirit: African and Afro-American Art and Philosophy (New York: Vintage Books, 1984), p. 176. أو قد تُنبذ نبذًا تامًا. كانت عملية انحطاط المعاني قد بدأت في إيرلندا نتيجة تمزقات اجتماعية تسببت فيها الحروب، تحرضها تجارة العبيد إلى حد بعيد. ويشير هيغل إلى تعليقات المراقبين بأنّ الأفارقة تخلصوا من "أوثانهم" التي خابت آمالها كدليل على اعتباطية (أو "بدائية" بحسب نظره) أنظمتهم الإيمانية. ولعلنا في حاجة إلى التشكيك في افتراضه بأنّ ذلك كان كذلك دائمًا. هل كانت هذه الممارسة، في الحقيقة، نتيجة انحلال الثقافات الأفريقية التي ذهب أساسها الاقتصادي والسياسي تحت تأثير تجارة العبيد الأوروبية؟
  5. لا يشير ظهور العلامة نفسها في سياقات مختلفة جدًا إلى وحدة رمزية، بل الاعتباطية الأمثولية للمعاني. فعلامة الجمجمة والعظمتين المتصالبتين كانت، في القرن الثامن عشر، رمزَ العسكرية البروسية وسفن القراصنة، وشارةَ شرف للقوات البريطانية ظهرت أيضًا على م ريلة جورج واشنطن الماسونية. وفي القرن التاسع عشر، فقدت هذه العلامة قوتها الرمزية عندما عُيِّنت في اتفاقية دولية علامةً على السم.

أنّ [الآلهة] "تتلبَّس" جسد المؤمن في مراسيم الفودو ذاتها، تمامًا كما التعبير المتقن عن تلك الرموز الدينية Vèvès، أي تلك الأشكال الهندسية التي تصوّر الكون (الكوسموغرام Cosmogram) على أرضية يُسكب عليها مسحوق تمسحه أقدام الراقصين، التي يجب أن تُخلق كل مرة على نحو جديد26. وهذه هي التجربة الأمثولية، التي توجد الثقافة فيها كأطلال. في المقابل، تموقعت تأملات الماسونية الكونية في عالم من رموز عابرة للتاريخ، هدفها الكشف عن الحقائق الأبدية. ولا يُبحث عن المعرفة من شظايا ثقافية لماضٍ قريب، بل من معالم عظيمة لعصور قديمة وحضارات بائدة. وفي ما يتعلق بالرمزية، تتوخى الرموز كلً لازمانيًا ومنظمًا: "من تعاليم الماسونية [...] أنّ على الرجال الكدَّ لبناء معبد الإنسانية لتُكنز فيه المعرفة القيّمة برمتها، وفيه يُستذكر الماضي المفقود"27. إنّ هذه الثقة بدوام المعاني ترف عند من ينعمون حاليًا بأمان أوطانهم وبيوتهم، وتظهر لهم مسيرةُ الزمان الآتي تقدمًا، ويبقى التاريخ بالنسبة إليهم بكرًا رغم خرابه المادي؛ وهذه الخبرة هي النقيض لخبرة العبيد الأميركيين الأفارقة. هناك دراسات إثنوغرافية عيّنت عناصر اجتماعية ودينية أفريقية عادت لتظهر ضمن الأشكال الثقافية الهايتية28. وأنا لا أريد أن يُفهم من كلامي هنا أنّه لم يبق شيء في العالم الجديد محتفظًا بمضمونه الأصلي. ولكن من غير المُتصوَّر، من وجهة نظر إنسانية، أنّ أولئك البشر الذين استُعبدوا ونُفوا بوحشية حملوا معهم طقوسَهم وآلهتهم في عنابر سفن العبيد كما لو كانوا يحملونها في حقائبهم، وكما لو كانوا في مهمة دبلوماسية تتعلق بالتبادل الثقافي. وفي الحقيقة، تعود إلى الظهور آلهة داهومي (شعب الفون Fon) واليوروبان Yoruban (شعب الناغو Någo) جنبًا إلى جنب آلهة الكونغو المقدسة في الهيكل الهايتي المقدس، في علاقة متبادلة مع القدّيسين الكاثوليكيين المقدسين، ولكن فقدانها لهالتها الفريدة، ومكافئها القابل للاستبدال، يدلُّ ضمنًا على تحول في قواها29. ولقد أرجع الأنثروبولوجي الأميركي ميلفيل هيرسكوفيتز أصل الزومبي الهايتي، وهو شبح ميّت حيّ، إلى أسطورة داهومية30. ولكن لا مُشاحة في ما تذهب إليه دايان بأنّ هذا الشكل، "قشرة لا روح لها ومحرومة من الحرية" و"العلامة الأساسية على الفقدان والطرد"، يتخذ معنى غير مسبوق في الاستجابة على "نمط خاص من الهيمنة الحسية" يمارسها الاستعباد الاستعماري، وعلى ظروف العمل القسري الحر بعد استقلال هايتي31.

  1. واللافت للنظر أنّ تلك الصور التي أُنتجت على أرضية معابد دولفو هي شكل زائل قصديًا لفنّ مقدس، فليس لها مستقبل. "في أيّ مكان من فن فودون [كذا] يُتاخِم كونٌ كونًا آخر"، هذا ما يكتبه ثومبسون واصفًا مضمون الرموز الدينية véves بوصفها "فكرًا هندسيًا". ويعزو إلى شكل الرموز الدينية الهندسي وحدةً في المضامين كذلك: "بكلمات أخرى، إنّ هذا أكثر من كونه تصالبًا للأرض في نقطة اتصال مع السماء. وفي النتيجة، فإنّ هذا الرمز الديني véve المعقد يوفر بؤرةً هندسيةً لتركيبة تضم القوى الداهومية، والكونغولية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تكوّن نسيج التاريخ الثقافي الهايتي نفسه" (116 , 191. pp , Thompson.). ما أريد قوله هنا هو أنّ تأويل ثومبسون طوباوي أكثر مما هو تأويل واقعي، وهذا إلى حد بعيد حال الإبداع التخييلي لمعلقين متأخرين.
  2. James Steven Curl, The Art and Architecture of Freemasonry: An Introductory Study (London: B. T. Batsford, 1991), p. 136.
  3. عمداء هذا الحقل هم ميلفيل جَي هيرسكوفيز، وجون أَم جانزين، وروبرت فارس ثومبسون، وجون كَي ثورنتونِ.
  4. من أجل الاطلاع على أسماء الآلهة الهايتية المكافئة لآلهة يوروبا، وفون (إلهة داهومي)، ينظر: Thompson, pp. 166  -  167. وتشتمل الآلهة ذات الأصل الكونغولي على سيمبي Simbi، ونكيتا Nkita، ومبومبا Mbumba.
  5. Melville J. Herskovits, Dahomey, an Ancient West African Kingdom (New York: J. J. Augustin, Publisher, 1938), p. 243.
  6. Joan Dayan, Haiti, History and the Gods (Berkeley: University of California Press, 1955), p. 37. إنّ الزومبي "بوصفه رمزًا بالغ القوة على اللامبالاة، والغُفلية، والفقدان يحكي قصة الاستعمار" وكذلك "تاريخ القرن العشرين من العمل الإجباري والتشويه الذي ازداد حدة لا سيما خلال الاحتلال الأميركي لهايتي". ينظر:. Ibid "إن الأرواح loa / Iwa التي غالبًا ما يستحضرها ممارسو الفودو اليوم لا ترجع أصولها إلى أفريقيا". ينظر: 36. p., Ibid.

الصورة (5) هيكتور هيبولايت: "إلى الأمام، إلى الأمام" (1947)

ما معنى أن ندعو الجمعيات السرية الليمبية Lemba في شمال الكونغو "المصدر الحقيقي"32 لممارسات الفودو الهايتية التي تحمل الاسم نفسه، حيث كانت الأولى منظمةً لتجار العبيد، أما ممارسات الفودو فكان يؤديها أشخاص هم أنفسهم كانوا قد بيعوا؟ في كلتا الحالتين، تعني كلمة ليمبا Lemba، وهي من لغة البانتو، "التسوية" و"الحفاظ على السلام"، ولكن في سياقات مختلفة اختلافًا جذريًا. أشفت الليمبا الأفريقية المآسي الشخصية والاجتماعية التي كانت نتيجة مكاسب مادية من التجارة الأطلسية بالسلاح والعبيد (كانت إحدى عشرة بندقية، "من نفايات الترسانات الأوروبية القديمة"، تساوي إنسانًا يُستعبد نتيجة الحروب التي اندلعت بسبب تجارة الأسلحة33). ظهرت الليمبا، الشائعة على امتداد طرق التجارة الداخلية، بين العشائر التجارية التي شكلت شبكةً ممتدةً من المدن

  1. [روبرت فارس] ثومبسون [ينظر Spirit the of Flash] هو أول من نعت مصدر ليمبا الأصلي من حيث علاقته بالدين الهايتي بالاسم نفسه الذي يحمله الدين الشفائي في شمال الكونغو". ينظر: John M. Janzen, Lemba , 1655  -  1930: A Drum of Affliction in Africa and the New World (New York: Garland Publishing, 1982), p. 280. ويقر جانزين أنّ الصلة التاريخية [بين الدين الهايتي والذي في شمال الكونغو] ضعيفة، ومع ذلك لا يمكن إنكار التشابهات البنيوية بينهما (278. p , Janzen:)، يُنظر 53. p., Ibid، للاطلاع على مناقشة تتناول الأرواح في الكونغو في القرن الثامن عشر في ميناء العبودية الساحلية من لونغو التي حمت الموتى من السحرة الذين يجرّون أرواحهم للعبودية والسخرة.
  2. Ibid., p. 34.

الساحلية وصولً إلى العمق الداخلي حيث تجري عمليات الاستعباد34. وكانت نخبتها، المتكونة من "التجار الأثرياء (أو محدثَي النعمة) والنافذين، والقضاة، والمعالجين، والكهنة، والرؤساء"35، تتمتع بوظائف كهنوتية مثل مباركة الزيجات، ودعم قوانين السوق، وإعادة توزيع الثروة طقوسيًا، وأداء السحر الأيديولوجي في مسألة حل النزاعات والضبط الاجتماعي36. وكان أعضاؤها "تطفح بهم الرغبة الممسوسة في النجاح في التجارة، والنفوذ، والمكانة بين الناس"37. وفي مجتمع يتمتع "بأخلاق زراعية قوية"، أدت ممارساتهم التجارية إلى أدواء اجتماعية متعددة فاستُحضرت الليمبا لعلاجها38. كانت الليمبا الأفريقية كفارةً طقسيةً. فقد سكَّنت من إحساس التجار الأثرياء بالذنب، وخففت من مشاعر الغيرة لدى الفاشلين، وحالت دون أن يتحطم نسيج المنطقة الاجتماعي من طرف التجارة الأوروبية الأطلسية تحطيمًا كاملً. وإن كان يمكن تمييز استمراريات لافتة بين ممارسات الليمبا في العالم القديم وفي العالم الجديد، وإلى ذلك يذهب الأنثروبولوجي جون جانزين وآخرون، فإن هناك انقطاعات بينهما من حيث أدوارهما التاريخية. لقد أنتجت اللميبا الأفريقية المآسي التي تحمّلها عبيد العالم الجديد. ومهمة التسوية بين العبيد الذين شُحنوا بحرًا إلى سان دومينيك، وهي لم تكَد أن تكون مسألة إعادة توزيع للثروة، كانت منصبةً على بناء تحالفات قائمة على الثقة الأخوية بين أعداء حرب سابقين، وبين أشخاص تآلفوا في جماعات عمل ما كانت تجمعهم من قبلُ خلفيةٌ مشتركةٌ وما كان يفهم أحدهم الآخر، وفي الحقيقة ربما لم يكن يعرف أحدهم عن وجود الآخر الثقافي قبل رحلتهم البحرية. إذا كانت الرموز الدينية vèvès وترتيبات المذبح في معابد الفودو الهايتية تكرِّر في رسوم المنمنمات الأشكالَ الهندسية الكونية (الكوسموغرام Cosmograms) التي يخطّها أعضاء الليمبو على مروج أفريقيا، وإذا عادت أسماء كهنة داهوميا إلى الظهور في عبادة الرادا Rada المهيمنة على أرواح loa39 الفودو، وإذا ظلت كلمات اللغة الثقافية وبنيتها من دون تغيير، فإن ما قيل في هذه اللغة استجابةً للحوادث التاريخية كان جديدًا كليًا40. وأوضح ما يكون ذلك في حالة جمعيات المقاتلين السرية، التي يُشاع أنّها أدت دورًا في الثورة

  1. Ibid. إن عبادة الليمبا، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعشائر التجارية من شعب الفيلي في شمال الكونغو، التي مورست في الميناء الساحلي لمملكة لونغو بين "نخبة تجارية مقيمة متواصلة مع التجار الأوروبيين" كانت ذات صلة "بنقطة نهاية تجارة" تجار مترحلين يحملون أضرحة الليمبا المحمولة إلى الداخل. ينظر: 324 , 54. pp., Ibid.
  2. Ibid., p. 317.
  3. كانت الليمبو حركةً لا تتبع دولةً تعمل على تشكيل نظام عام على امتداد طرق النقل بدلً من المراكز السياسية. وكانت شعائر الزواج مفتاح تحقيق الوحدة والتحالفات بين التجار: "لا جدال في أنّ أيديولوجيا الليمبا العلاجية كانت نموذجًا لحالة اجتماعية مكتملة التشكيل"؛ وبوصفها "المؤسسة المتعالية الرئيسة في المنطقة من القرن السابع عشر والقرن العشرين، فإنها أدت كما يظهر دورًا رئيسًا في خلق سياق طقسي لاقتصاد تجاري يتناغم مع اقتصاد إنتاج زراعي، وخلق سياق تتولد فيه رمزية شفائية تلطف الحيوات عند نقطة تقاطع الاقتصادَين". ينظر: 323 , 321. pp., Ibid.
  4. Ibid., p. 317.
  5. Ibid., p. 318. "شكلت التحالفات العشائرية التي كرستها الليمبا شبكةَ علاقات اجتماعية - سياسية غطت منطقةً شاسعةً، لا سيما الطرق الداخلية للتجارة الدولية [...] [للعبيد والأسلحة] التي استلزمت شكلً معينًا من الضبط الاجتماعي. وأثارت الثروة والنفوذ اللذان نجما عن ذلك مشاعر حسد وغيرة قوية [...] أطلقت في عقول الأثرياء والمتنفذين أعراضًا كالأحلام، والكوابيس، والخوف من الشعوذة، والتعرض للهجوم، والعقم، والموت، وأعراضًا أخرى كثيرة". وتلك هي مآسي الليمبا بين "الأفراد الذين تآلفوا مع التجارة الساحلية". ينظر: 318  -  317. pp., Ibid.
  6. هي أرواح الفودا الهايتية، تقوم مقام الوسائط بين الإله المتعالي والبشر. (المترجم)
  7. يلخص جانزين الدرس البحثي للتأثيرات الأفريقية في هايتي: "في كل من النظام الطقسي والبحثي يُعترف بتأثير غرب أفريقيا المهيمن على أنّه تأثير داهومي، ويمكن أن يُشاهد ذلك في الألفاظ المستعملة في عبادة الأرواح loa، وفي مجمعات العبادة voudou [كذا]، وقيادة العبادة (الهونغون [الكاهن الذكر] houngan، والمومبا [الكاهنة الأنثى] momba)، ومواقع العبادة (الأونسي hounsi)، وما إلى ذلك، على الرغم من أنّه حتى هنا يمكن أن يوجد تأثير كونغولي [...] تُعرف الآلهة الداهومية جميعًا بالرادا Rada [من بلدة فيها ميناء للاتجار بالعبيد هي Arada، والتي سميت على اسم بلدة ألادا Allada (المترجم)]، بينما جرى حديثًا تحديد الآلهة التي تعود أصولها إلى الكونغو وبانتو على أنها عاودت الظهور بقوة في حلقة آلهة بيترو Pétro:". ينظر 27. p , Janzen. لكن دايان تتجه إلى لبّ المسألة، حيث تكتب: "إنّ آلهة البيتوو Petwo [ولفظ Petro اسم آخر، وهي عائلة من أرواح الآيو في ديانة الفودو الهايتية (المترجم)] التي لها أسماء ثورية، وفيها ملامح الانتقام، مثل: بريسه بمبا Brisé Pimba [آلهة الرعد]، وبارون رافاج Ravag Baron، وتي–جان دانتور Dantor Jean - Ti، وإزيلاي-جي-وُللي wouj - je - Ezili (إزيلاي ذات العيون الحمر)، وجان زومبي Zombi Jean، تستحضر الاختلاط الغريب بين السادة والعبيد، والبيض والسود والخلاسيين، والعالم القديم والعالم الجديد. ويُمكن أن يُنظر إلى طقوس الذاكرة تلك على أنها مستودعات التاريخ، حيث ترجع الأجساد الممزقة". ينظر: 35. p , Dayan.

الهايتية41. كانت جمعيات المقاتلين موجودةً في الكونغو، وداهومي، وفي أماكن أخرى من أفريقيا، ولكن لم يكن غرضها أبدًا إطلاق تمرد للعبيد؛ إنما العكس: "لقد كثفت تجارة العبيد طريقة حياة المقاتل الداهومي"، لأنّ أسرى الحروب بيعوا إلى التجار42. ما كان أحدٌ من أتباع الفودو الأوائل في أفريقيا ليتخيَّل زوال التراتب المتمأسس بين السيّد والعبد، وما من أمة أوروبية كانت تتخيل ذلك أيضًا. إنّ الثورة المناهضة للعبودية التي اندلعت في سان دومينيك كانت فريدةً سياسيًا. هنا تبدأ ملامح التاريخ الكلي في البزوغ، وهي: بدلً من منح الثقافات المتميزة والمتعددة استحقاقات متساوية، بحيث يُعترف ببشرٍ معينين جزءًا من الإنسانية بصورة غير مباشرة من خلال التسوية بين الهويات الثقافية الجماعية، فإن الكلية الإنسانية تبزغ في لحظة تمزق تاريخي. ففي انقطاعات التاريخ، حيث تتوتر ثقافة شعب معين إلى درجة الانهيار، يقدِّم هذا الشعبُ للإنسانية مثلً معبًِّا يتجاوز الحدود الثقافية. وفي لحظة توحدنا العاطفي مع هذه الحالة الخام، والحرة، والهشة، نتوفر على فرصة فهم ما يقولونه. فالإنسانية المشتركة موجودة رغم الثقافة واختلافاتها. إن عدم تطابق هوية شخص ما مع هوية الجماعة يتيح للتضامنات الخفية أن تتوفر على فرصةٍ لاستئناف شعور أخلاقي كلي، هو مصدر للحماسة والأمل اليوم. ولا يظهر الوعي بإنسانية مشتركة من خلال الثقافة، بل من خلال التهديد بخيانة الثقافة.

3. عند مفترق الطرق

إنَّ المصدر الحقيقي للممارسة الدينية الهايتية هي تجربة العبودية التي أفضت إلى تمرد عام 1791. ومع ذلك، فإنّ المصدر الحقيقي للتاريخ الكلّ لا يتمثل في التعبير الهايتي بخاصة عن ذلك الحدث بَلْهَ في تمثيله من طرف سرديات الثورة الفرنسية لها، بل إنّ الكلّية هي لحظة وعي العبيد الذاتية بأنّ شرطهم الإنساني غير مقبول إنسانيًا، وعي يشق عصا الطاعة على الحضارة وحدود الفهم الإنساني، والمجرى اللاعقلاني، أو الذي لا يمكن تعقله، لتاريخ الإنسانية الذي تفوق في لاإنسانيته Inhumanity على أي شيء يمكن أن يقترفه أيُّ فعل محظور ثقافيًا43. في الوقت نفسه، نحن نُدفع إلى نقطة حيث يُصاب جدل السيد والعبد الهيغلي بالعجز. فالوعي الذاتي يجب أن يؤدي إلى الفعل، ومع ذلكفإن هذا الفعل تحديدًا يعرّض جوهر فكرة إنسانية كلّية للخطر. إن مأزق المتمرد، الآن ومن قبل، هو أنّ المقاومة العنيفة، المسوغة ظاهريًا بالشعور الأخلاقي، تهيّئ المسرح لأعمال وحشية جديدة تناقض ذلك الشعور، لأنّ الوقوف ضد عدو الإنسانية يجعل كل فعل بربري متاحًا. فما هو الفهم الجدلي، وما هو الصراع السياسي، الذي سوف يوفر مخرجًا من هذا التناقض؟

  1. وهذا القول لا يتنكر لما ذهب إليه ثومسون بأنّ نجاح المقاتلين يمكن أن يُفسَّر إلى حد بعيد بخبراتهم القتالية السابقة. "إنّ النظر إلى عبيد هايتي المتمردين على أنّهم محاربون أفارقة بدلً من النظر إليهم عمال مزارع هايتيين قد يتبين أنّه المفتاح الذي يستطيع فك مغاليق سر نجاح أكبر ثورة عبيد في التاريخ". ينظر: , Thornton ". African Soldiers ," p. 74
  2. Thompson, p. 165. يذهل ثومبسون تجاه الاستمراريات بين ثقافات العالم القديم والعالم الجديد. "تظل يوربا هي يوربا" على الرغم من الشتات، لتعكس "انتصار إرادة جماعية عنيدة". ينظر: 16. p., Ibid. وباعتبار حقيقة أنّ "ثقافة اليوربا" هي ذاتها ابتكار ثقافي من أواخر القرن التاسع عشر، فإنّ هذا الزعم بالاستمرارية يفتقر إلى الصدقية. ينظر: J. Lorand Matory, "The English Professors of Brazil: On the Diasporic Roots of the Yorùbà Nation," Society for Comparative Study of Society and History , vol. 41 , no. 1 (January 1999), pp. 72  -  103.
  3. هل من جرأة في أن نعزو إلى العبيد وعيًا بكلّيةِ حدثٍ جوابًا عن نواح دايان النقدي: "أين، أوه أين نجد وجهة نظر العبد؟". ينظر: Joan Dayan, "Paul Gilroy's Slaves, Ships, and Routes: The Middle Passage as Metaphor," Research in African Literatures , vol. 27 , no. 4 (Winter 1996), p. 8.

عندما يُستحضر الحكم التاريخي لاتخاذ موقف، يعيد تمثيل هذا المأزق الأخلاقي. كانت طقوس العبيد في أثناء اجتماعهم في "بوا كايما Caïman Bois "44، الذي استهل التمرد، بمنزلة درس عملي (ينظر الصورة 6). والمصادر المكتوبة عن حدث آب/ أغسطس في عام 1791 في شمال سان دومينيك، ضعيفة ولا يمكن الركون إليها. فما قد حدث في حد ذاته، أو حتى إنكان قد حدث، هو محل جدال لا يتوقف45. ومع ذلك، يُذكر هذا الحدث، بوصفه اللحظةَ الأولى للثورة الهايتية، دليلً تاريخيًا على جميع المزاعم الخلافية. وهذه مكوناته: مؤامرة، لقاء جماعي في "بوا كايما" ليلً، العبيد يتجمعون في الغابة، حديث ناري يلقيه رجل أسود ضخم يُدعى بوكمان، قسَمُ الأخوّة بالدم، طقس سري تشرف عليه كاهنة سوداء تسمى فاطيمان، ذبح خنزير أسود، غناء ورقص شعائريان. وفي الأيام اللاحقة، بدأ العنف. فهل كان هذا الاجتماع طقسًا "أصيلً" في الفودو؟46 أم كان "خليطًا" من تقاليد أفريقية؟ وإذا ما كان كذلك، فما دافعه؟47وهل كان الطقس مجردَ ذريعة يستعملها القادةُ لتوزيع الأسلحة وكلمات سرية لعمل عصابات، مع إدراك أنّ إشاعات الفودو سوف ترهب أصحاب المزارع؟48 هل كان فعلً "ثوريًا من الأسفل"، ونشاطًا جماهيريًا مكتفيًا بنفسه؟49 وهل كانت حالتهم حالة عمّال ما بعد حداثيين كسرت أشكال مقاومة المزارعين التقليدية، هدفت بوصفها غاية نهائية إلى الإطاحة بنظام العبودية نفسه؟50 أم هل كان هو الطقس الذي دشنه قادة النخبة الذين كان استعمالهم لحوافز أفريقية معينة "محسوبًا لأغراض حشد الدعم"؟51 وهل دلّ هذا الحدث على وجود منظمة متقنة، أم دلّ على عدم وجودها؟ وهل كانت "ثورة اندلعت قبل أوانها"، كسرًا غير مرخص به في النظام قبل أن تبدأ المؤامرة؟52ما هي أيديولوجيا التمرد؟ أكانت هي تلك الأخبار الواردة من باريس عن إعلان حقوق الإنسان، الذي ربما أشاع الجرأة في صدور المتمرّدين، أم كانت الثورة الفرنسية هامشيةً حتى بالنسبة إلى القادة، لأنّ ثورتهم هم كانت "الحرية للجميع"، فلم تأسرهم النزعة الجمهورية الفرنسية؟53 والنظرة القائلة إنّ ميثاق الدم في "بوا كارما" كان داهوميًا على وجه الخصوص هي نظرة "يصعب التوفيق"

  1. أول موقع اجتمع فيه السود العبيد للتخطيط لثورة هايتي عام 1791. (المترجم)
  2. David Patrick Geggus, "The Bois Caïman Ceremony," Journal of Caribbean History , vol. 25 , no. 1  -  2 (1991), pp. 41  -  57.
  3. يمكن القول، بشيء من المبالغة، إنّ السمعة التي اكتسبتها الفودو بوصفها ديانة جامعة وثورية بدأت مع طقس بوا كايما". ينظر: 51. p., Ibid. وجيكوس يعد هذه السمعة ذاتها مبالغة.
  4. Geggus, p. 51.
  5. Jean Fouchard, The Haitian Maroons: Liberty or Death , Faulkner Watts (trans.) (New York: Edward W. Blyden Press, 1981), p. 224.
  6. هذا هو العنوان الثانوي لكتاب Haiti Making , Fick. "لقد كانت [...] النشاطات المكتفية بنفسها من طرف أقسام متنوعة من السكان، ومن طرف أفراد غير معروفين كثيرًا ومغمورين، ومن طرف قادة شعبيين كذلك [...] هي التي جعلت ردَّة ديسالي، وكريستوف، وكليرفو وجنرالات آخرين [على فرنسا] ممكنة عمليًا ومهمة عسكريًا". ينظر: E. Carolyn Fick, The Making of Haiti: The Saint Domingue Revolution from Below (Knoxville: University of Tennessee Press, 1990), pp. 248  -  249.
  7. Eugene D. Genovese, Rebellion to Revolution Afro-American Slave Revolts and the Making of the Modern World (Baton Rouge: Louisiana State University Press, 1979); قارن ب: 61. p , Fick.
  8. Geggus, p. 51. لم يقتصر الأمر على عبيد الحقول كي يتحدوا في التمرد، بل شمل ذلك العبيد في البيوت، والعبيد الأحرار أيضًا، ما يدل على أنّ المكانة الاجتماعية لم تكن هي العامل المحدد، بل كانت الرغبة في الحرية هي ذلك العامل.
  9. Ibid., p. 47.
  10. Fouchard, p. 224 ;.Laurent Dubois, Avengers of the New World: The Story of the Haitian Revolution (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004), p. 107 قارن: يرى دوبوا أنّ "بوا كايما" كانت "مختصرًا لحضور ديني مركب ومتنوع في تخطيط التمرد وتنفيذه". ينظر: 101. p., Ibid. يُزعم أنّ الترنيمة، التي هي أيضًا محل نقاش بسيط، تخاطب ربَّ الكونغو: مبومبا (قوس قزح). وفيها كلمة رئيسة وهي kanga، التي تعني في جميع اللهجات الكونغولية "رباط" أو "قيد" (على الرغم من أنّها تعني لدى مسيحيّي الكونغو "ينقذ، أو يحمي، أو يحرر")، ولها دلالة سياسية في الكونغو. وتترجم إلى: Hold back the black men اكبح الرجال السود Hold back the white men اكبح الرجال البيض Hold back that witch اكبح تلك الساحرة أمسكهمَthem Hold وللاطلاع على التباسات الترجمة، ومن ثم التأويل، ينظر: 213  -  210. pp '," Subject the Am I , "' Thornton.

الصورة (6) أولريك جان بيير، لوحة زيتية بعنوان بوا كايما (ثورة سان دومينيك، هايتي، 14 آب/ أغسطس، 1791)، 1979 (أبعادها 60 × 40)

المصدر: من مجموعة الدكتور والمسز جان فيليب أوستن، ميامي، فلوريدا.

بينها وبين حقيقة أنّ عبيد الكونغو كانوا هم الأغلبية في تلك المنطقة، حيث رُصدت ترنيمة سياسية كونغولية عشية الثورة54. جرى تحديد "الإله الطيب"، الذي استحضرته عِظة بوكمان على أنّه وثن، ولا سيما الإله الرئيس في داهومي، ولكن أغلبية الكونغوليين كانت من المسيحيين رسميًا منذ أن هدَت الإرساليات الكاثوليكية البرتغالية التبشيرية ملك الكونغو إلى المسيحية في عام 149155.

  1. Geggus, p. 50. Eh! Eh! Mbomba hen!Hen!
  2. على الرغم من أنّ الكنيسة الكاثوليكية الرسمية دعمت أصحاب المزارع، كان هناك قساوسة يسوعيون قد دافعوا عن أفراد تورطوا في أفعال عنيفة ضد سادتهم (منها مثلً، محاولات التسميم). ينظر: 65. p , Fick.

قُدمت جميع هذه التأويلات لحدث ربما لم يحدث. ويبدو أنّه كان عليه أن يحدث كي توجد هذه التأويلات. حملت "بوا كايما" قوة ذات معنى للأحكام السياسية المتنوعة تنوعًا جذريًا. فوُظِّفت لتعني أنّ هايتي دخلت الحداثة اللائقة بالتحاقها بالقصة الأوروبية، وهي القصة الوحيدة التي يمكن أن تُروى؛ أو قد تعني أنّه مع هايتي تجاوز التاريخ هذه السردية وصارت أوروبا في الخلف؛ أو قد تعني أنّ هايتي صارت أمةً، مثل بقية الأمم، أوروبا مثلً، لها مفاخرها العسكرية، وشجرة "الآباء المؤسسين"، والولادة الدموية عبر التضحية بالحياة الإنسانية من أجل السيادة. إنّ هذا القتال من أجل امتلاك ماضي هايتي الثوري المجيد أدار الرؤوس عن واقع هايتي الحاضر المزري، إذ يبدو أنّه لمن الفجاجة بمكان مناقشة هايتي موقعًا محصنًا ذا دلالة تاريخية، بينما هي اليوم أفقر أمة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وبينما تستمر إلى اليوم الإرادة السياسية للشعب الهايتي، بعد مرور مئتي عام، فتقف في وجهها تدخلاتُ القوى الأجنبية. في الحقيقة، إنّ هايتي، في تجربتها المبكرة باعتمادها البائس على الاقتصاد العالمي، وفي صراعها المبكر ضد سياسات الإبادة الجماعية التي اتبعها الغرب، وفي المبنى الهرمي لنخبها الاجتماعية في ما بعد الاستعمار، تقف في طليعة تاريخ الحداثة56. لم تكن التجربة الهايتية ظاهرة حديثة أيضًا، بل كانت الأولى. وظّف آباء هايتي المؤسسون خطابًا قوميًا أيديولوجيًا لحثّ العبيد المتحرّرين على العودة إلى ظروف العمل في المزارع والإنتاج من أجل التصدير، وكانت تلك استراتيجية سياسية حديثة بوجه خاص لم تُهجر بعدُ. كانت النخبةُ الهايتية أولَ نخبة في التاريخ تقبل بكلمة "أسود" هويةً سياسيةً لها، وهو موقف كان وما زال يتوافق مع الهرميات الاجتماعية القائمة على لون البشرة57. وإذا كانت الماسونية العالمية الجذرية قد انتصرت مرةً لقضية تحرير العبيد، كانت الماسونية الهايتية القومية، مثل جميع الحركات عبر العالم، منسجمةً مع وضع القوة القائم. لقد أعدم القادة الهايتيون السياسيون كهنةَ فودو حتى قبل الاستقلال. (بأوامر من توسان ذبح ديسالي أكثر من خمسين شخصًا من أهل الفودو، لأنّ رؤيتهم للتمرد كانت تهدد احتكار السلطة58). لقد دُفعت ممارسة الفودو نحو مواقع هامشية، وهو أمرٌ يربك النخب الهايتية "الحديثة"، ومع ذلك ظلت الفودو طريقة للمناورة بالمزارعين الفقراء، ومن هنا هي مصدر للقوة بيد المعارضات السياسية من كل معتقد. إنّ سرد تاريخ هايتي بوصفه تاريخًا للخير في مقابل الشر يهدرُ قدرتنا على الحكم الأخلاقي. إن المعاناة في الماضي لا تضمن مستقبلً فاضلً. والتاريخ المشوه فقط هو النقي أخلاقيًا.

4. اللاإنسانية المشتركة

أين يجد المثقف النقدي في هذا الخطاب موطئ قدم له؟ فهل يكفي إنقاذ القصة الهايتية من تمثيل المركزية الأوروبية؟ هل يمكن أن نطمئنَّ إلى الدعوة للاعتراف "بحداثات متعددة"، ولسياسة "التنوع"، أو "التعددية"، حينما تكون في الواقع لاإنسانيات هذه التعدديات هي، في الغالب، من النوع نفسه على نحو فاقع؟ إنّ الممارسة النقدية النظرية اليوم سجينة سجالاتها النظرية. فنحن مسجونون في عالم النظرية المتسع عالميًا تمامًا كما الفنانون مسجونون في عالم فني مندمج عالميًا. لا فائدة من حَرف صراعنا من أجل الهيمنة إلى الماضي، فنجريه على ظهور فاعلين تاريخيين أسكتهم الموتُ منذ زمن طويل. فهم لا يستطيعون الرد علينا عندما نعلنهم أبطالً أو أوغادًا في سرديتنا الجزئية للماضي. من اليسير اليوم أن تغري الروح الكلبية جيلً شابًا من الأكاديميين. فإن كان بحثهم عن الحقيقة التاريخية يقود إلى لَبس "يشوش الذهن"، وإذا لم يكن الزمن غير "غموض وتقلب"، فلم لا نستسلم ببساطة إلى نسيان تاريخي تكدُّ صناعةُ الثقافة السياسية

  1. لقد نظر الفرنسيون بجدية في افتراض مفاده أنّه من أجل طمس ذاكرة التمرد، يجب إبادة جميع العبيد الموجودين، وجلب عبيد جدد ليحلوا محلهم. ينظر:., Ibid. pp. 220  -  223
  2. من أجل الاطلاع على استمرار "التحيز القائم على اللون"، ينظر: 1. ch , Nicholls.
  3. Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon Press, 1995), pp. 37  -  40 , 66  -  69.

الصورة (7) جاك لوي ديفيد، "قسَمُ ملعب التنس في فرساي"

جاهدةً على نشره على الدوام؟59 ولم لا يشكل المرءُ ماضيه على وفق ما يلائمه، لا سيّما أنّ رئيسًا راهنًا للولايات المتحدة قدم مثالً مذهلً على فاعلية هذه التقنية في اكتساب القوة والاحتفاظ بها؟ وليست الطريقةُ التي تقوّي فيها الوقائعُ التفكيرَ النقدي إلّ عبَر دفعه على حافة العوالم الخطابية التي تحتوي على هذه الوقائع. لنعُد إلى الاجتماع الذي جرى في "بوا كايما" ليلً. قال الرجل الضخم الأسود الذي اسمه بوكمان الكلمات الآتية: "اطرحوا صورة إله البِيض الذي يهوى دموعَنا، وأصغوا لصوت الحرية، الذي يتكلم في قلبِ كلِّ واحد منّا"60. إنّ مصدر هذا الخطاب ضعيف، بيدَ أنَّ أغلب المؤرخين حسَّنه61. وهو خطاب يستجيب لخطاب الحرية لدى اليعقوبية السوداء، التي تبدي استقلالية مثيرة للإعجاب عن الكهنة الكاثوليكيين الموالين للحكم الملكي.

  1. Stephan Palmié, Wizards and Scientists: Explorations in Afro-Cuban Modernity and Tradition (Durham/ London: Duke University Press, 2002), p. 140. إنّ بالمي، عال م الخطاب النظري، نموذجٌ للدفاع عمّا يمكن أن يوصف بأنطولوجيا الغموض، تلك التي تختزل في الواقع التأويل التاريخي إلى أبسط أطروحة يمكن تخيلها (المعنى كله غير محدد، الواقع كله معقد). التاريخُ يُسطّح، وتُزال إمكانية مواجهة الماضي جدليًا.
  2. Geggus, p. 49.
  3. فلقد نقله أحد الشهود العبيد. وجيكوس يعتقد أنّ هذا الخطاب ربما كان في اجتماع للقادة قبل بوا كايما. ينظر: Geggus, p. 52.

وإذا لم يمكن مطلقًا ضم "بوا كايما" إلى الفضاء البرجوازي، وإذا كانت دعوة بوكمان إلى التضامن لها من القوة تغلب قسَمًا ثوريًا جرى في قاعة تنس مغلقة بباريس، فإنها لا تزال مقروءة ضمن سردية التحرير الكلي على نحو ما حُكيت هذه القصة تقليديًا. ولكن ماذا لو علمتَ أنّ بوكمان Boukman، المولود في جامايكا الناطقة بالإنكليزية، قد سمّي بوكمان Bookman، لأنّه كان متعلمًا وكان يستطيع أن يقرأ الكتاب، ولكنّ ذلك الكتاب لم يكن الكتاب المقدس؟ وماذا لو دلّت الوقائع على أنّ بوكمان، الرجل الأسود الضخم الذي قال تلك الكلمات الاحتفالية في "بوا كايما": "أصغوا لصوت الحرية الذي يتكلم في قلب كل واحد منّا"، الذي ألهب روح التمرد المسلَّح ضد السادة، أقول ماذا لو كان قد ولد ونشأ مسلمًا من المسلمين الأفارقة الذين يمثلون تقريبًا 4 إلى 14 في المئة من الأفارقة الذين عبروا الأطلسي62، مثلما هو شأن القسيسة فاطيمان Fatiman - فاطمة Fatima - التي ترأست قداس فودو في "بوا كايما"، مثلما هو شأن العبد ماكاندال، سلفهما الماروني Maroon63 الثائر، الذي بتُرت يده من جراء عمله العبودي، واتُهم في محاكم المستعمرات بالتخطيط لتسميم عوائل أصحاب المزارع في سان دومينيك في خمسينيات القرن الثامن عشر، فأعدم حرقًا على العمود (وهي العقوبة المسيحية للهرطقة)؟64والحقيقة القائلة إنّ المسلمين كانوا أقليةً صغيرةً متعلِّمة من عبيد المزارع، ولذلك السبب يُفضَّلون في الأعمال البيتية، فكانوا قادةَ الثائرين العبيد في العالم الجديد (وأوضح صورة لذلك في باهيا Bahia عام 183565)، كانت معروفةً ولكن لم تؤخذ في الحسبان بما يكفي66. إنّ إبراز حضور المسلمين وتسليط الضوء عليه يغرسان قنبلةً فكريةً صغيرةً تتسبب، على نحو مباشر تقريبًا، في تشعب سياسة التأويل الغربي إلى شعبتين؛ تقود الأولى منهما إلى إغراء التخلص مما خالط سلوك المتمردين العبيد من مظاهر غير مقبولة عبر نسبتها إلى

  1. بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، كان 85. 6 في المئة من الأفارقة المستوردين إلى سان دومينيك من سينيغامبيا، و 5. 4 في المئة من سيراليون، وأقل من 4 في المئة من موزمبيق. ومن هذه المناطق، وبحسب ترتيبها التنازلي، يُرجح أن أغلب المسلمين جاؤوا إلى سان دومينيك [...] وبالتأكيد كان هناك مسلمون قد جرى تصديرهم من خليج ب (ِنين 27 في المئة من المجموع الكلي)، على الرغم من أنّ الحرب الدينية التي وقع فيها أسرى وقادها الشيخ عثمان دان فوديو في ما صار بعد ذلك الشمال النيجيري لم تبدأ إلّ في عام 1804، أي قبل عدة سنوات من أن يكون عدد المسلمين القادمين من خليج بِنين كبيرًا. إذًا، من المنطقي الافتراض أنّ المسلمين في سان دومينيك ما كان يمكن أن يكونوا أكثر من 10 في المئة من السكان العبيد، وعلى الأرجح أقل بكثير". ينظر: Michael A. Gomez, Black Crescent: The Experience and Legacy of African Muslims in the Americas (New York: Cambridge University Press, 2005), p. 83. "يمكن وصف القائد الماروني ماكاندال أفضل وصف أنّه محاربٌ مُرابط Marabout ينظر:". Sylviane A. Diouf, Servants of Allah: African Muslims Enslaved in the Americas (New York: New York University Press, 1998), p. 152. قُتل بوكمان في معركة، واحتُز رأسه و"عُرض ببهرجة" على عمود في الساحة العامة. ينظر: Carolyn E. Fick, "The Saint Dominique Slave Insurrection of 1791 ," Journal of Caribbean History , vol. 25 , no. 1  -  2 (1991), p. 5. وكان الهدف من هذه الأعمال الاستعمارية تلقين الآخرين درسًا، للحؤول دون قيام تمرد، ولكن العكس هو ما نتج منها.
  2. المارونيون Maroons هم أسلاف الأفارقة الأميركيين، الذين شكلوا مستوطنات لهم بعيدًا عن العبودية. وخالطوا غالبًا الأميركيين الأصليين، وطوروا لهم ثقافات كريولية مستقلة. واللفظة صارت تطلق على العبيد الهاربين. (المترجم)
  3. زُعم أنه [أي ماكاندال] نشأ مسلمًا، ويظهر أنّه كان يتقن العربية [...] وطبقًا لإحدى الروايات، فإنّه هرب بعد أن بُترت يده في ماكنة مطحنة السكر في أثناء عمله الليلي. ينظر: 60. p , Haiti of Making The , Fick. "وقد لاحظ مورو دو سان ميري Méry - Saint de Moreau [...] أنّه من بين الكونغوليين الذين حوّلهم البرتغاليون إلى الكاثوليكية كان بعضهم يحتفظ بأفكار 'محمَّدية' أو 'وثنية'". ينظر: Ibid., p. 291 ; C. L. R. James, The Black Jacobins: Toussaint L'Ouverture and the San Domingo Revolution (New York: Vintage Books, 1963), pp. 20  -  22 ; Fouchard, pp. 141 , 184.
  4. في عام 1835، ثار مسلمو البرازيل العبيد، ويسمون أيضًا ثوار الماليز، ضد حكومة إمبراطورية البرزايل. (المترجم)
  5. في ما يتعلق بوجود المسلمين بين العبيد في العالم الجديد، ينظر: Diouf ; Gomez. وعن العبيد المسلمين في سان دومينيك، ينظر: Fouchard, pp. 141 , 184 ; Dayan, Haiti, History and the Gods , p. 245 ; Debien, p. 7. وعن باهيا، ينظر: João José Réis, Slave Rebellion in Brazil: The 1835 Muslim Uprising in Bahia , Arthur Brakel (trans.) (Baltimore: The Johns Hopkins University.) كان ثوار باهيا يريدون تحرير أنفسهم، وليس جميع العبيد), (1995 Press,

تأثير الإسلام، ولا سيّما العدالة الانتقامية من خلال ذبح البِيض على أسس عرقية أيًا كانت مكانتهم الاجتماعية67. فصارت السردية الناشئة المضادة للإرهاب اليوم ترى في ما تميّز به عبيد سان دومينيك من جسارة ظاهرة في اندفاعهم نحو الموت في ساحة المعركة نوعًا من تفجير انتحاري، مثلما وصفها أصحاب المزارع في حينه بأنّها "حماسةٌ انتحارية"ٌ68. وثمة الشعبة الأخرى: نحن نستطيع أن نقبل ببوكمان واعظًا للجهاد. ولكن إذا سلكنا هذه الطريق، أَلبَسنا السردية النقدية التي اعتدنا عليها في تفسير التجربة الجذرية ثوبًا فضفاضًا؛ فعندما يَلتهب الشعور الأخلاقي للمدافعين عن هايتي حماسةً، ويُذكر تسويغ ديسالي للمجزرة العنصرية: "أنا انتقمت لأميركا"، وعندما يبرّئ المثقفون ساحة العبيد، ويدافعون عن ديسالي لقيامه "بتقديم أفضل ما لديه"، إذًا ليس ثمة سبب وجيه لكي نستثني من قصة الحرية منطقَ الجهاد الإسلامي "العين بالعين، والسنّ بالسنّ"؛ فليس إلّ مخادعٌ ذاك الذي لا يرفض وسائل الجهاد، ولا يرفض ردّ الصاع صاعين، بل يرفض الهدف الديني، كما لو يمكننا القول إنّ تحت هذه الخيمة الشاملة الواسعة، أي الثقافات المتنوعة عبر العالم، ثمة خطأً واحدًا بسيطًا لا يمكن علاجه (يؤمن به أكثر من مليار إنسان)69. إنّ السؤال السياسي الناجم عن هذه المواجهة التاريخية، الذي يحتاج حاجة ملحة إلى تقليبه والنظر فيه هو: كيف جرى ضربُ الطوق حول الشعار الثوري الأوروبي - الأميركي الموقر، وهو "الحرية أو الموت"، وفصله عن تقليد الجهاد الإسلامي الشائن على نحو مزعوم؟ باسم الإنسانية الكلّية، تسوغ الطليعة عنفها بوصفه الحقيقة الأسمى. وعند نقطة التقاطع هذه يلتقي أسامة بن لادن وجان جاك ديسالي، ويلتقي فلاديمير لينين وجورج بوش الابن. وإذا كنّا لا نرغب في المضي على هذه الطريق، وأنا لا أرغب في ذلك، فإن وسائلنا لرسم خريطة تاريخية تحتاج إلى إعادة صياغة جذرية.

5. الملائكة المنتقمون

"لقد قدمنا لأكلَة لحم البشر الحقيقيين حربًا بحرب، وجريمةً بجريمة، وغضبًا بغضب؛ نعم، لقد أنقذت بلدي، وانتقمت لأميركا " (ديسالي، 22 نيسان/ أبريل 1805)70. "يرسم رسّامونا الهايتيون الربَّ والملائكة سودًا، ولكنهم يمثلون الشيطان أبيضَ" (بارون دو فاستي، 1816)71. لم تكن الثورة الهايتية انتصارًا للتاريخ الكلّ إلّ في خيالنا فقط، وليس هذا بالأمر الهيّ. لعل الخيال المتعاطف هو أفضل أمل لدينا من أجل الإنسانية. والمشكلة هي أنّنا لا نبدو مطلقًا نتخيل هذه الإنسانية بشمولية كافية تضم الجميع، بل فقط من خلال إقصاء الآخر النقيض، عدو جمعي يقع خارج نطاق الإنسانية. وبالنتيجة، فإنّ أي حركة سياسية تحاول تحويل رأس الموت (بقايا هياكل ضحايا

  1. حتى التفسيرات المتعاطفة تقرّ بما تعرض له السكان البِيض من تعذيب وقسوة فظيعين. ويكتب فِك، مستشهدًا لدعم كلامه بكلٍمن سي أل آر جيمس ويوجين جينوفيز: "رغم شناعة تلك الأعمال الثأرية، فإنها كانت معتدلةً بما يثير الدهشة [...] مقارنة بتلك الوحشية الغريبة وذلك التعذيب السادي اللذين مارسهما بدم بارد. Fick, "Saint Dominique Slave Insurrection," p. 21:مضطهدوهم في الماضي". ينظر
  2. David Patrick Geggus, Haitian Revolutionary Studies (Bloomington: Indiana University Press, 2002), p. 78. ومع ذلك، كان جيكوس مرتابًا من وصف هذه الحماسة ب "الانتحارية."
  3. للاطلاع على شعار ديسالي، ينظر: World New the of Avengers , Dubios. وعن عبارة "يعطي أفضل ما لديه"، ينظر: J. Michael Dash, "The Theater of the Haitian Revolution and the Haitian Revolution as Theater," Small Axe , vol. 9 , no. 2 (September 2005), p. 19.
  4. Dayan, Haiti, History and the Gods , p. 4.
  5. Le Baron de Vastey, Réflexions sur une Lettre de Mazéres, ex-Colon Français, adressée à M. J. C. L. Sismonde de Sismondi sur les Noirs et les Blancs, la civilisation d’Afrique le royaume d'Hayti, etc (Cap-Henry: Chez P. Roux, 1816), p. 22.

التاريخ العظمية) إلى وجه ملاك (مخلِّص التاريخ)، فإنّه على الأرجح يطلق الجحيم الإنسانية. إنّ الخيال، الذي يرمي إلى جعل العالم لائقًا، يستخلص قيمةً من العنف ضد العنيف. وإذا ما توقف النقد المتنور عند هذا الحد، تمتَرس خلف حاجز تفرضه الذات على نفسها فيهزمها، حاجز يجب تفكيكه إذا ما أريد للإنسانية أن تتقدم إلى ما وراء حلقة الضحية والمنتقِم المتكررة. لنسلِّم أنّ حوادث الثورة الهايتية لا يمكن أن تُضمَّ إلى حكاية تحرير تاريخية على الطريقة الهيغلية أو الماركسية أو الإسلامية أو ما سوى ذلك. وفي الحقيقة، إذا ما نُظر إلى الأمر من غمرات تمرد العبيد، فلن تنبثق سردية تاريخية واضحة أيًا كان نوعها. "إنّ الصراع الإثني بين العبيد لم يختف خلال الثورة"72، والمتمردون لم يكونوا كتلً صوانيةً مطلقًا. فلقد تحولت الولاءات على وَفق الدعم الذي تلتمسه الجماعات المتحاربة من البريطانيين أو الإسبان، أو الجمهورية الفرنسية، أو الملكية الفرنسية طوال عقود الصراع الطويلة الذي وُصف وصفًا ملائمًا بأنه "حرب داخل الحرب"73؛ فلقد تقاتل قادة العبيد فيما بينهم، وخان بعضُهم بعضًا. وسُجلَت حالاتُ ارتداد إلى سوابق أفريقية بمقايضة العبيد (مع الإسبان) مقابل السلاح74. فكان من المحال المحافظة، في مثل هذه الظروف، على الثقة الشخصية. والإغراء بحل هذه المشكلة العويصة75 باللجوء إلى التجريد السياسي- برؤية جميع البيض (أو جميع السود) أعداء - كان يمكن أن يكون ساحقًا. لقد خبرت الثورة الهايتية جميع الرِّيَب الوجودية والالتباسات الأخلاقية لصراع من أجل الحرية في ظل شروط حرب أهلية واحتلال أجنبي76. كلما ضيقنا من رؤيتنا الفاعلين التاريخيين يؤدون أدوارًا متسقةً على مسرح التاريخ، غدا الوصول إلى مآزقهم الإنسانية أشمل كلّيةً. ولعل الهجوم الذي يصيب الإمبريالية بمقتل هو إعلان الولاء لفكرة إنسانية كلّية عبَر رفض ادعاء أي جماعة سياسية، أو دينية، أو إثنية، أو طبقية، أو حضارية بأنّها المجسِّد لهذه الفكرة بوصفها المالكةَ لها حصريًا وإقصائيًا. وما الاعتقاد بشرعية استيلاء مثل هذا إلّ جنون سياسي. إن روح Loa الحرية - ما يسميه سي أل آر جيمس "روح الشيء"77 - لا يمكن أن تُكبَّل وتُجرَّ بوصفها غنيمة حرب، أو أن تُشترى من مُزايد يدفع أعلى الأثمان. لقد وُصف الدستور الهايتي لعام 1804، الذي أعلنَ أنّ جميع المواطنين "سودٌ" بصرف النظر عن لونهم وعِرقهم، بأنّه "مبادرة جريئة وآسرة أيديولوجيًا"78، أما أن يكون آسرًا فذاك قول حق، ولكنه إشكالي أيضًا. كان الدستور يتخيل وحدةً غير موجودة، وذلك ما أظهره اغتيال ديسالي في عام 1806 من طرف عصبة من المواطنين الهايتيين الجدد، وكانت النتيجة أن تشاطر البلدَ نظامان سياسيان: مملكة هنري كريستوف في الشمال وجمهورية بيتيو Pétion في الجنوب (وكلا القائدين لبس بُردة الثورة)79. علاوة على ذلك، أدت

  1. Geggus, "The Bois Caïman Ceremony," p. 51.
  2. Trouillot, p. 40.
  3. Fouchard, p. 347.
  4. الترجمة الحرفية للجملة: "قطع عقدة غورديان knot Gordian "، تعبير يُستعمل في مسألة يحتاج حلها إلى عمل جريء جرأة الإسكندر الأكبر الذي حلّ بسيفه عقدة حبل عربة رُبطت بإحكام إلى عمود معبد غورديان. (المترجم)
  5. والقول إنّ شروطًا مشابهة من "حرب داخل الحرب" ظهرت في العراق نتيجة الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 هو قول سليم.
  6. James, The Black Jacobins, p. 391.
  7. Hilary McD Beckles, "'Unnatural and Dangerous Independence': The Haitian Revolution and the Political Sociology of Caribbean Slavery," Journal of Caribbean Studies , vol. 25 , no. 1 (January 1991), p. 164.
  8. لتجنب مصير ديسالي، انتحر كريستوف (الملك هنري الأول) في غمار الثورة. ولغرض الاطلاع على تأويل دقيق يرفض رؤية عهد كريستوف "مجرد محاكاة" للملكيات الأوروبية، ينظر: 69  -  40. pp , Trouillot.

هوية هايتي السوداء بوصفها أيديولوجيا دورَ أسطورة قومية كانت في حالة توتر مع فكرة الانعتاق الكلي التي من أجلها قامت الثورة80. إنّ بارون دو فاستيه، مستشار كريستوف والناطق باسمه، ردد صدى كلمات روبرت ويدربورن وتوماس بين حينما أعلن: "أنّ القضية التي أدافع عنها تخص الإنسانية بأسرها. نحن، البيض والصفر والسود، إخوة"81. ومع ذلك، فعندما أنتج هو وآخرون خطابًا عن هايتي بوصفها أمة ترتقي إلى مصاف الأمم الأوروبية، جرى تحويل المشروع الانعتاقي الأصلي، الذي كانت فيه "الحدود القومية تؤدي دورًا ضعيفًا" إلى نزعة إقليمية تكون الأولوية فيها للمصلحة القومية واحترام الحدود القومية"82. رأى الهايتيون أنفسَهم "رمزًا لكرامة الأَسوَد وقوته" بمفردات كانت "إثنيةً قوميةً لا شيةَ فيها"83. وعَبْ تعريف هايتي بمقابلتها بعدو، وعبر المجادلة ضمن سياق الحضارة الغربية بأنّ "السود، كما البيض، رجال "84 قادرون على تأسيس "أمّة متحضرة على وَفق المعايير الأوروبية"85 مكتملة من حيث البسالة العسكرية (الذكورية)، والتجارة (التصدير والاستيراد)، والزراعة (المَزارع)، وقصر ملكي بارز (شيده العمل "الحر" القسري)، أقول عبر هذا كله غيَّب الهايتيون عن الأنظار إسهامَهم في قضية الإنسانية الكلّية التي انبثقت من هذا الحدث86؛ ذلك لأنّ تخيل هايتي سياسيًا أرضًا حرةً، ومأوى آمنًا للجميع، كان واسعًا جدًا بالنسبة إلى سياسة ذات منزع دولتي politics Statist. فهذا التوسيع الجديد والبعيد المدى لكل من الحرية والمواطنة إلى ما وراء العِرق وما وراء القومية لا يصلح لسياسة تذهب مذهب الهوية القومية87.

  1. لذلك، فعلى الرغم من أنّ "جميع السود والملونين تقريبًا شايعوا حقيقة أنهم ينتمون إلى عرق أسود أو أفريقي"، وكانوا في الحقيقة يتفاخرون بهويتهم الع رقية هذه أساسًا لمطلبهم بالاستقلال، فإن السياسة في هايتي كانت منذ البداية "منكبةً على نحو واسع على الصراع من أجل السلطة من قبل نخبتين، تميزتا باللون [...] تطورتا من تمييزات 'طبقية' في مستعمرة سان دومينيك"، ينظر: 7 , 2  -  1. pp , Nicholls. وينظر نقد فاشارد القاسي لعنصرية أمته في كتابه: 358. p , Maroons Haitian The.
  2. Vastey, Rélexions, p. 112. كان دو فاستي هو الذي رد بغضب على المناقشة الفرنسية، خلال الثورة، التي ذهبت إلى التفكير في اجتثاث فكرة الحرية من سان دومينيك من خلال إبادة جميع السود الموجودين، وجلب سود جدد محلهم لا يحملون ذاكرة تمرد: "إلهي العظيم! أي نور وأي أصوات يمكنها تحضير الرجل وتنويره من دون استرقاقه". (السطر المُقتبس الأخير ترجمه عن الفرنسية المترجم البشير عبد السلام).
  3. Sibylle Fischer, Modernity Disavowed: Haiti and the Cultures of Slaves in The Age of Revolution (Durham: Duke University Press, 2004), p. 259. يصف نيكولس، في تعليقه على صحف تلك السنوات، الموقف "المتضارب نوعًا ما" الذي عبرت عنه هذه الصحف تجاه أفريقيا. "وبينما رفضوا بحماسة شديدة أي فكرة عن وضاعة متأصلة في الأفارقة، سلموا غالبًا أنّ أفريقيا قارة بربرية وأنّ الحضارة الوحيدة التي تستحق أن توصف بهذا الاسم في أيامهم كانت الحضارة الأوروبية. ويكتب الملك هنري [كريستوف] إلى [البريطاني توماس كلاركسون المُطالِب بإلغاء العبودية] 'نحن ندرك طبيعة الجهود التي يتعيّن علينا في الحقيقة بذلها من أجل تحقيق أملَِك في أن نكون يومًا قادرين على الارتقاء بأفريقيا إلى مصاف الحضارة الأوروبية'". ينظر: 43  -  42. pp , Nicholls.
  4. Ibid., pp. 3 , 41. يميز نيكولس بين القرن التاسع عشر، حينما كان المثقفون الهايتيون، سواء أكانوا خلاسيين أم سودًا، قد "شايعوا فكرة أنّ على هايتي أن تحتذي، فيما يتعلق بالمسائل الثقافية، النموذج الحضاري الأوروبي"، ينظر: 11. p., Ibid، وبين القرن العشرين، حينما قادت أفكار الزنوجة Negritude إلى التشكيك الكامل في أهمية النموذج الأوروبي لهم، وانتصرت للهوية الأفريقية هويةً مختلفةً ومتميزةً.
  5. يُستشهد بكريستوف في: 42. p , Nicholls. وتكلم كريستوف على الاختلافات العِرقية لا باعتبارها تمايزات جوهرية، بل "نتيجة الحضارة والمعرفة". ينظر: 41. p., Ibid.
  6. Vastey, Rélexions, pp. 83  -  84.
  7. على هذا النحو كانت استجابة بيتو في عام 1817 على الشكوى بأنّ العبيد قد هربوا إلى بر هايتي من موكب شراعي بريطاني: "لقد اعتُرف بهم أنهم هايتيون من قبل المادة رقم 44 في دستور الجمهورية، من اللحظة التي وطأت فيها أقدامهم أرض هايتي، وليس من سلطاتي أن أعيدهم لكم تنفيذًا لطلبكم. لكل بلد قوانينه الخاصة [...] وهؤلاء الأشخاص بمجرد وصولهم إلى أراضينا يجب حمايتهم، ما دام القانون يوجب ذلك [...] قانون البلد الذي هم مواطنون فيه الآن"، مقتبس من: 171  -  170. pp , Beckles. لاحظ ما في تعبيرات بيتو من صديات للحجج القانونية عن العبودية التي كانت قد وُضعت في أوروبا.
  8. اتسعت الحرية في هايتي لتشمل الهنود والبولنديين، وآخرين إلى جانب السود الأفارقة. يجب أن نستنتج مع فيشر أنّ المكان المتصور لفكرة مناهضة العبودية مناهضة جذرية ليس دولة الأمة. ينظر: 274. p , Fischer. وما يؤسف له أن "التنكر لمناهضة العبودية مناهضةً جذرية صار موقفًا تأسيسيًا في الثقافات القومية الناشئة في الكاريبي" وفي الخطاب السياسي الأوروبي كذلك. ينظر:. Ibid. ولنقارن بترويلي: "جربت هايتي مبكرًا جميع محاولات بناء الأمة ما بعد الاستعمار". ينظر: 68. p , Trouillot.

إذا ما فهمنا تجربة التمزق التاريخي لحظةَ وضوح، مؤقتة بالتعريف، فلن نتعرض لخطر فقدان الإسهام التاريخي العالمي الذي قدمه عبيد سان دومينيك في فكرة نهاية علاقات العبودية، الفكرة التي تخطت فكرة عصر التنوير الأوروبي القائم، وهي في الحقيقة أبعد من أن تتحقق اليوم في ظل شروط اقتصاد عالمي موبوء بعبودية الجنس Sexslavery، وقيام جميعما يسمى الحضارات بتشغيل المهاجرين في ما يسمى العمل بالدَّين labour Bonded، وحيث أسطورة "العمل الحر" الذي سماه ماركس العمل بالأجرة - Waged labour هو واقع الملايين من أبناء الطبقة العاملة88. إنّ مناهضة العبودية جذريًا إبداعٌ إنسانيّ لا يخص أحدًا بعينه، لأنّه يخص الجميع. ومثل هذه الأفكار هي رواسب أحداث أكثر منها ملكية خاصة لجماعة معينة، وحتى إذا ما فشلت، فإنها لن تُنسى أبدًا.

6. مشروع تاريخ كلّ

إنّ هذا المقترب إلى القيم الإنسانية الكلّية، أي "التواريخ اللاتاريخية histories Unhistorical "، قد نبذه هيغل، بما في ذلك الأفعال الجماعية التي تظهر من نظام قائم في سرديات متسقة عن التقدم الغربي أو الاستمرارية الثقافية، أو الصراع الطبقي أو الحضارات المهيمنة. وفي الوقت الراهن صار لمفهوم الانحرافات التاريخية موقعٌ مركزي، فمثلً ليس العبيد الأحرار فقط قاوموا نظام توسان الجديد في "العسكرية الزراعية"، حينما طُلب منهم أن يستأنفوا العمل في المزارع كما في السابق، بل إن النساء قمن بعمل غير مسبوق إذ طالبن بأجور مساوية لأجور الرجال (بدلً من نسبة الثلثين التي كانت تعدّ في أوروبا معيارًا "متحضرًا")، وكانت حجتهن أنّ ما يقع عليهن من مهمات وساعات وظروف عمل هو نفسه الذي على الرجال. "لنقل ببساطة إنّ النساء رأين أنفسهن عاملاتٍ أفرادًا ومتساوين"، ولم يعترض الرجال89. وشعر المندوب الفرنسي إتيان بوفوغيل Poverel Étienne أنّه مضطر إلى العودة إلى أفكار أكثر بدائية عن الجندر لإقناعهم بخلاف ذلك90. إذا ما نظرنا، من جهة أولى، إلى ما شهدته التجربة الهايتية من انحرافات عمّا ألفه مسار التاريخ مما يسمى لحظات تقدمية، فإن أفعال العبودية الوحشية تظهر أنها من مألوفات التاريخ. ونحن مضطرون إلى الانتباه إلى تعليق لميترو في عام 1960 وهو "أنّ الفظاعات التي اقترفت في المزارع ربما تبدو غير قابلة للتصديق لو لم يقع الأوروبيون أنفسهم، لاحقًا، ضحايا للممارسات نفسها تحت حكم الأنظمة التوتاليتارية"91. وللسبب نفسه، ففي حين قد نشارك بسهولة سالا مولين غضبَه الأخلاقي، الذي ناقشناه في مقالة "هيغل وهايتي"، من طريقة شجب فلاسفة التنوير الأوروبيين للعبودية التياستثنت العبودية القائمة فعليًا، فإننا لا نستطيع أن ننكر أنّ غضبًا أخلاقيًا شبيهًا يجري هذه اللحظة، سوف تجده الأجيال المقبلة باعثًا على الأسى (وهذا هو أملنا الأخلاقي)، من حقيقة أنّ الجماعات السياسية تطرح نفسها نصيرةً لحقوق الإنسان وحكم القانون ثم ينكرونها على قائمة كاملة تضمُّ أعداءً يستثنونهم من هذه الحقوق، كما لو أنّ الإنسانية ذاتها كانت احتكارًا لهم: فحربهم هي الحرب العادلة، وأفعالهم الإرهابية واجب أخلاقي، وما يتسببون فيه من موت وخراب فإنما هما شرعيان بالعقل والتقدم أو المقدس.

  1. لم يحن الوقت بعد كي ننظر إلى الخلف بحثًا عن موضوعة العبودية المتحجرة [أي التي صارت جزءًا من تاريخ مضى]، لأنها ما زالت موجودة بأسماء أخرى". ينظر:. Dayan , Haiti , History and the Gods , p. 11
  2. Fick, The Making of Haiti , p. 170. يولي فِك هذا المطلب عناية، باعتباره جزءًا من فهم شامل لفكرة الحرية الإنسانية. ويقر المؤرخ الهايتي فوشارد بهذه اللحظة أيضًا حينما "أقدمت النسوة السوداوات بتهور للمطالبة بأجور مساوية لأجور الرجال"، وينتقد حقيقة أنّ "هذا المطلب النسوي التدشيني قد لاقى آذانًا نصف صاغية وضاع في متاهات اعتبارات عدم تساوي الرجال والنساء في القوة الجسدية". ينظر: 223. p , Fouchard.
  3. أيها الأفارقة، إن أردتم لنسائكم أن يستمعن لصوت العقل، فاستعموا له أنتم أنفسكم". ينظر: 171. p , Haiti of Making The , Fick.
  4. Métraux, p. 16.

إنّ التاريخ الكلي منغمس في عملية تحرير مزدوجة: تحرير الظاهرة التاريخية وتحرير خيالنا، فبتحرير الماضي نحرر أنفسنا. ويجب تهديم حدود خيالنا لَبِنَةً لَبنة، وبذلك توهَن الاشتمالية الثقافية Embeddedness Cultural التي تحدد سلفًا معنى الماضي بطرائق تجعلنا أسراه في الحاضر. فنحن موجودون خلف الحدود الثقافية التي أصبح الدفاع عنها نعمةً يسبّح بحمدها السياسيون. والكفاح من أجل تحرير الوقائع من التواريخ الجماعية المشتملة عليها إنما يكون من خلال الكشف عن مسامية حقل اجتماعي عالمي وتوسيعه حيث لا تكون التجربةُ الإنسانيةُ هجينةً إلّ بقدر ما هي إنسانية. والتحرر من الولاء الحصري للهويات الجماعية هو تحديدًا ما يجعل من التقدم في التاريخ أمرًا ممكنًا، وهذا لا يعني القول إنّ التجارة العالمية تعزز الفهم، والسلام، والكلّية (فهي مرتبطة مباشرة ببيع السلاح، وشن الحروب، وتدمير الناس الكادحين واقتلاعهم). إنما يُحتج، بدلً من ذلك، بأنّ من "المخاطر" المثيرة للخشية من التجارة البعيدة (التي استغلها الإمبرياليون وغير الإمبرياليين) الخوف من تهاوي الحافة الثقافية لعالم المرء وفهم هذا العالم لذاته. وقد يظهر هذا الخوف في يوم من الأيام طفوليًا وبدائيًا طفوليةَ التشبث بعقيدة سطحية الأرض وبدائيتها. لا شيء يجعل التاريخ أحادي المعنى إلّ القوة. ونحن لن نتوفّر مطلقًا على إجابة محددة عن مقاصد الفاعلين التاريخيين، وحتى إن تمكّنا من الحصول عليها، فإنها لن تكون حقيقة التاريخ. فالمسألة هي ليست أنّ الحقيقةَ متعددةٌ أو أنّ الحقيقةَ هي المجموعُ الكليّ لهويات جماعية ذات منظورات جزئية. الحقيقة مفردة Singular، ولكنها عملية بحث مستمرة لأنها تنبني على حاضر ذي أساس متحرك. فالتاريخ يهرب منا، ويقصد أماكن، لا نستطيع، نحن البشر، التنبؤ بها. والسياسةُ التي أقترحها للبحث العلمي هي الحيادية، ولكن ليس بمعنى الحيادية غير المتحزبة، التي يلخصها القول "إنّ الحقيقة تقع في المنتصف"، بل بالأحرى هي حيادية جذرية تصرّ على مسامية الفضاء القائم بين الجهات المتعادية، ولا جرم في أنّه فضاء خصومة ورجراج، غير أنّه مشرعٌ بما يكفي أمام فكرة الإنسانية كي تبقى في أفق كل من يتطلع إليها. ثمة مواجهة جدلية مع الماضي تقوم ما بين انتظام المعنى التاريخي وغموضه. وبتوسيع حدود خيالنا الأخلاقي، نحتاج إلى أن نرىفضاءً تاريخيًا قبل أن نستكشفه. ولا يحدث الاعتراف المتبادل بين الماضي والحاضر، الذي يستطيع تحريرنا من دائرة الضحية والجلاد المتكررة، إلّ إذا كان الماضي الذي يجب أن يُعترف به موجودًا على الخارطة التاريخية. إنه في الصورة، حتى لو لم يكن في مكانه الصحيح. وتحريره مهمة تنقيبية لا تحدث عبر الحدود القومية، بل من دونها. وأغنى مكتشفاته تقع على حافة الثقافة. فالإنسانية الكلّية لا تُرى إلّ على الحافات. وما من نهاية لهذا المشروع، بل ثمة دائمًا خطوط وصل لامتناهية. وإذا ما أُريد لهذه الخطوط الاتصال من دون هيمنة، فإنّها جميعًا ستكون جانبيةً، ومضافةً، وتوفيقية Syncretic، وليست تركيبيةً. لا يبلغ مشروع الإنسانية الكلّية نهايةً معينةً، بل هو يبدأ مرة أخرى في مكان آخر.

المراجع

References

Anglade, Pierre. Inventaire etymologique des termes créoles des Caraïbes d’origine africaine. Paris: L'Harmattan,

Arroyo, Jossianna. "Technologies: Transculturations of Race, Gender and Ethnicity in Arturo A. Schomburg's

Masonic Writings." CENTRO: Journal of the Center for Puerto Rican Studies. vol. 17 , no. 1 (Spring 2005).

Beckles, Hilary McD. "'Unnatural and Dangerous Independence': The Haitian Revolution and the Political Sociology

of Caribbean Slavery." Journal of Caribbean Studies. vol. 25 , no. 1 (January 1991)

Blumenberg, Hans. The Genesis of the Copernican World. Robert M. Wallac (trans.). Cambridge, MA: The MIT

Press, 1987.

Buck-Morss, Suzan. The Dialectics of Seeing: Walter Benjamin and the Arcades Project. Cambridge, MA/ London:

The MIT Press, 1989.

Carpentier, Alejo. Explosion in Cathedral. John Sturrock (trans.). New York: Harper & Row, 1963.

Clawson, Marry Ann. Constructing Brotherhood: Class, Gender and Fraternalism. Princeton: Princeton University

Press, 1989.

Curl, James Steven. The Art and Architecture of Freemasonry: An Introductory Study. London: B. T. Batsford, 1991.

Dash, J. Michael. "The Theater of the Haitian Revolution and the Haitian Revolution as Theater." Small Axe. vol.

9 , no. 2 (September 2005).

Dash, J. Micheal. "Le Je de l'autre." L'Esprit Créateur. vol. 47 , no. 1 (2007).

Dayan, Joan. Haiti, History and the Gods. Berkeley: University of California Press, 1955.

________. "Paul Gilroy's Slaves, Ships, and Routes: The Middle Passage as Metaphor." Research in African

Literatures. vol. 27 , no. 4 (Winter 1996).

Debien, Gabriel. Les esclaves aux Antilles francais (XVIIe-XVIIIe siècles). Gourbeyre: Société d'histoire de la

Guadeloupe; Fort de France: Société d'histoire de la Martinique, 2000.

Denslow, William R. Freemasonry and the American Indian. St. Louis: Missouri Lodge of Research, 1956.

Diouf, Sylviane A. Servants of Allah: African Muslims Enslaved in the Americas. New York: New York University

Press, 1998.

Dubois, Laurent. Avengers of the New World: The Story of the Haitian Revolution. Cambridge, MA: Harvard

University Press, 2004.

Fick, Carolyn E. "The Saint Dominique Slave Insurrection of 1791." Journal of Caribbean History. vol. 25 , no. 1  -  2

_______. The Making of Haiti: The Saint Domingue Revolution from Below. Knoxville: University of Tennessee

Press, 1990.

Fischer, Sibylle. Modernity Disavowed: Haiti and the Cultures of Slaves in The Age of Revolution. Durham: Duke

University Press, 2004.

Fouchard, Jean. The Haitian Maroons: Liberty or Death. Faulkner Watts (trans.). New York: Edward W. Blyden

Press, 1981.

Geggus, David Patrick. "The Bois Caïman Ceremony." Journal of Caribbean History. vol. 25 , no. 1  -  2 (1991).

________. Haitian Revolutionary Studies. Bloomington: Indiana University Press, 2002.

Genovese, Eugene D. Rebellion to Revolution Afro-American Slave Revolts and the Making of the Modern World.

Baton Rouge: Louisiana State University Press, 1979.

Gomez, Michael A. Black Crescent: The Experience and Legacy of African Muslims in the Americas. New York:

Cambridge University Press, 2005.

Habermas, Jürgen. Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society.

Thomas Burger (trans.). Cambridge, MA: The MIT Press, 1989.

Herskovits, Melville J. Dahomey, an Ancient West African Kingdom. New York: J. J. Augustin, Publisher, 1938.

James, C. L. R. The Black Jacobins: Toussaint L'Ouverture and the San Domingo Revolution. New York: Vintage

Books, 1963.

Janzen, John M. Lemba , 1655  -  1930: A Drum of Affliction in Africa and the New World. New York: Garland Publishing,

Kant, Immanuel. Critique of Practical Reason. Werner S. Pluhar (trans). Indianapolis/ Cambridge: Hackett

Publishing Company, Inc., 2002.

Landon, H. C. Robbins. Mozart and the Masons: New Light on the Lodge of “Crowned Hope”. London: Thames

& Hudson, 1982.

Linebaugh, Peter &Marcus Rediker. Many-Headed Hydra: Sailors, Slaves, Commoners, and the Hidden History of

Revolutionary Atlantic. Boston: Beacon Press, 2000.

Lipson, Dorothy Ann. Freemasonry in Federalist Connecticut. Princeton: Princeton University Press, 1977.

Matory, J. Lorand. "The English Professors of Brazil: On the Diasporic Roots of the Yorùbà Nation." Society for

Comparative Study of Society and History. vol. 41 , no. 1 (January 1999).

Métraux, Alfred. Voodoo in Haiti. Hugo Charteris (trans.). New York: Oxford University Press, 1959.

Nicholls, David. From Dessalines to Duvalier: Race, Colour and National Independence in Haiti. Cambridge:

Cambridge University Press, 1979.

Palmié, Stephan. Wizards and Scientists: Explorations in Afro-Cuban Modernity and Tradition. Durham/ London:

Duke University Press, 2002

Réis, João José. Slave Rebellion in Brazil: The 1835 Muslim Uprising in Bahia. Arthur Brakel (trans.). Baltimore:

The Johns Hopkins University Press, 1995.

Sobel, Dava. Longitude: The Story of a Lone Genius Who Solved the Greatest Scientific Problem of His Time. New

York: Penguin Books, 1995.

Thompson, Robert Farris. Flash of the Spirit: African and Afro-American Art and Philosophy. New York: Vintage

Books, 1984.

Thornton, John K. "African Soldiers in the Haitian Revolution." Journal of Caribbean History. vol. 25 , no. 1  -  2

Thornton, John K. "'I am the Subject of the King of Congo': African Political Ideology and the Haitian Revolution."

Journal of World History. vol. 4 , no. 2 (Fall 1993).

Trouillot, Michel-Rolph. Silencing the Past: Power and the Production of History. Boston: Beacon Press, 1995.

Vastey, Le Baron de. Réflexions sur une Lettre de Mazéres, ex-Colon Français, adressée à M. J. C. L. Sismonde

de Sismondi sur les Noirs et les Blancs, la civilisation d’Afrique le royaume d'Hayti, etc. Cap-Henry: Chez

P. Roux, 1816.