Return to Article Details Book review of Introducing and Briefing Some of What Needs to Be Done on the Hijaz Road

قراءة في كتاب

Book review of Introducing and Briefing Some of What Needs to Be Done on the Hijaz Road

مصطفى الغاشي

الملخّص

المؤلف: أبو سالم العياشي. عنوان الكتاب: التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز. تحقيق: حسن حافظي علوي. الناشر: الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 161 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
  • الحجاز
  • بو سالم العياشي
  • الرحلات
  • تاريخ العصر الوسيط
Keywords:
  • Abu Salim al-Ayyashi
  • Hijaz
  • Travel literature
  • Medieval History
DOI: https://doi.org/10.31430/LNSG5318: الرقم التعريفي
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد الملك السعدي، تطوان - المغرب.
*
Professor of Modern and Contemporary History Faculty of Arts and Humanities Abdelmalek Essaâdi University Tetouan
المؤلف: أبو سالم العياشي.
تحقيق: حسن حافظي علوي.
عنوان الكتاب: التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز.
الناشر: الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر.
سنة النشر: 2021.
عدد الصفحات: 161 صفحة.
قراءة في كتاب التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة
إليه في طريق الحجاز
Book review of Introducing and Briefing Some of
What Needs to Be Done on the Hijaz Road
مصطفى الغاشي | Ghachi el *Mustapha
مصطفى الغاشي | Ghachi el *Mustapha
قراءة في كتاب التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة
إليه في طريق الحجاز
Book review of Introducing and Briefing Some of
What Needs to Be Done on the Hijaz Road
المؤلف: أبو سالم العياشي.
تحقيق: حسن حافظي علوي.
عنوان الكتاب: التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز.
الناشر: الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر.
سنة النشر: 2021.
عدد الصفحات: 161 صفحة.

مقدمة

صدر، عام 2021، عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط، كتاب التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز، المعروف عمومًا ب  الرحلة الصغرىلأبي سالم العياشي (1628  -  1679)، حققه وقدم له حسن حافظي علوي، الأستاذ بشعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وقد تعرفت إلى هذا النص في صيغته المخطوطة منذ سنوات1، وقرأته محققًا؛ إذ جرى تحقيقه مرتين من باحثين مختلفين: المرة الأولى من إنجاز سعيد واحيحي، بالعنوان نفسه التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز، صدر ضمن منشورات مجلة أمل للتاريخ والثقافة والمجتمع، عام 2018، وقدم له الأستاذ محمد معروف الدفالي. أما المرة الثانية، فكانت من إنجاز الباحث الجزائري عبد الله حمادي الأندلسي، المشتغل بالعلوم الشرعية، بعنوان رحلة العياشي الحجية الصغرى، الموسومة بتعداد المنازل الحجازية أو التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز 1064 ه/ 1644 م، عن دار الكتب العلمية في بيروت، عام 2013. وعلى الرغم من التداول الكبير للكتاب وتحقيقه مرتين، فإنني وجدت جدّة في تحقيق الأستاذ علوي له. وتقف وراء هذه الجدّة اعتبارات عديدة، نذكر منها: خبرته في مجال التحقيق، وخصوصًا أنه ابن مدرسة مغربية في هذا المجال. وقد سبق له أن عمل على نصوص غميسة زاوجت بين الفقه والتاريخ وأخرجها في حلل علمية جادة. قراءته المتأنية للنص المخطوط، وعدم إغفال العلاقة بنص ماء الموائد، وهو الرحلة الكبرى لأبي سالم العياشي، فوجدناه يربط بين المتنين. اطلاعه على التحقيقات السابقة ل الرحلة، والعمل على تجاوز عدد من هفواتها العلمية والسياقية. ӵ اعتماده على أكثر من نسخة في التحقيق. دراسته الوافية لأبي سالم العياشي دراسة ثقافية، وكذا النص المحقق. والملاحظ، أن المحقق لم يضع لتحقيقه مقدمة عادية من قبيل ما يعمل به جل المحققين، بل جعل من التعريف بأبي سالم العياشي مدخلً أساسيًا لتحقيقه.

أبو سالم العيايش: تكوين من خلال الرحلة

في القسم المتعلق بالدراسة، قدّم المحقق ترجمة ثقافية وافية ودقيقة ومفصلة عن أبي سالم العياشي (ص. 7)، فإضافة إلى التفصيل في انتمائه الاجتماعي (زاوية آيت عياش الواقعة بجبل العياشي)، ومن أسرة شريفة تتصل بالأشراف الأدارسة كانت لها مكانة اجتماعية كبيرة في الجنوب المغربي، عُرف هو أيضًا بالاحترام والوقار وقول الحق. ثم قدّم المحقق دراسة وافية عن انتمائه العلمي والثقافي؛ فقد تلقى تكوينًا في المغرب على يد شيوخ كبار، بدءًا بشيخ زاوية آيت عياش (والده وأخوه)، ثم انتقل إلى مدينة فاس، فأخذ عن كبار علمائها، ومن بينهم: عبد القادر بن علي الفاسي (1599  -  1680)، وحمدون الأبار (ت. 1661)، ومحمد بن أحمد ميارة

  1. تعرفت إلى هذا النص حينما كنت أحضّر دكتوراه الدولة في التاريخ مطلع الألفية الثالثة، ينظر: مصطفى الغاشي، الرحلة المغربية والشرق العثماني: محاولة في بناء الصورة (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2016)، ص 15  -  159، 276  -  279. 2  قدم المحقق لائحة طويلة اشتملت على مصادر عن ترجمة أبي سالم العياشي.

(1591  -  1662)، وأبو القاسم بن سودة (ت. 1595)، وعبد الرحمن بن القادر الفاسي (1631  -  1685)، وأبو بكر بن يوسف السكتاني (ت. 1652)... إلخ، آخذًا عنهم التفسير والحديث والفقه والنحو والتصوف والبيان. وبعد هذا التحصيل المرتبط بعلم أصول الفقه، جعل العياشي من الرحلة إلى المشرق آلية لمزيد من التكوين والتحصيل (الرحلة الثانية عام 1654)، ثم (الرحلة الثالثة عام 1659)، حيث أخذ عن شيخ المالكية علي بن محمد الأجهوري (1560  -  1656)، وأبي إسحاق إبراهيم الميموني (1583  -  1669) كل ما يتصل ب صحيح البخاري، وأحمد الخفاجي أفندي (ت. 1659) إمام الحنفية، وعبد القادر بن جلال الدين المحلي الصديقي (ت. 1654) خطيب الأزهر، وأيضًا الشريف بدر الدين بن محمد، شيخ الطريقة القادسية بالقاهرة، وغيرهم. وفي بلاد الحجاز والحرمين (مكة والمدينة)، أخذ العياشي عن كبار علمائها، مثل أبي مهدي عيسى بن محمد الجعفري الثعالبي (1611  -  1671)، ومحمد بن علاء الدين البابلي المصري (1591  -  1666)، وزين العابدين بن محمد البكري، وزين العابدين عبد القادر بن محمد الحسني الطبري، وعلي بن محمد الديبع الشيباني اليمني الزبيدي، وغيرهم. وفي المدينة المنورة، أخذ عن الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري الشافعي (1627  -  1672)، والشيخ صفي الدين أحمد بن محمد بن يونس (1583  -  1661) المعروف بالقشاشي، والشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن بن علي بن موسى بن خضر الشافعي المدني.(ت 1672 م)، وغيرهم. كما تتلمذ على شيوخ في فلسطين والمسجد الأقصى، أخذ عنهم التصوف والحديث والفقه والسيرة والقراءات وعلم الكلام... إلخ. وقد كان لأخذه عن كل هؤلاء المشايخ بالغ الأثر في تكوين شخصيته وتنوع معارفه، وأسهمت رحلاته العلمية كذلك "بنصيب مهم في توسيع مداركه وصقل موهبته وإلمامه بثقافة عصره" (ص. 38). وتعكس مؤلفاته العديدة علوّ كعبه وتفوقه العلمي في عصره. فإضافة إلى الرحلة المشهورة ماء الموائد، ترك العياشي مؤلفات غزيرة نذكر منها: تنبيه أهل الهمم العالية على الإعراض عن الدنيا الفانية؛ واقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر؛ ونظم أصول الطريقة الزروقية؛ والتعريف والإيجاز... إلخ (ص 39  -  42). لقد مكّننا المحقق من خلال هذا الحفر في سيرة المؤلف، وهو حفر شبيه بما قام به كبار المستشرقين في سير بعض الأعلام، من الوقوف على الشبكات العلمية التي بناها المؤلف، والتي تبيّ سعة علمه في مختلف أصناف المعرفة العلمية؛ ما يجعل منه سلطة علمية في المغرب، بالنظر إلى ما تركه من مصنفات ذات أهمية في مختلف الحقول.

الكتاب المحقق: رحلة أو دليل؟

على الرغم من تصنيف هذا الكتاب ضمن كتب الرحلات، فإنه ليس رحلة بالمعنى الدقيق للكلمة على المستوى الأدبي والجغرافي؛ فهو تأليف عن الرحلة بما تتطلبه من خبرة طويلة وتجربة كبيرة وتراكم في مجال الترحال نحو الحجاز، ودليل مفصل لكل ما يتعلق بالطريق إلى الحج والاستعداد له، وما يحتاج إليه المرتحل من مؤونة صالحة للاستعمال أو التجارة والمقايضة، ومعرفة دقيقة بمراحل الطريق... إلخ، فجاءت على شكل إفادة؛ خاصة لأنها موجهة إلى صديق يعتزم الرحلة إلى الحج، وعامة لأنها تحولت إلى دليل لكل من يريد الحج قديمًا. وبذلك اعتمد الرحالة السابقون على خبرة العياشي وتجربته في السفر، حتى إنهم كتبوا على منواله ولُقّب ب "شيخ الرحالة". وفي هذا الصدد، اعتبر المحقق أن "الكتاب ليس رحلة بالمعنى الصحيح للكلمة، بل رسالة مطولة كتبها أبو سالم العياشي لصديقه أبي العباس أحمد المگيلدي يطلعه فيها على كل ما يحتاج إليه في الطريق إلى الحجاز" (ص. 51).

إشكالية العنوان أو تعدد العناوين

اشتهر هذا النص عند عموم الباحثين المغاربة ب الرحلة الصغرى،  علمًا أنها ليست رحلة بالمعنى الدقيق للكلمة كما سلف الذكر، وعرفت أيضًا ب  تعداد المنازل، والتعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز. وعلى الرغم من الدلالات المهمة التي يحملها العنوانان الأول والثاني، فإن العنوان الأخير يعكس نوعًا من التطابق من حيث الشكل أو المضمون، "لتعبيره بصدق عن مضمونها وانسجامه تمام الانسجام مع شرط تأليفها"، كما أورد العياشي نفسه ذلك في مقدمتها، "وودنا إذا فات المقصود الأهم من المرافقة [...] أن نعرفكم ببعض ما تحتاج إليه من مهمات الطريق، واختلاف أحوالها، وما تستعين به لكل موضع وما تتلقى به شدائدها، وتستشفي به من أدوائها [...] وإني أرى من حق المحبة ورحم الأخوة [...] ألا أخليك من تعريف بعض ما تدعو الحاجة إليه" (ص. 86).

الطريق والزاد والتجارة: مضامين النص

في سياق التعريف بهذا النص/ الرسالة من حيث المضمون، خلص المحقق معتمدًا على ما راكمه محمد المنوني من معرفة تاريخية، فاعتبر أن هذا الصنف من التأليف في الرحلة يدخل ضمن صنف "يصف السبل والمسالك والمنازل والمدن التي يمر منها ركب الحاج في الذهاب والإياب، ويعرف بمشاهير المغاربة المغتربين بكل بلاد المغارب ومصر والحرمين الشريفين، ويلمح إلى الصلات الثقافية التي كانت تجمع بين الراحلين وأعلام الجهات التي يمرون بها، ويشتمل على إشارات مفيدة حول النظام المعتمد في تنقل واستراحة ركب الحاج، والعادات المتبعة به في الحل والترحال، والهدايا التي كان يحملها أمير الركب للكعبة المكرمة والحرمين الشريفين" (ص. 46). ومما لا شك فيه أن هذه الرسالة، نظرًا إلى سياقها الزمني، تكتسي أهمية بالغة من حيث إنها "دليل يصف كل ما يحتاج إليه الحاج في رحلته، وما يتعين عليه القيام به من مبادرات واتخاذه من إجراءات لتذليل صعوبات التنقل" (ص. 50)؛ فهي "جرد لعدد من المراحل وأسماء المنازل التي كان يعبرها ركب الحاج، ونقط الماء ومواضع الآبار، وأماكن تزود الحجاج بالميرة والعلف للدواب، والسلع التي يتاجرون فيها، وأماكن بيع الدواب المنهكة وشراء بدائل لها، وأماكن الحرابة والمشاكل الأمنية، والمزارات والمراكز الفكرية، فضلً عن الخلافات التي قد تقع بين الحجاج أثناء الرحلة" (ص. 51). والملاحظ، على نحو لافت، أن الرحلة الصغرىدليل تجاري للمرتحل من خلال تشديدها على المعاملات التجارية طوال الطريق إلى الحج، فهي ترصد بدقة أنواع السلع التي كان يتزود بها الحجاج للاتجار بها في مناطق أخرى، أو المقايضة، ومن ذلك الجلود التي اشتهر بها الجنوب المغربي، إضافة إلى التوابل والملح والقرنفل والكحل والسواك والزعفران والجاوي والأمشاط والإبر... إلخ. كما يحدد المناطق التي يجب التزود فيها ببعض المواد الضرورية، كالألبسة والأغذية، لضرورتها القصوى في الطريق (جربة وطرابلس وبرقة وتوزر... إلخ، ومنها السمن والزيت والزبيب واللحم المجفف والأرز والشعرية والخل والبصل والحوامض والقمح... إلخ). والواضح أن الوصول إلى هذه البلاد يكون الحاج فيها في حاجة إلى التزود بالمؤونة بعد المسافة الطويلة التي قطعها الركْب منذ خروجه من المغرب، ليكون مستعدًا للمرحلة المقبلة التي ستوصله إلى مصر (الإسكندرية، ثم القاهرة، ثم الحجاز)، وهي المرحلة الصعبة التي قيل فيها: "الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود" (ص. 61) لصعوبة الطريق. وتعتبر القاهرة، بحسب معلومات العياشي وخبرته، محطة أساسية أيضًا للتزود استعدادًا للطريق من خلال التأكيد على مواد معينة، ومنها العلف والخل والسكر والدواء والكتب والقمصان... إلخ.

ويولي العياشي الدوابَّ عنايةً كبيرة، خاصة الإبل والبغال، من خلال التوصية بشراء العلف لها (في فكيك، والأغواط وبسكرة وتوزر وغيرها). ويشدد على أن الإبل من العناصر الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها، سواء للسفر أو التجارة، خاصة بين طرابلس وبسكرة، نظرًا إلى صلابتها وصحتها، على أن يتم بيعها حين الدخول إلى مصر، مع تحذيره في المعاملة مع بعض المصريين الذين يستغلون موسم حلول ركب الحاج فيحتالون على الحجاج: "وقد يأتيكم الفلاحون إذا قربتم من مصر، يتلقونكم ويطلبون الأصحاب لتودعوا عندهم الأجمال، فلا تدعوا عند أحد شيئًا، فإن الوقت ليس بوقت الإيداع، وإنما ذلك في وقت البرسيم، فما فضل عن حاجتكم من الإبل فبيعوه ناجزًا، وإن أردتم الكراء، فبيعوا الجميع" (ص. 62). وبخبرته المعهودة، أولى العياشي مسألة النقود اهتمامًا خاصًا؛ وذلك لاختلاف النقد باختلاف البلدان، فينصح صاحبه بالتخلص من الدراهم المتداولة في شرق المغرب والاعتماد على الريال المقبول في كل بلدة. ويعتبر التبر (الذهب والفضة) من المواد الأساسية للاتجار بها في الطريق. ويقف الرحالة عند بعض المشكلات الأمنية التي يعانيها عابرو الطريق إلى الحج من قطّاع الطرق والمحاربين، فيحذر صاحبه من ظاهرة السرقة التي يمكن التعرض لها في الطريق (بوسمغون، وبرقة)، كما يؤكد على ضرورة التناوب في الحراسة واعتماد الأسلحة والبارود، "واتخذ لنفسك مدافع، فإنها في الطريق هيبة وأي هيبة، فاستكثر منها جهدك، وأمر من يستمع لك بذلك، فإنها نعم السلاح لمن هو في تلك الطريق" (ص. 64). وللتغلب على مصاعب الطريق، يوصي العياشي أيضًا بالاعتماد على دعائم نفسية وروحية، ومنها المواظبة على قراءة الأوراد والأدعية والتعويذات والتحصينات (وظيفة الشيخ زروق، وأحزاب أبي الحسن الشاذلي)، إضافة إلى التبرك بنعال النبي صلى الله عليه وسلم، والإكثار من أدعية التبرك والاستشفاء... إلخ. ويبدو من نصائح العياشي لصديقه أن المنطقة التي يقطعها ركب الحاج كانت تعيش أوضاعًا خاصة، فعلى الرغم من الاستقرار الذي كانت تعرفه مع بداية الدولة العلوية، فإن التنقل بين بلدان المغارب لم يكن سهلً، فلذلك وجب الاستعداد بما تقتضيه الرحلة، ومن ذلك الخبرة في اتجاه المسالك، والمعرفة بأهوال التنقل. وقد خلق ركب الحاج، وإن كانت غايته الحج، رواجًا تجاريًا بين البلدان على طريق الركب، ولربما ساعد هذا إلى حد بعيد في نجاح عملية التنقل من المغرب الأقصى في اتجاه الحجاز. وقد جعل تركيز المحقق على هذه التفاصيل من هذا النص مصدرًا مهمًا، من حيث كونه مدونة تاريخية تتضمن معطيات تاريخية قد لا تسعفنا بها المصادر الأخرى. ومن هنا، يبدو المجهود الكبير الذي بذله المحقق في استثمار النص ومضامينه في سياقه التاريخي التفاعلي، وهو ما يعكس جودة التحقيق لدى نخبة المحققين بالمدرسة التاريخية بالجامعة المغربية.

النص ومنهجية التحقيق

لقد عمل المحقق على إخراج هذه الرحلة بصيغة هي الأقرب إلى الصيغة التي وضعها المؤلف، ولتحقيق ذلك اعتمد في منهجية التحقيق على ست نُسخ موزعة بين المكتبة الوطنية بالرباط (أربع نُسخ)، وواحدة بالخزانة الحسنية، وأخرى بمكتبة علال الفاسي. وقد عرّف بها تعريفًا مفصلً مكنته من إجراء المقابلات على النسخة الأم (نسخة المكتبة الوطنية تحت رقم ك 43)، لإثبات الفروق بين النُسخ، مع ما رافق ذلك من وضع التعريفات والهوامش، بالاعتماد على ما ورد في رحلة ماء الموائد أساسًا. أضف إلى ذلك وضعه الفهارس ولائحة المصادر والمراجع المعتمدة في التحقيق والدراسة، بما يفيد القارئ والباحث. وقد ساعدت هذه العملية الفنية المحقق في قراءة النص قراءة صحيحة وضبط المتن ضبطًا دقيقًا، معتمدًا في ذلك على معرفته وخبرته بوصفه مؤرخًا تجوّل طويلً بين النصوص التاريخية، وأفاد منها الشيء الكثير؛ ما يعكس وقوفه على أهمية النص (الرحلة/ الرسالة) من خلال التأكيد عليه بوصفه مدونة تاريخية

تتصدر المصادر التاريخية، بما تقدمه من معطيات اجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية خلال الفترة التاريخية المدروسة: "شددنا على أهمية هذه الرسالة في الإشارة إلى بعض ما يتخذه الحجاج من تدابير وإجراءات من أجل ضمان السلامة في النفس والمال، وما كانوا يقومون به من أنشطة تجارية لتمويل رحلتهم، مع التعريف بالسلع التي كانوا يتزودون بها، وبيان مختلف الاستعمالات المرتبطة بها، بغية تأكيد الأهمية البالغة التي تكتسيها هذه الرسالة في تسليط مزيد من الضوء على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لبلاد المغارب في القرن الحادي عشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد" (ص. 73).

خاتمة

لا شك في أن هذا النص المحقَّق بالمجهود الكبير الذي بذله المحقِّق حسن حافظي علوي يوفر لنا مصدرًا تاريخيًا غنيًا بالمعطيات التاريخية الاجتماعية والاقتصادية؛ ما يسهل على الباحثين في التاريخ المغربي الحديث العودة إليه واعتماده في دراساتهم وأبحاثهم، وخصوصًا أن التدقيقات والشروح التي قدّمها المحقق، من حيث كونه مؤرخًا، تزيد من قيمة النص وأهميته بعد التحقيق.

المراجع

References

الغاشي، مصطفى. الرحلة المغربية والشرق العثماني: محاولة في بناء الصورة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2016.