ترجمة ودراسة لأربع رسائل باللغة العثمانية بشأن الحصار الفرنسي للسواحل الجزائرية سنة 1827
Translation and Study of Four Letters in the Ottoman Language on the French Siege of the Algerian Coast in 1827
الملخّص
يُعدّ الحصار الذي ضربته القوات الفرنسية على مدينة الجزائر إحدى المراحل المهمة في تاريخ الجزائر والمنطقة كلها؛ إذ تجاوزت تعقيداته وانعكاساته، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ثنائية الجزائر وفرنسا إلى أطراف أخرى مُتعددة، لعل أهمها الدولة العثمانية، لاعتبارات عدة منها تبعية إيالة الجزائر للدولة العثمانية. وقد حملت هذه التبعية في طياتها تساؤلات حول مدى تفاعل الدولة العثمانية مع مسألة الحصار الفرنسي للسواحل الجزائرية، وأضحى هذا التساؤل بمنزلة فخ يجعل كل طرف يحاول تبرير موقفه. تحاول هذه الدراسة، من خلال ترجمة أربع رسائل ضمن الأرشيف العثماني، من اللغة العثمانية (التركية القديمة) إلى اللغة العربية، الاطلاع على ردود الفعل العثمانية بعيدًا عن الأحكام القطعية الجاهزة.
Abstract
The siege by French forces of Algiers is one of the important stages in the history of Algeria and the entire region. Its complexities and repercussions, by virtue of geography and history, transcended Algeria and France to spill over into many other parties, perhaps the most important of which was the Ottoman Empire, due to several considerations, including Algeria’s subordination to the Ottoman Empire. This dependency led to questions about the extent of the interaction of the Ottoman Empire with the issue of the French blockade of the Algerian coasts, and this question trapped each party into attempting to justify its position. By translating four letters within the Ottoman archive, from Ottoman Turkish into Arabic, this study seeks out Ottoman reactions away from ready-made peremptory judgements.
- الجزائر
- فرنسا
- الدولة العثمانية
- حسين باشا
- خليل أفندي
- Algeria
- The Ottoman Empire
- France
- Khalil Affendi
- Hussein Basha
| 2020 02 19 | 2020 02 19 2021 07 25 2021 08 09 DOI: https://doi.org/10.31430/AXPD9059: الرقم التعريفي باحث في قسم التاريخ العثمني في جامعة إسطنبول 1453، إسطنبول. * Researcher in the Department of Ottoman History at Istanbul University 1453, Istanbul. Kheireddine.saidi@ogr.iu.edu.tr خير الدين سعيدي | Saidi *Kheireddine يُعدّ الحصار الذي ضربته القوات الفرنسية على مدينة الجزائر إحدى المراحل المهمة في تاريخ الجزائر والمنطقة كلها؛ إذ تجاوزت تعقيداته وانعكاساته، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ثنائية الجزائر وفرنسا إلى أطراف أخرى مُتعددة، لعل أهمها الدولة العثمانية، لاعتبارات عدة منها تبعية إيالة الجزائر للدولة العثمانية. وقد حملت هذه التبعية في طياتها تساؤلات حول مدى تفاعل الدولة العثمانية مع مسألة الحصار الفرنسي للسواحل الجزائرية، وأضحى هذا التساؤل بمنزلة فخ يجعل كل طرف يحاول تبرير موقفه. تحاول هذه الدراسة، من خلال ترجمة أربع رسائل ضمن الأرشيف العثماني، من اللغة العثمانية (التركية القديمة) إلى اللغة العربية، الاطلاع على ردود الفعل العثمانية بعيدًا عن الأحكام القطعية الجاهزة. كلمات مفتاحية: الجزائر، الدولة العثمانية، فرنسا، خليل أفندي، حسين باشا. The siege by French forces of Algiers is one of the important stages in the history of Algeria and the entire region. Its complexities and repercussions, by virtue of geography and history, transcended Algeria and France to spill over into many other parties, perhaps the most important of which was the Ottoman Empire, due to several considerations, including Algeria's subordination to the Ottoman Empire. This dependency led to questions about the extent of the interaction of the Ottoman Empire with the issue of the French blockade of the Algerian coasts, and this question trapped each party into attempting to justify its position. By translating four letters within the Ottoman archive, from Ottoman Turkish into Arabic, this study seeks out Ottoman reactions away from ready-made peremptory judgements. Keywords: Algeria, the Ottoman Empire, France, Khalil Affendi, Hussein Basha. ترجمة ودراسة لأربع رسائل باللغة العثمنية بشأن الحصار الفرنسي للسواحل الجزائرية سنة 1827 Translation and Study of Four Letters in the Ottoman Language on the French Siege of the Algerian Coast in 1827 | ||||
| DOI: https://doi.org/10.31430/AXPD9059: الرقم التعريفي | |||||
مفتتح
تُعدّ الوثيقة إحدى الأدوات الأساسية والرئيسة التي تتيح، ضمن السياق العام لمتغيرات مختلفة، إمكانية فهم الحادثة التاريخية بتفاصيلها وحيثياتها. ولهذا، كثيرًا ما عُدّت لدى بعض الاتجاهات التاريخية اللبنةَ الأساسية للفهم الواعي والحقيقي للتاريخ، لكن مع ضرورة تجاوز منطوق الوثيقة إلى المسكوت عنه كما يرى ذلك "مارك بلوخ"1 (1886 - 1944) Blokh Mark. ولن نحيد كثيرًا في هذا المقام عن هذه الرؤية؛ إذ سنسعى لتبيين بعض الحقائق التاريخية التي يكتنفها الغموض، بسبب غياب الوثيقة التاريخية في مرحلة ما من جهة، والجهل بلغة هذه الوثائق من جهة أخرى. وإذا تقرر ما سبق، ورأينا ما لها من أهمية في الكتابة التاريخية، صرفنا الجهد نحو الوثائق التي بين أيدينا اليوم، وهي عدد من الوثائق المحفوظة في أرشيفات الدولة العثمانية في شكل مراسلات رسمية بين الأطراف الثلاثة المرتبطة بالمسألة الجزائرية: أوجاق الجزائر، والدولة العثمانية، وفرنسا. تكمن أهمية هذه الوثائق في كونها أولى المراسلات الرسمية بشأن المسألة الجزائرية، وهي التي توضح، على نحو بعيد، البدايات الأولى لهذه المسألة، وترسم بالفعل مستقبل هذه المشكلة وحلها؛ ما يجعلها عن حق إحدى الأدوات الرئيسة لفهم المسألة الجزائرية وتطوراتها. كُتبت ثلاث رسائل من هذه الوثائق في أصلها باللغة العثمانية، وواحدة منها نُقِلت من لغتها الأصلية الفرنسية إلى اللغة العثمانية، وكل هذه الرسائل تتحدث عن موضوع مركزي هو بداية الاحتكاك بين أوجاق الجزائر والدولة الفرنسية، أسبابه ومساره. فكيف رسمت هذه الوثائق مسار تطور المسألة الجزائرية؟ وما الذي أوردته هذه الرسائل؟ هل تكشف بالفعل عن أمور جديدة؟ هل أوضحت، بصورةٍ ما، موقف الدولة العثمانية من الحصار الفرنسي للسواحل الجزائرية؟ وهل ستعيننا في فهم سبب عدم تدخل الدولة العثمانية في هذه المسألة واكتفائها بأداء دور المشاهد لتطور الأحداث؟ وما الأمور التي سكتت عنها هذه الوثائق؟ ولماذا؟ رأينا أنه علينا توزيع المادة المعرفية الخاصة بهذه الدراسة، من أجل فهم إشكالية تطور المسألة الجزائرية وموقف الدولة العثمانية منها، إلى قسمين أساسيين: القسم الأول، نسلك فيه طريق الدراسة النقدية للوثائق والمراسلات محل الترجمة والدراسة، ثم نتناول في القسم نفسه تطورات المسألة الجزائرية من خلال مقارنة ما ورد في هذه الوثائق وإبراز مَواطن التداخل ومواطن الاختلاف بينها. فإذا فرغنا من ذلك وتحقق لنا ما نصبو إليه، انتقلنا في القسم الثاني من الدراسة إلى ترجمة الوثائق الأرشيفية الأربع، وحاولنا في هذه الجزئية أن تكون الترجمة العربية حمالة للمعاني التي استقرت في الوثائق بلغتها العثمانية، وأتبعنا ترجمة كل وثيقة بنسختها الأصلية التي كُتبت بها حتى تسهل العودة إليها والمقارنة بينها.
أولً: دراسة تحليلية للوثائق المترجمة
الوثائق التي بين أيدينا، في مُجملها موجودة في أرشيف رئاسة الوزراء في إسطنبول، وتقع كلها ضِمن القسم العثماني من الأرشيف، وإن اختلفت تصنيفات كل واحدة منها بسبب الجهة المرسلة أو المتلقية.
أول هذه الوثائق رسالة رسمية من السفير الفرنسي في إسطنبول السيد "قيمينو" Guilleminot (تولى سفارة بلاده في إسطنبول (1834 - 1841)) إلى الباب العالي. كُتِبت هذه الرسالة أولً باللغة "الفرنسية" ونُقِلت منها إلى اللغة العثمانية، وللتحقق من الوثيقة، قارناها بالنسخة الأصلية المكتوبة باللغة الفرنسية والموجودة في الأرشيفات نفسها2؛ فوجدناهما بالفعل متناظرتين، بحيث لم تختلف النسخة العثمانية عن الفرنسية في شيء من حيث المعطيات والتفاصيل. تقع الوثيقة الأصلية، المكتوبة باللغة الفرنسية، ضمن محفوظات السياسة الخارجية siyasi hariciye، في ورقتين من أربع صفحات تحمل الرقم (2 / 425)3، واسم الملف الذي تقع ضمنه هذه الأوراق هو: "أوراق مختلفة متعلقة بالجزائر " ilgili le ' Cezayir
. muhtelif evrak
وقد آثرنا اعتماد النسخة الثانية من هذه الرسالة المترجمة إلى اللغة العثمانية التي تقع في صفحة واحدةٍ والتي تحمل الرقم (4) ضمن مجموعٍ يخص الجزائر ويحمل الرقم (73 / 138) تحت اسم "العلاقات الخارجية، المسألة الجزائرية" Cezayir , ilişkiler Dış
.4meselesi
إن سبب انطلاقنا من هذه الرسالة هو أنها تُعدّ فاتحة المراسلات الرسمية التي تتناول المسألة الجزائرية بين فرنسا والباب العالي، وسوف تكون المرجع الذي ستعتمده السلطات الفرنسية لتبرير الكثير من الأمور فيما بعد، ثم إن معظم المراسلات اللاحقة كانت امتدادًا أو مناقشةً أو دحضًا لهذه الرسالة كما سنرى. كُتبت هذه النسخة من الرسالة بخط الرقعة على نحو مقروء وجميل، وتقع في عشَرةِ أَسْطُرٍ في كل منها أربع وعشرون كلمة. كان أول سطر، في أعلى الصفحة من جهة اليمين، يمتد إلى نهايتها تقريبًا فيما يشبه العنوان، ويحمل معلومات عامة عن الوثيقة وتاريخ وصولها والجهة المرسلة إليها، وهي تبدأ بقول المترجم: "ترجمة تقريرٍ مرفوع من السيد 'قيمينو' سفير دولة فرنسا في إسطنبول، في الحادي والعشرين من شهر (تموز/ يوليو)، سنة سبع وعشرين وثمانمئة وألف"5، ولا تحمل هذه الرسالة أي ختمٍ أو إمضاء لأنها ليست النسخة الأصلية، بل هي ترجمة من النسخة الفرنسية، بينما نجد في النسخة الأصلية توقيع السفير الفرنسي في إسطنبول في آخر الرسالة6. أما الوثيقة الثانية التي وقع عليها الاختيار، فهي الرسالة الرسمية الأولى الصادرة من الباب العالي بشأن المسألة الجزائرية، وهي تكليف بمهمة صادرٌ من الباب العالي إلى أحد موظفيه السابقين الذين لهم علاقة مباشرة بإيالة الجزائر، هو "خليل أفندي" المفتي السابق للجزائر، الذي كان يقيم خلال تلك المرحلة في مدينة "إزمير" التركية7، وكانت تربطه علاقة احترام متبادلة مع الباب العالي؛ ما أهله للمهمة التي سيُكلف بها، وهي التّأكد من الوقائع التي جرت في أوجاق الجزائر بين داي الجزائر، حسين باشا، والقنصل الفرنسي في مدينة الجزائر بيار دوفال Deval Pierre، الذي التحق بمنصبه سنة 1814 واستمر فيه إلى سنة 1827، ومدى صحة الأخبار التي أوردها السفير الفرنسي في إسطنبول للباب العالي.
توجد هذه الوثيقة ضمن الملف نفسه الذي توجد فيه الوثيقة الأولى، أي الملف رقم: (73 / 138)، وتحمل الرسالة من حيث الترتيب الرقم (01) ولا تحمل تاريخًا محددًا. لكن يُفهم من سياق الكلام أن تاريخها لاحقٌ لوصول رسالة قيمينو إلى الباب العالي بمدة وجيزة. ويرجع اختيارنا هذه الرسالة إلى أنها ستربط بين الرسالة الأولى والرسالتين الثالثة والرابعة اللتين ستصلان إلى الباب العالي، وستوضحها بناءً على ما سيرد في هذه الرسالة. واستثناؤنا هذه الرسالة في الترجمة، لو حدث، سيؤدي لا محالة إلى خلخلة البناء المعرفي للموضوع، وستُفقد بذلك إحدى حلقات الفهم الأساسية لتطور المسألة. كُتبت هذه الرسالة بدورها بخط رقعة جميل ومقروء. في واجهة الصفحة الأولى توجد عشرة أسطر، في كل واحد منها ما يقرب من أربع وعشرين من الكلمات، ولهذه الرسالة حاشيتان: الأولى في أعلى الصفحة للدلالة على مرور هذه الرسالة على "القبودان باشا" قبل وصولها إلى المعني. أما الحاشية الثانية، فهي شرح مفصل لما ورد في رسالة السفير الفرنسي في إسطنبول من معلومات من أجل مقارنتها بما سيرد، وفيها بعض التوصيات. ولأنّ أصل المتن يحمل في طياته هذه الملاحظات نفسها، فقد استغنينا به عن ترجمة الحاشيتين الباقيتين8. أما الوثيقة الثالثة، فهي رسالة واردة من الجزائر إلى الباب العالي، وهي تُوجد أيضًا ضمن الملف نفسه، وقد كُتِبت بخط رقعة دقيقٍ تصعب قراءته في بعض الأحيان، لتداخل بعض حروفه والاستغناء ببعضها عن بعضها الآخر. وتكمن أهمية هذه الرسالة في كونها أول رسالة صادرة من الجزائر إلى الباب العالي. لكنها، مع الأسف، ما زالت مغيبة إلى الآن عن الباحثين والمهتمين بهذه المرحلة. أما الرسالة الثالثة، فهي صادرة من إبراهيم أفندي أمين ترسانة الجزائر إلى خليل أفندي المفتي السابق في الجزائر، للإجابة عن الإشعار الذي وصل إلى إبراهيم أفندي من المفتي بشأن ما يجري في الجزائر من مواجهة مع الدولة الفرنسية، وقد أراد إبراهيم أفندي أن يوضح مسار الأمور بحسب الرواية الجزائرية للأحداث9. كُتبت الرسالة بخط رقعة دقيق، وتُعدّ هذه الرسالة من حيث طولها ثاني أطول رسالة بعد الرسالة الرابعة كما سيأتي. تقع في ورقتين ينقسم الوجه الأول لكل منهما إلى قسمين، ويحتوي أولهما على أكثر من سبعة وثلاثين سطرًا، وثانيهما على اثني عشر سطرًا، في كل منهما ست عشرة كلمة. ويعود طول هذه الوثيقة إلى كونها تضمّنت العديد من التفاصيل عن مرحلة ما قبل الحصار وما حدث بين الداي حسين باشا حاكم الجزائر (1818 - 1830) والقنصل الفرنسي في الجزائر بيار دوفال. في آخر الرسالة من اليسار، نقف على إمضاء أمين ترسانة الجزائر إبراهيم أفندي، وتاريخ إرسال الرسالة في (7 ربيع الثاني 1243 ه)، كما نقف أيضًا في آخر الوثيقة على ختم أمين ترسانة الجزائر المذكور آنفًا مذيلً بالعبارة التالية: "المتوكل على الجواد عبده إبراهيم وكيل حرج باب الجهاد (1237 ه)"، ويتوسط الختم أسفل الصفحة. آخر الرسائل المعنية بالترجمة والدراسة - وهي الوثيقة الرابعة - هي رسالة صادرة من حسين باشا داي الجزائر إلى الباب العالي، وقد وردت بدورها ضمن ملف "العلاقات الخارجية" ilişkiler Dış، لكن في ملف مستقل عن الرسائل السابقة، ويحمل هذا الملف رقم (75 / 138)، ويقع ضمنه أيضًا ثلاث رسائل أخرى، إحداها نسخة من الرسالة نفسها مقدمة للقبودان باشا، بالنظر إلى أن النسخة الأصلية قُدمت للسلطان محمود الثاني، ونسخة ثالثة هي الرسالة نفسها مضافًا إليها ردود الباب العالي الواردة في حاشيتين: إحداهما من السلطان والثانية من القبودان باشا. أما الوثيقة الثالثة ضمن هذا الملف، فهي رسالة من القبودان باشا إلى سرعسكر يأمره فيها بتسهيل تجنيد العساكر لأوجاق الغرب استجابة لطلب الأخير.
تحمل الوثيقة، التي خصصناها بالترجمة والدراسة، الرقم (2)، وقد وردت هذه الرسالة كما ذكرنا آنفًا من داي الجزائر حسين باشا إلى الباب العالي، لتغطية غياب المعلومة الذي اشتكى منه الصدر الأعظم إلى خليل أفندي10. لذا، نجدها تحمل تفاصيل عديدة بشأن ما كان جرى في الأوجاق بين الجزائر وفرنسا إجابةً عن طلب الباب العالي11. وردت هذه الرسالة تقريبًا في النسق التفص لي نفسه الذي وردت فيه الوثيقة الثالثة الصادرة من أمين ترسانة الجزائر إبراهيم أفندي إلى المفتي السابق للجزائر المقيم في إزمير خليل أفندي، وإن كانت موجهة هذه المرة مباشرة إلى السلطان محمود الثاني. وقد حملت الرسالة، تقريبًا، العبارات والتفاصيل نفسها التي وردت في الرسالة الثالثة، مضافًا إليها بعض المعلومات الجديدة. والملاحظة الدقيقة تدلنا على أن ثمة علاقة قوية بين الرسالتين الثالثة والرابعة، بل إنهما تكادان تخرجان من المشكاة نفسها. كُتبت الرسالة الرابعة كسابقاتها بخط رقعة دقيق ومقروء، بحيث تقع في ورقة من صفحتين، تحمل الصفحة الأولى خمسة وخمسين سطرًا، بينما تحمل الصفحة الثانية أربعة عشر سطرًا. تبدأ الرسالة، كما هي أغلبية الرسائل الموجهة إلى الباب العالي، بألقاب التشريف والتعظيم التي تستعمل في مخاطبة الصدر الأعظم من قبيل "دولتلو" أي صاحب الدولة، و"مهابتلو" أي صاحب المهابة، و"شوكتلو" أي صاحب الشوكة والقوة... إلخ، ليشرع بعدها الداي حسين باشا في بيان سبب ما حدث ويحدث مع فرنسا، ويرجع به إلى الأسباب التي يرى أنها أساسية في صلب الموضوع، وتتجاوز ما حدث مع القنصل بيار دوفال، بحيث عُدّ ما حدث مجرد رد فعل ناجم عن الاستفزازات التي كان يقوم بها هذا القنصل لمقام الداي والإسلام. وقد نجح في تفصيل كل ما كان يجري. ولم تخلُ الرسالة من بعض المبالغات، خاصة فيما يتعلق بمحاولة الأوجاق الجزائري فك الحصار عن طريق هجوم خاطف للسفن التي تحاصر الجزائر12. تُختم الرسالة، كما جرت العادة، بالدعاء بالنصر للمسلمين وللسلطان العثماني، وتحمل هذه الرسالة تاريخ كتابتها الذي يوافق (7 جمادى الأولى 1243 ه)13. يوجد أيضًا توقيع داي الجزائر باسم "حسين والي جزائر الغرب محمية"، وخَتْم يحمل الكتابة التالية: "المتوكل على الرحمن الرحيم عبده حسين بن حسن، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم."
ثانيًا: تطورات المسألة الجزائرية بناءً عىل الوثائق الأرشيفية محل الدراسة
تُعتبر العودة إلى الأسباب الرئيسة للقضية الجزائرية أحد أهم المفاتيح، لفهم تطور الأحداث التي عرفتها هذه القضية. والحق أن هذه الأسباب كانت موضع خلاف بين مختلف الفاعلين في القضية. وسنحاول أن نبين هذه الاختلافات بالرجوع إلى تلك الوثائق. بالنسبة إلى فرنسا، تحصر السلطات الفرنسية، مُمثلةً بسفيرها في إسطنبول قيمينو، سوء التفاهم وإعلانَها الحربَ على أوجاق الجزائر في سببين أساسيين أحدهما غير مباشر والآخر مباشر: يتمثل الأول، بحسب الرواية الفرنسية، في عدم التزام الجزائر وحكامها بالمعاهدات الدولية مع فرنسا، وإصرار الإيالة كل مرة على خرق تلك المعاهدات14. أما السبب المباشر، فيتمثل في احتقار حاكم إيالة الجزائر حسين باشا لممثل الدولة الفرنسية في مدينة الجزائر القنصل بيار دوفال وإذلاله من جهة أخرى15. والأمر الذي أعطاها الحق
في إعلان الحرب على الإيالة، بحسب الرواية الفرنسية، هو نص المادة الحادية عشرة من "المعاهدة الفرنسية - العثمانية"، التي وقعت في ربيع الأول 1153 ه - أيار/ مايو 1740 م، والتي تنص على: "أنه إذا هاجم القراصنة الجزائريون السفن أو المصالح الفرنسية، فإنه يتحتم على الباب العالي التدخل لمعاقبة دايات الجزائر، وإرجاع الحقوق المنهوبة من الفرنسيين إليهم، أو تعويضهم عليها بما يرضيهم. وإذا تمادى القراصنة في فعلهم، وكان الباب العالي قد أُعلم بذلك من قبل، فإنه يجب عزل الداي، ويجب بعد ذلك دفع التعويضات اللازمة. وفي حالة عدم امتثال قراصنة الجزائر للأوامر الهمايونية، فسيكون على فرنسا أن ترفض استقبالهم في موانئها، ثم إن الوسائل التي تعتمدها فرنسا في معاقبتهم لن تمس المعاهدة بسوء"16؛ ففرنسا، بإعلانها الحرب، رأت أن الدايات تمادوا في أعمالهم الحربية ضدها17، كما عبُر عن ذلك في أول الرسالة. لكن فرنسا تغاضت عن اتباع المراحل والخطوات التي نصت عليها الاتفاقية المذكورة؛ إذ كان يُفترض، قبل إعلانها الحرب على أوجاق الجزائر، أن تُعلِم الباب العالي أولً بما حدث من تجاوزات تستوجب العقاب، ثم بعد ذلك إذا تدخل الباب العالي ولم يلتزم قراصنة الجزائر بما قرره عليهم، فإنه يَحِق لفرنسا أن تتصرف بما يناسب لحل المشكلة. لكن السلطات الفرنسية عمدت مباشرة في هذه الرسالة إلى إعلام الباب العالي بشروعها في أعمال عدائية ضد إيالة الجزائر. وقد دفعت هذه التطورات الباب العالي إلى محاولة فهم ما حدث بين الطرفين. لكن الوثيقة نفسها تسكت عن الأمر الذي كان سببًا مباشرًا في تفاقم الأحداث بين الداي حسين والقنصل الفرنسي بيار دوفال، وهي قضية الديون ومآلاتها. لقد حملَت الأسبابُ المذكورة آنفًا، والرسالة التي تلقتها الدولة العثمانية من السفير الفرنسي في إسطنبول، البابَ العالي على التحرك لمحاولة فهم الأهداف الحقيقية لإعلان فرنسا الحرب على أوجاق الجزائر، عن طريق الكتابة إلى أحد عمالها، وهو خليل أفندي المفتي السابق للجزائر المستقر في مدينة إزمير، لتكليفه بتحري الأمر وإعلام السلطات بحقيقة ما يجري18، وتبيّ إن كان السبب الحقيقي وراء توتر الأوضاع بين البلدين هو خرق إيالة الجزائر المتكرر لمعاهداتها مع المملكة الفرنسية. فإن لم يكن الأمر كذلك، فما الأسباب الحقيقية والفعلية لوصول الأمر إلى هذا المستوى من التصعيد؟ أما بالنسبة إلى الطرف الجزائري، فقد جاءت الرسالة الثالثة إجابةً أرسلها إبراهيم أفندي إلى خليل أفندي ومن ورائه إلى السلطات العثمانية، حاملةً العديد من التفاصيل التي تخص أسباب الحصار. ونقف على التفاصيل نفسها في الرسالة الرابعة التي وجهها حسين باشا داي الجزائر إلى القبودان باشا والسلطان محمود الثاني. أوضحت الرسالتان، إذًا، أن أصل المشكلة لا يرتبط بما حدث مع القنصل الفرنسي في مدينة الجزائر، بحسب ما تدعيه الرسالة الفرنسية وتحاول تصويره، وما ذلك إلا شق بسيطٌ من مسار الأحداث؛ إذ إن أصل المسألة يرجع إلى قضية الديون التي كانت تدين بها فرنسا للجزائر، والتي اعتبرتها الرسالتان حقوقًا لبيت مال المسلمين في الأوجاق. وهي ديون قديمة، كان داي الجزائر حسين باشا قد راسل بشأنها السلطات الفرنسية ثلاث مرات مُتتالية من دون أن يتلقى أي إجابة منها19. وأوضحت الرسالتان: أن نمط الرسائل التي أرسلها الداي كان وديًّا ودبلوماسيًّا كما جرت العادة، وقد استهلها الداي بتذكير فرنسا بالمعاهدات السابقة التي كانت تربطها بالأوجاق، وذكرها بما في ذمتها من أموال لصالح أوجاق الجزائر، وقد احتج الداي بما تؤكده المراسلات الأرشيفية التي كان يحتفظ بها من عهود سابقة20.
وحقيقة المشكلة التي أحدثها القنصل بيار دوفال، بحسب نص الوثيقة الثالثة التي أرسلها إبراهيم أفندي إلى خليل أفندي، وقد كانت الذريعة الذي اتخذتها فرنسا لحصار الجزائر ترتبط، تحديدًا، بالعناد والكِبر وقلة الاحترام، والوقاحة التي بدرت من القنصل الفرنسي بيار دوفال في حضرة الداي عند استفساره عن مصير الرسائل التي أرسلها داي الجزائر، بقوله: "إن فرنسا لن تجيب الداي عن رسائله المتكررة"، تلميحًا إلى أن الداي حسين لا قيمة له لدى الفرنسيين، وهذا بحضور عدد من قناصل الدول الأوروبية؛ ما عده الداي حسين انتقاصًا من مقام السلطنة العلية نفسها، وليس من شخصه فقط، وفي ثورة غضبه فقَد الداي رباطة جأشه وضرب القنصل المذكور ضربتين خفيفتين21، ويؤيد هذا الكلام ما أورده الداي حسين باشا نفسه في رسالته اللاحقة إلى الباب العالي22. ثم تنتقل الوثائق إلى الحديث المشترك حول نقطة ثانية على قدر كبير من الأهمية، تتعلق ببداية المفاوضات وشروط الصلح التي طالب بها كل طرف، فما الذي أوردته الوثائق في هذا الشأن؟ أرادت السلطة الفرنسية أن تظهر في رسالتها إلى الباب العالي بصورة الطرف الذي سعى للصلح وعمل لأجله، لكنّ عناد الداي هو ما منع حصول التوافق بين الطرفين، وهو ما حملها في الأخير على سلوك سبيل الأعمال العدائية. لكنّ الرسالة لم تتحدث بالتفصيل عن المطالب التي قدمتها للداي حسين وموقفه منها؛ إذ اكتفت بالقول: "وقد حمل ما حدث أخيرًا في الأوجاق [...] جلالة الإمبراطور على الإعلان عن الدخول في أعمال عدائية ضد أوجاق الجزائر إذا لم يحصل جلالة الملك على ترضية سريعة تليق بمقامه. لكن الداي امتنع عن هذه الترضية ما أدى إلى إعلان الحرب ضد الجزائر"23. وهو عكس ما توضحه الرسالتان الصادرتان من الجزائر ونقصد بهما الرسالتين: الثالثة والرابعة؛ إذ نجد أن رسالة أمين ترسانة الجزائر إبراهيم أفندي تقول إنه بعد وصول خمسٍ من السفن الفرنسية إلى سواحل مدينة الجزائر للبدء بالحصار أرسل أميرال الأسطول كوليت Collet رسالةً إلى الداي يضع فيها شروطًا عديدة للصلح، أهمها: رفع راية الفرنسيين فوق قصبة الجزائر وعلى كل أبراج المدينة، وإطلاق مئة طلقة من المدفعية تحية للأسطول الفرنسي، وإرسال قادة الأوجاق وأعيانه ورياس الجيش فيه إلى السفينة الفرنسية provence La لطلب الصفح والاعتذار من القنصل24. ولم يكن الداي ليقبل بهذه الشروط بطبيعة الحال؛ لذا رد عليها مطالبًا الأميرال كوليت بأن يُرسل من طرفه رجلً حاذقًا للتحري في الأمر، وحينها سيتثبت الأميرال من أن القنصل دوفال هو من سعى إلى الفتنة والفجور في المخاصمة، كما وضح الداي أن شروط الصلح التي أُرسلت إليه لا يطالب بها إلا المجانين ولا يقبلها العقلاء خاصة ممن يشتغلون في سياسة الدول ومصالحها25. نجد الرسالة الفرنسية تتحاشى هذه التفاصيل تمامًا، بل اكتفى التقرير، الذي قدمه قيمينو، بتبيين الخطوات التي قامت بها فرنسا دونما توضيح حقيقي للأسباب التي حملت الداي على رفض تقديم الترضية التي تريدها فرنسا، في حين فصلت المراسلات الواردة من إيالة الجزائر جُلّ التفاصيل المتعلقة بالمطالب الفرنسية، لأنها كانت تعي أن الباب العالي بدوره سيتفهم رفض صلحٍ بمثل هذه الشروط المذلّة. بعد الفراغ من الحديث عن المفاوضات الأولية، نجد كلتا الرسالتين تتحدثان عن قضية "الباستيون"، أو القلعة التي سُمح للفرنسيين بإنشائها قبل هذه الأحداث، والتي سمحت لهم باحتكار اصطياد المرجان في الساحل الشرقي للإيالة، وتحديدًا في مدينة
عنابة؛ قلعة الباستيون التي كانت تنظر إليها السلطات الفرنسية دائمًا، بوصفها موقعًا استراتيجيًا لها في المتوسط للحفاظ على مصالحها في الجزائر والمنطقة26، وكثيرًا ما اعتقد الفرنسيون أنّ العثمانيين، في حال نشوب أيّ خلاف عسكري، لن يسمحوا لهم بالبقاء؛ لأن ذلك سيُعدّ تهديدًا مباشرًا لهم27، وهو ما حدث فعلً سنة 1827. تشرح الرسالتان الكيفية التي هدم بها الداي هذه القلعة لاحقًا، لعدم احترامها بنود الاتفاق أو الامتياز السابق، الذي كان يقضي بأن تبقى هذه القلعة بسيطة من دون أي تجهيزات عسكرية، وألا تتسع إلا لخمسةٍ أو ستةٍ من الأشخاص فقط. لكنّ الفرنسيين، بحسب الرسالة التي أرسلها الداي حسين باشا، استغلوا انشغال الأوجاق بأمور أخرى ليشيدوا قلعةً قويةً، فيها أربعة عشر مدفعًا حديديًّا، ومدفعان نحاسيان، ومدفعا هاون28، ويعمل فيها أكثر من مئة من الجنود29؛ الأمر الذي جعل الداي يعطي أوامره لباي قسنطينة الحاج أحمد باي بمهاجمة هذه القلعة والسيطرة عليها30. ثم تنتقل المراسلات إلى الحديث عن جزئية أخرى تتعلق بانعكاس الحصار على حركة الأساطيل البحرية، إذ تشير الرسالتان إلى تطور الوضع وتعقّده بسبب الحصار الذي قررت السفن الفرنسية ضربه على مدينة الجزائر، بمنعها السفن الجزائرية من الالتحاق بالأسطول الهمايوني أو الخروج من ميناء الجزائر. وقد صرحت الرسالة الفرنسية بذلك فعلً، ورأت أنه من قواعد الحصار، وكذلك ذكرت الرسالتان الاعتداءات التي تعرضت لها إحدى السفن المتجهة إلى إسطنبول. وبينت الرسالة الفرنسية أنها لن تتردد في مهاجمة السفن التي تحاول الدخول إلى ميناء الجزائر، وأن هذه السفن إنما تلقي بنفسها إلى التهلكة، وأوضحت في الوقت نفسه أنها لن تعتدي على السفن التي تكون تحت وصاية الأسطول العثماني أو تحمل الراية العثمانية حتى لو كانت هذه السفن جزائرية. وطالبت الرسالة، في الوقت نفسه، أن تُعامَل السفن الفرنسية التجارية بالمثل، وأن يصدر السلطان العثماني ما يفيد بذلك إلى قادة السفن الحربية31. يكاد يكون ما سبق هو ما اتفقت عليه تقريبًا الوثائق الثلاث السابقة، في حين انفردت الوثيقة الرابعة، التي أرسلها حسين باشا إلى الباب العالي، بذكر محاولة الطرف الجزائري فك الخناق والحصار الذي كان يتعرض له عن طريق مهاجمة السفن الفرنسية التي تحاصر الجزائر. ففي ليلة الثاني عشر من ربيع الأول 1243 ه، نجحت بعض السفن الجزائرية الصغيرة في تحقيق نصر على السفن الفرنسية، وأبعدتها عن سواحل المدينة32. وهو الأمر الذي كان يُؤكد، بحسب الداي حسين باشا، أن الجزائر قادرة على رد الطرف الفرنسي. ولعل هذا الأمر قد أعطى الباب العالي صورةً خاطئةً عن موازين القوى بين الطرفين، بل أوهم بأن الجزائر كانت ستنجح، كما
بعدم الاهتمام بالمسألة في ذلك الوقت.
بذلك، كما توضح رسالة أخرى في الأرشيف العثماني33.
الدولة العثمانية.
تاريخية محددة وفق ظروف وآليات وأوضاع محددة.
الرسالة الأولى
رسالة السفير الفرنسي في إسطنبول قيمينو إلى الباب العالي34نص الرسالة
سنة سبع وعشرين وثمانمئة وألف35.
ضد الجزائر. تعودت كل مرةٍ، في كسر الحصار، ثم تسوي المسألة مع فرنسا في النهاية من دون تدخل الباب العالي، وهذا ما يبرر تظاهر الباب العالي
وقد ختم الداي حسين باشا رسالته هذه بطلب الحصول على موافقة من الباب العالي تسمح لأوجاق الجزائر بتجنيد بعض العساكر من التُك في بلاد الأناضول وإزمير تحديدًا؛ ليس لنقصٍ في المجندين من أبناء العرب في الجزائر، بل لما يحظى به الجنود التُك من سُمعة وشهرة في البحر المتوسط كلّه؛ ما يجعل تكثيرهم يُعَدّ قوة للأوجاق. وقد أُذن للأوجاق بذلك؛ فقد أرسل القبودان باشا إلى سرعسكر أمرًا
أخيرًا، يمكننا أن نتحدث أيضًا عن أهمية استنطاق المواطن المسكوت عنها، ومناطق الغموض في هذه الوثائق، حتى نتبين فيها العديد من الأمور التي لا ترتبط بالمسألة الجزائرية فقط، بل تتعداها إلى مسائل كبرى ستحكُم تاريخ المتوسط في مداه البعيد، وتغير في هيكلة العديد من البنى السوسيوثقافية والاقتصادية للمتوسط؛ ذلك أن ما حدث خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر قد امتد أثره وانعكست تغييراته على الخريطة الجيوسياسية للمنطقة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. فسقوط الجزائر كان بوابةً لسقوط إيالات أخرى تابعة للدولة العثمانية في المشرق والمغرب، وكان ذلك إيذانًا بفتح باب مناقشة المسألة الشرقية في مرحلة شهدت تراجع
وتبقى الدراسات الوثائقية والأرشيفية أداة أساسية لفهم التطورات الحقيقية في المواقف والقرارات السياسية المحلية منها والدولية، ولا يمكن بأي حال التعمق في الدراسات التاريخية والاستشرافية من دون الاستعانة بالتصورات التي صيغت في مراحل
ترجمة لتقرير مرفوع من السيد قيمينو، سفير دولة فرنسا في دار السعادة، إلى مقام الرعاية في الحادي والعشرين من شهر تموز
منذ القدم دأب أمير أمراء الجزائر على نقض عهوده مع الدولة الفرنسية، ولما تعرض رعايا الدولة الفرنسية إلى الظلم والتعدي على حقوقهم وجب على الدولة الفرنسية من جهتها استخدام جميع وسائل القوة، وإنّ ما حدث مؤخرًا في الأوجاق - من قيام داي الجزائر بتعنيف قنصل فرنسا المقيم لديه وإذلاله - قد حمل جلالة الإمبراطور على الإعلان عن الدخول في أعمال عدائية ضد أوجاق الجزائر إذا لم يحصل جلالة الملك على ترضية سريعة تليق بمقامه. لكن الداي امتنع عن هذه الترضية، ما أدى إلى الإعلان عن الحرب
وبذا الخصوص تقوم الدولة الفرنسية بإعلام الباب العالي بهذا الأمر بموجب ما تقرّه المادة الحادية عشرة من المعاهدة المعقودة بين البلدين. ما لا يوجب أي استغراب في هذا الشأن. وقد أمر جلالة الإمبراطور قادة جميع السفن الفرنسية بأن لا يتعرضوا للسفن الجزائرية التي تكون تحت سلطة الدولة العلية، أو تلك السفن الجزائرية التي تحمل راية الدولة العلية. أما في حالة اعتراض السفن الجزائرية للسفن الفرنسية، فسيكون المسؤول عن ذلك رياس البحر في الأسطول الهمايوني؛ ولئلّ يحصل ذلك نأمل من الدولة العَلية تنبيه رياس البحر في الأسطول الهمايوني إلى ذلك احتياطًا. وعلى كل حال، فإن دولة فرنسا تضرب حصارًا على ساحل مدينة الجزائر، ونود أن ننبه حضرتكم إلى أن أي سفينة أجنبية ترغب في الدخول إلى ميناء مدينة الجزائر إنما ستكون كأنها تلقي بنفسها إلى التهلكة.
الرسالة الثانية
رسالة من قبطان باشا إلى الصدر الأعظم بخصوص تكليف خليل أفندي المفتي السابق للجزائر المقيم في مدينة إزمير بمهمة تخص المسألة الجزائرية متن الرسالة حضرة صاحب الدولة والسعادة والمروءة والرأفة نظرًا إلى وصول تقرير مفصّل إلينا من السفير الفرنسي المقيم عندنا بشأن إعلان بلاده الحرب على أوجاق الجزائر، بسبب ما حدث بين البلدين، وبسبب عدم ورود أي أخبار في هذا الشأن من الأوجاق المذكورة، أمر حضرة ولي النعمة، في رسالة سامية بهذا الخصوص، بأن يُكلف الحاج خليل أفندي المفتي السابق لأوجاق الجزائر والمقيم حاليًّا في إزمير بالتحقق من هذه المسألة في الحال وعلى الفور، وبأن يُرسلَ للمعني إشعارٌ بهذا الشأن، وبمجرد أن تأتيه أجوبة في هذا الشأن عليه أن يوجهها مباشرة إلى المقام العالي إن كانت مكتوبة، وإن كان تلقى المعلومة مشافهة فعليه التحقق من صحتها. ومن الآن فصاعدًا، فإن كل ما حُصِّل من معلومات عن الأحداث، التي تقع بين الأطراف ينبغي لها أن تُحرر وأن نُعلَم بها في الحين. أما بخصوص التفاصيل التي ضمناها هذا المكتوب هذه المرة فإما أن يُعلَم بها أمين ترسانة الجزائر، أو أن تُرسَل إليه، وحين تَرِدُ أجوبته بعد الاطلاع عليها تُقدم إلى حضرة ولي النعم. الحاشية الأولى36رسالة واردة من قبطان باشا لعرض آخر المعلومات الواردة بخصوص الجزائر وتقديمها إلى المقام الهمايوني؛ إذ وصلت المذكرة الرسمية المرفقة37 من أمين ترسانة الجزائر إلى مفتي الجزائر السابق خليل أفندي المقيم في إزمير. وكما يعلم مقامكم العالي، فقد قدّم السفير الفرنسي المقيم لدى دولتكم العلية، فيما مضى، تقريرًا رسميًّا إلى الباب العالي، مضمونه أن قنصل فرنسا في الجزائر قد تعرض لجملة من أنواع التحقير والإهانة والإذلال، ولأجل ذلك طلب الفرنسيون من داي الجزائر الترضية التي تليق بهم لأجل الصلح، وقد خُتم التقرير بأن الحرب قد أصبحت مُحققة بين الطرفين لامتناع الأوجاق عن تقديم الترضية المطلوبة منه. ثم قام الفرنسيون بنفاقهم المعهود، ومن دون إعلام الدولة العلية، بإعلان الحرب على الأوجاق المذكور، وادعوا أنهم كانوا
مجبرين على ذلك[...]38. وعلى هذا الأساس، وخلال هذه المدة التي صمت فيها السفير الفرنسي في إسطنبول بخصوص هذه المسألة وامتنع عن إثارتها، وفي أثناء ترقب وصول خبر من الجزائر بخصوص ما جرى، وصل من أمين ترسانة الجزائر المذكور آنفًا مكتوبٌ فيه أنباء ما قد كان، وحقيقة الخبائث التي قام بها الفرنسيون. تكملة الحاشية الأولى39وقد أشار، بخصوص ما حدث مع القنصل الفرنسي المذكور في مدينة الجزائر، إلى أنه بسبب قلة أدبه ومعاندته ورعونته وتكبّه، وهو في حضرة داي الجزائر حسين باشا، لم يتمالك حسين باشا نفسه من الغضب والنفور، فقام بضرب القنصل المذكور على غير ما جرت عليه الأعراف والأصول. وعلى كل حال، فإن هذا النوع من التصرفات والمعاملات معلوم بين أوجاق الغرب والكفار ومشهور. وعلى الأغلب، فإن المخاصمة بسببه لن تدوم طويلً؛ إذ كثيرًا ما يحدث الصلح بوجود وسيط يعمل على الإصلاح بين الطرفين. ونظرًا إلى أنه لم يسبق أن قامت الدولة العلية باستدعاء عمالها في الجزائر بسبب أمر كهذا، فإنه من الحريّ بها الآن ألا يُرد على رسالة السفير الفرنسي المذكور، وأن يُسكت عن هذه المسألة إلى حين، فإن أعاد السفير المذكور فتح الموضوع مرة أخرى، فعندئذٍ فقط يرسل سيد العالم حضرة السلطان إلى السفير المذكور (الفرمان) والجواب الذي يراه مناسبًا ولازمًا. قرار الباب العالي40اطلع المقام العالي على ما ورد في التقرير الرسمي، الذي أرسله القبطان باشا، وقد أصدر أمرًا لخادمه41 بأن لا يقوم بأي فعلٍ ولا يُرسل أي جواب إلى السفير الفرنسي المذكور بخصوص هذه المسألة، حتى يحين الوقت الذي يعاود فيه السفير المذكور فتح هذا الموضوع من جديد، وعندها فقط يقوم بالإجابة عن المسألة بحسب ما تقتضيه الضرورة.
الرسالة الثالثة
رسالة واردة من إبراهيم أفندي أمين ترسانة الجزائر إلى خليل أفندي المفتي السابق للجزائر المقيم في مدينة إزمير42صاحب الفضيلة والسماحة والشرف والكمال[...]43 حاجي خليل أفندي "مع أن ولي النعمة داي الجزائر قد خاطب، بكل ود واحترام، ملوك فرنسا ثلاث مرات من أجل تحصيل ما لبيت مال المسلمين في الأوجاق المنصور من أموال في ذمة فرنسا، فإنه لم يحصل منهم على أي جواب"، ولهذا قال ولي النعمة سيدي داي الجزائر لقنصل فرنسا المقيم لدينا: "إذا كانت فرنسا تؤمن بالفعل بمعاهدة الصداقة التي تربط بين البلدين، فلم لا ترد على الأسئلة التي حررتُها ووجهتُها إليها؟ فأجاب القنصل المذكور بعناد وتكبر بقوله: "ملك فرنسا لن يرسل لك أي مكتوب، ولن يأتيك أي جواب عن رسائلك"، وإضافة إلى ذلك، فإنه تحدث بما لا يليق عن الإسلام، وبما لا يليق بالأوجاق أيضًا. حينئذ أصبح الأمر خارج دائرة تحمل داي الجزائر، وكان
نسخة منالرسالة الثانية رسالة من قبطان باشا بخصوص تكليف خليل أفندي، المفتي السابق للجزائر المقيم في مدينة إزمير، بمهمة تخص المسألة الجزائرية، وما وصل من طرفه بخصوص المسألة، وقرار الباب العالي
. I. DUIT. Dosya N ° 138. Gömlek N ° 73 Tarih 1242. Z. 27. Belge N ° 1 المصدر:
يحمل في يده مروحةً فضرب بها القنصل المذكور مرتين أو ثلاثًا ضربًا خفيفًا غرضه إظهار الغيرة على الإسلام. حينها خرج القنصل المذكور وهو يسعى ليلً ونهارًا بالفتنة والفساد، وبعد مرور شهر دخلت غليوطة الجزائر [سفينة حربية ضخمة في الأسطول الجزائري]، واستقرت بمحاذاة ميناء الجزائر، وكما كان منذ القدم، فقد جرت العادة أن يستقل القنصل فرقاطة جزائرية توصله وتعيده، غير أن القنصل الفرنسي لم يعد مع الفرقاطة التي أخذته، ومن الغد ظهرت على البحر قبالة سواحلنا سفينة بطابقين وفرقاطتان اثنتان وقروت [...] والتحقت بها السفينة التي كانت قبالة ميناء الجزائر [...]. ومن الغد، جاء من سفينة أميرالهم مكتوب بلغة الروم تبين، بعد ترجمته، أنه قرر مطالبة ولي نعمتنا بأمورٍ من جملتها "أنه بدأ كلامه بأنه يريد الجواب في أربع وعشرين ساعة، ثم طلب أولً أن تُرفع راية الفرنسيس
فوق قصبة الجزائر المعمورة وتكون تحتها راية الإسلام، وأن تنصب راية الفرنسيين على كل أبراج المدينة، وأن تطلق المدفعية مئة طلقة ويذهب كبار القادة وأعيان الأوجاق ورياس الجيش إلى سفينة قائدهم المنحوسة للاعتذار"، وأنواع أخرى مما يُقلل من شرف الإسلام، ومما لا يطاق بأي حال، وكتب: "إن قبلت بهذا فبها ونعمت وإلا فسنعلن الشروع في عداوتكم". أما ولي نعمتنا فقد تصرف بالكثير من الحكمة، وأجاب برسالة جاء فيها: "إن مثل هذه المطالب لا يليق بعقل رجل الدولة لكنه يشبه كثيرًا كلام المجانين المقيمين في دار الشفاء، وليس فيه اعتبار لمقامنا. إذا أردتم أن تفهموا ما وقع مع القنصل هنا فعليكم أن ترسلوا رجلً ذا عقلٍ راجح من جانبكم، وسيعلم بنفسه أن القنصل المذكور رجل تجاسر على الفساد والفتنة وحينها سيكون عليكم، كما أرجو، أن تعينوا رجلً في منصب القنصل المذكور، وإذا أرسلتم من جانبكم، خلال الساعات الأربع والعشرين القادمة، رجلً كما أمرنا فحينها لن نعير اهتمامًا لِلغَطِ الكلام الذي حدث، وإن لم يحدث ذلك شرعنا في عداوتكم وحربكم". وهكذا كان الجواب يحمل الكثير من الحكمة والشجاعة. وكما تعلم حضرتكم الشريفة، فقد كان في شرق الأوجاق المنصور في بلد عنابة محل اسمه الباستيون عُهِدَ به منذ سنين طويلة إلى الفرنسيين لأجل التجارة، وقد اتفق في شروطه أن يلتزم الفرنسيون بأن لا يُتخذ المحل المذكور44 مقرًا للسكن لأكثر من ثلاثة أشخاصٍ أو خمسة. لقد هُدم هذا البناء في زمن خروج نابليون بونابرت وتمرده. ومع أنه تقرر ألا يعاد تشييده، فإنّ الفرنسيين، بمقتضى عملهم الدؤوب ليلً ونهارًا، أعادوا تشييد برج مُحكم جعلوا فيه أربعة عشر مدفعًا حديديًّا، ومدفعين نحاسيين، ومدفعَيْ هاون. ويخدم فيه أكثر من مئة صولطاط45، وما يظهر فساد نيتهم وسوء سريرتهم- عليهم لعنة الله - سرعةُ إجراءاتهم. وهكذا، فإننا في هذه السنة المباركة، خدمةً لولي نعمة العالم وسيد جميع الأمم صاحب القوة والمهابة والعظمة حضرة سيدنا وسلطاننا وولي نعمتنا، جهزنا سفننا وحملنا فيها الحجّاج المسلمين لكي تلحق بسفن الأسطول الهمايوني. لكنّ الفرنسيين هاجموها بالمدافع والبنادق وأعلنوا حربهم عليها وأرسلوا سفينتين في عقبها وأخذها الكفار الذين كانوا في تلك الجهة. وما دون ذلك، فإن الكتاب، الذي أرسله أمير سفنهم التي قبالة الجزائر، مع ما فيه ممالا يُطاق من المطالب ومن قلة العقل، والذي لا فائدة ترجى منه، ما زال محفوظًا في صناديق ولي نعمتنا. حتى إذا تساءلتم عما ذُكر بشأن البت في الشكوى، أو البيان الذي قدمه الفرنسيون إلى الدولة العلية، المتعلق بإنهاء الخلاف بصورة دائمة ونهائية، أو تساءلتم عن سبب ظهور العداوة بيننا ونشأتها، قدمنا هذا البيان قرينةَ علم للحكم الصحيح فيما تبذلونه سماحةَ حضرتكم. أما أملنا نحن فهو أن نستعيد سفينتنا[...]47 مع اللانجور الخاص بنا وأموال ديننا، متوكلين على الله في سعينا لإعلاء كلمة الله. اللهم يا موجه الأمم ومؤدبها، ويا مدبّر أمور العالم[...]48 احفظ سيدنا، صاحب الشوكة والقدرة والمهابة، وصاحب الجود الوفير، ولي نعمتنا المبارك السعيد، من كل الأعراض واجعله آمنًا مطمئنًا واجعل أعداءه مخذولين مهزومين بحرمة روح الأمين. وبهذا الشكل قُيد هذا المكتوب ردًّا مر من بين يدينا إلى حضرتكم وأرجو أن يكون شافيًا وافيًا كافيًا سيدي. سيد إبراهيم أمين ترسانة الجزائر 7 ربيع الآخر 1243 ه ختم: المتوكل على الجواد عبده إبراهيم وكيل حرج باب الجهاد 1237 ه
الرسالة الرابعة
رسالة من حسين باشا داي الجزائر إلى الباب العالي سيدي وولي نعمتي، صاحب الدولة والعظمة والرحمة والسيادة، صاحب الخيرات، ذا الجود الكبير، والهمة العالية هذا عرض حال من عبدكم. على الرغم من أننا قمنا بتحرير ثلاث رسائل ودية وإرسالها إلى حضرة ملك فرنسا نعرض فيها، بكل احترام، طلب الأموال التي بقيت في ذمة مملكة فرنسا لبيت مال المسلمين، فإننا لم نحصل على أي جواب، وعندما لم نجد أي اعتبار لطلبنا، ولم تصل أي إجابة إلى جنابنا، وبعد أن استقبلنا قنصل فرنسا المقيم لدينا استقبالً حسنًا، نبهناه بكلام لين وعبارة مهذبة إلى هذا الأمر، بقولنا: "إنه ما استمرت علاقة الصداقة بين الأوجاق وحكومة بلدكم لأمد طويل كما هو ظاهر إلا لالتزام مملكتكم بشروط الصداقة المحفوظة مع غيرها من مراسلات دول النصارى مع أسلافي من الباشوات، وهي محفوظة عندنا، وأنا أيضًا بصفتي معينًا وزيرًا عند سيدي صاحب الشوكة والكرامة والقوة والمهابة سلطان العَالمَي49 فأنا وزير معين ومأمور بالدفاع عن حقوق أوجاق الجزائر المنصور بفضل الله والمحافظة عليه، وقد حررنا رسائل من دولتنا وأرسلناها إليكم، وطوال هذه المدة لم يصل إلى حضرتنا شيءٌ من جوابكم". عند ذلك قام القنصل بخيلاء وتكبر وتقدم قائلً: "إن ملك فرنسا والدولة لن يحرروا لك أي كتاب، ولن يصل إليك مكتوب نظيرًا لرسائلك"، وفوق هذا التحقير في الكلام، تجرأ على الدين المحمدي، وتحدث بما ينتقص من جناب شرف حضرة سيدي بما يخرج عن طاقة تحملي ويتجاوز كل معقول، حينها [...] وبشجاعة المسلمين ضربته ضربتين أو ثلاث ضربات خفيفة بمروحة كانت في يدي. والقنصل المذكور سابقًا يسعى بالفساد والعياذ بالله، وحينما صعد إلى إحدى السفن البخارية في سواحل أفريقيا، بدماغه السيئ التدبير50، بادر من ساعته وبسرعةٍ إلى إشعال نار الفتنة، وبعد مرور شهر وفدت قطعة بحرية من نوع غليوطة إلى ميناء الجزائر وألقت مرساتها فيه، وقد صار من عادتنا، بموجب قوانين الأوجاق، عندما تصل إلى ساحل الجزائر سفينة تابعة لإحدى الدول الأجنبية، أن نوفر من طرفنا للقناصل فلوكة51 توصلهم إلى سفنهم وتعيدهم منها إلى الميناء. أما القنصل المذكور، فقد أخبر وكيلنا بأنه لن يعود معه، وقام بإعادة إرسال فلوكتنا. وفي الغد، ظهرت علىى سطح البحر سفنهم المنحوسة، وهي قطعة بحرية بطابقين، وفرقاطتان، وقطعة أخرى حربية، والتحقت بهم السفينة التي كانت راسية قبالة ميناء خليج الجزائر، وفي الغد أرسل إلينا قائدهم مكتوبًا وطلب منا أن نرد عليه في أجل أقصاه أربع وعشرون ساعة، وبعد ترجمته عَلِمْنَا أنه يطلب أن نرفع الراية الفرنسية على محل إقامتنا البسيط بالقصبة المعمورة، وأن تكون راية الإسلام تحت راية الفرنسيس، وليس هذا فقط، بل أن ترفع راية الفرنسيس في القلعة، وينصب علمهم في ساحة رأس العمارة التي شاع ذكرها في الآفاق، وأنه من أجل إعلام الجميع بذلك يجب أن نطلق مئة طلقة مدفع من أبراج المدينة، وأن يتوجه رؤساء الجيش وكبار رجال الأوجاق إلى السُفن المرابطة قبالة سواحل المدينة للاعتذار، وما إلى ذلك من شروط تمس شرف الإسلام ولا طاقة لنا بقبولها، وأفاد المكتوب "أنه إذا تم القبول بهذه الشروط فبها ونعمت، وإلا فسنشرع في الحرب من ساعتنا". بسبب هذا الكتاب حررتُ كِتابًا يليق بخادم حضرتك الشاهانية، أبديت فيه الحزم والشجاعة اللازمين، مضمونُه: "أن ما عرضتموه في كتابكم لا يليق بذوي العقول الراجحة من رجال الدول، بل هو أشبه ما يكون بكلام مَن فقد عقله وهو مقيم في مأوى للمجانين. فإذا كنت تريد أن تقف على حقيقة ما جرى بالفعل فأرسل من طرفك رجلً ذا عقل سديد، ليتأكد بنفسه، بعد بحث الأمر ومعاينته، أن مثل هذا القنصل المثير للفتنة لا يصلح لنا، كما أنه لا يصلح لكم. وفي الوقت الذي نأمل فيه أن ترسلوا قنصلً يحل محله، فإننا لن نعير اهتمامًا لهذا الكلام
المركب الذي لا يليق بمقامنا، فإن أرسلت رجلً من عندكم إلى مقامنا لبحث المسألة في غضون الساعات الأربع والعشرين، كما هو مُبين أعلاه، فسيكون الأمر أكثر وضوحًا، وإلا فإننا ندخل في أعمال عدائية". في شرق الأوجاق المنصور في بلد عنابة سُمح للفرنسيين بإنشاء مبنى صغير سُميَ الباستيون، وعُهِد به إليهم لغرض البيع والشراء وصيد المرجان منذ سنين متواترة، على ألّ يسع أكثر من خمسة أشخاص أو ستة، وقد هدم هذا البناء أثناء طغيان الهالك بونابرت، ثم عُهِد إليهم به من جديد على ألا يجعلوه قويًّا. لكنّ الفرنسيين كانوا يعملون منذ سنين ليلً ونهارًا لجعله حصنًا قويًا للحرب، فجعلوا فيه أربعة عشر مِدفعًا من حديد، ومدفعين نحاسيين، ومدفعي هاون52، ويخدم فيه أكثر من مئة جندي على رأسهم عدد من الضباط، ما يظهر فساد نيتهم وسوء سريرتهم، وقد أدت ثورة قبائلنا المقيمين في أعلى الجبل إلى الاستحواذ على ما كان فيه من بارود وذخيرة وسائر أسلحة الحرب. وعلى الرغم مما تضمنه الاتفاق بيننا من شروط تقضي بمنع بيع البارود وسائر الأسلحة، فقد خرقوا الشروط المتفق عليها. ولما بلغ ذلك مسامعنا، أرسلنا رجالً من عندنا إلى المكان الخبيث، فاحتجزوا ما كان فيه من البارود والذخيرة. في العام الماضي، أثناء بداية الربيع الخير، قمنا بتجهيز سفننا التي لم نكن نستخدمها من أجل إرسالها في معية الأسطول الهمايوني لتكون فداءً وخدمة لصاحب الحضرة الشاهانية نعمة العالم وسيد الأمم صاحب القوة والمهابة والعظمة حضرة سيدنا وسلطاننا وولي نعمتنا. لكن الكفار المكرة لم يسمحوا لها بالحركة، وعند إعلان العداوة لنا أرسلوا سفينتين من سفنهم الملعونة، ومع وجود هواء طيب تمكنوا من الوصول إلى برج الباستيون المذكور، ونجحوا في إطلاق سراح الجند الذين كانوا في داخل البرج، وأخذوا ما كان فيه من بارود وسلاح فأضحى فارغًا. حينها، أمرنا بهدم هذا البرج وتسويته بالأرض وأصبحنا في أفضل حال. ومن دون سبب أعلن الروم53 العصاة عن عدائهم للأوجاق المنصور. كانت العديد من سفن الكفرة تضرب حصارًا على سواحل الجزائر. وبسبب استحالة خروج سفن جهادنا كعادتها إلى البحر، تمكّن القراصنة الروم بخمس عشرة سفينة تقريبًا من التضييق على المسلمين الموجودين على طول السواحل الأفريقية من طرابلس إلى مضيق جبل طارق. وعلى الرغم من الحصار الذي ضربه الكفار الفرنسيون - لعنة الله عليهم - على الأوجاق المنصور بست أو سبعٍ من سفنهم القوية، فإننا - ولله الحمد والشكر - لم يمسسنا شيء، ونحن لسنا في حاجة بعون الله ورعاية جناب الباري وحسن توجيه ظل الله. وحتى لو لم يكن الفرنسيون وحدهم بل كانت في صفهم سائر الدول، فيسرنا أن نخبر جناب حضرة سلطاننا العظيم أن لدينا القدرة على صدهم. لكن المعلوم لحضرتكم أن الأوجاق المنصور كان منذ القدم وعلى الدوام يعتمد في جنديته، من كل الوجوه، على ما يأتيه من عساكر من بلاد الأناضول، بيد أن الأوجاق منذ سنوات لم يصل إليه أي جنود، لذا أصبحنا الآن في قلة وندرة، ومع أن أولاد العرب لدينا عددهم كافٍ، فإن ما شاع من سمعة عساكر الترك وشهرتهم برًّا وبحرًا تجعلنا نريدهم دائمًا بكثرة لدينا، لذا فإننا نتمنى من ولي نعمتنا أن يأذن لنا بتجنيد عدد من العساكر من مدينة إزمير وسائر سواحل بلاد الأناضول، على النحو الذي يراه ولي نعمتنا مناسبًا لحاجتنا.
وتتكون السفن الفرنسية الخبيثة التي تضرب الحصار على سواحل الجزائر من فرقاطة كبيرة لها بطاريتان، وهي سفينة بطابقين، وفرقاطة ثانية، وسفينتين من نوع بريك54وغليوطة55 أخرى، أي إن مجموعها خمس سفن بحرية قوية، تمضي وقتها ذهابًا وإيابًا قبالة ساحل الجزائر. لم تثُن هذه القوةُ شعلةَ الحماس والشوق في قلوب خدمك للغزو والجهاد، لذا قمنا بتجهيز سفننا التي كانت في ميناء المدينة، وهي فرقاطة صغيرة قديمة وسفينة كروت56 صغيرة، وأما ما عداهما فهي مجموعة صغيرة من السفن الشراعية الصغيرة والبريك وجميعها إحدى عشرة سفينة، وبالجملة جهزنا ما كان من سفن جهادنا وزودناها بالمجاهدين من عباده المؤمنين بالدين المبين والمطيعين لحضرة سلطاننا العظيم. متوكلين على الله ومتوسلين برسول الله انطلق المجاهدون على بركة الله في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول بعد المغرب ومن الغد في صباح يوم مولد الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - هجمت سفن المجاهدين؛ مثل سفينة التنين ذي الرؤوس السبعة، على سفن الملاعين الكفار التي كانت تظهر في الأفق، وبأمر من الله تعالى، وبخلاف ما كنا ننتظره، هبت ريح معاكسة سعت معها سفننا بكل حماس وجهد إلى ألا تبقى في مجرى هبوبها، وبمنٍّ مِن الله وصلت سفننا إلى أماكن سفن الأعداء، ومن ساعتها أشعلوا النيران وشرعوا في القتال، وحاولوا في أكثر من ثلاث ساعات المواجهة بالمدافع فجعلوا الساحة نارًا، ولمّا أيقن الأعداء أن نسيم النصر اقترب من المسلمين وأن الله قد مكّن للمسلمين في هذه الغزوة، وخافوا من أن يصبحوا فريسة للمجاهدين، رموا ثلاث طلقات فارغة بخيبةٍ عظيمة وحسرة كبيرة، وتولّوا مدبرين مستعينين على ذلك بريح وافقت تحركهم وهم فارّون كما تفر الطير من صيادها، وقد ظلت ثلاث سفن لنا بلا حراك لم تستطع المشاركة في الغزو لأن الريح لم تساعدها فظلت محبوسة لم تصل إلى مرادها في هذه المعركة الضارية. وبعون من خير الناصرين ورعاية روحانية من فخر المرسلين وبقوة خليفة المسلمين لم يمس سفنَنا سوء، ولم نفقد إلا فردًا من العرب أنعم الله عليه بكأس الشهادة، وجرح ثمانية نفرٍ من رجالنا. وبعد مرور شهر وردنا مكتوب من تونس المحروسة وآخر من بلاد النصارى يفيدان أنه، في وقت الغزوة، أصيب أحد كبار قادة سفنهم برصاصة، ولحقت بإحدى سفنهم كورة من عندنا فأشعلتها كما تشتعل نار سقر، وألحقت بالملاعين الكفار خسارة كبيرة، فروي أنه حُمل منهم جرحى ستة وخمسون، وفي رواية أخرى أكثر من ذلك، ونقلوا إلى المستشفيات في مدينة طولون. أسأل الله أن يديم نصره وتأييده لعساكر المسلمين، وأن يزيد في ذل أعدائه الكافرين آمين بجاه نبيه الأمين. تم تحرير وعرض الحال بكيفيته الصحيحة التي جرت، مع السرور بتقديمها إلى سيدي وولي نعمتي صاحب الدولة والعظمة والسيادة، صاحب الخيرات، ذي الجود الكبير، والهمة العالية. بتاريخ جمادى الأولى 1243 ه، خادمكم حسين والي جزائر الغرب المحروسة ختم: المتوكل على الرحمن الرحيم عبده حسين بن حسن وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
المراجع
العربية
كوثراني، وجيه. "مارك بلوخ: من فكرة 'المجتمعات الحزينة' إلى التأريخ لأزمة التحول وأزمنتها، قراءة في كتاب دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ". تبين، مج 1، العدد 1 (صيف 2012).
الأجنبية
I. De Testa, Le baron. Recueil des traités de la Porte ottomane avec les puissances étrangères depuis le premier
traité conclu en 1536 , entre Suléyman I et François I, jusqu'à nos jours. Tome 1. Paris: Editeur E. Leroux
Kuran, Ercüment. Cezayir Fransızlar tarafından işgal karşısında Osmanlı siyaseti 1827 - 1847. İstanbul: yenilik
Paul, Masson. Histoire des établissements et du commerce français dans l'Afrique barbaresque. 1560 - 1793. Algérie,
References
FO 3 \ 35 correspondence N° 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10. (Aug-Oct. 1832).
HR.SYS. Dosya N° 425. Gömlek N° 4 Tarih 1827. 07. 02. Belge N° 3.
HR.SYS. Dosya N° 425. Gömlek N° 4 Tarih 1827. 07. 02. Belge N° 1.
Amyot, 1864.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 73 Tarih 27. Z. 1242.Belge N° 2.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 73 Tarih 124. R. 07. Belge N° 2.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 73 Tarih 1242. Z. 27. Belge N° 1.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 73 Tarih 1243. R. 07. Belge N° 2.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 73 Tarih 1827. 07. 27. Belge N° 1.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 73 Tarih 1827. 07. 27. Belge N° 4.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 75 Tarih 1243. C. 30. Belge N° 1.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 75 Tarih 27. Z. 1243.Belge N° 2.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 75 Tarih 30. Ca. 1243. Belge N° 3.
I.DUIT. Dosya N° 138. Gömlek N° 75 Tarih 30. Ca. 1243. Belge N° 4.
I.DUIT. Dosya N° 139. Gömlek N° 25 Tarih 1249. Ca. 02. N° 1.
I.DUIT. Dosya N° 139. Gömlek N° 25 Tarih 1249. Ca. 02. N° 6.
basım evi, 1957.
Tunisie, Tripolitaine, Maroc. Paris: Editeur Hachette, 1903.
Sertoğlu, Midhat. resimli osmanlı tarihi ansiklopedisi. İstanbul: İSKİT Yayınevi, 1958.