Return to Article Details Historical Writing in Egypt

ندوة الكتابة التاريخية في مصر

Historical Writing in Egypt

عبد الرحيم بنحادة

Abderrahim Benhadda

الملخّص

استكملً لسلسلة ندوات الكتابة التاريخية في البلدان العربية التي تعتزم عقدها دوريةأسطور للدراسات التاريخية، عقدت الدورية ندوة “تجربة الكتابة التاريخية في مصر: نظرة إلى المسار ومراجعة الحصيلة” يومي 1 - 2 تشرين الثاني/ نوفمر 2021. ودارت الندوة حول مجموعة من المحاور هي المناهج والاتجاهات التاريخية، والتأريخ لمصر القديمة، والأركيولوجيا وتأريخ الفن، ومجالات البحث في تاريخ مصر الوسيط، وقضايا عثمنية في التاريخ المصري، وكذلك تاريخ مصر المعاصر وتاريخ الآخر. وقد شارك في الندوة مجموعة من المؤرخين والباحثين المصريين. وفي هذا العدد، تنشر أسطور القسم الأول من أوراق هذه الندوة، وستنشر القسم الثاني في العدد السادس عشر. سلسلة ندوات الكتابة التاريخية في البلدان العربية هي مجموعة من الندوات القطاعية، التي تطرح مجموعة من الأسئلة على الباحثين والمؤرخين العرب، من بينها: كيف كتب المؤرخون تاريخ بلدانهم؟ وما الأسئلة التي أرّقتهم؟ وما السياقات السياسية والإبستيمية التي قادتهم إلى التركيز على مواضيع دون غيرها؟ وكيف حقّبوا التاريخ وفتَّتوه؟ وما الصعوبات التي تواجههم في إثارة مواضيع جديدة؟ وهل استطاعوا التغلّب على فقر المادة التاريخية من خلال الانفتاح على مواد ونصوص جديدة؟ وما صورة انفتاحهم على المدارس الغربية؟

تعتزمأسطور مناقشة بعض هذه القضايا وغيرها من خلال رصد ما توصّل إليه البحث التاريخي في البلدان العربية. وتهدف من ذلك إلى تعميق النقاش بين المتخصصين في البلد الواحد. وتهدف، أيضًا، إلى مناقشة التقاطعات والاختلافات الموجودة في مقاربة القضايا التي طُرحت. ومن ثمّ، تكون بمنزلة أداة أساسية لإنجاز بحوث تركيبية عن تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي، بعيدًا عن التعميمت والأفكار المسبقة والصور النمطية التي تشكّلت. أمّا الندوات التي تقترحها الدورية، فهي عبارة عن استبيان يتضمن أسئلة عديدة منمَّطة موجَّهة إلى المتخصصين في حقل الكتابة التاريخية ممن راكموا تجربة بحثية ذات أهمية.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • مصر
  • ندوة أسطور
Keywords:
  • Ostour Seminar
  • Histography
  • Egypt

الكتابة التاريخية في مصر Historical Writing in Egypt

استكملً لسلسلة ندوات الكتابة التاريخية في البلدان العربية التي تعتزم عقدها دوريةأسطور للدراسات التاريخية، عقدت الدورية ندوة “تجربة الكتابة التاريخية في مصر: نظرة إلى المسار ومراجعة الحصيلة” يومي 1 - 2 تشرين الثاني/ نوفمر 2021. ودارت الندوة حول مجموعة من المحاور هي المناهج والاتجاهات التاريخية، والتأريخ لمصر القديمة، والأركيولوجيا وتأريخ الفن، ومجالات البحث في تاريخ مصر الوسيط، وقضايا عثمنية في التاريخ المصري، وكذلك تاريخ مصر المعاصر وتاريخ الآخر. وقد شارك في الندوة مجموعة من المؤرخين والباحثين المصريين. وفي هذا العدد، تنشر أسطور القسم الأول من أوراق هذه الندوة، وستنشر القسم الثاني في العدد السادس عشر. سلسلة ندوات الكتابة التاريخية في البلدان العربية هي مجموعة من الندوات القطاعية، التي تطرح مجموعة من الأسئلة على الباحثين والمؤرخين العرب، من بينها: كيف كتب المؤرخون تاريخ بلدانهم؟ وما الأسئلة التي أرّقتهم؟ وما السياقات السياسية والإبستيمية التي قادتهم إلى التركيز على مواضيع دون غيرها؟ وكيف حقّبوا التاريخ وفتَّتوه؟ وما الصعوبات التي تواجههم في إثارة مواضيع جديدة؟ وهل استطاعوا التغلّب على فقر المادة التاريخية من خلال الانفتاح على مواد ونصوص جديدة؟ وما صورة انفتاحهم على المدارس الغربية؟ تعتزمأسطور مناقشة بعض هذه القضايا وغيرها من خلال رصد ما توصّل إليه البحث التاريخي في البلدان العربية. وتهدف من ذلك إلى تعميق النقاش بين المتخصصين في البلد الواحد. وتهدف، أيضًا، إلى مناقشة التقاطعات والاختلافات الموجودة في مقاربة القضايا التي طُرحت. ومن ثمّ، تكون بمنزلة أداة أساسية لإنجاز بحوث تركيبية عن تطور المعرفة التاريخية في العالم العربي، بعيدًا عن التعميمت والأفكار المسبقة والصور النمطية التي تشكّلت. أمّا الندوات التي تقترحها الدورية، فهي عبارة عن استبيان يتضمن أسئلة عديدة منمَّطة موجَّهة إلى المتخصصين في حقل الكتابة التاريخية ممن راكموا تجربة بحثية ذات أهمية.

Continuing the series of symposiums on historical writing in the Arab countries, the Ostour Journal for Historical Studies held a symposium on “Historical Writing in Egypt: Trajectories and Outcomes” on 1  -  2 November 2021. The symposium revolved around several themes: Curricula and historical trends, the history of ancient Egypt, archaeology and art history, medieval Egyptian history, Ottoman history in Egypt, as well as contemporary Egyptian history and the history of the other in Egypt. A group of Egyptian historians and researchers participated in a symposium and the first section of their papers was published in this issue of Ostour. The second section will be published in the sixteenth issue. Within this framework Ostour will soon be organising various focused seminars on historiography in Arab countries: How have historians written the history of their countries? What are the questions that have kept them awake at night? What are the political and epistemological questions that have led them to favour some topics over others? What periodisations have they adopted? What are the difficulties that they face in taking up new topics? Have they been able to overcome the poverty of historical material by considering new items and new texts? How open have they been to western schools of thought? Ostour will discuss all these issues and more, in the hope of deepening discussions between experts in each country and establishing points of similarity and difference in their approaches. This will serve as a foundation for complex studies of the development of historical knowledge in the Arab World, avoiding the generalisations, prejudices and stereotypes.

زميلاتي زملائي الأعزاء أخذت مجلة أسطور للدراسات التاريخية على عاتقها القيام بجولة في البحث التاريخي في العالم العربي عبر تنظيم سلسلة من الندوات تهمّ الكتابة التاريخية في البلاد العربية. ليس الغرض من هذه السلسلة عرض مواضيع تاريخية يهتم بها الباحثون بقدر ما هي

فرصة للتأمل في الإنتاج التاريخي في الأقطار العربية بغية الوقوف على الاختلافات والتقاطعات في طرائق معالجة القضايا التي تُطرح على المؤرخ غرب الوطن العربي ومشرقه. وكان البدء بالعراق، وقد نشرت المجلة أعمال هذا اللقاء (الذي انعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020) على صفحات عددها الرابع عشر. في هذا التقديم، أريد أن ألحّ على بعض القضايا المهمة وهي ذات صلة بإنتاج المعرفة التاريخية عمومًا. تتمثل القضية الأولى بأنّ الكتابة التاريخية تتأثر بالسياقات التاريخية التي عاشها المجال، بل إنّ المؤرخ يطرح أسئلة على الماضي

انطلاقًا ممّا يعيشه، ومن ثمة كانت الكتابة التاريخية دائمًا متجددة. عندما نتأمل خريطة البحث التاريخي في كل بلد نجدها تتجاوب

مع الأسئلة الراهنة، ومن هنا، ما كان لبعض المجالات البحثية أن يبرز للوجود لولا هذه الأسئلة المتجددة. إنّ معرفة الماضي، كما يقول

مارك بلوخ، لا يمكن أن تكون مجدية إلا من خلال فهمنا الحاضر والربط على نحوٍ ارتدادي بين الماضي والحاضر لأنّ تلاقيهما هو

الذي يفسر التاريخ3. وتتمثل القضية الثانية بأنّ البحث التاريخي يتأثر بالأوضاع الإبستيمية التي يعرفها البحث في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية

ومدى انفتاح المؤرخين في الوطن العربي على التحولات التي يعرفها حقل البحث التاريخي. فلمّا كان الاهتمام دوليًّا بدراسة نمط الإنتاج

السائد في البلاد غير الأوروبية، انبرى عدد من المؤرخين في مصر لدراسة هذا الموضوع. وهنا لا بد من الإشارة إلى الدراسة الرائدة لأحمد صادق سعد عن "تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي"، الصادرة سنة 1974، التي اجتهد فيها لتقديم رؤية جديدة عن نمط الإنتاج الآسيوي. والواقع أنّ هذه الدراسة لم تكن الأولى من نوعها، فقد كان أحد المؤرخين الكبار في مصر، وهو عبد الكريم أحمد عزت، أنجز

بحثًا في موضوع "الأرض والفلاح"، نشرته الجمعية المصرية للدراسات التاريخية سنة 1974. وقد تناول هذا البحث موضوع تطور ملكية الأرض في مصر على مر العصور. أمّا القضية الثالثة، فتتمثل بأنّ المعرفة التاريخية وتطورها مرتبطان بمدى توافر الباحثين، ومدى قدرة الجامعة على إنتاج أجيال

متجددة، ومأسسة المعرفة التاريخية من خلال إيجاد قنوات لتصريفها. لقد أُنشئت الجامعة في مصر منذ ما يزيد على قرن من الزمن؛ إذ أُنشئت جامعة فؤاد الأول سنة 1908، أي ثماني سنوات بعد إنشاء دار الفنون في إستانبول. وكان من بين أهم الأقسام التي استقبلت عددًا كبيرًا من الطلاب قسم التاريخ، باعتباره

يسير وفق الأهداف المسطَّرة للجامعة التي كان منها "إيجاد طبقة مثقفة من المصريين تدرك أنّ الاستقلال ليس مجرد تحرير الأرض، وإنما هو تحرير الشخصية المصرية والانطلاق بها في مراقي المدنية والحضارة"4. كان طلبة التاريخ هم الذين يعكرون مزاج السلطات الاستعمارية البريطانية. وبالرجوع إلى أطروحة فريدريك أبيكسيس التي أعدّها في جامعة مرسيليا سنة 2002 عن "التعليم الأجنبي في مصر والنخب المحلية 1920  -  1960 الفرنكفونية والهويات الوطنية"، نجد نصًّا مهمًّا في هذا

الباب، وهو مستلّ من الرسالة التي وجّهها اللورد لويد Llyod Lord إلى شمبرليان Chamberlian في 6 نيسان/ أبريل 1929؛

1  مارك بلوخ، دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ، ترجمة أحمد الشيخ (القاهرة: المركز العربي للدراسات الغربية، 2012)، ص 28.

2  "نشأة الجامعة وتطورها"، جامعة القاهرة، شوهد في 26 / 1 / 2022، في: CSc 1 c 34 / ly. bit:// https

إذ يقول: "بصفة عامة ليس من ضمن طلاب العلوم والطب الذين سيوظفون مستقبلً في الدواوين المصرية والمجالس التشريعية أو من ضمن أولئك الذي يحسنون الخطب في التجمعات، ولكنهم طلبة التاريخ والحقوق هم الذين ينبغي ألا يتُركوا لحالهم إذا ما أردنا وضعًا

مستقرًّا في البلاد"5. ولتعزيز الدرس التاريخي كان من الضروري إيفاد بعثات طلابية إلى الخارج من أجل الدراسة في أوروبا والعودة بمناهج وطرق جديدة في الدرس التاريخي. وفي هذا الباب يذكّرنا الباحث المصري مجدي عبد الحافظ صالح بتسريع وتيرة التواصل مع الجامعات الفرنسية في عدة ميادين، ومن بينها حقل التاريخ منذ ما بعد الحملة الفرنسية على مصر وتزايدها في عهد محمد علي والملوك المصريين. ولعل هذه الظاهرة (ظاهرة إيفاد الطلاب لمتابعة دراستهم في الخارج، لا سيما في مجال التاريخ أو الحقوق) لم تكن ظاهرة تخص مصر وحدها، بل تشمل البلدان الشرقية، بما في ذلك روسيا، حتى إنّ الدراسات سجّلت أنّ الجامعات الفرنسية كان فيها ما بين 50 و 60 في

المئة من الطلاب الأجانب. وحين عاد هؤلاء الطلاب إلى مصر، بصموا الحياة الجامعية فيها. ولكن ما حدث في مصر - وأتكلّم تحت رقابة زملائي - أنّ عدد

الموفدين إلى الجامعات الأوروبية والأميركية تقلّص إلى حدّ بعيد، خاصة عندما شعرت الدولة المصرية بأنّها حققت الغرض من البعثات

الطلابية، ولم تعد تعاني نقصًا كبيرًا في أطرها. وكان لذلك تداعياته على مستويات عدة أثّرت في تشكّل بعض الحقول البحثية في

مجال التاريخ. ومهما يكن من أمر، فقد كان من شأن ارتفاع أعداد الباحثين في حقل التاريخ أن يؤثّر في الإنتاج التاريخي كمًّا ونوعًا. وعندما

تحقّق الاكتفاء الذاتي من أطر تدريس التاريخ في الجامعة المصرية، وجدنا عددًا كبيرًا من المصريين يشتغلون في مختلف الجامعات

العربية في المغرب، وفي بقية بلدان الشمال الأفريقي، وفي بلدان الخليج أيضًا. وقد ترك العديد منهم أثرًا واضحًا في الدراسات التاريخية

في هذه البلدان. والبحث التاريخي مرتبط بدرجة وجود أدوات لتصريف المعرفة التاريخية، من دُور نشر متخصصة في حقل المعرفة التاريخية

ومجلات متخصصة. لقد عرفت مصر نوعًا من المأسسة المبكرة للمعرفة التاريخية، ومرة أخرى لا بد من التأكيد على أثر الحملة الفرنسية

في هذا الباب. ولا بد أيضًا من التذكير بأنّ أوّل جمعية للبحث التاريخي في مصر أ حدثت سنة 1859 واسمها "جمعية مصر للبحث في تاريخ

الحضارة المصرية". وكانت هذه الجمعية، على غرار مثيلاتها التي أ نشئت في مصر في مجالات معرفية مختلفة (مثل جمعية المعارف التي برزت إلى الوجود سنة 1868، والجمعية الجغرافية سنة 1875)، تعمل على تنشيط البحث التاريخي المصري منذ ذلك الحين. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أنّ مصر سبقت الدولة العثمانية المركزية، بسنوات كثيرة، في تشكيل مثل هذه الجمعيات؛ فجمعية التاريخ

العثماني Encemeni Osmani Tarihi لم توجد إلّ في سنة 1910. لا نعرف الأسباب التي أدّت إلى خفوت نشاط جمعية مصر للبحث في تاريخ الحضارة المصرية، لكننا نعرف أنّ جمعية أخرى أخذت

على عاتقها تعميم المعرفة التاريخية منذ سنة 1945، عندما صدر مرسوم للملك فاروق، في 20 تموز/ يوليو 1945، بإحداث الجمعية الملكية للدراسات التاريخية التي تحوّلت بعد الثورة المصرية الأولى، سنة 1952، إلى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية. وقد كانت الوظيفة

3  Frederic Abecassis, "L'enseignement étranger en Egypte et les élites locales 1920  -  1960: La Francophonie et le identités nationales," Thèse PhD., l'Université Aix Marseille, Marseille, 2000 , p. 136 , accessed on 19 / 1 / 2022 , at: https://bit.ly/ 3 fA 8 Amk 4  Magdi Abdel Hafez Saleh, "Les rapports culturels entre la France et l'Egypte," Cahiers de l'AIEF , no. 56 (2004), pp. 57  -  66. 5  Victor Karady, "La migration internationale d'étudiants en Europe, 1890  -  1940 ," Actes de la Recherche en Sciences Sociales , no. 145 (2002), pp. 47  -  60.

  1. Frederic Abecassis, "L'enseignement étranger en Egypte et les élites locales 1920  -  1960: La Francophonie et le identités nationales," Thèse PhD., l'Université Aix Marseille, Marseille, 2000 , p. 136 , accessed on 19 / 1 / 2022 , at: https://bit.ly/ 3 fA 8 Amk
  2. Magdi Abdel Hafez Saleh, "Les rapports culturels entre la France et l'Egypte," Cahiers de l'AIEF , no. 56 (2004), pp. 57  -  66.
  3. Victor Karady, "La migration internationale d'étudiants en Europe, 1890  -  1940 ," Actes de la Recherche en Sciences Sociales , no. 145 (2002), pp. 47  -  60.

الأساسية لهذه الجمعية كما هو منصوص عليها في قانون إحداثها، تتلخص في "تنظيم" الدراسات التاريخية في "مصر والوطن العربي" من جهة أولى، وجمع الوثائق والمصادر والمذكرات الخاصة بهما من جهة ثانية، وتعميم المعرفة التاريخية من خلال عقد المحاضرات والمؤتمرات وإصدار مجلة دورية من جهة ثالثة. وفعلً، شُع في إصدار العدد الأول من المجلة سنة 1948. ومنذ ذلك الحين لم تتوقف المجلة عن الصدور إلا فترة قصيرة خلال المدة 1952  -  1956. والواقع أنّ هذه المجلة كانت بمنزلة منصة مهمة لنشر أبحاث جادّة لمؤرخين مصريين وغيرهم، وتُعتبر منصة لنشر

الوثائق والمصادر الغميسة لتاريخ مصر. وللمجلة موقع إلكتروني يمكّن الباحث من الاطلاع على محتويات 25 مجلدًا من أصل 54 مجلدًا

أصدرتها المجلة في المدة 1948  -  2020. لا أريد أن أطيل عليكم في هذه الورقة التقديمية، وما قصدته منها هو تجذّر البحث التاريخي في مصر، على نحوٍ يدعونا إلى الوقوف عند هذا الإنتاج، والتأمل فيه، وإبراز أهم القضايا التي أثارها. عندما وجّهنا الدعوة إلى الزملاء كنّا مقتنعين بأنها ستتجاوب مع تطلعاتنا. وهو ما حصل بالفعل؛ فعلى مستوى المشاركين، يساهم

معنا في هذه الندوة باحثون من أجيال ثلاثة على الأقل. وعلى مستوى الأوراق المقدمة، وصلت إلينا أوراق مهمة تعالج قضايا متنوعة تراوح بين الإسهام الفردي والإسهام الجماعي في الكتابة التاريخية المصرية، في مختلف الفترات التاريخية. فقد تناولت مداخلات الزملاء وضع الكتابة التاريخية في مصر في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأكدت مسألة أساسية تتعلق بتوازي مدارس تاريخية مختلفة في القرن التاسع عشر. وأبرزت ورقة أنّ الجيل الأول من المؤرخين الأكاديميين والمحترفين في مصر كان يسعى إلى دعم

بناء الدولة الوطنية في مصر. ويصدق هذا الأمر على جلّ الكتابات التاريخية التي عالجت تاريخ مصر حتى مطلع ستينيات القرن العشرين. وفي الاتجاه نفسه، سعت ورقة أخرى إلى إبراز مظاهر مشكلة هيستوريوغرافيا في الكتابة التاريخية في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، من خلال الوقوف عند حالة تناول شخصية صلاح الدين الأيوبي في الكتابات التاريخية بتوجيه من الحاكمين في البلاد آنذاك. وبقدر ما حصلنا على أبحاث تتأمل في حصيلة الكتابات التاريخية في القرنين التاسع عشر والعشرين بغضّ النظر عن الحقب التي

تناولتها الأبحاث، حصلنا على نصوص تناولت حصيلة البحث في فترات زمنية مختلفة. بالنسبة إلى الفترة القديمة، وإن لم نظفر ببحث يتيح الوقوف على حصيلة البحث في الإيجيبتولوجيا وسياقات الاهتمام بتاريخ مصر الفرعونية، فإننا ظفرنا بدراسة مهمة جدًّا عن اهتمام المؤرخين المصريين بالفترة الإغريقية والرومانية من تاريخ مصر. وسعت الورقة

المكرَّسة لهذا الموضوع إلى تسليط الضوء على جيل من مؤرخي الخمسينيات والستينيات في جامعة فؤاد الأول؛ إذ أبرزت الجهود التي

بذلها هؤلاء المؤرخون في رسم مسارٍ خاصّ لهذه الدراسات يتميز من باقي المسارات الدولية، فقد كرّسوا جهودهم لترجمة النصوص

القديمة بفضل إجادتهم اللغتين اللاتينية والإغريقية، وتمكّنوا من وضع اللّبنات الأولى لدراسة هذه الفترة من تاريخ مصر. وكانت غنيمتنا بالنسبة إلى العصور الوسطى جيدة جدًّا، سواء على مستوى الكمّ أو المضمون. ومن بين الأوراق التي استرعت

اهتمامنا، على وجه الخصوص، تلك التي تناولت موضوع إعادة كتابة السيرة النبوية عند المؤرخين المصريين في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته. وانتبهت الورقة بعد عرضها الخطوط العريضة لهذه الدراسات إلى ربطها بالسياق الثقافي في البلاد العربية، وخاصة مصر، والتراكم الذي حصل على مستوى كتابة السيرة عند المستشرقين. ومكّنتنا ورقة أخرى من الوقوف عند التطور الحاصل في مجال كتابة التاريخ المملوكي، لا سيما في مستوى عدّته المصدرية والمنظور

الشعبي لهذا التاريخ انطلاقًا من القرن التاسع عشر، أي منذ أن تناوله مؤرخون هواة إلى القرن العشرين. ولم يكن في الإمكان أن يجري تناول حصيلة الكتابات التاريخية المصرية حول العصور الوسطى من دون استحضار التراكم الحاصل في مستوى البحث في الحروب

الصليبية؛ إذ سعت دراسة في هذا الموضوع إلى رصد أثر نموّ حركة المدّ القومي في حركة التدوين التاريخي لتلك المسألة، وتحليل انعكاس

الأوضاع السياسية اللاحقة بذلك. وقد أبرزت أوراق أخرى مدى اهتمام المؤرخين المصريين بقضايا تخرج عن الدائرة الجغرافية، واستأثرت باهتمام الجيل الأول من الباحثين؛ إذ عالج الباحثون المصريون قضايا تتعلق بتاريخ الأندلس. وسارت ورقة بحثية في اتجاه استعراض الأبحاث التي أنجزها الدارسون، بدءًا من المؤرخين الهواة، من أمثال محمد عبد الله عنان، إلى جيل المؤرخين الأكاديميين، من أمثال حسين مؤنس ومحمد

مختار العبادي والسيد عبد العزيز سالم، الذين كرسوا جهودًا حثيثة للتاريخ الأندلسي، تحقيقًا وبحثًا. وقد أبرزت الدراسة دوافع هذا

الاهتمام بالأندلسيات. ولم تكن الفترة العثمانية لتغيب عن الأوراق البحثية التي قدّمها المشاركون. فقد تناولت ورقة عن اتجاهات كتابة التاريخ العثماني،

رؤية هذه التيارات المتعددة في كتابة تاريخ مصر العثمانية، وأثرها في تبلور نخبة جديدة وظهورها في التسعينيات، ممثلةً في ظهور سيمنار القاهرة للدراسات العثمانية، الذي تبنّته الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بإشراف رؤوف عباس ونيللي حنا. وعالجت ورقة أخرى مسألة الأرشيف العثماني وأهميته في كتابة تاريخ مصر. وبعد تأكيد أهمية وثائق الأرشيف العثماني في كتابة تاريخ مصر، ركزت على التعريف بالدراسات التاريخية التي استفادت من المخزون الأرشيفي العثماني، كل ذلك في أفق التعرّف إلى

المشكلة والصعوبات التي يعانيها مستغلّو الأرشيف العثماني نظرًا إلى خصوصياته. وتعرّضت ورقة أخرى لمسألة الأقليات الأرمنية من منظور الكتابة التاريخية المصرية، من خلال استعراض بعض الكتب التي

تناولت القضية الأرمنية، ساعية إلى التعرف إلى منهجها ومدى صدقيتها في التعبير عن توجهها الأيديولوجي أو تبعيتها السياسية. وقد يتساءل المرء عن الأسباب التي تدفع المؤرخين المصريين إلى الاهتمام بقضية الأرمن. وتؤكد الورقة الدور الذي كان لانفتاح الأرشيف المصري واحتوائه على مادة غزيرة تسمح بدراسة هذا الموضوع، كما أنّ الاهتمام به يأتي في سياق سياسي يتميز بسيادة الفكر القومي

العروبي والرغبة الجامحة في معرفة الأدوار التي تؤدّيها الأقليات سلبيًا وإيجابيًا. لم يغب عن الزملاء مسألة الاستخدام السياسي للتاريخ. وكانت هذه القضية حاضرة في جل المداخلات، وقد ركزت عليها ورقة على نحو خاص. ليس بوسعي أن أعرض كلّ الأوراق الثرية التي وردت علينا، والتي تبين مدى تمكّن أصحابها ومدى تجاوبهم مع الأسئلة التي طرحناها عليهم عند إعداد الورقة المرجعية. أتوجه إلى كل الزملاء بالشكر والتقدير على ما بذلوه من جهود. وأرغب في أن تكون هذه الندوة فاتحة للتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ولا سيما مع مجلة أسطور؛ إذ نعوّل عليكم في الكتابة فيها وفي

إغنائها بأبحاثكم الرصينة، وفي تحكيم الأبحاث التي ترد علينا، والمشاركة، أيضًا، في مؤتمراتنا والإسهام في إثرائها. ولتسمحوا لي في الأخير أن أتوجه بجزيل الشكر والثناء إلى المدير العام للمركز الدكتور عزمي بشارة على رعايته وتشجيعه، وإلى الزملاء في إدارة الأبحاث وعلى رأسهم الزميل العزيز حيدر سعيد، وإلى الصديق العزيز ناصر سليمان الذي نسّق أعمال الندوة، وإلى

زميلَّ العزيزين في هيئة التحرير المصغّرة، الدكتورة آيات حمدان والباحث الشاب عمر المغربي. وشكرًا للحضور الكرام على حسن

الإصغاء والمتابعة. عبدالرحيم بنحادة رئيس التحرير