Return to Article Details The Efforts of Egyptian Historians in Studying the History of the Crusades: Processes and Developments

جهود المؤرخين المصريين في دراسة تاريخ الحركة الصليبية المسارات والتطورات

The Efforts of Egyptian Historians in Studying the History of the Crusades: Processes and Developments

حاتم الطحاوي

Hatem El-Tahay

الملخّص

تُعدُّ الحركة الصليبية التي خرجت من الغرب الأوروبي نحو الشرق الإسلامي من أهم مظاهر العلاقات بين العالمَين الإسلامي والأوروبي في العصور الوسطى، وأحد الإرهاصات المبكرة لحركة الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث. وتكمن خطورة هذه الحركة في أنها دفعت المسلمين – وهي أوّل مرة في تاريخهم منذ حركة الفتوح الكبرى – إلى الانتقال من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع، خاصة بعد أنْ بدا أن المشروع الصليبي الاحتلالي إنما جاء لكي يبقى على نحو دائمٍ.

Abstract

Professor of Medieval History in the Faculty of Arts at Zagazig University, Egypt.

الكلمات المفتاحية:
  • تاريخ العصر الوسيط
  • الحروب الصليبية
  • ندوة أسطور
  • الكتابة التاريخية
Keywords:
  • Histography
  • Ostour Seminar
  • Medieval History
  • Crusades

Processes and Developments

تُعدُّ الحركة الصليبية التي خرجت من الغرب الأوروبي نحو الشرق الإسلامي من أهم مظاهر العلاقات بين العالميَن الإسلامي والأوروبي في العصور الوسطى، وأحد الإرهاصات المبكرة لحركة الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث. وتكمن خطورة هذه الحركة في أنها دفعت المسلمين - وهي أوّل مرة في تاريخهم منذ حركة الفتوح الكبرى - إلى الانتقال من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع، خاصة بعد أنْ بدا أن الممشروع الصليبي الاحتلالي إنما جاء لكي يبقى على نحو دائمٍ. وكان من الطبيعي أن تولي المدرسة التاريخيةُ المصرية هذه الحركةَ اهتمامًا كبيرًا؛ من حيث أسبابها، وتجلياتها، ونتائجها، بالنسبة إلى مصر وفلسطين وبلاد الشام، وذلك بسبب العُمق الاستراتيجي الممصري على مر العصور التاريخية، فضلً عن المكانة الكبرى لمصر في الفكر الصليبي الكاثوليكي بوصفها حجر الزاوية في مشروع الجهاد والمقاومة الإسلامية. تتناول هذه الورقة مراحل تطور دراسة المؤرخين المصريين للحركة الصليبية، وترصد أثر نمو المد القومي في حركة التدوين التاريخي في ما يتعلق بهذه الحركة، وتحلّل انعكاس الظروف السياسية اللاحقة على زوايا التناول العلمي واختيار نقاط البحث. وتتناول، أيضًا، جهود الرعيل الأول من المؤرخين في التعريف بالحركة الصليبية، مع نقد منتجهم العلمي وتحليله، وتحلل أعمال من عَقِبهم من الباحثين، خاصة المسهمين في ترجمة الوثائق والمصادر التاريخية الصليبية، مع إبراز الفارق بين ترجمات وأخرى من حيث التزامها بالمنهج العلمي، ومتابعة الانتقال من دراسة التاريخ السياسي والعسكري إلى دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي وتاريخ الأفكار. ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن الدراسات التاريخية المصرية لم تتوقف أثناء البحث في فترة الوجود الصليبي في الشرق العربي في القرنيَن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديَيّن، بل اهتمت بدراسة ما يمكن تسميته ب "مشروعات ما بعد الصليبية" التي تركَّزت حول ضرورة إسقاط دولة سلاطين المماليك في مصر من أجل السيطرة مجددًا على العالم العربي الإسلامي. تحاول الورقة تتبّع المقاربة التي أوجدها المؤرخون المصريون بين الحركتيَن الصليبية والصهيونية من حيث الهدف الرئيس؛ وهي احتلال فلسطين العربية، ووسائل البقاء، وأساليب المقاومة. وتُعنى كذلك باهتمام المدرسة التاريخية المصرية بالدراسات والأبحاث

  1. أستاذ التاريخ الوسيط في كلية الآداب، جامعة الزقازيق، مصر. hatem1453@yahoo.com

الإسرائيلية المتخصصة التي أولَت الحركة الصليبيةَ أهمّيةً كبيرة من أجل الاستفادة منها، خاصة في موضوعات من قبيل الاستيطان والأمن وغيرها. تعد الدراسات المتعلقة بالحروب الصليبية من أهم المجالات البحثية في المدرسة التاريخية المصرية الحديثة، ويؤكد ذلك الدراسات المبكرة التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ إذ ألّف سيد علي الحريري عام 1899 كتابه الأخبار السنية في الحروب الصليبية1، فضلً عن كثافة الموضوعات البحثية المصرية في حقل دراسات الحروب الصليبية وتنوع مجالاتها، واستمرارية المنتج البحثي في هذا المجال حتى يومنا هذا على نحو متصل. ونشير في هذه الورقة إلى مدرسة مصرية متميزة في معالجة تاريخ الحركة الصليبية، وهي مدرسة ترصد وجود عدة أجيال من مؤرخي الحروب الصليبية في مصر: "جيل الرواد"، و"جيل الوسط"، و"جيل الباحثين الجدد". ولا ريب في أن هذا الاهتمام البحثي المصحوب بغزارة الإنتاج في مجال الحركة الصليبية في المدرسة المصرية للدراسات التاريخية لم يُولد من العدم، بل إنّ هناك أسبابًا منطقية عديدة لذلك؛ كان أولها توجه تلك الحركة الاستعمارية المتسربلة بالدين نحو المقدسات الإسلامية في فلسطين، وما نتج من ذلك من صدمة تاريخية تجلّت في تحول المسلمين، أوّلَ مرة، من موقف الهجوم (حركة الفتوحات الإسلامية) إلى موقف الدفاع عن مقدساتهم على الأرض العربية. فضلً عن التهديد المباشر لمصر عبر البوابة الشرقية، وهي الممر التاريخي لأعداء هذه البلاد منذ فجر التاريخ. ثمّ إنّ كثافة المادة التاريخية التي دونها المؤرخون المعاصرون للحروب الصليبية في الشرق العربي الإسلامي والغرب المسيحي الكاثوليكي، على حد سواء، قد سمحت بتنوّع المجالات البحثية. إن السبب الأبرز لذلك، في تصورنا، كان بمنزلة رد الفعل من جانب المدرسة التاريخية المصرية على تعرض العالم العربي لموجة الاستعمار الأوروبي الذي عُدَّ امتدادًا للحركة الصليبية في العصر الوسيط، فضلً عن تنامي حركة المد القومي والتأثيرات الناصرية التي حاولت استيلاد منقذ أو "مخلّص" جديد. ولا يمكن إغفال نشأة الجامعة المصرية التي بدأت بالاطلاع على ما أنتجه الغرب في مجال دراسات الحروب الصليبية من خلال الأساتذة الأوروبيين الذين خدموا في الجامعة المصرية، والطلاب المبعوثين إلى الجامعات الأوروبية. تجلّت بداية المدرسة المصرية لدراسة تاريخ الحركة الصليبية في كتاب الحريري، وهو أول مؤلَّف عربي حول الحروب الصليبية. وعلى الرغم من أنّه قد يؤاخذ بدرجة تعمّقه، فإنّه حقق الغرض من كتابته، في وقته، بحسب ما ذكر المؤلف نفسه؛ وهو إصدار مرجع شامل لتاريخ الحروب الصليبية بقلم عربي مسلم أوّل مرة. بعد ذلك، بدأت المدرسة المصرية في النمو تدريجيًّا بجهود أساتذة الجامعة المصرية التي أ سِّسَت في نهاية عام 1908، وفي طليعتهم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زيادة الذي حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة ليفربول عام 1927، ليعود إثر ذلك، ويتدرّج إلى رتبة أستاذ كرسي العصور الوسطى، وهو أوّل من تبوَّأ هذه الرتبة من بين الأساتذة المصريين2. ويلاحظ المتتبّع لمسيرة محمد مصطفى زيادة العلمية أنّ عطاءه قد سار في مسارَين متوازييَن: الأول هو المسار البحثي؛ إذ قدّم عددًا من البحوث والدراسات المرتبطة بدراسات الحروب الصليبية، أهمها كتابه الصادر عام 1968 بعنوان: حملة لويس التاسع على مصر وهزيمته في المنصورة3. وقد ظهرت في هذا الكتاب ملامح المدرسة المصرية لدراسات الحركة الصليبية التي قامت على النقد والتحقيق وتنويع المصادر البحثية وتقييمها، مع السعي للتخلص من التأثيرات الغربية التي مجَّد أغلبُها عملَ الصليبيين. وشارك زيادة،

  1. سيد علي الحريري، الأخبار السنية في الحروب الصليبية (القاهرة: دار النيل للطباعة والنشر، 1910.)
  2. محمد مؤنس عوض، "محمد مصطفى مؤرخًا للحروب الصليبية"، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد 42 (2017)، ص 1  -  19.
  3. محمد مصطفى زيادة، حملة لويس على مصر وهزيمته في المنصورة (القاهرة: المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، 1961.)

أيضًا، في الموسوعة الكبرى عن الحروب الصليبية التي أنتجتها جامعة وسكنسون الأميركية4 إذ كتب فصلً عن المماليك ودورهم في الحروب الصليبية. وساهم في مجال تحقيق مصادر تاريخ الحروب الصليبية. فقد حقَّق كتاب السلوك لمعرفة دول الملوكعام 1943 لأحمد بن علي المقريزي، وأخرج منه الجزأين الأول والثاني؛ في ثلاثة أقسام بالنسبة إلى كل منهما. أما المسار الثاني لعطاء زيادة، فجاء من خلال تكوين مجموعة من الباحثين الذين أشرف عليهم في مرحلتَي الماجستير والدكتوراه، وأبرزهم سعيد عبد الفتاح عاشور وحسن حبشي6 اللذان بدأت معهما المدرسة المصرية في مجال الحروب الصليبية في التبلور عبر إنتاجهما العلمي من ناحية، وتخريجهما العديد من الباحثين النابهين من ناحية أخرى. جاء بعد محمد مصطفى زيادة تلميذه حسن حبشي الذي يجيد الفرنسية القديمة واللاتينية، وقد حصل على شهادة الماجستير عام 1946 في موضوع "نور الدين والصليبيون"، ثمّ حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة لندن بعد أعوام من البحث والدرس والاتصال بكبار المؤرخين (مثل برنارد لويس وديلافيل). ثمّ عاد حبشي إلى جامعة عين شمس، وتدرّج إلى رتبة الأستاذية7. تميز الإنتاج العلمي بالنسبة إلى حبشي بالتنوع المطلوب بين التأليف والترجمة والتحقيق، فقد ألّف العديد من الكتب والبحوث، ثمّ دلف إلى حقل ترجمة المصادر التاريخية للحركة الصليبية، مُقدِّمًا عددًا من الترجمات الدقيقة لعدد كبير من المصادر الأصلية المتعلقة بالحملات الصليبية الأولى والثالثة والرابعة والسابعة. وساهم، أيضًا، في تحقيق العديد من المصادر التاريخية الإسلامية المعاصرة للحركة الصليبية. ويُعد سعيد عبد الفتاح عاشور علامة بارزة في المدرسة المصرية لتاريخ الحروب الصليبية. وقد حصل على شهادة الدكتوراه عام 1955، ثمّ تبوَّأ كرسي العصور الوسطى بجامعة القاهرة عام 1969. ولعل كتابه الرائد الحركة الصليبية: صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد العربي في العصور الوسطىالذي صدر في جزأين عام 1963، كان العمل المصري والعربي الأكثر شمول - وربما حتى الآن - بالنسبة إلى تاريخ الحركة الصليبية في المشرق العربي الإسلامي. ولا تخلو مكتبة باحث متخصص منه8. وقد واصل عاشور تأليف الكتب والأبحاث المتعلقة بمجال الحروب الصليبية وتحقيق عدد من المصادر التاريخية الإسلامية المعاصرة للفترة الصليبية. على أنّ الأثر الكبير لسعيد عاشور تجلى عبر تقديمه العديد من الباحثين الجدد في تاريخ الحركة الصليبية. فقد كان لهم أثرٌ مهمّ جدًّا في نقل الاهتمام بالدراسات الصليبية إلى مختلف الجامعات المصرية الأخرى9؛ مثل قاسم عبده قاسم، وزبيدة محمد عطا، وحامد زيان، ومحمود الحويري، وعبد الغني عبد العاطي، وغيرهم. وفي جامعة الإسكندرية، لا يمكن إغفال دور المؤرخ الكبير عزيز سوريال عطية الذي ساهم في الكتابة عن الحروب الصليبية، وحقّق كتاب الإلممام بالإعلام في ما جرت به الأحكام والأمور المقضية في وقعة الإسكندرية للنويري الإسكندراني المتوفّ في القرن الرابع عشر الميلادي. هاجر عطية إلى الولايات المتحدة الأميركية، وواصل أبحاثه حول الحركة الصليبية. ويُحسب له تبنّيه تلميذه النجيب جوزيف نسيم يوسف الذي يُعد من أبرز المؤرخين المصريين في مجال الحروب الصليبية حتى صار أستاذ كرسي العصور الوسطى

5  Mustafa M. Ziada, "The Mamluk Sultans to 1293 ," in: Kenneth M. Setton (ed.), A History of The Crusades , vol. 2 (Madison: University of Wisconsin Press, 1969), pp. 735  -  758.

  1. عوض، ص 4  -  6.
  2. محمد مؤنس عوض، "أ. د. حسن حبشي (1915  -  2005) مؤرخًا للحروب الصليبية"، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد 44 (2018)، ص 1  -  24.
  3. محمد مؤنس عوض، "أ. د. سعيد عبد الفتاح عاشور (1922  -  2009 م) مؤرخًا للحروب الصليبية"، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد 46 (صيف 2018)، ص 1  -  34.
  4. المرجع نفسه.

بجامعة الإسكندرية، وضرب بسهم وافر في مجال التخصص من خلال مؤلفاته، والباحثين الذين تتلمذوا على يديه، وانتشروا في باقي الجامعات الإقليمية10. ومن أهم أعمدة مدرسة الإسكندرية المختصة بالدراسات الصليبية جوزيف نسيم ومحمود عمران ومحمد الشيخ، فقد تتلمذ على يديهم العديد من الباحثين البارزين؛ مثل أسامة زيد، وحسين عطية، وحسن عبد الوهاب، وعلي السيد، وإبراهيم سعيد، ومحمد دسوقي، والباحث الواعد أحمد شعير. ويُعد الراحل الكبير قاسم عبده قاسم، تلميذ سعيد عبد الفتاح عاشور، أبرز مؤرخي المدرسة التاريخية المصرية إسهامًا في دراسة تاريخ الحركة الصليبية، فقد اهتم بالخلفيّة الأيديولوجية لهذه الحركة متتبعًا جذورها في المجال الغربي الكاثوليكي، وله في ذلك عدّة مؤلفات وترجمات. وهو أول من درس تاريخ الحروب الصليبية بناءً على مستويات جديدة عبر الاعتماد على المصادر الأدبية؛ مثل الشعر، والتراث الشعبي11. ولم يقتصر الإنتاج العلمي على جيل الرواد من المؤرخين المصريين الكبار والمختصين بعصر الحروب الصليبية، بل اتسع هذا الإنتاج من خلال جيل الوسط الذي واصل البحث في ظل وفرة المادة العلمية التي أصبحت متاحة إلى حد بعيد، فضلً عن الاهتمام بزيادة البعثات العلمية إلى أوروبا، وهو ما أنشأ إنتاجًا جديدًا على مستوى المنهج وطريقة التناول. وهكذا، برز جيل جديد من الباحثين في تاريخ الحروب الصليبية، ولا سيما حسين عطية12، وحسن عبد الوهاب13، ومؤنس عوض، وغيرهم، وقد ساهموا في فتح آفاق جديدة في دراسة العلاقات بين المسلمين والصليبيين. ولا بد من أن ننظر في الإنتاج العلمي لمؤنس عوض الذي ألّف عددًا كبيرًا من الكتب والبحوث في مجال الحروب الصليبية؛ من حيث الكم، وتنوع الموضوعات. فقد ألف وحده أكثر من ستين كتابًا، وزادت بحوثه على المئة، وخصَّ صلاح الدين الأيوبي وحده باثني عشر كتابًا، وأعدّ مؤلَّفًا تتبع فيه بإسهاب وتفصيل شديدين جهود عشرات الباحثين المصريين المتخصصين في مجال تاريخ الحروب الصليبية14. وبعد جيلَ الرواد والوسط نمَا الإنتاج العلمي للمدرسة المصرية في ما يخص عصر الحروب الصليبية، بجهود عدد كبير من الباحثين الواعدين الذين تتلمذوا على أيدي الأجيال السابقة، وساعد على ذلك انتشار الجامعات في شتى أنحاء مصر؛ حيث يوجد في كل محافظة جامعة، إضافةً إلى جامعة الأزهر العريقة المنتشرة فروعها في جل المحافظات المصرية.

  1. محمد مؤنس عوض، "أ. د. جوزيف نسيم يوسف (1925  -  1993 م)‎ مؤرخًا للحروب الصليبية"، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد 47 (تشرين الأول/ أكتوبر 2018)، ص 1  -  18.
  2. دراسات في تاريخ العصور الوسطى: بحوث مهداة إلى الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم بمناسبة بلوغه الستين عامًا، تحرير حاتم الطحاوي (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية، 2003)، ص 5  -  22.
  3. من الإنتاج العلمي للأستاذ الدكتور حسين محمد عطية، ينظر: حسين محمد عطية، إمارة أنطاكية الصليبية والمسلمون 1171  -  1286 م/­ 567  -  666 ه (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989)؛ "مجلس نابلس 23 يناير 1120 وأحوال مملكة بيت المقدس الصليبية"، حولية التاريخ الإسلامي والوسيط، كلية الآداب، جامعة عين شمس، ص 39  -  66.
  4. من الإنتاج العلمي للأستاذ الدكتور حسن عبد الوهاب حسين، ينظر: حسن عبد الوهاب حسين، تاريخ جماعة الفرسان التيوتون في الأراضي المقدسة: حوالي 1190  -  1291 م/ 586  -  690 ه، تقديم جوزيف نسيم يوسف، دراسات في تاريخ الحركة الصليبية 1 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،  1989)؛ "وثيقتا اتفاق السلام بين الجماعات الرهبانية العسكرية 9 أكتوبر 1258 م، 13 مارس 1275 م دراسة وتحليل"، في: دراسات في تاريخ الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى: المجتمع الصليبي في بلاد الشام (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2000)، ص 180  -  212.
  5. محمد فوزي رحيل، دراسات في تاريخ العصور الوسطى الأوروبية وعلاقاتها بالشرق: كتاب تذكاري مهدى تكريمًا للأستاذ الدكتور محمد مؤنس عوض (القاهرة: مكتبة الآداب، 2013)، ص 7  -  27.

وساعد "الانفجار المعرفي" في ظل عصر الإنترنت على الحصول على مصادر الحروب الصليبية بلغاتها الأصلية، وما تُرجم منها إلى اللغات الأوروبية الحديثة، فضلً عن النشاط السابق لجيلَ الرواد والوسط في عملية ترجمة المصادر التاريخية الصليبية. وكان لثورة الاتصالات وظهور مواقع التواصل الاجتماعي دورٌ لا يُنكر في تطور المدرسة المصرية لدراسات الحروب الصليبية، في ظل طوفان المواقع الإلكترونية المهتمة بالحروب الصليبية. وفي وقت لاحق، ظهر موقع ال "فيسبوك". وأنشأ الباحثون المصريون صفحات علمية خاصة بتاريخ العصور الوسطى عمومًا، وتاريخ الحروب الصليبية خصوصًا. وساعدت هذه المواقع على توافر المصادر التاريخية المختصة بتكلفة قليلة، وعلى معرفة أحدث الإصدارات والوصول إليها، سواء كان ذلك في صورة إلكترونية مجانية أو مدفوعة. واهتم الباحث محمد فوزي رحيل بهذا الموضوع منذ وقت مبكّر من "ثورة الإنترنت"، وكتب مقالً في المجلة التاريخية المصرية عام 2006 بعنوان "مدخل إلى المواقع المهتمة بالحروب الصليبية على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت")15. وفتح بمقاله الطريق أمام الباحثين، فقد أرشدهم إلى المواقع المتعلقة بموضوع الدراسة، وطرق الاستفادة منها، وبخاصة المواقع المرتبطة بالمجلات العلمية العالمية، بما تحتويه من روابط للعديد من البحوث المتخصصة، وفي صدارتها موقع Jstor الشهير. ويمكن الخروج بالعديد من الملاحظات على مجمل جهود المؤرخين المصريين في دراسة تاريخ الحركة الصليبية، وأُولى هذه الملاحظات أنّ إنتاج الرعيل الأول تناول الظاهرة الصليبية تناولً عامًّا وشاملً، لكنه لم يُعنَ بالتفاصيل الدقيقة، وهذه سمة غالبة على المحاولات العلمية الأولى في حقل جديد من حقول الدراسات التاريخية. غير أن الجيل التالي طوّروا جهود من سبقهم، ودفعوا بها بعيدًا عن التاريخ السياسي والعسكري من أجل آفاق أكثر رحابة في مجالات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. وبعد ذلك، ساهم كلٌّ من الباحثين حاتم الطحاوي16، وحسين عطية17، ومحمد رحيل18 في الكشف عن المصادر التاريخية الصليبية التي كانت مستغلقة على الباحثين العرب؛ مثل "مجموعة تشريعات وقوانين مملكة بيت المقدس"20. وتميزت الترجمات العربية للمصادر التاريخية الخاصة بالحملات الصليبية على فلسطين وبلاد الشام ومصر برصانتها العلمية، وقد قام بها كل من حسن حبشي21، وقاسم عبده قاسم22، وحسين عطية23، وحسن عبد الوهاب، وحفلت بالعديد من الهوامش والتعليقات التي أَثْرَت النص الأصلي؛ ما ساهم في تميّزها الكبير مقارنةً بما أخرجه الراحل الدكتور سهيل زكار في الموسوعة الشاملة للحروب الصليبية.

19  Auguste-Arthur Beugnot, (ed.), "Livre des Assises de Jerusalem," Lois I-II, in: Recueil des historiens des croisades (Paris: Imprimerie Royale), 1841  -  1843.

  1. محمد فوزي رحيل، "مدخل إلى المواقع المهتمة بالحروب الصليبية على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)"، المجلة التاريخية المصرية، مج 44، العدد 2 (2007)، ص 170  -  208.
  2. حاتم الطحاوي، "القانون البحري لمملكة بيت المقدس الصليبية: قراءة في مجموعة قوانين مملكة بيت المقدس"، مجلة كلية الآداب، مج 58، العدد 4 (تشرين الأول/ أكتوبر 1998)، ص 477  -  529.
  3. حسين محمد عطية، تشريعات الصليبيين: دراسات في قوانين أنطاكية ومملكة بيت المقدس الصليبية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2012).
  4. محمد فوزي رحيل، "قانون التأمين على خيل الحرب في مملكة بيت المقدس الصليبية: قراءة في مجموعة قوانين بيت المقدس"، حولية سيمنار التاريخ الإسلامي والوسيط، العدد 1 (2011)، ص 297  -  323.
  5. من نماذج ترجمات حسن حبشي، ينظر: جان دي جوانفيل، القديس لويس: حياته وحملاته على مصر والشام: مذكرات جوانفيل، ترجمة وتعليق حسن حبشي (القاهرة: دار المعارف، 1968)؛ وليم الصوري، الحروب الصليبية، أربعة أجزاء، ترجمة حسن حبشي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991  -  1995.)
  6. من نماذج ترجمات قاسم عبده قاسم، ينظر: يوشع براور، عالم الصليبيين، ترجمة قاسم عبده قاسم ومحمد خليفة حسن (القاهرة: دار المعارف، 1981)؛ نورمان كانتور، قصة حضارة بداية ونهاية، ترجمة قاسم عبده قاسم، ج 2 (القاهرة: دار المعارف، 1982.)
  7. ترجم حسين محمد عطية المُؤلَّفين التاليين: ريموندا جيل، تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس، ترجمة حسين محمد عطية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989)؛ بطرس توديبود، تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس، ترجمة حسين محمد عطية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1998.)

ولا يمكن إغفال تأثير المناخ السياسي في أعمال المؤرخين المصريين المتعلقة بالتأريخ لحقبة الحروب الصليبية، مثل تلك الأعمال المتعلقة بالمد القومي، والأفكار المتعلقة بالعروبة، وخيار المقاومة، وخيار الصلح مع الكيان الصهيوني. فقد أدرك المؤرخون المصريون مبكرًا أنّ حركة الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث امتداد للحركة الصليبية في العصر الوسيط، حتى إنْ تأثر بعضهم بالمصطلحات السياسية الجديدة. ونجد كتبًا في مرحلة الستينيات تحمل عنوان "الشرق الأوسط والحروب الصليبية" و"العدوان الصليبي والرأي العام الغربي". كما نجد كتبًا وأبحاثًا تتناول البطل المخلص صلاح الدين الأيوبي في مواجهة الحركة الصليبية، ودوره في تحرير القدس، مع تركيز كبير على كونه عربيًا وليس كرديًّا؛ في محاولة للاستجابة لتنامي الفكر العروبي، وفي محاولة استدعاء دور مشابه لجمال عبد الناصر في مقاومة الحركة الصهيونية في فلسطين. والمثير في الأمر أننا نجد، بعد انتهاء الفترة الناصرية في مصر بالفشل في مواجهة التهديد الصهيوني، وتحوّل السياسة المصرية في عهد الرئيس السادات إلى المهادنة وعقد اتفاقيات السلم مع إسرائيل، تأثيرَ ذلك في اختيارات الباحثين المتخصصين في دراسة الحركة الصليبية، من ذلك كتب وأبحاث تتناول المعاهدات السلمية والهدن بين المسلمين والصليبيين، وأبحاث تثمّن دور السلطان الكامل الأيوبي الذي قدّم القدس على "طبق من ذهب" إلى صديقه الإمبراطور فريدريك الثاني في ما عُرِف بنتائج الحملة الصليبية السادسة عام 1229 م. ومن أهم إيجابيات المدرسة التاريخية المصرية في تناولها الحركةَ الصليبية أنها أدركت مبكرًا التشابه في الأحداث والأهداف والأغراض بينها وبين الحركة الصهيونية الحديثة. ولم يكتفِ بعض الباحثين المصريين بذلك، بل رصدوا أيضًا اهتمام الباحثين الإسرائيليين بتاريخ الحروب الصليبية ومحاولة الاستفادة من دروسها من أجل استمرار احتلال الأرض العربية في فلسطين. لقد أدرك الباحثون المصريون أنّ وجود "دولة إسرائيل" لا يختلف كثيرًا عن "مملكة بيت المقدس الصليبية"، وعضد ذلك اهتمام مراكز البحث الإسرائيلية بعصر الحروب الصليبية اهتمامًا كبيرًا، وظهور عدد من أعلام المؤرخين اليهود الذين تعمّقوا في مجال التخصص لتقديم المشورة لدوائر السياسة الإسرائيلية من أجل حل مشكلات الحاضر في ضوء تجارب الصليبيين في الماضي؛ وذلك بالنظر إلى أوجه الشبه بين التجربتين، ومن ثم برز منهم عدد من الباحثين؛ مثل يوشع براور، وبنيامين كيدار، وأرييه جرابوا. وقد دفع هذا الاهتمام المبالغ فيه باحثين مصريين إلى وضع التجربة الإسرائيلية تحت مجهر البحث العلمي، فأجروا عددًا من الدراسات حول المؤرخين الإسرائيليين المتخصصين، من أجل إبراز هدفهم من الاهتمام بدراسة تاريخ الحروب الصليبية، المتمثل في إطالة أمد دولتهم عبر الاستفادة من التجربة الصليبية السابقة. وأول من أشار إلى ذلك جوزيف نسيم في بحثه عام 1967، مؤكّدًا أنَّ "الصهيونية امتداد طبيعي للاستعمار الصليبي"24. وقد عمّق قاسم عبده قاسم هذا النوع من الدراسات من خلال دراسته القيِّمة "الرؤية الصهيونية للتاريخ: رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية"25؛ إذ أوضح بجلاء الموقف الصهيوني من هذه الحركة الذي يتمثّل في تيارات ثلاثة رئيسة: أولً: محاولة تصوير الاضطهادات التي أوقعها الصليبيون باليهود في أوروبا الغربية على أنها حلقة ضمن سلسلة ما يطلقون عليه "معاداة السامية"، وهي الظاهرة التي اختلقوها، وروّجوا لها؛ ليبتزوا بها "ضمير العالم"، وأن تلك الحملات الصليبية كانت امتدادًا لهذا "المسلسل" المسمَّى بمعاداة السامية.

  1. جوزيف نسيم، "الصهيونية في فلسطين امتداد للحروب الصليبية"، مجلة العهد الجديد، العدد 145 (16 أيار/ مايو 1967)، ص 19  -  38.
  2. قاسم عبده قاسم، رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية (القاهرة: دار الموقف العربي للصحافة والنشر والتوزيع، 1983.)

ثانيًا: محاولة سرقة التاريخ العربي في فلسطين والأراضي الغربية من خلال محاولة اختلاق دور تاريخي لليهود في التصدي للعدوان الصليبي على نحو يوحي بأن اليهود هم أصحاب الأرض، وأنهم تعرضوا للعدوان، ودافعوا عن البلاد مثلما فعل العرب، وهو أمرٌ يحاولون من خلاله تأكيد حق اليهود التاريخي المزعوم في الأراضي العربية. ثالثًا: دراسة الكيان الصليبي مع التركيز على المشكلات التي أدت إلى فشله بوصفه كيانًا دخيلً، ودراسة احتمالات نجاح الكيان الصهيوني المشابه مع مراعاة المتغيرات والثوابت في الحركة التاريخية من ناحية، والعلاقات الدولية من ناحية أخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإن الموقف اليهودي من الحركة الصليبية لا يتمثل في تلك التيارات الثلاثة فقط، وإنما هناك تيارات أخرى فرعية أقل أهمية تختلف من باحث يهودي إلى آخر، بحسب الرؤية الشخصية والخلفية الثقافية الذاتية لكل منهم. فبعضهم، مثلً، اهتمّ بإجراء بعض الإسقاطات المعاصرة على الكيان الإسرائ لي في مسائل الأمن والعلاقات بالدول المجاورة، وبعضهم استغلّ أحداث الصراع بين الوزيرين شاور وضرغام في الفترة الفاطمية، لترويج الأكاذيب التاريخية؛ مثل عدم قدرة المصريين على القتال. ومنهم من يحاول أن ينال من أبطال التاريخ العربي الإسلامي في فترة الحروب الصليبية عبر التقليل من شأن عبقريتهم العسكرية والتاريخية، مثلما تحدث بعضهم عن صلاح الدين الأيوبي. ويحاول قاسم عبده قاسم أن يوضح فكرته بطريقة عملية في الجزء الثاني من كتابه؛ إذ يختار أحد الباحثين اليهود الذين يمثلون الاتجاه السائد لدى الباحثين الإسرائيليين أثناء تناولهم هذه القضية، بوصفه نموذجًا للموقف اليهودي من هذا الحدث التاريخي. وقد وقع اختياره على المؤرخ الإسرائ لي المعاصر يوشع براور "أستاذ تاريخ العصور الوسطى في الجامعة العبرية في القدس". وكان لاختياره أسباب عدة؛ منها أن موقفه من حوادث اضطهاد يهود أوروبا على أيدي الصليبيين يتخذ الخط الصهيوني نفسه الذي يتعلق بفكرة أمة الشهداء، على الرغم من أن اضطهاد يهود أوروبا هو حدث منفصل عن الحركة الصليبية، وقد أورد المؤلف تفاصيل ذلك. ثمّ إنّ يوشع لا يترك فرصة واحدة من أجل محاولة اختلاق دور تاريخي لليهود في خضم أحداث الحركة الصليبية، ويركز على دراسة الكيان الصليبي وفقًا لمصطلحات إسرائيلية، وهو بذلك ينتمي إلى التيار الذي يحاول أن يجري بعض الإسقاطات المعاصرة على الكيان الصهيوني، في ظل دراسته للكيان الصليبي في العصور الوسطى؛ إذ يستخدم مصطلحات تتعلق بالهواجس الإسرائيلية مثل الأمن، والحدود الطبيعية، ومشكلة الموارد البشرية. وكذلك هي علاقة الكيان الصليبي بالظهير الأوروبي المساند له، وعلاقته العسكرية بالجموع العربية المحيطة والمعادية له26. وعالج مؤنس عوض الموضوع نفسه عام 2015 في كتابه "المؤرخون الإسرائيليون والحروب الصليبية" الذي اهتم فيه بدراسة أعمالٍ وأفكارٍ لثلاثة مؤرخين إسرائيليين بارزين في دراسات عصر الحروب الصليبية؛ هم يوشع براور، وبنيامين كيدار، وأرييه جرابوا. وبصفة عامة يمثل المؤرخون الإسرائيليون تيارًا خاصًّا من بين مؤرخي الحروب الصليبية المحدثين. فقد اهتموا بالتاريخ الاستيطاني للصليبيين في فلسطين، وبالقلاع الصليبية، وحدود مملكة بيت المقدس الصليبية الجنوبية والشمالية على نحو خاص؛ من أجل استخلاص الدروس المستفادة من تجربة الصليبيين في بلاد الشام على مدى القرنيَن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديَيّن. وقد رصد مؤنس الإنتاج العلمي لبراور (1917  -  1990)، وخلص إلى عدة أمور؛ منها: اهتمام براور الشديد بمدينة القدس في عصر الحروب الصليبية، وتعمّده اختلاق دور غير موجود لليهود في ذلك الوقت، من خلال صياغته مقالً بعنوان "إعادة استقرار اليهود في بيت المقدس" بعد حرب عام 1967، وهو ما يوضّح الأثر السياسي في الإنتاج البحثي له. وأثبت الباحث الإسرائ لي، أيضًا، على نحو لا يدع مجالً للشك، أن الحروب الصليبية الوسيطة هي طليعة مبكرة لحركة الاستعمار الأوروبي الحديث. وامتد نشاطه البحثي

  1. قاسم عبده قاسم، القراءة الصهيونية للتاريخ: الحروب الصليبية نموذجًا (القاهرة: دار الهلال، 2005.)

إلى حدود مملكة الصليبيين الجنوبية مع مصر، وإلى تأثّر سيناء بالحروب الصليبية عبر عدة أبحاث، صدرت خلال الأعوام 1956 و 1958 و 1963. وإثر ذلك، حدث العدوان الصهيوني على البلاد العربية؛ ومن ثمّ فقدت مناطق سيناء وغزة والجولان والضفة الغربية لنهر الأردن. وهذا يوحي بدور براور في التمهيد العلمي لهذا العدوان. أما بنيامين كيدار، وهو يهودي تشيكيّ الأصل وُل د عام 1938، فكان تلميذًا ليوشع براور، وقد شارك المؤرخين الإسرائيليين في الاهتمام بتجربة الحروب الصليبية وتقديم "حصاد" تلك المرحلة إلى صناع القرار السياسي في إسرائيل؛ من أجل تجنب أخطاء الصليبيين في العصور الوسطى في "مسرح الأحداث" نفسه؛ وهكذا، ليس في الإمكان فصل بحوثه عن دائرة خدمة السياسة الإسرائيلية. وقد ساعد على شهرته الدولية إتقانه لغات كثيرة؛ منها الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية. وقد كتب بها جميعًا أبحاثًا في مجال التخصص، وشارك بها في مختلف المؤتمرات الدولية. وآخر المؤرخين الإسرائيليين البارزين في مجال الحروب الصليبية أرييه جرابوا "أستاذ تاريخ العصور الوسطى في جامعة حيفا"، وهو من أصل مَجريّ، وقد وُل د عام 1930. وبرز إنتاجه البحثي المهتم بالحروب الصليبية من خلال بحوث في تاريخ مملكة بيت المقدس ورحلات الحج إلى فلسطين في العصور الوسطى. وقد ألقى أضواء كاشفة على العمارة الحربية الصليبية، وبخاصة ما قام منها في شمال مملكة بيت المقدس في صورة قلاع الصُبَيْبَة ونمرود التي جعلت للصليبيين عينًا على دمشق، وأمّنت سيطرتهم على مصادر المياه في هضبة الجولان. وأفاض كذلك في إلقاء الضوء على الاضطهادات التي تعرّض لها اليهود خلال الحملة الصليبية الأولى27. وبسبب خطورة الرؤية اليهودية للحروب الصليبية، اتجه المؤرخون العرب إلى ترجمة بعض أعمال المؤرخين اليهود المعاصرين، ومنها ترجمة قاسم عبده قاسم لكتاب يوشع براور عالم الصليبيين، وكذا ترجمة عبد الحافظ البنا - رحمه الله - لكتابه مملكة بيت المقدس الصليبية وحركة الاستعمار الأوروبي في العصور الوسطى. لقد تبيّنت جهود المؤرخين المصريين في حقل دراسة تاريخ الحركة الصليبية، وهي جهود امتدت إلى أكثر من قرن من الزمان متمثّلةً في أجيال متعاقبة قدّمت مئات الكتب والبحوث العلمية التي تنوعت في موضوعاتها وأدواتها ومناهجها، مسلّطة أضواء كاشفة على تلك الحقبة المفصلية من تاريخ الشرق العربي الإسلامي، والتي ما زالت تلقي بظلالها على واقعنا العربي المعاصر. أخيرًا، يمكن القول إن السمة العامة والغالبة التي ميزت الدراسات التاريخية المصرية في حقل دراسات الحركة الصليبية أنها قد اتصفت، في معظمها، بالرصانة العلمية والأكاديمية، ولم تنزلق إلى مسارات الخطاب الديني "الزاعق" الذي اتصفت به معظم الكتابات غير الأكاديمية.

  1. محمد مؤنس عوض، المؤرخون الإسرائيليون والحروب الصليبية (القاهرة: مكتبة الآداب، 2015.)
  2. يوشع براور، الاستيطان الصليبي في فلسطين، ترجمة عبد الحافظ البنا (القاهرة: عين للبحوث والدراسات الإنسانية، 2001.)

المراجع

References

العربية

براور، يوشع. عالم الصليبيين. ترجمة قاسم عبده قاسم ومحمد خليفة حسن. القاهرة: دار المعارف، 1981.

_______. الاستيطان الصليبي في فلسطين. ترجمة عبد الحافظ البنا. القاهرة: عين للبحوث والدراسات الإنسانية، 2001.

توديبود، بطرس. تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس. ترجمة حسين محمد عطية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1998.

جوانفيل، جان دي. القديس لويس: حياته وحملاته على مصر والشام: مذكرات جوانفيل. ترجمة وتعليق حسن حبشي. القاهرة: دار المعارف، 1968.

جيل، ريموندا. تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس. ترجمة حسين محمد عطية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989.

الحريري، سيد علي. الأخبار السنية في الحروب الصليبية. القاهرة: دار النيل للطباعة والنشر، 1910.

رحيل، محمد فوزي. "قانون التأمين على خيل الحرب في مملكة بيت المقدس الصليبية: قراءة في مجموعة قوانين بيت المقدس". حولية سيمنار التاريخ الإسلامي والوسيط. العدد 1 (2011).

_______. "مدخل إلى المواقع المهتمة بالحروب الصليبية على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)". المجلة التاريخية المصرية. مج 44، العدد 2 (2007).

_______. دراسات في تاريخ العصور الوسطى الأوروبية وعلاقاتها بالشرق: كتاب تذكاري مهدى تكريمًا للأستاذ الدكتور محمد مؤنس عوض. تحرير حاتم الطحاوي. القاهرة: مكتبة الآداب، 2013.

دراسات في تاريخ العصور الوسطى: بحوث مهداة إلى الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم بمناسبة بلوغه الستين عامًا. تحرير حاتم الطحاوي. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية، 2003.

زيادة، محمد مصطفى. حملة لويس على مصر وهزيمته في المنصورة. القاهرة: المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، 1961.

الصوري، وليم. الحروب الصليبية. ترجمة حسن حبشي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991  -  1995.

الطحاوي، حاتم. "القانون البحري لمملكة بيت المقدس الصليبية: قراءة في مجموعة قوانين مملكة بيت المقدس". مجلة كلية الآداب. مج 58، العدد 4 (تشرين الأول/ أكتوبر 1998).

عطية، حسين محمد. إمارة أنطاكية الصليبية والمسلمون 1171  -  1286 م/­ 567  -  666 ه. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989. _______. تشريعات الصليبيين: دراسات في قوانين أنطاكية ومملكة بيت المقدس الصليبية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2012.

عوض، محمد مؤنس. "أ. د. جوزيف نسيم يوسف (1925  -  1993 م)‎ مؤرخًا للحروب الصليبية". مجلة بحوث الشرق الأوسط. العدد 47 (تشرين الأول/ أكتوبر 2018).

_______. "أ. د. سعيد عبد الفتاح عاشور (1922  -  2009 م) مؤرخًا للحروب الصليبية". مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد 46 (صيف 2018).

_______. "أ. د. حسن حبشي (1915  -  2005) مؤرخًا للحروب الصليبية". مجلة بحوث الشرق الأوسط. العدد 44 (2018).

_______. "محمد مصطفى مؤرخًا للحروب الصليبية". مجلة بحوث الشرق الأوسط. العدد 42 (2017).

_______. المؤرخون الإسرائيليون والحروب الصليبية. القاهرة: مكتبة الآداب، 2015.

قاسم، قاسم عبده. رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية. القاهرة: دار الموقف العربي للصحافة والنشر والتوزيع، 1983.

_______. القراءة الصهيونية للتاريخ: الحروب الصليبية نموذجًا. القاهرة: دار الهلال، 2005.

كانتور، نورمان. قصة حضارة بداية ونهاية، ترجمة قاسم عبده قاسم. القاهرة: دار المعارف، 1982.

"مجلس نابلس 23 يناير 1120 وأحوال مملكة بيت المقدس الصليبية". حولية التاريخ الإسلامي والوسيط، كلية الآداب. جامعة عين شمس.

نسيم، جوزيف. "الصهيونية في فلسطين امتداد للحروب الصليبية". مجلة العهد الجديد. العدد 145 (16 أيار/ مايو 1967).

الأجنبية

Setton, Kenneth M. (ed.). A History of The Crusades. Madison: University of Wisconsin Press, 1969.

Beugnot. Auguste-Arthur. Recueil des historiens des croisades. Paris: Imprimerie Royale, 1841  -  1843.