Return to Article Details Historical Sources of the Revolution and the Mahdist State in Sudan (1881 - 1898): The Problem of Diversity and a Methodological Criteria

مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية في السودان (1881-1898) مشكلة التنوع ومعايير المعالجة المنهجية

Historical Sources of the Revolution and the Mahdist State in Sudan (1881 - 1898): The Problem of Diversity and a Methodological Criteria

أحمد أبو شوك

Ahmed Abu Shouk

الملخّص

تعالج هذه الدراسة مشكلتين متداخلتين، إحداهما تتعلق بكيفية تصنيف مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية في السودان (1881-1898) من حيث الموضوع، والجهات المنشئة لها، والظروف السياسية والثقافية والاجتماعية التي أسهمت في صوغ مفرداتها؛ والأخرى تتعلق بكيفية استثمار هذه المصادر الأولية في دراسة تاريخ الثورة والدولة المهدية، وفق معايير منهجية لتحليل محتوياتها في ضوء المؤثرات الداخلية والخارجية التي أحاطت بعملية تشكيلها. وتفترض هذه الدراسة أنّ تصنيف مصادر المهدية الأولية بالطريقة المقترحة، ووضع معايير منهجية لاستثمارها في دراسات تاريخ الثورة والدولة المهدية، سيُخرجان الباحثين من دائرة المعالجة "الوضعانية" للمصادر الأولية المكتوبة (الوثيقة)، باعتبارها الأداة الوحيدة للمعرفة التاريخية ودليل بنائها، إلى دائرة المعالجة التاريخانية التي تساعد في توسيع دائرة المصادر الأولية المكتوبة، لتشمل المشاهد الجغرافية، والشهادات الشفوية، والآثار المادية، فضلًا عن تحليل النصّ المكتوب وتأويله بحسب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شكلت وقائعه وأحداثه.

Abstract

This article deals with two interrelated problems. The first is the classification of the historical sources of the Mahdist revolution and the state in the Sudan (1881 - 1898). The classification is based on their subject matters, the parties that created them, and the political, cultural, and social conditions that contributed to the formulation of their vocabularies. The second problem deals with the utilization of these primary sources in studying the history of the Mahdist revolution and the state, by using specific methodological criteria to analyse their contents in the light of the internal and external influences that surrounded the process of their formation. This study assumes that the proposed classification of the Mahdist primary documents and the establishment of methodological criteria to utilize their contents will allow the researchers to overcome the limitations of the "Positivist School" that focuses on historical documents. Instead, they can adopt the approach of the "Historical School" to widen the scope of the primary documents by consulting geographical sites, oral traditions, and archaeological materials in the context of their political, social, and economic conditions.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة المهدية
  • السودان
  • الدولة العثمانية
  • التاريخانية
Keywords:
  • Sudan
  • Ottoman Empire
  • Historicism
  • The Mahdist Revolution

The Problem of Diversity and a Methodological Criteria

مدخل تاريخي: الثورة والدولة المهدية

اندلعت الثورة المهدية ضد الحكم التركي (1821 - 1885) في السودان عام 1881، تحت قيادة شيخ صوفي، يُدعى محمد أحمد بن عبد الله (1844 - 1885)، أعلن أنه المهدي المنتظر، الذي ذُكر في كتب التراث الإسلااميّ أنه سيملأ الأرض عدلً وقسطًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا. وجدت هذه الدعوة المهدية ورؤيتها المستقبلية القائمة على العدالة والرفاهية الاجتماعية تأييدًا واسعًا في أوساط قطاعات المجتمع السوداني، التي كانت ناقمة على الإدارة التركية لأسباب متعددة شملت سوء الأداء الإداري، والضرائب الباهظة المفروضة على المواطنين، وتهميش دور المؤسسات التقليدية (القبائل والطرق الصوفية) في إدارة شؤون الناس الحياتية. وفي ظل التأييد الشعبي الذي حظيت به الثورة، أعلن بن عبد الله، المعروف بمحمد أحمد بالمهدي، الجهاد ضدّ الحكام الأتراك وأعوانهم، واصفًا كلّ مَن لم يؤمن بمهديته بأنه "كافر" يجوز إعلاان الحرب عليه وسفك دمه ومصادرة أمواله. وبموجب هذا الإعلاان دخلت الثورة في سلسلة من المجادلات الفكرية مع العلماء المعارضين لها، وخاضت العديد من الحروب العسكرية ضدّ نظام الحكم القائم آنذاك وأنصاره. وتوّج المهدي نشاطه الجهادي بحصار الخرطوم عام 1884، عاصمة السودان التركي - المصري آنذاك، والقضاء على تشارلس غوردون Gordon. G Charles1، حاكم عامّ السودان، في 26  كانون الثاني/ يناير 1885. وشكّل هذا الانتصار بداية الحكم المهدوي، الذي كان يهدف إلى قيام دولة إسلاامية، تستمدّ شريعتها وتشريعاتها من القرآن والسنة ومنشورات الإمام المهدي. وبعد خمسة أشهر من تحرير الخرطوم توفي قائد الثورة محمد أحمد المهدي، وخلفه على سدة الحكم الخليفة عبد الله، الذي حكم السودان ثلااثة عشر عامًا (1885 - 1898). وإثر القضاء على الدولة المهدية عام 1898، خضع السودان لنظام حكم إنكليزي - مصري نظمت إطاره الدستوري وهياكل الحكم فيه اتفاقية الحكم الثنائي لسنة 1899. وظل هذا الحكم الثنائي قائمًا إلى أن نال السودان استقلااله في 1 كانون الثاني/ يناير 1956. وتتناول هذه الدراسة بالعرض والتحليل مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية في ضوء الأسئلة الآتية: ӵ ما أنواع مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية في السودان؟ ӵ كيف يمكن تصنيفها من حيث الموضوع، والمنشأ، والمقصد السياسي؟ ӵ ما الموضوعات المسكوت عنها في هذه المصادر؟ ولماذا؟ ӵ ما المعايير المنهجية التي يمكن أن يستخدمها المؤرخ في مساءلة هذه المصادر وتوظيفها توظيفًا موضوعيا؟ للإجابة عن هذه الأسئلة الموضوعية والمنهجية، تبدأ هذه الدراسة بعرض وصفي لأنواع مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية، وكيفية تصنيفها من حيث المنشأ والموضوع، ثمّ تقييمها ومساءلتها بحسب محتوياتها، ومنطلقاتها الفكرية، ومقاصدها السياسية، ويعقب ذلك طرح للمعايير المنهجية التي يمكن أن تساعد الباحثين في استقراء مصادر المهدية، وتحليل محتوياتها، وتوظيف ذلك بطريقة علمية لإنتاج معرفة تاريخية.

  1. هو تشارلس جورج غوردون ذو الأصول الإسكتلندية، الذي ترقى في الجيش المصري إلى رتبة فريق، وعُين عام 1874 مديرًا لمديرية خطّ الاستواء في جنوب السودان، حيث أسس عددًا من النقاط الإدارية، وأسهم في توسيع دائرة نفوذ السُلطة الخديوية. استقال من منصبه عام 1877، لكن أ عيد تعيينه مرة أخرى حكمدارًا عامًّا على السودان، وأوكلت إليه مهمة القضاء على تجارة الرقيق. إلا أنه واجه جملة من المشكلاات الداخلية التي أفضت إلى استقالته عام 1879. وبعد فشل الحكمدارية في القضاء على الثورة المهدية، أ عيد تعيينه حكمدارًا عامًّا على السودان عام 1884، وحُصرت مهمته في إخلااء الجيوش المصرية والعاملين الإداريين من السودان، بيد أنه دخل في صراع مكشوف مع الإمام المهدي وأنصاره، مُعرضًا مدينة الخرطوم وأهلها لحصارٍ خانقٍأودى بحياته في 26 كانون الثاني/ يناير 1885، وبموجب ذلك قضى الأنصار على أهمّ معاقل الحكومة التركية في السودان. ينظر: Richard Hill, A Biographical Dictionary of the Sudan , 2 nd ed. (London: Frank Cass & Co, 1967), p. 30.

أنواع مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية

لعرض محتويات مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية، ومناقشة مقاصدها والأهداف التي استندت إليها، يمكن تقسيمها من الناحية الموضوعية والجهات المنشئة لها إلى المجموعات الآتية:

1. المصادرة الفكرية للثورة المهدية

تستند المصادر الفكرية للثورة المهدية إلى فكرة "المهدي المنتظر"، وتتكون من ثلااثة أنماط رئيسة. يشمل نمطها الأول الرسائل والخطابات التي بعثها محمد أحمد بن المهدي إلى بعض الأعيان والفقهاء والمتصوفة ورجال الدولة، مُعلِمًا إياهم بأنه المهدي المنتظر، وحاثًّا إياهم على الهجرة إليه في الجزيرة أبا على النيل الأبيض، لمناصرته في إحياء الدين (الكتاب والسنة)، ومجاهدة "الحكم التركي الفاسد" وأعوانه في السودان. واستمدت هذه الرسائل شرعيتها ومنطقها من نصوصها المنقولة من "الحضرات النبوية". والدليل على ذلك الرسالة التي بعثها المهدي نفسه إلى الشيخ دفع الله بقوي التي مفادها أنّ "الخلاافة الكبرى" قد هجمت عليه، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلمه بأنه "المهدي المنتظر"، وأجلسه "على كرسيه مرارًا بحضرة الخلفاء والأقطاب والخضر عليه السلاام وجمع من الأولياء الميتين، وبعض الفقراء [يقصد الفقهاء] الذين لا يُعبأ بهم"2(. وبهذا البيان حث المهدي مخاطبيه "الذين يؤمنون بالغيب" على أن يصدّقوا بمهديته وألّ ينظروا إلى أيّ أخبار أخرى: "فمن انتظر بعد ذلك فقد استوجب العقوبة، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: 'من شكّ في مهديته فقد كفر بالله ورسوله"'3. وردًّا على ادعاء المهدية جاء النمط الثاني من مصادر المهدية الفكرية، وقد جسّدته رسائل علماء الدولة الخديوية - العثمانية في الخرطوم، الذين رفضوا الاعتراف بدعوة محمد أحمد المهدي، بشقّيها الغيبي القائم على الإلهام والحضرات النبوية، والمادي المتمثل في ادعاء محمد أحمد بن عبد الله أنه المهدي المنتظر، الذي يملأ الأرض عدلً وقسطًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا. وبإيعاز من عبد القادر حلمي باشا، حكمدار السودان آنذاك (1882)، أعد علماء السلطة الحاكمة في الخرطوم ثلااث رسائل مناهضة لدعوة محمد أحمد بن عبد الله، شملت رسالة الشيخ الأمين الضرير "هدى المستهدي إلى بيان المهدي من المتمهدي"4؛ ورسالة الشيخ أحمد إسماعيل الأزهري "النصيحة العامة لأهل الإسلاام عن مخالفة الأحكام والخروج عن طاعة الإمام"5، ورسالة المفتي الشيخ شاكر الغزي (من دون عنوان)6(، وقد طُبعت هذه الرسائل الثلااث في المطبعة الحجرية بالخرطوم، ووُزّعت على الناس. وإذا نظرنا بإمعانٍ في متونها، فإننا نلااحظ، أولً، أنها قد سعت لإثبات شرعية الخليفة العثماني، السلطان عبد الحميد الثاني (1876 - 1908)، وشرعية ولاية الخديوي توفيق (1879 - 1892) على مصر والسودان. واحتج الشيخ شاكر الغزي بأن السلطة الزمنية المعقودة للخليفة العثماني والخديوي تعتبر

  1. يقرأ النص في رسالة المهدي إلى الشيخ دفع الله بقوي هكذا: "هجمت عليّ الخلاافة الكبرى من الله ورسوله، وأعلمني النبي صلى الله عليه وسلم بأني المهدي المنتظر، وخلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجلوس على كرسيه مرارًا بحضرة الخلفاء، والأقطاب، والخضر عليه السلاام، وجمع من الأولياء الميتين، وبعض الفقراء الذين لا يُعبأ بهم [...] وبعد هذا البيان، فالمؤمن يؤمن ويصدق، لأنّ المؤمنين هم الذين يؤمنون بالغيب ولا ينتظرون لأخبار أخرى. فمن انتظر بعد ذلك فقد استوجب العقوبة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "من شكّ في مهديته فقد كفر بالله ورسوله". لمزيد من التفصيل، ينظر: الآثار الكاملة للإمام المهدي، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، مج 1 (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990)، ص 96 - 100.
  2. المرجع نفسه.
  3. ينظر النص الكامل لرسالة الشيخ الأمين الضرير في: محمد إبراهيم أبو سليم، الخصومة في مهدية السودان: كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلاميًّا وسودانيًّا (الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2004)، ص 279 - 287.
  4. ينظر النص الكامل لرسالة الشيخ أحمد إسماعيل الأزهري في: نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم (بيروت: دار الجيل، 1981)، ص 629 - 638.
  5. رسالة المفتي الشيخ شاكر الغزي في: شقير، ص 624، 628.

"سرًّا من أسرار الألوهية، وفرضًا من الفروض الشرعية الدينية"، ولذلك يُعدّ "لزوم طاعتها فرضًا لازمًا وأمرًا جازمًا "7. ومن ثمّ، وصف الأزهري دعوة المهدية بأنها نوع من الفتنة والخروج على السلطان، والمسلم الذي يخرج عن طاعة السلطان "يكون باغيًا ومحاربًا لله ورسوله، ساعيًا في الأرض بالفساد، فتجوز مقاتلته، وردّه عمّا هو عليه، وإقامة حدّ الشريعة فيه"8(. ونلااحظ، ثانيًا، أنّ أصحاب هذه الرسائل الثلااث قد أجمعوا على بطلاان دعوة محمد أحمد بن عبد الله لمخالفتها شروط المهدية من حيث الزمان والمكان والصفات الواجب توافرها في الشخص المُكلف بالمهدية. وقد فند الأزهري هذه المخالفات في أحد عشر بندًا مشفوعًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وآراء السلف والفقهاء. واتفق جميع هؤلاء العلماء على أن الحضرات النبوية التي استند إليها محمد أحمد لتسويق دعوته مجرّد "وساوس شيطانية وهذيانات نفسية"، ولذلك وصفوا أنصار المهدي ب "حزب الشيطان"9. أما النمط الفكري الثالث، فهو عبارة عن تعقيبات المهدي التي وصف فيها العلماء المعارضين له ب "علماء السوء"10(، وقد اتهمهم بأنهم لا يقولون الحقّ لأنهم يسعون إلى الدنيا، وأصبحوا مستعبدين للترك بالمال والمنصب، ولأنهم قد سكتوا بالأمس عندما عُدلت الأحكام الإسلاامية، واستُبدل بها غيرُها، وانتشر الفساد، وعمّ جور الحكام على العباد، وذهبت الغيرة على الإسلاام، وأنهم الآن يقطعون الطريق على المسلمين حتى لا يتبعوا الحقّ، ولا يؤيدوا تشييد الدين باتباع مهديته. وفي الاتجاه نفسه، تأتي الرسائل المناصرة للمهدية، التي أصدر إحداها الشيخ الحسين إبراهيم زهرا بعنوان "الآيات البينات في ظهور مهديّ الزمان وغاية الغايات"11(، وأرجع فيها شرعية دعوة محمد أحمد بن عبد الله إلى تسع قضايا، تؤكد صحة مكان ظهوره وزمانه، وتطابق صفاته الخُلقية والخَلقية مع ما جاء في كتب التراث الإسلاامي عن المهدي المنتظر، الذي يمتلك صفة الإلقاء الإلهي، أي إنّ منشوراته هي كلاام الله الذي يلقيه في قلب الإمام المهدي. أما رسالة الحسن سعد العبادي "الأنوار السنية الماحية لظلاام المنكرين على الحضرة المهدية"12(، فقد وضع فيها مؤلفها تصورًا كاملً لشخصية محمد أحمد بن عبد الله، الذي وصفه بأنه "مبعوث لإحياء المراسم الدينية بخلااف ما كانت عليه الآراء الاجتهادية"، وأنه "وارث وخليفة للحضرة الخاتمة المحمدية"، ولذلك اعتبره "منشئ مراسم الإسلاام بعد خفاء آثارها، ومظهر علوم الحقائق بعد خمود أنوارها"، وصاحب مقام "الخلاافة المصطوفية"، المصحوبة بمَلكة الإلهام ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لأخذ الأحكام منه13. وبهذه الكيفية حاول كلّ من زهرا والعبادي أن يؤكد أنّ محمد أحمد بن عبد الله هو المهدي المنتظر، الذي يملأ الأرض عدلً وقسطًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا، وأنّ اعتراضات "علماء السوء" على صدق دعوته لا أساس لها في علوم الشريعة أو الحقيقة.

  1. المرجع نفسه، ص 620.
  2. رسالة الشيخ أحمد إسماعيل الأزهري في: شقير، ص 620.
  3. ينظر النص الكامل لرسالة المفتي الشيخ شاكر الغزي في: شقير، 620 - 626.
  4. الآثار الكاملة للإمام المهدي، ص 96 - 100.
  5. يقع كتاب الآيات في 56 صفحة إضافةً إلى ملحق من ستّ صفحات، وشروح في المتن والحاشية على طريقة كتب الأقدمين. ويقال إن المهدي وقف عليه وأجازه، ثم طبع عام 1887 بمطبعة الحجر التي غنمها الأنصار من الحكومة التركية. حقق أبو سليم كتاب الآياتفي أحد فصول كتابه " القاضي الشهيد الحسين إبراهيم زهرا وأعماله "، حيث تناول أبو سليم سيرة الحسين إبراهيم زهرا عالم المهدية وشاعرها وقاضيها، ثم عرض أدبياته الدينية وأشعاره وإسهاماته في مجال القضاء والفتاوى. ينظر: محمد إبراهيم أبو سليم، عالم المهدية: الحسين إبراهيم زهرا وأعماله (الخرطوم: المؤسسة العامة للطباعة والنشر، 1999.)
  6. زامل الحسن سعد العبادي محمد أحمد المهدي في أثناء سنوات دراسته بخلااوى الغبش ببربر، ولحق به بعد تحرير مدينة الأبيض وأخلص لدعوته. وعقد له المهدي لواء إمارة الرباطاب وبعض بطون العبابدة، ولاحقًا عينه الخليفة عبد الله أميرًا على العتباي (حلاايب) وسواحل البحر الأحمر، ثم كلفه بتهريب السلااح إلى الداخل، وببث دعوة المهدية في الجزيرة العربية. وضع العبادي رسالته المعروفة ب "الأنوار السنية الماحية لظلاام المنكرين على الحضرة المهدية" في سنة 1884، ويقال إن المهدي قد نظر فيها وأجازها، ثم طُبعت بمطبعة الحجر المهدية عام 1887. وتقع رسالة العبادي في 268 صفحة، مضافًا إليها صفحات فهرس المحتويات التي وردت في الصدر الأول. حقق أبو سليم رسالة العبادي تحقيقًا علميًا في كتابه: ينظر: محمد إبراهيم أبو سليم، العالم المجاهد الحسن سعد العبادي: صفحة من خلاف العلماء حول المهدية وإمارة في عتباي (الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2002.)
  7. لمزيد من التفصيل ينظر رسالة العبادي في: أبو سليم، العالم المجاهد الحسن سعد العبادي، ص 23 - 42.

إن القراءة النصية المجردة لفكرة المهدي المنتظر في هذه المصادر الأولية المناهضة للمهدية لا تعكس حقيقة الواقع السياسي على الأرض، لأنّ موقف العلماء في ظاهر نصوصه كان موقفًا "فقهيًّا، يقنن الأمور بالسند والقياس، ويخلص بذلك إلى نتيجة عقلية"14. لكنه في حقيقة الأمر موقفٌ مساندٌ لموقف خليفة المسلمين (السلطان عبد الحميد الثاني)، الذي أصدر منشورًا عامًّا في تكذيب دعوة محمد أحمد المهدي، وأيده في ذلك علماء الأزهر، وأصدروا فتوى بتكذيب المهدية في السودان. ولذلك يرى عبد الله علي إبراهيم أن الدافع المحرك للعلماء الذين ارتبطت مصالحهم بمصالح السلطة الحاكمة في الخرطوم كان دافعًا سياسيًّا في المقام الأول لمحاصرة "الدعوة المهدية فكريًّا، بهدف عزلها وتجريدها من استجابة الجمهور المسلم، الذي تضرب الثورة الناشبة وترًا حساسًا فيه"15. ولذلك لجؤوا إلى النصوص التي تعينهم في تكذيب دعوة المهدية في السودان، ووصفها بأنها دعوة مستمدة من "الوساوس الشيطانية والهذيانات النفسية"، ووصف أنصارها بأنهم من "جملة العوامّ والأوباش الطغام"16. لكنّ موقف الأنصار على الأرض كان منفعلً بشخصية محمد أحمد المهدي الكاريزمية، وتديّنه وصلااحه المعروف قبل إعلاان المهدية، فضلً عن الانتصارات المتلااحقة التي حققها في المعارك العسكرية التي خاضها ضدّ الدولة، في حين ظل العلماء يقفون في صف الدولة التي تربطهم بها مصالح متبادلة، بعيدًا عن سخط الشارع العام، الذي يحلم بوضع أفضل في ظل الدعوة المهدية، التي أفلح صاحبها في تفنيد مظالم الحكم التركي المخالفة لقواعد الإسلاام وأدبيات الاجتماع البشري، ووعد أصحابه بالعدل المطلق الذي يرعى تحت سمائه "الذئب مع الغنم"، وشحذ أشواق أهل البادية والريف إلى الخلااص من الضرائب التركية الباهظة، وفظاعة جباتها الباشبوزق17(، و"غازَل" تطلعات أولئك الذين فقدوا سلطانهم السياسي، أو الديني، أو التجاري في عهد الحكومة التركية، وما برحوا يحلمون ببزوغ غد أفضل يعيد إليهم نفوذهم المهضوم وثرواتهم المنهوبة18(. ومن أهم الدراسات التي وقفت عند هذه التناقضات في الصراع الفكري، وحلّلتها تحليلً موضوعيًّا دراسة عبد الله علي إبراهيم، "الصراع بين المهدي والعلماء"، التي وصفها مكي الطيب شبيكة بأنها عمل "مبتكر"؛ لأنه وجد فيها "مسلكًا علميًّا وتحليل بلغ درجة قصوى من الإتقان" أهّلها لأنْ تكون الأولى من نوعها19(. واستقام ميسم الدراسات في هذا الجانب بكتاب محمد إبراهيم أبو سليم، الخصومة في مهدية السودان20.

2. أرشيف الثورة والدولة المهدية

يتكوّن أرشيف الثورة والدولة المهدية من الخطابات والرسائل والمنشورات التي بعثها المهدي إلى عددٍ من الأفراد والأعيان والأمراء في جيوش المهدية أثناء الثورة، ومن الخطابات والمكاتبات والسجلاات الإدارية التي صدرت في عهده وعهد خليفته عبد الله (1885 - 1898)، وهي مجتمعة - بحسب رأي محمد إبراهيم أبو سليم - "كفيلةٌ بأن تعطي صورةً واضحة، بجزئيات دقيقة، متعلقة بفترة حاسمة في تاريخ المهدية، وهي الفترة الممتدة من ربيع الثاني 1302 إلى أواسط 1305 للهجرة/ 1885 - 1888؛ بما فيها من قضايا خطيرة،

  1. محمد إبراهيم أبو سليم، الحركة الفكرية في المهدية، ط 3 (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1989)، ص 76.
  2. عبد الله علي إبراهيم، الصراع بين المهدي والعلماء (الخرطوم: شعبة أبحاث السودان، 1966)، ص 12.
  3. لمزيد من التفصيل ينظر: رسال المفتي الشيخ شاكر الغزي في: شقير، ص 624، 628.
  4. الباشبوزق أو باشي بوزوق كلمة تركية معناها الجامح أو الشاذّ، وكانت تُطلق في بادئها على العيارين الذين لا مأوى لهم، ثم على فصائل من الجند غير النظاميين الذين يعينون لمساعدة القوات النظامية في بعض المهمات العسكرية والإدارية. وفي السودان يُطلق المصطلح على الجنود غير النظاميين الذين عينتهم الحكومة التركية لمساعدتها في بعض الأعمال الضبطية والإدارية.
  5. لمزيد من التفصيل، ينظر: شقير، ص 315 - 320؛ ب. م. هولت، المهدية في السودان، ترجمة جميل عبيد (بيروت: دار الفكر العربي، 1978)، ص 34 - 49؛ محمد سعيد القدال، الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله (1844 - 1885): لوحة لثائر سوداني (الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، 1985)، ص 3 - 21.
  6. إبراهيم، تصدير[دون ترقيم.]
  7. أبو سليم، الخصومة في مهدية السودان.

مثل: توجه القيادية المهدية نحو تنظيم إدارة الحكومة في العاصمة (أم درمان) والأقاليم بعد تحرير الخرطوم، والسيطرة على المدن المحاصرة وضمّها إلى المهدية، وإخضاع الأقاليم المضطربة (مثل جبال النوبة)، والتوسع نحو مصر وإثيوبيا والبلااد الواقعة غرب دارفور، ووفاة المهدي وتداعياتها، وتنصيب الخليفة خلفًا للمهدي، وموقف الخليفة من الانتفاضات القبلية المعارضة له21. أما الرسائل فكانت موجهة إلى شخصيات وفئات ذات ثقل اجتماعي، موضحةً علااقات المهدي بمحيطه الاجتماعي في السودان، وكيفية مخاطبته ذلك المجتمع للاانضمام إلى دعوة المهدية ومحاربة الحكم التركي. في حين اتسمت المنشورات بطابع الخطاب العامّ والخاص، ويقصد بالخاص مخاطبتها لفئات مجتمعية معيّنة؛ مثل الأنصار، والمحاربين، والمتعاملين في الأسواق، والأمراء، وأصحاب الرتب العسكرية الأخرى، والعاملين في ديوان الحكومة التركية، فكانت موضوعاتها تدور في فلك الدعوة إلى المهدية، وطبيعة الأسس الفكرية للدعوة المهدية ومراميها، وإنذار المعارضين وحثهم على الانضمام إلى المهدية، وإعداد الجيوش، والحثّ على الجهاد، وبعض القضايا المتعلقة بإدارة الشأن العامّ في معسكرات الثورة المهدية. ونلااحظ، أحيانًا، أن الخطّ الفاصل بين الرسائل والمنشورات خطٌّ رفيع، لأنّ المهدي حوّل بعض الرسائل الخاصة إلى منشورات عامة من ناحية الجهات المخاطبة، مع الإبقاء على نصوصها الأصلية. وصف أبو سليم بقية أنواع المصادر التي يمكن إدراجها في هذا المبحث بأنها أدبيات تعبدية وعقدية، وحضرات نبوية ذات أبعاد روحية، وأذكار وأدعية عامة، وخطب وعظية، ومرويات ومجالس عن أقوال المهدي وأفعاله وتقاريره22(. وكلّ الأنواع الحية من هذه الوثائق المشار إليها قد ذكرها ب. م. هولت في مقالٍ بعنوان "محفوظات وثائق المهدي "23(، واستخدمها بكثافة في كتابه الدولة المهدية في السودان، ثم جمعها لاحقًا أبو سليم، وحقّقها وقدّم لها وعلّق عليها في سبعة مجلدات بعنوانالآثار الكاملة للإمام المهدي، ونشرتها جامعة الخرطوم24. ويضاف إلى الآثار الكاملة المجلدات الثلااثة الأخرى التي جمعها أبو سليم وحقّقها تحت العناوين الآتية، محررات الخليفة عبد الله25؛ ومحررات

  1. الآثار الكاملة للإمام المهدي، ص 15.
  2. المرجع نفسه، ص 15 - 17.
  3. لمزيد من التفصيل، ينظر: P.M. Holt, "The Archives of the Mahdia," Sudan Notes and Records , vol. 36 , no. 1 (June 1955), pp. 71 - 80 ; P.M. Holt, The Mahdist State in the Sudan  1881 – 1898: A Study of its Origins, Development, and Overthrow (Oxford: Clarendon Press, 1958).
  4. الآثار الكاملة للإمام المهدي، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، 7 مجلدات (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990 - 1994). في سبعة مجلدات تحت عنوان: الآثار الكاملة للإمام المهدي. صدر المجلد الأول منها عام 1990 من 472 صفحة من الحجم المتوسط، محتويًا على تقديم البروفيسور مدثر عبد الرحيم، ومقدمة المحقق التي أشرنا إليها أعلااه، ثم نصوص الوثائق وتحقيقاتها في الحواشي، وفي الذيل فهرس المحتويات. ويبلغ كمّ الوثائق الواردة في هذا المجلد 173 قطعة، جميعها صادرة عن الإمام المهدي، عدا قطعتين إحداهما من حياتو بن سعيد النيجيري، والأخرى من الحاج عبد القادر إلى الإمام المهدي. في المجلدات الأربعة اللااحقة التي نُشرت تباعًا في الأعوام 1991، 1992، 1992، 1993، عرض المحقق 825 قطعة وثائقية صدرت في الفترة ما بين الثالث من محرم 1301 ه (3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1883 ووفاة المهدي في التاسع من رمضان 1302 ه (حزيران/ يونيو 1885). وصدرت جميع هذه الوثائق - عدا 54 قطعة منها - من المهدي مباشرة، أو بتوجيه منه إلى العاملين في الديوان (أعني الجهاز الكتابي)، وجاء معظمها بصيغة خطابات إلى بعض الأفراد وصغار الأمراء، ورسائل إلى شخصيات وجماعات لها مكانتها في المجتمع، ومنشورات خاصة موجهة إلى فئات من الناس كالمحاربين والمتعاملين في الأسواق والأمراء ومن دونهم في الرايات، ومنشورات عامة موجهة إلى الأنصار كافة بصرف النظر عن قطاعاتهم الاجتماعية والتنظيمية، وتوقيعات المهدي وتعليقاته على الوثائق المرفوعة إليه من مرؤوسيه وبعض الأفراد. وخصص أبو سليم المجلد السادس، الذي نُشر عام 1993، لراتب الإمام المهدي، والأدعية، والخُطب. والراتب والأدعية هما ضربان من التأليف المهدويّ يختلفان غايةً ومعنى عن الرسائل والخُطب والمجالس، فالراتب عمل كان مقصده العبادة عن طريق الدعاء والذكر والآيات التي ينال المتعبد بفضلها الثواب والمغفرة من الذنب. أما المجلد السابع والأخير فقد صدر عام 1994، واحتوى في صدره الأول عرضًا لمجالس المهدي، والمجالس نمط من التصنيف يشبه كتُب الأمالي في التراث العربي، ويدور موضوعها حول التراث القوليّ والتقريري للإمام المهدي، الذي يتناول فيه مأثورات الأقوال، والأشعار، والح كم ذات المضمون الوعظي عند الحكماء وعلماء الصوفية والسلف. وفي الجزء الثاني عرض المحقق مختارات من صور أعلاام المهدية، والزيّ الذي كانوا يرتدونه، ونماذج من العملاات التي كانت متداولة في ذلك العهد، وخطوط بعض كُتاب الديوان في الحكومة المهدية، إضافة إلى صورة لقبة الإمام المهدي بأم درمان، وأخرى لاستشهاد الخليفة وبعض أصحابه في واقعة أم دبيكرات. أما الجزء الأخير من هذا المجلد فهو فهارس بأسماء الأعلاام، والبلدان، والقبائل، والفئات، مرتبة بحسب أرقام القطع الوثائقية الواردة في المجلدات الخمسة الأوَل، وبحسب أرقام الصفحات في المجلدين السادس والسابع.
  5. مصادر تاريخ السودان: محررات الخليفة عبد الله، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، مج 1، 22 محرم 1301 ه - آخر ذي الحجة 1302 (الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2001.)

عبد الرحمن النجومي26؛ ومحررات عثمان دقنة27، وكذلك الأوراق المالية لبيت مال العموم بأم درمان التي ترجمها إلى اللغة الإنكليزية أحمد إبراهيم أبوشوك وآندرس بيركيلو، وتحتوي هذه الأوراق على إيرادات ومصروفات بيت مال العموم لسنة 1897 أما بقية الوثائق التي لم يتمّ جمعها وتحقيقها ونشرها فما زالت محفوظةً في دار الوثائق القومية في الخرطوم، ومكتبة كلية الدراسات الشرقية في جامعة درهام بالمملكة المتحدة. وقد استخدم محمد سعيد القَدال جزءًا كبيرًا منها في دراسته عن السياسة الاقتصادية للدولة المهدية، ووظفها توظيفًا موضوعيًّا في إطار السياقات التاريخية التي أسهمت في صوغها28.

3. التاريخ الرسمي للثورة والدولة المهدية

إلى جانب المصادر، التي أشرنا إليها آنفًا، عمدت قيادة المهدية إلى تدوين تاريخ الثورة والدولة المهدية، والدليل على ذلك قول إسماعيل عبد القادر الكردفاني إنّ الخليفة عبد الله قد أشار إليه بأن يجمع "بعضًا من" سيرة الإمام المهدي "عليه السلاام"، لأنّ بيان السيرة "وإذاعتها للخاص والعام" أمر واجب "على الكافة من أهل الإسلاام"؛ ولأنّ العلم بها، بحسب وجهة نظره، "من أوكد الأمور الدينية، وبها يحصل الفوز برضاء ربّ البرية، وبذلك تُحفظ من التحريف في غابر الأزمان، ولا يعتريها خللٌ ما تعاقبَ الملَوان"29. وقد أطلق الكردفاني على المادة التي جمعها ووضعها في سردية شبه تاريخية سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي30(، مقسمًا إياها إلى خطبة، ومقدمة، وثمانية أبواب، وخاتمة. وتناول في خطبة الكتاب الأسباب التي دفعته إلى تأليف سيرة الإمام المهدي، وتطرق في المقدمة والأبواب الأربعة الأول إلى فكرة المهدي المنتظر ومرجعيتها في الكتاب والسنة والأدبيات الإسلاامية، وكيفية تطابق ظهور محمدُ أحمد بن عبد الله مع الشروط الواجب توافرها في المهدي المنتظر مكانًا وزمانًا ووصفًا خَلقيًّا وأخلااقيًّا، والإعلاان عن المهدية في الجزيرة أبا، ومخاطبة الأعيان وزعماء الطرق الصوفية ورؤساء القبائل، وعرض في الباب الخامس استجابة القبائل تصديقًا بمهدية محمد أحمد بن عبد الله، ومناصرتها له لإحياء الدين ومحاربة الأتراك وأعوانهم، ونظر في البابين السادس والسابع إلى مراحل الثورة؛ بدءًا بإعلاانها في الجزيرة أبا على النيل الأبيض، ومرورًا بالهجرة إلى قدير في جنوب كردفان، والانتصارات التي حققتها على راشد أيمن، وهكس باشا في شيكان، وتحريرها مدينة الأبيض، وختم ذلك بتحرير الخرطوم وقتل الجنرال غوردون، و"فتح المدائن العظيمة" الأخرى، وناقش في الخاتمة وفاة الإمام المهدي، وتولي الخليفة عبد الله، الذي وضعه في "صورة الرجل المثالي والخليفة الشرعي للمهدي"31.

  1. محررات عبد الرحمن النجومي، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم (الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2004.)
  2. محررات عثمان دقنة، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم (الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2004). صدرت الطبعة الأولى من مذكرات عثمان دقنة عام 1974 عن دار جامعة الخرطوم للنشر، إلى جانب سيرة عثمان دقنة التي كتبها أبو سليم. يحتوي الكتاب على دفتر النشاطات السياسية والعسكرية التي قادها الأمير عثمان دقنة منذ أن حلّ في شرق السودان في رمضان سنة 1300 ه (6  تموز/ يوليو – 3 آب/ أغسطس 1883) وحتى محرم سنة 1302 ه (20 تشرين الأول/ أكتوبر – 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1884.)
  3. Ahmad Ibrahim Abu shouk & Anders Bjorkelo (eds.), The Public Treasury of the Muslims: Monthly Budgets of the Mahdist State in the Sudan , 1897 (Leiden: Brill, 1995).
  4. محمد سعيد القدال، السياسة الاقتصادية للدولة المهدية: مصادرها - مظاهرها - تطبيقاتها (1881 - 1898)، ط 2 (بيروت: دار الجيل، 1992.)
  5. إسماعيل عبد القادر الكردفاني، سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم، ط 2 (بيروت: دار الجيل، 1982)، ص 64.
  6. يقع كتابسعادة المستهدي بسيرة الإمام المهديفي 405 صفحات، تشتمل على خطبة الكتاب، ومقدمته، ثم ثمانية أبواب، وخاتمة. حصل أبو سليم على النسخة الوحيدة من كتاب السيرة ضمن أوراق ونجت باشا (حاكم السودان العام 1899 - 1916)، التي أهداها ابنُه إلى مكتبة كلية الدراسات الشرقية في جامعة درم في إنكلترا، ثم قام بتحقيقها ونشرها عام 1972. وفي المكتبة نفسها عثر أبو سليم على النسخة الوحيدة من كتاب الطراز المنقوش، الذي يتناول فيه الكردفاني تاريخ العلااقات السودانية الحبشية في عهد المهدية. ويقع كتاب الطراز في 182 صفحة مقسمة إلى خطبة، ومقدمة، وثلااثة أبواب، وخاتمة. حقق أبو سليم هذا المخطوط بالاشتراك مع محمد سعيد القدال، ونشراه معًا في دار جامعة الخرطوم للنشر عام 1978.
  7. الكردفاني، المقدمة، ص 49.

والكتاب في مجمله "ليس سيرة بالمعنى المفهوم" للسير الغيرية، "وليس تاريخًا بمعنى التاريخ" الذي يقوم على سرد الأحداث والوقائع وعرضها وتحليلها في ضوء سياقاتها التاريخية والموضوعية، بل هو "عبارة عن شيء يجمع بينهما، بغرض التمجيد لبطولات المهدية في عهد المهدي، والوصول بها إلى خلاافة الخليفة عبد الله"32؛ لأنّ الكتاب قد وُضع في ظروف سياسية حرجة أجبرت المؤلف على تجاهل كثيرٍ من الأحداث والوقائع التي كانت لا تروق الخليفةَ عبد الله وبطانته. واتساقًا مع ذلك، اختصر المؤلف مصادره على مشاهداته الشخصية، والأخبار التي استقاها من الأمراء والأعيان الذين كانوا يمثلون السلطة الحاكمة آنذاك، والدليل على ذلك قوله: "وإنما تكلمنا على اليسير من سيرته عليه السلاام، حسبما أطلعنا عليه، ورويناه من الثقات من أصحاب المهدي عليه السلاام على الطاقة والإمكان، وما فتح به عليه المنان"33(. لكنّ هذه الانتقادات المنهجية لا تنفي أنّ السيرة تزخر بكمّ هائل من المعلومات المفيدة عن تسلسل الأحداث التاريخية والمراحل التي مرت بها الثورة المهدية، وكيف أنها انتقلت من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة المهدية، ثم إنها تحمل بين دفتيها بعض المنشورات والخطابات الصادرة في عهدَي المهدي والخليفة عبد الله. وإلى جانب سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي، ألف الكردفاني كتابًا آخر بعنوان الطراز المنقوش ببشرى قتل يوحنا ملك الحبوش، وذلك بإيعاز من الخليفة عبد الله بأنْ يجمع فيه "رسالة تتعلق بحرب الحبشة، متكلفة ببيان وقعة النقس يوحنا، التي أفضت به إلى الهلااك والدمار"34(. والكتاب قد وُضع بعد انتصار الجيوش المهدية على الأحباش في معركة القلاابات بشرق السودان عام 1889، وقسمه المؤلف إلى خطبة، ومقدمة، وثلااثة أبواب، وخاتمة. أشار في الخطبة إلى أسباب التأليف، وعالج في المقدمة وضع الخليفة عبد الله والصفات الخُلقية والمثالية التي تجسدت في سلوكه العامّ والخاصّ باعتباره رجل الدولة المهدية الأول والأوحد، وذلك بلغة قلمية فيها كثير من الإطراء والمبالغة. وعرض المؤلف في أبواب الكتاب ولاية يونس الدكيم، ثم حمدان أبو عنجة، ثم الزاكي طمل على عمالة القلاابات، والأحداث الكبرى التي جرت في المنطقة، والانتصارات التي حققها المهدويون على الأحباش. وتناول في الخاتمة الوقائع التي حدثت في عهد الخليفة عبد الله في أماكن متفرقة في السودان، مثل ولاية عثمان آدم على عمالة الغرب (دارفور) وأحداثها وتداعياتها السياسية، وأحداث تمرد أبي جميزة في دارفور والقضاء عليه، ووقائع عثمان دقنة في شرق السودان، وإعداد حملة عبد الرحمن النجومي المتوجهة إلى مصر. واعتمد المؤلف في تأليف الطراز المنقوش على روايات الذين حضروا الوقائع التي جرت في شرق السودان وغربه، والأخبار التي كانت متداولة بين الأنصار عن وقائع تلك الفترة وأحداثها، ثمّ استأنس بما جاء في بعض المحررات التي كانت متبادلة بين الخليفة عبد الله وعمّاله في العمالات. والكتاب في مجمله ليس توثيقًا للحرب التي جرت في مارس 1889 بين جيوش المهدية بقيادة الزاكي طمل وجيوش الحبشة بقيادة الإمبراطور يوحنا الرابع، كما يظهر ذلك في عنوانه الطراز المنقوش ببشرى قتل يوحنا ملك الحبوش، بل الأرجح أنه نص تاريخي- سياسي لتجميل صورة الخليفة عبد الله في نظر أنصاره، وإثبات شرعيته السياسية في الحكم. ولذلك وصفه أبو سليم والقدال في مقدمتهما للكتاب بأنه "أقرب إلى مقالات السياسة، أو الكتب التي تصدرها الدوائر المختصة عن موقف سياسي، أو واقعة سياسية أو عسكرية، بغرض التمجيد والمساندة"35.

  1. الكردفاني.
  2. المرجع نفسه، ص 28.
  3. محمد إبراهيم أبو سليم، أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان (بيروت: دار الجيل، 1991.)
  4. المرجع نفسه، ص 202 - 203.

4. تقارير الحكومة التركية ويومياتها

أثناء فترة اندلاع الثورة المهدية وانتشارها، صدرت بعض التقارير واليوميات لأنصار النظام التركي الحاكم عن الوضع السياسي الراهن آنذاك، والتحديات التي كانت تواجههم، وطبيعة المواجهة التي حدثت بين قوات الحكومة وأنصار المهدية في أماكن متفرقة من السودان. وتأتي في مقدمة هذه المصادر يوميات عباس بك، معاون علااء الدين باشا حكمدار عموم السودان (1882 - 1883)، الذي رافق حملة الجنرال هكس باشا، وقُتل في معركة شيكان في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1883. وبعد انتهاء المعركة، عثر أحد جنود المهدية على يومياته التي خطّها بقلم الرصاص، وظلت تلك اليوميات في حوزته إلى أن عثر عليها أحد ضباط الاستخبارات العسكرية المصرية - الإنكليزية في ميدان معركة كرري (أم درمان) عام 1898، وبعثها إلى رئاسته في القاهرة، التي أرسلتها إلى بريطانية للصيانة والمعالجات الفنية. ويوجد حاليًّا مخطوط يوميات عباس بك في صندوق المجموعة الملكية Trust Collection Royal36، وفي عام 1954، نشر عبد الرحمن زكي نسخة مطبوعة منها بعنوان "يوميات عباس بك، معاون حكمدار عموم السودان، الذي استشهد في ميدان معركة شيكان في كوردفان يوم  5  نوفمبر 1883، تحت إمرة الجنرال هيكس باشا"37(. واليوميات سجلٌّ لحركة حملة الجنرال هكس باشا منذ أن انطلقت من مدينة الدويم على النيل الأبيض إلى أن وصلت إلى قرية علوبة على مشارف مدينة الأبيض في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1883. وكانت تشتمل على وصف دقيق لخطّ سير الحملة وطبيعة الصعوبات التي واجهتها، والشاهد على ذلك قول المؤلف: "في يوم الأحد المبارك 7 [تشرين الأول/] أكتوبر سنة 83 الساعة 12 و 40 دقيقة صباحًا عربي، قمنا من نقطة الصراخنة، وصلنا [إلى] نقطة خور الصاغ الساعة 6 عربي نهارًا، وبمرورنا على حلة ولد صبيح قد وجدنا بها [رجلً] من العربان عمره يفوق التسعين سنة، وبالاستفهام منه عن وجود هذه العربان أهل هذا الحلاال، [أورد] بأنهم هربوا بجميع عائلااتهم، قائلين بأن الأتراك الحاضرين، ونحن لا يمكننا مقابلتهم، وقصدوا جهة تورابي للتجمع هناك... [الرجل المسن] أخذناه معنا للجيش، وأمر سعادة أفندم الحكمدار بوضعه على أحد الجمال، وبعد المسير بأقلّ من عشرين دقيقة وقع من فوق الجمل إلى الأرض فمات"38(. وقد اعتمد عصمت حسن زلفو على هذه اليوميات في تأليف كتابهشيكان: تحليل عسكري لحملة الجنرال هكس39. ويأتي بعد يوميات عباس بك، من حيث التسلسل الزمني، تقرير الكولونيل جون دونال هالم ستيوارت الذي أعده عن السودان بعد اندلاع الثورة المهدية، وعُرض التقرير على مجلسَ العموم واللوردات في لندن عام 1883، وقدّم عرضًا تفصيليًّا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان قبل اندلاع الثورة المهدية، والأسباب التي أدت إلى تمرد السودانيين على نظام الحكم التركي الحاكم آنذاك، وتناول التقرير الوضع السياسي والعسكري بعد اندلاع الثورة المهدية، وعزا انتصارات المهدية إلى سوء إدارة السلطات الحاكمة آنذاك40. ويبدو أنّ حكومة وليام غلاادستون (1880 - 1885) اتخذت قرار إخلااء الحاميات العسكرية والإدارية من السودان في ضوء المعلومات الواردة في هذا التقرير، وكذلك قرار تعيين الجنرال غوردون لتنفيذ سياسة الإخلااء.

  1. يوميات عباس بك"، ينظر:.Abbas Bey, "The Diary of Abbas Bey," 1883, Royal Collection Trust, RCIN 1005008
  2. عبد الرحمن زكي، "يوميات عباس بك، معاون حكمدار عموم السودان، الذي استشهد في ميدان معركة شيكان في كوردفان يوم  5  نوفمبر 1883، تحت إمرة الجنرال هيكس باشا"، مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، مج 3، العدد 2 (1950)، ص  71 - 156.
  3. يوميات عباس بك"، ص 98.
  4. عصمت حسن زلفو، شيكان: تحليل عسكري لحملة الجنرال هكس (الخرطوم: دار النشر جامعة الخرطوم، 1972.)
  5. J.D.H. Stewart, "Report on the Soudan Presented to Parliament," 1883, Durham University, SAD.896/6/1 - 19 لمزيد من التفصيل ينظر:  41

أما يوميات الجنرال تشارلس غوردون، حكمدار السودان (1884 - 1885)، فقد صدرت طبعتها في مجلدين بعنوان يوميات الجنرال سي. جي. غوردون في الخرطوم41، في 25 حزيران/ يونيو 1885. وكان أحد أهداف نشرها حينئذ الترويج لغوردون بأنه بطل بريطاني استشهد لصون شرف الإمبراطورية البريطانية والقيم المسيحية الكريمة، وأن عبء اللوم على استشهاده في الخرطوم يقع على عاتق حكومة وليام غلاادستون التي تقاعست عن إنقاذه. لكن الدافع اللحظي المحرك لعملية نشرها آنذاك كان يتمثل في الصراع بين حزبَ المحافظين والأحرار في الانتخابات البرلمانية لعام 1885. ثمّ روج المحافظون ليوميات غوردون وحادثة قتله في الخرطوم، ووظفوهما في دعايتهم الانتخابية ضد حزب الأحرار تذرعًا بأنّ حكومة غلاادستون كلفت الإمبراطورية أمو لً طائلةً ونقصًا في الأنفس بقراراتها المتذبذبة تجاه إخلااء الحاميات العسكرية من السودان، واستجابتها المتأخرة لمطلب إرسال حملة إنقاذ الخرطوم. ولذلك يقول غوردون نفسه لو أن حكومة صاحبة الجلاالة أرسلت، مرة واحدة، تلغرافيًّا منذ البداية ما مفاده: "انجُ بنفسك" لتغيّ الحال، إلا أن ضبابية رؤيتها السياسية قد أسهمت لاحقًا في قتل غوردون وسقوط الخرطوم. ولتسويق مثل هذه الانتقادات ضدّ حكومة غلاادستون، دعم حزب المحافظين فكرة نشر يوميات غوردون في الخرطوم في مجلدين، يشتمل أولهما على مقدمة المحرر، ألفريد إيغمونت هيك، ووصف هنري ولسون غوردون لليوميات وكيف وصلت إليه، ثمّ يعقب ذلك الأجزاء الخمسة الأ ول من اليوميات التي تغطي الفترةُ 10 أيلول/ سبتمبر - 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1884. أما المجلد الثاني، فيشتمل على الجزء السادس من اليوميات الذي يغطي الفترة 5 تشرين الثاني/ نوفمبر - 14 كانون الأول/ ديسمبر 1884، مع عدد من الملااحق التوضيحية التي حوت بعض الرسائل المتبادلة بين غوردون وبعض وجهاء الخرطوم من جهة، وبين غوردون والمهدي وأنصار المهدية من جهة أخرى، فضلً عن فهرس عام بأسماء الأعلاام والأمكنة وبعض الأحداث المهمة التي وردت في اليوميات والملااحق. وتتبلور أهمية يوميات غوردون في الخرطوم في الآتي: أولً، إن اليوميات تبرز الوضع السياسي المعقد في السودان آنذاك؛ من ناحية تبعيته السياسية لمصر الخديوية، وتبعيته لحكومة صاحبة الجلاالة من ناحية ثانية، بحكم أنها استطاعت أن تحكم قبضتها على مصر بعد إخماد الثورة العرابية عام 1882. وظهر هذا التعقيد جليًّا في موقف الحكومتين المصرية والبريطانية المتذبذب من سياسة إخلااء الحاميات العسكرية التابعة للنظام الخديوي من السودان، وإيفاد حملة إنقاذ غوردون عندما أحكم المهدويون حصارهم عليه. ثمّ إنّ هذا التعقيد يتجسد في افتراض غوردون أنّ قبول حكومة صاحبة الجلاالة ب "الاضطلااع بواجبات الحكم في مصر وبالتالي في السودان" يحتم عليها أن ترسل "قوة عسكرية لإعادة الهدوء إلى السودان، وعلى أن تقوم حكومة صاحبة الجلاالة بعدها بتسليم السودان لسلطان تركيا". ثانيًا، تعكس نصوص اليوميات نظرة المستعمر الاستعلاائية تجاه السودانيين آنذاك، عندما تصفهم بأنهم عبيد أو أعراب أجلااف، وأنه "لا جدوى ولا طائل من الاحتفاظ [بالسودان]، فهو بمثابة ملكية عديمة الفائدة". ثمّ توضح اليوميات بجلااء جهل غوردون بطبيعة الثورة المهدية، والإصغاء غير الفطن إلى تقارير الجواسيس المفبركة؛ فهو يقول مثلً: "لقد أخبر اليوناني القادمُ القنصلَ اليوناني أن المهدي يضع الفُلفُل الحار تحت أظافره، حتى إذا أتاه الزوارُ لمَس بها عينيه، لتجريَ دموعه غزارًا؛ وأنه يأكل في العلن القليل من حبوب الذرة، ولكنه بالداخل في بيته يأكل أطايب الطعام، ويتعاطى المشروبات الكحولية"42. ومن جهة أخرى، تؤكد اليوميات على عدم ثقة غوردون بالذين يعملون حوله؛ ولذلك يقول: "الذي يؤلمني هو عدم وجود شخص واحد في المدينة يمكنني الاعتماد عليه [...] فالضباط يقومون بنهب حصص الغذاء الخاصة بالأفراد، ثمّ إنّ أمين المخازن (المخزنجي) يغش في الميزان. يشعر المرء ألا حول له ولا قوة ولا قدرة على متابعة هذه الأمور، وإذا لم تصل حملة الإنقاذ خلاال وقت قريب فستسقط

  1. Charles George Gordon, The Journals of Major-Gen. C.G. Gordon, C.B., at Kartoum, Printed from the Original mss. (London: Kegan Paul, Trench, & CO., 1885).
  2. Ibid., vol. 1 , p. 35.

المدينة نتيجة لدناءة هؤلاء الناس. إنهم يعلمون أني لست بقادرٍ على ضبط أفعالهم المشينة، ما يجعلهم يكتمون ضحكهم علي "43؛ ولا جدال في أنّ هذه الشواهد تبين الحالة النفسية السيئة التي كانت تكتنف حياة الجنرال غوردون أثناء الحصار. ثالثًا، تحتوي اليوميات نقدًا لاذعًا لسياسة الحكومة البريطانية تجاه أزمة حصار الخرطوم؛ إذ وصف غوردون تعاطيها مع الأزمة بفقدان "المعايير الأخلااقية"، كما وصف الذين يعملون تحت إمرتها ب "اللاامبالاة" في اتخاذ القرارات المصيرية التي تمسّ شرف الإمبراطورية البريطانية. ويبدو أن كلّ ذلك قد دفعه إلى أن يكون "شديد التمرد على حكومة جلاالة الملكة وموظفيها"، و"عنيدًا حرونًا" في أغلب الأحيان.

5. المصادر لااستخباراتية ومذكرات سجناء المهدية

يُقصد بمصادر التقارير الاستخباراتية المصرية Egypt , Report Intelligence التي أصدرها قلم الاستخبارات العسكرية المصرية تحت إشراف مديره الجنرال ونجت باشا Wingate Reginald Francis، ويضاف إليها مذكرات سجناء المهدية التي نشرت أثناء الحرب الدعائية ضدّ الدولة المهدية، أو بعد القضاء عليها. وكانت هذه التقارير تصدر شهريًّا في نيسان/ أبريل 1892 – أيار/ مايو 1898، وبلغ عددها 59 تقريرًا44(. وقد كتبها ضباط استخبارات غير محايدين، وكان اهتمامهم الأول منصبًّا على الأخبار السلبية عن الدولة المهدية، التي ترد إليهم عن طريق مخبرين سودانيين وبعض التجار الذين كانوا يعملون بين مصر والسودان. ونلااحظ أنّ التقارير قد حفلت بكثير من الأخبار العسكرية والسياسية والتجارية عن الدولة المهدية، وكانت على نقيض كتابات إسماعيل بن عبد القادر الكردفاني الإطرائية، لأنها ركزت على توثيق المسكوت عنه داخل أروقة الدولة المهدية، مثل توثيقها الصراع الذي حدث بين الخليفة عبد الله والخليفة محمد شريف عام 1892 وتداعياته على المشهد السياسي في أم درمان. ويروي أحد التقارير أنّ الخليفة عبد الله استدعى الخليفة شريف بعد الصلح الذي جرى بينهما "وطلب منه أن يقبل بأن يضع كل أولئك الذين انضموا إليه في التمرد في السجن لمدة شهر فقط للتخويف ولمنع إمكانية القيام بتمرّد مماثل في المستقبل، فوافق الخليفة شريف، ولكن بعد عدة أيام أعلن الخليفة عبد الله في المسجد عن رؤية منامية قابل فيها النبي فأمره بقتل المحرضين على التمرد، ولكنه - أي الخليفة - توسل إلى النبي لتبديل هذه العقوبة، فتم تغيير عقوبة القتل إلى النفي إلى بحر الجبل في جنوب السودان. وما إن انتهت الصلااة حتى تمّ وضع المحرضين في السلااسل، ونفيهم إلى أعالي النيل الأبيض، وهم: فوزي، وأحمد مقبول، وإدريس، ووجدي، وبشير، وبادي، وأحمد ود وديدي، وأحمد ود سليمان، وأحمد ود النور، و[سعيد] محمد فرح، وصالح ود سوار الدهب، وأحمد محمد خير"45(. ثمّ توثق التقارير العرائض التي قدّمها بعض المعارضين للمهدية للااستعانة بالقوات المصرية - البريطانية لتخلصهم من حكم المهدية، ونستشهد بعريضة أرسلها عُمَد بربر وزعماؤها إلى مصطفى رياض باشا، وزير الداخلية المصري (1893 - 1894)، وأخرى أرسلت إلى كتشنر، قائد القوات المصرية - الإنكليزية، وهذا نصها: "بسم الله الرحمن الرحيم. إلى معالي وزير الداخلية مصطفى باشا رياض، نقبل أياديكم ونتوسل إليكم، ونقدم لفخامتكم وافر احترامنا، وإذا تكرمتم بالسؤال عنّا، فنحن كما كنا دائمًا [صادقون ومخلصون وموالون] لكم. بينما نحن في انتظار أن نسمع منكم لمعرفة أخبار الحكومة المصرية تلقينا ردّ رسالتنا إليكم مع حامل هذه الرسالة، التي أرسلناها إليكم في وقت سابق. وقد سعدنا جدًّا بهذه الرسالة التي أكدت لنا أنكم لا تزالون تتذكروننا. بالرغم من أننا خطونا خطوة خاطئة، فإننا نتوقع من سعادتكم عقابًا خفيفًا، وذلك لأننا أُجبِنا للاانضمام إلى الثورة؛ ولأنه لم تتمّ مساعدتنا، ولم تصلنا التعزيزات التي كانت لازمة لقمع الثورة. ونحن الآن تحت سيطرتهم

  1. Ibid., vol. 2 , pp. 367 - 368.
  2. Archives and Special Collections: Sudan Archive: Intelligence Reports," Durham University, accessed on 20 / 1 / 2021 , at: https://bit.ly/ 3 OHU 8 sO
  3. لمزيد من التفصيل، ينظر: hq 5 MyY 3 / ly. bit:// https: at , 2021 / 1 / 20 on accessed , 5  -  4. pp , 1892 April ," 1. No Egypt , Report Intelligence."

التامة، كطير في يد طفل لا يعرف الضرر من النفع. وبالرغم من أنكم على بينة من كل هذا والحالة البائسة التي تردت إليها حياة الناس، فلم تأتوا لمساعدتنا، وقد تأخر إرسال قوات لإنقاذنا من سوء معاملة الدراويش؛ عندما بدأت المهدية لم نكن نتوقع تأخركم في تقديم المساعدة لنا. وكما أن رغبة جلاالة السلطان المعظم، وواجب كلّ مسلم، مساعدة المسلمين عندما تكون هناك حاجة للمساعدة؛ ولكن نظرًا للحالة المزرية التي نعيشها في الوقت الحاضر، فقد اضطررنا أن نطلب مساعدة القوى الأجنبية، وفي الوقت نفسه نناشد سعادتكم، كما نناشد كلّ من يهمه رفاهية المسلمين عبر حامل هذه الرسالة، أحمد الحاج محمد عجيل، الذي تم تفويضه من قبلنا خصيصًا لهذه المهمة، أن تساعدونا بكل الوسائل لإنقاذ حياة المسلمين"46. بالرغم من أن هذه التقارير لا تذكر الجوانب الإيجابية لحكم الخليفة عبد الله؛ فإنها توثيق لطبيعة الصراعات الداخلية التي كانت تعيشها الدولة المهدية، وتعكس حجم التآمر الذي كان يحاك ضدها داخليًّا وخارجيًّا، والترتيبات التي أعدتها القوات الإنكليزية - المصرية للقضاء على الدولة المهدية. ولذلك تعتبر هذه التقارير مصدرًا مهمًّا لدراسة بعض الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية في المهدية. أما كتاب فرانسيس ريجينلد ونجت (1861 - 1953) المهدية والسودان المصري47(، الذي نشره عام 1891، فلم يكن مؤلفه شاهد عيان على أحداث المهدية في السودان، بل اعتمد على تقارير الاستخبارات العسكرية المصرية، وإفادات الجواسيس والأسرى السودانيين في مصر والتجار الذين كان يعملون بين مصر والسودان، وعلى الاستئناس بوثائق المهدية التي جمعها مكتب قلم الاستخبارات العسكرية المصرية من موقعة توشكي، أو حصل عليها عن طريق التهريب من السودان. ويتكوّن الكتاب من 617 صفحة من القطع المتوسط مقسمة إلى تقديم الجنرال إف. قرانفيل، ومقدمة المؤلف، واثني عشر بابًا، وخاتمة، وملااحق مصاحبة للأبواب، بدأها المؤلف بعرض لمفهوم فكرة المهدي المنتظر في أدبيات السنة والشيعة، وتاريخ الحركة المهدية في السودان. وبعد ذلك، قدّم سردًا تاريخيًّا لانتشار الدعوة المهدية والمواجهات العسكرية التي حدثت بين أنصارها والقوات العسكرية للحكومة المصرية في السودان، وختم ذلك بأحداث حصار الخرطوم وسقوطها وتداعيات ذلك على المشهد السياسي في القاهرة ولندن. ومن زاوية أخرى، نظر المؤلف في علااقات الدولة المهدوية بدولتَي الجوار (مصر وإثيوبيا)، والحروب التي شهدتها الجبهتان والنتائج التي تمخضت عنها، وتطرّق، أيضًا، إلى حكم الخليفة عبد الله والمؤسسات الحاكمة في الدولة المهدية على نحو مفصّل. لكن إذا نظرنا إجم لً إلى كتاب المهدية والسودان المصري، فإننا نلااحظ أنّ المؤلف أسس فكرته على استراتيجية القضاء على المهدية واستعادة السودان إلى الحاضنة المصرية، وذلك استنادًا إلى قوله: "يجب أن يصبح السودان مرة أخرى جزءًا لا يتجزأ من السيادة الخديوية، ولا شكّ في أن الدروس المستفادة خلاال السنوات [العشر] الماضية لن تُنسى. إنّ تأسيس السودان الجديد والأفضل فوق حطام غوردون وكلّ الضباط والرجال الشجعان الذين لقوا حتفهم وفاءً لأداء واجبهم هو الأمل الحارّ المرتجى لازدهار مصر"48(. ولذلك يجب أن تؤخذ المعلومات الواردة بين دفتيه بحذر، وتحلّل في إطار المسوغات التي أُسست عليها أبواب الكتاب وخلااصاته. أما مذكرات سجناء المهدية الأوروبيين الذين لاذوا بالفرار إلى أوطانهم، أو أ فرِج عنهم بعد سقوط الدولة المهدية عام 1898، فقد جاءت مفعمةً بكراهيتهم لتسلط الحكومة المهدية وجبروتها، ومبررةً للغزو الإنكليزي المصري بحجة أنه سيحرر أهل السودان من "ظلم الدراويش"، وينقلهم إلى رحاب الحياة المدنية التي بشّ بها المستعمر الأوروبي آنذاك، من دون النظر في سوآته الإمبريالية. وأول

  1. Ibid., p. 9.
  2. تفاصل الطبعة الإنكليزية: Francis Reginald Wingate, The Mahdiism and Egyptian Sudan: Being an Account of the Rise and Progress of Mahdiism, and of Subsequent Events in the Sudan to the Present Time (London/ New York: MacMillan and Co., 1891).
  3. Wingate, p. 491.

مذكرات كُتبت في هذا الشأن هي مذكرات القسيس النمساوي الأب جوزيف أورفالدر Ohrwalder Joseph، عشر سنوات من الأسر في معسكر المهدي (1882 - 1892)49(، التي نقلها من أصلها الألماني إلى الإنكليزية يوسف أفندي كوزي، ثمّ هذبها وشذبها في صورتها النهائية رئيس قلم الاستخبارات المصرية آنذاك، ريجينلد ونجت باشا، الذي وصفها بأنها تتسم بالدقة والتثبت في سرد المعلومات ذات الصلة بواقع الحال في المهدية. إلا أنّ هذا الإطراء لا ينفي أن مذكرات أورفالدر جاءت تحمل بين ثناياها كثيرًا من الروايات الانطباعية والأقوال المنقولة عن طريق السماع إلى الراوي الذي كان ينظر إلى المهدية ورموزها بعين السخط التي تبدي المساوئ وتغضّ الطرف عن كلّ المحاسن. لذا، فإن قراءة أيّ مذكّرة على غرار هذا التوجه تحتاج إلى تمحيص دقيق، ومقارنة حاذقة مع الأدبيات المعاصرة لها، وتوطين في محيط الواقع التاريخي الذي استندت إليه. لم تحظ مذكرات الأب باولو روزقنلي الإيطالي الجنسية (1852 - 1919) باهتمام ونجت باشا، مدير قلم الاستخبارات العسكرية للجيش المصري، لأن هروب سلااطين باشا ووصوله إلى القاهرة قد خطف الأضواء. وصل روزقنلي إلى السودان في مهمة تبشيرية عام 1880، واعتُقل أثناء حصار مدينة الأبيض وتحريرها عام 1883. وبعد ذلك أعلن ولاءه للمهدية، ورافق حملة المهدي المتجهة صوب الخرطوم. وفي إثر تحرير الخرطوم، رُحّل إلى مدينة أم درمان، حيث سكن حيّ المسلمانية، وأضحى يُعرف بين الناس ب "صباح الخير." وقد مارس التجارة في مجال إعداد الطعام بسوق أم درمان؛ ما جعل مذكراته تزخر بمعلومات مهمة عن حركة العمل التجاري في سوقها، وبيت مال العموم، وتركيبة المدينة الاجتماعية والقبلية. تمكّن من الهرب عام 1895، وكتب مذكراته باللغة الإيطالية بعنوان: سنواتي الاثنتا عشرة سجينًا في معسكر الدراويش بالسودان50(، ونشرها عام 1898. أما المذكرات التي أحدثت صدى واسعًا في الداخل والخارج فهي مذكرات سلااطين باشا51، المعروفة ب  السيف والنار في السودان52(، والتي دونها سلااطين بعد أن هرب من أسر المهدية عام 1895، ونقلها ونجت باشا من أصلها الألماني إلى الإنكليزية ونشرها عام 1896. وعندما اندلعت الثورة المهدية كان سلااطين حاكمًا لمديرية دارفور، وبعد تحرير دارفور أعلن إسلاامه وانضم إلى صفوف الأنصار. ويلتمس القارئ المتبصر في ثنايا السيف والنار سخط سلااطين وتحامله على عهد الخليفة عبد الله التعايشي بصفة خاصة، والمهدية بصفة عامة. وكما يرى محجوب التيجاني، فإن الظروف التي عاشها سلااطين من حاكم صاحب سلطان وجاه في دارفور إلى أسير وضيع يعتنق الإسلاام خوفًا من سلطة الدولة المهدية، وطمعًا في الحياة الدنيا، كانت من أهم العوامل التي أفقدته البُعد الموضوعي في سرد بعض الوقائع التاريخية، وجعلته يركن إلى النمط الاعتذاري في تبرير مواقفه المتناقضة التي سجّلها بشأن اعتناقه الإسلاام، وتصالحه مع الدولة المهدية ورموزها53.

  1. تفاصيل الطبعة الإنكليزية: Joseph Ohrwalder & Francis Reginald Wingate, Ten Years' Captivity in the Mahdi's Camp, 1882 - 18 92 (London: S. Low Marston, 1892).
  2. بشأن تفاصيل الطبعة الإيطالية، ينظر: P. Paolo Rosignoli, I Miei Dodici Anni di Prigionia in Mezzo ai Dervisci de Sudan (Graziano: Tip. Editrice Vescov.Ed. B., 1898).
  3. هو رودلف فون سلااطين، نمساوي الأصل، جاء إلى السودان سائحًا عام 1874، وإثر ذلك عيّنه غوردون مفتشًا للمالية عام 1879، ثم حاكمًا على دارفور عام 1881. وبعد سقوط دارفور أعلن إسلاامه، وانضمّ إلى صفوف الأنصار، وأطلق عليه المهدي اسم عبد القادر سلااطين. ظلّ رهين محبسي السلطة المهدية والاعتقاد الزائف ثلااثة عشر عامًا. لكنه استطاع الفرار إلى مصر، بمساعدة بعض العناصر المناوئة للمهدية، وتخطيط مكتب قلم الاستخبارات العسكرية المصرية في العشرين من فبراير 1895. عاد مع الجيش الغازي إلى السودان 1898، وعمل في وظيفة مفتش عامّ للضرائب والشؤون الدينية إلى عام 1914 حيث استقال من منصبه بعد انضمام النمسا إلى دول المحور. زار السودان عام 1931، وتوفي بعد عام من تلك الزيارة في وطنه الأم في النمسا. ينظر: 340 - 339. pp , Hill.
  4. ينظر الطبعة الإنكليزية: Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan, F.R. Wingate (trans.) (London: Edward Arnold, 1896).
  5. محجوب التجاني محمود، "العقاب ومعاملة الجانين في الدولة المهدية (1881 - 1898)"، مخطوط (1980)، ص 12.

ومن أهمّ تلك المذكرات التي كُتبت بعد سقوط المهدية عام 1898 مذكرات "سجين الخليفة"54(، تشارلس نيوفيلد، الذي اعتقلته في وادي القعب، في شمال السودان، قوات عبد الرحمن النجومي عام 1887، ثم بعد ذلك رُحّل إلى أمّ درمان حيث قضى معظم سنوات أسره حبيسًا في سجن الساير إلى أن أفرجتْ عنه القوات الغازية عام 1898. ولا تختلف نظرة نيوفيلد (المشهور بعبد الله المسلماني في أوساط الأنصار) إلى المهدية عن نظرة غيره من الأسرى الأوروبيين الذين وصفوها بالبربرية والتوحش، بل نجده قد أكد معظم ما جاء في مذكرات هؤلاء، وأضاف إليها ملااحظاته الخاصة. إلا أنّ ما تفردت به مذكرات سجين الخليفة هو محاولة تفنيد الاتهامات التي تعرّض لها بسبب فشل مهمته الخاصة بتسليم صفقة من الأسلحة والذخيرة إلى الشيخ صالح فضل الله سالم، ناظر الكبابيش، المعارض للدولة المهدية، وبسبب خيانته للذين تعاهدوا معه لإنفاذ هذه المهمة الصعبة وتسليمهم إلى قوات عبد الرحمن النجومي التي أعدمتهم جميعًا. ويبدو أنّ نيوفيلد استهجن هذه الاتهامات، وقد وأجمل دفوعه عنها بقوله: "بالرغم من أنني نجوت من بربرية السودان المتوحشة إلا أنني وقعت فريسة لقساوة المدنية المنمقة"55. تأتي بعد مذكرات تشارلس نيوفيلد في الأهمية مذكرات قيسبي كوزي (1843 - 1923)، العسكري والمغامر الإيطالي، الذي قَد مَ إلى السودان كاتبًا مع ألبرت ماركت Marquet Albert ممثّل شركة دبورج Debourg في الخرطوم. وبعد مغادرة ماركت السودان التحق كوزي بالقنصلية البريطانية، ثمّ عمل ممثلً شخصيًّا لغوردون في مدينة بربر. وقد قُبض عليه أثناء حصار هذه المدينة عام 1884، وبعد ذلك أعلن إسلاامه وتأييده للثورة المهدية، وحاول المهدي أن يستخدمه وسيطًا لإقناع غوردون بتسليم الخرطوم. لكنّ جهوده باءت بالفشل، واتهمه غوردون بالتواطؤ مع المهدية، وسُجن في عهد الخليفة عبد الله. وبعد إطلااق سراحه، انتقل إلى مدينة بربر للااتجار في سوق البلح. وفي إثر القضاء على دولة المهدية، عاد إلى إيطاليا، وكتب مذكراته باللغة الألمانية،56 وتُرجمت إلى الإنكليزية57 بعنوان خمسة عشر عامًا سجينًا للنبي الكاذب، وتحوي هذه المذكرات معلومات تفصيلية عن حصار الخرطوم وسقوطها، وطبيعة العمل التجاري الذي مارسه في سوق بربر. وبعد عامين من صدور مذكرات شارلس نيوفلد، صدرت عن مطابع جريدة المؤيد في القاهرة مذكرات إبراهيم فوزي باشا، سكرتير غوردون أولً، وسجين المهدية ثانيًا، بعنوان السودان بين يدي غوردون وكتشنر58(. وتقع هذه المذكرات في جزأين رئيسين، ويتناول الجزء الأول تاريخ الحكم التركي المصري في السودان، بتركيز على حكمدارية غوردون الأخيرة (1884 - 1885) وحصار الخرطوم وسقوطها في يد المهدي وأنصاره، في حين يتحدث الجزء الثاني عن فترة المهدية التي يصفها المؤلف بالبربرية والتوحش، ويفصّل في تداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المجتمع السوداني في الفترة التي يسميها مجازًا "السودان بين يدي غوردون وكتشنر". ويقدّم، بعد ذلك، قراءة موجزة عن قيام مؤسسات الحكم الثنائي، وكيفية تمكنها من إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع سودان وادي النيل. ونلااحظ أن معظم المعلومات السياسية التي وردت في مذكرات سجناء المهدية كانت ذات طابع دعائي، لاستنفار الرأي العام البريطاني خلف سياسة حكومته الإمبريالية المتدثرة بشعار "محاربة الرق"، و"الانتقام من قتلة غوردون"، و"نشر قيم الحضارة والمدنية

  1. ينظر: الطبعة الإنكليزية: Charles Neufeld, A Prisoner of the Khaleefa: Twelve Years' Captivity at Omdurman (London: Chamber & Hall Ltd, 1899).
  2. شارلس نيوفيلد، 1899، ص 1.
  3. Giuseppe Cuzzi, Funfzehn Jahre Gefanger des Falschen Propheten (Leipzig: Philipp Reclam jun., 1900) ينظر العنوان بالألمانية:  57
  4. ينظر العنوان بالإنكليزية: Guiseppe Cuzzi, Fifteen Years as a Prisoner of the False Prophet , Hildegound Sharma (trans.) (Khartoum: Sudan Research Unit, 1968).
  5. إبراهيم فوزي باشا، السودان بين يدي غوردون وكتشنر (القاهرة: مطبعة الآداب والمؤيد، 1309 ه.)

في أوساط الشعوب البدائية"59(. وبالفعل، أسهم هذا العمل الدعائي في تشويه صورة المهدية أمام الرأي العامّ الأوروبي؛ لأنه صورها بأنها حكومة "فاشية" يجب محاربتها واستبدالها بحكومة مدنية "تحرر أهل السودان من ظلم الخليفة وطغيانه". ويؤكد هذا التوجه قول ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق: "إنّ رواية أورفالدر قد خلقت انطباعًا واسعًا وعميقًا في أوساط المثقفين في إنكلترا عن قساوة الخليفة [عبد الله]، وزادت رواية سلااطين خوف هؤلاء وغضبهم تجاه حكم الخليفة، وبسبب هاتين الروايتين بدأ الرأي العامّ يتحرك صوب سياسة إعادة الاحتلاال"60(. لكنّ هذه الملااحظات لا تنفي أنّ مذكرات سجناء المهدية تحمل بين طياتها كثيرًا من التجارب الشخصية والإفادات التي يمكن أن تعين الباحثين والدارسين في فهم طبيعة القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تحكم دفة الحراك السياسي في المجتمع المهدوي، وتحدد مسارات علااقاته الأفقية بين الرعية من جهة، والرأسية بين الحاكم والمحكوم من جهة أخرى، وتوضح أيضًا موقف القيادة السياسية في أم درمان من الحرب الدعائية المعلنة ضدها.

6. مذكرات ما بعد القضاء على المهدية

يقصد ب "مذكرات" ما بعد القضاء على المهدية المذكرات التي كتبها شهود عيان عن تجربتهم في المهدية، ونحصرها في مذكرات يوسف ميخائيل61، وتاريخ حياتي62 لبابكر بدري، وجاهد في سبيل الله63(، لعلي المهدي. وقد أخرجنا مذكرات يوسف ميخائيل من دائرة أدبيات الحرب الدعائية ضدّ الدولة المهدية ورموزها، وذلك للأسباب الآتية: أولً، إنّ كاتب هذه المذكرات لم يكن سجينًا في المهدية، بل كان من المقربين إلى الخليفة عبد الله والأمير يعقوب، ومن العارفين ببواطن الأمور السياسية، وهو ما أكسب شهاداته نوعًا من الموثوقية. ثانيًا، إن يوسف ميخائيل كان شاهدًا من الدرجة الأولى على معظم الحكايات والتجارب والمشاهدات التي رواها، وذلك بخلااف شهادات سجناء المهدية السماعية التي اتسمت بنوع من الضبابية في توثيق بعض القضايا التاريخية. ثالثًا، إن مذكرات يوسف ميخائيلكُتبت في ظلّ الحكم الثنائي، بتشجيع من أحد الإداريين البريطانيين الذين كانوا يهتمون بجمع أدبيات التراث السوداني وتوثيقها بعيدًا عن روح الحرب الدعائية التي تدثرت بها مذكرات العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين للميلااد. أما من حيث الموضوع، فقد وثقت مذكرات يوسف ميخائيلألوانَ طيف شتى من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية المثيرة للجدل، ويمكن أن نجملها في المحاور الآتية: يلقي المحور الأول (1872 - 1880) الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في كردفان قبل اندلاع الثورة المهدية، ويعكس السمات العامة لذلك المجتمع الذي وُل دَ فيه يوسف ميخائيل، وعاش أيام صباه الأولى، ثم يتناول طبيعة العلااقة السياسية - الروحية التي نشأت بين الداعية الصوفي محمد أحمد بن عبد الله (المهدي)، ونفر من أعيان مدينة الأبيض وصلحائها. ويقدّم المحور الثاني (1881 - 1883) مشهدًا حيًّا لأحداث الثورة المهدية في كردفان، بدءًا بهجرة المهدي إلى جبل قدير، وانتهاءً بحصار الأبيض وتحريرها على أيدي الأنصار، ثم يفصّل القول في مجاهدات الأنصار وتحركاتهم السياسية والعسكرية صوب الحاضرة الخرطوم التي حُررت في كانون الثاني/ يناير 1885. ويناقش المحور الثالث (1885 - 1899) فترة حكم الخليفة

  1. P.M. Holt, A Modern History of the Sudan, 2 nd ed. (London: Weidenfeld and Nicolson, 1963), p. 107 ; "The Sources Material of the Sudanese Mahdiyya," St. Anthony's Paper no. 4 , Middle Eastern Affairs , no. 1 (1958), p. 112.
  2. Winston Churchill, The River War: An Account of the Reconquest of the Sudan , 3 rd ed. (London: Skyhorse, 2013), pp. 98 - 99.
  3. يوسف ميخائيل، مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثنائي، تحقيق وتقديم أحمد إبراهيم أبوشوك (أم درمان: مركز عبد الكريم الثقافي،
  4. جمع العميد يوسف بدري (1912 - 1995) مذكرات والده بابكر بدري (1864 - 1954) ونشرها في ثلااثة مجلدات بعنوان تاريخ حياتي (1959)، وقد قدم لها الدكتور محمد فريد أبو حديد (1893 - 1967). وقد جمعت الدار السودانية للكتب مجلدات تاريخ حياتيالثلااثة في مجلد واحد، وأعادت نشرها عام 2015، ينظر: بابكر بدري، تاريخ حياتي، ج 1 (الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 2015.)
  5. علي المهدي، جهاد في سبيل الله، تحرير عبد الله محمد أحمد حسن (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1965.)

عبد الله التي كانت تعجّ بالصراعات الداخلية بين الخليفة وخصومه السياسيين، ويتطرق أيضًا إلى سياسة المهدية الخارجية، والتحديات التي كانت تواجهها على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويبيّ كيف تجسدت هذه التحديات في دحر قوات المهدية في واقعة كرري عام 1898، والقضاء على الخليفة عبد الله وجملة من أعوانه المخلصين في واقعة أمّ دبيكرات عام 1899. ويقدّم المحور الرابع (1898 - 1934) لمحة سريعة عن حالة الفوضى التي شهدتها أم درمان بعد هزيمة الأنصار في واقعة كرري، وبعد ذلك يفصّل القول في رحلة يوسف ميخائيل إلى مصر، ثمّ عودته إلى السودان، وطبيعة المهمات الإدارية والتجارية التي تقلدها إلى أن استقر به المقام في مدينة الأبيض، حيث أضحى مسؤولً عن إدارة عدد من مطاحن الغلاال التي يمتلكها أخوه إسحاق شراكة مع الخواجة إلياس تفاية. ومن بعدمذكرات يوسف ميخائيلفي الأهمية العلمية والترتيب الزمني مذكرات بابكر بدريتاريخ حياتي، وتحديدًا الجزء الأول منها، الذي يغطي الفترة 1864 - 1889، جامعًا بين السيرة الذاتية لمؤلفه، والإضاءات التاريخية على الفترة الأخيرة من العهد التركي في السودان (1821 - 1881)، واندلاع الثورة وبناء الدولة وانهيارها. وبناءً على هذه التركيبة المزدوجة، نلااحظ أن تاريخ حياتييعكس سيرة مجاهد من أنصار المهدية الخُلّص، الذين آمنوا بدعوة الإمام المهدي، واشتركوا في حصار الخرطوم وتحريرها، وفي حملة عبد الرحمن النجومي التي أوفدها الخليفة إلى مصر، والكيفية التي جرى من خلاالها القضاء عليها في معركة توشكي عام 1889، وأ سر عدد كبير من أفرادها ورُحلوا إلى مصر، ثم عاد بعضهم بعد عامين (1888 - 1890) من الأسر إلى السودان، واشتركوا لاحقًا في واقعة كرري 1898 التي شكّلت نقطة فاصلة بين نهاية الدولة المهدية وبداية الحكم الثنائي الإنكليزي المصري في السودان (1898 - 1956). ويلقي بابكر بدري إضاءات ساطعة على بعض الأحداث المهمة في تاريخ المهدية بين ثنايا سيرته الذاتية، ونذكر منها حادثة هروب سلااطين باشا وتداعياتها في أم درمان، وحركة التجارة بين سواكن وأم درمان، ونكبة المتمة (1897) والنتائج التي ترتبت عليها، واستعدادات العسكرية لمعركة كرري ومواقف المجاهدين المهدويين في أرض المعركة. وفي تاريخ حياتي، تجد بعض القصص التي تؤكد إيمان بعض الأنصار الراسخ بالمهدية، ونذكر منها الحوار الذي جرى بين هَنتر باشا وعبد الرحمن النجومي، والذي يلخصه بابكر بدري بقوله: "في هذا الديم جاء لولد النجومي كتاب من قائد الجيش الإنجليزي يقول له ما معناه: إنّ الخليفة قد عزلك وولى ابن عمه يونس الدكيم مكانك، وأرسلك بلاا ذخيرة ولا مؤونة، وغرضه يرتاح منك ومن جيشك، لأنكم قوة يخشى بأسها، فأني أنصح لك أن تسلم فستجد منا ما يسرك. وعدد له أشياء تغري غير ولد النجومي، فأخبرني محمد نور كاتب تحريره [بأنّ] ولد النجومي قال له: اكتب له، فقل له: 'أنا بايعت المهدي وخليفته على الجهاد، وسأستمر مجاهدًا، فإن قتلناكم نجد عندكم ما حكيته لنا في كتابك، وإن قتلتمونا لا تجدون عندنا إلا جبة متروزة، وحربة مركوزة"'64(. ومن زاوية أخرى، تعكس روايات بابكر ضعف الروح المعنوية في أوساط المهدويين عندما توالت عليهم الهزائم أمام الجيش الإنكليزي - المصري الغازي، ونقتبس قوله: "دخلت سنة 1316 بعد أن سبقها من الحوادث الحربية والسياسية ما زعزع اعتقاد المعتقدين إلا من عصم الله قلبه، وقليل ما هم. فمن الحربيات سقوط كسلاا [في أيدي الإيطاليين] يوم 7 ربيع الآخر سنة 1312، وسقوط دنقلاا في 15 ربيع ثاني [كذا] سنة 1314، وواقعة المتمة وسائر الجعليين في غرة صفر سنة 1315، وسقوط أبي حمد في 8 ربيع أول سنة 1315، وجلااء أبي الخليل من السلمات في 7 ربيع أول سنة 1315، وقيام الزاكي عثمان من بربر في 25 ربيع أول سنة 1315، ودخول هنتر باشا بربر في غرة ربيع ثاني، ووصول السكة حديد أبا حمد يوم 7 جمادى سنة 1315، واحتلاال شندي يوم 29 شوال سنة 1315، وأكبر من كل هذا انكسار جيش الأمير محمود ببلدة النخيلة بنهر أتبره يوم الجمعة 13 القعدة 1315 "65(. وفي ضوء هذا العرض الموجز يمكننا القول إنّ كتاب تاريخ حياتييرفد الباحثين والدارسين بكثير من الأحداث والوقائع المسكوت عنها التي تجاهلتها المراسلاات الرسمية للدولة المهدية ومذكرات سجناء المهدية.

  1. بدري، ص 63.
  2. المرجع نفسه، ص 159.

أما "الأقوال المروية في تاريخ المهدية"، فجامِعها هو السيد علي محمد أحمد المهدي (1878 - 1944) أحد أبناء الإمام المهدي الناجين من القتل أو الموت. فبعد القضاء على المهدية، اعتُقل وأودُِع سجن رشيد بدلتا مصر، ثمّ جرى ترحيله إلى سجن وادي حلفا، وفي إثر ذلك أُطلق سراحه (عام 1912). ثمّ إنه عمل موظفًا في دواوين الحكومة الاستعمارية، ومن بعد ذلك في دائرة المهدي التي أسسها أخوه الأصغر الإمام عبد الرحمن المهدية66(. وفي مطلع الثلااثينيات من القرن العشرين، تفرغ لجمع التاريخ الشفوي للمهدية، ووضع ما جمعه في مخطوط بعنوان "الأقوال المروية في تاريخ المهدية"، وتوجد النسخة الأصلية من هذا المخطوط بدار الوثائق القومية بالخرطوم67. وفي عام 1965، كلف السيد الصادق المهدي الأستاذ عبد الله محمد أحمد حسن بإعادة ترتيب "الأقوال المروية في تاريخ المهدية"، ثم نشرت المطبعة الحكومية في الخرطوم طبعتها الأولى بعنوان جهاد في سبيل اللهعام 1965، حيث تناول علي المهدي طرفًا من حياة والده محمد أحمد بن عبد الله، ودوره الجهادي بعد إعلاانه أنه المهدي المنتظر في الجزيرة أبا عام 1881، والتطورات التي أعقبت ذلك إلى أن جرى تحرير الخرطوم، وقيام الدولة المهدية وحاضرتها في أم درمان. ونلااحظ أن هذه الأقوال المروية في جزئها الأول قد توافقت مع الرواية التي أوردها إسماعيل عبد القادر الكردفاني في سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي، ولكنها اختلفت عنها من ناحية أنها احتوت على تفاصيل دقيقة عن الصراع الذي حدث بين الخليفة عبد الله والأشراف، وكذلك المعركة الفاصلة (كرري) بين القوات المهدية والقوات الغازية من وجهة نظر مهدوية.

7. مصادر حملة "استعادة السودان"

يُقصد بمصادر حملة استعادة السودان كتابان، هما حرب النهر: رصد تاريخي عن استعادة السودانلمؤلفه ونستون تشرشل68، وتاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته69(لنعوم شقير. وقد جمع تشرشل مادة كتابه عندما كان مراسلً حربيًّا في القوات الإنكليزية - المصرية المشتركة لاستعادة السودان، ونشر طبعته الأولى تحت العنوان المشار إليه آنفًا عام 1899؛ وصدرت طبعتاه الثانية والثالثة في كانون الثاني/ يناير وحزيران/ يونيو 1990، وطبعته الرابعة المنقحة والمختصرة عام 1902. وأوضح تشرشل أن الهدف الرئيس من كتابه توثيق تفاصيل الحملة العسكرية التي قادها الجنرال كتشنر لاستعادة السودان (نيسان/ أبريل 1896 - تشرين الثاني/ نوفمبر 1899) إلى حاضنته المصرية. ولاستيعاب ذلك، قدّم عرضًا جغرافيا وتاريخيًّا للسودان "لإظهار مدى ارتباطه مع مصر وبريطانيا العظمى". ولذلك، كان الجزء الأول من الكتاب عن مصر في عهد اللورد كرومر، والسودان في العهد التركي، وسيرة محمد أحمد المهدي، وأسباب اندلاع الثورة المهدية، والانتصارات التي حققها؛ انتهاءً بقتل غوردون في سرايا الحكمدارية في الخرطوم وردّة الفعل البريطاني، وأسباب إعادة احتلاال السودان. أما الجزء الثاني، فهو سرد تفصيلي للإعداد الحربي لحملة استعادة السودان، وتشييد خط سكة الحديد، ومسار الحملة العسكرية والتحديات اللوجستية التي اعترضت سبيلها حتى بلغت مشارف مدينة أم درمان، حيث دارت المعركة الفاصلة في سفوح منطقة كرري وهضابها، وكان النصر فيها حليف "أسلحة العلم على البرابرة، وتمّ القضاء على أقوى جيشٍ وحشيةً وتسليحًا حتى الآن في مواجهة قوة أوروبية حديثة في غضون خمس ساعات "70(. وعلى الرغم من هذا الخطاب

  1. لمزيد من التفصيل عن سيرة علي المهدي ينظر: الصادق عوض بشير، المرحوم السيد علي المهدي: المؤرخ والمربي والعارف بالله ([د. م.]: [د. ن].، 2013.)
  2. توجد النسخة الأصلية من أوراق علي المهدي في دار الوثائق القومية في الخرطوم.
  3. هو ونستون تشرشل (1874 - 1965)، سياسي وعسكري وكاتب بريطاني، تخرج في المدرسة الحربية الملكية عام 1894، ورافق حملة استعادة السودان بصفته جنديًّا في الجيش الإنكليزي - المصري، ومراسلً حربيًّا لصحيفة عمود الصباح Spot Morning. وشغل منصب رئيس وزراء بريطانيا (1940 - 1945) عن حزب المحافظين إبان الحرب العالمية الثانية، وأعيد انتخابه في المنصب ذاته عام  1951، وبقي في منصبه إلى عام 1955. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1953.
  4. نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، 3 أجزاء (القاهرة: مطبعة المعارف، 1903). وبعد ذلك أعيدت طباعته عدة مرات.
  5. Churchill, p. 35.

الاستعماري المكتوب بقلم المستنصر، فإنّ تشرشل أصاب في وصف المهدية بأنها "ثورة وطنية ودينية" جبارة ومدّ ثوري ضدّ كلّ ما هو أجنبي71(. ويعكس الكتاب بصفة عامة الرؤية الاستعمارية تجاه السودان أكثر من كونه كتابًا تاريخيًّا، لكنه يزخر بالمعلومات الموثقة لحملة استعادة السودان. أما كتاب شقير تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، فيعتبر "خزانة كبرى؛ للحقائق والبيانات الجغرافية، والتاريخية، والبشرية، والثقافية" من تاريخ السودان القديم والحديث72(. وفيما يخصّ تاريخ الثورة والدولة المهدية، اعتمد مؤلفه على وثائق المهدية، والروايات الشفوية، وملااحظاته الخاصة، وذلك بحكم موقعه في إدارة الاستخبارات العسكرية المصرية، إلا أنّ توظيفه لتلك المصادر كان محلّ نظر بالنسبة إلى أبي سليم، الذي قطع القول بأنّ علمه بوثائق المهدية لم يتعدّ الوصف الخارجي، وأنه لم يوظف تلك الوثائق بالقدر المطلوب في البحث العلمي. ويعزو أبو سليم هذا القصور في توظيف الوثائق إلى ثلااثة أمور رئيسة. أولها قصر المدة بين عثور نعوم شقير على الكمّ الهائل من وثائق المهدية وتأليفه كتابه، وثانيها أنّه لم يأخذ، هو نفسه، بمنهج توظيف الوثيقة في كتابة التاريخ، وثالثها ميله الواضح إلى الروايات الشفوية التي كان معظم رواتها من الساخطين على المهدية. ولذلك، يقول أبو سليم عن شقير إنه لو وظف ما حصل عليه من الرواة، وجمعه من المؤلفين، وحلل ما جاء في الوثائق تحليلً موضوعيًّا "لبلغ كتابه مبلغ الاستقامة والكمال"73. ومن زاوية أخرى، نلااحظ أنه لم يستوعب المفهوم الديني للثورة المهدية، فغلب عليه حدسه الديني الأرثودكسي، فجعله يذهل عن مقاصد بعض الأحداث التي وقعت في المهدية74(. وبناءً على ما ذُكر من قبل، يعتبر كتاب شقير مصدرًا مهمًّا في تاريخ السودان الحديث (التركيّ، والمهدي، والحكم الثنائي) لا يمكن الاستغناء عنه، لأن مؤلفه كان شاهد عيانٍ على بعض الأحداث والقضايا التي وقعت في ذلك العصر، فضلً عن أحداث أخرى نقلها عن معاصريها، أو بعض الذين شاركوا في صوغها، إضافة إلى أنه احتوى بعض الوثائق عن تاريخ العهد التركي المصري، وتاريخ المهدية، وبواكير الحكم الثنائي في السودان. لكنه يظلّ موطن جدل واسع في بعض الأحداث المرتبطة بتاريخ المهدية، لأنّ مؤلفه تأثر، إلى حد ما، بواقعه الفكري والديني عندما نقل بعض الأحداث المتعلقة بتاريخ المهدية، ثمّ إن بعض رواياته تأثرت بالمحيط الاستخباراتي الذي نشأت فيه، وبعض الروايات الأخرى لم تفسر بآليات أكاديمية في إطار واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

8 ي. المهدية ف الصحافة والأدبيات الأجنبية المعاصرة

وجدت انتصارات المهدية على القوات العسكرية الإنكليزية والمصرية صدى واسعًا في الصحافة الإقليمية والصحافة العالمية تبلور في ثلااثة تيارات: أولها تيار البريطانيين المعارضين لحكومة السير وليام غلاادستون (1880 - 1885) وسياستها تجاه حملة إنقاذ الجنرال غوردون في مدينة الخرطوم المحاصرة؛ الحصار الذي أفضى إلى قتله بطريقة مهينة للتاج البريطاني. ونوثق لهذا التيار بمقال السير رتشارد تمبل (1826 - 1902)، الذي نشره بعنوان "المهدي والهند البريطانية"، ووصف فيه قتل غوردون في الخرطوم بأنه "مُصِيبةٌ كبُرى "75تستوجب استرجاع المدينة "المسلوبة" (الخرطوم)76(. وتعكس مثل هذه الكتابات الرؤية العدائية لقطاع واسع من الإنكليز تجاه الثورة والدولة المهدية، بحكم أنّ همهم الأكبر كان منصبًّا على الثأر لغوردون، وردّ الاعتبار إلى شرف الإمبراطورية الذي أُهين في الخرطوم.

  1. Ibid., p. 300.
  2. أبو سليم، "نعوم شقير مؤرخًا"، في: أدباء وعلماء ومؤرخون، ص 209.
  3. شقير، ص 264.
  4. المرجع نفسه، ص 281.
  5. Richard Temple, "The Mahdi and British India," Contemporary Review , vol. 47 (March 1885), p. 305.
  6. Ibid., p. 314.

وتجسد التيار الثاني في الصحافة الإيرلندية ذات النزعة القومية، التي كانت تنظر إلى المهدية باعتبارها حركة تحررية، تتقاطع منجزاتها مع تطلعات القوميين الإيرلنديين السياسية لتحقيق حكمٍذاتيٍ في بلاادهم، والدليل على ذلك كلمة ويلي ريدموند Redmond Willie، أمام مجلس العموم البريطاني، التي نقلتها الصحافة الإيرلندية، مقرةً بأنّ يد المهدي تلتقي مع "يد الشعب الإيرلندي بالتهنئة المتبادلة على تحقيق هدفهما المشترك، ألا وهو التحرر من الطغيان الإنكليزي"77. وتبلور التيار الثالث في مواقف بعض الصحف العربية والأوردية، التي كانت تروّج لدعوة المهدي باعتبارها دعوة للخلااص من استغلاال الدول الأوروبية المستعمرة78(. فإذا نظرنا في أدبيات هذه التيارات الثلااثة، فإننا نرى أنها لا تقدّم صورًا ذهنية دقيقة عن طبيعة انتصارات المهدية في السودان، ولكنها تعكس الرأي الآخر تجاه المهدية، سواء أكان متعلقًا بروح الانتقام والاستعلااء التي شكلت المواقف العدائية لبعض الصحافيين والكتاب البريطانيين بعد قتل هكس باشا في شيكان (1883)، وغوردون في الخرطوم (1885)، أو كان بعضها مرتبطًا بتطلعات الشعوب المُستَعمَرة لنَيل استقلاالها من الدول الأوروبية المُستَعم.ِرَة

معايير المعالجة المنهجية لمصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية

يؤكد التصنيف المذكور آنفًا أن مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية متنوعة في موضوعاتها، وفي الأجندة السياسية والثقافية التي انطلقت منها، وفي الفترات الزمنية التي شملتها، ثمّ إنها جمعت بين المدونات الوثائقية، والمرويات الشفوية، وكانت مثقلةً بنظرات الأنا والآخر المعاصرين لها تجاه وقائع المهدية وأحداثها، وتفاسيرها، وكيفية التعامل معها. ولذلك يجب أن يؤسس النقد الباطن لهذه المصادر الأولية وفق عدة معايير منهجية، أولها التصنيف من حيث المنطلقات الأيديولوجية والسياسية: إن الإيمان المطلق بفكرة المهدي المنتظر ومهدية محمد أحمد بن عبد الله قد جعل مصادر المهدية الرسمية، والمتعاطفة مع الفكرة، تقدّم قراءات أحادية للوقائع والأحداث المتعلقة بمراحل الثورة المهدية وبناء الدولة، لأنها ركزت على الجوانب الإيجابية والرسائل الدعوية والديوانية، وسكتت عن المواقف السياسية المعارضة لها، أو التي لم يسمح الواقع السياسي بذكرها، علمًا أنّ حرية الرأي والرأي الآخر لم تكن مكفولة في العهد المهدوي. إن المصادر المحلية المعارضة للمهدية من منطلقات سياسية وأيديولوجية قد عمدت إلى تقديم صورة سلبية عن الفكرة المهدية وأحداث الثورة، والدليل على ذلك رسائل العلماء المناهضين للمهدية، التي صيغت وفق اعتقادهم الرافض للفكرة وقائدها محمد أحمد بن عبد الله، أو المتبنية لرؤية السلطة الحاكمة في إستانبول والقاهرة والخرطوم، لذلك وصف المهدي العلماء الذين ناصبوا دعوته العداء ب "علماء السوء." إن تقارير الاستخبارات العسكرية المصرية ومذكرات سجناء المهدية الأجانب التي نشُرت تحت إشراف قلم الاستخبارات وأدبيات الدعاية ضدّ المهدية يجب أن ينظر إليها في المقام الأول بوصفها تهدف إلى شيطنة الدولة المهدية، وتجييش الرأي العام البريطاني والأوروبي ضدها لتبرير عملية استعادة السودان التي اختزلتها في قضية الثأر لدم الجنرال غوردون الذي أريق على عتبات سرايا الحكمدارية في الخرطوم عام 1885، وإعادة هيبة الإمبراطورية البريطانية التي هزها سياسيًّا وعسكريًّا سقوط الخرطوم في أيدي الثوار المهدويين.

  1. Paul A. Twonend, The Road to Home Rule: Anti-Imperialism and the Irish National Movement (Madison: Wisconsin U.P., 2016), pp. 225 - 226 ; لمزيد من التفصيل عن هذا التيار، ينظر: محمد المصطفى موسى، الأصداء العالمية للثورة المهدية (الخرطوم: دار المصورات، 2020). يقدّم هذا الكتاب إضاءات مهمة عن الأصداء العالمية للثورة المهدية، وتحديدًا في إيرلندا، وهو يعكس رؤية الآخر تجاه الثورة المهدية والمنطلقات التي استند إليها.
  2. جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2015)، ص 332.

إن المعلومات الواردة في الصحافة الخارجية والأدبيات المعاصرة لها لم تكن مقصودة لذاتها، أو كُتبت بهدف التوثيق للمهدية، بل كان الهدف الرئيس للجهات المنشئة لها تشويه أو تجميل صورة الإمبراطورية البريطانية أمام الرأي العام، وعملية التشوية أو التجميل ارتبطت بطبيعة علااقة تلك الجهات بالإمبراطورية وبالأجندة السياسية التي كانت تهدف إلى تحقيقها. فمثلً، حاولت الصحافة الإيرلندية القومية أن تُوظف أحداث المهدية من زاوية أن المهدية حركة تحرير، ولها قواسم مشتركة مع الإيرلنديين القوميين الذين يسعون لتحقيق استقلاالهم من قبضة الإنكليز. ويتمثل ثاني المعايير المنهجية في تصنيف وثائق المهدية داخل حواضنها الأيديولوجية والسياسية المشار إليها إلى وثائق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لأن معظم المعلومات السياسية الواردة فيها قد تأثرت بالرؤى والمصالح المتعارضة لأنصار المهدية وأعدائهم. لكن نلااحظ أن المعلومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كانت أكثر موثوقية وتواترًا في معظم المصادر التي وردت فيها، مثل الوثائق المالية في بيت مال العموم في أم درمان، والسرديات التي حملتها الوثائق المكتوبة بشقيها المهدوي والاستعماري عن أنماط الحياة الاجتماعية في مدينة أم درمان. ولذلك نرى أنّ كثيرًا من الوقائع والأحداث ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية، التي وردت في تقارير الاستخبارات العسكرية المصرية ومذكرات سجناء المهدية، بالرغم من تحيزها الأيديولوجي والسياسي ضدها، كانت متواترةً وأكثر صدقيةً مقارنةً بنظائرها السياسية. ومن أبرز الدراسات، التي أفلحت في استثمار هذا الجانب، دراسة محمد سعيد القدال المتعلقة بالنظام الاقتصادي للدولة والمهدية التي اعتمدت على أرشيف المهدية، وتقارير المخابرات الحربية المصرية، ومذكرات سجناء المهدية؛ وكذلك كتاب روبرت كريمر مدينة مقدسة على النيل: أم درمان في المهدية الذي زاوج بين المصادر المكتوبة والشفوية والمشاهد الجغرافية والآثار المادية. ويتجسد ثالث المعايير المنهجية في الخروج من دائرة النظرة الوضعانية للوثيقة المكتوبة، باعتبارها أساس كلّ عمل تاريخي، ولا يجوز لأي سردية تاريخية أن تتجاوز حدود نصها المكتوب، إلى دائرة النظرة التاريخانية التي أسقطت الالتزام بقيود النص المكتوب (الوثيقة التاريخية)، وأفسحت المجال أفقيًّا لظهور مصادر تاريخية جديدة إلى جانب النص المكتوب، مثل المشاهد الجغرافية، والشهادات الشفوية، والآثار المادية. ومن أفضل المؤلَّفات الدالة على ذلك، كتاب عصمت حسن زلفو عن معركة كرري، التي وصل مؤلفها إلى نتيجة مفادها أن تقارير استخبارات الجيش الغازي العسكرية والمصادر الأوروبية الأخرى قد عرضت "معركة أم درمان من وجهة نظر السردار كتشنر والجيش الغازي"، بهدف تمجيد "عبقرية السردار أو بسالة جنوده"، وتدوين تاريخ المنتصرين على حساب الضحايا "الدراويش"79(. ولتجاوز ندرة المصادر الأولية المكتوبة عن جيش الخليفة عبد الله بأقلاام الأنصار، أو أي أقلاام محايدة، يذكر زلفو أنه قد التفت إلى "مصدر ثمينٍ للمعلومات، أهمل لزمن طويل ولم يُستفَدْ منه الفائدة القصوى، ألا وهو أقوال الأحياء ممن اشتركواُ أو شاهدوا المعركة من جيش الخليفة". وبالفعل، أجرى العديد من المقابلاات مع بعض الشخصيات التي شهدت معركة كرري أو عاصرت فترة المهدية في أماكن متفرقة من السودان. وإلى جانب هذه المصادر الشفوية، اعتمد زلفو على المعلومات التي حصل عليها من زياراته الميدانية لأرض المعركة في سفوح جبال كرري وما حولها، ومن المتاحف الحربية التي زارها في السودان وبريطانيا بغية النظر في الأسلحة التي استخدمها الجيش الغازي وأنصار المهدية في أرض المعركة. وفضلً عن هذا وذاك، تعامل مع هذه المصادر المكتوبة والشفوية بحذر شديد، واستخدم معايير قبول "البينية القانونية" للترجيح أو المزج بينها من أجل تقديم رؤية كلية وتفصيلية بشأن القضايا المدروسة، مع مراعاة الظروف الموضوعية التي أسهمت في تشكيل أحداثها. ولذلك تعتبر دراسة زلفو عن معركة كرري من الدراسات الرائدة في مجالها، والتي أفلحت في تجاوز مشكلاات المصادر المكتوبة وسدّ ثغراتها، وذلك بالنظر في المشاهد الجغرافية والشهادات الشفوية والآثار المادية.

  1. عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكري لمعركة أم درمان، ط 2 (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2012)، ص  13.

ومن الدراسات الأخرى، التي استثمرت مصادر المهدية الأولية المكتوبة والشفوية والمادية والجغرافية استثمارًا موضوعيًّا، دراسة روبرت كريمر Kramer Robert المتعلقة بمدينة أم درمان في المهدية، بحكم أنّ مؤلفها قد اطلع على الوثائق الأرشيفية المودعة في دار الوثائق القومية في الخرطوم، ودار الوثائق البريطانية في لندن، وأرشيف السودان في جامعة درم Durham البريطانية، وزار أحياء أم درمان القديمة، والآثار العسكرية والإدارية لمباني الدولة المهدية، وأجرى مقابلاات شخصية مع أربعين شخصًا من سكان أحياء مدينة أم درمان القديمة باختلااف خلفياتهم العرقية والدينية. ومن أشهر هؤلاء فريدة بنت إسحاق إسرائيل، وعلي يعقوب الحلو، وعبد القادر شريف عبد الله (المولود في عام 1895 تقريبًا)، وشريف عبد الرحمن النجومي (المولود في عام 1885 تقريبًا)، الذي كان عمره نحو ثلااثة عشر عامًا عندما سقطت دولة المهدية، ونحو مئة عام ونيف عندما قابله المؤلف عام 1986، ووصفه بقوة ذاكرته وكثافة معلوماته عن المهدية80. ولذلك وصفت ليسا بولارد Pollard Lisa كتاب مدينة مقدسة على النيلبأنه "بحث أصيل ومتماسك"، يشتمل على تصوير زاخرٍ بالتفاصيل عن الحياة الاجتماعية في مدينة أم درمان، وأحيائها القديمة، وتركيبتها الديموغرافية، وصراعاتها الداخلية81. وعلى النسق ذاته، جاء تقييم هيذر شاركي Sharkey Heather التي ترى أنّ كتاب مدينة مقدسة على النيلقد استند إلى "أساس متين من مصادر أرشيفية يصعب الوصول إليها، ومصادر شفوية في أم درمان"، وهو ما جعله يحافظ على قيمته العلمية، مع أنّ أصله يرجع إلى أطروحة أكاديمية، قدّمها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه في جامعة نورث وسترن University Northwestern  الأميركية عام 1991، ثم أصدرها في كتاب عام 2010.82ويتبلور رابع المعايير المنهجية في النظرة التاريخانية التي تدعو إلى تخطي السياج الوهمي، الذي فرضته النظرة الوضعانية بين المؤرخ وبين الأشخاص الذين صنعوا الوقائع والأحداث الواردة في المصادر التاريخية. وبمعنى آخر، يجب أن يتقمص المؤرخ روح الشخصيات الماضوية التي صنعت الوقائع والأحداث، ويعني التقمص الاستيعاب الفطن لمكوناتها النفسية وللظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بالوقائع والأحداث التي صنعتها. وبهذه النظرة الواقعية، يستطيع المؤرخ أن ينفذ إلى أعماق الأحداث والوقائع، وأن يحللها تحليلً موضوعيًّا يتجاوز صورها الذهنية التي اكتنزتها المصادر المكتوبة منفردة. ولذلك دعا ميشيل فوكو إلى تخطي المفهوم الأداتي للمصادر التاريخية المكتوبة، لأنها لا تختزن ماضيًا كاملً وحقيقيًّا يمكن استرجاعه وإعادة بنائه في سردية تاريخية موضوعية، علمًا أنّ النفاذ إلى محتويات الوقائع والأحداث المكتوبة وفهم الدوافع المحركة لها يقتضي فحص المصادر التاريخية وقراءتها على مستويات متعددة، تزاوج بين الوثائق المكتوبة، والروايات الشفوية، والمشاهد الجغرافية، والآثار المادية، وتقارن بينها لفحص درجة صدقيتها، ولتوطينها في إطار الظروف الموضوعية التي أنتجت وقائعها وأحداثها، ثم تعيد تركيبها في سردية تاريخية، تعطي القارئ صورة ذهنية أقرب إلى الحقيقة83(. ونلااحظ هذا الملمح واضحًا في كتاب مدينة مقدسة على النيل، لأنّ مؤلفه حاول أن يتقمص روح المدنية التاريخية، التي زارها في عامي 1986 و 1987، وجلس مع بعض شخصياتها المخضرمة، ووقف على وثائقها المكتوبة

  1. لمزيد من التفصيل، ينظر: Robert S. Kramer , Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885 - 18 98 (Princeton: Markus Wiener Publishers, 2010), p. viii.
  2. لمزيد من التفصيل، ينظر: Lisa Pollard, "Book review, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885 - 1898 , by Robert Kramer," International Journal of Middle East Studies , vol. 45 , no. 1 (February 2013), pp. 166 - 167.
  3. لمزيد من التفصيل، ينظر: Heather Sharkey, "Book review, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885 - 1898 , by Robert S. Kramer," The International Journal of African Historical Studies , vol. 44 , no. 1 (2011), pp. 145 - 146.
  4. لمزيد من التفصيل ينظر: ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص 5 - 18.

وآثارها المادية ومشاهدها الجغرافية؛ وبموجب ذلك استطاع أن يرسم صورة ذهنية حية عن تاريخ مدينة أم درمان في المهدية وصراعاتها الاجتماعية والسياسية. أما المعيار المنهجي الخامس لاستثمار مصادر المهدية المكتوبة والشفوية والجغرافية والمادية، فيتمثل في استخدام مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى استخدامًا تكامليًّا لتحليل هذه المصادر التاريخية وإنتاج سردية تاريخية موضوعية للقضايا المدروسة. ومن مؤرخي المهدية الذين استخدموا هذا المنهج التكاملي محمد سعيد القدال، الذي وصف الوثائق التاريخية المكتوبة بأنها ليست نصوصًا محايدة، أو حقائق مجردة، بل هي نصوص تعبر عن فعل أو ردّ فعل في واقع سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي معيّ، ولذلك يجب أن تخضع لتحليل موضوعيّ في إطار ذلك الواقع الذي نشأت فيه لتكتمل صورتها عندما يُعاد تصميمها في متون السرديات التاريخية. ويظهر هذا المنهج جليًّا في كتابه عن الإمام محمد أحمد المهدي: لوحة لثائر سوداني، لأنه استطاع أن يتجاوز إسقاط التفسير البطولي للتاريخ إلى دائرة النظر في دور الفرد الجمعيّ، وطبيعة علااقته المتبادلة مع المجتمع الذي عاش بين ظهرانيه. ومن هذه الزاوية طرح القدال جملة من الأسئلة المتعلقة بموضوع مؤلَّفه: "كيف نشأ محمد أحمد؟ وكيف تطورت شخصيته؟ وكيف خرج من جو الصوفية إلى جوّ المهدية؟ وكيف تفاعل مع مجتمعه حتى تمّ ذلك الخروج؟ وما العوامل التي كان أثرها كبيرًا في نفسه، والتي دفعته إلى دروب من الحياة كانت جديدة على كثير من معاصريه؟ وكيف استطاع شاب في الخامسة والثلااثين من العمر أن يقيم الأرض على حكم أجنبي بغيض، وأن يقود الآلاف في معارك عنيفة، ويحمل لواء النصر خفّاقًا طوال أربع سنوات؟"، ثم وضع القَدال هذه الأسئلة الجزئية في إطار أسئلة محورية أوسع نطاقًا، ونذكر منها: "كيف يلعب الفرد دورًا كالذي لعبه المهدي في حياة السودان؟ وهل يستطيع الفرد أن يحرك التاريخ بذلك الصخب الذي فعله المهدي؟" ويردّ على هذه الأسئلة، قائلً: "وفي السودان حيث تضعف القاعدة المادية والثقافية، وينحصر الوعي، حيث يلعب الزعيم، والحاكم، والفقير [أي رجل الدين] دورًا في حياة الناس، يبرز دور الفرد في الأحداث الأكثر سطوعًا. وربما بدا أنه مستقلّ استقاللً مطلقًا عن الأحداث، هو قطعًا ليس كذلك. ولكنّ حجمه الذي يلعبه أكبر، وهو محكوم في آخر الأمر بالظروف الموضوعية وخاضع لها... فلاا حديث عن الظروف بلاا قائد، ولا عن قائد بلاا ظروف موضوعية"84(. وفي ضوء هذه الثنائية الجدلية بين الفرد والظروف الموضوعية المحيطة، قدّم القدال دراسة رائدة عن الإمام المهدي، استثمر فيها مصادر الثورة والدولة المهدية استثمارًا ذكيًّا، ثمّ استخدم منهج مدرسة الحوليات الفرنسية التكاملي للإجابة عن الأسئلة المحورية التي طرحها في متن أطروحته.

خاتمة

نتبيّ، من خلاال المعايير المنهجية التي عرضناها من قبل، أن تنوع مصادر تاريخ الثورة والدولة المهدية يحمل جانبًا إيجابيًّا وآخر سلبيًّا. ويتمثل الجانب الإيجابي في أنّ تعدد المصادر التاريخية المكتوبة عن تاريخ الثورة والدولة المهدية يساعد الباحثين أولً في استقراء الوقائع والأحداث التاريخية من زوايا متعددة للتثبت من صحتها عن طريق المقارنة والمضاهاة واستخدام أدوات الجرح والتعديل، ويساعدهم ثانيًا في التحليل الداخلي للوقائع والأحداث، لفهم الدوافع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء عملية تشَكّل. هاِ أما الجانب السلبي، فيتجسد في أنّ تعدد المصادر التاريخية المكتوبة يقدّم أحيانًا وقائعَ وأحداثًا تاريخية متعارضًا بعضها مع بعض، وأنّ الأخذ بأيّ منها دون الآخر يبرز تحيز المؤرخ ويقوده إلى نتائج غير موضوعية. إذًا، على المؤرخ الثبت في هذه الحالة أن يوسع دائرة مدونته المصدرية، بمعنى أن يستأنس بمصادر أخرى مثل المشاهد الجغرافية، والشهادات الشفوية، والآثار المادية، لسدّ ثغرات الوثائق المكتوبة؛ وبذلك يستطيع أن يحدد موقفًا إيجابيًّا من المصادر المتعارضة يُمكّنه من بناء معرفة تاريخية موضوعية.

  1. القدال، الإمام المهدي، ص 1 - 2.

المراجع

References

العربية

إبراهيم، عبد الله علي. الصراع بين المهدي والعلماء. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1966.

.________ أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان. بيروت: دار الجيل، 1991.

.________ الخصومة في مهدية السودان: كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلاميًّا وسودانيًّا. الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2004.

.________ العالم المجاهد الحسن سعد العبادي: صفحة من خلاف العلماء حول المهدية وإمارة في عتباي. الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2002.

.________ عالم المهدية: الحسين إبراهيم زهرا وأعماله. الخرطوم: المؤسسة العامة للطباعة والنشر، 1999.

أبوشوك، أحمد إبراهيم. "المنهاج التكاملي في تفسير التاريخ: الرؤى والأطروحات." المجلة العربية للعلوم الإنسانية. مج 35، العدد 138 الآثار الكاملة للإمام المهدي. جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990 - 1994.

الأفغاني، جمال الدين، ومحمد عبده. العروة الوثقى. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2015.

بدري، بابكر. تاريخ حياتي. الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 2015.

بشير، الصادق عوض. المرحوم السيد علي المهدي: المؤرخ والمربي والعارف بالله. [د. م.]: [د. ن].، 2013.

التجاني محمود، محجوب. "العقاب ومعاملة الجانين في الدولة المهدية (1881 - 1898)". مخطوط، 1980.

زكي، عبد الرحمن. "يوميات عباس بك، معاون حكمدار عموم السودان، الذي استشهد في ميدان معركة شيكان بكوردفان 5 نوفمبر 1883، تحت إمرة الجنرال هيكس باشا." مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية. مج 3، العدد 2 (1950.)

زلفو، عصمت حسن. شيكان: تحليل عسكري لحملة الجنرال هكس. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1972.

شقير، نعوم. تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته. القاهرة: مطبعة المعارف، 1903.

فوزي باشا، إبراهيم. السودان بين يدي غوردون وكتشنر. القاهرة: مطبعة الآداب والمؤيد، 1309 ه.

فوكو، ميشيل. حفريات المعرفة. ترجمة سالم يفوت. ط 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987.

الكردفاني، إسماعيل عبد القادر. سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي. تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم. ط 2. بيروت: دار الجيل، 1982.

محررات عبد الرحمن النجومي. جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم. الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2004.

محررات عثمان دقنة. جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم. الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2004.

مصادر تاريخ السودان: محررات الخليفة عبد الله. جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم. الخرطوم: مركز أبو سليم للدراسات، 2001. المهدي، علي. جهاد في سبيل الله. تحرير عبد الله محمد أحمد حسن. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1965.

موسى، محمد المصطفى. الأصداء العالمية للثورة المهدية. الخرطوم: دار المصورات، 2020.

ميخائيل، يوسف. مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثنائي. تحقيق وتقديم أحمد إبراهيم أبوشوك. أم درمان: مركز عبد الكريم الثقافي، 2004.

الأجنبية

Abushouk, Ahmed Ibrahim. "A Bibliography of the Mahdist State in the Sudan, 1881 - 1898." Sudanic Africa. vol.

Abushouk, Ahmad Ibrahim & Anders Bjorkelo (eds.). The Public Treasury of the Muslims: Monthly Budgets of the

Mahdist State in the Sudan, 1897. Leiden: Brill, 1995.

Churchill, Winston. The River War. 3 rd ed. London: Skyhorse, 1933.

Cuzzi, Guiseppe. Fifteen Years as a Prisoner of the False Prophet. Hildegound Sharma (trans.) Khartoum: Sudan

Research Unit, 1968.

________. Funfzehn Jahre Gefanger des Falschen Propheten. Leipzig, 1900.

Gordon, Charles George. The Journals of Major-Gen. C.G. Gordon, C.B., at Kartoum. Printed from the Original

mss. London: Kegan Paul, Trench, & CO. 1885.

Hill, Richard. A Biographical Dictionary of the Sudan. 2 nd ed. London: Frank Cass & Co, 1967.

Holt, P.M. A Modern History of the Sudan. London: Weidenfeld and Nicolson, 1963.

________. "The Sources Material of the Sudanese Mahdiyya." St. Anthony's Paper no. 4 , Middle Eastern Affairs.

no. 1. (1958).

Kramer, Robert S. Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885-18 98. Princeton: Markus Wiener

Publishers, 2010.

Neufeld, Charles. A Prisoner of the Khaleefa: Twelve Years' Captivity at Omdurman. London: Chamber & Hall

Ltd, 1899.

Ohrwalder, Joseph. Ten Years' Captivity in the Mahdi's Camp. London: S. Low Marston, 1892.

Pollard, Lisa. "Book review, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885 - 1898 , by Robert

Kramer." International Journal of Middle East Studies. vol. 45 , no. 1 (February 2013).

Rosignoli, P. Paolo. I Miei Dodici Anni di Prigionia in Mezzo ai Dervisci de Sudan. Graziano: Tip. Editrice Vescov.

Ed. B., 1898.

Sharkey, Heather. "Book review, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885 - 1898 , by Robert S.

Kramer." The International Journal of African Historical Studies. vol. 44 , no. 1 (2011).

Slatin, Rudolf C. Fire and Sword in the Sudan. London: Edward Arnold, 1896.

Stewart, J.D.H. "Report on the Soudan." Durham University. 1883. SAD. 896 / 6 / 1 - 19.

Temple, Richard. "The Mahdi and British India." Contemporary Review. vol. 47 (March 1885).

Twonend, Paul A. The Road to Home Rule: Anti-Imperialism and the Irish National Movement. Madison:

Wisconsin U.P. 2016.

Wingate, F.R. The Mahdiism and Egyptian Sudan: Being an Account of the Rise and Progress of Mahdiism, and of

Subsequent Events in the Sudan to the Present Time. London/ New York: MacMillan and Co., 1891.