السياسة الخارجية الألمانية تجاه تركيا في سياق الحرب العالمية الثانية رؤية من منظور اقتصاد الحرب
German Foreign Policy towards Turkey in the Context of the WWII: A Vision from a War Economy Perspective
الملخّص
تتوخّى هذه الدراسة تسليط الضوء على سياسة ألمانيا النازية (الرايخ الثالث) الخارجية تجاه الجمهورية التركية من منظور اقتصاد الحرب الذي يركّز على تعبئة الموارد الحيوية خلال الحرب. كما توضح ردّة فعل دولة فتية، هي تركيا، التي كان عمرها 16 عامًا فقط عشية اندلاع الحرب، والتي بذلت قصارى جهدها لتفادي تكرار خطأ الإمبراطورية العثمانية، من خلال تجنّب الانخراط في أي نزاع عسكري، عبر رفع شعار "سلام في الداخل سلام في الخارج"، آخذة بنصيحة الملك البلجيكي بودوان الأول Baudouin (1930-1993) الذي قال ذات مرة إذا كان "السلام يستغرق عشرين عامًا أو أكثر، فإن الأمر يستغرق عشرين ثانية فقط لتدميره".
Abstract
This study aims to draw out Nazi Germany's foreign policy towards the Turkish Republic from the perspective of a war economy focused on mobilizing vital resources during the war. It also illustrates the reaction of a young state, Turkey, only 16 years old on the eve of the war. Turkey did its utmost to avoid repeating the mistake of the Ottoman Empire, avoiding engaging in any military conflict under the slogan "Peace at home, peace abroad".
- السياسة الخارجية
- تركيا
- الحرب العالمية الثانية
- ألمانيا النازية
- Foreign Policy
- German Nazism
- Political Economy
- World War II
| DOI: https://doi.org/10.31430/KXYJ4949: الرقم التعريفي | |
| محمد غاشي | Gachi *Mohammed | |
| السياسة الخارجية الألمانية تجاه تركيا في سياق الحرب العالمية الثانية رؤية من منظور اقتصاد الحرب German Foreign Policy towards Turkey in the Context of the WWII A Vision from a War Economy Perspective |
مقدمة
تتعدّد تعاريف اقتصاد الحرب منذ ظهور هذا المفهوم خلاال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهو يشير إلى "استمرار الاقتصاد بوسائل أخرى خلاال فترات النزاع"، بهذه الكلمات عرّف الباحثان كارين بالنتين وهايكه نيتشه اقتصاد الحرب، الذي يفيد تنظيم القدرة الإنتاجية للبلد وإعادة هيكلته في أوقات الصراع تلبية لمتطلّبات القوة العسكرية والصناعية (الأمن الطاقي)، وتحقيقًا أيضًا لمتطلّبات شعب ما (الأمن الغذائي)1(. في هذا الإطار، ألمح جيمس غالبريث إلى أنّ اقتصاد الحرب يتطلّب التزامًا وتحرّكًا فوريًا للقيام بما هو ضروري في الوقت المناسب، دعمًا للجهد العسكري وحمايةً للسيادة الوطنية، وتأمينًا أيضًا لمتطلّبات المعيش اليومي، وإيجاد أسباب الحفاظ على الرفاه الجسدي والتضامن والروح المعنوية للشعب، وهذه المهمة قد لا تكون سهلة، بل تحتاج إلى قدرة وكفاءة عاليتيَن في إدارة الاقتصاد في أشد الأوقات صعوبة2. ارتباطًا بذلك أيضًا، يرى خبراء الاقتصاد السياسي أنّ معالجة القضايا المترتبة على اقتصاد الحرب بفاعلية وحكمة، تشكل أداة مركزية في طريق تحقيق النجاح النهائي خلاال أعوام الحرب، وهو ما يسبقه عملية تخطيط ووضع سيناريوهات عدة تحقيقًا للمصلحة العليا للدولة. من زاوية أخرى، لا يمكن البتّة، تجاهل التأثير الحاسم الذي تضطلع به موارد الطاقة، خاصة النفط، في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفاهية الأمم وضمان الأمن الطاقي للدولة، وهذا ما يفسّ التنافس الجيوبوليتيكي على المناطق الحيوية بين القوى العظمى حماية لمصالحها القومية3. تنطلق هذه الدراسة من حقيقة مفادها أن أدولف هتلر (1889 - 1945) الذي وصل إلى السلطة عن الحزب النازي في ألمانيا في عام 1933، عبر صناديق الاقتراع، قد وضع لنفسه ولأمته الألمانية هدفين رئيسين: أولهما، تجاوز الركود وتحقيق التعافي الاقتصادي والوفاء بوعده في تشغيل ملاايين الألمان؛ وثانيهما، يكمن في تعبئة الاقتصاد الوطني وتعظيم القوة الوطنية خطوةً أولى في برنامجه لشن الحرب الضرورية، لتحقيق رؤية الفوهرر في خصوص المجال الحيوي، واستعادة المكانة العالمية4(. وهذا ما جعل الاقتصاد الألماني، عشية الحرب العالمية الثانية (1939)، أقل عرضة للأزمات الاقتصادية وأكثر قوة مما افترض أعداؤه، من قوى الوفاق، وفقًا للمؤرخ ريتشارد أوفري5الذي سجّل أن الاقتصاد السياسي اكتسى أهمية مركزية في تفسير السياسة الخارجية الألمانية وتوجّهاتها الاستراتيجية ومخططاتها العسكرية قبل الحرب العالمية الثانية وخلاالها أيضًا6. تتناول هذه الدراسة موضوع السياسة الخارجية الألمانية تجاه الجمهورية التركية في سياق الحرب العالمية الثانية، من وجهة نظر الاقتصاد السياسي الذي يفترض وجود علااقة تأثير متبادل بين تعبئة الموارد الخام، خاصة الطاقة، وطبيعة السلوك الخارجي للدولة. وتبعًا لقاعدة زيادة الثروة وتعظيم القوة، تفترض الدراسة وجود علااقة طردية بين تحقيق هذا المسعى وطبيعة التوجّه الألماني النازي نحو الجمهورية التركية، بالتركيز على الكروميت الخام مادة حيوية للصناعة الدفاعية. إجم لً، يكمن الهدف الرئيس لهذه الدراسة في تتبّع مسار السياسة الخارجية لبرلين تجاه أنقرة، وفحص اتجاهاتها ومتغيّاتها قبل الحرب العالمية الثانية وخلاالها أيضًا، في مسعى
إدارة الرايخ الثالث لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعظيم القوة الوطنية. وتتخذ الدراسة الطابع التحليلي التاريخي أساسًا، لرصد عناصر الاستمرارية والتغيّ في السياسة الألمانية تجاه تركيا.
أوالً: أهمية تركيا يف استراتيجية ألمانيا
اكتست تركيا العثمانية أهمية محورية في الاستراتيجية الألمانية في سياق الحرب العالمية الأولى؛ إذ رأت وزارة الخارجية الألمانية ببرلين، من منظار الثقافة الجيوسياسية، في المشاركة العثمانية ميزة أكيدة، تتيح لها إمكان فتح جبهة جديدة ضد روسيا القيصرية في منطقة القوقاز، وكذلك منع تقدُّم قوات الحلفاء عبر إغلااق المضائق التركية الحيوية، ثم أخيرًا انتبه الألمان إلى أهمية التوظيف الأيديوسياسي لمكانة السلطان العثماني بصفته "خليفةً" للمسلمين، عبر إقناعه بدخول الحرب العظمى إلى جانب قوى المركز، وإعلاان الجهاد ضد قوى الوفاق، خدمة لاستراتيجية الحرب المقدّسة، أو فكرة "الجهاد" التي احتضنتها ألمانيا. وعلى الرغم من أن كثيرًا من ذلك لم يتحقق، بحكم الضعف العثماني والاستراتيجية البريطانية الفرنسية أيضًا لتحويل التيار القاتل عبر إذكاء حركات القومية العربية ضد الجهادية الإسلاامية، فإن البعد الأناضولي (تركيا) بقي بُعدًا محوريًّا ورئيسًا في سياسات ألمانيا الخارجية حتى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، سواء في عهد جمهورية فايمار، أو خلاال عهد الرايخ الثالث (النازية)، وهو وضع لا يزال إلى الآن، بيد أن الجديد في هذا السياق هو تراجع المقولات الجيوسياسية أمام المحددات الاقتصادية في توجيه السياسة الخارجية لبرلين تجاه أنقرة7. كان اقتصاد الرايخ الثالث يتحرك منذ عام 1934 في اتجاه أن يصير اقتصاد حرب لا محالة، وفي هذا الإطار، بينما حافظت الولايات المتحدة الأميركية على رقم ثابت، قدره نحو 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي GDP كإنفاق على ميزانية الدفاع، ارتفعت نفقات إنكلترا العسكرية من حوالى 3 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي في عام 1933 إلى 7 في المئة في عام 1939، في حين زادت النفقات العسكرية الألمانية من 3 في المئة من إجمالي الناتج القومي إلى 17 في المئة في الفترة نفسها. ومن زاوية أخرى، خلقت الحروب الحديثة حلقة وصل بين القدرة العسكرية والقوة الاقتصادية، وهي قاعدة نبّهت إليها الحرب العالمية الأولى. فإلى جانب الكفاءة العسكرية، هناك استراتيجية الحصار والاستنزاف، ما يتطلّب تعبئة الموارد كلها المادية والاقتصادية والبشرية خدمة للمجهود الحربي8. تبعًا لذلك، كان من المنطقي جدًا أن تحظى تركيا بأهمية في المدرك الاستراتيجي لألمانيا النازية، بحكم موقعها الجيوستراتيجي الجوهري باعتبارها جسرًا تجاريًا يربط بين أوروبا وآسيا، وبوابة نحو منطقة الشرق الأوسط، فضلً عن مواردها الخام المهمة، ووقوعها أيضًا بين منابع النفط المهمّة، سواء في سورية والعراق والخليج العربي، أو في منطقة القوقاز وبحر قزوين9. علااوة على ذلك، تُعتبَ تركيا أكبر منتج لمادة الكروميت الخام، هذه المادة الحيوية الضرورية للصناعة الدفاعية، ليس لصلاابتها فحسب، بل لكونها أيضًا مقاومة للصدأ، وقد تعاظمت قيمتها بلاا شك في سياق الحرب العالمية الثانية. كانت هذه المادة الحيوية تلبّي الطموح السياسي وتخدم الأهداف العسكرية للااشتراكيين الوطنيين بقيادة الفوهرر هتلر، ما جعل الأخير يؤسس لمرحلة جديدة من العلااقات الألمانية - التركية10.
ثانيًا: تركيا عى ل خطط السياسة الخارجية الألمانية قبل الحرب العالمية الثانية
آذن الكساد الاقتصادي بصعود النازية ونهاية جمهورية فايمار الديمقراطية. وإذا كان الخوف من التضخّم منع تبنّي سياسات راديكالية لمواجهة التقلبات الدورية للااقتصاد الألماني قبل عام 1933، فإنه لم يستطع منع الكتلة الناخبة، المستاءة من الأوضاع، من التحوّل في اتجاه الراديكالية والتصويت الشعبي لصالح هتلر في انتخابات البرلمان الألماني (الرايخستاخ). على الرغم من أن هتلر اتهم في مناسبات عدة، خاصة خلاال عامي 1931 و 1932، بالدفاع عن سياسات تضخمية في الاقتصاد، فعلى سبيل المثال استخدم المستشار هاينريش برونينغ Bruning Heinrich، عن حزب الوسط، بروبغاندا التضخم عصًا لضرب شعبية هتلر خلاال الانتخابات الرئاسية في عام 1933. لكن لم يكن هذا مجديًا أمام خطابات هتلر الذي كان قد أسّس أوراق اعتماده بوصفه معارضًا للتضخم في وقت مبكر من عام 1922، حيث شجب مرات عدة توجّهات الجمهورية الضعيفة، واستشهد بالتضخم دليلً على عدم الكفاءة الاقتصادية لجمهورية فايمار11. في اللحظة التي استأثر فيها الاشتراكيون الوطنيون (الحزب النازي) بالسلطة في ألمانيا في عام 1933، كان الاقتصاد الألماني قد تعافى قليلً من أدنى نقطة وصل إليها بفعل الكساد. وقامت السياسة الاقتصادية خلاال الأعوام الأخيرة من فايمار، في الأساس، على استراتيجية الإنفاق الحكومي والتدابير المالية الأخرى التي شملت فرض رقابة صارمة على الأجور والأسعار، والتي كانت تهدف إلى زيادة الدخل والرفع من نسب التوظيف. في حقيقة الأمر، لا يمكن اعتبار سياسة النازيين الاقتصادية خروجًا جوهريًا عن هذه الاستراتيجية الأساسية، إنما حاولوا جعلها أشد فاعلية من خلاال زيادة النفقات العمومية وترشيدها وتشديد الضوابط على الأسعار والأجور والعملاات الأجنبية. وتجدر الإشارة إلى أن عام 1934 كان قد سجل انخفاضًا في الميزان التجاري بلغ أدنى مستوياته بعد الحرب العالمية الأولى، فضلً عن أنّ كميات الذهب والعملاات الأجنبية أيضًا. في خزينة الرايخ كانت على وشك النضوب. ونظرًا إلى أن هتلر ليست له خلفية اقتصادية، فإن هذا لم يمنعه من إدراك حقيقة أن الاقتصاد كان ذا أهمية مركزية في استعداداته للحرب التي رأى أنها ستندلع عاجلً أو آجلً من أجل توسيع المجال الحيوي لألمانيا وتطبيق رؤيته الداروينية للعالم لضمان الاكتفاء الذاتي ومستقبل بلده السياسي والاقتصادي. فقام الفوهرر بإحاطة نفسه بعدد من الخبراء الاقتصاديين يتقدّمهم هيلمار شاخت12) 1877 - 1970 (Schacht Hjalmar الذي نصّبه محل كورت باول شميت Schmitt Paul Kurt وزيرًا للااقتصاد ورئيسًا لبنك الرايخ في عام 1934. كان أول تحركات شاخت إطلااقه خطته الشهيرة لضمان الواردات الضرورية لألمانيا، التي كانت تتعارض من ناحية مع بعض خطط هتلر حول مقترحات الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد الألماني، حيث رأى وزير اقتصاد الرايخ أن الحرب لا يمكن تمويلها عن طريق الاكتفاء الذاتي، بل عن طريق إنتاج السلع وتصديرها13. صحيح أن هتلر كان يكنّ كراهية شديدة لمفهوم التجارة العالمية، ومع ذلك فإنه هو نفسه، لأسباب اقتصادية وسياسية داخلية، كان ينصاع إلى خطط الاقتصادي شاخت، حيث نظر بوضوح إلى التجارة الخارجية والتصدير باعتبارهما وسيلة فعالة لمساعدة الفوهرر على الوفاء بوعده الأول للشعب الألماني من حيث خلق فرص العمل والقضاء على البطالة، وهذا ما أوجزه باول هيلااند Heiland Paul
الوزير المنتدب لدى غرفة التجارة والصناعة، قائلً: "إن الهدف الأساسي للمصدّر هو نفسه هدف النازية: خلق العمل "14. كما افترض هتلر أن تعمل التجارة الخارجية بوصفها استراتيجية قصيرة المدى وليست بعيدة المدى، لكن حتى عام 1939 كان لا يزال يقبل أهمية مشاركة ألمانيا في التجارة العالمية عندما أعلن بوضوح أنّ ألمانيا قبل تكوين مجالها الحيوي "يجب أن تصدّر أو تموت"15. يتّضح أنّ السياسة الاقتصادية الألمانية القائمة على قوّة الصادرات، قد أثّرت تأثيرًا فعّ لً وقاطعًا في توجيه السلوك الخارجي للرايخ الثالث وتحديد أولوياته، وعلااقاته بباقي الدول على الصعيدين الإقليمي/ القارّي والدولي، وهو ما يظهر جليًّا في سياسة ألمانيا النازية، خاصة تجاه بلدان جنوب شرق أوروبا وهضبة الأناضول (تركيا). ومن المفارقات أنّ وصول النازيين إلى السلطة بقيادة هتلر (1933)، ثم تنصيب شاخت في العام الموالي (1934) وزيرًا للااقتصاد ورئيسًا لبنك الرايخ، وهو الذي دشّن عهده بإطلااقه الخطة الرباعية (أربعة أعوام) الشهيرة والطموحة والهادفة في الأساس إلى إنعاش الاقتصاد الألماني من خلاال تطوير حجم الصادرات، وضمان تدفّق الواردات الضرورية وفقًا لترتيب جديد، من مقتضياته إخضاع كل معاملة استيراد لموافقة مكتب الإشراف المناسب، كان متزامنًا إلى حدٍ ما مع إطلااق تركيا خطتها الخماسية من أجل تحديث اقتصادها وتأهيله. بيد أن تركيا نفسها كانت تمرّ بأوضاع صعبة من جرّاء الركود الحاصل في اقتصادها، حيث واجهت أنقرة صعوبات كبرى في بيع منتوجاتها الخام في الأسواق الخارجية، ما عرقل قدرتها على استيراد الآلات اللاازمة لخطة التصنيع الطموحة16. مثّلت هذه الظروف لحظة مواتية لحكومة الرايخ الثالث لبدء القيام بدور أكبر في الشؤون التركية، ومن هنا كان تحرّك برلين لاستعادة وضعها في الأناضول، سعيًا للااضطلااع بدور فعّال أشبه بالدور الذي كانت تحظى به قبل عام 1914. وإذا كانت الأوضاع الداخلية في تركيا قد شكّلت نقطة محورية لتسرّب الرايخ الثالث إلى الساحة التركية، فلاا بدّ من أن نشير أيضًا إلى أن الاقتصاد الألماني كان في حاجة ماسّة إلى المادة الخام، وتحديدًا الكروميت التي عُدّت عمود الواردات التركية إلى ألمانيا، والتي تستجيب لحاجات الاقتصاد الألماني وأهدافه العسكرية، خاصة أن هتلر قد سارع فور وصوله إلى السلطة إلى التنصّل من مقتضيات صلح فرساي (1919) وإعادة التسلّح17. ممّا يمكن اعتباره دليلً على أنّ تركيا مثّلت مج لً رئيسًا لإنجاح سياسات ألمانيا الخارجية ومصالحها الاقتصادية الحيوية، كون برلين قد دفعت أنقرة إلى الدخول في اتفاقيات المقاصّة، بدءًا من عام 1934، وسيلةً للتغلّب على صعوبات التبادل التجاري، خاصة في ظل عجز ميزانها التجاري. في هذا الصدد، كان المقترح الألماني هو استخدام العملة الألمانية فحسب في عملية البيع والشراء بين الجانبين، ويرجع ذلك إلى أن ميزة هذه العملية كانت بالنسبة إلى الدولتين معًا هي الإنفاق من دون تكلفة عبر التحايل على ضرورة استخدام احتياطيات العملاات الأجنبية في التجارة الدولية، وعدم الانغماس في الديون الدولية. كان شاخت وراء هذه الخطة الجديدة التي ألغت نظام تخصيص النقد الأجنبي واستبدلت به نظامًا تخضع بموجبه كل معاملة تصدير واستيراد لموافقة مكتب مخصص للتحكم في التجارة الخارجية، تحت إشراف مدير بنك الرايخ، والتي توخّت تحقيق ثلااثة أهداف رئيسة: أولها، الاحتفاظ بالواردات على نحو صارم بالكمية المتاحة من النقد الأجنبي. وثانيها، حصر المشتريات في البلدان التي اشترت كميات معادلة من ألمانيا. وثالثها، إعطاء الأفضلية
لواردات معيّنة من المواد الخام، ولا سيما المواد الضرورية لإعادة التسلّح. مثّلت الخطة الجديدة باختصار، إحدى الوسائل الرئيسة لجعل الاستعدادات للحرب ممكنة اقتصاديًا، ولقد أثبتت التطورات اللااحقة أن الخطة الجديدة حققت بنجاح أهدافها المعلنة18. كما رأينا سابقًا، ساعدت المحنة الاقتصادية التي كانت تمر بها تركيا في تمدد الرايخ الثالث إليها، حيث مالت وزارة الاقتصاد والخارجية في الرايخ الثالث إلى تشجيع التجارة الخارجية مع الدول الأضعف، لجعلها تابعة لها في المستقبل المنظور. ومن الناحية العملية، وتحقيقًا لزيادة الطلب على الواردات الألمانية، حدّد بنك الرايخ أسعار صرف خاصة للعملة الألمانية، مارك، بأقل من السعر الرسمي، وأيضًا من خلاال تدعيم المصدّرين في بعض الأحيان، وهو ما ساهم على نحو فعّال في توسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي للرايخ الثالث في دول البلقان، وفي تركيا أيضًا19. لذلك لم يكن مفاجئًا أن تصبح تركيا مع مرور الوقت جنبًا إلى جنب مع دول البلقان، واحدة من بين الدول الأكثر اعتمادًا في اقتصادها على ألمانيا بسبب اتفاقات المقاصّة، حيث كان عليها أن تأخذ ما يمكن أن تجنيه ألمانيا، وتبيع الأشياء التي تريدها ألمانيا فحسب، بفعل تراكم الديون واختلاال الميزان التجاري بين برلين وأنقرة. بقي أن نشير إلى أنّ تجارة ألمانيا مع تركيا كانت في تزايد مطّرد قبل صعود هتلر، وكان أحد أسباب ذلك هو الارتباط الوثيق بينهما خلاال الحرب العالمية الأولى، لكن الأهم من ذلك كله، كان مقدار ثقة الأتراك بالمنتوجات الألمانية. وفي المقابل، أدت الحاجة الألمانية إلى المواد الخام التركية إلى تطوير التجارة بين الجانبين خلاال الأعوام الأولى لقيام الرايخ الثالث، حيث ساعدت الحكومة النازية وبراعة وزير الاقتصاد شاخت في زيادة حجم المبادلات التجارية بين البلدين، فخلاال ثلااثة أعوام فقط، وتحديدًا في المدة 1933 - 1936، ارتفعت حصة ألمانيا من 19 إلى 51 في المئة من إجمالي الصادرات التركية، أي حوالى الثلثين20. بحلول عام 1937، نجحت ألمانيا في أن تصبح شريكًا اقتصاديًا مهمًا مع الجمهورية التركية، والأهم بالنسبة إلى المسؤولين الحكوميين في وزارة الاقتصاد وغرف التجارة الألمانية، كان الحصول على العديد من المواد الخام والمعادن النادرة في أفق تحقيق الاكتفاء الذاتي، من خلاال خلق المجال الحيوي (التوسع شرقًا). فقد زوّدت تركيا النازيين بكميات كبيرة من الصوف والقطن والجلود والحبوب والفواكه المجففة. لكن من بين السلع كلها التي صدّرتها تركيا إلى ألمانيا، كان خام أوكسيد حديد الكروم المعروف بالكروميت على رأس قائمة الواردات21. لقيت خطة شاخت الاقتصادية، في حقيقة الأمر، نجاحًا كبيرًا في تركيا أكثر من غيرها من بلدان أوروبا، حيث استحوذت ألمانيا تقريبًا على ما يفوق نصف صادرات تركيا ووارداتها في عام 1937. بيد أنه ابتداءً من هذا التاريخ، أي عام 1937، فإنّ التجارة الألمانية الناشطة في الاقتصاد التركي، كانت موضع شك سياسي في أجندة أنقرة الخارجية، وبصرف النظر عن حقيقة أن تركيا كانت معزولة اقتصاديًا، وأصبحت بذلك تموّل المنتوجات الألمانية في تركيا، فإنها انتبهت أخيرًا إلى حقيقة كون البيع والشراء بالعملة الألمانية فحسب كان يضر بمستقبلها الاقتصادي، حيث إن اتفاقات المقاصّة واختلاال الميزان التجاري بين الدولتين، كانا يرغمان وزارة الاقتصاد التركية على قبول المنتوجات الألمانية بشروط تحدّدها برلين وحدها في الغالب22. كما اهتمت برلين على نحو رئيس بالنتيجة السياسية للتبعية الاقتصادية للدول المشاركة في نظام "المقاصّة"، ومن ضمنها تركيا. ونتيجة العلااقة مع تركيا، كان الألمان يدركون حقيقة أن النفوذ الاقتصادي في الساحة التركية سيفتح فيما بعد الطريق للتأثير السياسي.
من هذا المنطلق، شرع مكتب التخطيط الاستراتيجي في الرايخ الثالث في وضع الخطط العسكرية على هذا الأساس. بيد أنه ابتداءً من عام 1938 أثارت المشاركة الألمانية الناشطة في الاقتصاد التركي شكوكًا سياسية في أنقرة، فقد زادت سياسة التوجّه الألمانية نحو جنوب شرق أوروبا Sudosten nach Drang تحفّظات الحكومة التركية، لكن جرى إدراك التحركات الإيطالية في شرق البحر الأبيض المتوسط باعتبارها تهديدًا أشد أهمية في نظر صناع القرار الأتراك من التحركات الألمانية. علااوة على ذلك، كان للتجارة الألمانية الممتدة في الأسواق التركية تأثير فعّال وحضور دائم في جدول أعمال صانعي القرار الأتراك، وتبعًا لذلك لم ترغب أنقرة في المخاطرة باستبدال ألمانيا بشريك تجاري آخر، من الواضح، أنه لا يستطيع تقديم الشيء نفسه وإعطاءَه، إشارة إلى جودة المنتوجات الصناعية ومرونة التعامل التجاري أيضًا23. كان للتحركات الدبلوماسية للرايخ الثالث في الساحة التركية تأثير بالغ في المسؤولين الأتراك، لمصلحة ألمانيا، وهذا ما يظهر من خلاال المفاوضات الجديدة التي باشرتها برلين وأنقرة بشأن توقيع اتفاقية تجارية جديدة بين الجانبين، في 30 حزيران/ يونيو 1938، بقيادة كارل كلااوديوس Claudius Karl عن الجانب الألماني، ونعمان مينمينشي أوغلو Menemencioğlu Numan عن الجانب التركي. كان الألمان أيضًا مطمئنيّن، وفي وضع متقدّم نظرًا إلى الميزان التجاري الإيجابي الذي يعمل لمصلحتهم. وكانت الاتفاقية ستمثّل بما لا يدع مج لً للشّك ضربة لبريطانيا العظمى التي بدأت تولي جهودها من أجل الحيلولة دون هيمنة ألمانيا على تركيا، خاصة في المجال الاقتصادي. وارتباطًا بذلك، كان المفاوضون الأتراك قد اقترحوا إلغاء القيود على الواردات. وعلى الرغم من تردّد المفاوضين الألمان في البداية، فإنهم في النهاية قبلوا المقترح التركي بعدما تأكدوا من أنّ الميزان التجاري يعمل لمصلحتهم، علااوة على أن الواردات التركية كانت ذات أهمية حيوية للرايخ الثالث في استعداداته وترتيباته للحرب24. لقد كان لتوقيع الاتفاقية التجارية الجديدة بين ألمانيا وتركيا في 25 تموز/ يوليو 1938 نتائج إيجابية، حيث شعرت ألمانيا بأنّها نجحت في التصدي للمحاولات البريطانية لعرقلة المصالح الاقتصادية الألمانية في تركيا، وتبعًا لذلك استمرّ تطور التعامل الاقتصادي الألماني مع تركيا، ونما أيضًا على نحو تلقائي ومطّرد خلاال باقي السنة، وربّما خلاال السنة التي تليها على حد سواء، وهو ما يُفهم منه أنّ الرايخ الثالث كان المستفيد الأكبر من هذه الاتفاقية، حيث عزّز حضوره وتمكّن من أن يكون على رأس قائمة العملااء التجاريين والزبون الأول لدى تركيا، كما يدل على ذلك عدد من المؤشرات. في هذا الاتجاه، لم تتجاهل بريطانيا العظمى تبعية الاقتصاد التركي المتزايدة لألمانيا، حيث ناقش مكتب الخارجية Office Foreign ووزارة الاقتصاد الوضع الحالي للهيمنة الاقتصادية الألمانية في السوق التركية، وخلصا إلى أن الاتفاقية الاقتصادية التركية - الألمانية الجديدة ستزيد من تبعية تركيا للااقتصاد الألماني، خاصة أن الصادرات التركية تجاه ألمانيا آخذة في الارتفاع، ففي أوائل عام 1939 تعدّى مجموع الصادرات التركية إلى ألمانيا وحدها 50 في المئة من إجمالي صادرات تركيا25. أمام هذا الوضع، لم تقف الحكومة البريطانية مكتوفة الأيدي في وضع المتفرّج، إنما تحركت بثقلها كله من أجل كسر هذه الهيمنة الألمانية في الشؤون الاقتصادية - التركية، حيث قدمت عرض ائتمان ضخم إلى تركيا. وعلى الرغم من أن الألمان كانوا مطمئنين لوزن حضورهم وتأثيرهم الاقتصادي داخل المشهد التركي، فإن وزارة الخارجية الألمانية ما إن علمت بأن فرنسا تخطّط هي الأخرى لعرض ائتمان تجاري كبير على تركيا في المستقبل القريب، حتى أدركت أنّ هذا العرض، جنبًا إلى جنب مع العرض البريطاني، يمكن أن يقطع أشواطًا متقدمة في تقويض المكانة الاقتصادية لألمانيا في منطقة الأناضول، ونتيجة لذلك أطلقت تحذيرات للحلفاء، معتبرة
التحركات البريطانية الفرنسية هجومًا اقتصاديًا على المصالح الألمانية في منطقتَي جنوب شرق أوروبا والشرق الأوسط. إنّ ألمانيا لم تقف عند مستوى التهديد، إنّما تحركت ميدانيًا من خلاال عرض اتفاقية ائتمان، يعود الفضل في إنجاحها إلى السفير الألماني لدى أنقرة فرانز فون بابن Papen Von Franz، في 16 كانون الثاني/ يناير 1939، بلغت قيمة القرض 150 مليون مارك ألماني من أجل تحقيق المطالب الصناعية التركية. ومن خلاال ضخ رأسمال كاف في الخزينة التركية، توقعت ألمانيا أنّ هذه الخطوة ستوقف الاعتماد التركي على البضائع البريطانية26. ما يمكن استخلااصه من خلاال ما سبق، أنّ تركيا تعتبر على الدوام واحدة من أكثر المناطق الاستراتيجية والجيو - اقتصادية في العالم، من حيث الموقع والموارد، وهذا ما جعلها نقطة محورية في السياسة الخارجية الألمانية التي أصبحت ترى في تركيا شريكًا تجاريًا. وقد تعاظمت هذه الأهمية خلاال الحرب العالمية الثانية، على نحو حتّم على صنّاع القرار السياسي في العاصمة الألمانية تطوير استراتيجية رئيسة نحوها، من أجل إعادة استمالتها في الحرب، وفي مجال العلااقات الاقتصادية والاستثمار والتبادل التجاري بعد نهاية الحرب أيضًا. وهو ما يفضي إلى التساؤل عن تطور العلااقات مع تركيا خلاال الحرب العالمية الثانية. بمعنى أوضح، هل شكلت تركيا مصدرًا مهمًّا في الاستراتيجية الألمانية، خاصة في ما يعرف ب "اقتصاد الحرب"؟
ثالثًا: تركيا ي ف خطط السياسة الخارجية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية
سارع الفوهرر هتلر الذي قاد الاشتراكيين الوطنيين نحو السلطة في عام 1933 بوساطة انتخاب شعبي، إلى نفض يديه من الضوابط الأخلااقية والقانونية الدولية كلها، متّبعًا نهجًا عدوانيًا في سياسته الخارجية، حيث انسحب بداية من عصبة الأمم، كما تسلّح مجدّدًا، منتهكًا شروط تسوية فرساي (1919)، وأطاح تسوية لوكارنو (1925)، معيدًا احتلاال حوض نهر الرّاين. ووفقًا لنظرته الداروينية التوسّعية للعالم وجيوبوليتيكية "المجال الحيوي"، راحت قوات الفيرماخت (الجيش الألماني) تجتاح مجموعة الدول المشكّلة أوروبا الوسطى والشرقية، وتفكّك الواحدة تلو الأخرى: النمسا، ثم تشيكوسلوفاكيا، وأخيرًا بولندا في 1 أيلول/ سبتمبر 1939 كانت المؤشرات كلها توحي - بما لا يدع مج لً للشك - بأنّ طبول الحرب بدأت تُقرَع مجدّدًا في جغرافية القارة الأوروبية، ثم جاء توكيد الأمر قبل يومين فقط من اجتياح القوات النازية بولندا، حينما أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت إيطاليا ملزمة وفقًا لميثاق الصلب الموقّع مع ألمانيا في 22 أيار/ مايو 1939 بالتعاون عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا مع الألمان في حالة اندلاع الحرب (المادة 3). وتبعًا لذلك، كان الاصطفاف قد عاود الظهور من جديد؛ إذ انقسم العالم إلى محورين متصارعين: دول المحور/ الوسط، ودول الحلفاء. عمومًا، امتدّت جغرافية الحرب العالمية الثانية سريعًا في أعقاب اندلاعها (أيلول/ سبتمبر 1939)، لتشمل أزيد من ثلااثين دولة أوروبية، كان معظمها يقاتل إمّا ضمن صفوف قوى المحور وإمّا ضمن قوى الحلفاء. وبحلول نهاية عام 1940 نجحت ست دول فقط منها في البقاء خارج الحرب من خلاال تبنّي سياسة حياد ناشطة: إسبانيا والبرتغال وسويسرا وإيرلندا والسويد وتركيا، إضافة إلى أربعة بلدان صغيرة كانت أقل شأنًا في السياسات الدولية خلاال سنوات الحرب، وهي ليشتنشتاين وسان مارينو وأندورا والفاتيكان. ومع ذلك،
فإنّ هذا لا ينفي تأثّرها أو تفاعلها مع الحرب، سواء من خلاال الضغط الممارس من دول المحور أو دول الحلفاء، أو من كلاا المحورين معًا في وقت معيّ خلاال فترات الحرب العالمية الثانية ومراحلها27. كُتب الكثير في الآونة الأخيرة حول هذه التجربة، ولعلّ أحد المفاتيح الرئيسة للتأثير والتأثر يتجلّ في الجانبين الاقتصادي والأمني. فمن الناحية العملية، لم تكن واحدة من هذه الدول الست الأطراف "محايدة" تمامًا، بل بقيت تتأرجح وتلعب على وتر التوازنات الدولية، إمّا حماية لسيادتها وتحصينًا لحدودها (الأمن القومي)، وإما لإرضاء القوى المتحاربة، خاصة من الناحيَتين الاقتصادية (أمن الطاقة) والجيوستراتيجية (استخدام أراضيها أو ممراتها البحرية أو النهرية لعبور القوات والسلع)28.
1. لماذا تركيا؟
جعلت التجربة المريرة التي عاشتها ألمانيا الإمبراطورية (الرايخ الثاني) خلاال الحرب العظمى، القادة النازيين يدركون تمامًا أن أحد الأسباب الحقيقية وراء الهزيمة وحسم الحلفاء الحرب لمصلحتهم، كان دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب في وقت متأخر (كانون الثاني/ يناير 1944)، وقدرة الاقتصاد الأميركي على التحكم الفوري في الموارد الطاقية وتوجيهها نحو خدمة أهداف نهائية وحاسمة، بينما كانت الإمكانات الألمانية مرهَقة، وفي تراجع بفعل أعوام الحرب الطويلة والحصار الذي ضربه الحلفاء. وبقيت هذه الحقيقة حاضرةً في أذهان النازيين الذين شرعوا فور وصولهم إلى السلطة في تعبئة الطاقات كلها وتوجيه السلوك الخارجي للدولة نحو إيجاد طريقة لزيادة مواردها الخام والطاقة المحدودة والضرورية لإعادة التسلّح من جهة؛ ومن جهة أخرى، تأمين وضمان وصول ألمانيا النازية إلى استدامة استيراد المواد الأساسية خلاال الحرب، في أفق تطبيق رؤية الفوهرر الداروينية للعالم من خلاال التوسع وخلق "المجال الحيوي" أو "مساحة الحياة"، المعبّ عنها بشعار أو سياسة التوسع نحو الشرق policy osten nach Drang باعتبارها جزءًا من خططه الاقتصادية لتحقيق الاكتفاء الذاتي (الأمن الطاقي والغذائي) للأمة الألمانية29. بحكم أن ألمانيا، على عكس القوى الأوروبية الأخرى (بريطانيا وفرنسا)، لم يكن لديها مستعمرات خارجية، ولم تكن قادرة على التجارة مع مستعمرات منافسيها التي تكتسي أهمية كبرى من الناحيتين الاقتصادية والجيوسياسية، فإن منطقة الأناضول شكّلت مج لً رئيسًا وحيويًا للتنافس الدولي. لقد كان موقع تركيا الجيوستراتيجي باعتبارها حزامًا يربط بين ثلااث قارات (أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا) يعدّ من أهم المراكز الأوراسية وفقًا لعالم الجيوبوليتك هالفورد ماكيندر Mackinder Halford، صاحب نظرية قلب الأرض، ووقوعها في منطقة ثقل جيو - اقتصادي، نظرًا إلى قربها من مناطق النفط الغنية في القوقاز وبحر قزوين والعراق وإيران. فضلً عن كونها أوّل منتج لخام الكروميت – هذه المادة الحيوية التي تعدّ عنصرًا رئيسًا وحيويًا في الصناعات العسكرية، حيث سيطرت تركيا وحدها في أوائل عام 1939 على حوالى 17 في المئة من حجم إنتاجها العالمي30. وبحكم أنّ القوى الأوروبية الكبرى هي الأخرى كانت تعاني عوزًا كبيرًا في مصادر الطاقة، باستثناء روسيا السوفياتية. فقد تزايدت الحاجة إلى ضمان الأمن الطاقي، مع إقبال هذه الدول على أكبر حرب آلية في التاريخ، وكان العوز في ألمانيا أشد خطورة، مقارنة ببريطانيا العظمى وفرنسا اللتين كانتا تعتمدان في الأساس على مستعمراتهما الخارجية. استنادًا إلى هذا الأساس، تولّد الإدمان الألماني على موارد
الطاقة الخام من دول جنوب شرق أوروبا عمومًا، والكروميت التركي خصوصًا. تبعًا لذلك، حاولت ألمانيا النازية (الرايخ الثالث) المحافظة على السوق التركية مفتوحة للااستيراد، لأنّها في حاجة إلى توريد الكروميت الخام لتأمين الإمدادات الضرورية من هذه المادة الحيوية التي تعاظمت قيمتها في الصناعة العسكرية مع توالي أعوام الحرب31. إجم لً، كانت حسابات السياسة الخارجية الألمانية تجاه تركيا قبل الحرب العالمية الثانية، في جزء كبير منها، منصبّة على إعادة ترتيب العلااقات مع حلفائها السابقين، وفي مقدمهم تركيا، لتأمين الوصول إلى إمدادات الطاقة (النفط)، شريان المجتمعات الصناعية الحديثة، ومضاعفة تعبئة مخزونها من خام الكروميت الذي قُدِّر في عام 1938 بنحو 540 ألف طن، معظمه كان مستوردًا من تركيا، واستمرار توريد هذه المادة الحيوية خلاال أعوام الحرب على نحو مستدام، خاصة أن تجربة الحرب العالمية الأولى أظهرت أن إحدى نقاط ضعف ألمانيا كانت تكمن في الأساس في عدم قدرتها على الوصول إلى موارد الطاقة بفعل الحصار الذي ضربه الحلفاء من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، كانت مساعي برلين قبل اجتياح قوات الفيرماخت (الجيش الألماني) بولندا في أيلول/ سبتمبر 1939، هي منع تركيا من التعاون مع بريطانيا العظمى وفرنسا، كما توقّعت استمالتها نحوها في أثناء الحرب لعقد سلسلة من الاتفاقات والتحالفات المطو قة وجود الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط الغنيّة بالنفط32. كان من المنطقي جدًّا أن تقف منطقة الأناضول (تركيا) خلاال الحرب العالمية الثانية، تحت تأثير التدافعات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والتاريخية، لكل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي، وبدرجة أقل الولايات المتحدة، نظرًا إلى بعدها الجغرافي، وبحكم عقيدتها الخارجية أيضًا التي تفضّل "القيادة من الخلف" وعدم الاستعجال في دخول الصراعات الدولية من البداية.
2 ي. برلين ولندن: تنافس أوروبي على النفوذ ف أنقرة خلال المراحل الأولى من الحرب
دفعت أهمية تركيا الاقتصادية والجيوسياسية القوى الأوروبية إلى إعادة توجيه سلوكها الخارجي تجاه هذا الكيان السياسي، في محاولة منها لإعادة بناء علااقاتها بأنقرة بما يخدم مصالحها الحيوية، وعلى وجه الخصوص تأمين حاجاتها وحاجات حلفائها من مادة الكروميت الخام الضرورية للصناعة الدفاعية التي تعاظمت قوّتها مع عودة سباق التسلح بين القوى العظمى. وتجدر الإشارة إلى أن تركيا عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، كانت أكبر منتج ومصدر لمادة الكروميت التي شكلت العمود الفقري لوارداتها، مهيمنة وحدها على ما مجموعه 17 في المئة من الإنتاج العالمي، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ومن زاوية أخرى، كان الموقف التركي واضحًا في خصوص الحرب الدائرة؛ إذ اختارت حكومة عصمت إينونو (1938 - 1950) Inonu Ismet الحياد وعدم الاصطفاف مع أي جانب عند اندلاع الحرب العالمية الثانية33. مع ذلك، فإن الطلب المتزايد على مادة الكروميت الخام جعل حياد أنقرة حيادًا ناشطًا، ومحط تجاذبات بين قوى المركز والحلفاء، خاصة برلين ولندن اللتين فرضتا ضغوطًا إضافية على أنقرة من أجل استمالتها إلى جانبها عبر استعمال مختلف الوسائل. في هذا السياق، كان الطلب الألماني أكثر حدّة، لافتقارها إلى هذه المادة الحيوية، بينما حرصت إنكلترا التي يمكنها تعويض الكروميت التركي من مستعمراتها، على قطع هذه الإمدادات من تركيا إلى ألمانيا أكثر من اهتمامها بشرائها. إلّ أن الاقتصاد التركي لم يكن قادرًا على تحمّل
خسارة ألمانيا التي تُعدّ الزبون الأول بالنسبة إلى الكروميت التركي، وغيرها من المنتوجات الخام والزراعية كذلك، فضلً عن مجموعة من المنتوجات الصناعية والآلات التقانية التي لم يكن من الممكن تسلّمها إلّ من حكومة الرايخ الثالث34. اتّخذت الخطوات الأولى طابعًا دبلوماسيًا مرنًا عبر محاولة الاستثمار في أدوات الحرب الاقتصادية، بإشهار كل من برلين ولندن "ورقة الاقتصاد" لاستمالة تركيا وإدخالها منطقة امتيازها، وفي الوقت نفسه كانت تعرقل نفوذ الآخر عندها وعلااقاته بها. حاولت كلتا الدولتين معًا منح أنقرة قروض ائتمان من أجل تحديث بنيتها وتأهيلها، فضلً عن تزويد الجيش التركي بالمعدات والأسلحة التي يحتاج إليها، لكن شريطة أن يكون نصفها، أي المعدات، من البلد المقرض لا من غيره. ومن أجل كسر الهيمنة الألمانية الاقتصادية في الشؤون التركية، ضغطت الدبلوماسية البريطانية على أنقرة للتوصل إلى اتفاق جديد، وهو ما تأىتّ لها في أيار/ مايو 1939، الذي بموجبه أقرّ الطرفان الالتزام بمساعدة بعضهما في حالة وقوع أي عمل عدواني، ومنع أيّ تقدّم آخر في مياه البحر الأبيض المتوسط، كما تباحث الطرفان في إمكان تطوير العلااقات الاقتصادية بينهما. ومع ذلك، لم تثمر هذه المشاورات أيّ نتائج، حيث لم تتخلَّ أنقرة في نهاية المطاف عن حيادها، والوقوف على المسافة نفسها في ما يتعلّق بالصراعات الخارجية، على الأقل حتى عام 1940 أبدت خارجية برلين امتعاضها من الخطوة الإنكليزية، معتبرة إيّاها تهجّمًا على المصالح الألمانية في تركيا، كما وجهت عتابًا إلى الحكومة التركية عبر سفيرها لدى أنقرة فرانز فون بابن. ولم تقف برلين عند هذا المستوى، بل انتقلت من ردة الفعل الدبلوماسي (الانتقادات شديدة اللهجة) إلى المستوى العملي؛ إذ أخبر الفوهرر هتلر، في 11 تموز/ يوليو 1939، المارشال وقائد هيئة الأركان الألمانية فيلهلم كيتل Keitel Wilhelm، أنه كان ضد عملية تصدير الأسلحة إلى الدول المعادية لألمانيا، وكذلك إلى البلدان التي كان موقفها في الحرب مشكوكًا فيه، ومن ضمنها تركيا، وخلص في نهاية المطاف إلى قرار وقف الصادرات العسكرية إلى تركيا، مخافة من استخدام هذه الأسلحة ضده. ومهما يكن من أمر، فحتى بيان هتلر، كانت المؤشرات كلّها توحي بأنّ العلااقات التجارية بين ألمانيا وتركيا، سواء المتعلقة بالمنتوجات العسكرية (صادرات ألمانيا)، أو الكروميت الخام (صادرات تركيا)، كانت إيجابية جدًا؛ لكن شهورًا قليلة بعد طلب هتلر هذا، بدأت صادرات الأسلحة الألمانية إلى تركيا تنخفض، وفقًا لإحصاءات وزارة التجارة الألمانية35. عمومًا، لا ألمانيا تستطيع التخلّ النهائي عن الكروميت التركي الضروري للصناعة الدفاعية، ولا أنقرة تستطيع تعويض زبونها الأول. وبناء عليه، كانت الدولتان على استعداد لتوقيع عقود وإطلااق صفقات جديدة. بيد أن التقارب الألماني - الإيطالي من خلاال توقيع اتفاق الصلب في أواخر أيار/ مايو 1939، دفع في اتجاه تكلّس العلااقات بين الجانبين، نظرًا إلى أن تحركات الإيطاليين في المياه الدافئة (المتوسط) تمثّل، من وجهة نظر أنقرة، خطرًا على أمنها القومي، ما عبّد الطريق لتوطيد العلااقات بين تركيا ودول الحلفاء، خاصة بريطانيا العظمى التي كانت مرشحة أكثر من غيرها لأخذ مكانة ألمانيا في الشؤون التركية. وممّا يقوّي هذا الافتراض، رفض الحكومة التركية تجديد اتفاقية التجارة والمقاصّة مع ألمانيا، التي كانت تنتهي في 31 آب/ أغسطس 1939. إلّ أن السياسة التركية كانت متناقضة؛ إذ ترفض تجديد اتفاقية التجارة والمقاصّة، من جهة؛ ومن جهة أخرى كانت على استعداد تام لبيع كامل إنتاجها من الكروميت الخام إلى شريكها التجاري الأول، ألمانيا، التي كانت تقدّم على الدوام سعرًا أعلى من قيمة السوق المعتادة. لكن في الجهة المقابلة، أرادت الحكومة الألمانية ممارسة ضغط على نظيرتها التركية من أجل تجديد الاتفاقية، ولعبت برلين هذه المرّة ورقة تقليل نسبة وارداتها من تركيا، خاصة الكروميت الخام الذي يُعدّ أهم صادرات تركيا وأعلااها قيمة مالية. وممّا شجّع الألمان على هذه الخطوة التي لا تخلو من مخاطرة أن
مخزوناتهم من خام الكروميت كانت كافية حتى عام 1941 وفقًا لتقديرات وزارة الصناعة الألمانية. وتبعًا لذلك، قررت الحكومة الألمانية وقف المفاوضات في 24 أيار/ مايو 1940 في ردة فعل على عدم سماح أنقرة بتجديد المعاهدة التجارية واتفاقية المقاصّة بينهما36. كانت التطورات الساخنة في منطقة البلقان وجنوب شرق أوروبا، هي الأخرى، تدفع في اتجاه انكماش العلااقات بين الجانبين على المستوى السياسي، وذلك من خلاال ابتعاد تركيا عن شريكها السابق، ألمانيا، والاقتراب أكثر فأكثر من مدار الحلفاء. ومع احتلاال الجيش الألماني فيينا في 12 آذار/ مارس 1938، في أول تحرك للنازيين في اتجاه جنوب شرق أوروبا، جاءت ردّة الفعل من أنقرة خلاال الأسبوع الأول من نيسان/ أبريل عندما أصدرت الخارجية تعليمات للسفير حمدي إرباخ Erbag Hamdi لإبلااغ برلين بموقف أنقرة وأسس سياستها الخارجية القائمة على ثلااثة أعمدة: 1. سلاام لوزان، 2. حماية الأمن القومي، 3. ميثاق أنقرة الوطني. كما أبلغ إرباخ الجانب الألماني أن بلااده تركيا تتبنى موقف الحياد والابتعاد عن التحالفات كلها، والأهم من ذلك، الامتناع عن أي عمل عدواني ضد دولة صديقة37. في واقع الأمر يمكن تركيا أن تتفهم من ناحية تاريخية ضمّ النمسا من ألمانيا، لكن ضمّ تشيكوسلوفاكيا تسبب في نوع من عدم ثقة الجانب التركي بسياسة الرايخ الثالث، حيث قيّم الأتراك هذا التحرّك باعتباره تطبيقًا عمليًا لنظرية المجال الحيوي Lebensraum في الجيوبوليتك الألماني والتوسع شرقًا. وفي غضون شهر تلقّت المنطقة الفاصلة بين أوروبا الغربية وتركيا، بوساطة الوفاق الصغير لدول البلقان، ضربة أخرى باحتلاال إيطاليا ألبانيا في 7 نيسان/ أبريل 1939، ومثّل هذا الاحتلاال نقطة الانطلااق نحو يوغسلاافيا واليونان وبعدها تركيا. جرت قراءة هذا الحدث في أنقرة باعتباره بداية هجوم إيطالي كبير موجّه نحو اختراق بحر إيجه، واعتبرته تهديدًا لوحدة أراضيها وسلاامتها38. تلقّى السفير الألماني الجديد لدى تركيا فون بابن فور وصوله إلى أنقرة استفسارات من وزارة الخارجية التركية حول الموقف الألماني من التحركات العدائية لإيطاليا في بحر إيجه، وعلااقة بلااده، ألمانيا، بذلك. وفي ردّه على هذه الاستفسارات، نفى دعم بلااده الغزو الإيطالي ووعد بمطالبة الفوهرر بالتأثير في السياسة الإيطالية في البلقان والمتوسط، وهو ما جرى من خلاال إبلااغه وزير خارجية بلااده يواخيم فون ريبنتروب Ribbentrop Von Joachim مخاوف أنقرة. وبعد تبادل الاتصالات بين خارجية برلين وروما، عاد السفير فون بابن لإبلااغ وزير الخارجية التركي تأكيدات إيطاليا بأن ليس لها أهداف اقتصادية أو سياسية أو إقليمية في ما يتعلق ببلده تركيا39. أكّد بابن أهمية تركيا الاستراتيجية في أي صدام مباشر مع بريطانيا، واصفًا إيّاها (تركيا) بكونها مفتاح الوضع العسكري في الشرق الأوسط، ويرى أنّ على الجانب الذي يُحرَم من استخدام أراضيها قاعدةً للعمليات العسكرية وممراتها الحيوية أن يستبعد فكرة الهيمنة على موارد الشرق الأوسط، خاصة النفط الذي يزن ذهبًا في معادلة اقتصاد الحرب. تبعًا لذلك، وفي أول اجتماعاته مع الرئيس التركي الجديد عصمت إينونو الذي خلف مصطفى كمال أتاتورك (1923 – 1938)، أشار بابن إلى أن بلااده تتوقّع أن تحافظ على أنقرة في حال اندلاع أي حرب في منطقة البلقان، وأضاف بلهجة لا تخلو من تحذير، منبّهًا نظيره التركي أن ألمانيا قد تضطرّ إلى تغيير موقفها
الودّي تجاه بلااده، إذا ما انحازت إلى قوى الحلفاء. وهو ما تكرر أيضًا في محادثة ثانية جمعته بوزير خارجية تركيا مينمينشي أوغلو في حزيران/ يونيو 1939، وكان رد الأخير أنّ أنقرة تتبنّى الحياد، لكنها لن تتساهل ولن تسمح بالمساس بسيادتها، وتهديد أمنها القومي40. راهنت الدبلوماسية التركية بشدّة هنا على اللعب على وتر التوازنات الدولية من خلاال استغلاال العداء الطبيعي بين برلين وموسكو، قبل أن تفاجأ ومعها باقي العالم، في 22 آب/ أغسطس 1939، بإعلاان الصحافة السوفياتية أن وزير الخارجية الألماني ريبنتروب سيصل إلى موسكو في اليوم التالي لتوقيع اتفاق عدم الاعتداء، الذي بموجبه ستدخل المعاهدة والبروتوكول السري معًا حيّز التنفيذ بمجرد توقيعه (وليس عند تصديقه لاحقًا). وبناء عليه، كان ريبنتروب قد شدّ الرحال إلى موسكو في ذلك المساء، حيث وجد في استقباله المندوب الألماني المفوض للشؤون الخارجية فلااديمير بوتيمكين Potemkin Fladimir الذي رفض في وقت سابق من ذلك العام دعوة للقاء وزير الخارجية البريطاني اللورد هاليفاكس Halifax Lord. وفي اليوم التالي، التقى ريبنتروب بجوزيف ستالين ووزير خارجيته فياتشيسلااف مولوتوف Molotov Viatcheslav، حيث جرى الاتفاق على النقاط كلها وتوقيع الاتفاقية والبروتوكول السري الذي كان من شروطه ألّ يهاجم أيًا من الدول الأخرى أو يساعد أيّ قوة ثالثة في الحرب مع الآخر، ومن ثمّ ضمان مبدأ الحياد إذا قرر أيّ منهما مهاجمة أيّ طرف آخر، كما جرى التعهد بعدم الانضمام إلى مجموعات قوى معادية للآخر وتسوية الخلاافات كلها التي قد تنشأ فيما بينها بالطرائق السلمية41. مثّل ميثاق عدم الاعتداء بين النازية والاتحاد السوفياتي ضربة مباغتة وقوية للحلفاء، لم يتوقعه حتى أكثر المراقبين والخبراء دراية بالشؤون الأوروبية، ومن خلااله أيضًا تهاوت آمال تركيا وطموحاتها في تأمين سيادتها من خلاال الاستفادة من العداء الطبيعي بين برلين وموسكو. في حقيقة الأمر، كان للأتراك سبب وجيه للخوف، يتمثل بأنّ الخطوة التالية لأيٍّ من القوتين، الاتحاد السوفياتي أو ألمانيا النازية، ستكون على حساب تركيا، وممّا زاد من مخاوف الأتراك، المطالبة الروسية بمراجعة اتفاقية مونترو (1936) بشأن المضائق. وإذا كان الروس يودّون فعلًالسيطرة على المضائق البحرية التركية، فإنّ الرايخ الثالث الذي كان في الواقع يرفض الحياد ويعتبره جبنًا وعلاامة على الضعف القومي، وهذا ما يؤكده، جليًا، الفوهرر في فصل كامل من الجزء الثاني من كتابه كفاحي. ومع ذلك، نظرًا إلى أن أهداف الرايخ الثالث طويلة المدى، كما أوضح هتلر لمساعديه، فإنّه كان من المنطقي طمأنة أي طرف يتبنّى الحياد أنه في مأمن من أي هجوم ألماني حتى تحين اللحظة المناسبة لمباغتته، خاصة إذا كان من المحتمل أن يساعد ألمانيا في حربها، سواء من حيث العبور أو إمدادها بالموارد الخام والغذاء42. استنادًا إلى هذا المعطى، فإنّ ألمانيا كانت تشجّع سياسة الحياد التركية، وتفضّل الإبقاء على الوضع الراهن في منطقة الأناضول، خاصة في المرحلة الأولى من الحرب، حيث كان ينظر إلى تركيا باعتبار أنها يمكن أن تكون أكثر فائدة للرايخ الثالث في الحرب المستمرة، بوصفها مصدرًا مفيدًا للإمدادات اللاازمة تجاه ألمانيا، خاصة من الكروميت الخام والأمن الغذائي، وسوقًا مهمّة أيضًا للمنتوجات الصناعية الألمانية. ومع ذلك، نجد أنّ الفوهرر هتلر لم يستبعد إمكان التوسع على حساب تركيا، خاصة بعد أن يكون قد حقّق انتصارًا كاسحًا وحاسمًا على الاتحاد السوفياتي43. وهو ما يدفعنا في هذا الاتجاه إلى التساؤل عن أسباب توقيع الفوهرر هذا الاتفاق مع نقيضه.
من وجهة نظر جيوسياسية، وتبعًا لرؤية الفوهرر ل "المجال الحيوي" أو "مساحة الحياة"، كان واضحًا من خلاال النظر إلى الخريطة أن معظم الأراضي الزراعية الغنية بالموارد الخام على المستوى القاري كانت تقع في شرق أوروبا، وكانت في معظمها إمّا تابعة، وإما ترزح تحت نفوذ روسيا السوفياتية. في هذا الصدد، ووفقًا للعقيدة الرسمية للدولة النازية المؤمنة بتفوّق العنصر الآري، كانت شعوب تلك المنطقة، ومعظمها من أصول سلاافية، من "الأنواع العرقية الأدنى شأنًا"، ومن ثم، لن يجد هتلر حرجًا عند احتلاال المنطقة من القيام بإخلاائها من ساكنتها بإبادتها أو إجلاائها، وتعميرها بدلً من ذلك بالعنصر الجرماني. بيد أنّه قبل مباشرة هذه الخطوة والوصول إلى هذه اللحظة التي هدف إليها هتلر منذ عام 1933، أدرك هذا الأخير أنّه كان عليه أوّلً تعزيز مكانة ألمانيا في وسط أوروبا، وهو ما كان يتطلّب بدايةً سحق فرنسا المجاورة القريبة على نحو خطر من المنطقة الصناعية الأشد أهمية في ألمانيا (الرور)، والبريطانيين الذين من الواضح أنهم لم يتمكّنوا حتى الآن من الانفصال عنهم44. لكن قبل ذلك، كان يجب على ألمانيا "تحصين حديقتها الخلفية"، أي ضمّ النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا في خطوة أولى. في هذا الصدد، لم يكن هتلر قلقًا من إعلاان الحرب من إنكلترا وفرنسا، إنّما كان قلقه الأكبر هو التدخل السوفياتي إلى جانب الحلفاء الغربيين، غير أنّ توقيع اتفاق عدم الاعتداء النازي - السوفياتي، وقبله ميثاق الصلب مع إيطاليا، كما أشرنا آنفًا، قد فتح شهيّة الفوهرر، حيث اطمأن إلى أنّه حتى في أسوأ الحالات – حصار الحلفاء – فإنّ الحصار لن يكون فعّ لً، نظرًا إلى القدرة الإنتاجية العالية لألمانيا المتفوّقة على الحلفاء، وكذلك تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي (تطور المخزون الألماني من الموارد)، وحقيقة أنّ الإمدادات ستأتي من الشرق أيضً، ا حيث سيزوّد الاتحاد السوفياتي ألمانيا بالنفط والحبوب والماشية والفحم والرصاص والزنك. علااوة على ذلك، كان ثمة عامل آخر شجّع النازيين وهو الوضع السياسي الذي بدا أنّه في مصلحة الرايخ الثالث: التنافس الإيطالي البريطاني الفرنسي في البحر الأبيض المتوسط، والصراع الياباني الإنكليزي الأميركي في شرق آسيا، والقلااقل في الشرق الأوسط والهند ضد بريطانيا... إلخ45. تأسيسًا على ما ورد، انطلقت الماكينة العسكرية النازية (الفيرماخت)، بطلب من زعيمها هتلر، في استكمال عملية تحصين حديقتها الخلفية، فبعد ضمّها النمسا (آذار/ مارس 1938)، ثم تشيكوسلوفاكيا (آذار/ مارس 1939)، جاء الدور هذه المرّة على بولندا التي اجتاحتها القوات النازية في الفاتح من أيلول/ سبتمبر 1939. كان احتلاال الرايخ الثالث لبولندا في واقع الأمر إيذانًا ببداية الحرب العالمية الثانية، حيث جاء التأكيد بعد هذا الحدث بيومين، حينما أعلن رئيس الوزراء البريطاني آرثر نيفيل تشامبرلين Chamberlain Neville Arthur وحليفته فرنسا الحرب على ألمانيا. في مقابل ذلك، فإنّ الفوهرر الذي أخضعت قواته بولندا في غضون أربعة أسابيع، وجدها حقًّا فرصة مناسبة للتوسع واكتساح أنحاء أوروبا الوسطى والغربية كلها. تزامنًا مع ذلك، تقريبًا، كانت تركيا قد حوّلت اتفاقيتها الثنائية مع كل من إنكلترا وفرنسا إلى اتفاق ثلااثي تركي أنكلوفرنسي في تشرين الأول/ أكتوبر 1939، ومع ذلك، كانت أنقرة متردّدة في الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء، واختارت الحياد والوقوف على المسافة نفسها مع القوى المتحاربة كلها، خاصة أنّ المادة السادسة من البروتوكول الثلااثي التركي الأنكلوفرنسي لم تكن تلزم تركيا بدخول الحرب ما لم تحصل أولً على الأسلحة والمعدات الحربية والقروض وكميات من الذهب من الحلفاء. وهو ما وجده عصمت إينونو فرصة للمماطلة عند كل ضغط من الحلفاء، ثم إنّ الحكومة البريطانية نفسها، ونظرًا إلى ضعف تركيا العسكري، حبّذت الحياد التركي واستثمار تلك الأموال على جبهة أخرى قد تكون أكثر فائدة للحلفاء في حربهم ضد قوى المحور46.
في الواقع، لم يكن هذا الميل الدبلوماسي التركي إلى الحلفاء مفاجئًا بالنسبة إلى المراقبين، بل كان متوقّعًا إلى حد ما، فقبل فترة وجيزة من اندلاع الحرب العالمية الثانية جرى إنقاذ تركيا من الفخّ الاقتصادي الذي نصبته لها ألمانيا بموجب اتفاقات المقاصّة، التي كانت تعمل على جعل تركيا حتمًا في وضعية تبعية للرايخ الثالث أو تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة. بيد أنّ الخطوات التي اتّخذتها بريطانيا العظمى بمساعدة فرنسية، استطاعت إلى حد بعيد تحفيز عجز الميزان التجاري وتخليص تركيا من التبعية الاقتصادية لألمانيا، بتوفير بدائل لتجارتها. ومهما يكن، فإنّ هذا لا ينفي حقيقة أنّ لندن وباريس واجهتا صعوبات أمام التأثير الكبير للااقتصاد الألماني خلاال فترة ما بين الحربين، لكن العلااقات الاقتصادية مع تركيا تطوّرت على نحو لافت خلاال بدايات الحرب، خاصة في ظلّ حرص الحلفاء على قطع تصدير المواد الاستراتيجية، خصوصًا مادة الكروميت الخام إلى ألمانيا، وذلك من خلاال عملية الشراء الوقائي للمواد الحيوية باعتبارها جزءًا من حربهم الاقتصادية ضد الألمان، حتى إنّ هذه المادة كانت تشُرى قبل الانتهاء من استخراجها وإعدادها للتصدير47. في المفاوضات الجديدة بين الطرفين، كان الألمان يعتزمون التوصّل بالكروميت التركي خلاال السنة الموالية (1942) على أبعد تقدير، بينما أخبر الأتراك نظراءهم الألمان عبر وزير الخارجية مينمينشي لو أنّ تصدير الكروم الخام فحسب سيتمّ في مقابل عتاد حربي ألماني لتركيا، فضلً عن أنّ الأخيرة لن تكون قادرة على تصدير أي شحنات من الكروم الخام إلى ألمانيا حتى عام 1943، نظرًا إلى ارتباط تركيا باتفاقية الكروم الخام الموقعة مع البريطانيين، كما أشرنا آنفًا. وارتباطًا بذلك، كان الجانب الألماني قد طالب بالحصول على الحصة الفرنسية من اتفاقية الكروم الثلااثية، لكن من دون جدوى، حيث رفضت بريطانيا التي اختارت تسليم الحصّة الفرنسية إلى الولايات المتحدة، أو إلى أي دولة أخرى ثالثة باستثناء ألمانيا، أو أي دولة حليفة لها. في النهاية، تفهّم المسؤولون الألمان الموقف التركي، ولم ترغب برلين في ممارسة مزيد من الضغط على أنقرة، حيث أخبر رئيس الوفد الألماني كلااوديوس نظيره التركي أنه بينما كانت ألمانيا مستعدة لاحترام التزام تركيا التعاقدي ببيع كامل إنتاجها من الكروم إلى بريطانيا حتى كانون الثاني/ يناير 1943، فإنها ستطلب من تركيا أن تلتزم أيضًا بتوريد نصف إنتاجها من الكروميت الخام في عام 1943 إلى ألمانيا النازية48. نجح الألمان في انتزاع اتفاقية تجارية جديدة من الأتراك في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1941، تقرّر بموجبها أن تبيع تركيا لألمانيا 90 ألف طن من الكروم الخام كحد أقصى في عام 1943، و 45 ألف طن سنويًا، في مقابل معدّات عسكرية لتعزيز دفاعاتها، خاصة الجوية والبحرية، فضلً عن تطوير العلااقات التجارية في جوانبها المختلفة. في هذا الإطار، ما إن صدرت الاتفاقية الموقعة مع الألمان في الصحف الرسمية الألمانية والتركية على حد سواء، حتى بدأت المخاوف وموجة من الاستياء تتسرّب في كل من دوائر الحلفاء والموالين لهم، حيث تصاعدت الأصوات المناهضة لألمانيا، وضمّت إلى جانب بريطانيا وفرنسا الولايات المتحدة التي كان سلوكها أكثر تشدّدًا، مقارنة بالبريطانيين، خاصة في فترة إقامة السفير ماك موراي في أنقرة49. خرجت ألمانيا بنتيجة مهمّة من تحركاتها الدبلوماسية هذه تجاه تركيا، فمن الناحية السياسية كان لميثاق عدم الاعتداء (حزيران/ يونيو 1941) انعكاسات إيجابية على العلااقات السياسية التي تعزّزت من خلاال تعهّد رسمي ألماني باحترام السيادة التركية وحراستها، قابله تعاطف من الجانب التركي، حيث أبدى المسؤولون الأتراك تطلّعاتهم الصادقة لهزيمة كاملة للااتحاد السوفياتي من الرايخ الثالث، ومن خلاال تحرّك عملي أيضًا بقطع الطريق عن مرور السفن أو الإمدادات من الحلفاء إلى الاتحاد السوفياتي عبر المضائق البحرية التركية. وهو ما مهّد أيضًا لاتفاقية تجارية (أيلول/ سبتمبر 1941) كانت ستعزّز العلااقات الاقتصادية بين برلين وأنقرة، وأمن الطاقة لألمانيا من
خلاال تأمين الوصول إلى إمدادات الكروميت الخام التركي في العام الموالي، بعد أن كانت الإمدادات التركية من هذه المادة الحيوية قد توقّفت عن التصدير إلى ألمانيا ما يزيد على عامين؛ بفعل ضغوط الحلفاء وعمليات الشراء الوقائية المنتهجة من بريطانيا العظمى في حربها الاقتصادية على ألمانيا، كما أشرنا آنفًا. ثم إن الحكومة التركية برئاسة عصمت إينونو، كانت في المجال الاقتصادي أشد ميلً إلى النموذج الألماني من بريطانيا والولايات المتحدة في هذا المجال. صحيح أنّ العلااقات الألمانية - التركية قد تعزّزت خلاال هذه المرحلة على المستويات كلها، بيد أنّ الترتيب المتعلق بالمجال الاقتصادي كان حقًّا بمنزلة كعب أخيل؛ إذ كان على ألمانيا أن تنتظر تركيا عامًا إضافيًا لعقد يُلزمها مع بريطانيا العظمى بموجب اتفاقية الكروم الخام، كما أشرنا، وأمام تزايد ضغوط الحلفاء على أنقرة، ساد في الأوساط الألمانية نوع من حالة عدم اليقين بأن تركيا ستفي بالتزاماتها بتسليم الكروميت الخام إلى ألمانيا في التاريخ المحدّد، وقد ازدادت الأمور تعقيدًا، خاصة مع نفاد المخزون الألماني من هذه المادة. على هذا النحو، أوضح الفوهرر في إطار حديث له في أيار/ مايو 1942 أن صناعة الأسلحة ستحتاج إلى 3751 طنًا من الكروم، في حين أن مخزون الكروم سيكون متاحًا بما يكفي مدة خمسة أو ستة شهور فقط من الآن50. حاول هتلر تسريع موعد التسليم المحدد للكروميت الخام من تركيا؛ وتبعًا لذلك، وكنوع من ممارسة الضغط على الجانب الآخر، كانت ألمانيا مستعدة لتسليم كل شيء باستثناء تسليم الأسلحة بسبب تخوّفها من عودة العلااقات الجيدة بين الحلفاء وتركيا. من زاوية أخرى، استنادًا إلى حاجة تركيا إلى السلااح الألماني لتحصين دفاعاتها ومعطى السيادة الوطنية لديها أيضًا، حيث كانت وحدة أراضيها ذات الأهمية القصوى مهدّدة، تصرفت حكومة إينونو، سياسيًا، وفقًا لهذا المبدأ، ولهذا السبب أيضًا التزم الأتراك بتعهّداتهم للألمان. في مقابل ذلك، امتنعوا عن الاستجابة إلى المطالب البريطانية والأميركية والتي كانت تحضّ على تسليم الكمية نفسها (180 ألف طن) من هذه المادة الحيوية التي كانوا يعتزمون تسليمها إلى الألمان خلاال عامَي 1943 و 1944 على التوالي. وبالمقدار نفسه إلى الولايات المتحدة وبريطانيا. في هذا الإطار، صحيح أنّ مسار الحرب منع تسليم المبلغ الإجمالي إلى ألمانيا، لذلك لا يُعرف مقدار شحنات الكروميت الخام التي حصل عليها الحلفاء بالفعل، لكن الحقيقة هي أن كمية الكروم المسلّمة إلى ألمانيا كانت أكثر بكثير من الكمية المسلّمة إلى الحلفاء مجتمعين، وهو ما يمكن أن نستشفّه حقًّا من شهادة السفير الأميركي لدى أنقرة لورانس أدولف شتاينهاردت الذي أفاد في شباط/ فبراير 1944 أن تسليم الكروم إلى الحلفاء انخفض على نحو مطّرد، بينما كان التسليم إلى ألمانيا في تزايد51. في المحصّلة، كانت تركيا الدولة المحايدة الأكثر طلبًا في الحرب العالمية الثانية بالنسبة إلى قوى الحلفاء وقوى المحور على حد سواء. وكما كتب كيث سينسبري بإيجاز لا يخلو من فائدة، "كانت تركيا حليفًا غالبًا ما تمّت استمالته، لكن لا أحد استطاع الفوز به"52(. ومع ذلك، لم يكن اهتمام برلين الرئيس وشغلها الشاغل حتى عام 1942 هو استمالة الأتراك للتحالف، بل منعهم من دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، وضمان التوصّل بإمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط والكروميت الخام التركي من ناحية، ومن ناحية أخرى منع إمكان تقديم أي مساعدة بريطانية إلى الاتحاد السوفياتي، وتحصين جناحه الأيمن في منطقة البلقان، ومعه تجنّب إعادة ارتكاب أخطاء الرايخ الثاني في الحرب العالمية الأولى، وتفادي أي تطويق جديد محتمل لألمانيا النازية. بعبارة أخرى، وبإيجاز، كان على ألمانيا انتظار تحقيق انتصارها على الاتحاد السوفياتي وتشكيل مجالها الحيوي، ثمّ التفكير في نهج سياسة أكثر نشاطًا تجاه هضبة الأناضول لاستمالة تركيا؛ للتحالف مع قوى المحور بقيادة الرايخ الثالث، أو اجتياحها من قوى الفيرماخت إن هي أصرّت على حيادها ورفضت ذلك53.
3. ستالينغراد "بداية النهاية" الألمانية: هل تراجعت أهمية تركيا؟
لم يستمرّ هذا الضغط الألماني طويلً؛ إذ سرعان ما انقلبت موازين القوى لمصلحة قوى الحلفاء، خاصة مع هزيمة قوّات الفيرماخت في معركة ستالينغراد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1942، التي شكّلت في حقيقة الأمر بداية النهاية بالنسبة إلى الهيمنة الألمانية ومعها قوى المحور، وكان من نتائج ذلك أيضًا تراجع المطالب الألمانية وخفوت لهجتها تجاه تركيا في أعقاب هذا التاريخ، مع احتمال انضمام تركيا إلى قوى المحور خلاال ما بقي من أعوام الحرب العالمية الثانية. استغلت الدول الحليفة هذا النصر لمطالبة تركيا بدخول الحرب من أجل حسم المعركة ضدّ ألمانيا وقوى المحور ككلّ، ولممارسة ضغط أكبر على أنقرة، وُجهّت انتقادات كبيرة إليها لمماطلتها في الانضمام إلى الحلفاء، حيث اعتبرت الصحف، خاصة السوفياتية، المماطلة التركية دفاعًا وتعاطفًا مع ألمانيا النازية وتحصينًا لجبهتها اليمينية من دخول قوات الحلفاء لمحاصرة الرايخ الثالث، ثم ازدادت العلااقات التركية - السوفياتية توتّرًا بعد محاولة عملااء سوفيات اغتيال السفير الألماني في تركيا فون بابن. وعلى الرغم من محاولات الاتحاد السوفياتي كلها، ومعه قوى الحلفاء بريطانيا والولايات المتحدة للتستّ على الحدث، فإنّ الحكومة التركية رفضت الاستجابة مرّة أخرى، حيث دان القضاء التركي عميلين سوفياتيين بالسجن54. خلاال الجزء الأكبر من المدة تقريبًا، شباط/ فبراير 1943 (النصر السوفياتي في ستالينغراد) - آب/ أغسطس 1944، توقّفت العلااقات الدبلوماسية والتجارية التركية - الألمانية نهائيًا، بينما لم يتوقف الحلفاء لحظة واحدة عن محاولاتهم جرّ تركيا إلى دخول الحرب، تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب، وهو ما يمكن ملااحظته بجلااء من خلاال المفاوضات التي جمعت الحلفاء بعد موقعة ستالينغراد، بدءًا بمؤتمر أنفا (الدار البيضاء)، وصولً إلى مؤتمر يالطا. صحيح أنّ القيادة التركية ترغب في الإبقاء على ألمانيا قويّة قدر المستطاع، على الأقلّ من خلاال تأمين جناحها الغربي حتى استعادة قوة وإعادة تنظيم الفيرماخت. لكن إنزال النورماندي لم يترك أي فرصة لألمانيا ومعها قوى المحور في قلب موازين الحرب لمصلحتهم، وتبعًا لذلك، بدأ صانعو السياسة في العاصمة أنقرة يدركون، بما لا يدع مج لً للشّك، أن نهاية الحرب باتت وشيكة، وبعدها لن تتمّ العودة إلى الوضع القائم في عام 1939، حيث تقرّر إدخال تعديلاات جديدة على سياستهم الخارجية قبل فوات الأوان، وعلى طبيعة علااقتهم بكل من المحور والحلفاء خدمة للمصلحة الوطنية55. دخلت العلااقات الألمانية - التركية فترة من الجمود الذي أفضى إلى قطيعة بينهما، بإنهاء تركيا سياسة الحياد الخاصة بها على المستوى الخارجي، وإدخالها الحرب عنوة إلى جانب الحلفاء. وهو ما جرى عبر ثلااث مراحل: الأولى، حدثت مباشرة بعد اجتماع أضنة بين رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل والرئيس التركي عصمت إينونو في كانون الثاني/ يناير 1943، عندما اقترب الأتراك من بريطانيا العظمى من ناحية، بينما كانوا من ناحية أخرى حريصين على عدم التورّط في قوى الحلفاء، الأمر الذي يمكن اعتباره في حقيقة الأمر "تقدير موقف" مفرطًا في التفاؤل من جانب أنقرة. والثانية، حصلت بعد مؤتمر القاهرة الثاني (كانون الأول/ ديسمبر 1943)، حيث جرى إدخال تعديل نوعي على نهج الحياد التركي والوقوف على المسافة نفسها من جميع الأطراف المتحاربة، وذلك في أثر ردة فعل حادة من الحلفاء، خاصة بريطانيا العظمى. والثالثة، أتت في صيف 1944 وتجسّدت في لحظة التقارب الحاصل بين كل من الحكومة التركية ونظيرتها الأميركية، التي كان من نتائجها تعطيل العلااقات بين برلين وأنقرة في المجالات كلها، في السياسة والاقتصاد والدفاع (الأمن.) صفوة القول، شكلت هزيمة ستالينغراد ما يمكن أن نصطلح عليه بداية النهاية لألمانيا النازية ومعها قوى المحور، خاصة مع إنزال النورماندي (صيف 1944)، وتقدم الحلفاء من جهة الغرب، ما كان يعني حقيقة واحدة هي أنّ مصير ألمانيا حُس م نهائيًا، أما تركيا التي
كان عمرها 20 عامًا مع نهاية الحرب، بينما يمكن أن يبدأ الحلفاء، تشرشل وروزفلت وستالين، في التفكير في طبيعة الصلح واتفاقية السلاام، وطبيعة النظام العالمي الجديد وشكله. هنا، كان كل منتصر يتحدث من حيث الخبرات التاريخية لأمته، أراد تشرشل إعادة بناء توازن القوى التقليدي في أوروبا، وهو ما يعني إعادة بناء بريطانيا العظمى وفرنسا وحتى ألمانيا المهزومة؛ من أجل أن تتمكن هذه البلدان، إلى جانب الولايات المتحدة، من موازنة العملااق السوفياتي في الشرق. بينما تصوّر روزفلت نظامًا لما بعد الحرب يعمل فيه المنتصرون الثلااثة، جنبًا إلى جنب مع الصين، كمجلس إدارة للعالم، وفرض السلاام ضد أي شخص خاطئ محتمل، وهي رؤية أصبحت معروفة باسم "أربعة من رجال الشرطة" التي ستتطوّر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. بينما عكس نهج ستالين كلً من فكره الشيوعي والسياسة الخارجية الروسية التقليدية؛ إذ سعى جاهدًا للااستفادة من انتصار بلااده لبسط النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية والوسطى، وتحويل الدول التي احتلتها الجيوش السوفياتية إلى مناطق عازلة لحماية روسيا من أيّ عدوان ألماني في المستقبل56.
خاتمة
تحكّمت الاعتبارات الاقتصادية في السياسة الخارجية الألمانية تجاه تركيا في سياق الحرب العالمية الثانية، ولا سيما مسألة الحصول على مادة الكروميت الخام الحيوية في الصناعة الدفاعية التي تعاظمت قيمتها مباشرة بعد وصول الفوهرر هتلر إلى السلطة في عام 1933 بوساطة الانتخابات التشريعية (الرايخستاخ)، خاصة أن الحكومة النازية الجديدة باشرت عملها بنقض مقتضيات سلاام فرساي، وتدشين سباق التسلح لاستعادة منطقة الرور القلب النابض للصناعة الألمانية. كما جرت الإشارة، أصبحت نفقات الدفاع تزيد كثيرًا عمّا هو معتاد، وانتقلت من 3 في المئة من مجمل الموازنة العامة للدولة في عام 1933، إلى 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عشية الحرب العالمية الثانية (1939)، وهو رقم كبير حاز الصدارة، مقارنة بباقي القوى الأخرى على غرار بريطانيا العظمى التي بلغت نسبة الإنفاق على الجانب الأمني والدفاعي 7 في المئة، والولايات المتحدة التي استقرت على 1 في المئة. علااوة على ذلك، كانت رؤية هتلر الداروينية في خصوص المجال الحيوي، أو "مساحة الحياة" Lebensrum، إيذانًا بالانتقال إلى سيادة مستوى اقتصادي جديد هو "اقتصاد الحرب". وفي ظل هذه الظروف التي تتسم بالاتجاه نحو مزيد من عسكرة الاقتصاد الألماني، كان من الطبيعي أن ينظر الاشتراكيون الوطنيون في ألمانيا بزعامة هتلر إلى الكروميت التركي، باعتباره سلعة استراتيجية حيوية لتعزيز قوة الرايخ القومي وأمنه. وهذا ما تثبته في حقيقة الأمر أعوام الحرب العالمية الثانية وما قبلها كذلك؛ إذ أضحى الطلب على الكروميت الخام التركي في برلين أكثر من غيرها من العواصم الأوروبية، لافتقار الألمان إلى مثل هذه المادة الحيوية، يضاف إلى ذلك غياب المستعمرات. تبعًا لذلك، ومن منطلق أن الكروميت مادة حيوية للصناعة الدفاعية، وأن الأخيرة - المعدات العسكرية - ضرورية في أي عمل حربي، كان من المنطقي جدًا أن تبقى تركيا ذات أهمية استراتيجية واقتصادية في المدرك الاستراتيجي لألمانيا النازية. بيد أن الحصول على هذه المادة بكميات كبيرة تغطي حاجات الصناعة الحربية الألمانية في زمن الحرب كان مرتبطًا - بلاا شك - بمسائل السياسة التي تدور حول نفوذ الدولة ومكانتها وقوتها بالنسبة إلى كيان سياسي آخر؛ وهو ما يفسر في الحقيقة التنافس بين لندن وبرلين حول استمالة تركيا إلى صفها، أو قطع الطريق أمام انفرادها بتركيا على أقل تقدير، وهو الوضع الذي استمر لا محالة حتى "الأمتار" الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
المراجع
References
العربية
أوغلو، أحمد داوود. العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية. ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل. الدوحة: منشورات مركز الجزيرة للدراسات، 2010.
زغوني، رابح. "بين الثروة والقوة: الاقتصاد السياسي لسياسة الطاقة الأمريكية في منطقة الخليج العربي." سياسات عربية. العدد 40 (أيلول/ سبتمبر 2019.)
كيسنجر، هنري. النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ. ترجمة فاضل جتكر. بيروت: دار الكتاب العربي، 2015.
الأجنبية
Avci, Meral. "The Importance of Chrome in The Historical Context of the Turkish – German Relations Between
1933 and 1945." Journal of Political Science Studies. vol. 7 (January 2016).
Akman, Ozkan et al. (eds.). Social, Educational, Political, Economic and others Developments Occurred in Turkey
Between the Years of 1938-19 80. Istanbul: ISRES publishing, 2019.
Fergusson , Niall. Paper & Iron: Hamburg Business and German Politics in the era of Inflation 1897-1927.
Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
Fox, Annet Baker. The Power of Small States: Diplomacy in World War II. Chicago: The University of Chicago
Press, 1959.
Galbraith, James. "The Meaning of war economy." Challenge Journal. vol. 44, no. 6 (November - December 2001).
Gayer, Gary. Political Neutrality in Europe During World War II. California: University of California, 2013.
İnanç, Gul. "The Politics of Active Neutrality on the Eve of a New World Order: The Case of Turkish Chrome
Sales during the Second World War." Middle Eastern Studies. vol. 42 , no. 6 (November 2006).
Kissinger, Henry. Diplomacy. USA: Simon & Schuster; Illustrated edition, 1995.
Leitz, Christian. "Export or Die: Foreign Trade in the Third Reich." Australian Journal of Politics and History.
vol. 48 , no. 1 (2002).
Önsoy, Murat. "The World War Two Allied Economic Warfare: The Case of Turkish Chrome Sales." Dissertation
in der Philosophischen Fakultät und Fachbereich Theologie der Friedrich - Alexander. Universität Erlangen
Nürnberg. April 2009.
Ovrey, Richard. War and Economy in the Third Reich. Oxford: Oxford University Press, 1995.
Packard, Jerrold Michael. "The European Neutrals in World War II." Master of Art in History. University of
Portland, 1989.
Rollin, Michael William. "Third Reich's Relations with The Turkish Republic 1933-1944." Master of Arts. University
of Montana, 1968.
Sainsbury, Keith. The Turning Point: Roosevelt, Stalin, Churchill and Chiang Kai-Shek. Oxford: Paperback, 1986.
Sweezy, Maxine. The Structure of the Nazi Economy. Harvard: Harvard University Press, 1941.
Weinberg, Gerhard L. Germany, Hitler, And World War II: Essays in Modern German and World History.
Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
________. "German Plans and Policies Regarding Neutral Nations in World War II with Special Reference to
Switzerland." German Studies Review. vol. 22 , no. 1 (February 1999).