Return to Article Details Ahmad ibn Yahya al-Baladhuri and His Book Futuh al-Buldan

أحمد بن يحيى البلاذري وكتابه

Ahmad ibn Yahya al-Baladhuri and His Book Futuh al-Buldan

مهند مبيضين

Mohannad Al Mubaidin

الملخّص

تتناول هذه الدراسة المؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري وكتاب فتوح البلدان ، باعتباره من أهم المدوّنات التاريخية العربية التي سجلت رواية "فتوح" المسلمين، وقدّم فيها البلاذري تجربة فريدة في التدوين التاريخي، بمنهجية واضحة ودقيقة، من حيث المادة التاريخية، وفي استخدامه المصادر التاريخية المنوعة التي جاءت مباشرة من الرواة، أو تلك التي اطّلع عليها من معاصري "الفتوح"، أو ما نقله عن مصادر أخرى. تركز هذه الدراسة على مسار البلاذري وكتاب فتوح البلدان ، وعلى أهمية إعادة رواية "فتوح" المسلمين، كما تُبيّن أ همية المصادر وصيغ النقل والخبر في رواية البلاذري لـ "فتوح" البلدان وطبيعة المادة التاريخية في الكتاب.

Abstract

This study investigates on the historian Ahmad ibn Yahya al-Baladhuri and his book Futuh al-Buldan, which is considered one of the most important Arab historical resources for the Muslim conquests. In his book, al-Baladhuri provides a unique example of clear and precise historiographical methodology. His work is distinctive in terms of historical content and in utilizing various historical resources that were derived directly from narrators, those who lived the era of the conquests, and from other historical sources. The study examines al-Baladhuri's writings in the light of attempts to rewrite the history of the Muslim conquests. It also illustrates the importance of al-Baladhuri's sources, the narrative format, and the nature of the historical content in Futuh al-Buldan.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • فتوح البلدان
  • البلاذري
  • الهيستوريوغرافية
Keywords:
  • al-Baladhuri
  • Futuh al-Buldan
  • Histography

مقدمة

تدور هذه الدراسة على جملة من الأسئلة التي تمسّ التدوين التاريخي في الحضارة الإسلاامية، من خلاال كتاب محدّد، هو فتوح البلدانلأحمد البلااذري (ت. 279 ه/ 892 م)، منها: ما السياق الذي وضع فيه البلااذري كتابه هذا؟ وكيف تطوّرت اهتماماته؟ وكيف مارس عملية النقل والتدوين في أخبار "الفتوح"؟ وما طرائق التثبّت من الخبر؟ وما أبرز المواضيع التي عالجها؟ يُعدّ القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلااد الذي واكبه البلااذري مرحلة مهمة في تشكّل الثقافة العربية الإسلاامية بعامة، وفي تطور الكتابة التاريخية بخاصة؛ إذ شهدت تلك المرحلة إسهامات المؤرخين الكبار، من أمثال: خليفة بن خياط (ت. 240 ه/ 854 م)، ومحمد بن جرير الطبري (ت. 310 ه/ 922 م) وغيرهما1(. وهو أيضًا عصر المدوّنات الأدبية الكبيرة والجدل الفكري في بغداد والبصرة، الذي أسهم فيه أدباء وشعراء كبار، أمثال أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت. 255 ه/ 869 م)، وعبد الملك بن قريب بن عبد الملك الأصمعي (ت. 216 ه/ 831 م)، وأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد (ت. 286 ه/ 899 م)، ومحمد بن سلاام الجمحي (ت. 232 ه/ 845 م) وغيرهم. عاصر البلااذري في بغداد المؤرخ والبلداني أحمد بن أبي يعقوب بن إسحاق اليعقوبي (ت. 292 ه/ 904 م) الذي زامن الطبري وابن خياط وغيرهما من الأدباء والشعراء، وكان لإسهامات هؤلاء المؤرخين دور كبير في التطور الذي طرأ على علم التاريخ عند المسلمين من حيث استقلااله، أو خروجه من دائرة الأخبار السائدة في القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلااد، والبدء بكتابة تاريخ عام للأمة، أو إبراز إسهامات الأمم الأخرى، كما الحال مع اليعقوبي الذي يُعدّ أول من فصّل في أخبار الأمم الأخرى وثقافتها وإنجازاتها2(، مع تميزه في كتابة تاريخ الأنبياء على نحوٍ موضوعي3. كان من الطبيعي، حينما توجّه الأخباريون الأوائل إلى الاستقلاال عن علم الحديث، أن يطوّروا مناهجهم ونظرتهم وأسلوبهم وطبيعة اهتماماتهم؛ إذ إنّ توسع حدود دولة المسلمين، ودخول أقوام جدد، وتغيّ الأحداث المستمر، وتنامي حركة "الفتوح"، عوامل أنتجت تنوعًا في المواضيع التي تزامنت مع ظهور مؤسسات دولة المسلمين واستقرارها. لكن افتراق علم الأخبار عن علم الحديث4، لم يكن يعني انقطاع العلااقة بين أهل الحديث والتاريخ؛ إذ بقيت متصلة قرونًا عدة، وكان بعض المؤرخين منضبطًا في دقته وأسلوبه المتماسك، متأثرًا بتراثه السابق ومسارهم الشخصي وعلااقتهم بالسلطة وبلااطها، وانتمائهم إلى فئة الكتّاب، ومن بينهم البلااذري، حيث كانت الرواية التاريخية مطلوبة من جميع مراتب المجتمع ومن الساسة والحكام والإداريين والمثقفين وأتباع الملَل والنِحل والخطباء والفقهاء5. تلك الظروف والاهتمامات المنوّعة للأخباريين، والمؤرخين المسلمين، دفعتهم إلى أن يضعوا مجموعة من المصنفات الأدبية والتاريخية والجغرافية، التي حملت التاريخ معها بقصد أحيانًا، أو من دون قصد أحيانًا أخرى. وفي هذا السياق، يأتي الحديث عن كتب

  1. عن اليعقوبي، ينظر: الخالدي، ص 167.
  2. ينظر: رضوان سليم، نظام الزمان العربي: دراسة في التاريخية العربية الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006) ص 84.
  3. يرى عبد العزيز الدوري أن هذا الافتراق بدأ يظهر مع محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، "حيث يدمج روايات عدة في خبر متسلسل، وبذلك حقق خطوة مهمة نحو الكتابة التاريخية المستقلة". الدوري، ص 24. وينظر في موضوعات الكتابة التاريخية عند العرب: Bernard Lewis & P. M. Holt, Historians of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 1962).
  4. عن علااقة المؤرخين بالبلااط، ينظر: جيسي روبنسون، البلاط والمجتمع الإسلامي وعلم التاريخ: دراسة في سسيولوجيا الكتابة التأريخية عند المسلمين، تعريب وتقديم وتعليق عبد الجبار ناجي (بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2014)، ص 324.

الفتوح6(التي جاءت لتؤكد محورية الحدث أو الواقعة من حيث هي جزء من سيرة بناء مجتمع الأمة وتشكّله، وأخذ هذا الحدث صفة "فتوح" المسلمين، نظرًا إلى أهميتها في تكوين ميراث دولة المسلمين، بما هي عليه من مخزون واسع لقضايا كثيرة، لعلّ أبرزها صورة "الفتوح"، إن كانت صلحًا أو عُنوة، أو ما ترتب عليها من أشكال في المعاملاات وأنماط الاستقرار وفرضٍ للضرائب وغيرها. لم يكن البلااذري أول من التفت إلى هذه المسألة، وهي إعادة بناء رواية "الفتوح"، بل سبقه في هذا المجال عدد من العلماء المسلمين الذين صنّفوا في هذا الباب، من أمثال أبي مخنف لوط بن يحيى (ت. 157 ه/ 773 م)، وسيف بن عمر الأسدي (ت. 200 ه/ 815 م)، وأبي حذيفة إسحاق بن بشر (ت. 206 ه/ 821 م)7(ومحمد بن عمر الواقدي (ت. 207 ه/ 822 م)8(ومحمد بن عبد الله الأزدي البصري (نحو 110 - 170 ه/ 728 - 787 م)، وأبي محمد عبد الله بن عبد الحكم (ت. 257 ه/ 870 م)9(. وهذا يعني، أنّ ثمة مادة وتراثًا في مسألة "الفتوح" وأزمانها، بدأت بكتابة "الفتوح"، منطلقة من حروب الردة التي اعتبرت من أوليات "الفتوح"10(، وهذا ما سيوفّر للبلااذري حصيلة معرفية ومادة مرجعية، استطاع من خلاالها أن ينسج مادته بصورة تكاد تكون أكثر دقة، أو أنها جاءت نتاج تطور مسار طويل في هذا النوع من السرديات التأريخية الذي شهد على يديه صورة أكثر اكتم لً؛ ما جعله يُمثّل نموذجًا لهذا الفن. فإذا كان قد اتّبع منهجًا مماثلً لمن سبقه في تسلسل أخبار "الفتوح" وروايتها بحسب الجهات، على موضوع واحد لكل جهة، فإنه حاول التميز من سابقيه، في الجمع أحيانًا بين تبويب الموضوعات على أساس تاريخي كرونولوجي، أو تدوينها على أساس موضوعي أحيانًا أخرى. فيقدم الحديث عن "فتوح" مدن بسبب أسبقيتها التاريخية، من قبيل حديثه عن "فتح" مكة والطائف وأيلة وغيرها، ونجده في مقابل ذلك يتحدث عن مدن، من قبيل بغداد والكوفة، مقدّمًا لها كما فعل مع مدن أخرى شهدت عمليات عسكرية، من قبيل البصرة والأهواز11.

أوالً: البلاذري: حياته ونشأته

لا تقطع الروايات التاريخية بما يحسم ولادة أحمد بن يحيى البلااذري الذي يبدو أنه وُلد في بغداد، في أواخر القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلااد، دونما إيضاح إن كان من أصل عربي أو من غيره، وهو أمر لم يجزم في شأنه المؤرخون وكتّاب التراجم والفهارس، فظلّ محلّ اجتهاد12(، كما لا يخفيه كتّاب ومؤرخون معاصرون مثل كارل هاينريش بيكر الذي يقرّ بعدم حسمه13.

  1. عن الكتابة في " الفتوح "، ينظر بتوسع: Jens Scheiner , "Writing The History Of The Futūh: The Futūh - Works By Al - Azdì,Ibn ATham, And Al - Wāqidĭ," in: Baul Gobb (ed.), The Lineaments Of Islam: Studies in Honar of Fred McGraw Donner , vol. 85: Islamic History and Civilization (Leiden: BrilL, 2012), pp. 151 - 176.
  2. ينظر بالنسبة إلى المؤلفات الموضوعة في هذا الباب: فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة صالح أحمد العلي، ط 2 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1983)، ص 283 - 287؛ جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ج 2 (بيروت: مكتبة الحياة، [د. ت.])، ص 500.
  3. محمد بن عمر الواقدي، فتوح الشام (بيروت: المكتبة الشعبية، [د. ت.)].
  4. ينظر: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها، تحقيق س. س توري نيوهافن (1922) (القاهرة: دار التعاون، نسخة مصورة)؛ الأزدي محمد بن عبد الله البصري، كتاب فتوح الشام، تحقيق عبد المنعم عامر (القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1970). ولهذا الكتاب من الشكوك التي تدور حول مؤلفه وتاريخه، ينظر بتوسع في: Lawrence Conrad, "Al - Azdi's History of the Arab Conquests in Bilad al - Sham: Some Historiographical Observations," in: Muhammad - Adnan Bakhit (ed.), Proceedings of the Second Symposium on the History of Bilad al-Sham , vol. I (Amman: University of Jordan, 1987).
  5. في ذلك، ينظر: غيداء خزنة كاتبي، أوليات الفتوح: حروب الردّة في الإسلام (بيروت: دار المدار الإسلاامي، 2009)، ص 10.
  6. أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلااذري، فتوح البلدان، عني بضبطه رضوان محمد رضوان (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، [د. ت.]). ص 18 - 28.
  7. للمزيد ينظر: محمد بن إسحاق بن النديم، الفهرست (بيروت: دار المعرفة، 1972)، ص 181؛ محمد جاسم المشهداني، موارد البلاذري عن الأسرة الأموية في أنساب الأشراف (مكة المكرمة: مكتبة الطالب الجامعي، 1986)، ص 45.
  8. ينظر: Carl Heinrich Becker, " Al-Baladhuri ," in: Martijn Theodoor Houtsma et al. (eds.), Encyclopedia of Islam (Leiden// London: E.J. Brill, 1979), vol. 1 , pp. 971 - 972.

لعلّ نقل البلااذري عن صاحبمعرفة الثقات، نزيل بغداد، أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي (ت. 211 ه/ 826 م)14 الذي يعدّ أقدم من أخذ عنهم من مشافهة، يُقرّب سنة ميلااده، ويُسهم في إمكان تحديدها في النصف الأول من العقد التاسع من القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلااد، وما يُعزّز هذا الاستنتاج هو أن البلااذري مدح الخليفة العباسي المأمون أبا العباس عبد الله بن هارون الرشيد (ت. 219 ه/ 832 م)، وقد لا يتقدم البلااذري لمثل تلك المهمة أو الرغبة التي أهّلته للتقرب من الخلفاء لاحقًا، إلّ بعد أن كان قد عبَ العقد الثاني من عمره15. نشأ البلااذري في بغداد متتلمذًا على أئمة العلم وشيوخها، وفي مقدمة المستفيدين منهم أستاذه أبو عبيدة القاسم بن سالّم الهروي، صاحب كتاب الأموال16(، كما أخذ العمل عن عبد الله بن محمد بن إبراهيم (ابن أبي شيبه) (ت. 235 ه/ 849 م)، ومصعب الزبيدي.(ت 236 ه/ 850 م)، ومحمد بن سعد بن منيع (ت. 230 ه/ 844 م)17(. واكتسب علمًا واسعًا من رحلااته التي قام بها في البلااد التي تناولها في "فتوحه"، فأخذ عن علمائها، مصرّحًا بذلك: "وحدثني جماعة من أهل العلم"18(، و"حدثني مشايخ أهل الأنبار"19، و"حدثني مشايخ واسط"20(، و"حدثني بعض أهل العلم في البصرة"21(، و"حدثني عدّة من أهل قزوين"22(، وغير ذلك مما يدل على تنوّع ثقافته ورحلااته التي منحته مقدرة فذّة في صياغة روايات واثقة، ومحايدة قدر الإمكان، ومتماسكة البنية، عن مسألة "الفتوح." معنى ذلك، أنّ معارف البلااذري تشكلت من جراء جهده الخاص، بما أخذه عن علماء عصره اللاامعين، مع مشاهداته في رحلااته، وبما تيسّ له من معلومات ووثائق بحكم موقعه القريب من السلطة. فكانت ثقافته ومعارفه سببًا في تفوّقه، وفي تتلمذ نخبة من طلااب العلم عليه، ومن أبرزهم: محمد بن إسحاق بن النديم صاحب كتاب الفهرست، وقدامة بن جعفر صاحب كتاب الخراج، وعبد الله الوراق وعبد الله بن المعتز وغيرهم23. اللاافت في سيرة البلااذري أنه على الرغم من الصفة العلمية، فإنّ الاهتمام بالعلم والرحلة لم يقصه عن بلوغ البلااط السياسي والاقتراب من الخلفاء. فكان مطًّلًّ على أحوال عصره بدقة24(، مع عدم الانحدار في تمجيد السلطة، بما يلغي علميّته؛ فقد أشارت الروايات إلى أنه كان مقرّبًا من بلااط الخليفة جعفر بن محمد بن هارون المتوكل على الله (232 - 247 ه/ 846 - 861 م)، وكذلك أحمد بن المعتصم بن الرشيد المستعين بالله (249 - 252 ه/ 863 - 866 م)26(، حيث روى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان.(ت 681 ه/ 1282 م)، أنه كان من المقرّبين (للمستعين) "وممن نالهم العطاء منه"27.

  1. 25  الكتبي، ج 1، ص 155؛ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر أبو العباس بن خلكان، وفيات الأعيانوأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، ج 6 (بيروت: دار الثقافة، 1968 - 1972)، ص 24.
  2. هو أحمد بن صالح العجلي الكوفي الأصل، لقب بالمقرئ، وكان أحد كبار الشيوخ والمقرئين في بغداد، ومن كبار علماء الحديث، وقد أفرد كتابه لمعرفة الثقات من رواة الحديث. أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي أبو الحسن، معرفة الثقات، ج 6، تحقيق عبد العظيم عبد العليم، ج 2 (المدينة المنورة: مكتبة الدار، 1985)، ص 38.
  3. أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 6 (دمشق: دار الفكر، 1995)، ص 74.
  4. للمزيد ينظر: أحمد الشرباصي، "'البلااذري' صاحب كتاب فتوح البلدان"، مجلة الوعي الإسلامي (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاامية، الكويت)، السنة 4، العدد 43 (رجب 1378 ه - أيلول/ سبتمبر 1968 م)، ص 67 - 68.
  5. محمد بن شاكر الكتبي، فوات الوفيات والذيل عليها، تحقيق إحسان عباس، ج 1 (بيروت: دار الثقافة، [د. ت.])، ص 155.
  6. البلااذري، ص 47.
  7. المرجع نفسه، ص 35.
  8. المرجع نفسه، ص 288.
  9. المرجع نفسه، ص 363.
  10. المرجع نفسه، ص 317.
  11. ابن عساكر، ج 6، ص 74 - 75؛ ياقوت الحموي الرومي، معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق إحسان عباس، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلاامي، 1993)، ص 520، 531.
  12. ينظر: أحمد محمد الحوفي، الطبري (القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1963)، ص 63.
  13. ابن خلكان، ج 6، ص 24؛ شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج 1 (بيروت: دار العلم للملاايين، 1983)، ص 343.

جاء هذا الاقتراب بين الثقافي، ممثلً بشخص البلااذري، مع السياسي، ممثلً بالخلفاء، في وقت كانت العاصمة تبدو المركز الثقافي والحضاري الأهم عربيًا. ولعلّ هذا ما جعله شديد الحماسة لكتابة تاريخ الأمة، وإعادة صياغة بناء سردية "الفتوح"، للتذكير بدولة الأمة في زمن سياسي أُعلنت فيه أكثر من إمارة مستقلة عن الخلاافة. وهنا يبدو أن ما كان يصله من عطاء الخلفاء، إن صحت رواية ابن خلكان28، قد دفعه إلى تقديم صورة مجتمع المسلمين الموحَّدة على هدف "الفتوح" والبناء. من هذا الموقع الذي اتّخذه البلااذري لنفسه بوصفه مثقفًا، ناله شيء من عطاء الخليفة الذي تعهّد له بالإبقاء على الرعاية مدى حياة الخليفة. فقد أتيح له أن يؤلف مجموعة من المؤلفات، كتابة وترجمة عن الفارسية، هي: كتابُأنساب الأشرافالذي ساهم باطراد شهرة البلااذري، وكتاب عهد أردشير، المترجم عن الفارسية. أما كتاب فتوح البلدان، فقد ذُكر بأسماء أخرى منها: "البلدان الصغير" و"البلدان الكبير" و"أمور البلدان"29، ويلااحظ على تراث البلااذري التباين في التأليف والتداخل في الاهتمامات. أما زمن البلااذري الثقافي، فقد كان غنيًّا بالمعارف والتطور في حركة الثقافة والآداب والعقائد والتراجم؛ إذ شهد القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلااد أوجَ الاحتكاك الثقافي بين العرب المسلمين وجيرانهم، وتمازجت فيه ثقافتهم مع الثقافات الأخرى، ودخل الإسلاام شعوب عدة، وظهرت فيه المصنفات الأدبية والفلسفية والعلمية، وساهمت حركة الترجمة من الفارسية واللااتينية إلى العربية في اطلااع العلماء المسلمين على معارف الأمم الأخرى، وذلك كله مع ازدهار حركة النسخ وحرفة الوراقة في بغداد30. من الناحية السياسية، اتّسم عصر البلااذري باتساع رقعة دولة المسلمين وتذبذب الاستقرار الداخلي فيها، وظهور الإمارات المستقلة في أرجاء الدولة شرقًا وجنوبًا، مثل: الدولة الطاهرية في خراسان (205 - 259 ه/ 820 - 862 م)، والدولة اليعفرية في صنعاء (225 - 393 ه/ 839 - 1002 م)، والدولة الطولونية في مصر (254 - 292 ه/ 868 - 905 م)، والدولة السامانية في بلااد ما وراء النهر (261 - 390 ه/ 874 - 1000 م) وغيرها. كما بدأت التحديات الخارجية تواجه دولة الخلاافة، التي دعا البلااذري إلى بقائها ودوام سلطانها؛ بوصفها "الدولة المباركة" التي كان يعمل في بلااط خلفائها، ما سمح له بالاطلّااع عن قرب على الحكم، وتحدياته، وعلى المراسلاات المتبادلة بين السلطة السياسية وخصومها، وكذلك على العهود والمواثيق التي وقّعتها. لقد عاش البلااذري الفترة الأكثر تطورًا في مسار الكتابة التاريخية العربية الإسلاامية، وهي فترة ظهور المؤرخين الكبار وتقدّم الدولة الإسلاامية، ومرحلة تشكّلت فيها المدوّنة التاريخية، وتجلّت فيها الكتابة الأيديولوجية المعبّة عن الفِرَق والنزاعات السياسية31، وما كان له إلّ أن يكون معبًّا عن رأي السلطة التي عاش في كنفها وحظي بعطائها، وهو المتشرّب خبرة الكتابة من جدّه الذي كان يقوم بوظيفة الكتابة لأحمد الخصيب بن عبد الحميد (ت. 265 ه/  879 م)، أمير مصر وصاحب خراجها في زمن الخليفة هارون الرشيد32.

  1. أورد ابن خلكان الرواية التي تتضمن قول الخليفة للبلااذري بعد أن بعث إليه مبلغ سبعة آلاف دينار، ونصّها: "ادّخر هذه للحوادث من بعدي، ولك عليّ الجراية والكافية ما دمت حيًا"، ينظر: ابن خلكان، ج 6، ص 24.
  2. عن مؤلفات البلااذري، ينظر: ابن النديم، ص 113 - 166؛ أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلااذري، جمل منأنساب الأشراف، الجزء الأول، تحقيق محمد حميد الله (القاهرة: دار المعارف، 1959)؛ أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلااذري، جمل منأنساب الأشراف، الجزء الثالث، تحقيق محمد باقر المحمودي (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1977)؛ أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلااذري، جمل منأنساب الأشراف، الجزء الرابع، تحقيق عبد العزيز الدوري (بيروت: جمعية المستشرقين الألمان، 1978)؛ أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلااذري، جمل منأنساب الأشراف، الجزء الخامس، تحقيق إحسان عباس (بيروت: جمعية المستشرقين الألمان 1978 - 2000)؛ مصطفى، ج 1، ص 243؛ إحسان العمد، "البلااذري، أحمد بن يحيى"، رسالة (غير منشورة) أعدت لنيل الماجستير، جامعة الكويت، 1978، ص 182.
  3. ابن النديم، ص 397 - 399.
  4. Heather N. Keaney, Medieval Islamic Historiography: Remembering Rebellion (New York: Routledge, 2013), p. 47.
  5. شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سيَر أعلام النبلاء، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، ج 13، ط 11 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996)، ص 163.

في مصائر البلااذري الشخصية مسألة حريّة بالتوقف عندها، وهي مصير المؤرخ القريب من البلااط، وكان فيه كاتبًا في الديوان ومترجمًا، نال حظوة الخلفاء وعطاءهم منذ مدح المأمون واتصل به، وفي زمن المتوكل صار من خاصّته وندمائه ومقرّبًا إليه، ثم علاا شأنه في زمن الخليفة المستعين بالله (ت. 252 ه/  866 م) الذي زاد في مكافأته وعهد إليه بتربية ابنه عبد الله بن المعتز بالله.(ت 255 ه/  869 م). وقد بلغ من عطاء المستعين بالله له أنه جعله يعيش مستغنيًا، ينفق من سعة، ولا يطلب من أحد، ولا يعمل بحرفة، وكان ذلك بسبب أن البلااذري دخل مع الشعراء عليه، وطلب المستعين أن يمدحه الشعراء بمثل ما مدح الوليد بن عبيد بن يحيى البحتري (ت. 280 ه/  898 م)، الخليفة المتوكل بقوله: ولو أن مشتاقًا تكلّف فوق ما في وسعه لمشى إليك المنبر33قال البلااذري: فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري: قال: هاته، فأنشدته: ولو أن بُرد المصطفى إذ حويته يظن، لظنّ البدُ أنّك صاحبه وقال وقد أُعطيتَه ولبسته نعم هذه أعطافه ومناكبُه34أُعجب المستعين بما قاله البلااذري، وقال له: "ارجع إلى دارك وافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث إلي بسبعة آلاف دينار، وقال: ادّخر هذه للحوادث من بعدي، ولك عليّ الجراية والكفاية ما دمت حيًا"35. في الرواية التي نقلها ابن خلكان، عن لسان ميمون بن هارون، ما يشير إلى خصوصية علااقة البلااذري بالمستعين، وفيها أيضًا توقّع الخليفة المستعين بمصير صعب أو ضيق عيش قد يتعرّض له البلااذري من بعده، بقوله: "ادّخر هذه للحوادث". فالحوادث هنا سوف تأتي لاحقًا، بصيغة كرب وعوز، فتصدق رؤية المستعين، ويغيب نجم البلااذري، ويفتقر ويقل ماله، وهذا ما جعله يهجو الوزراء لحبسهم العطاء عنه. ومع ذلك، فإن كتابته التاريخ لا تبدو أنها تأثرت بذلك التحوّل في حياته؛ من مقرّب من السلطة ومحفوف برعايتها، إلى "صفر اليدين"36(ومبعَد من الساسة، بل مَقصيّ عنهم، ويقضي حياته في البيمارستان بعد أن "أصابه الهوس"37. بنهاية البلااذري، في البيمارستان بعد أن أصابه الوسواس، تنتهي قصة مؤرخ خدم الدولة والسلطة العباسية خلاال عهد أربعة خلفاء. وهي نهاية لا شك في أنها مدعاة للتدبّر في مصائر المؤرخين، وفي علااقاتهم بالسلطة، التي لم تختلف كثيرًا عن نهايات بعض الكتّاب والمثقفين الذين واجهوا مصائر صعبة مع الحكام، راوحت بين القتل والتعذيب أو القتل أو حجب المال والعطاء، ومن ذلك ما حدث للبلااذري.

ثانيًا: "فتوح البلدان"

قيل الكثير عن كتاب فتوح البلدان، وذُكر بأسماء أخرى، كما أشرنا سابقًا، فثمة من رأى ذلك لأن البلااذري اختصره من كتاب البلدان الكبير، وثمة من رأى أنّ هناك نسختين منه، استنادًا إلى النقول التي أخذها من جاء بعده، من أمثال ابن النديم وعلي بن الحسن المسعودي (ت. 345 ه/ 956 م) وبديع الزمان الهمذاني وياقوت الحموي وغيرهم.

  1. الوليد بن عبيد البحتري، ديوان البحتري، تحقيق حسن كامل الصيرفي، ج 2، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1963)، ج 2، ص 1073.
  2. أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، سمط اللآلي في شرح أمالي القالي، تحقيق عبد العزيز الميمني، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، نسخة مصورة عن نسخة دار الكتب العلمية، 1935)، ص 58.
  3. ابن خلكان، ج 6، ص 24؛ محمود مصطفى، إعجام الأعلام (بيروت: دار الكتب العلمية، 1983)، ص 80.
  4. الحموي، ج 2، ص 531.
  5. ابن النديم، ص 143.

بقوله إنّ البلااذري "صنّف كتابين" حملاا عنوان البلدان، الأول صغير والآخر كبير38.

المسلمين إلى تحقيق "فتحهم" الأول الذي توقف البلااذري عنده كثيرًا، حيث أورد تفاصيل "الفتح" المكي بكل حيثياته39.

الوليد40(، ثم يُفصّل أخبار أيام المعارك قبل يوم مهران والقادسية41(، وبعد ذلك يعالج "فتح" المدائن42.

متناقلة أو مرسلة نقلها عمن سبقه43. خلصت الجهود العلمية، التي بُذلت في مسألة عقد المقارنات بين نصوص البلااذري ومن خلَفه من المؤرخين، إلى أنّ بعض الروايات التي نُقلت من الفتوح، ووردت ضمنيًّا في المصادر اللااحقة لفتوح البلدان، تختلف عن تلك الموجودة في النسخة المنشورة والمحققة، وأنّها ناقصة ومختصرة، وربما اختصُرت بسبب ك بر حجم النسخة الأولى التي أُطلق عليهاالبلدان الكبير44(، ولعلّ هذا ما عناه ابن النديم

تبدأ "فتوح" البلااذري بهجرة الرسول (ص)45(، وما ترتب عليها من أمور، مثل قضية أموال بني النضير وأموال بني قريضة. وبعد ذلك، يبدأ البلااذري برواية خبر غزوة خيبر، ثم "فتح" مكة، لينطلق بعدها بتناول بقية مغازي الرسول، ومن ثمّ "الفتوحات"46. بذلك، مهّدت مقدمة البلااذري الحديث عن "فتح" خيبر الذي يُعدّ من أهم "فتوح" الحجاز قبل مكة. وفي الواقع، ثمة خيط ما بين "فتح" مكة وخيبر، حيث أسفر الأخير عن إخراج القبائل اليهودية من الحجاز وسقوط مواقعها الباقية من دون كبير جهد، ما دفع

وفي حين نجد البلااذري يقتضب في أخبار فتوح بلااد المغرب، فإنه يعود إلى الاستفاضة عندما يكون الحدث شرقًا؛ إذ يتابع أخبار "الفتوح" في أرض السواد47(، بالدقة والموسوعية الشاملة التي ظهرت بها "فتوح" الشام، فيتحدث عن "فتح" العراق ومعارك خالد بن

بذلك، فإن "فتوح" البلااذري تصدر عن مغازي الرسول وكأنها إتمام لها، وهو يدوّن "فتوح" شتى المناطق مع الاعتناء عناية خاصة بطريقة توكيد هذه "الفتوح"، أي صُلحًا أو عنوةً48(، وهو يقدم مادة شاملة، يتتبع فيها أخبار كلّ "فتح" من خلاال مصادر متعددة، إما كتبًا49(، أو روايات سمعها شفاهًا من أهل البقاع التي رحل إليها50(، ونصَّ هو بنفسه على سماعها منهم51(، أو ما وصل إليه من روايات

يقول عبد العزيز الدوري في وصف الكتاب: "أما فتوح البلدان، فيبحث تاريخ الفتوحات الإسلاامية، ويقدم قصة متسلسلة ل 'فتح' كل م"ِصر52. أما طريف الخالدي، فيرى في فتوح البلدانفرادة تعود إلى أسس عدة؛ فهو بداية لا يقتصر على منطقة واحدة، بل يعالج سائر "الفتوحات"، شرقيها وغربيها، وهو ثانيًا يستخدم طيفًا واسعًا من المصادر الشفاهية والمكتوبة والمخطوطة، وهو ثالثًا يعنى بالشؤون

  1. كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، تحقيق عبد الحليم النجار ورمضان عبد التواب، ج 3، ط 5 (القاهرة: دار المعارف، 1977)، ص 44؛ المشهداني، ج 1، ص 64.
  2. ابن النديم، ص 180 - 181.
  3. البلااذري، فتوح، ص 17 - 31.
  4. المرجع نفسه، ص 31، 34، 42، 49.
  5. المرجع نفسه، ص 59، 60، 65 - 66.
  6. المرجع نفسه، ص 242.
  7. المرجع نفسه، ص 243 - 244، 251.
  8. المرجع نفسه، ص 253، 255.
  9. المرجع نفسه، ص 262.
  10. المرجع نفسه، ص 265، 321، 337.
  11. المرجع نفسه، ص 169، "ووجدت في كتاب مغازي معاوية."...
  12. المرجع نفسه، ص 71، 93، 163، 168، 247، 317 - 318، 383.
  13. المرجع نفسه، ص 288، 293، 317، 364.
  14. المرجع نفسه، ص 70، 96، 104، 175.
  15. الدوري، ص 49.

الإدارية والاقتصادية، وأخيرًا يتتبع تسلسلً زمنيًا تغلب عليه الدقة53(. ونضيف إلى ذلك اهتمام البلااذري بتزويد "فتوحه" بوثائق للصلح الذي جرى في كل منطقة، بقدر ما يتيسر له ذلك من خلاال اطلّااعه على الوثائق والكتب54. كان هذا التفرد الذي حظيت به "فتوح" البلااذري دافعًا إلى اعتراف عالم من القرن الرابع للهجرة، ليقول في حقها وكتابهاِ: "لا يُعلم في فتوح البلدان أحسن منه"55(.كان الكتاب يُعبّ عن مرحلة مهمة في تاريخ المسلمين، حيث مال المؤرخون في ما يبدو إلى تحديد موضوعاتهم وتخصيصها، بعد عبورهم مرحلة التكوين في الكتابة التاريخية وتشكيل فكرتهم تجاه التاريخ56. هنا يطرح السؤال: لماذا ولج البلااذري إلى التأليف في "الفتوح" وإشكالاتها؟ وما الدافع إلى ذلك؟ وهل استطاع أن يطوّر هذا الاتجاه الذي توافر له من تراثه مجموعة من المؤلفات؟ في تقديرنا أنّ البلااذري بدا طموحًا في اختياره موضوع "الفتوح"، محققًا في هذا السبيل خطوتين مهمتين: الأولى منهجية، وهي تطوير هذا النوع من التأريخ الذي كان متمحورًا حول شخصية النبي، ومتدرجًا من السيرة إلى السرايا، فالمغازي، لتُضفي القضية أو المهمة في أمر "الفتوح" بعد ذلك على الشخوص؛ إذ إنّ البلااذري كان يرفض في كتابه ترسيم الشخوص في الحوادث ولصقها بهم، من دون إغفال دورهم، وربما قصد بذلك التخلّص من الهالة الأولى التي كانت للأوائل ممن قادوا الأعمال العسكرية أو شاركوا فيها. أما النقطة الثانية، فموضوعية، تتعلق باختيار المؤلف قضية محورية في تكوين أمة المسلمين، وربما قصد من ذلك تأكيد أن "الفتوح" لا تختزن تجربة السلااح وحمله و"فتح" البلااد فحسب، بقدر ما تشكل مخزونًا لتراث الأمة بما تحمله من تراتيب إدارية وعسكرية ومالية وغيرها57(، وبما تمدّنا به من معلومات عن النظم الاجتماعية السائدة في البلااد "المفتوحة"58، وما نتج من "الفتح" من تمصير وتطور في عوالم العمران في كل مِصرٍ59. لكثافة ما فيفتوح البلدانمن معلومات، خرج الكتاب عن موضوعه، بما يتميز به مؤلفه من ثقافة كتّاب الدولة أو البلااط، إن جاز استخدام المصطلح، حينما نذر البلااذري ل "فتوحه" خمسة أقسام تبدو مستقلة؛ حيث يتناول مسألة الخراج وأحكامها60، ثم موضوع العطاء إبان خلاافة عمر بن الخطاب وما يتعلق به من الغنائم61، ثم يعطي تاريخًا وجيزًا لأمر كل من أمر الخاتم62، فالنقود63، وأخيرًا الخط64، وهو الأمر الذي يكاد يُخرج الكتاب، لو توسع البلااذري في هذه القضايا، عن موضوع "الفتوح" ويتجاوزها، بحسب رأي ديفيد صمويل مارغليوث65(. ونحسب هنا أنّ البلااذري لم يقصد إخراج فتوح البلدانعن غايته، فهو مدرك أن "الفتوح" ليست مجرد عمليات حربية وعسكرية، وهذا ما يدعو إلى دراسة مادة الكتاب واهتمامات البلااذري.

  1. الخالدي، ص 102.
  2. البلااذري، فتوح، ص 70 - 71، 88 - 89، 90، 102.
  3. علي بن الحسن المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق شارل بالّ، ج 1 (بيروت: دار المعرفة، 1979)، 24.
  4. في ذلك، ينظر: الدوري، ص 59، حيث يعتبر الدوري القرون الثلااثة الأولى مثل فترة التكوين في رسم موضوعات الكتابة التاريخية عند العرب.
  5. البلااذري، فتوح، ص 241، 247، 259، 267، 274، 290، 296، 341.
  6. المرجع نفسه، ص 159، 248، 358 - 359، 368.
  7. المرجع نفسه، ص 175، 320، 341، 370.
  8. المرجع نفسه، ص 433.
  9. المرجع نفسه، ص 435.
  10. المرجع نفسه، ص 447.
  11. المرجع نفسه، ص 451.
  12. المرجع نفسه، ص 456.
  13. د. س. مارغليوث، دراسات عن المؤرخين العرب، ترجمة حسين نصار (بيروت: دار الثقافة، [د. ت.])، ص 133.

ثالثًا: اهتممات البلاذري يف "الفتوح"

والتنظيمات التي أحدثها المسلمون. وهذه المعلومات كلها مهمة.

كما أنه لا يتساهل في السند الذي يتقدم رواياته على الرغم من تشعّبها.

غيرهم بشر كثير في البوادي"66(، في حين وصف البحرين بأنها "مملكة الفرس، وكان بها خلق كثير من العرب"67. إن كان البلااذري مؤرخًا لفتوح المسلمين، في كتابه الذي نتناوله بالدراسة، فإنه لم يقصره على أعمال "الفتح" فحسب؛ إذ استهل "فتوحه" بمقدمة عامة عن هجرة الرسول إلى المدينة، والمسجد الذي بناه المسلمون الأوائل، والمواد المستخدمة في البناء من "اللبّن والجريد"، والمال الذي أخذه أصحاب الأرض68(، ودوره في عصر التكوين، وتطوّر بنائه إلى معاصريه من خلفاء بني العباس69. وتضمّنت المقدمة أحكامًا في بعض المسائل70(، وما يرتبط بإقطاع الصحابة أراضي في الحجاز، ثم انتقل إلى سوق المدينة ورفع الخراج عنها، متوقفًا عند تكوينها السكاني71(، وأنهى مقدمته بحديث عن هجرة الأزد من اليمن. ولم تثن ه هذه الاهتمامات التوثيقية عن العناية بالإداريات

هنا، ينبغي القول إن لثقافة البلااذري أثرًا في توصّله إلى الموضوعات التي تناول أحداثها وتحرّاها بدقة. من ثمّ، كانت مصادره تتنوع بتنوع الأحداث؛ فهو، على سبيل المثال، يعتمد في المسائل الزراعية والخراجية على كبار الفقهاء72، وبعض الأخباريين من الثقات73،

مما يلااحظ في هذا السياق عدم توقّفه عند القضايا العسكرية فحسب، شأنه في ذلك شأن غيره من مؤرخي "الفتوح"، فقد أخرج البلااذري أحيانًا الأحداث عن سياقها التاريخي، إلى ملااحقة التفاصيل، مثل حديثه عن "أمر هلاال بن عبد الله بن خطاب"74(، كما أسهب في الحديث عن مسألة فقهية، مثل اكتراء بيوت مكة75(، وتوسيع مسجدها في عهد عمر بن الخطاب، وزيادته في عصر عثمان76(، ثم نجده يستطرد في كسوة الكعبة، ويتابع آبار مكة ويُرسّمها في مواقعها77، ولم يغفل عن السيول التي كانت تجتاح المدينة في بعض الأعوام78، ولم ينسَ دار الندوة في مكة وأهميتها الحضارية79(، ويبدو معنيًا بإيراد وثائق الصلح، ولا سيما مع أهل نجران واليمن وعُمان والبحرين80، ولم يكتف بإيراد العهود فحسب، بل نجده، في مثال صلح عُمان، يدقق في أصول أهلها، فيقول: "كان الأغلبين على عُمان الأزدُ وكان بها من

  1. البلااذري، فتوح، ص 13.
  2. يكتب البلااذري عن توسعة حتى الخليفة المتوكل (247 ه/ 861 م). ينظر: المرجع نفسه، ص 24.
  3. المرجع نفسه، ص 22. ومن ذلك قوله: "وحدثني [...] أن الرسول حرم من الشجر ما بين أ حد إلى عَيرٍُ"، ص 24.
  4. المرجع نفسه، ص 29.
  5. من أمثال هؤلاء: يحيى بن آدم القرشي والقاسم بن سلاام. ينظر: المرجع نفسه، ص 23، 26.
  6. من هؤلاء الواقدي والمدائني. ينظر: المرجع نفسه، ص 21، 24، 71، 249.
  7. من ذلك حديثه عن هلاال بن عبد الله بن خطاب الأردمي. ينظر: المرجع نفسه، ص 53 - 54.
  8. المرجع نفسه، ص 56.
  9. المرجع نفسه، ص 57 - 58.
  10. المرجع نفسه، ص 64.
  11. المرجع نفسه، ص 65 - 66.
  12. المرجع نفسه، ص 64.
  13. المرجع نفسه، ص 75، 96.
  14. المرجع نفسه، ص 87.
  15. المرجع نفسه، ص 89.

بعد أن عرض البلااذري حركة الردة81(، انتقل إلى "فتوح" الشام، ويلُااحظ فيها قلة استرساله كما هي حاله في أخبار الحجاز؛ إذ أورد فيها أخبارًا عن أهل البلااد عشية "الفتح"82(، فنتعرف إلى أحوال سكان بلاادها وحركتهم الدائمة نتيجة التطورات السياسية والعسكرية قبيل "الفتح". وأكمل البلااذري موضوع "فتوح" الشام، في تواصل مع ذكر أمر الجراجمة؛ ما يؤكد الانسجام في المكان والزمان، حيث ارتباط هذا الأمر بالعلااقات الأموية البيزنطية، فنجده يتتبع الجند بدقة، ويأخذ أخباره عنها من مصادر رسمية، بقوله: "وحدثني بعض من أثق به من الكتّاب"83(، وأخذ أيضًا من الواقدي (ت. 207 ه/ 822 م)84(، ومن رواة أهل المنطقة85. توسّع البلااذري أيضًا في الحديث عن غور الشام، فذكر رواياتها العديدة، على عكس ما يشهده القارئ من اقتضاب في حديثه عن "فتح" مصر وبلااد المغرب، فهو يمر سريعًا على "فتح" الأندلس، معرّجًا على تطورات المغرب في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز ت.(101 ه/ 720 م)، ويزيد الاختصار في "فتح" طرابلس وإفريقية86. أمّا تمصير الكوفة، فهو حدث مهم، يبدأ البلااذري بمعالجته منذ إطلااق الاسم على الكوفة87(، إلى بناء مسجدها88، والزيادة عليه89(، وهو متوسع في ذكر حيثيات "الفتح" وتمصير المدينة، وكذا الحال مع البصرة90 وبغداد91(، وقد نجده مهتمًا بذكر أسباب نقل الديوان من اللغة الفارسية إلى العربية92. في سياق الكتابة عن "فتوح" المشرق، تُعدّ الرواية التي صاغها البلااذري، ونقلها من مصادر متعددة عن "فتح" قزوين وأذربيجان، ذات أهمية خاصة، بما تحمله من ذكر للتفاصيل العامة93(، لكنه يعود إلى الاقتضاب في الحديث عن "فتح" الموصل وشهرزور94، بينما يزداد اعتناءً في الحديث عن خراسان، وقد أورد فصلً من وثائق صلحها95(، وأسماء من وُلَّ نواحيها من المسلمين96، وعلااقاتهم بتلك النواحي وحملااتهم العسكرية وغيرها من الأحداث التي تغطّي حدود المكان وتجتازه97(. واتّبع الأسلوب نفسه حينما شرع في رواية أخبار "فتوح" السند، فبدأ بها منذ عصر الخلفاء الراشدين98(، ومن بعدهم عصر الأمويين99(، وأخيرًا الدولة المباركة في عصره100(، وهو يعكس موقفه العام منها، فهو مؤيد لها وداعم لشرعيتها.

  1. المرجع نفسه، ص 136 و 163، حيث يتحدث عن يهود السامرة وأقسامهم.
  2. المرجع نفسه، ص 103، 162.
  3. المرجع نفسه، ص 166.
  4. المرجع نفسه، ص 167.
  5. المرجع نفسه، ص 163.
  6. المرجع نفسه، ص 227. المقصود بإفريقية هنا تونس التي يقول إنها عند الفتح لم يكن لها لا القيروان ولا مصر، أي مدينة بعينها.
  7. المرجع نفسه، ص 275.
  8. المرجع نفسه.
  9. المرجع نفسه، ص 276.
  10. المرجع نفسه، ص 224، 370.
  11. المرجع نفسه، ص 293.
  12. المرجع نفسه، ص 298.
  13. المرجع نفسه، ص 319 - 320.
  14. المرجع نفسه، ص 230.
  15. المرجع نفسه، ص 396.
  16. المرجع نفسه، ص 399، 407.
  17. المرجع نفسه، ص 418 - 419.
  18. المرجع نفسه، ص 420.
  19. المرجع نفسه، ص 421.
  20. المرجع نفسه، ص 432. يستخدم البلااذري لفظ الدولة المباركة قاصدًا به الدولة العباسية. ينظر: المرجع نفسه، ص 7.

وبعض الأخبار والروايات ذات الخصوصية الشديدة بالأماكن والبلااد101.

للصحابة في أيام عمر بن الخطاب102(، وأموال بني النضير103.

مروان أول من ضرب الذهب والورق"104.

رابعًا: يف المنهج

أثبت"105(، وإذا ما جزم أمر رواية لحدث ما، فإنه يصوغ رأيه بقوله: "والثابت أن أبا موسى وُلّ البصرة سنة ست عشرة"106.

تكوين رواية من أوثق المراجع، تكون دقّتها عونًا على تنظيم القضايا الشرعية و"الإدارية"، وبخاصة تلك التي ترتبط بالعطاء. خلاال هذا المشهد العام، أحاط صاحب "الفتوح" بأحوال تلك البلااد التي قدّم رواياتها المتعددة، فعرض لتكويناتها الاجتماعية107إلى جانب عنايته بالأخبار العسكرية، عُني على نحو وثيق بالشؤون الاقتصادية والإدارية، كالعمال المحليين الأوائل، والخراج والجزية وضرب النقود، ما جعله مصدرًا لدراسة التنظيمات التي اتخذها المسلمون في البلااد التي حكموها، كالحديث عن إقطاع الأرض أنهى البلااذري فتوحه بذكر العطاء في خلاافة عمر108، و"أمر الخاتم"109(، وأمر النقود التي توسّع في الحديث عنها، من حيث أصلها وتطوّر ضربها وأنواعها، قائلً: "كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة كبارًا وصغارًا، فكانوا يضربون منها مثق لً"110، و"ضرب عبد الملك شيئًا من الدنانير سنة 72، ثم ضربها سنة 75 "111، و"حدّثني محمد بن سعد عن الواقدي [...] أن عبد الملك بن

يقول الدوري: "وطريقته [البلااذري] في الكتابة هي أن ينتقي المادة بعد الغربلة والنقد، وأن يعطي صورة مقترنة للحوادث مع تجنّب إيراد روايات متعددة حول الحادث، وهو يعتمد كثيرًا على روايات المدينة التي تتصف بالحياد والدقة أكثر من غيرها، كما أنه استفاد بالدرجة الأولى من الروايات المحليّة"112(. أما الغربلة أو الترجيح في الخبر، فهذا يرد عند البلااذري في صيغ عدة، ومن ذلك قوله في إحدى روايات غزو أرمينيا، بعد إيراد بعض الروايات، "وذلك ثبت"113(، أو بخبر أورد روايته، وبعد ذلك يُلغى برواية أخرى ويحكم عليها ابتداء، بقوله: "الخبر الأول أثبت"114(. ولا يفوته أن يُرجّح الخبر المقبول لديه، وهذا ما يستبان في حديثه في أمر "فتوح" الجزيرة في عام 18 ه/ 639 م، وموت خالد بن الوليد، بقوله: "أثبت ما سمعنا"، ثم ينهي الرواية بالقول: "وبعضهم يزعم أنه مات بالمدينة وموته بحمص

يحدثُ الاقتضاب والتوكيد في الحكم على الروايات بعد أن يورد مجموعة منها، ويتميّز البلااذري بدقته وحسّه التاريخي، وبخاصة وهو يصوغ رواية "الفتح" التي ينطوي عليها تضمينات شرعية مهمة، تسند إسنادًا جادًّا ومفصّلً ومبيّنًا، ولعلّ الغرض من ذلك هو

  1. المرجع نفسه، ص 423.
  2. المرجع نفسه، ص 324.
  3. يقول البلااذري: "خرج عمر يُقطع الناس، وخرج معه الزبير، فجعل يُقطع الناس حتى مر بالعقيق". المرجع نفسه، ص 21.
  4. المرجع نفسه، ص 28.
  5. المرجع نفسه، ص 629.
  6. المرجع نفسه، ص 646 - 650.
  7. المرجع نفسه، ص 651.
  8. المرجع نفسه، ص 656.
  9. المرجع نفسه، ص 657.
  10. المرجع نفسه، ص 490.
  11. المرجع نفسه، ص 200.
  12. المرجع نفسه، ص 201. ينظر أيضًا: فتوح السواد، ص 345.
  13. المرجع نفسه، ص 117.
  14. المرجع نفسه، ص 341.

أوضح البلااذري منهجه منذ البداية وأبانه بقوله: "أخبرني جماعة من أهل العلم بالحديث والسير وفتوح البلدان، سُقت حديثهم واقتصرته، ورددت من بعضه على بعض"115(، وهو بذلك يهتدي إلى أسلوب جديد، عبّ عنه بطريقة غير مباشرة، وهو المقابلة بين الأخبار، ويلااحظ أنه، من دون قصد، يُلمح إلى أنّ تطابق الروايات قد لا يكون سبب إجماع على صحتها، بقدر ما يؤدي التنوع في مواردها إلى حقيقة أوثق وخبر أدق؛ لذا كان يحرص على إسناد الرواية بتسلسل دقيق، ويتتبع تسلسلً زمنيًا يصلك بأقرب زمن للرواية، ولا يتوانى في استخدام الشعر على نحوٍ يظهر فيه مُقًِّلًّ وملتزمًا من أجل إكمال رسم الصورة للخبر بعامة116.

خامسًا: يف المصادر

بداية، ينصُّ البلااذري في مقدمة كتابه على مجموعة منوعة من المصادر المتباينة التي نقل عنها بالقول: "أخبرني جماعة من أهل العلم بالحديث والسيرة وفتوح البلدان سُقت حديثهم"117(. وهي هنا مصادر شفوية في بعض الأحيان، عبّ عنها بقوله: "حدثني"، "وقال لي"، أو غيرها من الصيغ المختلفة، وهذه أخبار يكون متأكدًا منها، وثمة أخرى حصل عليها عن طريق المراسلة118(. وفي مثل هذا النوع وغيره من المصادر، لم يأخذ البلااذري دونما نقد، وقد أشار إلى عدم تأكده من صحة الخبر بقوله: "والله أعلم"119. ونصّ في المقدمة على أنه اعتمد الاختصار، وردّ بعض الروايات إلى بعضها الآخر، بقوله: "واختصرت ورددت بعضه على بعض"120. إنّ تنوع مادة " الفتوح " ومصادره جعله يظهر سجلً لتلك الحركات الكبرى التي قام بها العرب تحت لواء الإسلاام؛ ففتوح البلااذري تميز بشموليته الواسعة، وهذا نجده في تقصّ الجند بدقة وموضوعية، وإلقاء الضوء على التفاصيل العملياتية كتحديد المواقع وأسماء القادة وذكر عهود الصلح، فضلً عن تحديد التواريخ وقضايا الخراج والعمران، وما إلى ذلك من مسائل، تجعل من ذلك الكتاب "لا يعلم أحسن منه في الفتوح"، على حد تعبير المسعودي121. يتميز تركيب المادة التاريخية للكتاب بأن مؤلفه كشف فيه عن طريقة مؤرخ له منهجيته وأسلوبه واهتماماته وطرائقه الخاصة به، ويبدو حرصه على الإسناد واضحًا، مستخدمًا عبارة: "قالوا" في مطلع النص قبل تقصّيه الخبر، بإحالة كل رواية إلى مصدرها، وكثيرًا ما يستخدم الإسناد الجمعي ليدل على الاتفاق في الروايات البسيطة122. أما أشهر مصادره التي نقل عنها من أصحاب المؤلفات، فمنهم: الواقدي123(وعلي بن محمد بن عبد الله المدائني124، وبدرجة أقل محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري (ت. 124 ه/ 741 م)125(، وغيرهم، وهو مطّلع، بحكم موقعه في البلااط وعلى مقربة من مركز القرار، على بعض الكتب والمواثيق الخاصة، كقوله في صلح نجران: "فلما استخلف الرشيد هارون أمير المؤمنين وشخص إلى الكوفة

  1. المرجع نفسه، ص 15.
  2. المرجع نفسه، ص 25، 29، 34، 61 - 63، 65، 105، 108 - 109، 185، 251، 253، 261، 318، 349، 390، 416، 428.
  3. المرجع نفسه، ص 8.
  4. المرجع نفسه، ص 193، 201.
  5. المرجع نفسه، ص 97، 167، 183.
  6. المرجع نفسه، ص 9.
  7. المسعودي، ج 1، ص 24؛ 612. p , 2. vol , Becker.
  8. الدوري، ص 50.
  9. البلااذري، فتوح، ص 21، 28، 41، 60، 68، 71، 74، 95، 102، 177، 179 - 180، 189 - 190، 193 - 194، 243، 247، 322، 345، 438 - 439.
  10. المرجع نفسه، ص 21، 24، 26، 60، 249، 276، 279، 298، 308، 319، 322 - 323، 331 - 332، 337، 348، 350، 356، 358، 360، 366 - 367، 375، 377، 450.
  11. المرجع نفسه، ص 27، 31، 68، 70.

قريبًا منها، وهو مجتمع كتّاب الدولة، وهو ما يرد في إشارته الآتية بقوله: "وحدثني من أثق به من الكتّاب"126.

منها، كما يُبيّ الجدول.

الموضوعالصيغة المستخدمةالصفحة
تبوك وأيلة وأذرحوأخبرني بعض أهل مصر79
أمر الجراجمةحردثني مشايخ من أهل أنطاكية163
الثغور الشاميةحدثني مشايخ من أهل أنطاكية وغيرهم168
ملطيةوحدثني بعض أهل منبج195
فتوح أرمينياوأحدثني جماعة من أهل برذعة206
فرتوح السوادونحدثني مشايخ أهل الأنبار247
ذكر تمصير الكوفةورحدثني شيخ من الكوفيين277
وحدثني شيخ من أهل الحيرة284
أاامر واسط العراقوحدثني شيخ من أهل واسط عن أشياخ منهم288
أمر مدينة السلاامومحدثني مشايخ من أهل بغداد293
ويرحدثني بعض المشايخ296
وأخبرني بعض الكريزين269
فمتح قزوينحيميردثني عدة من أهل قزوين317، 318
فتح الموصلقالوا [...] وأخبرني المعافي بن طاوس327
وحدث عن بعض أهل بابغيش328
ورحدثني مشايخ من أهل تكريت328
تمصير البصرةونرحدثني بعض أهل العلم بصياغ البصرة364
وحدثني عدة من البصريين منهم364
ويرحدثني جماعة من أهل العلم303، 351، 381
سأجستان وكابلوأخبرني بعض أهل فارس383
أمرمر الأساورة والزطحدثني جماعة من أهل العلم366
فتوح مصر والمغربقالوا، ويقال، وقال بعض الرواة214، 421، 323، 426
خراسانويقال294، 296

خراسان

يريد الحج، وفَدوا إليه وشكوا تعنتهم، فأمر، فكتب لهم كتاب بالمائتي حلة قد رأيته"127(. كما يظهر أنه استقى معلوماته من فئة كان أخيرًا، لعل اللاافت في مصادر البلااذري اعتماده الملحوظ على أهالي كل منطقة مفتوحة لاستقاء المعلومات المتعلقة بها، وقد ظهر ذلك في أثناء حديثه عن "فتح" مصر وأنطاكية ومنبج والأنبار وغيرها من البلدان، حيث تتعدد صياغته فيها ونصّه بحسب مصادر معلوماته جدول يعرض صيغ البلاذري المختلفة بحسب الموضوع

ويقال 294، 296

المصدر: من إعداد الباحث.

  1. المرجع نفسه، ص 79، 169.
  2. المرجع نفسه، ص 66.

يدلّ تفحص صيغ البلااذري الخبرية السابقة المبنية عن شكل مادته التي أخذها من الأمصار والبلااد التي رحل إليها، على حس مؤرخٍواعٍلما يصل إليه؛ فدقّته تتجاوز رواية الخبر بالطريقة التي وصل إليه الخبر بها مباشرة، إلى تتبعه وتقصّ مصدر ما سمع، كقوله: "وحدثني شيخ من أهل واسط عن أشياخ منهم"128(. ولم يكتف أيضًا بأخذ الخبر عن المدينة التي يقصد تدوين أخبار "فتوحها"، بل كان يستقي أخبارًا من ضياع المدن وأريافها. كما يبدو من الجدول، فإن صيَغ الخبر والنقل الأكثر رواجًا عند البلااذري هي: حدثني، حدثنا، قالوا، أخبرنا وأخبرني، وسمعت، وقال فلاان، ويقال، وحدثني أهل العلم... إلخ، بما يوضح تأثير مدرسة الحديث في البلااذري الذي مارس الإجمال في الروايات، والرواية الواحدة المؤكدة، عن الحدث الواحد، متخلّصًا من الأسانيد التي ما كان ممكنًا إعادتها بعد مرور سنوات طويلة على أمر "الفتوح."

خاتمة

أظهر النظر فيفتوحالبلااذري ملاامح متعددة، عكست أسلوب كاتب الدولة (الديوان) المتابِع أمور الأمصار، والمدقق في التفاصيل، كما نلمس فيه روح الأديب المستشهد بالشعر تارة، واهتمامات الفقيه المسهب في نقل الروايات وأحكام بعض أمور الخراج والحرب تارة أخرى، ولهذا أسبابه وأحكامه المترتبة عليه، التي تعكس ثقافة واسعة عند البلااذري. في مجمل أخبارالفتوح، أراد البلااذري التدليل على أهميتها بصفتها جزءًا من حالة التشكل والتكوين التاريخي لتجربة الأمة، كما أنه تصدى لموضوع واسع ومتشعب؛ ما يُصعّب جدًا تناوله بصورة متوازنة، وخصوصًا لمن كان في موقع البلااذري، بانصرافه إلى أمور تأخذ جزءًا كبيرًا من وقت الكتابة عنده، خلاافًا للطبري مثلًالذي زهد في المناصب ووجد في وقته رحابة. وإضافة إلى ذلك، فإن لكتاب الفتوح فرادة في اختيار موضوعه، فنجد البلااذري محيطًا بالتفاصيل التي جاءت منظمة؛ ما جعله متفوّقًا على أسلاافه في هذا المجال، وجعل معاصريه أو أسلاافه يلجؤون إلى الكتابة عن "فتح" مِصرٍ مُحددٍ في اهتماماتهم، فانصرفوا في مدى إقليمي ضيق عند كتابتهم التاريخية.

  1. المرجع نفسه، ص 288.
  2. المرجع نفسه، ص 364.

المراجع

References

العربية

ابن خلكان، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر أبو العباس. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار الثقافة، 1968 - 1972.

ابن عبد الحكم، عبد الرحمن بن عبد الله. فتوح مصر وأخبارها. تحقيق س. س توري نيوهافن. القاهرة: دار التعاون، نسخة مصورة. ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن. تاريخ مدينة دمشق. دمشق: دار الفكر، 1995.

البحتري، الوليد بن عبيد. ديوان البحتري. تحقيق حسن كامل الصيرفي. ط 2. القاهرة: دار المعارف، 1963.

بروكلمان، كارل. تاريخ الأدب العربي. تحقيق عبد الحليم النجار ورمضان عبد التواب. ط 5. القاهرة: دار المعارف، 1977.

البصري، الأزدي محمد بن عبد الله. كتاب فتوح الشام. تحقيق عبد المنعم عامر. القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1970.

البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز. سمط اللآليي في شرح أماليي القاليي. تحقيق عبد العزيز الميمني. بيروت: دار الكتب العلمية، نسخة مصورة عن نسخة دار الكتب العلمية 1935.

البلااذري، أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر. فتوح البلدان. عني بضبطه رضوان محمد رضوان. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، [د.ت.].._______ جمل منأنساب الأشراف. الجزء الأول. تحقيق محمد حميد الله. القاهرة: دار المعارف، 1959.

._______ جمل منأنساب الأشراف. الجزء الثالث. تحقيق محمد باقر المحمودي. بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1977.

._______ جمل منأنساب الأشراف. الجزء الرابع. تحقيق عبد العزيز الدوري. بيروت: جمعية المستشرقين الألمان، 1978.

._______ جمل منأنساب الأشراف. الجزء الخامس. تحقيق إحسان عباس. بيروت: جمعية المستشرقين الألمان 1978 - 2000. الحوفي، أحمد محمد. الطبري. القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1963.

الخالدي، طريف. فكرة التاريخ عند العرب من الكتابة إلى المقدمة. بيروت: دار النهار، 1997.

الدوري، عبد العزيز. بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب. ط 2. بيروت: دار المشرق، 1993.

الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان. سير أعلام النبلاء. تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرناؤوط. ط 11. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.

روبنسون، جيسي. البلاط والمجتمع الإسلامي وعلم التاريخ: دراسة في سسيولوجيا الكتابة التأريخية عند المسلمين. تعريب وتقديم وتعليق عبد الجبار ناجي. بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2014.

روزنثال، فرانز. علم التاريخ عند المسلمين. ترجمة صالح أحمد العلي. ط 2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1983.

الرومي، ياقوت الحموي. معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار الغرب الإسلاامي، 1993. زيدان، جرجي. تاريخ آداب اللغة العربية. بيروت: مكتبة الحياة، [د. ت.]. سليم، رضوان. نظام الزمان العربي: دراسة في التاريخية العربية الإسلامية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006. الشرباصي، أحمد. "'البلااذري' صاحب كتاب فتوح البلدان." مجلة الوعي الإسلامي (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاامية، الكويت.) السنة 4، العدد 43 (رجب 1378 ه - أيلول/ سبتمبر 1968 م.)

العجلي، أحمد بن عبد الله بن صالح أبو الحسن. معرفة الثقات. تحقيق عبد العظيم عبد العليم. المدينة المنورة: مكتبة الدار، 1985. العمد، إحسان. "البلااذري، أحمد بن يحيى". رسالة (غير منشورة) أعدت لنيل الماجستير. جامعة الكويت. 1978. ابن النديم، محمد بن إسحاق. الفهرست. بيروت: دار المعرفة، 1972.

كاتبي، غيداء خزنة. أوليات الفتوح: حروب الردّة في الإسلام. بيروت: دار المدار الإسلاامي، 2009. الكتبي، محمد بن شاكر. فوات الوفيات والذيل عليها. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار الثقافة، [د.ت.]. مارغليوث، د. س. دراسات عن المؤرخين العرب. ترجمة حسين نصار. بيروت: دار الثقافة، [د. ت.]. المسعودي. علي بن الحسن. مروج الذهب ومعادن الجوهر. تحقيق شارل بالّ. بيروت: دار المعرفة، 1979. المشهداني، محمد جاسم. موارد البلاذري عن الأسرة الأموية في أنساب الأشراف. مكة المكرمة: مكتبة الطالب الجامعي، 1986. مصطفى، شاكر. التاريخ العربي والمؤرخون. بيروت: دار العلم للملاايين، 1983. مصطفى، محمود. إعجام الأعلام. بيروت: دار الكتب العلمية، 1983.

الواقدي، محمد بن عمر. فتوح الشام. بيروت: المكتبة الشعبية، [د. ت.].

الأجنبية

Bakhit, Muhammad - Adnan (ed.). Proceedings of the Second Symposium on the History of Bilad al-Sham.

Amman: University of Jordan, 1987.

Gobb, Baul (ed.). The Lineaments Of Islam: Studies in Honar of Fred McGraw Donner. vol. 85: Islamic History

and Civilization. Leiden: Bril, 2012.

Houtsma, Martijn Theodoor et al. (eds.). Encyclopedia of Islam. Leiden/ London: E.J. Brill, 1979.

Keaney, Heather N. Medieval Islamic Historiography: Remembering Rebellion. New York: Routledge, 2013.

Lewis, Bernard & P. M. Holt. Historians of the Middle East. Oxford: Oxford University Press, 1962.