Return to Article Details Review of Dhofar: The Monsoon Revolution: Republicans, Sultans and Empires in Oman (1965-1976)

مراجعة كتاب

Review of Dhofar: The Monsoon Revolution: Republicans, Sultans and Empires in Oman (1965-1976)

أمل غزال

الملخّص

المؤلف: عبد الرزاق التكريتي. المترجم: أحمد حسن المعيني. الناشر: بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع. تاريخ النشر: 2019. صفحات: 431 صفحة.

Abstract

Author: Abdul Razzaq Al-Tikriti. Translator: Ahmed Hassan Al-Moini. Publisher: Beirut: Jadawel for Publishing, Translation and Distribution. Year of publication: 2019. aaPages: 431 pages.

الكلمات المفتاحية:
  • سلطنة عمان
  • ثورة
  • الاستعمار
  • ثورة ظفار
Keywords:
  • Oman
  • Colonialism
  • Dhofar Rebellion
  • Revolution
أمل غزال | Ghazal *Amal
مراجعة كتاب ظفار: ثورة الرياح الموسمية: الجمهوريون
والسلاطين والإمبراطوريات في عُمن (1965 - 1976)
Review of Dhofar: The Monsoon Revolution:
Republicans, Sultans and Empires in Oman (1965 - 1976)
المؤلف: عبد الرزاق التكريتي.
المترجم: أحمد حسن المعيني.
عنوان الكتاب: ظفار: ثورة الرياح الموسمية: الجمهوريون والسلااطين والإمبراطوريات في عُمن (1965 - 1976.). Dhofar: The Monsoon Revolution: Republicans , Sultans and Empires in Oman (1965 - 1976) العنوان الأصلي:
الناشر: بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع.
سنة النشر: 2019.
عدد الصفحات: 431 صفحة.

العقود الراديكالية: ثورة ظُفار يف تاريخ العرب الحديث

كان عبد الرزاق التكريتي طالب ماجستير في جامعة يورك في تورنتو [كندا]، وكنتُ زميلة ما بعد الدكتوراه في جامعة تورنتو حينما التقينا المرة الأولى. أطلعني على اهتمامه بثورة ظُفار، وكنت قد أكملت لتوّي رسالتي عن تشكيل الهوية العربية للنخبة العمانية في زنجبار تحت الانتداب البريطاني. تحدّثنا بإيجاز عن الصعوبات التي لا تزال تواجه البحث العلمي عن ثورة ظفار في عمان، في ظل نوع من "تحريم" البحث عنها رسميًا. أكمل الباحث مشواره العلمي في جامعة أكسفورد، حيث أعدّ أطروحته عن ثورة ظُفار ونشرها كتابًا في عام 2013 أعاد إحياء إرث ثورة ظُفار (1965 - 1976)، وسلّط الضوء على الظُفاريين ونضالهم. شكّلت تلك الثورة كفاحًا مسلّحًا نموذجيًا في سياق مناهضة الاستعمار، وحملت رمزية اليسارية الثورية وارتباطها بالكفاح السياسي للقومية العربية، وحظيت أخبارها باهتمام واسع يومئذ في البلدان العربية، ولا سيما في المشرق العربي. يؤرّخ كتاب ظفار: ثورة الرياح الموسمية: الجمهوريون والسلاطين والإمبراطوريات في عُمان (1965 - 1976) هذا الفصل المهمّ من التاريخ العربي الحديث. هو الدراسة المعمّقة والمنهجية الأولى عن الثورة، ويعتبر من حيث دقّته التحليلية وثراء المحتوى عمل عن هذا الموضوع لا مثيل له. يحدّد الكتاب موقع الثورة في التاريخ العربي الأوسع في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، ويعالجها بصفتها جزءًا من التاريخ العالمي لمناهضة الاستعمار والنزعة اليسارية الثورية التي تتّسم بروح [مؤتمر] باندونغ1 والروابط بين بلدان الجنوب. ويعكس عنوان الكتاب الأبعاد المنهجية والفكرية لهذا العمل الذي تر دُ فيه "الرياح الموسمية" بوصفها مجازًا يعبّ عن شبكةِ العلااقات عبر المحيط الهندي (وما وراءه) والتطوّرات الإقليمية التي أدت إلى اندلاع ثورة ظُفار. لا يكتفي الكتاب بسرد فصل من التاريخ العربي فحسب، ولكنه يسلّط الضوء على الأهمية السياسية والفكرية لعُمان في هذا التاريخ، وهي منطقة لا تزال مهمّشة في سرديات التاريخ العربي الحديث. فتحليل ثورة ظفار في هذا الكتاب، برجالها ونسائها، وبنجاحاتها وإخفاقاتها، يعيد تأطير كتابة التاريخ العُماني الحديث بطريقة لا ترتكز على محور الفرد الواحد والمتمثل هنا بالسلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، على عادة الدراسات عن عمان في العصر الحديث. صدر الكتاب في أعقاب الانتفاضات العربية، ولم يكن من الممكن أن يصدر في وقت أكثر ملااءمة من ذلك. وقد جاء للتذكير بأن الانتفاضات العربية الأخيرة هي جزء من سلسلة انتفاضات وثورات متتابعة شهدها العالم العربي. فروح التحليل وأسلوبه في الكتاب لا يقومان فقط بتكريم الإرث الثوري للظُفاريين بل يربطان ربطًا غير مباشر أيضًا اللحظةَ الثورية المعاصرة بلحظات مماثلة من الماضي؛ إذ تحدّت كل من الانتفاضات المعاصرة وثورة ظُفار بُنى سلطات مماثلة، سعت بدورها لنزع الشرعية عن القوى الثورية وعملت على قمعها. يتمثل هذا باستنتاج المؤلف "أن ما كشفه هذا الكتاب هو أن آمال الماضي التي لم تتحقق تظل باقية" (ص. 401). وفي مسعى لتأكيد العمق الثوري لثورة ظُفار، يشير المؤلف إلى نقطة مهمة، من خلاال وصف التطورات التاريخية بين عامَي 1965 و 1976 بأنها "ثورة" وليست تمرّدًا أو انتفاضة. وهو هنا يحذّر من تعريف الثورة بناء على النتائج، وليس في ضوء التحولّات والتغييرات ذات الطابع الثوري التي تلاازم الأحداث. إضافة إلى ما سبق، فهو يعتمد على الاختلاافات المفاهيمية في استخدام كلمة ثورةبين اللغتين العربية والإنكليزية؛ إذ لم تكتفِ الجهات المناضلة ومؤيدوها بتعريف ما قاموا به بأنه ثورة، بل فعلوا ذلك أيضًا لمواجهة عملية نزع الطابع الشرعي عن نهج ثوري كما فعلت حينها سلطنة عمان وحلفاؤها لتصوير الثورة على أنها تمرّد. ومن ثمّ، فإن الثورة ليست مجرد مصطلح وصفي، بل هي مصطلح يضفي الشرعية على معارضة الحكم السلطاني وأهدافه.

  1. عقد مؤتمر باندونغ في إندونيسيا في نيسان / أبريل 1955، وشاركت فيه وفود 29 دولة أفريقية وآسيوية. وشكّل النواة الأولى لنشأة حركة عدم الانحياز. أما الأهداف المعلنة للمؤتمر، فشملت تعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي بين القارتين الأفريقية والآسيوية، ومناهضة الاستعمار. (المترجمة)

الكويت يف الثورات العربية

يقدّم الفصلاان الأول والثاني من الكتاب خلفية للعلااقة المتشابكة بين فرض السيادة البريطانية في عُمان وتأكيد سلطة السلطان على عُمان. وقد تحقّق ذلك من خلاال التدخّل العسكري البريطاني في عام 1958 الذي وضع حدًّا لحركة الإمامة2 التي كانت تتحدّى سلطة السلطان سعيد بن تيمور. وفي هذه الأثناء، كان السلطان يُخضع محافظة ظُفار لسلطته الكاملة. وقد أدّت سياساته الاقتصادية والاجتماعية القاسية وتوغّل الدولة غير المسبوق في المحافظة إلى إقصاء الظُفاريين والتسبّب في شعورهم بالعزلة. وقد مهّد الفصلاان الأولان للسياق التاريخي الواسع للثورة الذي صاغته السياسات السلطانية تجاه ظُفار، في حين يتم سرد حكاية الثورة المباشرة في الفصل الثالث، حينما غادر الظُفاريون ظُفار في خمسينيات القرن الماضي، بحثًا عن عمل في منطقة الخليج. ترسي هذه الزاويةُ التاريخية أسس نشأة الثورة ضمن التحولّات الإقليمية الناجمة عن الاقتصاد النفطي والتغييرات التي طرأتْ على أسواق العمل، إضافة إلى المناخ السياسي المشحون للغاية في العالم العربي بصعود الناصرية وبالتفاعل الإقليمي مع القضية الفلسطينية. وشهد الظُفاريون الذين يبحثون عن عمل في الكويت الغنية بالنفط تداعي السياسة الإقليمية عن كثب في منطقة الخليج العربي عمومًا وفي الكويت خصوصًا التي أصبحت حينها مركزًا للناشطين الفلسطينيين والقوميين العرب، وكثير منهم يساريون، ومركز نشاط ثقافي وسياسي وترابط بين النخب السياسية في منطقة الخليج العربي. بعد اندلاع حرب السويس في عام 1956 وما أعقبها من نتائج، أصبح الناشطون في الكويت، وبقية العالم العربي أيضًا، أكثر راديكالية على الصعيد السياسي، ومن بينهم عمال ظفاريون في الكويت: "ومنذ تلك اللحظة ارتبطت أقدار الحركة الظُفارية ارتباطًا وثيقًا بالثوار القوميين على النطاق العربي الأوسع" (ص. 90). يوضّ ح المؤلف تلك الصلاات، من خلاال التركيز على تأثير الإذاعة المصرية صوت العرب3(في تثوير العرب من خلاال أربع نقاط أيديولوجية: القومية العربية، ومناهضة الاستعمار، والاشتراكية الثورية، والنظام الجمهوري (ص. 86) إن تسليط الضوء على الدور المحوري للكويت في تغذية النزعة الراديكالية لدى الظُفاريين، وأهمية ذلك البلد في الأوساط الثورية واليسارية، ومشهدها الثقافي النابض بالحياة، لا يحدد موقع الثورة في سياق إقليمي فحسب، بل يجعل منطقة الخليج مركزية في عملية التأريخ العربي الحديث. وتتمثل هذه المركزية بإحدى الشخصيات التي تربط الكويت بشبكة أوسع من القوميين واليساريين العرب، أحمد الخطيب، وهو طبيب كويتي درس في الجامعة الأميركية في بيروت، ويعتبر في عداد النواة المؤسسة لمنظمة الشباب القومي العربي التي ستعرف لاحقًا بحركة القوميين العرب4. إن صلاات الخطيب بالثوار الفلسطينيين، مثل جورج حبش (1926 - 2008) ووديع حدّاد (1927 - 1978)، وكان الثلااثة أعضاء في دائرة قسطنطين زريق (1909 - 2000) الذي أدى في البداية دور مرشد قومي أيديولوجي للنواة المؤسسة لحركة القوميين العرب الوليدة، دفعت بالكويت لتكون في قلب الأوساط الثورية القومية العربية في ذلك الوقت. وهكذا أصبحت الكويت حاضنة للقوميين العرب والحركات اليسارية في منطقة الجزيرة والخليج العربي.

  1. إمامة عُمان هي دولة نشأت في المنطقة الداخلية من سلطنة عُمان الحالية، بدءًا من الجبل الأخضر، وعاصمتها نزوى. كان يحكمها إمام عُمان الإباضي. وفي عام 1958، استولت القوات السلطانية على مدينة نزوى وأنهت حكم الإمامة.
  2. إذاعةصوت العربهي إذاعة مصرية تبث من القاهرة تأسست في عام 1953. وكانت أولى الإذاعات المصرية وأشهرها وقد بثّت لجميع أقطار العالم العربي باللغة العربية. اشتهرت الإذاعة بوصفها وسيلة رئيسة استخدمها الرئيس المصري جمال عبد الناصر لبث خطاباته للبلدان العربية. (المترجمة)
  3. تسلّط الدراسة الأخيرة للتكريتي عن الخطيب مزيدًا من الضوء على أهمية دور الكويت في التاريخ السياسي والفكري الحديث. يُنظر الفصل الرابع وعنوانه: Abdel Razzaq Takriti, "Political Praxis in the Gulf: Ahmad al - Khatib and the Movement of Arab Nationalists, 1948 - 1969 ," in: Jens Hanssen & Max Weiss (eds). Arabic Thought against the Authoritarian Age: Towards an Intellectual History of the Present (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), pp. 86 - 112.

ثورة ظُفار ومركزية فلسطين

ما زلنا في حاجة إلى دراسات تحليلية عن مركزية القضية الفلسطينية في تشكيل التاريخ السياسي العربي والشبكات السياسية في جميع أنحاء العالم العربي. يقدّم لنا المؤلف هنا عيّنة نحن في أمس الحاجة إليها، ويوضّ ح كيف بلورت القضية الفلسطينية، من خلاال منظور الثورة الظُفارية، حركات وتطلّعات ثورية. فعلى سبيل المثال، تأثّر الخطيب، في أثناء وجوده في بيروت، برؤية زريق للقومية العربية التي عبّ عنها في كتابه، معنى النكبة (1948)، الذي حدّد فيه ردات الفعل التي على العرب تبنّيها في مواجهتهم للصهيونية والإمبريالية. وقد ألهم زريق، وهو منظّر بارز للقومية العربية، الخطيب الذي عاد إلى الكويت لتجنيد قوميين عرب تحت مظلة حركة القوميين العرب. وقد أدى لقاء جورج حبش بمحمد أحمد الغساني، وهو زعيم الجمعية الخيرية الظُفارية، إلى التواصل مع الخطيب؛ وهو الأمر الذي أدى بدوره في النهاية إلى دمج الجمعية في حركة القوميين العرب. ثم أصبحت المسألة الظُفارية جزءًا من نضال حركة القوميين العرب "ما يستتبع تحقيق الوحدة العربية وطرد الاستعمار، وتحرير فلسطين، وبالتالي، إنشاء مجتمع عربي قومي" (ص. 92). إذًا، كان تشكيل جبهة تحرير ظُفار في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1964 لوضع حدّ للحكم السلطاني استجابة محلّية مرتبطة بمخاوف أوسع تشمل العالم العربي. وقد أنهكت هزيمة عام 1967 حركةَ القوميين العرب، وأدّت إلى ظهور الحركات الماركسية اللينينية التي أرادت مواجهة الهزيمة بالنضال المسلّح في جميع أنحاء العالم العربي، يلهمهم الجو الإقليمي الثوري الذي ولّدته المقاومة الفلسطينية مع تصميم على توجيه الثورة نحو النضال الاجتماعي إضافة إلى النضال ضد الإمبريالية (ص. 104)؛ ما أدى إلى حل جبهة تحرير ظُفار، وإنشاء الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل. وهكذا اعتبُر تحرير الخليج ووحدته خطوة نحو الوحدة العربية وتحرير فلسطين. وبذلك تبيّ تفاصيل الثورة الظُفارية كيف أنشأت القضية الفلسطينية تاريخًا جمعيًا للعرب، نتتبع من خلااله الشبكات والاتصالات العابرة للحدود، والتي دارت جميعها في فلك القضية الفلسطينية أو تأثرت بها؛ ما جعل مواقع بعيدة نسبيًا جغرافيًا مثل ظُفار (وزنجبار أيضًا) مرتبطة على نحوٍ وثيق بمراكز السياسة العربية. وهكذا، كانت الموضوعات الفلسطينية موجودة في المنشورات الثورية الظُفارية التي كانت تبُرز أيضًا باستمرار الأصوات الفلسطينية. ومثلما يوضّح المؤلف، لم يكن ربط ثورة ظُفار بالقضية الفلسطينية التزامًا بفلسطين فحسب، بل كان أيضًا سعيًا وراء الشرعية. وما ينطبق على ثورة ظُفار ينطبق في جميع المجالات. كان على جميع الطرق الثورية في العالم العربي أن تمر عبر فلسطين.

الثوري يف الثورة

إن تأكيد المؤلف على الحاجة إلى الإشارة إلى ما سعى الظُفاريون لتحقيقه بوصفه "ثوريًا" تم وضعه في سياقه في الفصليَن الخامس والتاسع من الكتاب؛ إذ يقدّم الفصلاان تفاصيل عن التدابير الثورية التي اتخذت والتغييرات التي طرأت في إثر اندلاع ثورة ظُفار، مع سعي الثوار المنضوين تحت لواء الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل لتطبيق مبادئهم. وبفضل انتصار جبهة التحرير الوطني في جنوب اليمن وبدعم صيني للثورة، سعى الثوار الظُفاريون لاجتراح تغييرات جذرية في مجتمعهم. وشمل ذلك مواجهة القبلية وبناها، والسعي لتحرير النساء وتحقيق المساواة. كانت القبلية في المجتمع الظُفاري تُعدّ عقبة أمام التحرّر من الاستعمار، وتعرقل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أنشأ الثوار تعاونيات زراعية في محاولة منهم لوضع حدّ للملكيّة القبَلية للأراضي والمياه، وحظروا الخلاافات القبَلية والهجمات الثأرية. وقد

تصدّى لهذه التدابير جيل قديم مرتبط بالتقاليد، يمثّله شيوخ العشائر الذين رأوا سلطتهم مهدّدة. ومع ذلك، لم يكن في إمكان الشيوخ إحكام قبضتهم على المجتمع الظُفاري؛ ما أتاح للثوار إحراز نجاح ملموس. كمن التحدّي الرئيس، الذي واجه الوضع القائم، في المراسيم الصادرة بشأن شؤون الأحوال الشخصية التي تهدف إلى تحدّي العادات السائدة في ما يتعلّق بالنساء وأدوارهن. وكان الثوار الظُفاريون يؤمنون بأن النساء يتعرضّ ن للقمع المزدوج في الخليج، بحكم انتمائهن إلى الطبقة العاملة ولكونهن نساء. صدرت مراسيم لجعل الطلااق مُتاحًا، وتنظيم المهور، والسماح بالزواج بين الطبقات. وجرى إدخال التعليم الإلزامي للفتيات، والترحيب بالنساء بوصفهن مقاتلاات عسكريات. لكنّ عملية تحرير النساء الظُفاريات بقيت منقوصة في ظل المقاومة التي واجهها الثوار على تلك الجبهة. لم تكن السياسات والمراسيم هي الوسيلة الوحيدة التي كانت الثورة، من خلاالها، تؤكد طابعها اليساري التقدّمي. فقد شكّل الإنتاج الثقافي اليومي وجهًا آخر لتلك السمة؛ إذ نشرت المسرحيات السياسيّة، والعروض المسرحيّة، والإذاعة، والصوّر الفوتوغرافية، الأفكارَ والمصطلحاتِ الثورية. ولم يكن الظُفاريون المساهمين الوحيدين في هذا الإنتاج الثقافي؛ إذ التحق فنانون وكتاب من مختلف أنحاء العالم العربي بهذا المشروع. وكانت النتيجة عملية تعريب شهدتها ظُفار، وانتشرت عملية محو الأمية باللغة العربية، بهدف الاندماج في المجال الثقافي العربي الأوسع. وتثبت عملية ذكر تفصيلاات التدابير المتّخذة، والتي كانت تُعَدّ ثورية، وجهةَ نظر المؤلف القائلة بأنه حتى لو لم تكن النتيجة النهائية للثورة ثورية، فإن العملية في حدّ ذاتها كانت كذلك. فقد كانت أيضًا عملية جمْعية ساهم فيها غير الظُفاريين؛ ما أكّد الأبعاد الإقليمية لهذه الثورة. لكن عدم اكتمال اجتراح ثورة في المجتمع الظُفاري يشير إلى الصعوبات والتحدّيات التي لا يمكن التغلّب عليها، والتي واجهتها القوى التقدمية اليسارية (حينئذ واليوم.)

تاريخ العرب الحديث وإشكالية المصادر

تتضمّن مصادر عديدة تاريخ ثورة ظُفار، وهذه المصادر متنوّعة تنوعّ الجهات الفاعلة المختلفة المعنية بها: البريطانيون، والنظام السلطاني، والعرب غير الظُفاريين، فضلً عن القوى الإقليمية. ومع ذلك، فإن ما يظهر في هذا الكتاب هو إشكالية في المصادر بسبب عوامل ثلااثة. الأول هو إحجام العديد من العُمانيين المشاركين في الثورة عن المساهمة في تدوين تاريخها الشفهي؛ وذلك لأسباب مختلفة، بما في ذلك تفاهم أو مصالحة جرى التوصّل إليها مع السلطان قابوس. أما العامل الثاني، فهو عدم إمكانية الوصول إلى مواد الأرشيف العُماني المتعلّقة بالثورة. ويعكس هذا حالة الأرشيفات الرسمية في العالم العربي؛ إذ تفرض أنظمة الحكم التكتّم على الأرشيف، خوفًا من ظهور سرديات بديلة أو منافسة للروايات الرسمية5. في حين يكمن العامل الثالث في الاعتماد الحتمي على المواد الأرشيفية البريطانية. ويستخدم المؤلف مجموعة متنوّعة من المصادر، بما في ذلك المقابلاات مع الثوار والمنشورات العربية بكل أنواعها. ومع ذلك، ليس هناك من شك في أن المواد الأرشيفية البريطانية تهيمن على بعض عناصر التحليل، خاصة في ما يتعلّق بالعلااقات البريطانية - السُلطانية، والحكم السلطاني وسياساته. إن اعتماد المؤلف على الأرشيفات البريطانية أمر مفهوم ومبرّر، لكن كان في إمكانه توخّي مزيد من الحذر في استخدامها. صحيح أنه ما من شك في أن هناك تحالفًا بريطانيًا - سلطانيًا و/ أو تقاربًا بشأن العديد من القضايا، وأن السلطان سعيد كان حاكمًا مستبدًّا اضطلعت نزعته المحافظة وتواطؤه مع البريطانيين بدورٍ في إشعال ثورة ظُفار، إلا أنه كان لا بد

  1. طرح آفي شلاايم Shlaim Avi مسألة غياب المصادر الأرشيفية في مؤلفه عن حرب عام 1948 ينظر:. Avi Shlaim, "The Debate about 1948 ," International Journal of Middle East Studies , vol. 27 , no. 3 (August 1995), pp. 287 - 304.

من اعتماد قراءة أكثر تأنّيًا ونقديّة للتقارير البريطانية التي تتعلّق بسياساته وآرائه. فلاا تُعَدّ التقارير البريطانية مصادر سلطانية ولا تحل مكانها من ناحية، وعادة ما تتّسم بلهجة متعالية تميّز العلااقة بين المسؤولين الاستعماريين وأولئك الذين يُعَدّون أنهم يتصرّفون بالنيابة عنهم، من ناحية أخرى. وما فكّر فيه المسؤولون البريطانيون وفهموه ووصفوه من منظور السياسات السلطانية لم يكن يعكس بالضرورة الواقع بدقّة. وهذا لا يعفي السلااطين العُمانيين، أكان سعيد بن تيمور أو قابوس، من مسؤولياتهما أو مساءلتهما تجاه الحالة التي كانت قائمة في عُمان، بل هو دعوة لممارسة قدر من الشك لدى التعامل مع المصادر الاستعمارية، وعدم إغفال التحيز المتأصّل فيها. وينطبق الأمر نفسه على أدب الرحلاات الغربي بشأن عُمان في ظل حكم السلطان سعيد. وفي الفصل التاسع، يستمدّ المؤلف أساسًا توصيفه للموقف السلطاني تجاه المسائل الثقافية من أدب الرحلاات. وعلى الرغم من أن هذه المصادر تعزّز الصورة العامة المتّفق عليها للسلطان المطلق المحافظ، فإن الحذر منها وعدم التسليم بها واجب.

زنجبار: الحلقة المفقودة

يسرد المؤلف تاريخًا إقليميًا لثورة ظُفار، ويذكر مراكز الثقل المختلفة التي بلورتها تلك الثورة، ولكنه يستثني زنجبار من الصورة، على الرغم من أنها كانت جزءًا لا يتجزأ من الخريطة الفكرية والسياسية العربية، بعد أن انخرطت منذ أواخر القرن التاسع عشر في الأوساط العروبية (ولاحقًا القومية العربية) وتلك المناهضة للااستعمار حتى انقلااب عام 1964 التي أنهت الحكم العُماني للجزيرة. تبرز زنجبار بوضوح على الخريطة الفكرية والسياسية للرياح الموسمية، وترتبط بمفاصلها المختلفة. عرّفتها النخبة العُمانية في زنجبار بكونها دولة عربية وبلورت هوية عربية للجزيرة. وتشكّل علااقة زنجبار بعمان ملاامح مهمة وأساسية من تاريخ عمان السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي؛ إذ أبقى العُمانيون في كل من عمان وزنجبار على التاريخ المشترك والمتشابك وبقيتا تعتمدان الواحدة على الأخرى6. وقد جرت العادة أن تجري مناقشة الشؤون العُمانية بصفة جمعية، وكان العُمانيون في زنجبار، والذين غالبًا ما يكونون قد تلقّوا تعليمًا عاليًا وتربطهم علااقات وثيقة بالدوائر الفكرية العربية الأوسع، يعبّون عن آرائهم بصورة منتظمة. ويثير غياب الدور الزنجباري، في حكاية الثورة الظُفارية وفي تحليل عصر حكم سعيد بن تيمور، التساؤلَ عن السبب خاصة أن العُمانيين من زنجبار كانوا ناشطين جدًّا في القاهرة، في الأوساط القومية العربية على وجه الخصوص، وكانوا في حوار دائم مع الُعمانيين من مختلف الانتماءات. علااوة على ما سبق، بدأت هجرة العُمانيين من زنجبار عائدين إلى عُمان على أثر انقلااب عام 1964 بقيادة الأوغندي جون أوكيلو، ليكونوا في عام 1965 مع موعد انطلااق الرصاصة الأولى للثورة. بالنظر إلى كل ما سبق، يتساءل المرء عن موقع الناشطين والمثقفين العُمانيين الزنجباريين في هذه السردية، وإذا ما كان استبداد سعيد الثقافي لم يشهد معارضة له أو تحولّات من خلاال هذه التفاعلاات كلّها7. صحيح أن المصادر التي تتناول هذا الموضوع ليست وفيرة، خاصة في ما يتعلق بالروابط الزنجبارية - العُمانية بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا يعيدنا إلى مشكلة المصادر وما قد تتسبّب فيه من إغفالات في الروايات التاريخية. فقد كانت هناك قوى واتجاهات في عمان، مثل تلك التي قد تلخّصها التفاعلاات الزنجبارية - العُمانية، والتي كان من الممكن أن تتحدّى المنظورات البريطانية والسلطنة.

  1. Amal Ghazal, Islamic Reform and Arab Nationalism: Expanding the Crescent from the Mediterranean to the Indian Ocean (London/ New York: Routledge, 2010).
  2. يُبيّن عمل [الباحثة في الأنثروبولوجيا ودراسات الشرق الأدنى] ماندانا لمبرت Limbert Mandana الأخير عن العروبة في جنوب شبه الجزيرة العربية، التفاعلَ المستمر بين الطرفين والمفاهيم البديلة للهوية العربية التي نجمت عن هذا التفاعل. يُنظر: Mandana Limbert, "Caste, Ethnicity, and the Politics of Arabness in Southern Arabia," Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 34 , no. 3 (2014), pp. 590 - 598.

خلاصة

لا تضعف أي من القضيتين المذكورتين سابقًا، أي أسلوب الاعتماد على الأرشيف البريطاني وغياب البُعد الزنجباري، من قيمة المساهمات العديدة التي يقدّمها هذا الكتاب للتاريخ العربي الحديث، وبصورة أكثر تحديدًا لتاريخ اليسار العربي والقومية العربية. باختصار، لقد نجح المؤلف في كتابة تاريخ ثورة ظُفار، بوصفه تجسيدًا للتاريخ العربي، من خمسينيات القرن العشرين وصولً إلى سبعينياته. يلخّص تحليله للثورة التطوّرات والتحولّات المختلفة التي شهدها العالم العربي، خلاال أحد أكثر العصور راديكالية من الناحية السياسية. فيلتقط رصده الدقيق لتقلّبات الثورة ومساراتها المختلفة آمال جيل ثوري عربي، وهو جيل لم يُكتب إرثه بالكامل بعد. يبيّ كتاب ظفار: ثورة الرياح الموسمية لعبد الرزاق التكريتي أفضل السبل للقيام بهذه المهمة.

المراجع

Ghazal, Amal. Islamic Reform and Arab Nationalism: Expanding the Crescent from the Mediterranean to the

Hanssen, Jens & Max Weiss (eds). Arabic Thought against the Authoritarian Age: Towards an Intellectual History

Limbert, Mandana. "Caste, Ethnicity, and the Politics of Arabness in Southern Arabia." Comparative Studies of

Shlaim, Avi. "The Debate about 1948." International Journal of Middle East Studies. vol. 27 , no. 3 (August 1995).

References

Indian Ocean. London/ New York: Routledge, 2010.

of the Present. Cambridge: Cambridge University Press, 2018.

South Asia. Africa and the Middle East. vol. 34 , no. 3 (2014).