هشام جعيط والتأسيس لأنوار عربية
Hichem Djaït and the Foundations for Arab Enlightenment
الملخّص
تتناول الدراسة جوانب من الروح الأنوارية في أعمال هشام جعيط، وتنظر إليها باعتبارها تشكّل أفقًا في التأسيس لأنوار عربية. ونفترض أن جوانب مهمة من قوة هذا الأفق تتمثل في التفاعل الإيجابي والنقدي الذي مارسته أعماله مع ميراث الأنوار ومكاسبه الفكرية والاجتماعية، إضافة إلى أشكال استحضاره مختلف التحديثات والأسئلة المطروحة اليوم في ثقافتنا ومجتمعنا. تعلّم جعيط من الروح النقدية الأنوارية لزوم المغامرة وضرورتها في التاريخ. إنه يقبل الخلاص الممكن، لكنه لا ينى التناقض الأكبر بين الله والعالم، والأبدية والعدم. وهو ينجح في بناء تصوراته الفكرية والتاريخية بكثير من الاحتياط، ولا يقبل الحلول السهلة. وقد حاول في كثير من أعماله استيعاب لغة المطلق الدينية باعتبارها جزءًا من التاريخ العام الذي يُفترض فيه حصول المساعي الإنسانية الهادفة، بلغاتها وحساسياتها المختلفة، إلى فهم الإنسان والعالم في أبعادهما المختلفة.
Abstract
The study explores aspects of the ‘spirit of enlightenment’ in the works of Hichem Djaït, considering them an essential foundation for an Arab enlightenment. The strength of this foundation lies in the positive and critical interaction of Djaït’s works with the intellectual and social legacy of enlightenment in addition to his evocation of contemporary issues in culture and society. Djaït learned the necessity of adventure from the enlightened critical spirit. He accepts the possibility of salvation but does not disregard the greater contradiction between God and the world, eternity and finitude. He successfully constructs his intellectual and historical perceptions with rigorous precaution, refusing to adopt easy solutions. In many of his works, he seeks to understand the religious language of the absolute as part of the world history as navigated by all kinds of humans, in order to understand the different dimensions of humanity and the world.
- هشام جعيط
- النهضة
- الحداثة
- الوعي بالذات
- الأنوار
- Hichem Djaït
- Self-Awareness
- Modernity
- Enlightenment
| DOI: https://doi.org/10.31430/ZGMF8260: الرقم التعريفي | |
| كمال عبد اللطيف | *Kamal Abdellatif | |
| هشام جعيط والتأسيس لأنوار عربية Hichem Djaït and the Foundations for Arab Enlightenment |
"حين نطرح على العالم العربي المفاضلة الرهيبة، بين بقاء الإسلام والولاء للماضي من جهة، وبين الانطلاق في طريق المستقبل من جهة أخرى، فإننا نحصره في جدلية البؤس". هشام جعيط "القرآن، في منحاه العام، ترجيعة متجددة، متسارعة، متنامية لنغمة واحدة، ردَّة عنيفة على صدمة مروِّعة وكشفٍ مذهل [...] الألفاظ، المثُل، المجازات والتشبيهات، كل ألوان الخطاب المستعملة في القرآن، وما أكثرها، لا تخرج عن هذا المنحى. القاموس متجانس واحد". عبد الله العروي
مقدمة
لم تنل أعمال المفكر التونسي هشام جعيط (1935 - 2021) ما تستحق من الاهتمام والعناية، على الرغم من المزايا النظرية والتاريخية التي تحققت فيها؛ إذ تتسم أبحاثه ودراساته في التاريخ والنهضة العربية بالريادة والتأسيس، وبكيفيات متميِّزة في التعقُّل والفهم وطرائق المعالجة، وتساهم في إضاءة كثير من الأسئلة الغائبة في البحث التاريخي العربي، وفي تاريخ الأفكار. ومنذ مصنَّفه الأول الشخصية العربية والمصير العربي الإسامي، الصادر في عام 1974، إلى أبحاثه في كتابأوروبا والإسام (1978)، ثم أطروحته الجامعية "الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية" (1989)، وكتابه الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسام المبكر (1989)، ودراساته في مصنَّف أزمة الثقافة الإسامية (2000)، إلى الكتاب الذي أصدره قبل وفاته التفكير في التاريخ: التفكير في الدين (2020)، لم يتوقف جعيط عن البحث والنظر في قضايا تتصل بالفكر والدين والاجتماع والتاريخ، بطريقة تنفتح على مكاسب عصرنا وتجاربه في التحديث والتغيير، محاولً قراءة التحولات الجارية عربيًّا وعالميًّا. تنطلق هذه الدراسة من مسلّمة تعتبر أن جعيط يواجه في مختلف أعماله قضية واحدة تتعلق بمسألة التأخر التاريخي العربي في تجلياته السياسية والثقافية، مع إعلاء واضح لأهمية الإبداع والسُّمُوِّ الفكري في التاريخ. وقد اختار في العقدين الأخيرين مقاربة بعض أسئلة الوحي والنبوّة، فأصدر ثلاثيته في السيرة النبوية1، وذلك من دون أن يبتعد عن قضايا التأخر التاريخي العربي؛ فقد اقترب من الوحي وما يرتبط به من إشكالات اجتماعية وتاريخية ونفسية، متوخِّيًا النظر والتأمل والمراجعة، على الرغم من الصعوبات النظرية والتاريخية المرتبطة بقضايا البحث في هذا الموضوع داخل فضاءات الفكر العربي المعاصر. وفي السياق نفسه، نرى أن الناظم الأكبر لأعماله في فكرنا، يتمثّل في مساعيه الهادفة إلى المساهمة في بناء ما يُسعفنا بإضاءة جديدة لماضينا وحاضرنا؛ إضاءة تُكافئ طموحاتنا النهضوية في التقدم والتحديث. تستهدف الدراسة بحث جوانب من كيفيات إسهامه في التأسيس لأنوار عربية، ذلك أننا نلاحظ في كثير من أعماله انحيازه المُعلَن إلى خيارات الأنوار والتنوير في الحاضر العربي، وهي الخيارات التي مارس فيها، بكثير من العمق، نقده للغرب وللمركزية الثقافية الغربية من جهة، ودفاعه الكبير عن الحداثة والتنوير من جهة أخرى.
وقُسَّمت الدراسة مبحثين، اعتنينا في الأول بأنماط تلقِّي الفكر النهضوي العربي لمفاهيم التنوير وقيمه؛ ورتَّبنا في الثاني إشارات عامة حول كيفيات انخراط تيارات الفكر الإصلاحي في ثقافتنا منذ منتصف القرن التاسع عشر، في بناء أشكال من التفاعل الإيجابي مع كثير من أسئلة التنوير في عالمنا وقضاياه، وقد تابعنا كيفيات تطوّر هذا التفاعل في مطلع القرن العشرين؛ إذ برز جيل من الكتّاب التنويريين المتحمسين لقيم الأنوار2 عمل على تجاوز مواقف نهضويِّي القرن التاسع عشر وخياراتهم. دفعتنا متابعتنا لكتابات هشام جعيط إلى اختيار هذه الطريق في المقاربة، ذلك أنه مارس في فكره نوعًا من الحوار مع مواقف النهضويين العرب وطرائق تمثلهم قيم الأنوار، كما مارس حوارًا آخر مع أصول فلسفة الأنوار وتاريخها، لينخرط في عملية تركيبٍ تُحَاوِر أدبيات الفكر النهضوي من جهة، وتنخرط مع جيل من مثقفي النهضة العربية الثانية، في مراجعة أصول الأنوار في ضوء تحولّات المجتمع العربي ومقتضيات الشروط التاريخية العامة التي تحكمه من جهة أخرى. وفي ضوء ذلك، بنينا في دراستنا محورين كبيرين؛ يتعلق الأول منهما بالأنوار في المشروع النهضوي، وينخرط الثاني في بناء طبيعة الإنجاز التنويري الذي بلورته أعماله؛ ذلك أنه ظل يُنظر إلى مختلف ما كتب عن الأنوار بوصفه مشروعًا وأفقًا للإبداع.
أولً: يف الطريق إلى بناء أنوار عربية
نعتمد في قراءة أنماط التلقي العربي لفلسفة الأنوار على نتائج دراسة سابقة أنجزناها في موضوع العقلانيات النقدية في الفكر العربي المعاصر3، دراسة بنينا فيها نمذجة نظرية ثلاثية، توضح أنماط العقلانيات الناشئة في فكرنا المعاصر، وهو ما مكَّننَا من الاقتراب من كيفيات تلقي ثقافتنا لعقلانية الأنوار؛ كما تبلورت وتطورت في الفلسفة الحديثة والمعاصرة. أطلقنا على النموذج الأول، الذي تمثله أعمال مُصلحي النهضة في القرن التاسع عشر "عقلانية إدراك الفارق بيننا وبين الغرب"، وسمّينا النموذج الثاني الذي تبلور في النصف الأول من القرن العشرين "عقلانية المقايسة والتماثل"، أما النموذج الثالث فأطلقنا عليه "عقلانية الوعي بالذات. وقد توقفنا في هذا النموذج أمام النقلة النوعية الحاصلة في فكرنا. فقد جرى فيها تجاوُز النموذجين السابقين؛ وعي الفارق ووعي المماثلة، واقتربنا من لَحظةِ الوعي بالذات ضمن شروط تاريخية جديدة. وقد سمحت لنا هذه النمذجة بتركيب عقلانيات فكرنا المعاصر، ووضعتنا أمام صور تداخل هذه العقلانيات وتطوّرها في ثقافتنا. وسنعتمد في هذه الدراسة على بعض نتائج هذه النمذجة في أثناء فحصنا أشكال تلقي خطابات النهضة العربية الثانية التي يتموقع في قَلْبِها خطاب جعيط4. نرى أن ما كان يجمع نهضويِّي بدايات القرن العشرين هو انخراطهم المتحمس لخيارات التنوير وأهدافه. ندرك ذلك ونحن نتابع مواد منبر الجامعة الذي أنشأه فرح أنطون في عام 18975، متوخيًا أن تكون له مهمة مماثلة لمهمات الموسوعة6. ونُتابع علامات أخرى في المجلة الجديدة (1929) لسلامة موسى، حيث كان يستحضر في مختلف أعدادها شعارات التنوير، كما تبلورت في كتابات
فلاسفة الأنوار. فقد كان في ذهن كل من فرح أنطون وسلامة موسى أن معارك الأنوار والتنوير واحدة هنا وهناك، وأدوات المواجهة واحدة، كما أن المستقبل واحد. ونعثر في نصوص المنتخبات (1937) للطفي السيد7، على كثير من ملامح عقلانية التنوير، في أثناء نقده التقليد ودفاعه عن العقل والحرية8. لا نقرأ في نصوص هؤلاء النهضويين معطيات في الأصول النظرية للمجالين المعرفي والسياسي بقدر ما نقف على جملة من التطلعات والشعارات التي تستوعب، بطريقتها الخاصة، جوانب من الروح النقدية المُؤسِّسة لفكر الأنوار9، الروح التي تبلورت ملامحها الفلسفية الكبرى بفضل الجهود المتكاملة لمجموعة من فلاسفة الأزمنة الحديثة، من رينيه ديكارت (1596 - 1650) إلى نيكولو مكياف ل (1469 - 1527) إلى جان جاك روسو (1712 - 1778)، مرورًا بتوماس هوبز (1588 - 1679) وباروخ سبينوزا (1632 - 1677) وجون لوك (1632 - 1704) وشارل لوي دي سيكوندا مونتسكيو (1689 - 1755) وإيمانويل كانط (1724 - 1804). ففي آثار هؤلاء الفلاسفة، تبلورت النواة العقلانية والملامح الوضعية العامة لتيارات فكر الأنوار، وقد بنت فلسفاتهم أبرز نُقَط الارتكاز النظرية، الرافعة للخيار التنويري في الفكر الحديث والمعاصر10. ولا تتّجه جهودهم إلى جوانب من كيفيات تلقيهم قيم التنوير في ثقافتنا، في عملية التأسيس النظري للمبادئ والمفاهيم التي بلورتها فلسفة الأنوار، بل تتّجه - انطلاقًا من مبدأي المقايسة والمماثلة - إلى الإقرار المباشر بأهميتها في معالجة مظاهر التقليد السائدة في مجتمعنا، وهم لا يتردّدون في إسناد رؤيتهم إلى جملة من المعطيات الأخلاقية والسياسية، محاولين مواجهة مآزق الصراع السياسي الدائر في مجتمعاتهم زمن انخراطهم في الإصلاح، المُوَاكِب للحرب العالمية الأولى، وما تلاها من أشكال مواجهة الاستعمار الغربي ومقاومته في المشرق والمغرب العربيين. تجاوز مثقفو النهضة الثانية11 - وهم يتجهون إلى المساهمة في بناء أنوار عربية - خيارَ المماثلة والمقايسة الذي هيمن على الفكر النهضوي في مطلع القرن العشرين، وانخرطوا في معاينة مقتضيات التنوير داخل مجتمعاتهم، بحكم إيمانهم بواحدِيّة التاريخ والمصير الإنساني، وسعيهم للتفكير في بناء أنوار تلتقي في بعض سماتها مع أنوار الآخر والآخرين، وتملك في الآن نفسه، جملة من المعطيات والشروط النظرية والتاريخية التي تُفضي بدورها إلى أنماط من المواجهة والبناء تختلف، على نحو أو آخر، عن معارك الآخرين وأنوارهم في أوروبا وآسيا. انخرطوا في عمليات البناء وهم على بيِّنة من مختلف التماثلات والاختلافات، القائمة داخل صيرورة تشكُّل أنوار الآخرين وتطوُّرها، وتشكُّل فكر الأنوار في العالم وتطوُّره12. اتجهت أعمال مفكري النهضة الثانية في الثلث الأخير من القرن الماضي إلى تعقل روح فلسفة الأنوار، ثم مواصلة التفكير فيها بأشكال مختلفة ومتطورة، وذلك في ضوء عنايتهم بالأسئلة والتحديات الجديدة في عالمنا. فما عاد ممكنًا، بعد امتحان ثقافاتٍ ومجتمعاتٍ عديدة لمبادئ فكر الأنوار، أن نواصل النظر بمقدماتها ونتائجها في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الجديد، من دون فحص ولا مراجعة. ولتوضيح ما نحن بصدده، نشير إلى أن أعمال عبد الله العروي (1933 -) وأنور عبد الملك (1924 - 2012) وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري (1935 - 2010) ومحمد أركون (1928 - 2010) وناصيف نصّار، على سبيل التمثيل، أنتجت جهودًا
نظرية مركَّبة، في أثناء اقترابها من مفاهيم الأنوار وقيمها. نتبيّ ذلك في حرص أصحابها في كثير من أبحاثهم، على استحضار الشروط الذاتية لمجتمعاتنا، ومقتضياتها المتصلة بخصوصياتها التاريخية والثقافية، وكذا استحضارهم مختلف الشروط التاريخية والثقافية المؤطِّرة لفلسفة الأنوار في سياق نشأتها الغربية، وفي صور التطور الذي لحقها؛ الأمر الذي أنتج في فكرنا حوارًا نقديًّا مع قيم التنوير. اتجه جعيط إلى بناء القسمات الكبرى لمشروعه في التنوير، انطلاقًا من انخراطه في مواجهة الأوضاع التونسية والأوضاع التاريخية والسياسية العربية بعد هزيمة 1967. وقد أنجز قراءة نقدية لحدود أدبيات التنوير ومحدوديتها في كتابات النهضويين العرب13، مبرزًا الطابعيَن السطحي والتبشيري لكثير من خطاباتهم. وحاول تفسير الرفض الذي جُوبهت به قيم التنوير في ثقافتنا، مشيرًا إلى أن السبب في ذلك، يعود إلى مواقف بعض فلاسفة الأنوار من الدين، إضافة إلى صلابة ثقافة التقليد في المجتمعات الإسلامية. ويقف هذا الأمر بالذات، في نظره، وراء المساحة الصغيرة التي انتصرت لقِيم ينظر إليها المجتمع بأعيُ الريبة14. لكنّ متابعة أشكال تطوُّر مشروع التنوير في ثقافتنا، في علاقته بمختلف التحولات التي عرفتها مجتمعاتنا، تبُرز أن المساحة المذكورة اتسعت، وأصبحت اليوم تستوعب فضاءات أكبر للعقل والأنوار، وذلك بعد مرور أكثر من نصف قرن على طرائق وأنماط تلقي نهضويِّي مطلع القرن العشرين هذه القيم15. ينخرط جعيط في عملية المساهمة في بناء تنوير عربي، إلى جانب جيل جديد من الطلائع التي تتجه إلى الاستفادة من التحولات التي عرفها الفكر العربي خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين؛ فقد صدرت مجموعة من الأعمال الفكرية التي تجاوز أصحابها عمليات التبشير بقيم التنوير التي هيمنت على مساهمات نهضويِّي اللحظات السابقة، وانخرط الفكر العربي في بناء أشكال أخرى من التفاعل مع مكاسب فلسفة الأنوار، وذلك انطلاقًا من مقاربة اهتمت بأسئلة التنوير في ضوء إشكالات الحاضر العربي؛ وهو أمر يبُرز العمق الذي اتسمت به نظرتهم إلى أفق التنوير وأدواره المرتقبة في مجتمعاتنا. نشير هنا إلى تاريخانية العروي ومشاريع نقد التراث الإسلامي كما بلورتها أعمال الجابري وأركون16، فلم تكن أعمال جعيط، بخياراتها المنهجية، وطريقتها في مواجهة أسئلة الفكر والمجتمع في الحاضر العربي، تخرج عن الأفق الفكري الذي تبلور في ثقافتنا العربية، مُعلنًا تباشير أنوار عربية.
ثانيًا: هشام جعيط: التنوير العريب أفقًا للإبداع
أتاح لنا المبحث السابق القيام بتأطير أولي عام للسياقات النظرية والتاريخية التي استند إليها جعيط في بناء مواقفه من الأنوار. ونتناول في هذا المبحث بعض القضايا الكبرى التي بنى المفكّر انطلاقًا منها رؤيته وتصوُّراته للأنوار والأدوار المنتظرة منها في ثقافتنا ومجتمعنا. ولا بد من التوضيح هنا أن أعماله لا تتوقف عن التفكير في مساءلة الأنوار وفحص مفاهيمها وقيمها، والإشارة أيضًا إلى الآثار المنتظرة منها في ثقافتنا المعاصرة؛ ذلك أنّ نصوصه تخاطب الوعي العربي، وتشتبك معه في لحظات تأمّل ومراجعة. ونرى أنّ أهدافه البعيدة تتّجه إلى المساهمة في تأسيس ما يساعد في عمليات بناء وعي جديد؛ وعي يحمله الإنسان العربي في مجتمع جديد، وهذا الموقف خصوصًا يحدِّد أحد مقوِّمات مساهمته في بناء الأنوار العربية17. إنه يكتب متسائلً ويقرر ويعترض، يَتغنَّى بطموحاتٍ ومواقف، ويشكك في مواقف وخيارات، إنه لا يعتبر أن هناك حداثة غربية، ولا يقبل أحاديث بعضهم عن حداثة إسلامية وأخرى صينية وثالثة
هندية ورابعة أفريقية، فالحداثة في نصوصه واحدة، وإن تعدَّدت مراحل وأطوار استوائها وتشكّلها18، وهو يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحديث عن الخصوصيات "نفاق كبير وتضليل عظيم"19.
1. يف نقد التصوّر السلفي للتاريخ
نُدرج أعمال جعيط ضمن مشروع النهضة الثانية؛ أي مشروع الأجيال الجديدة من المثقفين العرب الذين حاولوا تطوير الفكر النهضوي وملاءمته مع المتغيرات التاريخية الحاصلة في مجتمعاتهم. وهي ترسم لحظة متميزة بثرائها الفكري، وقدرتها على محاصرة المواقف الوثوقية والقطعية، في مقابل تشبّثها بمنزع ريبي يمنحها المقدمات الضرورية، لبناء أوليات ومداخل جديدة في التنوير العربي. نُدرج أعماله إلى جوار المشاريع الفكرية الناشئة في الثلث الأخير من القرن العشرين؛ مشاريع نقد التراث ونقد العقل العربي، ومختلف المشاريع التي تواصلُ البحثَ في كيفيات تحقيق تقدم المشروع العربي. فقد تبلورت أعماله إلى جوار أعمال العروي وأركون والجابري، وأنجز كل منهم مشروعًا في نقد العقل العربي الإسلامي، والتقت مساعيهم مع مساعي المفكرين السابقين في العناية بمسألة تجاوز التأخر التاريخي العربي. ينتقل جعيط - وهو يفكر في الشخصية العربية والمصير العربي الإسلامي - من الفكر إلى التاريخ، إلى الإسلام في الحاضر والمستقبل، ويكتب مباحثه بكثير من المعاناة، إنه "يُغرّد" خارج المألوف، ويتغنَّى بالمستحيل، مُعتبرًا أن الاكتفاء بوضع العرب اليوم أمام خيار الإسلام أو الحداثة يُدخلهم في جدلية البؤس، إنه يمنعهم من رؤية الأفق العريض المُشَْع أمامهم20. انتقد جعيط التصور السلفي للتاريخ، وهو يرفض المنظور الغوغائي لحركات الإسلام السياسي و"الصحوة الإسلامية"، لكنه يحفظ للإسلام وللذاكرة الإسلامية امتياز التعبير العميق عن جوانب من مكوّنات الذات التاريخية للإنسان ومكنوناتها، ومساعي البشر الذين يحاولون تعقّل ذواتهم في التاريخ، ووعي مصيرهم في زمانيته المفتوحة على الأبدية، والموجَّه في الوقت نفسه، بفعل الموت والعدم ومفعولاتهما21. يقبل جعيط، مثل العروي، مكاسب معركة حضور المقدس في التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر، ويقبل مكاسب ومنجزات معركة الكنيسة والدولة في التاريخ الحديث والمعاصر، لكنه لا ينسى أيضًا أن المقدس ما زال يشكل جزءًا من التاريخ الرمزي والثقافي والوجودي لإنسانية تواصل التفكير الشامل في مصيرها، ولهذا السبب تكشف نصوصه عن دفاع قوي عن العلمنة، في صيغتها الحاصلة في التاريخ الذي تحقق بجوارنا في أوروبا وفي مناطق أخرى من العالم، لكنه ينظر - كما قلنا آنفًا - بعين تقدير خاصة إلى الظاهرة الإسلامية في التاريخ، باعتبارها مكوّنًا وجدانيًا من مكونات الذاكرة العربية الإسلامية، وبحكم الاستمرارية التاريخية التي منحتها وما زالت تمنحها امتياز بناءِ تصورٍ ومتخيَّلٍ مُساعدين على تحقيق فهمٍ معيّ للعالم، في أبعاده التي تعلو على التاريخ على قدر ارتباطها به22.
يكشف جعيط عودة الطوباوية الإسلامية إلى فضاء الفكر العربي المعاصر، وذلك بعد فشل بعض تيارات الفكر القومي، وهذا الأمر يدفعه إلى التفكير في أن معركة الذات مع ذاتها لا تزال متواصلة، وأن درجة انخراط الذات واستيعابها مكاسب العصر تدعو إلى مضاعفة الجهود، لتدارك مظاهر التأخر السائدة، ولهذا يعكس التوتر في أعماله إشارة دالة على استمرار جدلية الصراع المتواصلة في تاريخنا؛ الصراع بين الإسلام والحداثة في صورهما وأبعادهما المختلفة. ولأنه يقلِّص في أعماله من استحضار الهواجس والمواجهات السياسية في الكثير من منجزاته النظرية، فإنه لا يستطيع قبول تاريخانية العروي التي تدعو إلى لزوم القَطْع مع قيود تراث يساهم اليوم، إلى جانب عوامل أخرى، في محاصرة الطموحات العربية المتطلِّعة إلى التنوير والتغيير. وعلى الرغم من أنه لا يرفض القطيعة مع التقليد، فإنه يعلن عدم رضاه عن قبول مبدأ الاندماج في الحداثة على نحو طوعيّ أو بفعل الإكراه الجبري؛ إنه يفضل مزيدًا من التفكير في ممكنات التاريخ الأخرى التي تمنح الذات جدارة الإبداع، وتحفظ لها غناها وعمقها التاريخي، كما تحفظ لها قدرتها الذاتية على بلوغ عتبة الحداثة والتحديث بطريقتها الخاصة، وبالكيفية التي تمكِّنها من تملَّك مكاسب الأزمنة الحديثة والمعاصرة وتجاوزها23. لنقف قليلً أمام بعض مواقفه وخياراته في كتاب الشخصية العربية والمصير العربي الإسامي. لو اكتفينا بالوقوف على المنزع الريبي فحسب، بوصفه سمة محايثة للنص المذكور، لَكُنَّا بصدد ملامسة مظهره النقدي. ولو انتقلنا إلى عتبة الاستماع إلى هواجسه النظرية في تناقضاتها وإيقاعاتها المختلفة، لوجدنا أنفسنا أمام ثراء في النظر يعكس درجة من أعلى درجات التوتر الروحي والتاريخي في فكرنا المعاصر؛ فليس من السهل في نظره التفريط في الذات العربية الإسلامية في تركيبها التاريخي، كما تشكَلَّ في دائرة الزمان، ولا يمكن، في الوقت نفسه، إغفال مكاسب الفكر المعاصر في تعددها وغناها. وتُعَدُّ مواقف الحيرة والتردد التي يُعايِنُها قارئ أعماله في نظرنا جزءًا من معركة الذات مع زمانها الخاص وأزمنتها العامة؛ معركتها مع ذاتها، ومعركتها مع تحولاتها الحاصلة في التاريخ بفعل مقتضياته التي لا يمكن تجنّبها ولا تجنب انعكاساتها على مساراتها العامة24. لا يمكن إذًا اعتبار الزوج المفهومي إسلام/ غرب، بمنزلة زوج قابل لتركيب صور وتصورات مغلقة وثابتة، وليس من السهل الركون فيه إلى تصوّر واحد مغلق؛ فكيفما كانت درجة رُجْحانه النظري والتاريخي، يحيل المفهومان إلى دوائر دلالية متعددة مركبة ومتناقضة، ولهذا يُغلِّب جعيط في تصوّره للمفهومين، وللتصورات المرتبطة بموضوع العلاقة بينهما، آلية الفهم المتوتر الذي يعكس درجة من درجات صعوبة الإحاطة بالمجال المفكر فيه، كما يعكس تعقّده، ويوضح في الآن نفسه، نواقص التصورات التي تكتفي بمفاهيم التنافر والتجاهل المتبادلة وثغَراتها25. 2. في الحداثة والعلمانية والنقد تتجلّ الروح الأنوارية في أعمال جعيط في أسئلته، وفي الخلاصات والمواقف التي يتّجه إلى بنائها بكثير من الشجاعة في الرأي، وبكثير من الكثافة النصية التي تتمتع بها كثير من فصول كتبه؛ ففي ثلاثيته في السيرة النبوية، يفتح أسئلة الفكر العربي على قضايا وإشكالات نظرية وتاريخية وعقائدية بأساليب الكتابة التاريخية الجديدة26. تحضر في بعض فصول مُصنَّفه الأول دعوته الصريحة والمباشرة إلى العلمنة، على الرغم من أنها ترد مشحونة بتناقضات فكرية، كما ترد مشحونة بنزوع يتوخّى إنجاز مشروع في التأصيل النظري والتاريخي للمجال السياسي في الفكر العربي، بل للمجال الحضاري
العربي الإسلامي برمّته. إن عمق نظرته إلى علاقة الإسلام بالغرب، علاقات الذات في صيرورتها التاريخية بأصول المشروع الحضاري، كما تبلور في الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر، تُعبّ عن هدفه البعيد الرامي إلى إنجاز عملية مثاقفة نقدية27، في إمكانها توسيع مجال الوعي التاريخي العربي، عن طريق استيعاب مكاسب الحضارة المعاصرة في مختلف تجلياتها وأبعادها، ومن دون أي تنَكُّر لمقومات الذات، أو التفريط فيها28. حرص في مصنفه أزمة الثقافة الإسامية على توسيع وتنويع آخَر العرب، فاقترب من التقدم الياباني وهو يفكر في الحداثة، لينحت مفهوم التقليد الأكبر، وليتجاوز أسطوانة "نقد مادية وحداثة الغرب"29. كما حاول الاقتراب من الفكر الصيني، وذلك لإيمانه التاريخي القوي بأن مشروع النهوض العربي أكبر من الزوج إسلام/ غرب. إن ممكنات الإبداع والتجاوز في التاريخ ليست مرهونة في نظره بسقف معَّيَّ من النظر، بل هي مُشْعَةٌ على أفق في النظر والإبداع أرحب من أزواج مفاهيم مقيَّدة بشروط حِقَبٍ ومراحل تاريخية عابرة30. ثمة حضور مشترك للحس التاريخي وللتاريخ المقارن في أعماله وأعمال العروي بحكم تكوينهما الأكاديمي الواحد، وبحكم خياراتهما الفكرية الكبرى؛ إذ نلاحظ أن الأرضية التاريخية في كتابات العروي تتوخى بناء ما يقرّبها أكثر من المجال الاجتماعي السياسي، وذلك عن طريق البحث في كشف مفارقات الفكر العربي المعاصر31. أما الأرضية التاريخية في أعمال جعيط، فتحتضن، إضافة إلى ما سبق، جوانب من التوتر الميتافيزيقي والتناقضات الوجدانية، وتعمل على إعادة تركيبهما في سياق عمليات فكرية أقرب ما تكون إلى التأمل الفلسفي والنقد التاريخي، ولهذا تمتلئ العبارة والفكرة والحدس في نصوصه بكثافة غير معهودة في فكرنا المعاصر، إنها تتجه إلى التفكير في التاريخي وما يتجاوزه، على الرغم من حصول هذا الذي يتجاوز ما هو تاريخي داخل التاريخ32.
3. الدفاع عن السموّ الفكري والقطيعة والتقليد الأكبر
تستحضر تصوُّرات جعيط ومواقفه مظاهر التمزّق والتوتر الحاصلة في الذات العربية، وهو يحرص، في أغلبية مصنّفاته ذات الصلة بالحاضر والمستقبل العربيين، على مواصلة الاستماع إلى مختلف نداءات الروح في لحظات أفولها التاريخي، مفضّلً عنف توتره الوجودي على عنف القطائع المُعْلنَة والحاصلة في التاريخ33. إن وضوح الصورة والتصوُّر في أعماله يراوح بين عتبة الخيار السياسي التاريخي، وعتبة التأمل النظري المفتوح على مجال التفكير؛ التأمل الذي يروم الإمساك بالموضوعات المفكّر فيها، في عمقها الجامع بين التاريخي وما يتجاوزه؛ لهذا السبب ينظر إلى الإسلام بعين وضعية وتاريخية، ويفكر فيه أحيانًا بلغة المتصوفة وشطحاتهم34، وقد يرى البعض في المعطى النصي المتضمن في بعض أعمال جعيط نوعًا من التناقض، وقد يبلغ التناقض أحيانًا مداه في إيقاع الكتابة الحاصل في بعض نصوصه، مثلما نُعاين بعض أوجُه ذلك في مفرداته وجمله العارضة، وفي بعض أحكامه القطعية، كما هي عليه الحال في كتاب الشخصية والمصير العربي الإساميوكتابه أزمة الثقافة الإسامية، حيث يستوعب هذا الأخير، على سبيل المثال، كثيرًا من أنواع
التوتر في ملفوظاته، وفي إيحاءات المكتوب، وتبلغ درجات معاناته في الكتابة مقامات عالية، تعكس في بعض إشاراتها كثيرًا من مظاهر معاناته من أوجُه التمزق التاريخي في واقعنا العربي، وفي علاقتنا بالآخرين35. لا جدال - في نظرنا - في خيار القطيعة في كتابات جعيط، مثلما هو عليه الأمر في كتابات العروي، فقد تحدث مرة عن التقليد الأكبر؛ التقليد الياباني لدروس الحضارة الغربية المعاصرة ومكاسبها36، وهو يكاد يرادف في دلالاته السياقية في مختلف أعماله مفهوم القطع ومفهوم التجاوز كما يرد في أعمال العروي37. وعلى الرغم من محاصرته النقدية للتصورات الغربية المغرضة عن التاريخ الإسلامي، لحظة معالجته الفكرية لأنماط العداء المتبادلة، بين بعض التصورات الإسلامية للغرب وتصورات المركزية الغربية للإسلام وللآخرين، وفي أزمنة محددة38، فإنه مقتنع تمامًا بأن الطريق التي تجمعنا بالآخرين واحدة، وأن التاريخ والمصير المشترك واحد، وذلك على الرغم من كل التشعبات المولِّدة للاختلاف والتباعد، فلا مفرّ في نظره من الانخراط النقدي اليقظ في أزمنة الحداثة، كما تبلورت وما فتئت تتبلور في التاريخ. تعلّم جعيط من الروح النقدية الأنوارية لزوم المغامرة وضرورتها في التاريخ. وهو يعانق قدره، يقبل الخلاص الممكن؛ الخلاص التاريخي الممكن، لكنه لا ينسى عذابات الروح؛ لا ينسى التناقض الأكبر بين الله والعالم، بين الأبدية والعدم، وهو ينجح في بناء تصوراته الفكرية والتاريخية بكثير من الاحتياط، بل إنه يستوعب لغة المطلق الدينية باعتبارها جزءًا من التاريخ العام الذي يُفْتَض فيه حصول المساعي الإنسانية الهادفة، بلغاتها وحساسياتها المختلفة، إلى فهم الإنسان والعالم في أبعادهما المختلفة. تضعنا الروح الأنوارية في أعمال جعيط أمام طريق تنفتح على أفق في التأسيس لأنوار عربية؛ طريق تُمهد لمجتمع جديد وقيم جديدة، ونحن نفترض أن جوانب مهمة من قوة هذه الطريق، تتمثل في التفاعل الإيجابي والنقدي الذي مارسته أعماله مع ميراث الأنوار ومكاسبه الفكرية والاجتماعية، إضافة إلى أشكال استحضاره مختلف التحديات والأسئلة المطروحة اليوم في ثقافتنا ومجتمعنا. ونفترض أن الجدل الثقافي والسياسي المتواصل اليوم في مجتمعاتنا، في موضوعات التحديث والموقف من التراث والماضي، يدلّ بوضوح على عمليات التهييء المتواصلة لميلاد أنوار عربية39.
المراجع
العربية
دراسات الوحدة العربية، 2004.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.
الوحدة العربية، 2004.
السياسات، 2013.
جعيط، هشام. في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة. بيروت: دار الطليعة، 1999.
__________. في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة. بيروت: دار الطليعة، 2007.
__________. في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام. بيروت: دار الطليعة، 2015.
__________. أزمة الثقافة الإسامية. بيروت: دار الطليعة، 2000.
السيد باشا، أحمد لطفي. المنتخبات. ج 1. القاهرة: دار النشر الحديث، 1937.
عبد اللطيف، كمال. قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة. بيروت: دار الطليعة، 1994.
__________. العرب والحداثة السياسية. بيروت: دار الطليعة، 1997.
__________. نقد العقل أم عقل التوافق؟ دمشق: دار الحوار، 2002.
__________. أسئلة النهضة العربية: التاريخ- الحداثة - التواصل. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003.
__________. درس العروي في الدفاع عن الحداثة والتاريخ. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2014.
__________. في الثقافة والسياسة وما بينهما. بيروت: منتدى المعارف، 2020.
__________. في الحداثة والتنوير والشبكات. ميلانو: دار المتوسط، 2020.
سلسلة حوارات المستقبل العربي 1. إعداد عبد الإله بلقزيز. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.
الأجنبية
الإسام والحداثة والاجتماع السياسي (حوارات فكرية). إعداد عبد الإله بلقزيز. سلسلة حوارات المستقبل العربي 1. بيروت: مركز بحراوي، حسن [وآخرون]. محمد عابد الجابري: المواءمة بين التراث والحداثة. إعداد وتقديم كمال عبد اللطيف. الدوحة/ بيروت: برقاوي، أحمد [وآخرون]. التراث والنهضة: قراءات في أعمال محمد عابد الجابري. إعداد كمال عبد اللطيف. بيروت: مركز دراسات بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي: الدين والتدين. ج 1. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات __________. أسئلة الحداثة في الفكر العربي: من إدراك الفارق إلى وعي الذات. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009.
Djaït, Hichem. La personnalité et le Devenir Arabo-Islamiques. Paris: Seuil, 1974.
. L'Europe et l'Islam. Paris: Seuil, 1978.
Renaut, Alain. Histoire De La Philosophie Politique - Tome 2: Naissances De La Modernité. Paris: Calmann-Lévy, 1999.