هشام جعيط والسيرة النبوية: في نقد المنهج
Hichem Djaït and Prophet Muhammad's Biograph: A Methodological Critique
الملخّص
منذ ظهور الجزء الأول من ثلاثيّة المؤرخ التونسي العربي هشام جعيط في السرة النبوية في عام 1999 ، ظهرت العديد من الردود التي تناولت هذه الثلاثية، إما بالثناء عليها وإما بالحطّ منها. ركزت بعض تلك الردود على المنهج أو المناهج التي استخدمها جعيط في دراسة السرة، بينما اهتمّ بعضها الآخر إما بتأييد النتائج التي توصّل إليها وإما بنفيها ودحضها. تستعرض هذه الدراسة وتناقش بعض أوجه نقد ثلاثية جعيط عن السيرة النبوية، لا سيّما ما يتعلق منها بالجوانب المنهجية في دراسة السرة، وتُختتم ببعض الملاحظات المتعلقة بتلك الردود على جعيط، وما تدل عليه في ما يخص طبيعة الكتابة والنقد التاريخييّن في العالم العربي المعاصر، فضلًاً عن فرص التواصل بين أصحاب المناهج والمدارس المختلفة.منذ ظهور الجزء الأول من ثلاثيّة المؤرخ التونسي العربي هشام جعيط في السرة النبوية في عام 1999 ، ظهرت العديد من الردود التي تناولت هذه الثلاثية، إما بالثناء عليها وإما بالحطّ منها. ركزت بعض تلك الردود على المنهج أو المناهج التي استخدمها جعيط في دراسة السرة، بينما اهتمّ بعضها الآخر إما بتأييد النتائج التي توصّل إليها وإما بنفيها ودحضها. تستعرض هذه الدراسة وتناقش بعض أوجه نقد ثلاثية جعيط عن السيرة النبوية، لا سيّما ما يتعلق منها بالجوانب المنهجية في دراسة السرة، وتُختتم ببعض الملاحظات المتعلقة بتلك الردود على جعيط، وما تدل عليه في ما يخص طبيعة الكتابة والنقد التاريخييّن في العالم العربي المعاصر، فضلًاً عن فرص التواصل بين أصحاب المناهج والمدارس المختلفة.
Abstract
Since the first part of the Arab Tunisian historian Hichem Djaït’s biographical trilogy of the Prophet Muhammad was published, it has been subject to both extensive critique and acclaim. Many reviews focused on Djaït’s methodology, while others questioned or praised his conclusions. This study surveys some of the critiques of Djaït’s trilogy, especially those that focus on the methodology. The study concludes with some reflections on the reviews of Djaït’s work and what they reveal about historical writing and critique in the contemporary Arab world. Finally, the conclusion lays out the prospects for interaction between proponents of different methodologies and schools.
- هشام جعيط
- النقد التاريخي
- السيرة النبوية
- الكتابة التاريخية
- مصادر التاريخ الإسلامي
- Hichem Djaït
- Prophetic Biography
- Islamic Civilisation
- Histography
| DOI: https://doi.org/10.31430/PNIZ6259: الرقم التعريفي |
|---|
| عمرو عثمان | *Amr Osman |
| هشام جعيط والسيرة النبوية: في نقد المنهج Hichem Djaït and Prophet Muhammad's Biograph: A Methodological Critique |
منذ ظهور الجزء الأول من ثلاثيّة المؤرخ التونسي العربي هشام جعيط في الس ةرر النبوية في عام 1999، ظهرت العديد من الردود التي تناولت هذه الثلاثية، إما بالثناء عليها وإما بالحطّ منها. ركزت بعض تلك الردود على المنهج أو المناهج التي استخدمها جعيط في دراسة الس ةرر، بينما اهتمّ بعضها الآخر إما بتأييد النتائج التي توصّل إليها وإما بنفيها ودحضها. تستعرض هذه الدراسة وتناقش بعض أوجه نقد ثلاثية جعيط عن السيرة النبوية، لا سيمّا ما يتعلق منها بالجوانب المنهجية في دراسة الس ةرر، وتُختتم ببعض الملاحظات المتعلقة بتلك الردود على جعيط، وما تدل عليه في ما يخص طبيعة الكتابة والنقد التاريخييّن في العالم العربي المعاصر، فضلً عن فرص التواصل بين أصحاب المناهج والمدارس المختلفة.
مقدمة
في عام 1999، نشر المؤرخ العربي التونسي هشام جعيط الجزء الأول من ثلاثيته عن السيرة النبوية، بعنوان في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة، وتلاها الجزء الثاني في عام 2006 بعنوان في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة، ثم الجزء الثالث في عام 2015، بعنوان في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام. أثارت هذه الثلاثية ردودًا ونقاشات كثيرة في العالم العربي، بين مثُنٍعليها بوصفها أول دراسة جادّة للسيرة النبوية يقوم بها مؤرخ عربي مسلم، وجديرة بأن تضع صاحبها في طليعة المؤرخين العرب، ومن جعلها نموذجًا للتهافت العلمي والتحيّز والتشوّش. وفي الوقت الذي اهتمت فيه بعض تلك الردود بتناول النتائج المحددة التي توصّل إليها جعيط، تأييدًا أو رفضًا وتفنيدًا، ركّز بعضها الآخر على منهج جعيط في دراسة السيرة، أي ذلك المنهج الذي وصفه ب "العقلاني التفهمي" والفينومينولوجي، فضلً عن نظرته إلى مصادر التاريخ الإسلامي الباكر واستخدامه لها، بما في ذلك القرآن. تناولت هذه الردود أيضًا مدى تماسك أطروحات جعيط وموضوعية عرضها، بل المفردات والعبارات التي استخدمها للتعبير عن أفكاره ونتائجه أيضًا. خلصت الدراسة إلى مجموعة من الملاحظات العامة المتعلقة بتلك الردود على جعيط، وأهمها أنها تدل على غياب الاتفاق بين المؤرخين والنقّاد العرب حول طبيعة البحث التاريخي ودور المؤرخ، بل إنها تدل على تناقُض آراء هؤلاء النقاد حول هذيْن الأمريْن، بالقدر الذي سمح لبعض منهم أن يحتفي بجعيط بوصفه أعظم المؤرخين العرب المعاصرين، في الوقت الذي نفى عنه آخرون أساسيْ من أسس البحث التاريخي على الأقل، أي المنهج المنضبط والصدقية. ولا يشير هذا الاختلاف على جعيط وثلاثيّته إلى ثراء منهجي قد يُحتفى به، بقدر ما يشير إلى قطيعة فكرية ومعرفية ذات جذور وأسباب معروفة، إلا أنها ترجع في جزء منها إلى بعض أوجه القصور والتناقض في كتابات جعيط نفسها عن السيرة النبوية.
يف نقد ثلاثيّة السيرة النبوية لهشام جعيط
نتناول في هذا القسم بعض النقد الذي قوبلت به ثلاثية جعيط عن السيرة النبوية، والذي وصل إلى حد "نقض" كثير من أطروحاته الخاصة بإعادة كتابة سيرة الرسول محمد من خلال منهج عدّه هو جديدًا وأفضى إلى نتائج تختلف في كثير من جوانبها عمّا هو معروف عن السيرة النبوية. نستعرض في ما يلي بعض أوجه ذلك النقد، بادئين بالنقد الذي وُجه إلى المناهج المحددة التي استخدمها جعيط، ومدى اتساق أطروحاته، ولغته من حيث موضوعيّتها وسلامتها، واختياراته لأحداث تاريخية تفسيرات محددة، وموقفه من المصادر والمراجع التي استخدمها في كتابه، أو التي لم يستخدمها أيضًا، وذلك بعد وصف منهجه كما عبّ عنه هو بنفسه.
1. وصف هشام جعيط لمنهجه
وصف جعيط الجزء الأول من ثلاثيّته عن السيرة النبوية بأنه "كتاب علمي وليس دراسة فلسفية". وبوصفه كذلك، فإنه "يعتبر [...] كمعطى ما هو لب الدين الإسلامي: الوحي، الإيمان، البعث". ثم ينتقل جعيط من هذه المسألة مباشرة إلى وصف منهجه: "وسواء كان المؤرخ - المسلم وغير المسلم - مؤمنًا أو خارجًا عن الإيمان، فمنهجه الصحيح هو هذا، أي اعتبار المعطى كمعطى ومحاولة تحليله لا أكثر"1. فالتاريخ، وفق جعيط، هو "علم وضعي وأرضي [...] يخرج عن دائرة الإيمان والمعتقد". أمّا في مقدمة الجزء الثاني
من ثلاثيّته، فيصف جعيط الجزء الأول من الثلاثيّة بأنها "نصف كلامية-ميتافيزيقية ونصف تاريخية"، وذلك على خلاف الجزء الثاني، وربما أضفنا الجزء الثالث الذي هو "دراسة تاريخية بحتة في موضوع حساس جدًّا". و"يلتصق" هذا الموضوع الحساس، وفق جعيط، ب "الماورائي ويتصل بالمعتقد"2. وهكذا، ترتبط الدراسة، التي يصفها بأنها "علمية" لا فلسفية و"تاريخية بحتة"، بالماورائي. لاحقًا، يصف جعيط منهجه بأنه "عقلاني تفهّمي"، تفرّد هو به دون كل من كتب في موضوع كتابه، من المسلمين وغير المسلمين على السواء: "وقد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واستنباط منهج عقلاني - تفهّمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث، ولا عند المسلمين المعاصرين". أما المستشرقون، "على سعة اطلاعهم"، فإن أيًّا منهم لم يأتِ "ببحث يُذكر في هذا الميدان"3. يصف جعيط هذا المنهج الذي تفرّد به تفرّدًا مطلقًا بأنه يدرس الأديان وفق ما يقوله كل دين عن نفسه، جامعًا بين الموضوعية والتعاطف مع موضوع البحث4. ويصفه أيضًا بأنه منهج فينومينولوجي يقوم على تحليل "المعطى كمعطى"، و"يعطي نفسه للقراءة والفهم من دون تأويل وإسقاط"5، ويوظّف أفكارًا ونظريات مختلفة من العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومنها علم مقارنة الأديان والفلسفة وعلم النفس وغيرها6. وفي ما يخص المصادر التاريخية، يرى جعيط ضرورة تسلّح المؤرخ بمعرفتها معرفةً دقيقة، وأن يلتزم الحذر في تأويلها7. أما مصادر التاريخ الإسلامي تحديدًا، التي خصّص لها جعيط فصلً في الجزء الثاني من ثلاثيّته، فيرى ضرورة تجنّب "تصديق[ها] [...] بدون روية"، وتجنّب "الإجحاف في النقد والرفض بدون حجج" في الوقت نفسه8، ويرى أيضًا أن القرآن هو المصدر الأوثق لتاريخ صدر الإسلام، بوصفه المصدر المعاصر الوحيد لذلك التاريخ. فالقرآن، بوجه عام، هو المصدر الوحيد الذي "جمع بين دقة التعبير والكلمة المثيرة والعمق الكوسمي والوضوح الكامل البين" بحسب رأي جعيط9. وفي دراسة الوحي تحديدًا، يصرّح جعيط بأن القرآن "هو المصدر التاريخي المعتمد الصحيح10، لأنه يرمز إلى ماهية الوحي والظروف التي حفّت ببدئه وتواصله ولا يدخل في التفاصيل الدنيوية الفارغة"11. أما المصادر الأخرى، فقد قرر جعيط إما الاستغناء عنها على نحو كامل تقريبًا (كما هو الشأن في الجزء الأول من الثلاثية)، وإما الوقوف منها موقفًا مبدئيًّا شاكًّا فيها (كما هو الشأن في الجزأين الثاني والثالث من الثلاثيّة)، وذلك في ضوء تأخّرها الزمني عن الأحداث التي تصفها، فضلً عن أمور أخرى تتعلق بطبيعتها "الكتابية" وأصلها "الشفهي" وتحيّزات رواة الأخبار12. وأخيرًا؛ مع تحفّظه عن أكثر كتابات المستشرقين، يصرّح بأنه يسعى إلى تجاوز بعض تناقضاتهم أحيانًا، والاستفادة من بعض نتائج أبحاثهم في أحيان أخرى13.
2. نقد منهج هشام جعيط
انتقد بعض الباحثين فهم جعيط للمنهج الفينومينولوجي بوصفه منهجًا يتحرّر من التأويل، وهو أمر شكَّ بعض النقاد في إمكانية حدوثه في المقام الأول. فعلى سبيل المثال، يتساءل أحمد الصادقي مستنكرًا: "هل هناك قراءة لا تقبل قراءة أخرى لها؟ وهل هناك تأويل لا يحتاج بدوره إلى تأويل؟"14. بل إنّ الصادقي يستشكل جمع جعيط بين منهجَي الاستقراء والفينومينولوجيا، مع عدم تخليه هو عن أفكاره المسبقة عن الظاهرة التي يتناولها. فالاستقراء في نظره "يقوم بعملية إعداد للوقائع، كما هي معطاة لحواسنا ونحن في الموقف الطبيعي"16. أما الفينومينولوجيا، ف "تقتضي تعليق أطروحة الموقف الطبيعي "17. إن هذا الارتباط اللازم بين الاستقراء و"الموقف الطبيعي" من جهة، وضرورة الفصل في المنهج الفينومينولوجي بين الظاهرة كمعطى و"الموقف الطبيعي" في فهم ظاهرة ما من جهة أخرى، هو الذي يجعل الجمع بين الاستقراء والفينومينولوجيا أمرًا متعذّرًا من وجهة نظر الصادقي. وهو يشير في هذا السياق إلى استبعاد جعيط لكثير من الحالات التي لا تتوافق مع أفكاره هو عن المعطى، في نقدٍ يشتمل على اتهام صريح بغياب الموضوعية والحياد: "فاستقراؤه للقرآن إنما كان من أجل استبعاد بعض الروايات عن الوحي والنبوة"18. لا يقتصر النقد هنا إذًا على استخدام المنهج الفينومينولوجي في ذاته وعلى الالتزام به من عدمه، بل إنه يشمل أيضًا استخدامه في تفسير الوحي والنبوة تحديدًا. يفترض هذا النقد أن ما نملكه من معطيات عن الوحي والنبوة ليس بالقدر الذي يسمح لنا بدراستهما، كما أن ما نعرفه عنهما يستند أساسًا إلى عرض ذاتي من صاحب التجربة نفسه، وهي تجربة لا نستطيع افتراض تكررها أو تشابهها مع أي ظواهر أخرى؛ ومن ثمّ يظل وعينا بها - وهو الأمر الذي تسعى الفينومينولوجيا إلى كشفه - معتمدة اعتمادًا حصريًّا على وعي آخر. يقول الصادقي: "إن قراءة المعطى قراءة فينومينولوجية تقتضي نوعًا من القلب الذي يسمح لنا بالدخول إلى التجربة الفينومينولوجية، وهي تجربة تجعلنا ندير وجهنا عن المعطى كشيء، لنتّجه نحو الأنماط الذاتية التي تجعل هذا المعطى ظاهرة في وعينا"19. ثم يشرح لاحقًا: "هذا العرض الذاتي [للنبوة] معناه عدم اختزال النبوة [...] في وعينا، لأن أمورًا تتعلق بها لا تتعلق بوعينا"20. وقد عبّ المنصف بن عبد الجليل، أحد نقاد جعيط، عن المسألة نفسها حين أكّد أن جعيط تناسى في تناوله لمفهومَي الوحي والنبوة بوصفهما معطى، أنهما "معطى داخل ذهنية، ما من سبيل إلى تفهمهما سوى الخبر [عنهما"]21، وهي مسألة تربط الأمر ربطًا واضحًا بقضية المصادر وموقف جعيط منها كما سنبيّ لاحقًا. وفي سياق مشابه، انتقد جعيط في محاولة التفكير عِلميًّا في قضايا إيمانية. فالنبوة، وفق هذا الرأي، تُعدّ قضية إيمانية، لا عقلية22. يتساءل فريد العليبي، وقد أولى هذه المسألة قدرًا من الاهتمام أكبر من النقاد الآخرين: هل الحديث عن جبريل، على سبيل المثال، له علاقة بالعلم "الذي أكّد [جعيط] أنه حريص عليه شديد الحرص باعتبار كتابه كتابًا علميًّا صرفًا، أم أنها تأويلات صنعها الخيال وحده؟"23. يأتي هذا الاستفهام الإنكاري بعد تصريح العليبي باندهاشه الواضح من جرأة جعيط في الحديث عن دقائق تجربة الوحي
وتفاصيلها ووصفها في شكل "إثباتات إيمانية وتفسيرات مطمئنة"، وقناعات "لا يرقى إليها الشك"24. بل إنّ جعيط حين يذكر الشيطان، فإنه "يتحدث عنه كما لو كان رآه"، كما يضيف العليبي25. ويصل الباحثون إلى نتيجة مفادها أن ما كتبه جعيط ما هو إلا فلسفة وميتافيزيقا، لا علم وتأريخ كما ادّعى هو26، وهو الأمر الذي ملأ كتابه بعدد كبير من "أشكال البلبلة المفاهيمية "27. وشمل النقد الذي وُجّه إلى جعيط أيضًا إصراره على تفسير تاريخ السيرة تفسيرًا ماديًّا يفترض أن ما يحرّك البشر هو مطامعهم المادية دائمًا، لا أيّ قيمة قد يسعون لتحقيقها. ويشير سمير أحمد الشريف، على سبيل المثال، إلى العديد من عبارات جعيط في كتابه ("الغنائم في بدر صارت عنصرًا حاسمًا لاجتذاب الرجال" مثلً)، ليصل إلى نتيجة مفادها أن صورة الرسول في الثلاثيّة هي أنه كان رجلً ليس لديه "هدف ولا رسالة ولا تكليف من الله"، بل كان يفكر دائمًا في سبل الكسب المادي بهدف استمالة القبائل وزيادة عدد الأتباع28. ومن هنا، جاءت غزوات الرسول وفتوحاته، حيث تصوّرها النبي "بديلً من التجارة" و"طريقة وحيدة لجمع القبائل في اتحاد [يقوم] على هدف مألوف لديها، [أي] هدف البحث عن الغنائم"29. ويشمل نقد المنهج أيضًا أمورًا منها الجمع بين العلم والأحاسيس، في الوقت الذي يصف فيه جعيط دراسته بأنها علمية30. يفصّل بن عبد الجليل القول في هذه المسألة، موضحًا أنّ جعيط يقطع بأمور لا يمكن القطع بها إلا من خلال "التوسّل" بالإحساس، وهو الأمر الذي يجعل عمله على درجة كبيرة من "الشخصية والذاتية"31. ويذكر بن عبد الجليل هذه الملاحظة في سياق الحديث أيضًا عن بعض أفكار جعيط المرتبطة بالوحي والمعجزات، التي لا سبيل إلى العلم بها إلا استنادًا إلى ما توافر عنها من دليل تاريخي، رابطًا إياها كذلك بمنهج جعيط ونظرته إلى المصادر، ليصل إلى نتيجة مفادها أن جعيط "عالج الكثير من المسائل الغيبية بأصل الإحساس، لا بمبدأ المعطى الذي لا يتجاوز فيه الباحث أمر التحليل"32.
3. نقد أفكار هشام جعيط من حيث تماسكها ووضوحها وترابطها
في ما يخصّ تماسك أفكار جعيط واتساقها مع بعضها - وهي قضية تجمع بين المنهج والموضوع - فإنه قد اتُّهم بالتناقض في كثير من أطروحاته. فعلى سبيل المثال، ذكر أكثر من باحث أنّ حديثه عن الله كأنه شخصية محايثة أحيانًا، وبوصفه متعاليًا ومفارقًا في الوقت ذاته. فالله، وفق جعيط، هو "الشخصية الإلهية المنزهة المتعالية"، وهو أيضًا "الكائن المشخّص". يتساءل العليبي مستنكرًا -ا ومفترضً أن جعيط يدرك أوجه "الاختلاف الكبرى" بين ما هو مشخّص وما هو مفارق ومتعالٍ: "كيف يكون الله هذا وذاك في نفس الوقت؟"33. يعبّ الصادقي عن الفكرة نفسها، متسائلً: "هل الله كائن مشخّص، وفي الوقت نفسه مفارق ومتعالٍ؟ هل يمكن الجمع بين صفتيَن متضادتيَن في الجوهر، إذ الشخص يفيد الظهور والمفارق يفيد الغياب والانحجاب؟"34.
وقد كان رأي جعيط في المعجزات أحد الأمور التي أثارت قدرًا كبيرًا من النقد لأطروحاته. فعلى سبيل المثال، رأى بعض الباحثين أن رفضه للمعجزات يتناقض مع قوله ب "سباحة" القرآن في تاريخية الشرق الأدنى ورغبته في استعادة التقليد السامي35. ويشير الصادقي هنا، على الأرجح، إلى كون المعجزات جزءًا من ثقافة الشرق الأدنى القديم، وأنها استُخدمت، وفق جعيط، في بناء قصة مؤسِّس الإسلام. والأمر الذي يؤكد هذه الفكرة، ويؤكد تناقض آراء جعيط من وجهة نظر بعض نقّاده، هو قبوله الظاهر في سياق آخر لوقوع معجزات موسى وعيسى، بل ربما قبوله بعض المعجزات التي نُسبت للرسول محمد، كرؤيته القدس عن بعد ورؤيته الملائكة في غزوة بدر36. وقد عدّ بعض النقاد - حتى من المنتمين إلى التيارات العلمانية - إنكار جعيط المعجزات مع حديث القرآن الصريح عنها إنكارًا للقرآن نفسه بالضرورة، وهو رأي سيتفق معه بكل تأكيد من يعتقدون في إثبات القرآن لبعض المعجزات النبوية بالفعل، أو من يقبلون بالأخبار التي تذكر بعض تلك المعجزات37. ولا يبدو أن تفسير جعيط لذكر القرآن للمعجزات مع عدم وقوعها قد أقنع أيًّا ممن راجعوا ثلاثيّته عن السيرة. وقد عُدّت قضية المعجزات أيضًا نموذجًا د لًّ على تسررّعه في بعض الأمور على نحو ينمّ على عدم الفهم؛ إذ أخذ عليه بعض الباحثين ما رأوه خلطًا بين المعجزة والتنبّؤ بالمستقبل. فالمعجزة، وفق هذه النظرة، هي خرق لقوانين الطبيعة، أما التنبّؤ بالمستقبل فلا يخرق أي قانون من قوانين الطبيعة38. أدّت هذه الملاحظات وغيرها إلى وصف ثلاثيّة جعيط، لا سيما جزؤها الأول، بأنها "مجموعة من الأفكار والرؤى، المصوغة على عجل، والتي يسودها التكرار والتقطّع والتعجّل"39. وهي تشير، وفق زبير خلف الله، إلى "مفكر يتقاذفه القلق والحيرة "40. وقد عبّ العليبي عن اعتقاده أنّ أطروحات جعيط تتناقض بأوضح العبارات في هذه المسألة: "[إنّ] الخطاب المبثوث في ثنايا كتاب جعيط خطاب مشوب بالتردد، تخترقه التناقضات من كل جانب، فصاحبه يؤكّد تارة هذه الأطروحة أو تلك، ثم لا يلبث أن ينفيها"41. وقد تكرّر هذا الاتهام بالتناقض والتشوّش في كثير من مراجعات أجزاء ثلاثيّة جعيط.
4. نقد موقف هشام جعيط من المصادر والمراجع
انتُقد موقف جعيط من المصادر والمراجع التي استخدمها، ومنها القرآن، لرفضه الاعتداد بالمصادر الإسلامية في كثير من الأمور وشكّه المبدئي فيها42، لا سيّما المصادر المتأخرة. يردّ بن عبد الجليل على هذا الرأي قائلً إنّ الأصل هو الإفادة من المصادر المتاحة بعد أن يقوم المؤرخ بما يجب عليه من نقدٍ لها وتمحيص لمحتواها. وبالمنطق نفسه، لا يجوز، من وجهة نظر بن عبد الجليل، رفض المصادر
المتأخرة لمجرد تأخرها43. وقد انتبه بن عبد الجليل إلى أن جعيط لم يلتزم بهذا الموقف من المصادر التزامًا تامًّا؛ إذ عاد أحيانًا إلى مصنّفات السير والتاريخ44. وانتقد بعض النقاد رفض جعيط للإسناد ورفضه للتواتر أيضًا، مع أن التواتر يستند إليه قدر كبير من العلم والمعرفة. يوضّح الصادقي أننا نعرف عن البلاد البعيدة، على سبيل المثال، من تواتر الأخبار عن وجودها، مع أننا لم نزرها قط45. إن المضمون الواضح هنا هو أن رفض التواتر لن يقتصر ضرره على رفض بعض الأخبار التاريخية، بل يتجاوز ذلك ليضرّ بالمعرفة الإنسانية عمومًا. وانتقد البعض رفض جعيط روايات أجمعت المصادر عليها، وإن شابت الأخبار عنها اختلافات، أو حتى تناقضات46، أو سكت القرآن عنها، كقصة الغار المعروفة في المصادر الإسلامية47. فالاختلاف بين المصادر أو سكوت القرآن قد يدعونا، في رأي الصادقي، إلى الشكّ في خبر حادثة ما، لا رفضها، ف "كم من وقائع ذكرها هشام جعيط لم يشر إليها القرآن"48. يفترض جعيط هنا أنه يجوز أن نجد في القرآن من التفاصيل ما يغنينا عن المصادر الأخرى. بيد أن القرآن، وفقًا لناقد آخر، لا يهتم كثيرًا بالتفاصيل، أو قد يوردها في سياق لاحق للأحداث المرتبطة بها49. وهكذا، تنقد هذه الآراء رفض جعيط- التعسفي، في ما يبدو لهم - لكثير من الاحتمالات الجائزة في التعامل مع المصادر التاريخية. فضلً عن ذلك، انتقد قبول جعيط لتاريخية القرآن وعدّه "كتابًا مقدسًا" باعتبار هذا الأمر قضية إيمانية لا تُلزم المؤرخ50. وقد سبق ذكر رأي جعيط في القرآن مصدرًا للمعرفة التاريخية عن صدر الإسلام. وانتقد جعيط كذلك لإهماله كثيرًا من المسائل التي أثارتها المصادر الإسلامية نفسها حول تاريخ النصّ القرآني، وهو الأمر الذي عدّه البعض "اختزلً لحالة النص القرآني ووضعه". فعلى سبيل المثال، يتحدث بن عبد الجليل، على نحو محدد، عن قضية كتابة القرآن والخط القرآني والمصاحف المختلفة، معتبرًا تجاهل جعيط لها "إنكارًا لتاريخ النص" الذي شهد، وفق بن عبد الجليل، اختلافات كثيرة حتى انتصر المصحف العثماني برسمه المعروف على ما عداه51، بل إنه يرى أن استخدام القرآن في فهم ما يقول القرآن عن الأحداث التاريخية يجعل القرآن "كلامًا دائرًا على ذاته"، واصفًا هذا الرأي بأنه "عقدي تسليمي"، في مقابل الموقف "التفهّمي التحليلي" الذي وعد به جعيط قارئه52. وفي سياق إهمال بعض الأخبار التاريخية نفسه، يبدي العليبي دهشته من إهمال جعيط قصة الغرانيق المذكورة في بعض المصنفات الإسلامية، ويرى أننا نجد تأكيدًا لها في سورة الحج، ويعدّ هذه القصة في "موقع القلب" من أي بحث يتناول الوحي والسيرة النبوية53.
وكان العليبي قد انتقد وصف جعيط القرآن بالوضوح والدقة المطلقيَن، متسائلً عن سبب اضطراب جعيط في تفسير بعض آياته أو ترجيح تفسيرات معيّنة على أخرى، وهو أمر يراه مناقضًا لفكرة الوضوح الكامل. ويرجع العليبي- متحدثًا عن الجزء الأول من ثلاثيّة جعيط تحديدًا - هذا التناقض والتشوّش إلى "الاضطراب الذي شاب كتاب [جعيط] في الحقل المنهجي" على نحو عام54. وأخيرًا، انتُقد جعيط بسبب موقفه المُعلن من كتابات المستشرقين؛ إذ آخذه بعض النقاد بتقليله المبدئي من شأن المستشرقين عمومًا، بوصفهم أقل قدرة على فهم التاريخ الإسلامي واستيعاب خصوصياته55، وهو أمر يتعارض مع المنهج الفينومينولوجي في رأي بعض النقاد، ويفترض ضرورة اقتران الإيمان بالبحث العلمي، بحيث لا يبحث في تاريخ عقيدة ما إلا أصحابُها56، وقد غلب هذا المنطق على النقد الذي وُجّه إلى جعيط في هذه المسألة، وإن رأى بعض من عقّبوا على ثلاثيّته أنه لم يفعل أكثر من ترديد آراء بعض المستشرقين، وهو أمر كان الأحرى به التصريح به، لا إخفاؤه57. لا نجد هنا بالضرورة إشارات محددة لهذه الاستعارات، وهي مسألة نعود إليها لاحقًا.
5. نقد لغة هشام جعيط واختيار مفرداته وعباراته
في ما يخص لغة جعيط ومدى حياديتها وموضوعيتها - وهي قضية تتقاطع أيضًا مع المنهج والموضوع-فإنه قد انتُقد لاستخدامه عبارات ذات حمولات كبيرة، فضلً عن أنها تفتقد الحساسية ولا تعكس ما ينبغي أن يكون عليه البحث المستند إلى منهج فينومينولوجي. على سبيل المثال، انتُقد في استخدامه كلمة "المجازر" في وصف غزوات الرسول ضد اليهود58، أو تصريحه بوجود "تناقضات" في القرآن، وهو الأمر الذي ذكره جعيط معتقدًا أنه يضيف إلى القرآن ولا يقلل منه59. وقد يكون أسوأ هذه النماذج هو قياس الله على البشر60، ليصل الأمر إلى نفي وصف الله بأنه على كل شييء قدير، ذلك أنه "لا يقدر أن يتجاوز هويته، ولا يقدر مثلً أن يعدم نفسه، ولا أن يزيح حكمته أو قوته"61. وفي المقابل، انتقد البعض لغة جعيط الإيمانية أحيانًا وتسليمه بأمور إيمانية واعتقادية يجب ألّ يعتدّ بها المؤرخ المحايد والموضوعي62. وهكذا، وصفت أعماله بأنها "فاقدة للموضوعية العلمية [...] ومشحونة خطابة ووجدانًا إيمانيًّا"63. وانتقد جعيط أيضًا في عرض بعض أفكاره بلغة قطعية، أو انحيازه المطلق إلى خيارات معيّنة أحيانًا بغير مبرر مفهوم، على الرغم من تصريحه هو نفسه بنسبية الحقيقة في البحث العلمي64. وأخيرًا، انتقد جعيط بسبب ما عُدّ ضعفًا واضحًا في لغته العربية، تلك اللغة التي وصفها هو بال "فقيرة"، فجاءت لغته هو، في رأي أحد النقاد، "مهزوزة ومشوشة في عدد غير قليل من الحالات مما يحول دون فهم مقاصد المؤلف"65. يستعرض ماهر عبد المحسن
ما وصفه بنقد "علماني" لجعيط؛ إذ يصف لغته بأنها "كلام غامض وغير مفهوم في بعض الأحيان ومتناقض في أحيان كثيرة"، وهو الأمر الذي يرجع في اعتقاده إلى "عدم اعتياده على الكتابة بالعربية مباشرة"66.
يف نقد نقد هشام جعيط
من خلال استعراض ما سبق من أوجه نقد كثيرة - منهجية أساسًا وإنْ تقاطعت أحيانًا مع الموضوع - وجّهت إلى كتابات جعيط عن السيرة النبوية، تتضح لنا حالة التشظّي الموجودة في الكتابات التاريخية المعاصرة في الوطن العربي. فالتمييز التقليدي للتيارات الفكرية بين تيارات إسلامية وأخرى علمانية لا ينطبق على نحو واضح على حالة جعيط. فمع أن قدرًا كبيرًا من النقد الذي يبدو التزام أصحابه بما يمكن أن نطلق عليه المنهج الإيماني في دراسة التاريخ لا يُستغرب كثيرًا من حيث استناده إلى أفكار أيديولوجية أعلن جعيط تحرره منها - وهو الأمر الذي يدل على فشل أصحاب المنهج الإيماني في فهم منطلقات أصحاب المناهج التي تحررت منه - فإن قدرًا كبيرًا من النقد، بل ربما القدر الأكبر منه، جاء مِن منتمين إلى تيارات علمانية، على الأقل في عيّنة النقد التي اختيرت عشوائيًّا في هذه الدراسة. اختلف بعض هؤلاء النقاد مع جعيط في أمور محددة تدخل في ما يمكن عدّه نقدًا يهدف إلى دعم الأفكار من خلال تنبيه صاحبها لبعض أوجه القصور فيها، بيد أن القدر الأكبر من هذا النقد يسعى بوضوح إلى نقض أفكار جعيط من خلال تبيان تهافت منهجه وتناقض أفكاره وضعف أطروحاته وافتقاده الموضوعية والحياد، بل هشاشة لغته أيضًا. غلب هذا النقد المناهض لمنهج جعيط وأطروحاته على كثير من مراجعات كتبه، لكننا نجد، في الوقت ذاته، حتى ممن انتقدوه منهجيًّا وموضوعيًّا، من يصف منهجه بأنه "مقاربة تاريخية عميقة بقوانينها وصرامتها"67، وأن كتاباته تفتح الطريق "نحو عقلنة التراث الديني"68، أو أنها أضافت إلى دراسة التاريخ الإسلامي "التحليل الثقافي والفني، الذي يعد إضافة مهمة لاستنطاق التاريخ "69، أو أنه "استطاع برؤيته الفينومينولوجية أن يرفع الطابع السحري عن التاريخ الإسلامي وحضارته وثقافته"70، أو أنه "يقف اليوم [...] في طليعة المؤرخين العرب المعاصرين"71، أو أن عمله تحلّ ب "أكبر قدر من الرصانة والموضوعية [...] [وتميز ب] رصانة المنهج وشساعة [كذا] الاطلاع"72، أو أن دراسته تُعد "أول دراسة جادة للسيرة النبوية في العالم العربي والإسلامي "73. ثم نجد من يصف لغة جعيط بأنها تشتمل على "نزوع بلاغي فيه من التشويق والجاذبية على قدر ما فيه من بيان وقدرة على إثارة فضول القراء وحدوسهم وتشغيل أذهانهم"، وأن أسلوبه يتسم ب "اقتصاد لغوي متجانس" و"دقة التعبير"74. وأخيرًا، لا نعدم من وصفه بالموضوعية والحياد75.
إذا ابتعدنا الآن عن أفكار جعيط نفسها، فإن مجرد هذا الاختلاف الكبير حول منهجه يبرهن، على نحو واضح، على غياب أي اتفاق بين الباحثين العرب في التاريخ حول مبادئ البحث التاريخي وأسسه، وهو أمر لا يعكس ثراء فكريًّا وتعددية منهجية تتمثل في نظريات ومقاربات مختلفة كما قد يكون الحال أحيانًا في حالة الاختلاف، بقدر ما يعكس رؤى ومواقف منهجية غير قادرة على التواصل في ما بينها أو الاعتراف ببعضها، وهو أمرٌ يعني على الأرجح عجزها عن إنتاج المعرفة من خلال تلاقح الأفكار وتبادل الرؤى والاستفادة من الخبرات المختلفة التي توظّف مقاربات متباينة ومناهج متعددة. وربما يحمّل البعض جعيط نفسه مسؤولية هذا الأمر، ذلك أنه صرّح في بداية الكتاب أنه تردّد في كتابته باللغة العربية أو الفرنسية، وهو تردّد قد يبعث على الدهشة من مفكر عربي يُفترض أن يُخاطِب الجمهور العربي. بيد أنّ البادي هنا، بصرف النظر عن بواعث ذلك التردد، هو أنه اختار كتابته بلسان عربي، مستحضرًا في الوقت نفسه الجمهور الفرنسي الذي كان سيقرأ كتابه بالفرنسية، فانتهى به الأمر إلى تأليف سيرة لا ترضي المؤرخ المحترف بما احتوت على أمور لا تلزم إلا المؤمن بها، ولا ترضي المؤمن بما اشتملت عليه من شطحات لا تقوم - في نظر كثير من النقاد - إلا على أدلة ضعيفة وتستخدم لغة تفتقر إلى الحساسية على أقل تقدير76. ربما يفسرر هذا الأمر وصف العليبي لجعيط بأنه يظهر في ثلاثيّته بوصفه "إسلامويًّا سلفيًّا" أحيانًا، وبوصفه "علمانيًّا عقلانيًّا" في أحيان أخرى77. وربما زاد على ذلك أن جعيط يبدو أنه أقحم نفسه في أمور لا يتقنها؛ إذ يقول، على سبيل المثال، "استفحل الأمر [أي اعتبار النبي يتكلم عن وحي] إلى أن وصل بعض المسلمين الآن إلى تفويق [كذا] السنة على القرآن"78. فهذه القضية قديمة ومعروفة، ناقشها علماء المسلمين في مبحث النسخ وغيره في كتب أصول الفقه، ولا تعني علوّ السنة على القرآن من ناحية المكانة الأنطولوجية والمعرفية، مع اعتبارهما نوعيَن من الوحي مختلفيَن، بل سعت إلى حل إشكالية معيّنة تتعلق بتحديد الناسخ والمنسوخ. أما فكرة أن النبي لم ينطق عن الهوى في أمور الدين، فربما لم تكن هي موطن الخلاف بين المسلمين الأوائل، بل دار الخلاف حول ما إذا كان النبي قد نطق بشيء منسوب إليه أصلً من عدمه. ولا ينفي هذا الأمر، بكل تأكيد، تطوّر تصوّر المسلمين لشخصية الرسول وفق السياق المكاني والزماني الذي عاشوا فيه. وقد نضيف هنا أيضًا أن الاختلاف في قضية التواتر - التي رفض جعيط قبولها مصدرًا لصحة الأخبار التاريخية ونقد البعض له في هذا الأمر باعتبار التواتر أساسًا لقدر كبير من علمنا بالأمور الخاصة بالإسلام عقيدة وتاريخًا - يعكس كذلك عدم وضوح لدى جعيط وبعض نقاده على السواء. فالتواتر الذي يقرّب الأخبار التاريخية من درجة اليقين هو التواتر الذي يقع في بداية رواية الخبر، وهو ما يفترض حدوثه مع القرآن على سبيل المثال. أما حين يبدأ الخبر بوصفه خبرًا من أخبار الآحاد، فإن التواتر لا يثبت صحته في أصله ووقوع ما يذكره من أحداث، وإنما يثبت صحة روايته بدءًا من الراوي الذي اشتُهر بعده الخبر وتواتر. وقد كان هذا الأمر على الأرجح هو ما دفع البعض إلى قبول عدالة بعض الرواة الأفراد من حيث المبدأ (كصحابة الرسول محمد، وفق مبدأ عدالة الصحابة في مذهب أهل السنة والجماعة)، وذلك للتغلّب على احتمال تضعيف خبرٍ استنادًا إلى أضعف حلقاته من جهة العدد قبل أن يستفيض ويتواتر79. إن رفض
التواتر إذا تحقّق في بداية رواية الخبر يُعد نوعًا من العبث المعرفي، غير أن وصف خبر لم يبدأ متواترًا بالمتواتر يحيد، على نحو واضح، عن الأمانة العلمية. المهم هنا هو أنّ أي موقف جامد من التواتر من دون النظر في تواتر كل خبر على حدة ليس من العلم في شييء. وربما يتعجّب البعض من تسليم كثير من النقاد بفكرة تخلي جعيط فعليًّا عن المصادر التاريخية الإسلامية أو الظنّ أنه كان أول من نجح في الاقتصار على القرآن80. بيد أن هذا أمر لا يستطيع أي مؤرخ القيام به أصلً لاستحالته العملية والنظرية. فأي مؤرخ لتاريخ صدر الإسلام لا يملك إلا الاشتباك مع ما تقوله المصادر، قبولً أو رفضًا أو نقدًا، وهو الأمر الذي انتبه له قلة من النقاد كما بينّا. أمّا نظريًّا، فلا يبدو أن هناك مفرًّا من المصادر الإسلامية، وذلك لعدم توافر ما يكفي من غيرها. والقرآن، كما نوّه بعض النقاد، لا يذكر كثيرًا من تفاصيل الأحداث التي شكّلت السيرة النبوية، بل إن ما يذكره من تفاصيل لا يمكن فهمه أصلً إلا من خلال ما نعرفه من كتب السيرة. وفي حالة جعيط، فإنه يستند، بكل تأكيد، إلى المصادر الإسلامية في كل أجزاء كتابه، سواء في وضع الإطار العام للسيرة، أو في التفاصيل81. إن ما يفعله جعيط فعليًّا ما هو إلا إعادة تركيب الصورة التاريخية من خلال ما توافر لدينا من معطيات، وهو أمر لا يبدو أن كثيرًا من النقاد قد انتبه له. ومع وجود بعض الاستثناءات (مثل زبير خلف الله، وهو ناقد لجعيط ولموقفة من آراء المستشرقين؛ والساسي بن محمد ضيفاوي ونبيل فازيو، وهما مثنيانِ عليه وقابلان، عمومًا، لقبوله بعض آراء المستشرقين-دّة بدا اعتقاد النقاد في جِ أفكار جعيط. والواقع هو أنّ كثيرًا من أفكاره - إن لم تكن كلها - ليست جديدة أصلً، بل إنها موجودة ومعروفة في كثير من الكتابات الغربية حول الإسلام، وهو أمر يدل أيضًا على عدم معرفة كثير من نقاد جعيط بأهم الكتابات الغربية عن السيرة النبوية وتاريخ صدر الإسلام، أو اقتصار معرفتهم على ما أنتج منها بلغة أجنبية معيّنة.ُ وقد يُتعجب أيضًا من أن قلّة من النقاد فقط لم تنتبه لخطورة رأي جعيط في ما يخص دلالة القرآن. إن الرأي الذي ساد في الحضارة الإسلامية كان احتمال النص القرآني لتأويلات عديدة، وإن كان هناك من قال بوجود تأويل واحد صحيح بطبيعة الحال. ولعلنا نسأل هنا: ما الأفضل للبحث التاريخي، أن يُعدّ القرآن نصًّا "متعدد الأبعاد والدلالات والأوجه"82، يقبل التأويل، كما عدّه أغلب المسلمين في تاريخهم، أم نصًّا واضحًا تمام الوضوح كما يصوّره جعيط في معرض تبرير اقتصاره عليه، وإن ناقض نفسه حين قال - في سياق معيّ وبمعنى معّي - بوجود تناقضات فيه؟ وبناءً على هذا الاعتقاد، عرض جعيط كثيرًا من أفكاره على أنها حلّت الألغاز التي حار فيها المؤرخون، وإن كانت لا تقوم بالضرورة على دليل قد يعدّه أغلب الباحثين حاسمًا، كاعتباره سورتَ النجم والتكوير بداية الوحي، على سبيل المثال، من دون دليل قويّ، أو حتى ضعيف. ينطبق الأمر نفسه على استدعاء جعيط للأديان الأخرى في معرض دراسته لأصل الإسلام؛ إذ لم ينتبه النقاد إلى أن دراسة الأديان وكأن المشترك بينها أكبر من المختلف، ودراسة الوحي والنبوة والكتب المقدسة وكأنها أمور مشتركة بين الأديان، لا يعدوان كونهما مجرد تحكمات لا دليل عليها، ويبدآن بافتراض ما يجب أن يكون موضوعًا للبحث والبرهان. ومع اختلاف هذه الأمور لدى النقاد أو غيابها عن بعضهم، بدا أنّ هناك إجماعًا على نقد خلط جعيط التاريخ بالميتافيزيقيا، وهو أمر يضرّ بكليهما ضررًا واضحًا. وقد يستغرب المؤرخ فعلً أن يجد جملة مثل: "الوحي هو ما يأتي بعد التجلي الذي هو إدراك وانكشاف". إن أفضل ما يمكن أن يقال عن أي نظرة تخصّ هذه الأمور هي أنها جائزة، بيد أننا نفتقد أيَّ وسيلةِ تحقّقٍ منها أو برهنة عليها، أو حتى دحض لها، وهو
الأمر الذي يخرجها من دائرة العلم كما نفهمه اليوم83. ولننظر أيضًا إلى تصريحه بأنه "لا مرض ولا جنون في النبوة أبدًا"، متسائلً: "كيف نفسرر هذه الحالات بالمرض النفسي والأنبياء أتوا بالحكمة والكلام العميق؟". إن نفي المرض والجنون عن النبي هو قضية إيمانية بحتة، وهي تقوم على تعريف النبوة نفسها، لا عن شييء خارج عنها، وهو ما يعني أن قضية "لا مرض ولا جنون في النبوة أبدًا" هي قضية دائرية لا تخبرنا بأي شييء، ولا تبرهن على أي شييء. أما رفض وجود المرض النفسي لكون شخص معيّ أتى بما نراه نحن أنه "كلام عميق"، فلا علاقة له أيضًا بالعلم؛ فليس كل مرض نفسيّ يمنع صاحبه بالضرورة من التفكير في "كلام عميق". ومهما كان الأمر، فإننا نتحدث عن أمور لا يمكن لصاحب رأي فيها إثباته، ولا يمكن لناقده دحضه. هي مجرد ميتافيزيقا، قد نقرؤها ونستمتع بها ونحلق معها عاليًا، إلا أنها لا تزودنا بقضايا يمكن وصفها بالعلمية. ولا يبدو أن تصريح جعيط باختلاف طبيعة الجزء الأول من ثلاثيّته عن جزأيها الثاني والثالث، واعترافه بأن الجزء الأول كان دراسة "نصف كلامية ميتافيزيقية ونصف تاريخية"84، قد شفعا له عند ناقديه؛ لأنه ربما أقحم قضايا تاريخية في الجزء الأول وضفرها، على نحو واضح، مع أفكاره الميتافيزيقية عن الوحي، فهجر "أرضية التاريخ" ليرتمي "في أحضان 'الغيب الغائب'"، كما وصفه أحد النقاد85. ويبدو أن الجزء الأول من الثلاثيّة قد أساء إليها بطريقة قصرت جُل تركيز النقاد عليه، وبطريقة منعت الاهتمام بما جاء به جزؤها الثاني والثالث. ترتبط كل هذه الأمور، على نحو جليّ، بالتشوّش الواضح لدى جعيط، بدءًا من وصفه لمنهجه، ووصولً إلى تعبيره عن أفكاره. فكيف يفترض أن يفهم القارئ المقصود ب "استنباط منهج عقلاني تفهمي" في وصف جعيط لمنهجه؟ فهل المقصود هو استنباط منهج؟ أم تطبيق منهج؟ أم أن الاستنباط والتطبيق سيّان لدى جعيط؟ وكيف يوفّق القارئ بين تصريحه في مقدمة الجزء الأول من ثلاثيّته - التي وصفها أولً بأنها كتاب علمي وليست دراسة فلسفية، وثانيًا بأنها دراسة نصف كلامية-ميتافيزيقية ونصف تاريخية - بأن منهجه "يعتبر [...] كمعطى ما هو لب الدين الإسلامي: الوحي، الإيمان، البعث"، وتصريحه في مقدمة الجزء الثاني من الثلاثية نفسها بأن المؤرخ يتناول الحقائق الدينية بالوصف والتحليل ويضعها في سياقها التاريخي "من دون الالتزام بالمعطى الإيماني"؟86 فهل يرتبط هذا الموقف الأخير بالدراسة "التاريخية البحتة" التي ما زالت تتناول "الماورائي"؟ يظهر التشوّش أيضًا في غياب، أو خفاء، الترابط بين أفكار جعيط، سواء في الفقرة الواحدة أو في العلاقة بين الفقرات، وهو الأمر الذي يظهر، على سبيل المثال، في مقدمة الجزء الأول من ثلاثيته. وقد اعتدنا في العالم الفكري العربي تجاهل هذه الأمور التي ترتبط بأساسيات الكتابة الأكاديمية والعلمية مع المفكرين الذين ذاع صيتهم، وهو أمرٌ يدل في ذاته على غياب الموضوعية عن النقد العربي المعاصر. وأخيرًا؛ كما يعبّ النقد الرافض للتعاطي مع أي تفسيرات تاريخية تتناقض مع أفكار معيّنة عن المشاركين في الأحداث - وهو ما وصفتُه في موضع آخر بالقراءة الأيديولوجية للتاريخ - عن أزمة حقيقية في البحث والنقد التاريخيين في العالم العربي، يعبّ الاقتصار في نقد جعيط على التصريح بالإعجاب به لشجاعته أو لخرقه التابوهات أو لاتخاذه موقف الشك المبدئي من المصادر الإسلامية، عن أزمة لا تختلف كثيرًا في طبيعتها الأيديولوجية، وإن اختلفت الأيديولوجيا. فهذه الأمور يجب ألّ تُمتدح في ذاتها، بل يُمتدح التوظيف الصحيح لها، وهو الأمر الذي كان من الأحرى ببعض من أثنى على كتابات جعيط الاهتمام به والتركيز عليه. ربما نصل هنا إلى نتيجة مفادها أن العوار لم يكن في المنهج فقط، بل في نقد المنهج كذلك.
المراجع
العربية
أيت الزين، عبد الواحد. "في نقد بداهات الوحي: هشام جعيط أنموذجًا، مدخل استشكالي: نحو الانفلات من رؤية 'بادئ الرأي' إلى 'الوحي'". تبُّيُّ، مج 5، العدد 16 (2016).
بخضرة، مونيس. "هشام جعيط والتاريخ معًا لمراقبة المؤرخ". أوراق فلسفية، العدد 42 (2015).
بن أحمد، عبد الستار. "في تاريخية الدعوة المحمدية وفي الجغرافيا التاريخية لفترة ظهور الإسلام: كتاب في قراءة هشام جعيط تاريخ الدعوة المحمدية في مكة". مجلة موارد، العدد 12 (2007).
بن عبد الجليل، المنصف. "ملاحظات في الوحي والقرآن والنبوة". حوليات الجامعة التونسية، العدد 44 (2000).
بن عدي، يوسف. "الرؤية التاريخية والتفسير الوضعي للإسلام في الوحي والنبوة والسيرة". أوراق فلسفية، العدد 42 (2015).
جعيط، هشام. في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوة. ط 2. بيروت: دار الطليعة، 2000.
__________. في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة. بيروت: دار الطليعة، 2007.
__________. في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام. بيروت: دار الطليعة، 2015.
خلف الله، زبير. "قراءة في فكر هشام جعيط ومنهجه". البيان، العدد 371 (2018).
السيد، رضوان. "الوحي والقرآن والنبوة: قراءة في كتاب هشام جعيط". مجلة التسامح، العدد 3 (2003).
الشريف، سمير بن أحمد. "مع جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر". مجلة العقيق، مج 5، العدد 9 - 10 (1996).
صالح العايب، سلوى بلحاج. "في السيرة النبوية: الوحي والقرآن والنبوة لهشام جعيط". مجلة المسار، العدد 45 (2000).
ضيفاوي، الساسي بن محمد. "الشك منهجًا إجرائيًّا في تفكيك البدايات التأسيسية للإسلام المبكر: هشام جعيط أنموذجًا". مجلة موارد، العدد 23 (2018).
عبد المحسن، ماهر. "هشام جعيط في ميزان النقد بين الإسلاميين والعلمانيين". أوراق فلسفية، العدد 42 (2015).
عثمان، عمرو. "مقتل حُجر بن عَديّ والقراءة الأيديولوجية للتاريخ". أسطور، العدد 8 (2018).
العليبي، فريد. "قراءة نقدية في كتاب هشام جعيط 'الوحي والقرآن والنبوة'". المجلة التونسية للدراسات الفلسفية. العدد 34 - 35 (2003). قراءة هشام جعيط تاريخ الدعوة المحمدية في مكة". مجلة موارد، العدد 12 (2007).
مسعى، عفاف. "إعادة قراءة السيرة النبوية عن هشام جعيط". مجلة دراسات، العدد 9 (2018).
الندوة الفكرية: التاريخ والتقدم - دراسات في أعمال هشام جعيط. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء، 2011.
الأجنبية
Clark, Elizabeth A. History, Theory, Text: Historians and the Linguistic Turn. Cambridge/ Massachusetts/ London:
Harvard University Press, 2004.
الهوامش
- هشام جعيط، في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 8.
- هشام جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة (بيروت: دار الطليعة، 2007)، ص 5.
- جعيط، في السيرة النبوية - 1 -، ص 12.
- هشام جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 5 - 6.
- جعيط، في السيرة النبوية - 1 -، ص 27.
- جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 8 - 9.
- المرجع نفسه، ص 8، 15.
- المرجع نفسه، ص 19.
- جعيط، في السيرة النبوية - 1 -، ص 7.
- وفي موضع آخر، "المصدر الوحيد الوثيق للتجلّي والوحي". ينظر: المرجع نفسه، ص 39.
- المرجع نفسه، ص 18؛ جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 21 - 26.
- المرجع نفسه، ص 15 - 16 ومواضع أخرى؛ ينظر مناقشة جعيط للمصادر: في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام (بيروت: دار الطليعة، 2015)، ص 7 وما بعدها.
- جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 15.
- أحمد الصادقي، "تجربة الوحي والنبوة في كتاب 'الوحي والقرآن والنبوة' لهشام جعيط". الندوة الفكرية: التاريخ والتقدم- دراسات في أعمال هشام جعيط (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء، 2011)، ص 180. 15 المرجع نفسه.
- المرجع نفسه، ص 181.
- المرجع نفسه.
- المرجع نفسه، ص 179.
- المرجع نفسه، ص 183.
- المنصف بن عبد الجليل، "ملاحظات في الوحي والقرآن والنبوة"، حوليات الجامعة التونسية، العدد 44 (2000)، ص 26.
- فريد العليبي، "قراءة نقدية في كتاب هشام جعيط 'الوحي والقرآن والنبوة'"، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 34 - 35 (2003)، ص 78.
- المرجع نفسه، ص 82.
- المرجع نفسه.
- المرجع نفسه، ص 83.
- المرجع نفسه، ص 74.
- عبد الواحد أيت الزين، "في نقد بداهات الوحي: هشام جعيط أنموذجًا، مدخل استشكالي: نحو الانفلات من رؤية 'بادئ الرأي' إلى 'الوحي'"، تبيُّن، مج 5، العدد 16 (2016)، ص 195.
- سمير بن أحمد الشريف، "مع جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر"، مجلة العقيق، مج 5، العدد 9 - 10 (1996)، ص 238 - 239.
- مقتبس، في: الشريف، "مع جدلية الدين والسياسة"، ص 239.
- الصادقي، ص 175.
- بن عبد الجليل، ص 28.
- المرجع نفسه.
- العليبي، ص 77.
- الصادقي، ص 185.
- المرجع نفسه، ص 181 - 182.
- المرجع نفسه، ص 205. يقول جعيط: "وتذكر لنا كتب التفسير أن محمدًا كان يرى في اليقظة المشاهد"، أما عيناه فكأنهما "واقع حاضر مثل مشهد القدس وغير ذلك ومثل الوقائع الحربية كبدر حيث يشاهد الملائكة يقاتلون ولا يراها غيره ﴿بِجنُودٍ لَمْ ترَوْهَا﴾ يقول القرآن (التوبة، 40). وكل هذا صحيح وليس ببهتان وكذب، فلا معنى لذلك، بل على الأقل يتوجب تفهم تركيبة النفسية النبوية إذا أراد المرء استبعاد تدخل الماورائي"؛ ينظر: جعيط، في السيرة النبوية - 1 -، ص 57. اعتمد الصادقي على عبارة "وكل هذا صحيح وليس ببهتان وكذب" في استنتاج تسليم جعيط بوقوع بعض معجزات الرسول. ومع جواز هذا الاحتمال استنادًا إلى حديث جعيط قبل ذلك في الفقرة نفسها عن قدرة الرسول محمد على إدراك الماورائي، فإن ما يذكره جعيط بعدها مباشرة قد يوحي بأنه قصد أمرًا آخر من خلال الإشارة إلى تلك الأخبار عن معجزات الرسول.
- العليبي، ص 78.
- الصادقي، ص 203.
- رضوان السيد، "الوحي والقرآن والنبوة: قراءة في كتاب هشام جعيط"، مجلة التسامح، العدد 3 (2003)، ص 3.
- زبير خلف الله، "قراءة في فكر هشام جعيط ومنهجه"، البيان، العدد 371 (2018)، ص 54.
- العليبي، ص 80.
- ينظر على الأخص مقالة الساسي بن محمد ضيفاوي، "الشك منهجًا إجرائيًّا في تفكيك البدايات التأسيسية للإسلام المبكر: هشام جعيط أنموذجًا"، مجلة موارد، العدد 23 (2018)، ص 73، إذ يخلص ضيفاوي إلى أن موقف جعيط من المصادر واستنتاجاته لا يجعلانه يختلف اختلافًا كبيرًا عن باتريشيا كرونه ومايكل كوك، وقد كان لهما حظّ من نقد جعيط؛ ينظر، على سبيل المثال: جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 14.
- بن عبد الجليل، ص 29.
- المرجع نفسه، ص 29 - 30.
- الصادقي، ص 209.
- المرجع نفسه، ص 176.
- المرجع نفسه، ص 8.
- المرجع نفسه، ص 176.
- بن عبد الجليل، ص 31.
- ماهر عبد المحسن، "هشام جعيط في ميزان النقد بين الإسلاميين والعلمانيين"، أوراق فلسفية، العدد 42 (2015)، ص 144. يذكر عبد المحسن هذا الرأي في معرض عرضه للنقد "العلماني" لمحمد المزوغي لكتابات جعيط. وفق هذا الرأي، فإن "المؤرخ الجدي [...] لا يعترف بالألوهية والمقدس والتعالي، فهي تخرج تمامًا عن مناهجه وأهدافه".
- بن عبد الجليل، ص 25.
- المرجع نفسه، ص 27.
- العليبي، ص 84 - 85. وتقول قصة الغرانيق باختصار أن الرسول أقرّ ببعض الأصنام في معرض قراءته سورة النجم، وهي حادثة رفضها أغلب المسلمين، وإن قبلها البعض بتأويلات مختلفة. والآية التي يعدّها العليبي تأكيدًا للحادثة هي: ﴿ومَا أ رْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍولَ نَبِيٍّ إَِّلَّ إِذَا تمنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أمْنُِيَّتهِفيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتَهِوَاللَّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج: 52).
- المرجع نفسه، ص 78.
- سلوى بلحاج صالح العايب، "في السيرة النبوية: الوحي والقرآن والنبوة لهشام جعيط"، مجلة المسار، العدد 45 (2000)، ص 17؛ السيد، ص 12.
- العليبي، ص 76.
- خلف الله، ص 58؛ الشريف، ص 236.
- الشريف، ص 236.
- الصادقي، ص 185. يرى الصادقي أنه لو كان القرآن عقلانيًّا كما يقول جعيط، فمن الأولى الحديث عن "الاشتباه أو المشتبه أو المتشابه بدل التناقض"؛ المرجع نفسه، ص 186 - 187.
- المرجع نفسه، ص 184.
- والجملة مذكورة في: جعيط، في السيرة النبوية - 1 -، ص 53.
- الشريف، ص 240.
- عبد المحسن، ص 146. يذكر عبد المحسن هذا الرأي في أثناء عرضه لنقد محمد المزوغي (العلماني) لكتابات جعيط. ووفقًا لعبد المحسن أيضًا، يرجع المزوغي هذا الأمر إلى إلقاء جعيط محاضرة في مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود في المغرب، متسائلً: "أتريدون أن يلقي أحدهم محاضرة في مؤسسة دينية أمام حشد من المؤمنين ويقول أشياء مخالفة للإسلام السني الوهابي؟"؛ ينظر: المرجع نفسه، ص 148.
- خلف الله، ص 56.
- العليبي، ص 72؛ السيد، ص 5؛ عبد المحسن، ص 146.
- المرجع نفسه.
- عبد الستار بن أحمد، "في تاريخية الدعوة المحمدية وفي الجغرافيا التاريخية لفترة ظهور الإسلام: كتاب في قراءة هشام جعيط تاريخ الدعوة المحمدية في مكة"، مجلة موارد، العدد 12 (2007.)
- أيت الزين، ص 193.
- مونيس بخضرة، "هشام جعيط والتاريخ معًا لمراقبة المؤرخ"، أوراق فلسفية، العدد 42 (2015)، ص 157.
- يوسف بن عدي، "الرؤية التاريخية والتفسير الوضعي للإسلام في الوحي والنبوة والسيرة"، أوراق فلسفية، العدد 42 (2015)، ص 187.
- عبد الإله بلقزيز، "كلمة الافتتاح الثانية"، في: الندوة الفكرية: التاريخ والتقدم، ص 20.
- نبيل فازيو، "هشام جعيط والإسلام المكي"، في: الندوة الفكرية: التاريخ والتقدم، ص 225.
- عفاف مسعى، "إعادة قراءة السيرة النبوية عن هشام جعيط"، مجلة دراسات، العدد 9 (2018)، ص 143.
- عبد الحميد عقار، "المؤرخ المفكر هشام جعيط"، في: الندوة الفكرية: التاريخ والتقدم، ص 12.
- ضيفاوي، ص 88.
- يقول أيت زين: "والظاهر أيضًا أن رغبته [جعيط] في تشييد بنيان 'سبيل ثالث' لفهم التراث جرت عليه انتقادات الطرفين المومأ إليهما سابقًا؛ فموقفه الإيجابي من محمد كانت له تبعات نقدية على مستوى تلقي الفكر النقدوي التنويري العربي، في حين أن تشكيكه في بعض ثوابت 'التراثيين' كقصة غار حراء وأميّة النبي كان سببًا في استهدافه من طرف المحسوبين على الطرف المحافظ". ينظر: أيت الزين، ص 192؛ ولمزيد من انقسام الآراء حول جعيط، ينظر: عبد المحسن.
- العليبي، ص 78.
- جعيط، في السيرة النبوية - 1 -، ص 45.
- ينظر، على سبيل المثال:
Amr Osman, "ʿAdālat al-Ṣaḥāba: The Construction of a Religious Doctrine," Arabica , vol. 60 , no. 3 - 4 (2013), pp. 272 - 305. - صالح العايب، ص 9.
- وقد يتفق عبد المحسن مع هذا الرأي في ضوء استدعائه لفكرة مارتن هايدغر عن "البنية المسبقة" و"الوعي المسبق". ينظر: عبد المحسن، ص 150 - 153.
- خلف الله، ص 57.
- الجدير بالذكر هنا أن بعض البنيويين - من أمثال ليفي شتراوس - انتقدوا الفينومينولوجيا التي وظّفها جعيط (والوجودية معها) بسبب "نزعاتها الميتافيزيقية". ينظر:
Elizabeth A. Clark, History, Theory, Text: Historians and the Linguistic Turn (Cambridge/ Massachusetts/ London: Harvard University Press, 2004), p. 228. - جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 5.
- أيت الزين، ص 198؛ وهو رأيٌ يبدو أنّ عبد المحسن متفق معه. ينظر: عبد المحسن، ص 154؛ وربما فازيو أيضًا، ينظر: فازيو، ص 227.
- جعيط، في السيرة النبوية - 2 -، ص 6.
- عمرو عثمان، "مقتل حُجر بن عَديّ والقراءة الأيديولوجية للتاريخ"، أسطور، العدد 8 (2018.)