Return to Article Details On the Early Works of Hichem Djaït: The Question of the Past and the Preoccupation with Fate

من بواكير مؤلّفات هشام جعيط: سؤال الماضي وهاجس المصير

On the Early Works of Hichem Djaït: The Question of the Past and the Preoccupation with Fate

محمد حسن | محمد حسن

الملخّص

تتناول هذه الدراسة كتابات هشام جعيط الأولى باللغة الفرنسيّة في التاريخ والفكر، وهي متمثّلة في مقالتين متعلّقتين بعصر الولاة في إفريقيّة، وكتابين؛ أحدهما "الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربي"، والآخر "أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة". وقد وُشِّحت هذه المؤلَّفات بمنهج راوح بين دقّة المؤرّخ وصرامة المفكّر في فلسفة التاريخ ونظرة المتطلّع إلى واقع أفضل، وإن كان لا يخفي تشاؤمه من الراهن أحيانًا. وراوحت المؤلَّفات أيضًا بن مراحل الزمن الثلاث: الماضي والحاضر والمستقبل، سعيًا إلى توظيف التاريخ في قراءة الحاضر، وذلك في سبيل بناء ثقافة عربيّة ملتزمة بقيم الحداثة والعلمانيّة

Abstract

This study deals with Hichem Djaït’s early French writings on history and philosophy. It is represented in two articles related to the era of rulers in Ifriqiya, and two books; The Arab-Islamic Character and Arab Destiny, and Europe and Islam: The Clash of Culture and Modernity. These works are analysed to demonstrate the accuracy of the historian, the extent of his knowledge on the philosophy of history, and the aspirant’s view of a better reality, although he does not hide his pessimism about the present at times. The books also range between the past, the present, and the future, seeking to employ history in their reading the present, in order to build an Arab culture committed to the values of modernity and secularism.

الكلمات المفتاحية:
  • هشام جعيط
  • التأريخ
  • الفكر العربي
  • فلسفة التاريخ
Keywords:
  • History
  • Hichem Djaït
  • Arab Thought
  • Philosophy of History

مقدمة

"إنّ ميزة الثقافة الحيّة هي في استعدادها للخلود، إنّها ليست منفيّة دائمًا بالتاريخ الحقيقي، لكن هذا الأخير ينتشر في حاضره ويقوم بمهامّه"1. رحل صاحب هذه الكلمات جسدًا، لكنّه ترك إرثًا خالدًا في التاريخ والفكر، يتجاوز إشعاعه المجال العربي، كي يندرج ضمن الفكر الإنساني. أسهمت أعماله العلمية الجليلة في تقدّم البحث التاريخي، وفي صياغة رؤية استشرافيّة للفكر العربي نابعة من ضمير واعٍ بقضايا العصر، وتبوّأت مواقفه الفكرية المستنيرة والمستقلّة مكانة مرموقة على الصعيدين المحلّ والعربي. وشّحت كتاباته بنفَس راوح بين صرامة المفكّر في الفلسفة التاريخيّة ودقّة المؤرّخ وشاعريّة الحالم بواقع أفضل، وإن كان لا يخفي تشاؤمه من الراهن أحيانًا. وعرف كيف يوفّق بين مراحل الزمن الثلاث: الماضي والحاضر والمستقبل، وكيف يوظّف التاريخ في قراءة الحاضر. وأعتقد أنّه يعسرر أن نفرّق بين المؤرّخ وفيلسوف التاريخ، ما دامت تأملّاته لم تخرج من حقل التاريخ. أَلمْ يكن عبد الرحمن بن خلدون مؤرّخًا بدرجة أولى، لكنّ ذلك لم يمنعه من كتابة المقدمة التي كانت مُشبعةً بعلم العمران أو الاجتماع. لم يقتصر المجال الذي جال فيه طولً وعرضًا على موطنه الضيّق، وإن لم يكن بعيدًا عن خاطره يومًا، بل كان الأمر سياحة فكريّة انتقل فيها من مكّة ويثرب إلى الكوفة والبصرة، وإلى القيروان وتونس؛ فرسم خريطة عربيّة، لا حواجز تفصل بين أقطارها. كان لأمّهات المصادر ولآخر البحوث والدراسات الصادرة في العالم، في دور النشر والمجلّت العلميّة، قارئًا شغوفًا. وبقدر ما كان مطّلعًا على آخر الإصدارات في ميدان بحثه، وهو المشرق الإسلامي في زمن التأسيس، فإنّ تاريخ المغرب والأندلس لم يكن في منأى عن اهتماماته؛ إذ ألقى محاضرات قدّم فيها قراءات متعلقة بكامل الحقبة تارة، وركّز على عصر الولاة أو على الحقبة الموحّدية تارة أخرى. كان خطابه أشبه ما يكون بمطارحات تنتقل بك من التاريخي والفلسفي إلى الاجتماعي والاقتصادي، ومن المحلّ إلى العالمي، فتُنسيه أحيانًا مقتضيات الزمن وتُنسيك المكان، وتحلّق بك في عالم من الأفكار. لم تكن تمنعه التزاماته العلميّة وتفتّحه على مختلف التيّارات الفكريّة من أن يكون متصالحًا مع جذوره العربية ومنخرطًا في المشاغل القوميّة والوطنيّة. وكان يتمتّع بفكر نقدي ويصدح برأيه بصراحة وجرأة، فيوافق هذا الباحث ويقوم بتصويبٍ لآخر، أو يعارضه، من دون أن يخشى لومة لائم.

أوّلً: شغفٌ بالمعرفة

كانت لقاءات عديدة جمعتني به في مقرّ كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بالجامعة التونسيّة، ولم أجد يومًا، خلافًا لما يعتقد البعض، حرجًا ما في الحديث معه في قضايا شتّى. فهو يحاورك من دون منطلقات قبْليّة، ولا يفرض رأيه، ولا يتصرّف بطريقة المشيخيّة، والهاجس الفكري والعلمي شاغلٌ إيّاه طوال الوقت. تردّد اسمه على مسامعي بمناسبة محاضرات ألقاها بدار المعلمين العليا، منذ أن كنت طالبًا، في أواسط السبعينيات من القرن العشرين، إلّ أنني لم ألتق به وقتذاك. ولمّا التحقت بهيئة التدريس في كليّة الآداب بمقرّها الجديد بمنوبة، في بداية العقد الثامن من القرن الماضي، تولّيتُ حينئذ القيام بالأشغال الموجّهة للدّرس الذي أمّنه، وهو: "الصراعات السياسيّة والاجتماعيّة بالمشرق خلال القرنين الأوّل والثاني ه". فعرفته عن كثب، وسنحت لي فرصة قراءة أطروحته المتعلقة بالكوفة قبل نشرها، والتحاور معه في مسائل مختلفة في

التاريخ والقضايا الراهنة. لم تتكرّر هذه التجربة في السنة الموالية، إلّ أنّنا كنّا ندرّس شهادة الآثار نفسها، فكنت أسبقه إلى القاعة للقيام بدرس، ثمّ يأتي دوره. ولمّا كان لا يولي اهتمامًا كثيرًا لمحدّدات الزمن، فإنني كثيرًا ما ترقّبته حتّى أجد فسحة للحديث معه. كان يمشي بخطى ثابتة، مثقلة بهواجس الأفكار التي تنتابه، يبادرك بالأسئلة التي تخامر ذهنه، والجديّة والصرامة غالبة على خطابه، متفاعلً مع المسائل العلميّة المطروحة على بساط البحث، من دون أن يلتفت إلى كثير من جزئيات الحياة اليوميّة، فكان يسأل من حين إلى آخر عن أمور إداريّة، وهي أبعد ما تكون عن اهتماماته. مثّل تاريخ محمد بن جرير الطبري "أحد رفاق دربه"، يحمله في يد، وفي الأخرى، ترى عددًا من الجرائد والمجلّت التي يتصفّحها زمن الفراغ. ولمّا أخرج ذات يوم جزءًا من أجزاء كتاب الطبري من محفظته، كاد الكتاب أن يصبح أوراقًا متناثرة من كثرة الاستعمال. كنتُ في تلك المرحلة أفكّر في التسجيل في شهادة دكتوراه الدولة، بعد أن غادر الأستاذ محمّد الطالبي قاعات الجامعة، ولم يكن بدًّا من أن أقترح عليه موضوعًا في العلاقة بين المدينة والبادية أثناء العهد الحفصي، وقد حظي بقبوله، وإن فسح لي المجال واسعًا كي أواجه الصعوبات وأتجاوزها، ولم يتدخل إلّ في المرحلة الأخيرة عند الوصول إلى مرحلة إنتاج المعرفة2. يعسرر أن تفرّق بين المؤرّخ والموسوعي الذي يحدّثك في مواضيع مختلفة والمفكّر، وقد حدث أن أبدى رأيه في الوضع الراهن في أكثر من مناسبة، فكان جريئًا في مواقفه السياسيّة والعلميّة والفكريّة على حدّ سواء، وهو ما أدّى به إلى مواجهة وضعيات مناوئة أحيانًا. وحسبنا في هذا الصدد أن نذكّر بموقفه من الاستشراق لمّا اعتبر أنّه في احتضار، وذلك منذ العقد التاسع من القرن الماضي، وقد ظلّ يكرّر هذه الفكرة3. وإذ عُرف بسعة اطلّاعه على الإصدارات الأخيرة، فقد اختار السير في الدرب بكلّ ثقة، في منأى عن أصحاب الأقلام المرتعشة. وكان يتنقّل بك من الفلسفة إلى علم النفس والأنثروبولوجيا والسياسة والتاريخ وعلم اللغة. أعلمته مرّة بصدور فصل متعلق بمؤلفاته في كتاب أجنبيّ، لكنّه أجاب بعدم الاكتراث لما يكتب من أقلام غير ذات قيمة. ولن كاد الحديث عن الأنا وعن بحوثه ومنشوراته يكون نادرًا، فإنّه كان يأسف في آخر أيّامه لعدم إقبال الباحثين العرب على بحوثه الأخيرة ودراستها ونقدها. جريء في رأيه، لا يعرف المجاملة في ما يكتبه. كان يعبّ عن عدم رضائه بطرائق مختلفة، وكان يضيق ذرعًا ببعض الأمور، فيجهر بذلك أمام الملأ، وهو ما ثبت لديّ، أكثر من مرّة، أثناء قراءتي لبعض كتاباته في طور الشباب، وخصوصًا للشخصيّة العربيّة - الإسلاميّة. هو باحث دؤوب عن معرفة تؤسّس للحقيقة، وتسهم في بناء الإنسان المعاصر. ابتعد عن القراءات العامّة؛ إذ كان مسكونًا بتاريخ القرن الأوّل للهجرة، وكثيرًا ما ردّد أنّ الأولويّة في التاريخ لحقبة التأسيس. كان يتمثّل أحداث الحقبة التأسيسيّة بكيفيّة قويّة، وكأنّه يبحث عن جواب لتساؤلات شتى. فهو زمن ميلاد حضارة جديدة من رحم القديم ونشأة الأمّة العربيّة الإسلاميّة. كان مولعًا بالنظر والتحقيق في أحداث الماضي، في صحن الكوفة؛ طور نشأته، ويوم الدار، وأسنّة الرماح وهي ترفع المصاحف بصفيّن. ومن يطّلع على آثاره يتضّح له أنّ أفكاره الرئيسة جليّة. صحيح أنّها متطوّرة، ولكنه لم يتردّد في تعديلها كلّما اقتنع بذلك؛ إذ هو أبعد ما يكون عن الدغمائيّة والتعصّب، أو الانطباعيّة. ولا نحسب أنّ ما كتبه في السبعينيات حول الشخصيّة العربيّة ظلّ متشبّثًا به بالقدر نفسه في آخر حياته، وقد عبّ عن ذلك بمناسبة صدور طبعة ثالثة لكتابه الشخصيّة العربيّة الإساميّة والمصير العربي، لكنّ الضمير العربي - الإسلامي ظلّ حيًّا في مسيرته، علّه يذكّره بالتنشئة الأولى في أحد بيوتات تونس العلميّة. فقد أسهم تلقّيه تعليمًا حديثًا، بمدينة

تونس وخارجها، في نحت شخصيّة وفّقت بين الإرث الحضاري والعلم المعاصر، وذلك في سبيل بناء "المصير العربي"، وهو مصطلح كان يحبّذ استعماله في هذا الصدد4.

ثانيًا: من بواكير الكتابة التاريخيّة

ساعدته حصافة الرأي على حسن اختيار المواضيع والحقبة الزمنيّة التي تناولها. فكتب في تاريخ حقبة النبوّة والفتنة الكبرى وتمصير الكوفة، وكذلك في تاريخ الغرب الإسلامي. وتعود مقالتاه "ولاية إفريقيّة خلال القرن الثاني ه: دراسة في المؤسّسات"، إلى سنتي 1967 و 1968، وهما مقالتان عُدّتا من باكورة أعماله حول المجتمع الإسلامي المبكّر، ومثّلتا أساس كتاب تأسيس الغرب الإسامي: (القرن 1 و 2 ه/ 7 و 8 م). ونشر في السنة نفسها مقالةً عنوانها "وضعيّة الأندلس القانونيّة: من الفتح إلى نشأة الإمارة الأمويّة"، ثمّ فصلً متعلقًا بتاريخ إفريقيّة في الحقبة نفسها، نشُر في كتاب جماعي هو تاريخ تونس في العصر الوسيط5. تعرّض جعيط في كتاب تأسيس الغرب الإساميلحقبة مفصليّة في تاريخ المغرب، متناولًالموضوع اعتمادًا على مقاربة نقدية شاملة؛ إذ قام بتشريح الأحداث التاريخيّة بدقّة مقلّبًا الإشكاليّة على مختلف أوجهها. ورغم كثرة الكتابات في هذا الموضوع، فقد تميّز المصنّف بطرح أمّهات القضايا، من دون إطناب. وإذ درس بعض الباحثين حروب الفتح في قطيعة مع نقطة الانطلاق وامتداداتها المجاليّة وأبعادها الاستراتيجيّة، فقد تناول جعيط المسألة في بعدها الجغرا-سياسي، في علاقة بالأوضاع في المشرق، مضفيًا على التاريخ السياسي مقاربة حصيفة في التحليل وطريفة من حيث تخريجاتها، من دون التزام دائم بمعايير الكتابة المتداولة. ففضّل الحفاظ على استعمال المصطلح التاريخي "فتح"، في حين تحدّث آخرون عن "الغزو" و"التوسّع". ولم يغب عنه إيلاء النظم الإسلاميّة، والجغرافية التاريخية، وعلم أسماء المواقع، والنشاط الاقتصادي، والتمصير، والمجموعات البشريّة، المكانة التي تستحقّ. راوح طوال بحثه بين العوامل الخاصّة والعامّة، وبين ما كان يحصل في المشرق وفي المغرب. ولم يعدم البحث في القضايا الجداليّة، ومنها صحّة وصول أبي المهاجر دينار إلى عيون تلمسان، ومسألة المقاومة البربريّة التي برزت في بلاد نوميديا، وليس في إفريقيّة التونسيّة6. وتوقّف عند أهمّ المنعرجات التاريخيّة، مشكّكًا في ملحمة عقبة بن نافع وبلوغه إلى البحر المحيط، مستعرضًا بعض الأساطير التي حيكت حول شخصيته. واعتبر حركة الكاهنة مقاومة بربريّة خالصةً، خلافًا لحركة كسيلة، إلّ أنّها كانت تفتقر إلى "إدراك معنى الدولة"7. وفي الجملة، أضفى على هذا التاريخ السياسي الذي تخترقه عديد الصعوبات مقاربة مستجدّة. وخصّص الفصل الثاني من الكتاب للمؤسّسات، وهو فصل لا يخلو من طرافة علميّة في تناوله وضعيّةَ إفريقيّة القانونيّة والإداريّة، وتطوّر علاقتها مع مصر. وتُعدّ دراسة الجغرافيا التاريخيّة أمرًا من مستجدّات البحث في تاريخ المغرب؛ إذ تعرّض فيه لامتدادها على بلاد المغرب والأندلس كافّةً، ثم تراجعها سنة 124 ه، لتنحصر في إفريقيّة سنة 184 ه.

والحقيقة أنّه لم يقع تناول تطوّر بلاد المغرب المجالي اعتمادًا على الخرائط إلّ سنة 1972، في كتاب تطوّر المدن التليّة بإفريقيّة بين القرنين السابع والحادي عشر8. ولن نشر ج. ف. ب. هوبكنز، منذ سنة 1958، كتاب النظم الإساميّة في المغرب في العصر الوسيط، فقد تمكّن هشام جعيط، في الفصل الذي خصّصه للمؤسّسات، من جمع شذرات من مادّة تاريخيّة متفرّقة في المصادر، ومن ثم إعادة تركيبها، وفق خطّة تعرّض فيها للوالي والأمير والتنظيم العسكري بإفريقيّة بكيفيّة أكثر دقّة9. أمّا الفصل الثالث، فقد تعرّض فيه للحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مبرزًا أهمّ خاصّيات هذا القطاع، من زراعة وتجارة وحرف، ودور المجموعات البشريّة المكوّنة لساكنة إفريقيّة، من دون أن يتوقّف طويلً عند القبائل البربريّة وتقسيماتها. وتناول قضايا تمصير القيروان وتمدين تونس، وأهمّ المنشآت المعماريّة، من رباطات ومنشآت مائيّة. وأنهى هذا الفصل بدراسة الحياة الثقافيّة والروحيّة، انطلاقًا من بعض النماذج من سيرة علماء العصر وزهّادهم. وتناول في الفصل الرابع التطوّر السياسي والصراعات الدينيّة في آخر العهد الأموي وبداية العهد العبّاسي إلى حدّ قيام الإمارة الأغلبيّة سنة 184 ه/ 800 م، متعرّضًا على نحو مختصر لحقبة السلم العربيّة بين سنتي 84 ه و 122 ه، وإن لم تخلُ هذه الحقبة من صراعات بين الكلبيّة والقيسيّة. وكان التمشّ المعتمد "كرونولوجيًّا": ثورة البربر الخوارج التي انطلقت من المغرب الأقصى ابتداءً من سنة 122 ه، مركّزًا على العامل الديني في قيام حركة الخوارج، ثم ولاية الفهريين في الفترة 127 - 139 ه، عقبتها عودة العبّاسيين إلى إفريقيّة سنة 144 ه، ثمّ حكم المهالبة الذي انتهى بانتفاضة الجند. ولن تميّز هذا الفصل بالاختصار وندرة الإحالات، فقد لخّص مجريات الأحداث طوال قرن كامل. خلص المؤلّف في نهاية هذا الكتاب إلى دحض فكرة التواصل بين العصرين القديم والوسيط، التي ناصرها عدد كبير من الباحثين. قال في هذا الصدد: "لقد وضعتْ لحظة الفتح والتنظيم أسس هذا التطوّر بعنت كبير في إبقاء الوجود الإسلامي، فهي لحظة انتقال حسّاسة في مصير المغرب. وبهذا المعنى ليس من المفيد كثيرًا الحديث عن آثار التواصل مع الماضي: الحضارة البونيّة والثقافة الرومانيّة والديانة المسيحيّة. هذا التواصل كان يسرري في الأعماق لمدّة، لكن الإسلام كدين وتاريخ دحره ودفنه نهائيًّا"10. وخصّص الفصل الأخير لفتح الأندلس وتطوّر الأوضاع السياسيّة بها في بداية حكم المسلمين. وختم الكتاب بملحق مصادر كتابيّة لتاريخ مصر وبلاد المغرب. ونظرًا إلى أهميّة بحوث جعيط الأولى التي قال عنها هو نفسه بعد مرور عدّة عقود: "إنّ لأعجب الآن من السعة في الاطلّاع التي لعلّني لم أعد قادرًا عليها"11، فقد ظلّت مراجع مهمّة، رغم مرور زمن طويل عليها. وهكذا تمكّن من إنارة قرنين من الزمن طالما لفّهما الغموض، مثريًا المناهج التاريخية بمقاربات في العلوم الإنسانيّة، فلسفية وأنثروبولوجيّة وسوسيولوجيّة، معتمدًا مقاربة شاملة لتطويق المشكلة التاريخية من جوانب عدّة، من دون الفصل بين تاريخ المشرق والمغرب، مع عمق التحليل وطرافة الاستنتاج والنأي بالنفس عن صنف المقلّدين. وقد مثّل كتاب تأسيس الغرب الإسامي، رغم

إيجازه، والحاجة إلى مزيد تنظيم فصوله والمراجعة اللغويّة، في السنوات الأخيرة، منطلقًا لعديد الدراسات العربيّة والاستشراقيّة المتعلّقة بمسائل اقتصاديّة وعمرانيّة واجتماعيّة شتى، وقضايا التثاقف12. إلّ أنّ جعيط اختار بعد هذه الحقبة الاهتمام بالمشرق، وإنْ ظلّ مشدودًا إلى كثير من قضايا بلاد المغرب، مثلما أشرنا إلى ذلك في بداية هذه الدراسة. فقد نشر ضمن أعمال ندوة: "ابن خلدون والفكر العربي المعاصر" دراسة "نظرة ابن خلدون إلى المدينة ومشكلة التمدين"، وهي تندرج ضمن سياق اهتماماته بالمدينة العربيّة، وتحديدًا بمصر الكوفة13. وخصّص في كتاب أزمة الثقافة الإساميّة فصلً عنوانه "التاريخ والثقافة والدين في المغرب"، قدّم فيه قراءة شموليّة للجدليّة بين العناصر الثلاثة، وأبان فيه عن مكانة الأسلمة والمذهب المالكي، باعتبارهما المحرّكين الأساسيين للثقافة في بلاد المغرب، وإن اختلفت الجذور البشريّة المكوّنة لهذه البلاد، من بربر وعرب، وكتب مقالة أخرى عنوانها "الإسلام في المغرب الحديث"14.

ثالثًا: جدليّة الشخصيّة والمصير

لم يكن جعيط باحثًا بارعًا في صناعة التاريخ فحسب؛ من حيث تفكيك أجزائه وإعادة تركيبها، وفق رؤية حداثيّة متفتّحة، بل كان أيضًا، مفكّرًا متجذّرًا في تربته التونسيّة خصوصًا، والعربيّة الإسلاميّة عمومًا، باحثًا عن سؤال حقيقة ما كان، وما سيكون، حالمًا بِغَدٍ أفضل تارةً، ومعبًّا عن صورة قاتمة للواقع تارةً أخرى. وهي رؤية تسمو عن الظرفيّ والذاتيّ، راغبة في أن تكون "مشروع العمر". وسواء كان مؤرّخًا وفيلسوفًا، أو فيلسوفًا في التاريخ، فقد ساعدت طبيعة تكوينه على تطوير نظرة ثاقبة ومتوازنة في كيفيّة التعامل مع الموروث الثقافي ومتطلبات الراهن، ميزتها الاستقلاليّة في الرأي بالنسبة إلى نظرائه، سواء أكانوا عربًا أم مستعربين. وكثيرًا ما ينبري مجادلً كبار المستشرقين، فيوافقهم طورًا وينقدهم طورًا آخر عند مجانبتهم الواقعَ وانزياحهم عن مسلك الحقيقة التاريخيّة، وقد يعاتبهم أحيانًا على عدم مقدرتهم على الذهاب بعيدًا في تحاليلهم. تفاعل هذا المؤرّخ التونسي الحداثي المنهج مع كثير من القضايا العربيّة. وكان متفتّحًا على عالم رحابه واسعة، لا يقتصر على الغرب الأوروبي، بل يشمل الحضارات الكبرى في الشرق الأقصى، والهند والصين. ومثّل كتابالشخصية العربية والمصير العربي15 صورة لرؤية المؤلف ووجدانه، وردّ فعل مباشرًا على الأوضاع العربيّة في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي. كيف نظر إلى القضايا العربيّة الراهنة؟ وكيف تعامل مع الإرث الحضاري؟ عبّ في مقدّمته عن تردّده في اقتحام هذا الحقل المعرفي، وكان يعتريه قلق معرفي، مصرّحًا بأنّه لم يكن "مرتاحًا إلى أيّ محيط معيّ"16. ولن أشاد هذا المفكّر الحرّ بمدى تأثّره بالتيارات الفكريّة في المشرق، فإنّه لم يكن يشعر بالانتماء إليها، وكان مقتنعًا أنّ تجديد الفكر العربي ينطلق من المغرب17.

والحقيقة أنّ هذا المصنّف لم يكن تحليقًا في عالم الفكر، بل أبدى فيه مؤلفه رغبة في "أن يكون نداءً للضمير العربي الإسلامي، وأقصى طموحه أن يثير اليقظة"، لأنّه "لا مناص لرجل الفكر من التفكير في مستقبل مجتمعه"18. وإذ أعرب عن مشروع بناء "وحدة عربيّة"، وفق شروط عدّدها، فإنّه لم يخف ضعف الشعور القومي في البلاد العربيّة، ومردّه الولاء إلى الدولة الإقليميّة بدرجة أولى. ثمّة موضوعان مثلّا محور اهتمام جعيط: الشخصيّة والمصير، وقد خلص إلى أنّ الشخصية "لن تجد تكاملها المحسوس إلّ في كيان عربي يترقّب الإنشاء"، رافضًا في الآن نفسه التقليد والتحديث على الطريقة الكلاسيكيّة أو المنهج الماركسيّ. فهو تحديث علمانيّ جديد، متميّز بجدليّة بين الاستمرار والتغيير، بين الخصوصي والعالمي19. وإذ طرح السؤال التالي: هل أنّ الانتماءين الإسلامي والعربي يشكلّان الأسس التاريخيّة والثقافيّة للشخصيّة، فإنه قام بفحص دقيق لهذه المسألة، مفكّكًا عناصرها، متنقّلً من السياسي إلى اللغوي، مقارنًا بين القوميّة في الغرب ونظيرتها في العالم العربي، مقدّمًا تصوّرات للمستقبل الذي يستوجب معالجته من الداخل، للحفاظ على التنوّع الفكري، منتهيًا إلى الرغبة في بناء مصير مشترك. وفي ضوء تحليل الأوضاع السياسيّة في بلدان المغرب ومصر، قدّم فكرة أكثر واقعيّة، وهي وحدة أربعة مجالات: دول النيل، والمغرب، والهلال الخصيب، والجزيرة العربية، معتبرًا أنّ الوطنيّة المتطرّفة كانت حائلً دون وحدة بلدان المغرب20. وخلص إلى ضرورة مراجعة القيم التي نعيش عليها، والانطلاق من ثالوث للتجديد، في الدين والإنسان والعلاقة بين المجتمع والدولة21. وفي الحصيلة، جسّد هذا الكتاب مدى اطلّاع المؤلّف، وهو في سنّ النضج، على دراسات فلسفية وسوسيولوجيّة وسياسيّة وتاريخيّة متنوّعة، متنقّلً بالقارئ من موريس ميرلوبونتي إلى كارل ماركس وجاك بارك وغير هؤلاء، وذلك بعد أن سبق أن نشر مقالات تاريخيّة عن الغرب الإسلامي زمن الولاة. وبحث في العمق التراثي عن مقوّمات الهويّة، من دون أن تكون انغماسًا في الماضي ومجرّد تأصيل له، بل من حيث هي منطلق للإصلاح والتجديد والتحديث وبناء مصير مشترك، وهي المصطلحات التي استعملها في هذا الصدد. وفي سبيل ذلك، دعا إلى عقلنة الإنسان العربي والنظام السياسي والاجتماعي. ويحقّ لنا أن نتساءل في هذا الصدد: هل استطاع مشروع هشام جعيط في التحديث والتجديد أن يتفاعل مع مجريات الأحداث العالميّة والعربيّة المعاصرة؟ أو بالأحرى؛ ماذا بقي من هذا التصوّر الفكري بعد مضيِّ نحو نصف قرن؟

رابعًا: أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة22

نشر هذا الكتاب بعد أربع سنوات من صدور المؤلّف السّابق الشخصيّة العربيّة الإساميّة، وقد تعرّض فيه لنظرة الغرب للعالم الإسلامي في العصر الوسيط والحديث والمعاصر، وذلك في محورين أساسيين؛ أحدهما متعلق بنظرة الآخر، وهو الأوروبي، أما الآخر فهو الإسلام وأوروبا من حيث إنهما بنيتان تاريخيتان. تميّزت هذه النظرة في العصر الوسيط بالحِجاج والجدال، من دون أن تكون في منأى عن اتهام الحضارة الإسلاميّة بالشهوانيّة والعدوان والقوّة. واستمرّت هذه الرؤية في العصر الحديث، مع اقترانها بالمتحولّات الاقتصاديّة الحاصلة في ضفاف المتوسّط. ومنذ القرن الثامن عشر، ازداد اهتمام المستشرقين بالشرق، فحصلت مقارنته بأوروبا ووقع البحث عن أسباب انحطاط العالم الإسلامي، في ظلّ الدولة العثمانيّة. وانطلاقًا من أمثلة عديدة لمفكّرين ورومنطيقيين (مثل الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين، والكاتب فرانسوا ماري

آروويه "فولتير")، خلص المؤلّف إلى نظرة راوحت بين الحياد من جهة، والانحياز والتعالي من جهة أخرى، مفرّقًا بين أوروبا الغربيّة المجاورة للعالم الإسلامي والجرمانيّة البعيدة عنه نسبيًّا. وعمومًا، ساد الاستشراق في نهاية القرن التاسع عشر احترازٌ من الحضارة الإسلاميّة والتعصّب ضدّها، قبل أن يستقرّ الأمر ويظهر استشراق مُوالٍ للثقافة الإسلاميّة في منتصف القرن العشرين23. أمّا الاستشراق الألماني، فقد رأى جعيط أنه متميّز بالجديّة، وبكثير من الموضوعيّة؛ بالنظر إلى أنّ ألمانيا لم تعرف اتص لً مستمرًّا مع العالم الإسلامي، باستثناء ما حصل مع الدولة العثمانيّة في العصر الحديث، وظلّت العلاقات بينها وبين العالم الإسلامي مجرّدة وغير مباشرة. وفضلً عن إغناتس غولدتسيه (ِر 1921 - 1950) Goldziher Ignác، وكارل هينرش بكر (1876 - 1933) Becker Henrich Carl، وخصوصًا يوليوس فلهاوزن (1844 - 1918) Wellhausen Julius، تعرّض جعيط لفكر فيلسوفين في التاريخ؛ هما جورج فيلهلم فريدريش هيغل في بداية القرن التاسع عشر، صاحب كتاب فلسفة التاريخوأوسفالد شبنغلر في بداية القرن العشرين. خصّص الأوّل مج لً لدراسة الشرق القديم والحضارة الإسلاميّة، معتبرًا أنّ لهما دورًا في بناء أوروبا الحديثة. ورأى الثاني أنّ الإسلام، والثقافة العربيّة عمومًا، ظاهرة مركزيّة لتاريخ الشرق، ومن ضمن الثقافات الثلاث المشكّلة لنواة التاريخ العالمي؛ وهي على التوالي الثقافات القديمة، والعربيّة، والغربيّة. ومن ثمّ، سعى شبنغلر، من خلال مقارناته بين هذه العوالم الثلاثة، إلى الخروج من المركزيّة الأوروبيّة. وعلى خلاف ذلك، ماثل كارل ماركس بين الحضارة الغربيّة والثقافة عمومًا، في حين رمى العالم الشرقي بأنه "في خانة البربريّة"، بحسب عبارة جعيط. وفي مقالة "الهويّة تؤكّد نفسها"24، توقّع انحسار الاستشراق وضموره. وما هو معلوم أنّ آليات البحث للاستشراق وطرائقه ومؤسّساته تغيّت، وكذلك الاسم: الدراسات العربيّة والإسلاميّة، عوضًا عن الاستشراقيّة. ولقد صادف أن دعيت لحضور المؤتمر الثامن والعشرين للمستعربين ودارسي الإسلام المنعقد في بلارمو سنة 2016، والمشاركة في أعماله، وشاهدت عن كثب الاتجاهات الجديدة لهذه الدراسات، ومدى صحّة توقّعات جعيط في هذا الشأن25. أمّا في المحور الثاني المخصّص للإسلام وأوروبا، فقد نبّه إلى "أنّ الإشكاليّة القديمة إسلام - غرب قد ولّ عهدها لأنّه لم يعد هناك إسلام موحّد، ولأنّ الغرب أصبح مزيجًا مركّبًا، كما أنّ الحداثة اليوم لا تحمل معنى حداثة الأمس"26. ووضع جعيط الحضارة الغربيّة في إطارها المناسب، وذلك في علاقة بحضارات أخرى سابقة (الحضارة القديمة والحضارة الإسلاميّة)، وعلاقة بالهند والصين أيضًا، معيدًا النظر في مفاهيم مثل العصر الوسيط، الذي يعتبره الغرب "قوسًا كبيرًا" بين العصور القديمة والعصر الحديث، في حين عرفت الحضارة العربيّة الإسلاميّة إضافات جديدة خلال تلك الحقبة. وخلص إلى القول: "إنّ ولادة أوروبا للتاريخ قد تمّت عبر الإسلام: في مرحلة أولى تراجع دفاعي وثانية انفجار هجومي". وأضاف قائلً: "إنّ كلّ الشعوب المعروفة قد استيقظت وأدخلت التاريخ عبر اتصال مع الإسلام27. وتناول في هذا الفصل الجدليّة بين المجالات الثلاثة: الإسلام والغرب والصين، مركّزًا أكثر على المعطى الثقافي، معتبرًا أنّ ما ينقص البلدان الإسلاميّة هو النمط الإنساني للمثقّف العضوي28.

ومن خلال تعرضه للمدينة الإسلاميّة، وتحديدًا الكوفة، نستشعر أنّ ذلك كان إيذانًا بالانكباب على مشروع بحثي جديد هو مصر الكوفة. وقد مثّلت هذه الأطروحة بدورها منعرجًا مهمًّا في دراسة المدينة الإسلاميّة، وحسمت - إلى حدّ بعيد - نقاشات عديدة للباحثين متعلقة بطبيعة المدينة العربيّة. وما يمكن أن نلاحظه في هذه العلاقة أنّ المستعربين المعاصرين طوّروا نظرتهم إلى التاريخ العربي الإسلامي في السنين الأخيرة، وحادوا عن هذا الاتجاه السائد في السبعينيات من القرن العشرين إلى اتجاه آخر متأثّر بمقتضيات العولمة الثقافيّة القائمة على التشكيك في كثير من المسلّمات، والقيام بمراجعات هي في واقع الأمر عودة إلى المناهج التقليديّة السابقة.

خاتمة

تلك هي البدايات لحياة مؤرّخ ومفكّر، اقتحم مج لً فكريًّا مهمًّا تعلّق بمسائل التاريخ الإسلامي والحداثة والعلمانيّة والدين والوحدة العربيّة والدولة وغيرها، وفضّل "عدم الوقوف على الربوة"، فقدّم أفكاره التي ما زالت تثير ردود فعل الباحثين. ولعلّ آخرها كتاب مخصّص لمؤلّفات جعيط عنوانه العلمانيّة المفتوحة: قراءة نقديّة لمشروع هشام جعيط29، وإن بدا انحياز صاحبه الواضح إلى التفسير التقليدي الرافض للتجديد والتحديث30. بدأ مسيرته بكتابة مقالات متميّزة عن تاريخ إفريقيّة في عصر الولاة، وقد ظلّ بريقها ساطعًا إلى حدّ عصرنا الحالي، رغم تقدّم البحث التاريخي في هذا المجال. ولن أقيم مشروع عبد الله العروي على إعادة تركيب بلاد المغرب في الحقب كلّها، بدءًا من العصر القديم، ووصولً إلى العقد السابع من القرن الماضي، والدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ هذه البلاد، لتخليصه من شوائب القراءة الاستعمارية، فإنّ هشام جعيط فضّل قراءة هذا التاريخ عموديًّا، مقتصرًا على حقبة التأسيس دون غيرها، للغوص في أعماقها واستخراج "دررها"، مسهمًا بذلك في إنجاز هذا المشروع الذي هو في حاجة إلى تخصّص دقيق.

إلّ أنّ إرهاصات الفكر العربي المعاصر من جهة، وهاجس التفكير في الجدليّة القائمة بين الثقافة العربية الإسلاميّة والحداثة الأوروبيّة من جهة أخرى، قد أدّيا به إلى الانكباب على مواضيع فكريّة حاسمة، وتحديدًا الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة، ثمّ العلاقة بين الإسلام وأوروبا. وقام مشروعه على بناء ثقافة عربيّة وطنيّة ملتزمة بقيم الحداثة والعلمانيّة، وغير مناهضة للدين. وكان يعتقد أنّ الوطن العربي "عاجز حاضرًا ومستقبلً عن أيّ تقدّم في العلوم الطبيعيّة المقترنة بالتكنولوجيا ما لم يكن موحّدًا في دولة أو فضاء مندمج، مستقرًّا مسالمًا، مبتعدًا عن مركّبات الاضطهاد"31. وهو لا ريب الطور الأوّل من مسيرته البحثيّة، وقد تلاه طور آخر، عاد فيه من جديد إلى التاريخ، مهتمًّا بموضوع حاسم في تاريخ الحقبة التأسيسيّة، وهو المدينة العربيّة الإسلاميّة، وذلك انطلاقًا من أنموذج مصر الكوفة. وظلّ طوال حياته يحمل مشاغل وطنه، متنقّلً بين التاريخ والفكر، راصدًا التطوّرات الأخيرة في هذه الربوع، وقبل أن يفارق هذه الأرض بوقت قصير، نشر كتابه التفكير في التاريخ والتفكير في الدين32.

الهوامش

  1. هشام جعيط، أوروبا والإسام: صدام الثقافة والحداثة (بيروت: دار الطليعة، 1978)، ص 71.
  2. ازددت تردّدًا على منزله كلّما اقتضت الضرورة ذلك. ولمّا زرته في أكثر من مكان، علمت أنّه لم يفكّر إلى ذلك الوقت في اقتناء منزل أو بنائه، لأنّ هذا الأمر يأخذ وقتًا كثيرًا، وهو أمر لم يحصل إلّ في السنة الأخيرة من عمله في الجامعة. فقد انشغل بالغوص في أعماق المعرفة لاستخراج "اللآلئ"، وترصيفها في خيوط منتظمة.
  3. هشام جعيط، "الاستشراق يحتضر"، في: بنسالم حميش، فيمعرفة الآخر، ط 2 (دمشق: دار الحوار، 2003)، ص 59 - 60.
  4. هشام جعيط، الشخصيّة العربيّة الإساميّة والمصير العربي، ترجمة المنجي الصيّادي (بيروت: دار الطليعة، 1984)، ص 107 - 108.
  5. Hichem Djaït, "La wilâya d'Ifrîqiya au IIe/ VIIIe siècle: Étude institutionnelle," Studia Islamica , no.  27 (1967), pp. 77 - 121 ; no. 28 - 30 (1968), pp. 79 - 107 ; Hichem Djaït, "Note sur le statut de la province d'al-Andalus, de la conquête à l'instauration de l'émirat omayyade (93 - 138 / 711 - 756)," Les Cahiers de Tunisie , no. 61 - 64 (1 e- 4 e tr. 1968), pp. 7 - 11 ; Hichem Djaït, "La conquête arabe et l'Emirat," Histoire de la Tunisie, le Moyen Âge (Tunis: STD, 1972), pp. 11 - 97 ;
    ينظر أيضًا: هشام جعيط، تأسيس الغرب الإسامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م (بيروت: دار الطليعة، 2004)، ص  262.
  6. جعيط، تأسيس الغرب الإسامي، ص 20.
  7. المرجع نفسه، ص 20 - 25، 31.
  8. Paul-Louis Cambuzat, L'évolution des cités du Tell en Ifrîqiya du VIIe au XIe siècle (Alger: Office des Publications Universitaires, 1972).
  9. J.F.P. Hopkins, Medieval Muslim Government in Barbary: Until the Sixth Century of the Hijra (London: Luzac, 1958);
    ج. ف. ب. هوبكنز، النظم الإساميّة في المغرب في القرون الوسطى (ليبيا/ تونس: الدار العربيّة للكتاب، 1980.)
  10. جعيط، تأسيس الغرب الإسامي، ص 192.
  11. المرجع نفسه، ص 5.
  12. لعلّ آخر دراسة في هذا الموضوع هو كتابنا الذي سينشر في الأيّام القريبة، وعنوانه: الجذور التاريخيّة لباد المغرب، جدليّة السلطة والمجتمع والمجال (خال القرنين الأوّل والثاني ه/ السابع والثامن م). ولمّا أعلمته بذلك قبل وفاته بسنتين، كان حريصًا على السؤال عنه كلّما التقيت به، وشاء القدر أن لم يتمكّن من الاطلّاع عليه.
  13. هشام جعيط، "نظرة ابن خلدون إلى المدينة ومشكلة التمدين"، ضمن أعمال ندوة ابن خلدون والفكر العربي المعاصر، الحياة الثقافيّة، العدد 9 (أيار/ مايو - حزيران/ يونيو 1980)، ص 234 - 239.
  14. هشام جعيط، "التاريخ والثقافة والدين في المغرب"؛ "الإسلام في المغرب الحديث"، في: أزمة الثقافة الإساميّة (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 167 - 183، 184 - 197.
  15. Hichem Djaït, La personnalité et le devenir arabo-islamiques (Paris: Editions du Seuil, 1974), p. 301 ;
    جعيط، الشخصيّة العربيّة الإسامية.
  16. جعيط، الشخصية العربية الإسامية، ص 5.
  17. المرجع نفسه، ص 7.
  18. المرجع نفسه، ص 8.
  19. المرجع نفسه، ص 10.
  20. المرجع نفسه، ص 92.
  21. المرجع نفسه، ص 108.
  22. Hichem Djaït, L'Europe et l'islam (Paris: Editions du Seuil, 1978).
  23. جعيط، أوروبا والإسام، ص 44.
  24. مقابلة مع الدكتور هشام جعيط: الهويّة تؤكّد ذاتها عفويًّا ولا بد من غرس الحداثة"، مجلة المستقبل العربي، العدد 294 (2003)، ص 17 - 18.
  25. 28 th Congress of the Union Européenne des Arabisants et des Islamisants," Palermo, 12 - 16 Septembre, 2016.
  26. جعيط، أوروبا والإسام، ص 123. أضاف قائلً إنّه "لا يوجد اليوم جدال بين أوروبا والإسلام، ولكن هناك نقاش بين كلّ أوروبي مع ذاته ومع العالم، وبين كلّ مسلم مع ذاته ومع أوروبيته هو"، المرجع نفسه، ص 18.
  27. المرجع نفسه، ص 78.
  28. المرجع نفسه، ص 91.
  29. هاشم الميلاني، العلمانيّة المفتوحة: قراءة نقديّة لمشروع هشام جعيط، رؤى نقدية معاصرة 6 (النجف: منشورات العتبة العبّاسيّة المقدّسة، 2020.)
  30. يقول مثلً: "لو نظرنا إلى الماضي لرأينا أنّ الحضارة الإسلاميّة وتفوّق العالم الإسلامي على جميع الكرة الأرضيّة إنّما كان بفضل الدين والإسلام، وحتّى الدولة الأمويّة التي كانت أبعد ما يكون عن الإسلام، كانت تعمل الفتوحات باسم الإسلام. فلماذا يريد جعيط وأمثاله من الحداثويين ترك هذا العامل الإيجابي وإدخال العالم الإسلامي في ثقافة مستوردة"، ينظر: المرجع نفسه، ص 277 - 278.
  31. هشام جعيط، "المعرفة في الوطن العربي: مشكل التراث الفكري"، المستقبل العربي، مج 27، العدد 307 (أيلول/ سبتمبر 2006)، ص 109.
  32. Hichem Djaït, Penser l'Histoire, penser la religion (Tunis: Céres éditions, 2021).

المراجع

العربية

جعيط، هشام. أوروبا والإسام: صدام الثقافة والحداثة. بيروت: دار الطليعة، 1978.

_______. "نظرة ابن خلدون إلى المدينة ومشكلة التمدين". ضمن أعمال ندوة ابن خلدون والفكر العربي المعاصر. الحياة الثقافيّة. العدد 9 (أيار/ مايو - حزيران/ يونيو 1980).

_______. الشخصيّة العربيّة الإسامية والمصير العربي. ترجمة المنجي الصيّادي. بيروت: دار الطليعة، 1984.

_______. أزمة الثقافة الإساميّة. بيروت: دار الطليعة، 2000.

_______. تأسيس الغرب الإسامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م. بيروت: دار الطليعة، 2004.

_______. "المعرفة في الوطن العربي: مشكل التراث الفكري". المستقبل العربي. مج 27، العدد 307 (أيلول/ سبتمبر 2006).

حميش، بنسالم. فيمعرفة الآخر. ط 2. دمشق: دار الحوار، 2003.

الميلاني، هاشم. العلمانيّة المفتوحة: قراءة نقديّة لمشروع هشام جعيط. رؤى نقدية معاصرة 6. النجف: منشورات العتبة العبّاسيّة المقدّسة، 2020.

هوبكنز، ج. ف. ب. النظم الإساميّة في المغرب في القرون الوسطى. ليبيا/ تونس: الدار العربيّة للكتاب، 1980.

الأجنبية

Cambuzat, Paul - Louis. L'évolution des cités du Tell en Ifrîqiya du VII e au XI e siècle. Alger: Office des Publications

Universitaires, 1972.

Djaït, H. "La wilâya d'Ifrîqiya au II e / VIII e siècle: Etude institutionnelle." Studia Islamica. no. 27 (1967).

________. "Note sur le statut de la province d'al-Andalus, de la conquête à l'instauration de l'émirat omayyade

(93-138 / 711-756)." Les Cahiers de Tunisie. no. 61-64 (1 e - 4 e tr. 1968).

________. "La conquête arabe et l'Emirat." Histoire de la Tunisie, le Moyen Âge. Tunis: STD, 1972.

________. La personnalité et le devenir arabo-islamiques. Paris: Editions du Seuil, 1974.

________. L'Europe et l'islam. Paris: Editions du Seuil, 1978.

________. Penser l'Histoire, penser la religion. Tunis: Céres éditions, 2021.

Hopkins, J.F.P. Medieval Muslim Government in Barbary: Until the Sixth Century of the Hijra. London: Luzac, 1958.