Return to Article Details Review of Hichem Djaït: Itinéraire d’un Universitaire Et Intellectuel Tunisien

مراجعة كتاب هشام جعيط: مسار باحث ومفكر تونسي

Review of Hichem Djaït: Itinéraire d’un Universitaire Et Intellectuel Tunisien

كمال عبد اللطيف

Kamal Abdellatif

الملخّص

أستاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر في كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب.

Abstract

Professor of Political Philosophy and Contemporary Arab Thought at the Faculty of Arts, Mohammed V University, Rabat, Morocco. abdellatif.kamal@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • هشام جعيط
  • حياة عمامو
  • الفكر العربي
Keywords:
  • Hichem Djaït
  • Arabic Thought
  • Hayat Amamou

. Hichem Djaït: Itinéraire d › un Universitaire Et Intellectuel Tunisien العنوان الأصلي:. Casablanca: Centre culturel du livre الناشر:

لا تزال الأعمال التاريخية والفكرية للباحث التونسي الكبير هشام جعيط (1935 - 2021) في حاجة إلى القراءة والبحث، لإبراز المزايا النظرية والتاريخية التي تتمتّع بها، والنظر في نوعية الحضور الرمزي والإشعاع الثقافي الذي حققته في الفكر التونسي والثقافة العربية المعاصرة. وتعكس أعمالُه في التاريخ الإسلامي ومختلف دراساته وأبحاثه في الفكر العربي المعاصر، وقد تُرْجِم أغلبها إلى لغات عدة، صورَ انخراطه في مواجهة أسئلة الراهن التونسي والعربي، كما تشير إلى المرجعيات الكبرى الناظمة لفكره وكتاباته. نتبَّيَّ ذلك في أبحاثه التاريخية وعنايته بالسيرة النبوية والوحي، وكذلك في دراساته المتعلقة بالحداثة والتقدّم، وهذا الأمر يجعلنا أمام مشروع في الفكر، لا يمكن فصل أسئلته ونتائجه عن أسئلة الفكر العربي المعاصر وقضاياه؛ إذ يمكن أن تُدرج مختلف أعماله في التاريخ والفكر العربي المعاصر، ضمن جدليات أسئلة الإسلام والحداثة والتنوير في الحاضر العربي1. تتصف أعمال جعيط الكبرى في التاريخ الإسلامي، من قَبِيل الفتنة: الدين والسياسة في الإسام المبكر، والكوفة: نشأة المدينة العربية الإسامية، وأبحاثه التاريخية المجموعة في مُصنَّفه تأسيس الغرب الإسامي2، باستيعابها أحدث المناهج في الكتابة التاريخية، وبنائِها خيارات ومواقف فكرية وسياسية. أما ثلاثيته في السيرة النبوية، فقد أبرزت كيفيات اعتماده على أحدث المناهج النفسية والاجتماعية والأنثربولوجية في مقاربة الخوارق المرتبطة بموضوع النبوّة والوحي، ومحاولة تعقلها بروح تفهمية3. نقول إن أعماله لا تزال في حاجة إلى الكثير من العناية، على الرغم من صدور بعض الأبحاث والدراسات في الأعوام الأخيرة عنها في كل من المغرب وتونس؛ إذ أصدر مركز دراسات الوحدة العربية، في عام 2011، ندوة فكرية بعنوان "التاريخ والتقدم: دراسات في أعمال هشام جعيط"4. وقد اقتربت أعمالها من مختلف مؤلَّفاته، واتّسمت الندوة بحضور المحتفَى به ومشاركته، وجرى فيها التنويه بجهوده في البحث، وطرائقه في الكتابة والنظر. وصدر في تونس كتاب جماعي من إنجاز فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضَمّ مجموعة من الدراسات لباحثين تونسيين، حاولوا فيها إضاءة مساره الفكري، وإبراز أهمية أعماله في الفكر التونسي والثقافة العربية المعاصرة. وضمن الروح التي تقف وراء الأعمال التي ذكرنا، أصدرت الباحثة التونسية حياة عمامو الكتاب الأول ضمن سلسلة الكتب التي يشرف على إعدادها معهد العالم العربي بباريس وجائزة الملك فيصل بالرياض، بعنوان هشام جعيط: مسار باحث ومفكر تونسي. ونرى أن هذا العمل تحديدًا، هو العمل الأول المخصص لدراسة أعمال جعيط ومحاولة تقديمها على نحو جامع وواضح. اختارت السلسلة، التي خصَّصَت أول إصداراتها لفكر جعيط وأعماله، العناية ببعض رموز الثقافة العربية والفرنسية، من أجل المساهمة في تعزيز أشكال الحوار القائمة بين ضفتَي البحر الأبيض المتوسط خلال القرنين الأخيرين، وذلك من خلال عنايتها بتقديم منجزات وأعمال مجموعة من الباحثين والجامعيين العرب والفرنسيين، ضمن سلسلة أطلقت عليها "مئة كتاب وكتاب". وقد أنجز المشروع؛ إذ صدرت كتب السلسلة بأسماء مثقفين من العرب والفرنسيين. وحرصت المؤسستان المشرفتان عليها على أن تكون إصداراتهما مستوعبة ما يمكن اعتباره إحاطة معرفية عامة بأهم أعمال الباحثين العرب والفرنسيين الذين جرى اختيارهم. وجرت العناية، أيضًا،

بمساراتهم في البحث والكتابة، مع تقديم مختارات من أعمالهم. يُقدَّم الباحثون الفرنسيون ضمن هذه السلسلة باللغة العربية، ويُقدَّم المثقفون والباحثون العرب باللغة الفرنسية5. يُدرج كتاب الباحثة عمامو باللغة الفرنسية في أعمال المركز الثقافي العربي، ناشر أعمال هذه السلسلة، وهو الكتاب الذي نُعنى بتقديم محتواه6. ويتميز هذا الكتاب بمواصفات خاصة، تعود إلى أنّ المؤلفة تُعَدّ من أوائل الباحثات والباحثين الذين تلقَّوا دروس التاريخ على أيدي واحد من رواد الكتابة التاريخية العربية المعاصرة في الجامعة التونسية، منذ نهاية ستينيات القرن العشرين إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي اليوم أستاذة تاريخ متخصصة في إسلام العصور الوسطى، وترأس مختبرًا لتاريخ الاقتصاد والمجتمع في ضفتَي المتوسط في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. كما أنها مديرة مجلة الكراسات التونسية، وصاحبة إصدارات عديدة متعلقة بمراحل التاريخ الإسلامي الأولي. وإذا انتبهنا إلى مجمل المعطيات التي ذكرنا ونحن نحاول التعريف بها، أدركنا أهمية عملها الذي تتجه هذه المحاولة إلى تقديم أبرز خلاصاته ونتائجه. يكتشف قارئ هذا المصنف طريقة الباحثة في تقديم أعمال واحد من مؤسسي درس التاريخ في الجامعة التونسية في بداياتها الأولى بعد الاستقلال؛ إذ يتعلق الأمر بالمؤرخ والمفكر هشام جعيط، وبانخراطه في بناء مجموعة من التصوُّرات والمواقف المرتبطة بالمشروع النهضوي التونسي والعربي، وقد عاصر جيلً جديدًا من النهضويين العرب في المغرب العربي، تقاطعت أعمالهم وتكاملت. نشير هنا إلى أعمال عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري (1935 - 2010)، ومحمد أركون (1928 - 2010)؛ فقد تقاطعت بعض أعماله مع أعمالهم، وشكَّلت جهدًا نظريًّا متميزًا في فضاء الفكر المغاربي والفكر العربي المعاصر. وساهمت الشروط التاريخية والفكرية العامة المؤطرة لوجودهم التاريخي، في بناء كثير من أواصر القرب والبعد بينهم7. يلمس قارئ الكتاب الجهد المكثَّف المبذول في فصوله، ويلمس حدوده في مسألة العناية بآثار واحدٍ من أكثر الباحثين التونسيين والعرب إشعاعًا وحضورًا، في مجال تخصصه في التاريخ الإسلامي المبكر، وفي باب اهتمامه بأسئلة الحداثة والتحديث في تونس والعالم العربي أيضًا. وقد حملت ديباجة الكتاب إشارات أبرزت فيها الباحثة كيفية نظرها إلى نوعية الحضور الرمزي الذي امتلكه جعيط في الفكر التونسي المعاصر، بالنظر إلى أنه من أوائل جامعيِّي تونس المستقلة، وبالنظر إلى أن كتاباته وأبحاثه ساهمت في إغناء المشهد البحثي والثقافي التونسي والمغاربي، ووجدت صدى أكبر وأوسع في العالميَن العربي والغربي. نتبيّ ملامح ما أشارت إليه صاحبة الكتاب في نمط كتابته وتفكيره، وفي كثير من صور النقاش الذي ظلّت تثيره مؤلَّفاته في تونس والمغرب وفرنسا وكندا؛ إذ تُرجمَت أهم أعماله إلى العديد من اللغات، وهو الأمر الذي وسَّع دوائر حضوره في الفكر المعاصر9. تتوقف الباحثة لتفصيل القول في عيّنة من القضايا التاريخية والمنهجية المرتبطة بكتابته التاريخية، وتواجه بعض مباحث الفكر التي خاض فيها أيضًا، ونفترض أن المواصفات المرسومة من الجهات التي أشرفت على هذه السلسلة من الكتب هي التي جعلت الباحثة ترسم حدودًا معيّنة لعملها، مُتوَخِّيَةً من وراء ذلك الإحاطة بأعمال جعيط ومساره في التكوين والبحث، والإحاطة الأولية العامة بأبرز

القضايا والإشكالات الواردة في مباحثه، وظلّت قضايا أخرى كثيرة في حاجة إلى مزيد من التفاصيل والمعطيات التي تبرز قوة منجزاته في البحث التاريخي، وفي دائرة التفكير في الحداثة والتقدم. ونفترض، أيضًا، أن الحجم المخصص للكتب ضمن هذه السلسلة، دفع المساهمين في إنجازها إلى تكثيف أعمالهم على نحو لا يتعدّى مطلب الإحاطة العامة، كما هو عليه الأمر في هذا الكتاب10. جعلت الباحثة مؤلّفَها في أربعة فصول. وقد حاولت في الفصل الأول "حياة هشام جعيط ومساره البحثي"، التعريف بالمؤرخ ووسطه العائ يل، وتربيته ومراحل تكوينه، والدور الذي قامت به مدرسة الصادقية في تعليمه الع رصي، ثم تابعت مساره الجامعي بعد ذلك في فرنسا، إلى أن ناقش أطروحته الجامعية "الكوفة: نشأة المدينة العربية الإس المية" في عام 1981، تحت إشراف كلود كاه ني Cahen Claude. ولا يمكن أن نغفل الإشارة إلى تكوينه المت ني والمتنوع. فقد تابع جعيط الشاب في فرنسا تعميق تكوينه الفلسفي والسوسيولوجي، فدرس جورج فيلهلم فريدريش هيغل، وسيغموند فرويد، وماكس في رب، وحصل ع ىل درجة التبريز، واهتم بتعميق تكوينه المنهجي. واتّجه بعد ذلك إلى ن رش بعض أبحاثه في مج الت دولية متخصِّصة، منها:

.11Studia Islamica ; Annales Economie Sociétés et Civilisations ; JESHO ; Le Débat

توقفت الباحثة أمام الأعمال التي تبرز في نظرها حضور جعيط وإشعاعه، وأهمها أوروبا والإسام: صدام الثقافة والحداثة12؛ والفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسام المبكر13؛ وثلاثيتهفي السيرة النبوية. ولا جدال في أنّ المؤلَّفات التي توقفت عندها تُعَدّ من الأعمال الرائدة في الكتابة التاريخية، وفي الفكر العربي المعاصر. ولم تغفل الباحثة أعم لً أخرى في علاقاتها بأسئلة الحاضر التونسي والعربي. نحن هنا نشير إلى مصنفه الأول الشخصية العربية الإسامية والمصير العربي14 وبحوثه المهمة المجموعة في مصنفه أزمة الثقافة الإسامية15. أشارت الباحثة أيضًا إلى أن جعيط بدأ التدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في تونس في السنة الدراسية 1966 - 1967، وأنه في هذه المرحلة تحديدًا بدأ ينشر بعض أبحاثه في الدوريات المتخصصة، ثم أصبح بعد ذلك أستاذًا في دار المعلمين العليا، وبدأ يقدم دروسًا حول بدايات الإسلام؛ إذ نشر أعماله المهمة في موضوعات التمدُّن الإسلامي، والفتنة الكبرى، وتاريخ الأديان، وتاريخ ما قبل الإسلام، ونشر بعد ذلك أبحاثه المرتبطة بثلاثيته في السيرة النبوية16. أرى أنّ عمامو أُهِّلت، بحكم علاقة الزمالة بينها وبين أستاذها جعيط، وهو المشرف على أطروحتها في التاريخ أيضًا، للاقتراب مما كانت تعتبر أنه يُشَكِّل البُؤَر البحثية القوية في مساره البحثي في التاريخ والفكر. وأرى أنّ التركيب المنجز في الفصل الأول، وإن ساهم بعناية ووضوح في رسم المعالم الكبرى للمفكر والمؤرخ جعيط، في القضايا التي توقف عندها في مصنفاته، فإنّ الطابع العام لعمل عمامو لم يتجاوز عملية توصيف الأطر الكبرى لمحتوى مصنفاته وآثاره، من دون أن تتمكن من مساءلتها، أو أن تتوقف أمام بعض القضايا والإشكالات المرتبطة بها في الماضي والحاضر. إن أهمية هذا الكتاب تتجلى في كونه يركِّب مدخلً عامًّا للاقتراب من منجزات جعيط

وأعماله، بل إنه يفتح الباب أمام مقاربات أوسع وأشمل لأعماله17، مقاربات تبحث في أهمية دراسته تاريخ الفتنة في الإسلام مقارنة بالأعمال السابقة لها، وأخرى تفكر في أهمية مباحثه في الغرب الإسلامي وما تضمّنته من جديد، مقارنةً بالمتداول في الكتابة التاريخية، ليبقى عمل المؤلفة في روحه العامة، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، محاولة في الإحاطة العامة بجهوده وفتوحاته الكبرى في الكتابة التاريخية. أما في الفصل الثاني "مختارات من أعمال هشام جعيط"، فقد جمعت المؤلفة، في حدود أربعين صفحة، مختارات من بعض أعماله، وذلك في صورة نصوص مُسْتلَّة من أربعة من كتبه؛ ستة نصوص من الشخصية العربية الإسامية والمصير العربي، وأربعة نصوص من الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسامية، وثلاثة نصوص من أزمة الثقافة الإسامية، وخمسة نصوص من ثلاثيتهفي السيرة النبوية. وفي هذا الفصل، اختارت الباحثة نصوصًا ومقاطع تتيح للقارئ معاينة بعض أوجه الطابع العام لمؤلَّفاته، وهي مستلّة من أعمالٍ رائدة في البحث التاريخي، أعمال تركيبية تتعلق بإشكالات كبرى في تاريخنا وحاضرنا، وتتعلق بإشكالات ترتبط بأسئلة التأخر التاريخي العربي وأسئلة الحداثة والتقدم؛ إذ تتقاطع كثير من القضايا الواردة في أعماله وأعمال مجايليه من مثقفي النهضة العربية18. ونزداد تأكدًا من هذا الأمر، عندما نفكر في قراءاته بعض أعمال النهضويين العرب ونقده كيفيات تلقّيهم فلسفة الأنوار19، أو قراءته كتاب العروي أزمة المثقفين العرب20، وقد ألحقها بكتابه أوروبا والإسام. يتذكر الجميع مقالات جعيط المهمة في الصفحة الأخيرة من مجلة اليوم السابع التي كانت تصدر في باريس، ومقالاته في جريدة القدس. وقد توقفت الباحثة أيضًا أمام إشعاعه في الجامعة التونسية والثقافة العربية، إضافة إلى مساهماته في الصحف التونسية والعربية21. وأرى أنّ الباحثة لو أنها فتحت الباب في سياق النصوص التي اختارتها في الفصل الثاني للقيام بمقارنات بين بعض أعماله وأعمال عبد الله العروي، أو أعمال محمد أركون في قضايا العلمانية، لساهمت في مزيد من إبراز أهمية المواقف والقضايا المثارة في النصوص المختارة من أعماله. يضاف إلى ذلك أنها لم تفكر في نمط منهجيته في التاريخ والأبعاد التي تحملها كتاباته في قضايا الحداثة والتقدم22. لم تتوقف الكاتبة في عملها في ما قدّمته في الفصلين السابقين، بل أضافت فصلين صغيرين يغلب عليهما الطابع التوثيقي، المساعد في عمليات العودة إلى أعمال جعيط والأعمال التي أنجزت حول أبحاثه في التاريخ والفكر، مستهدفة من وراء ذلك توسيع دوائر الاهتمام بمؤلَّفاته؛ إذ خصصت فصلً ثالثًا جمعت فيه أهم ما كُتِب عن أعماله باللغة العربية واللغات الأجنبية (10  صفحات). وفي العناوين التي استوعبتها هذه الأعمال، نتوقف أمام أهم القراءات والمناقشات التي واكبت أعماله بالبسط والمناقشة والرأي. وعلى الرغم مما تثيره عناوين الدراسات الواردة في هذا الفصل من محاولات في الاقتراب من مؤلَّفاته، فإنها تدعونا في الآن نفسه إلى ضرورة مواصلة قراءة أعماله في مختلف تجلياتها وأبعادها، خاصة أن كتابته تتميز بطابعها المفتوح والمركب، فهو ينفر من لغة القطع، ويميل إلى الطابع الريبي.

ختمت المؤرخة التونسية كراستها عن هشام جعيط بتخصيص فصل رابع أخير، قدّمت فيه قائمةً ببليوغرافية شاملة لمختلف مؤلَّفاته، مُرتَّبَةً بكتاباته الأساس باللغتين العربية والفرنسية، ثم وضعت بعدها في الترتيب مختلف الأوراق والمحاولات والمناقشات التي نشرها في الفترة 1964 - 200323، ووضعت أسفل ذلك روابط المواقع الإلكترونية التي تحمل اسمه ومنشوراته. وقد جاء الكتاب في حدود مئة واثنتين وأربعين صفحة من الحجم المتوسط. تحتاج الأعمال التاريخية والفكرية التي أنتجها جعيط إلى مزيد من الدرس والمساءلة، وتحتاج إلى العناية بنمط كتابته وأشكال تحررها من لغة القطع واليقين أيضًا. ونحن نتصوَّر أن أعماله أُسِّست في إطار وعي جديد بمناهج وأسئلة التاريخ في تحوّلها وتطوّرها، وهي تحتاج إلى مقارنات تساهم في إبراز المواقف والخيارات التي حرص الباحث على بنائها بكثير من الجهد والمثابرة. ومن أجل توضيح ما نحن بصدده، نتابع بعض أقواله في موضوع الهوية والحداثة، لأنها تدعونا إلى مواصلة التفكير معه: "وحين نطرح على العالم العربي المفاضلة الرهيبة بين بقاء الإسلام والولاء للماضي من جهة، والإقدام على طريق المستقبل والتجديد من جهة أخرى، فإننا نحصره في جدلية البؤس؛ إذْ ما قيمة مجتمع حركي يكون فاقدًا لروحه؟ لكن أيضًا ما قيمة استمرارية شخصية معينة في المصير التاريخي؟ "24. ويقول في سياق آخر: "وما لم يتمكن المسلمون من ملاحظته - خلافًا لباقي شعوب العالم - هو أن أوروبا لم تتخلَّ في الواقع عن روحانيتها، لكنها أزاحتها، وأن ماديتها الحقيقية تستمد جذورها من مغامرة في الفكر. لقد تركت أوروبا دينها وكل دين، ولكنها لم تنغمس في البطالة والجنون، بل أعادت بناء العلم وتطويره كصلاة جديدة بكثير من الزهد وإنكار الذات"25. في كثير من نصوص جعيط، نعثر على توافق كلّ بينه وبين العروي، والجابري، وأركون، من دون أن يعني ذلك التوافق التام؛ إذ تبقى مسافات كثيرة قائمة بينهم. وعلى الرغم من الالتقاءات التي يمكن أن نتبيّنها بينه وبين زمرة المفكرين الآخرين في هذه القضية، أو غيرها من القضايا الفكرية التي تجمع بينهم، يبقى جعيط نسيجًا متفردًا، وتبقى نصوصه مشحونة بكثير من التوتُّر والتردُّد، إنه في النهاية مفكر "يغرّد خارج الِّسِّب". ولعلنا نواجه أحيانًا في بعض نصوصه بعض الشطحات الصوفية، كما نواجه إيمانه الكبير بأهمية السموّ الفكري وواحدية التاريخ البشري.

المراجع

العربية

التاريخ والتقدم: دراسات في أعمال هشام جعيط (ندوة فكرية). عبد الإله بلقزيز (محرر). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني، 2011.

جدل الهوية والتاريخ: قراءات تونسية في مباحث الدكتور هشام جعيط. إعداد وتنسيق لطفي بن ميلاد. تصدير مهدي مبروك. تونس: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ منشورات سوتيميديا، 2018.

جعيط، هشام. في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة. بيروت: دار الطليعة، 1999.

__________. أزمة الثقافة الإسامية. بيروت: دار الطليعة، 2000.

__________. في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة. بيروت: دار الطليعة، 2007.

__________. تأسيس الغرب الإسامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م. ط 2. بيروت: دار الطليعة، 2008.

__________. الشخصية العربية الإسامية والمصير العربي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2008.

__________. في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام. بيروت: دار الطليعة، 2015.

عبد اللطيف، كمال. التأويل والمفارقة: نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987. __________. درس العروي في الدفاع عن الحداثة والتاريخ. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2014.

__________. في الحداثة والتنوير والشبكات. ميلانو: منشورات المتوسط، 2021.

الأجنبية

Ammamou, Hayat. Hichem Djaît: Itinéraire d'un Universitaire Et Intellectuel Tunisien. Casablanca: Centre

culturell du Livre, 2019.

Djaït, Hichem. Al-kûfa: naissance de la ville islamique. Paris: G. P. Maisonneuve et larose, 1986.

. La personnalité et le devenir Arabo-Islamiques. Paris: Seuil, 1974.

. L'Europe et l'Islam. Paris: Seuil, 1978.

. La crise de la culture islamique. Paris: Fayard , 2004.

. La grande discorde: Religion et politique dans l'Islam des origines. Paris: Gallimard, 2006.

الهوامش

  1. كمال عبد اللطيف، في الحداثة والتنوير والشبكات (ميلانو: منشورات المتوسط، 2021)، ص 31 - 44.
  2. Hichem Djaït, La grande discorde: Religion et politique dans l'islam des origines (Paris: Gallimard, 2006); Hichem Djaït, Al-kûfa: naissance de la ville islamique (Paris: G. P. Maisonneuve et larose, 1986);
    هشام جعيط، تأسيس الغرب الإسامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2008.)
  3. هشام جعيط، في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة (بيروت: دار الطليعة، 1999)؛ هشام جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة (بيروت: دار الطليعة، 2007)؛ هشام جعيط، في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام (بيروت: دار الطليعة، 2015.)
  4. التاريخ والتقدم: دراسات في أعمال هشام جعيط (ندوة فكرية)، عبد الإله بلقزيز (محرر) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني، 2011.)
  5. نذكر من بين العناوين الصادرة ضمن سلسلة مئة كتاب وكتاب، علال الفاسي، عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، فهمي جدعان، ناصيف نصار، سهيل إدريس، محمد أركون، عبد الكبير الخطيبي... إلخ.
  6. Hayat Ammamou, Hichem Djaît: Itinéraire d'un Universitaire Et Intellectuel Tunisien (Casablanca: Centre culturell du Livre, 2019).
  7. يُراجع بحثنا "مفهوم العلمانية في الخطاب السياسي العربي، الحدود والآفاق"، وقد قارنّا فيه بين أعمال محمد أركون وما ورد في كتاب هشام جعيط الشخصية العربية الإسامية والمصير العربي. ينظر: كمال عبد اللطيف، التأويل والمفارقة: نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص 28 - 102؛ كما يمكن مراجعة المقارنات التي أنجزناها بين جعيط والعروي في بحثنا: "الفلسفة والهاجس السياسي: في عوائق الكتابة الفلسفية المغاربية"، في: كمال عبد اللطيف، درس العروي في الدفاع عن الحداثة والتاريخ (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2014)، ص 83 - 94. 8  تُرجمت أهم أعمال هشام جعيط إلى اللغات الآتية: الإنكليزية، والإسبانية، والفارسية، والروسية.
  8. حرصت عمامو على متابعة أعماله وتقديم أهم نتائجها، خاصة أبحاثه التاريخية الأساس، إلّ أنها لم تُرَكِّب الإشكالات التي فكَّر فيها وهو ينظر في قضايا النهضة والتحديث والتقدم، سواء في كتابه المهم الشخصية العربية الإسامية والمصير العربي، أو في الأبحاث المهمة المجموعة في كتابه أزمة الثقافة الإسامية.
  9. Ammamou, p. 26.
  10. Hichem Djaït, L'Europe et l'Islam (Paris: Seuil, 1978).
  11. Djaït, La Grande discorde.
  12. Hichem Djaït, La personnalité et le devenir Arabo-Islamiques (Paris: Seuil, 1974).
  13. Hichem Djaït, La crise de la culture islamique (Paris: Fayard , 2004).
  14. ينظر: جعيط، تأسيس الغرب الإسامي؛
    Djaït, La grande discorde ; Djaït, Al-kûfa: Naissance de la ville islamique.
  15. Ammamou, pp. 26 - 78.
  16. يُطلق اسم النهضة الثانية على الفكر النهضوي الناشئ في ثقافتنا بعد هزيمة 1967، وقد أشارت أعمال عبد الله العروي وأنور عبد الملك إلى هذه التسمية. ينظر: عبد اللطيف، درس العروي، ص 35 - 48.
  17. هشام جعيط، "الفكر العربي الإسلامي والتنوير"، في: هشام جعيط، أزمة الثقافة الإسامية (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 135 - 149.
  18. Djaït, L ' Europe et l ' Islam , pp. 149 - 156.
  19. Ammamou, pp. 22 - 25.
  20. نُدرج أعمال هشام جعيط ضمن مشروع النهضة الثانية، مشروع الأجيال الجديدة من المثقفين العرب الذين حاولوا تطوير الفكر العربي النهضوي وملاءمته مع المتغيرات الحاصلة في مجتمعاتهم.
  21. للاطلاع على هذه الأعمال، يمكن العودة إلى ببليوغرافية هشام جعيط التحليلية المفصلة (1964 - 2017) للطفي بن ميلاد، في: جدل الهوية والتاريخ: قراءات تونسية في مباحث الدكتور هشام جعيط، إعداد وتنسيق لطفي بن ميلاد، تصدير مهدي مبروك (تونس: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ منشورات سوتيميديا، 2018)، ص  173 - 203.
  22. هشام جعيط، الشخصية العربية الإسامية والمصير العربي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2008)، ص  102.
  23. Djaït, L'Europe et l'Islam.
  24. يراجع بحثنا "الفلسفة والهاجس السياسي"، في: عبد اللطيف، درس العروي، ص 83 - 94.