Return to Article Details The Problem of Hadith Codification: The History of the

إشكالية تدوين الحديث: تاريخيّة حديث

The Problem of Hadith Codification: The History of the

محمد جمال باروت

Mohamed Jamal Barout

الملخّص

ما من حديث انتشر منذ انطلاقة عصر التدوين في القرن الثاني الهجري بين الفرق الإسلامية المختلفة السُنّية والشيعية والإباضية والمعتزلية، مثل "حديث الافتراق"، أو حديث" الفرقة الناجية"، فقد تهالكت تلك الفرق كلها في سياق التنافس والصراع بينها حول تمثيل "السُنّة والجماعة"، على تمثل هذا الحديث وإعادة إنتاجه، كي تؤكد أنها المقصودة ب "الجماعة" في لفظ الحديث. يُحلّل هذا البحث، في ضوء منهجيته التاريخية، تاريخ رواية حديث "الافتراق"، وتاريخ تمثّلاته لدى الفرق الإسامية الكبرى المختلفة والمتصارعة على مدى أربعة قرون، منذ أن ظهر حتى تكريسه في القرن الخامس الهجري، عندما أصبحت "الجماعة" مصطلحًا دالًًّّا على جماعة مذهب أهل السنّة والجماعة من دون سواهم من الجماعات والفِرَق الإسلامية الأخرى، ويسعى لإنتاج معرفة تاريخية موضوعية خاصة به.

Abstract

After the era of hadith codification was launched in the second century AH/eighth century CE, no hadith spread among the various Islamic sects-Sunni, Shi'i, Ibadhi and Mu'tazili-as did the hadith of "separation" (al-iftirāq), or "the saved sect" (al-firqa al-nājiya). Each of these sects vied with the others to reproduce and interpret this hadith in such a way as to demonstrate that it alone was the sect that would be delivered from hellfire. This article seeks to present an objective historical analysis of the hadith of separation, and the ways in which it was represented by the various competing Islamic sects over a period of four centuries, from the time it appeared until the fifth century AH/eleventh century CE, when the term al-jamā'a came to denote the Sunnis as those who would be saved to the exclusion of all other Islamic groups and sects.

الكلمات المفتاحية:
  • تدوين الحديث
  • المسانيد
  • الكتب الستة
  • الافتراق
  • الجماعة
  • الفرقة الناجية
Keywords:
  • Hadith codification
  • Musnad
  • the Six Books
  • al-iftirāq
  • al-Jamā'a
  • al-Firqa al-nājiya

إشكالية تدوين الحديث: تاريخيّة حديث "الافتراق" وتمثّله من الفِرَق الإسلاميّة The Problem of Hadith Codification: The History of the "Hadith of Separation" (ḥadīth al-iftirāq) and Its Reproduction and Representation among Islamic Sects

ما من حديث انتشر منذ انطلاقة عصر التدوين في القرن الثاني الهجري بين الفرق الإسلامية المختلفة السُنّية والشيعية والإباضية والمعتزلية، مثل "حديث الافتراق"، أو حديث" الفرقة الناجية"، فقد تهالكت تلك الفرق كلها في سياق التنافس والصراع بينها حول تمثيل "السُنّة والجماعة"، على تمثل هذا الحديث وإعادة إنتاجه، كي تؤكد أنها المقصودة ب "الجماعة" في لفظ الحديث. يُحلّل هذا البحث، في ضوء منهجيته التاريخية، تاريخ رواية حديث "الافتراق"، وتاريخ تمثلّاته لدى الفرق الإس مااية الكبرى المختلفة والمتصارعة على مدى أربعة قرون، منذ أن ظهر حتى تكريسه في القرن الخامس الهجري، عندما أصبحت "الجماعة" مصطلحًا د لًّ على جماعة مذهب أهل السنّة والجماعة من دون سواهم من الجماعات والفِرَق الإسلامية الأخرى، ويسعى لإنتاج معرفة تاريخية موضوعية خاصة به.

After the era of hadith codification was launched in the second century AH/eighth century CE, no hadith spread among the various Islamic sects-Sunni, Shi'i, Ibadhi and Mu'tazili-as did the hadith of "separation" (al-iftirāq), or "the saved sect" (al-firqa al-nājiya). Each of these sects vied with the others to reproduce and interpret this hadith in such a way as to demonstrate that it alone was the sect that would be delivered from hellfire. This article seeks to present an objective historical analysis of the hadith of separation, and the ways in which it was represented by the various competing Islamic sects over a period of four centuries, from the time it appeared until the fifth century AH/eleventh century CE, when the term al-jamā'a came to denote the Sunnis as those who would be saved to the exclusion of all other Islamic groups and sects.

يشكر الباحث شكرًا جزيلًالزميلين عبد الرحمن حللي ورائد السمهوري على قراءة البحث واستفادته من الملاحظات التي أبدياها. باحث ومؤرخ سوري، وباحث مشارك في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. Syrian Researcher and Historian. Associate Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies, Doha. Email: Jamal.barout@dohainstitute.org

مقدمة

تنسب المصادر التاريخية أولى محاولات تدوين الحديث إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99 - 101 ه/ 718 - 720 م)، غير أنه ليس هناك دليل على وصول هذه المدوّنات الأولى إلى القرن الثالث الهجري1. ويرجع السبب في تأخّر تدوين الحديث إلى

أن الصحابة في عهد الرسول وفي عهد الخلفاء الراشدين "لم يتشدّدوا في أمر الكتابة وحدها، بل بلغ بهم الورع أن راحوا يتشدّدون حتى في الرواية"2، مخافة "أن يضاهى بكتاب الله تعالى، وأن يشتغل عن القرآن بسواه  "3، أو "خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم"4. لكن هذا التشدد لم يمنع من انتشار ظاهرة "فشو" الحديث في المجال التداولي الإسلامي، إلى درجة استدعت ضبطه وتدوينه رسميًا، لتمييز ما هو صحيح ممّا هو موضوع. فكان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت. 124 ه/ 742 م) أوّل من استجاب إلى

دعوة عمر بن عبد العزيز في تدوين الحديث؛ لأنه كان "أحد من انتهى إليه علم الصحابة، وعليه مدار حديث الحجاز"5، بل اعتبر أنه "أوّل من دوّن العلم"، وكان يفخر بذلك قائلً: "لم يدوّن هذا العلم أحد قبل تدويني  "6. وسوّغ تدوينه بقوله: "لولا أحاديث تأتي من

قبل المشرق ننكرها لا نعرفها لما كتبت حديثًا ولا أذنت في كتابتها"7. غير أنّ فترة خلافة عمر بن عبد العزيز كانت قصيرةً جدًا، وبقي أثرها في عملية التدوين محدودًا، كما أن الذين كلّفهم بعملية التدوين، وفي مقدمتهم الزهري، لم يكونوا متحمّسين لذلك من ناحية تقَويّة، بل عُرفوا بكرههم لتدوين الحديث، وكان الذين جمعوه

من بينهم ودوّنوه كارهين لهذا العمل8. وفي هذا الصّدد يقول الزّهري: "كنّا نكره الكتاب، حتى أكرهنا عليه الأمراء، فرأيت ألّ أمنعه

مسلمًا"9. ويذكر صبحي الصالح تواتر "نغمة جديدة من الندم والحسرة عند الذين شاركوا في التدوين خاصةً، فكأنهم لم ينهضوا

بالأمر من تلقاء أنفسهم، بل بتحريض الأمراء وائتمارًا بأمرهم"10. ومع دخول الاجتماع الإسلامي في القرن الثاني الهجري مرحلة ما يمكن تسميته بلغة الجابري ب "أزمة أسسه" الاعتقادية - السياسية، برز الأساس الموضوعي لانطلاق "عصر التدوين" مع النصف الثاني من القرن المذكور، مع محاولة تدوين الأطر المرجعية للفكر الإسلامي في شتّى نواحيه ومجالاته، بهدف تجاوز تلك الأزمة، ولا يحاول تدوين ما هو "جاهز" قبله، بل يسعى لإعادة بنائه في ضوء طرح إشكاليات جديدة، بما يجعل منه "تراثًا"، على حد تعبير الجابري11.

1   ينظر: وجيه قانصوه، النصالديني في الإسلام من التفسير إلى التلقي (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص 176. 2   صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه: عرض ودراسة، ط 2 (دمشق: مطبعة جامعة دمشق، 1963)، ص 39 - 40. 3   أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تقييد العلم، تحقيق سعد عبد الغفار علي (القاهرة: دار الاستقامة، 2008)، ص 118. 4   السيد الشريف محمد بن جعفر الكتاني، الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السُنّة المشرفة، تحقيق محمد المنتصر بن محمد الزمزمي بن محمد جعفر الكتاني،

ط 5 (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1993)، ص 6. 5   ينظر: أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمداني، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ط 2 (حيدر أباد: دائرة المعارف العثمانية، 1359 ه)، ص 3. 6 الكتاني، ص 4. 7 الخطيب البغدادي، ص 138 - 139. 8 الصالح، ص 47. 9   الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، أشرف على التحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]، ج 5، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة،

1985)، ص 344. 10 الصالح، ص 46. 11   محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ط 8 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 56 - 73، 110.

  1. ينظر: وجيه قانصوه، النصالديني في الإسلام من التفسير إلى التلقي (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص 176.
  2. صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه: عرض ودراسة، ط 2 (دمشق: مطبعة جامعة دمشق، 1963)، ص 39 - 40.
  3. أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تقييد العلم، تحقيق سعد عبد الغفار علي (القاهرة: دار الاستقامة، 2008)، ص 118.
  4. السيد الشريف محمد بن جعفر الكتاني، الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السُنّة المشرفة، تحقيق محمد المنتصر بن محمد الزمزمي بن محمد جعفر الكتاني، ط 5 (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1993)، ص 6.
  5. ينظر: أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمداني، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ط 2 (حيدر أباد: دائرة المعارف العثمانية، 1359 ه)، ص 3.
  6. الكتاني، ص 4.
  7. الخطيب البغدادي، ص 138 - 139.
  8. الصالح، ص 47.
  9. الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، أشرف على التحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]، ج 5، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985)، ص 344.
  10. الصالح، ص 46.
  11. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ط 8 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 56 - 73، 110.

أوالً: من ظاهرة "فشو" الحديث إلى إشكالية التدوين

1. إشكالية التوثق من صحة الحديث

أثارت ظاهرة "فشو" الحديث واستخداماته الوظيفية المتعددة والمتباينة، بل المتناقضة في هذا السياق، إشكالية التوثق من صحة رفع الحديث إلى الرسول، ومدى صحة الاعتداد به في الأحكام الشرعية الفقهية والاعتقادية؛ إذ بلغت فوضى ظاهرة "التحديث" عن الرسول في القرن الثاني الهجري درجة أنه قد سمع عن الزهري شكواه؛ إذ قال: "يا أهل العراق، يخرج الحديث من عندنا شبرًا، ويصير عندكم ذراعًا"12. وعلى الرغم من أن أبا حنيفة (80 - 150 ه/ 699 - 767 م) قد عُرف ببحثه عن المسألة في كتاب

الله، فإنْ لم يجدها، يبحث عنها في سنّة الرسول، ويأخذ ما شاء من أقوال أصحابه، ويدع ما شاء، من دون أن يخرج من قولهم إلى قول غيرهم، غير أنه لا يأخذ بأقوال التابعين13. فإنه كان عمومًا لا يكترث بالحديث، ويقول لمن يستشهد به: "دعنا من هذا"،

مُغلّبًا العقل واستقلال الرأي في الحكم الفقهي14. ولعلّ هذا ما يفسّر أن الأحاديث الصحيحة لديه- وفق ما ذكره ابن خلدون في

المقدمة - لا تتجاوز السبعة عشر حديثًا، في حين لم تبلغ الأحاديث الصحيحة عند مالك بن أنس (93 - 179 ه/ 711 - 795 م) في الموطّأ أكثر من ثلاثمئة حديث15. أما في مسند الإمام الإباضي الربيع (ت. 170 - 180 ه/ 786 - 796 م)، فلم يتجاوز عدد هذه الأحاديث المئتين واثنين وثلاثين حديثًا16. ولم تُدوّن الأحاديث الشيعية التي يُنسبُ معظمها إلى جعفر الصادق (ت. 148 ه/ 765 م)، الإمام

الشيعي السادس، إلّ في كتاب الكافي في الأصول والفروعلمحمد بن يعقوب الكُلَيني (ت. 328 - 329 ه/ 940 - 941 م) في العقدين الأولين من القرن الرابع، مع انطلاق ما اصطُلح على تسميته "عصر التدوين الشيعي" للمجاميع الحديثية الشيعية (الإمامية)، أو ما يُصطلح عليه أيضًا ب "الكتب الأربعة  "17، وهو عصر تأخرت انطلاقته عن عصر التدوين الفقهي السُنّي للحديث بنحو قرن.

2. ظاهرة استشراء الحديث واحتدام لاانقسامات العقدية - السياسية

يقابل هذا التشدد من مؤسسي المذاهب الفقهية في القرن الثاني الهجري، ولا سيما في النصف الأول منه، انفجار ظاهرة تدوين الحديث من خلال حركة "المسانيد" في القرن الثالث الذي يعتبر قرنًا محوريًا في عملية بناء الحديث، فقد حدّد مجاميع الأحاديث التي

يعتمدها المسلمون حتى اليوم. ارتبطت ظاهرة استشراء "التحديث" أو فوضاها باحتدام الانقسامات العقديّة - السياسية الإسلامية. ويربط الكتاني بين حركة

التدوين وكثرة "الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار"18.

12 الذهبي، ج 5، ص 344. 13   محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية (القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.])، ص 354 - 355؛

محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي، ط 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2013)، ص 144. 14 الجابري، ص 106. 15   عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق محمد تامر (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2005)، ص 362. 16   الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي (عُمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 2011.)

17   هذه الكتب أو "الأصول" هي: الكافي؛ من لا يحضره الفقيهلمحمد بن بابويه القمي المعروف باسم "الصدوق" (ت. 381 ه/ 991 م)، و تهذيب الأحكاموالاستبصار

لمحمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة (385 - 460 ه/ 995 - 1068 م). الإمام السيد محسنالأمين، أعيان الشيعة، تحقيق وتعليق حسن الأمين، ج 1 (بيروت:

دار التعارف للمطبوعات، 1998)، ص 207. ويلخص الأمين أن الشيعة المعاصرين للأئمة قد صنفوا من عهد الإمام علي حتى عهد الإمام المهدي "ما يزيد على ستة آلاف

وستمائة كتاب"، "وامتازت بين هذه الستة الآلاف والستمائة كتاب أربعمائة كتاب عرفت عند الشيعة بالأصول الأربعمائة". ينظر: الأمين، المرجع نفسه، ص 201. 18 الكتاني، ص 6.

  1. الذهبي، ج 5، ص 344.
  2. محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية (القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.])، ص 354 - 355؛ محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي، ط 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2013)، ص 144.
  3. الجابري، ص 106.
  4. عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق محمد تامر (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2005)، ص 362.
  5. الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي (عُمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 2011.)
  6. هذه الكتب أو "الأصول" هي: الكافي؛ من لا يحضره الفقيهلمحمد بن بابويه القمي المعروف باسم "الصدوق" (ت. 381 ه/ 991 م)، و تهذيب الأحكاموالاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة (385 - 460 ه/ 995 - 1068 م). الإمام السيد محسنالأمين، أعيان الشيعة، تحقيق وتعليق حسن الأمين، ج 1 (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1998)، ص 207. ويلخص الأمين أن الشيعة المعاصرين للأئمة قد صنفوا من عهد الإمام علي حتى عهد الإمام المهدي "ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب"، "وامتازت بين هذه الستة الآلاف والستمائة كتاب أربعمائة كتاب عرفت عند الشيعة بالأصول الأربعمائة". ينظر: الأمين، المرجع نفسه، ص 201.
  7. الكتاني، ص 6.

يكشف كتاب التحريش19 لضرار بن عمرو الغطفاني (ت. 193 ه/ 809 م، أو 200 ه/ 815 - 816 م) عن هذا الارتباط بين فشو ظاهرة "التحديث" وزيادة الطلب على "الحديث" واحتدام الانقسامات الاعتقادية - السياسية، كما جرى الأمر في البدايات الأولى لعصر التدوين. وكان الغطفاني من رؤوس المعتزلة، وقد اعتبرته المعتزلة معتزليًا سابقًا، ورفضوا تصنيفه في طبقاتهم، في حين أصرّ

متكلمو السُنّة والشيعة الإمامية ومؤرخو الفرق منهم على اعتباره من رؤوس المعتزلة. ويقوم كتاب الغطفاني على تشخيص أزمة الأسس

من خلال تشخيصه لها بأزمة "التحديث"، وتوظيف الحديث في الانقسامات الاعتقادية - السياسية في زمنه. وهو نص شخّص تلك الأزمة بصفة مبكّرة من خلال العلاقة بين فشو ظاهرة "التحديث" وهذه الانقسامات. ويقوم هذا الكتاب على تصوّر "فقيه" افتراضي

يسكّ الأحاديث النبوية لكل فرقة من الفرق الكلامية الاعتقادية - السياسية الإسلامية المنقسمة ب "ما وافق هواه"20، بما يشرعن مقالتها بحديث مروي عن النبي، ويقوم ذلك الفقيه بالتحريش بين تلك الفرق وتعميق أزمة انقساماتها.

3. بين أهل الرأي وأهل الحديث

أمّا على مستوى العلاقة بين أزمة الحديث ودليل السُنّة في أصول الفقه، فترتبط عملية المزاوجة في ما بينها بالإمام الشافعي

(150 - 204 ه/ 767 - 820 م) الذي كرّس السُنّة في سياق هذه الأزمة بصفتها مصدرًا ثانيًا مع القرآن في التشريع، حتى لو كانت "خبر

آحاد" موثوق في سنده، ما دام راويه ثقةً ضابطًا، وما دام الحديث متّصلً برسول الله، "حيث لم يشترط غير ذلك من عمل يؤيد الحديث كما اشترط مالك، ولا شهرة كما اشترط أهل العراق"21. فلم يكن الشافعي من مدرسة أهل الحديث في الحجاز، ولا من مدرسة أهل الرأي في العراق السائدتين في عصره، بل اختطّ تأصيل نموذج نظري أصولي له في تقنين أصول التشريع، يُرسّخ مكانة

السُنّة فيه22. يرى بعض الباحثين المحدثين أن الشافعي "صرّح بالتفرقة بين السنّة والحديث، فالسُنّة عنده هي ما اشتهر وصحّ وتعورف

عليه بأي طريق، وإن لم يشتهر إسناده، أو لم تتعدّد روايته"، غير أنه يناقض هذا الرأي إلى حدٍ ما يُحلّله ذويب بأن "السنة هي الخبر

الثابت نقله عن الرسول بواسطة ثقة تتوفر فيه الشروط التي حددها، وإثبات الحديث سُنة، يعني أنه أصبح مصدرًا وحجّة للأحكام

الشرعية"23. أفرز انفجار ظاهرة "التحديث" في زمن الشافعي ما وصفه الخضري بك ب "النزاع في السنّة"24، وأفرد له الشافعي بابًا حجاجيًا

مطوّلً لمن يقول بذلك، تحت عنوان "حكاية أقوال الطائفة التي ردّت الأخبار كلها"، وتمحور هذا النزاع حول ثلاث نقاط تتناول رد

الحديث أوّلبسبب انتشار ظاهرة الشك في موثوقية روايته بسبب الغلط والنسيان والخطأ، أو الكذب على الرسول، وردّ الحديث ثانيًا

من حيث كونه حديثًا، وعدم قبول شيء منه، وردّ الحديث   ثالثًا ما لم يكن بيانًا لنص قرآني25. وفي باب "حكاية من ردّ خبر الخاصة" الذي يُدرج في سياق احتجاج الشافعي لإثبات خبر الواحد، يستخدم في درج الحجاج مع من ردّ "خبر الخاصة" مصطلح "أهل

19   ضرار بن عمرو الغطفاني، كتاب التحريش، تحقيق حسين خانصو ومحمد كسكين (إستنبول: دار الإرشاد، 2014.) 20 المرجع نفسه، ص 139. 21 الخضري بك، ص 170. 22   عبد الرحمن حللي، "قراءة الشافعي في سياقه: نحو مقاربة جديدة"، تبيُّن، مج 9، العدد 34 (خريف 2020)، ص 213.

23   حمادي ذويب، السنة بين الأصول والتاريخ (الدار البيضاء: المؤسسة العربية للتحديث الفكري والمركز الثقافي العربي، 2005)، ص 45 - 46. 24 الخضري بك، ص 122 - 123. 25   قارن بالنص الكامل لهذا الباب في: محمد بن إدريس الشافعي، جُماع العلم، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1986)، ص 13 - 46.

  1. ضرار بن عمرو الغطفاني، كتاب التحريش، تحقيق حسين خانصو ومحمد كسكين (إستنبول: دار الإرشاد، 2014.)
  2. المرجع نفسه، ص 139.
  3. الخضري بك، ص 170.
  4. عبد الرحمن حللي، "قراءة الشافعي في سياقه: نحو مقاربة جديدة"، تبيُّن، مج 9، العدد 34 (خريف 2020)، ص 213.
  5. حمادي ذويب، السنة بين الأصول والتاريخ (الدار البيضاء: المؤسسة العربية للتحديث الفكري والمركز الثقافي العربي، 2005)، ص 45 - 46.
  6. الخضري بك، ص 122 - 123.
  7. قارن بالنص الكامل لهذا الباب في: محمد بن إدريس الشافعي، جُماع العلم، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1986)، ص 13 - 46.

الحديث" في قوله: "أسمعك قلّدت أهل الحديث"26؛ ما يدل على أن رُواة الحديث قد شكّلوا نوعًا من جماعة أرست من يقلّدها. وما

يهمّنا هنا من زاوية علاقته بانفجار ظاهرة "التحديث" هو الصراع على السُنّة أو الحديث، ومدى حجيّتها من جهة، ثم ما ترافق معه

من النزاع على العلاقة بين الحديث والفقه. وقد عكس الشافعي هذا النزاع الأخير في ردّه على من أنكر خبر الواحد بقوله: "أفقه الناس عندنا وعند أكثرهم أتبعهم للحديث، وذلك أجهلهم [عندك]، لأن الجهل عندك قبول خبر الانفراد"27. ويتوقف عند النزاع بين أهل الفقه في البلد الواحد والمصر الواحد28، والنزاع حول الأحاديث المرويّة بين من يقبلها ومن يردّها، ويستخدم الشافعي بتواتر جملة

"مخالفي ما يرويه الرُواة من أخبار أو أحاديث"؛ لأنّه كان لهم "مخالفون من الناس اليوم وقبل اليوم"29. بحلول بدايات القرن الرابع، وصل الانقسام بين "أهل الرأي" و"أهل الحديث" في المجال السُنّي، كما يدلّنا على ذلك عبد الله بن

أحمد بن حنبل (ت. 290 ه/ 903 م) إلى أوجه، حتى وصل إلى تكفير "أهل الرأي" الذين يتّخذون من أبي حنيفة إمامًا لهم30. وأورد

ابن أبي يُعلى (ت. 526 ه/ 1132 م) رواية محمد بن روح العكبري، كما يلي: "سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لو أن رجلً وُلّي القضاء، ثم

حكم برأي أبي حنيفة، ثم سُئلت عنه لرأيت أن أردّ أحكامه"31. وفي هذا القول ما يشير إلى خلاف أحمد مع أصحاب أبي حنيفة في إطار

النزاع بين "أهل الحديث" و"أهل الرأي"، وليس لتكفير أبي حنيفة اعتقاديًا بكونه "مرجئيًا"، لكن بعض تلامذة ابن حنبل صنّف أبا حنيفة

مرجئيًا، بما جعلوه في اعتقادهم مرتدًّا عن الإسلام، وجرى رميه مع أهل الرأي اعتقاديًا ب "الإرجاء" والكفر والزندقة، فاستوجب الأمر دعوة

استتابته لكفره32. وقد ظل الأحناف حتى زمن أبي الحسن الأشعري (260 - 324 ه/ 874 - 936 م) فئة مرجئية، مع أنهم ينتمون إلى مذهب فقهي في درجة أساسية، وليسوا فرقة اعتقادية، لكن ذهب البغدادي (ت. 429 ه/ 1038 م) إلى أن الخلاف بين المذاهب الفقهية هو في الفروع وليس في الأصول، وأقرّ في إطار تأصيله ل "أهل السنّة والجماعة" أنّهم "الفرقة الناجية"، فتجاهل تصنيف شيخه الأشعري للأحناف

بصفتهم فرقة أو فئة "مرجئية"، مستثنيًا أصحاب أبي عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي المريسي (ت. 208 ه/ 824 م)

الذي كان مرجئيًا على مستوى الاعتقاد وحنفيًا على مستوى الفقه، لكنّ أبا يوسف القاضي هجره بعد أن قال بخلق القرآن33. تطور الخلاف بين المذاهب الفقهية "السُنّية" اللاحقة التي تبلورت في منتصف القرن الرابع حول "العمل" بالحديث، وإن

سلّمت هذه المذاهب الفقهية بالكتاب والسُنّة بوصفهما أصلين أساسيين مرجعيين في التشريع الإسلامي، إضافة إلى أصل الإجماع،

ثم أصل القياس على خلاف. وقد استجمع محمد الخضري بك الفرق بين طريقة عمل الفقهاء وطريقة عمل المحدّثين أو الحفّاظ، مع الحديث؛ إذ رأى أنّ "صحّة سند الحديث ليست أصلً للعمل به لدى الفقهاء. ومن هنا كان الاختلاف عظيمًا في تقدير قيمة

الحديث المروي، فقد تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته، ويرفضه الشافعي لضعف في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث لأن

26 المرجع نفسه، ص 59. 27 المرجع نفسه، ص 59 - 60. 28 المرجع نفسه، ص 60 - 64. 29 المرجع نفسه، ص 71 - 73. 30   ينظر: أبو عبد الرحمن عبد الله بن حنبل الشيباني، كتاب السنّة، تحقيق محمد بن سعيد بن سالم القحطاني (الدمام: دار ابن القيّم، 1986)، ص 111، 164، 174.

31   أبو الحسين محمد بن أبي يعلى البغدادي الحنبلي، طبقات الفقهاء الحنابلة، تحقيق علي محمد عمر، ج 1 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1998)، ص 409. 32 ينظر: ابن حنبل الشيباني، ص 111، 164، 174.

33   عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، الفَرق بين الفِرق، ط 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2009)، ص 153.

  1. المرجع نفسه، ص 59.
  2. المرجع نفسه، ص 59 - 60.
  3. المرجع نفسه، ص 60 - 64.
  4. المرجع نفسه، ص 71 - 73.
  5. ينظر: أبو عبد الرحمن عبد الله بن حنبل الشيباني، كتاب السنّة، تحقيق محمد بن سعيد بن سالم القحطاني (الدمام: دار ابن القيّم، 1986)، ص 111، 164، 174.
  6. أبو الحسين محمد بن أبي يعلى البغدادي الحنبلي، طبقات الفقهاء الحنابلة، تحقيق علي محمد عمر، ج 1 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1998)، ص 409.
  7. ينظر: ابن حنبل الشيباني، ص 111، 164، 174.
  8. عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، الفَرق بين الفِرق، ط 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2009)، ص 153.

العمل جرى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوة في سنده"34، ف "لا يأخذ به الإمام إلّ إذا استوفى الشرط الذي جعله الإمام أصلً للحديث"35. أما في المجال الشيعي الإمامي، فقد احتدم الانقسام بين "الأخباريين" و"الأصوليين" أو"المجتهدين" في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وهو انقسام اتّهم فيه كل فريق غيره بالمروق عن الدين وتخريبه، وبتقسيم "الفرقة الناجية"، بحسب تعبير الشيخ يوسف البحراني (1107 - 1186 ه/ 1695 - 1772 م)، إلى فرق متناحرة36. تمثّلت الإشكالية الأساسية لعصر التدوين الفقهي الشيعي الإمامي في الردّ على الفرق الشيعية الثلاث عشرة التي انبثقت من انقسام الفضاء الشيعي في إثر بدء ما يُعرف شيعيًا

بدور "الغيبة الصغرى" (260 - 328 أو 329 ه/ 874 - 940 أو 941 م)، والردّ بخاصّة على "الغلُاة" منها لتحقيق الاستقلال الاعتقادي والفقهي عنها، أكثر مما انشغلت بنوعية الجدل الذي قام في الفضاء السُني بين "أهل الرأي" و"أهل الحديث"، وإن انعكست آثار

هذا الجدل في بعض مجاميعها، ولا سيما في الجدل بين الشيخ الصدوق (ت. 381 ه/ 991 م) والشيخ المفيد (ت. 413 ه/ 1023 م). 4. من حركة المسانيد إلى مجاميع الصحاح في القرن الثالث: أزمة الحديث أو السنّة برزت ظاهرة "أهل الحديث" في سياق هذه الأزمة من خلال حركة "المسانيد" التي سبقت تدوين ما سيُعرف بمجاميع

"الصحاح" السّنيّة في القرن الثالث، وغدت كاتّجاه مميز سيتحوّل لاحقًا إلى مذهب واعتقاد في وقت واحد عند أحمد بن حنبل

(161 - 241 ه/ 780 - 855 م) عبر مواجهة أهل الرأي والجهمية. وقد أظهرت هذه المواجهة ابن حنبل وأصحابه بوصفهم ممثلين لأهل الحديث أو "أهل السُنّة والحديث" و"الأثر" في النجارية والبرغوثية وغيرها، وهي كلها ضمن طوائف الجهمية في نظره. عبّرت حركة

"المسانيد" عن ظاهرة التهالك على تدوين الحديث أو السُنّة في مواجهة من يشكّك فيهما من حيث الموثوقية، أو من حيث حجيّة

التشريع، في حين كان فقهاء النصف الأول من القرن الثاني شديدي التحوّط والحذر تجاهها. وبناء على هذا، فإن ظاهرة حركة

"المسانيد" تُعبّر عن "انفجار" ظاهرة "التحديث". نشأت حركة تصنيف "المسانيد" التي سبقت تدوين مجاميع الصحاح في القرن الثالث في سياق هذه الأزمة التي نشبت في القرن الثاني، على أساس تدوين كل ما يمكن تدوينه من الحديث. وقد دوّنت "المسانيد" روايات التابعين بالدمج بين أحاديث الرسول

وأقوال الصحابة، "وذلك في أن يجمع المحدّث في ترجمة كل صحابي ما يروي عنه من حديثه، سواء أكان صحيحًا أم غير صحيح"، ومن هنا "يصعب في المسانيد التمييز بين الأحاديث صحيحها وضعيفها، مقبولها ومردودها"37. وقد وصل إلينا من تلك "المسانيد" المعتمدة لدى السُنّة مسند الإمام أحمد ابن حنْبل38 الذي لم يصلنا بصيغته الراهنة مع مزيدات عليه إلّ بوقت متأخر عن زمن ابن

حنبل، عن طريق أبي بكر القطيعي (274 - 368 ه/ 888 - 979 م) الذي رواه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل39 في "صورة منقحة معدّلة"

34 الخضري بك، ص 132. 35 المرجع نفسه، ص 131. 36   ينظر: يوسف البحراني، لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث (المنامة: مكتبة فخراوي، 2008)، ص 113. 37 الخضري بك، ص 120. علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، تاريخ التشريع الإسلامي: دراسات في التشريع وتطوره ورجاله، مراجعة إبراهيم علي

أبو الخشب وعبد العزيز عزّت، المجلد الثاني (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000)، ص 67.

38 استجمع شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد من ألّف في "المسانيد"، بدءًا من الطيالسي (ت. 204 ه)، وعبيد الله موسى (ت. 230 ه)، وابن عدي (ت. 228 ه) والحمّاني

.(ت 228 ه)، وصولً إلى مسند أحمد بن حنبل. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، ج 50 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1995)،

ص 51 - 56؛ الخضري بك، ص 120. 39   روي المسند بوساطة ابنه عبد الله بن حنبل الذي ألحق به "ما يشاكله، وضمّ إليه من مسموعاته ما يماثله". ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 1، ص 58 – 59.

  1. الخضري بك، ص 132.
  2. المرجع نفسه، ص 131.
  3. ينظر: يوسف البحراني، لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث (المنامة: مكتبة فخراوي، 2008)، ص 113.
  4. الخضري بك، ص 120. علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، تاريخ التشريع الإسلامي: دراسات في التشريع وتطوره ورجاله، مراجعة إبراهيم علي أبو الخشب وعبد العزيز عزّت، المجلد الثاني (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000)، ص 67.
  5. استجمع شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد من ألّف في "المسانيد"، بدءًا من الطيالسي (ت. 204 ه)، وعبيد الله موسى (ت. 230 ه)، وابن عدي (ت. 228 ه) والحمّاني.(ت 228 ه)، وصولً إلى مسند أحمد بن حنبل. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، ج 50 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1995)، ص 51 - 56؛ الخضري بك، ص 120.
  6. روي المسند بوساطة ابنه عبد الله بن حنبل الذي ألحق به "ما يشاكله، وضمّ إليه من مسموعاته ما يماثله". ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 1، ص 58 – 59.

على ما رأى باتون40، وقد ثار الجدل حولها، ولا يزال مثارًا حول مزيداته من عبد الله بن أحمد على مسند أبيه أو ما زاده القطيعي

حتى عصرنا41. كان المجال التداولي الإسلامي في زمن تدوين ابن حنبل مسنده؛ أي بين أواخر النصف الثاني من القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث، يعجّ ب "كثرة كاثرة" من الأحاديث، وتشير أولى مدوّنات طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى إلى أنّه قد فشا ما صحّ من الحديث

"أكثر من سبعمائة أو سبعمائة وخمسين ألف حديث، عن سبعمائة صحابي"42، وقد خرّج منها أحمد ثلاثين ألف حديث في مسنده،

ليكون مرجعًا فيما اختلف فيه الناس في سنة الرسول"43. ونسب أصحابه أكثر من مرّة إليه بأنّه كان "يحفظ سبعمائة ألف حديث"، بل

"كان يحفظ ألف ألف"44، ونسبوا إليه أنّ الرجل يلزمه على الأقل خمسمئة ألف حديث كي يفتي45. ويفهم من تعداد الأحاديث تعداد رُواة الحديث الواحد، فيمكن أن تكون للحديث عشرات الروايات؛ ما يعني تقليص حجمها في حال حذف التكرار فيها46. لم تضمّ مجاميع الكتب الستّة في النصف الأخير من القرن الثالث إلّ حجمًا محدودًا من تلك الأحاديث المنتشرة في المجال

التداولي الإسلامي المنقسم، ثم جاءت مجموعة الحاكم النيسابوري (ت. 504 ه/ 1110 م) التي استدركت على شرطي مسلم والبخاري نحو تسعة آلاف حديث آخر كان يلزم مسلم والبخاري إخراجها47، باعتبار أنّ "رُواتها ثقات قد احتّج بمثلهم الشيخان رضي

الله عنهما أو أحدهما"، ويعتبر النيسابوري ذلك "شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام، وأن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبول"48. أمّا حركة التدوين الفقهي الشيعي الإمامي، فنشأت متأخرة بنحو قرن عن حركة تدوين الكتب الستة؛ إذ بدأ ما

يمكن تسميته بعصر التدوين الفقهي الاعتقادي الشيعي في بدايات القرن الرابع مع الكليني الذي دوّن في مجموعته الكافي 16199

حديثًا عن الأئمة، في ما يمكن تسميته "السُنّة الإمامية"، لتكتمل دورته التأسيسية في حوالى النصف الأول من القرن الخامس، مع

ترسيمها في "الكتب الأربعة"، لتقوم حركة التنقيح الأصولية لها لاحقًا، وسط صراع شيعي داخلي بين من سيُطلق عليهم "الأصوليون"

و"الأخباريون" واعتماد قواعد الجرح والتعديل، وتصنيف الأحاديث في الكتب الأربعة بين: صحيح وحسن وموثق وضعيف49.

40   بولتر ملفيل باتون، أحمد بن حنبل والمحنة، ترجمة الشيخ عبد العزيز عبد الحق (بيروت: دار جداول، 2011)، ص 66 - 67. 41   أثار جمع القطيعي للمسند جدلً واسعًا عن مدى أصالة ما نقل في المسند عن أحمد بن حنبل وبين "زيادات" ابنه عبد الله، أو "زيادات" القطيعي. وهو جدل استمر

حتى زمن ابن تيمية، بل حتى إلى عصرنا مع الشيخ محمد أبو زهرة الذي لخّص هذا الجدل بقوله: "قال بعض العلماء إن في المسند أحاديث كثيرة تعدّ ضعيفة، وأحاديث

ثبت أنها موضوعة، وهي قليلة، بل نادرة، قال العراقي ذلك، وقال ابن تيمية: إن المسند فيه الضعيف، ولم يثبت أن فيه حديثًا موضوعًا قط، والأكثرون على رأي ابن تيمية

هذا. ومن العلماء من ذهب به التعصب، فادّعى أن المسند ليس فيه ضعيف يرد". أبو زهرة، ص 517. لكن بمقارنة ما خفّف أبو زهرة من وطأته بالنسبة إلى مدى أصالة

المسند مع ابن تيمية، فإن الأخير يقول: "ثم زاد أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي. وفي زيادات القطعي أحاديث كثيرة [كذب] موضوعة". ينظر: أبو العباس تقي الدين

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، منهاج السُنّة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 7 (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1986 م)، ص 97. ويشير في موضع آخر

من هذا الجزء إلى أن زيادات القطيعي "فيها أحاديث كثيرة موضوعة باتفاق أهل المعرفة"، ص 399. 42 ورد في ترجمة عُبيد الله بن عبد الكريم في: ابن أبي يعلى البغدادي الحنبلي، ج 1، ص 287؛ طلائع المسند للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد محمد شاكر

(القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، [د. ت.])، ص 5 - 6. 43 المدني، ص 5 - 6. 44   ينظر: ترجمة أحمد بن محمد بن حنبل، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 1، ص 25. 45 ينظر: ترجمة الحسن بن إسماعيل، في: المرجع نفسه، ص 194، 208. 46 قام بعض الباحثين المحدثين بتنسيق عدد الأحاديث في الكتب التسعة عبر حذف المكرر منها، وجمع أطراف الحديث ورواياته، فغدا عدد الأحاديث في الكتب

التسعة 16290 حديثًا من أصل 62937. ينظر: صالح أحمد الشامي، الجامع بين الصحيحين للإمامين البخاري (194 - 256 ه) ومسلم (206 - 261 ه)، ط 2

(دمشق: دار القلم، 2011)، ص 9 - 10. 47   الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية،

2002)، (مقدمة المحقق)، ص 22. 48 المرجع نفسه، ج 1، ص 42. 49 ينظر: البحراني، ص 217.

  1. بولتر ملفيل باتون، أحمد بن حنبل والمحنة، ترجمة الشيخ عبد العزيز عبد الحق (بيروت: دار جداول، 2011)، ص 66 - 67.
  2. أثار جمع القطيعي للمسند جدلً واسعًا عن مدى أصالة ما نقل في المسند عن أحمد بن حنبل وبين "زيادات" ابنه عبد الله، أو "زيادات" القطيعي. وهو جدل استمر حتى زمن ابن تيمية، بل حتى إلى عصرنا مع الشيخ محمد أبو زهرة الذي لخّص هذا الجدل بقوله: "قال بعض العلماء إن في المسند أحاديث كثيرة تعدّ ضعيفة، وأحاديث ثبت أنها موضوعة، وهي قليلة، بل نادرة، قال العراقي ذلك، وقال ابن تيمية: إن المسند فيه الضعيف، ولم يثبت أن فيه حديثًا موضوعًا قط، والأكثرون على رأي ابن تيمية هذا. ومن العلماء من ذهب به التعصب، فادّعى أن المسند ليس فيه ضعيف يرد". أبو زهرة، ص 517. لكن بمقارنة ما خفّف أبو زهرة من وطأته بالنسبة إلى مدى أصالة المسند مع ابن تيمية، فإن الأخير يقول: "ثم زاد أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي. وفي زيادات القطعي أحاديث كثيرة [كذب] موضوعة". ينظر: أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، منهاج السُنّة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 7 (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1986 م)، ص 97. ويشير في موضع آخر من هذا الجزء إلى أن زيادات القطيعي "فيها أحاديث كثيرة موضوعة باتفاق أهل المعرفة"، ص 399.
  3. ورد في ترجمة عُبيد الله بن عبد الكريم في: ابن أبي يعلى البغدادي الحنبلي، ج 1، ص 287؛ طلائع المسند للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، [د. ت.])، ص 5 - 6.
  4. المدني، ص 5 - 6.
  5. ينظر: ترجمة أحمد بن محمد بن حنبل، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 1، ص 25.
  6. ينظر: ترجمة الحسن بن إسماعيل، في: المرجع نفسه، ص 194، 208.
  7. قام بعض الباحثين المحدثين بتنسيق عدد الأحاديث في الكتب التسعة عبر حذف المكرر منها، وجمع أطراف الحديث ورواياته، فغدا عدد الأحاديث في الكتب التسعة 16290 حديثًا من أصل 62937. ينظر: صالح أحمد الشامي، الجامع بين الصحيحين للإمامين البخاري (194 - 256 ه) ومسلم (206 - 261 ه)، ط 2 (دمشق: دار القلم، 2011)، ص 9 - 10.
  8. الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، (مقدمة المحقق)، ص 22.
  9. المرجع نفسه، ج 1، ص 42.
  10. ينظر: البحراني، ص 217.

ما من حديث دوّنه مسند الربيع الإباضي في القرن الثاني، ثم مسند ابن حنبل، ثم بعض مجاميع الكتب الستة في القرن الثالث،

انتشر بين الفرق الإسلامية المختلفة السنية والشيعية والإباضية والمعتزلية، وأعادت تلك الفرق كلها تمثّله وإنتاجه في سياق الصراع

بينها، مثل "حديث الافتراق". وهو ما يستدعي التوقف عند تاريخية هذا الحديث.

ثانيًا: حديث " لاافتراق" بين لاافتراق والفرقة الناجية

لا نعرف من الناحية التاريخية تاريخ ورود هذا الحديث سوى عن طريق مسند الربيع، ثم مسند ابن حنبل، ثم الكتب الستة. لكن الثابت أن عملية إعادة إنتاج هذا الحديث قد بدأت في القرن الرابع، وليس قبله. واقترن انتشاره واستهلاكه وتمثله، بالنسبة إلى أهل السُنّة، مع حديث آخر هو حديث "خير القرون" الذي تختلف صيَغه بين من يعتبره مشتملً على القرون الهجريّة الثلاثة الأولى،

أو القرنين الأوّلين فقط، لكن الأساسي فيه هو تثبيت قرن الرسول كقرن "الخير" الذي يمثل معيارية الاستقامة للقرون الأخرى، بينما

تبنّى الشيعة الإماميون إعادة إنتاج"حديث الافتراق"، دون حديث "خير القرون". يكمن الجذر الإبستيمولوجي لحديث افتراق الأمة إلى فرق في الرؤية الإبستيمولوجية الإسكاتولوجية الإسلامية "الفاجعة" للتاريخ بوصفه تقهقرًا حتميًا أو تقدّمًا معكوسًا، وفق فهمي جدعان عن "خير القرون"، أو الأصل المؤسس الأول. ومن هنا يذهب إلى تحليل

"حديث الافتراق" باعتباره الوجه الآخر ل "حديث القرون" الذي ينطوي عبر اقترانه ب "حديث الافتراق" على "تفرق" الأمة إلى "فرق"، وهي عملية حتمية مستمرة في ضوء الوعي الإسلامي "الفاجع" أو "الشقي" بالتاريخ بوصفه "تقدمًا نحو الأسوأ" في ضوء إعادة إنتاج

"حديث القرون". كما يشرح جدعان عصر الجماعة الإسلامية الأولى الواحدة المؤسّسة الموسومة بالكمال والرشاد، وأعيد تخيّل "قرنها"

بوصفه "قرن الخير التام" إزاء "العصور الجديدة التي سادها التفرق والفساد". فوراء التجربة الدرامية للقرون الأولى يثوي حديث "القرون" التي تجري نحو الأسوأ، وتتّجه في مسار مضاد للتقدم. وسواء كان هذا الحديث "صحيحًا" أم غير صحيح، فإن وعي "الإسلاميين

والمصلين" قد استقرّ عنده، و"ثبّته"، وفسّر جملة التاريخ به50، وكان حديث "الفرقة الناجية" بهذا المعنى وجهًا أساسيًا ل "حديث القرون".

1. حديث لاافتراق ومضمونه: التفرق السبعيني والفرقة الناجية

يتلخّص هذا الحديث المرفوع إلى الرسول كما صاغه بعض المجاميع الحديثية في القرن الثالث بافتراق الأمة إلى إحدى

وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، على غرار الفِرَق التي تفرّق إليها اليهود والنصارى، واحدة منها ناجية والباقي في النار. ويسود

في صيغه - كما خرّجتها تلك المجاميع - الصيغة التي تكتفي بتفرق الأمة إلى فرق سبعينية، من دون تحديد فرقة ناجية منها، وبين

صيغة أخرى تورد مصطلح "الفرقة الناجية" وتعيّن صفتها. ويسود "حديث الافتراق" اضطراب اللّفظ واختلاف عدد الفرق التي ستُقسم

إليها الأمة في تخريج الحديث وإعادة إنتاجه؛ ما دفع معظم مؤرخي الفرق ومتكلّميها اللاحقين إلى تفريع عدد الفرق بما ينسجم مع العدد الذي يحدّده معظم روايات الحديث، وهو اثنتان وسبعون أو ثلاث وسبعون فرقة، بل قال بعض المتكلّمين في القرن السادس

إن عدد الفرق الأقرب إلى تفسير بعض الأحاديث المرفوعة إلى الرسول هو تسعمئة فرقة، وليس ثلاثًا وسبعين فرقة51. برز رأي في الوسط الفقهي السُنّي في القرنين الرابع والخامس نقله أبو المظفر الإسفراييني (ت. 471 ه/ 1078 م) في خصوص العدد

السبعيني للفرق، وهو أنه "لم يتكامل وجود هذه الفرق من أهل البدع بين المسلمين بعد، وإنما وجد بعضهم، وسيوجد بعدهم قبل يوم القيامة

50  قارن بتحليلات معمّقة ومطوّلة في كتب عدة لفهمي جدعان، مثل: أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط 3 (القاهرة: دار الشروق، 1988)،

ص 30؛ في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين (القاهرة: دار الشروق، 2007)، ص 61 - 62؛ المحنة: بحث في جدلية الديني

والسياسي في الإسلام، ط 3 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص 345 - 358. 51   أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني، الدليل والبرهان، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ج 3، ط 2 (سلطنة عمان: وزارة التراث والثقافة، 2006)، ص 16.

  1. قارن بتحليلات معمّقة ومطوّلة في كتب عدة لفهمي جدعان، مثل: أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط 3 (القاهرة: دار الشروق، 1988)، ص 30؛ في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين (القاهرة: دار الشروق، 2007)، ص 61 - 62؛ المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، ط 3 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص 345 - 358.
  2. أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني، الدليل والبرهان، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ج 3، ط 2 (سلطنة عمان: وزارة التراث والثقافة، 2006)، ص 16.

جميعهم"52، ولا نعرف شيئًا عن هذا الرأي سوى ما أشار إليه الإسفراييني، لكن سيتميز أبو بكر الطرطوشي (451 - 520 ه/ 1059 - 1126 م)

بقوله إن العلماء لم يقولوا إن أصول البدع قد تفرّقت إلى العدد الوارد في الحديث، "فإن ذلك لعله [لم] يدخل في الوجود إلى الآن"53. يمكن التمييز في "حديث الافتراق" بين الصيغة التي تكتفي بتفرق الأمة إلى فرق سبعينية، على غرار تفرق اليهود والنصارى، والصيغة الأخرى التي تورد فيه صفة "الفرقة الناجية" المتمثلة لخير "القرون"، أو "ما كان عليه النبي وأصحابه"، فحديث الافتراق في صيغتيه الدلاليتين الأساسيتين، يحمل وفق ذلك موضوعين؛ هما: موضوع "الافتراق" و"الفرقة الناجية".

2. أولى صياغات الحديث لااصطلاحية والمفهومية في القرن الثاني

تعود أول صياغة وصلتنا لحديث الافتراق إلى مسنديالإمام الإباضي الربيع وأحمد بن حنبل. وقد وردت هذه الصيغة في مسند الربيع عن ابن عباس، كما يلي: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدّعي تلك

الواحدة"54، ولم يخرّجه الإمام مالك، مُعاصِر الربيع، في الموطأ55، غير أنّ هذه الصيغة وصلت إلينا متأخرة عبر ما وصلنا من الصيغة

الأخيرة المعتمدة للمسند، التي تعود إلى الوارجلاني (ت. 570 ه/ 1174 م)، الذي "ضمّ إلى المسند آثارًا احتج بها الربيع على مخالفيه

في مسائل الاعتقاد وغيرها"56. لا نجد لدى الغطفاني في التحريش، وهو مصدر يُعتدّ به لما وصلنا من نصيّته في زمنه في أواخر النصف الأول من القرن الثاني،

العدد السبعيني الذي جاء في مسند الربيع، ولا حديث الافتراق إلى تلك الفرق، لكننا نجد لديه مفهوم "الافتراق" في الحديث، واستبدالاته الاصطلاحية، وادعاء كل فرقة من الفرق الاعتقادية - السياسية في زمنه أنها تمثل "الفرقة الحقّ"، وأنها الناجية. والغطفاني ليس فقيهًا أو محدثًا، بل هو في كتابه هذا تحديدًا متكلم إشكالي معتزلي سابق، تكوّنت أفكاره في خضمّ بروز علم الكلام في النصف

الثاني من القرن الثاني الذي بدأ فيه "عصر التدوين" الإسلامي57، ثم تبرّأت المعتزلة منه58، واعتبره القاضي أبو الحسن عبد الجبار

بن أحمد (359 - 415 ه/ 969 - 1025 م) من "أصحاب المعتزلة، ثم التحق بالمجبرة"59، لكن يُستشف- كما يستنتج عبد الرحمن حللي

في بحثه عن قاسم مشترك لضبط ما يدرك به الحق بين المختلفين، وهو معيار الحجّة بما أجمعت عليه الأمة في الأخبار التي لا يدفعها أخبار مثلها - أنه "يقر بحجيّة الخبر بشرط أن يكون ثمة إجماع عليه، ولا إشكال بعد ذلك في تأويله"، وكأنه بهذا الضبط للخبر بالإجماع

52   أبو مظفر الإسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، تحقيق كمال يوسف الحوت (بيروت: عالم الكتب، 1983)، ص 16. 53   أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الاعتصام، ضبطه وعلّق عليه وخرّج أحاديثه أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ج 3 ([د. م:].

دار التوحيد، [د. ت.])، ص 202. 54   أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني، كتاب الرتيب في الصحيح من حديث رسول الله (ص)، صحّحه وعلّق عليه الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي

(مسقط: مكتبة مسقط، 2003)، حديث رقم 42، ص 41. 55   عامر الحافي، "قراءة توحيدية في حديث افتراق الأمة"، مجلة إسلامية المعرفة، السنة 12، العدد 63 (شتاء 1432 - 2011 م)، ص 107، 111، 145. 56   ينظر: الوارجلاني، كتاب الرتيب في الصحيح، (مقدمة المحقق)، ص 17. 57   يعتبره النوبختي الإمامي أحد ثلاثة من "أصول المعتزلة"، إضافة إلى عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء. ينظر: الحسن بن موسى النوبختي وسعد بن عبد الله القمي،

كتاب فرق الشيعة، تحقيق عبد المنعم الحنفي، ط 2 (القاهرة: دار الرشاد، 2010)، ص 24. ويعتبره الأشعري صاحب فرقة كلامية يسميها "الضراريّة". ينظر: أبو الحسن

علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق نواف الجراح، ط 2 (بيروت: دار صادر، 2006)، ص 165. 58  اعتبره المعتزلة خارجًا عنهم، وكذلك البلخي (ت. 389 ه): "وممن لا تلزمهم سمة الاعتزال ولا يقبلهم أهله". ينظر: أبو القاسم البلخي والقاضي عبد الجبار والحاكم الجشمي،

طبقات المعتزلة: كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومُباينتهم لسائر المخالفين، تحقيق فؤاد سيد (تونس: الدار التونسية للنشر، 1974)، ص 75.

59   القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ط 2 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2012)، ص 218، 493. ويشير عبد الجبار في كتاب طبقات المعتزلة إلى أن

ضرار كان "يختلف إليه [جهم بن صفوان] ويأخذ منه، ثم خذل من بعد واعتقد الجبر، ومنه نشأ المذهب، وفشا بين الناس، فصنّف وصنّف أصحابه". البلخي وعبد الجبار

والجشمي، ص 163.

  1. أبو مظفر الإسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، تحقيق كمال يوسف الحوت (بيروت: عالم الكتب، 1983)، ص 16.
  2. أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الاعتصام، ضبطه وعلّق عليه وخرّج أحاديثه أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ج 3 ([د. م:]. دار التوحيد، [د. ت.])، ص 202.
  3. أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني، كتاب الرتيب في الصحيح من حديث رسول الله (ص)، صحّحه وعلّق عليه الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي (مسقط: مكتبة مسقط، 2003)، حديث رقم 42، ص 41.
  4. عامر الحافي، "قراءة توحيدية في حديث افتراق الأمة"، مجلة إسلامية المعرفة، السنة 12، العدد 63 (شتاء 1432 - 2011 م)، ص 107، 111، 145.
  5. ينظر: الوارجلاني، كتاب الرتيب في الصحيح، (مقدمة المحقق)، ص 17.
  6. يعتبره النوبختي الإمامي أحد ثلاثة من "أصول المعتزلة"، إضافة إلى عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء. ينظر: الحسن بن موسى النوبختي وسعد بن عبد الله القمي، كتاب فرق الشيعة، تحقيق عبد المنعم الحنفي، ط 2 (القاهرة: دار الرشاد، 2010)، ص 24. ويعتبره الأشعري صاحب فرقة كلامية يسميها "الضراريّة". ينظر: أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق نواف الجراح، ط 2 (بيروت: دار صادر، 2006)، ص 165.
  7. اعتبره المعتزلة خارجًا عنهم، وكذلك البلخي (ت. 389 ه): "وممن لا تلزمهم سمة الاعتزال ولا يقبلهم أهله". ينظر: أبو القاسم البلخي والقاضي عبد الجبار والحاكم الجشمي، طبقات المعتزلة: كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومُباينتهم لسائر المخالفين، تحقيق فؤاد سيد (تونس: الدار التونسية للنشر، 1974)، ص 75.
  8. القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ط 2 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2012)، ص 218، 493. ويشير عبد الجبار في كتاب طبقات المعتزلة إلى أن ضرار كان "يختلف إليه [جهم بن صفوان] ويأخذ منه، ثم خذل من بعد واعتقد الجبر، ومنه نشأ المذهب، وفشا بين الناس، فصنّف وصنّف أصحابه". البلخي وعبد الجبار والجشمي، ص 163.

على قبوله يرفض حجيّة خبر الآحاد التي اعتمدها أهل الحديث وأسس لها الشافعي، "لكن كما يرى حللي يبقى السؤال مفتوحًا عن

حصر حجية الخبر في المسائل العقيدية الكبرى، أم في فروع الأحكام"60. يستهلّ الغطفاني كتابه بتحديد إشكالية "الافتراق" في صوغه لها بالسؤال التالي: "أما بعد، فإنك كتبت إليّ تسألني عن أمر

الأمة، كيف اختلفت، ومن أين انقطع ائتلافها، وتشتتت طرقها، وأنا مبين ذلك إن شاء الله"61، وليست الأمة هنا في سياق كتابه بلغة المتكلمين "أمة الدعوة"، بمن فيهم من إنس وجنّ ونصارى ويهود ومشركين، بل "أمة الإجابة" أو "المتابعة" التي استجابت إلى الدعوة واعتنقتها، والتي سيجري لاحقًا التعبير عنها بمصطلح "الملة" أو "أهل القبلة" أو "المصلين" التي استجابت إلى الدعوة وتمثّلتها؛ أي أمة الإسلام. ويدير الغطفاني محاجّة بين الفِرَق التي انقسمت إليها "الأمة"، وغدت كل فرقة منها تُبدّع الفرقة الأخرى وتُضلّلها، بل

تُكفّرها عبر فقيه يزوّد كل منها بحديث مرفوع إلى الرسول، ب "ما وافق هواه"، ومحذّرًا كل فرقة من الفرق الأخرى بأنها من "أهل

البدع والضلال"، ويكرر الغطفاني الجملة الأخيرة لدى حديثه عن كل فرقة62، ويضع المعتزلة في عداد الفرق أو "الشيَع" التي تفرّقت إليها الأمة، ويدير الحجاج بين الفرق في مدح عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام

وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وذمهم، والرافضة والخوارج والإباضية والأزارقة والنجدية والقائلين بالتفويض والحسنية والمعتزلة والرقاشية والجلسية والحشوية والمرجئة والصمتيّة، وقضايا البداء والنبوّة والإمامة والإيمان والصفات والتكفير وتقييم

الصحابة... إلخ. ويبدي الغطفاني نقده الجذري للأحاديث التي تُنسبها الفرق في زمنه إلى الرسول، لتأييد مقالاتها، نافيًا عنها مرجعيتها، مبيّنًا

كيفية روايتها وتأليفها بما يخدم مقالة الفرقة ويُبدّع الفرق الأخرى، مستندًا إلى أحاديث عدة للرسول، يعتبرها صحيحة، بأنّه سيفشو

"الكذب" عليه من بعده، كما فشا في اليهود والنصارى، ومشبّهًا الفقهاء الذين يؤيدون مقالات الفرق بأحاديث ينسبونها إلى الرسول

على أنها من قبيل فشو "الكذب" على الرسول، ويماثلهم بالسامري في اليهودية، وببولس في النصرانية، ف "لكل أمة مع نبيّها وبعد

نبيّها سامري يُضلّهم وبولس يغويهم كبولس النصارى، وسامريّ اليهود"63، ويقول لجأت تلك "الفرق"، التي يُسمّيها "الرافضة

والشيَع"، إلى "الفقيه" لتعزيز مقالاتها، "ثم فزعوا في ذلك إلى من سمّوه بالفقيه، ونسبوه إليه، وقد بُيّن لهم ونهوا عنه، فابتلوا به

كما ابتُلي أصحاب موسى بالسامري، وأصحاب عيسى ببولس والذي بعده، ورقا لهم الحديث أن رسول الله نهى عن التحريش بين البهائم، ثم حرّش [...] الأمة بعضها على بعض"64. ينهي الغطفاني كتابه بالإشارة إلى أنّ ما أجمع عليه أهل كل فرقة من الفرق من أنّها الفرقة الصحيحة "الاعتقاد" أو "أهل الحق" بتعبيره، وإدراك كل فرقة ل "الحق" وتمثيلها له بمحاجّة ما يقول كل منها إنّ "الدليل على الحق الجماعة" بأنّه "قاله إخواننا، وهم

60 عبد الرحمن حللي، "التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب 'التحريش' لضرار بن عمرو الغطفاني (ت. نحو 200 ه/ 815 م)"، أسطور،

العدد 10 (تموز/ يوليو 2019)، ص 44 - 45. 61 الغطفاني، ص 31. 62 المرجع نفسه، ص 48 - 49، 52. 63 المرجع نفسه، ص 33 - 34. 64 المرجع نفسه، ص 41.

  1. عبد الرحمن حللي، "التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب 'التحريش' لضرار بن عمرو الغطفاني (ت. نحو 200 ه/ 815 م)"، أسطور، العدد 10 (تموز/ يوليو 2019)، ص 44 - 45.
  2. الغطفاني، ص 31.
  3. المرجع نفسه، ص 48 - 49، 52.
  4. المرجع نفسه، ص 33 - 34.
  5. المرجع نفسه، ص 41.

أهل الحق، وقالته أئمتُنا، وأدركناه بتأويلنا ودلّتنا عليه روايتنا"65. ويتابع بعد محاجّة هذا القول وتفكيكه، "وهذا ما لا يوجد إلى تقويمه سبيلً أبدًا، وقد أبطلوا بما أجمعوا عليه الأمة ما انفردوا به، فأفهموا، ولا قوّة إلّ بالله والله المستعان"66. يشير ذلك إلى تسجيل الغطفاني أبرز قضايا الخلاف في الفضاء الكلامي - السياسي الإسلامي المنقسم، وتوظيف الحديث فيه، لكن من دون أن يشير إلى عدد الفرق أو الشيع، أو قياس تفرّقها وعددها على ما افترقت إليه اليهود والنصارى، أو تحديد الفرق

"الهالكة" و"الفرقة الناجية"، أو صفات هذه الفرقة، مع أنّ مصطلح "الفرقة الناجية" في مسند الربيع يرد لديه مفهومًا أو معنى في

صيغة الفرقة الحقة؛ إذ تدّعي أنها صاحبة الحق، وترمي ما عداها في البدعة والضلال والشرك. ويقدم كتاب التحريشتصنيفًا اعتقاديًا - سياسيًا أو مقالاتيًا مبكّرًا للفرق المنتشرة في زمنه، بما يسمح بالقول إنّه يقدم عددًا من الفرق التي ستتوقف عندها كتب الفرق

اللاحقة، كما يشير إلى حدّة الانقسام الاعتقادي الإسلامي في القرن الثاني وبدايات القرن الثالث، واختلاط جدلية الديني والسياسي في اعتقادات الشيَع أو الفرق الاعتقادية - السياسية في زمنه.

3. صيغة أحمد بن حنبل لحديث لاافتراق

أما صيغة الحديث الثانية التي وصلتنا، فهي عبر روايتين في مسند أحمد بن حنبل الذي يبدو أن جمعه للحديث قد بدأ منذ أواخر القرن الثاني، وهو الوحيد الذي وصلنا من "المسانيد" المعتمدة لدى من سيُسمون لاحقًا "أهل السُنّة والجماعة"، وقد أورد

ابن حنبل الرواية الأولىمسندة إلى أبي هريرة، "قال: قال رسول اللهِصلَّى اللهُ عليه وسلَمَّ: 'تَفرَّقت اليهود على إِحدى، أو اثنتين

وسبعين فرْقَةً، وتَفرَّقُ أُمَّتي علَى ثلاثٍ وَسبعِين فرقَة'ً"67. وهي رواية وصفية تركّز على "الافتراق" من دون تحديد فرقة ناجية أو

تعيين صفتها، وتتداخل نصيًّا، وبالأحرى لفظيًا، مع رواية الربيع في تحديد عدد الفرق التي ستُقسم إليها الأمة، مع اختلاف طفيف في

عدد الفرق، لكن مع محاكاة الانقسام الإسلامي مع انقسام اليهود والنصارى. أما الرواية الثانية، فمسندة إلى أنس بن مالك (ت. بين 90 - 93 ه/ 709 - 712 م) عن النبي: "أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعون، وتخلص فرقة، قالوا: يا رسول الله: من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة"68. وهذه أوّل رواية لحديث الافتراق الذي كان الربيع أوّل من رواه، يرد فيها تحديد

"الجماعة" بكونها تلك "الفرقة الناجية"، بينما وردت في حديث الربيع بأن كل فرقة تدّعي أنها الناجية. تعكس رواية أنس للحديث انتشار مصطلح "الجماعة" ولزومها في متن بعض الأحاديث المرويّة عن الرسول في القرن الثاني،

ويمكن تلمّس انتشار هذا التداول من خلال الأحاديث التي أوردها الغطفاني في لزوم الجماعة، الذي استخدم تلك الأحاديث حول

لزوم الجماعة بما استخدمه الفقيه الافتراضي لها بروايتها عن الرسول في "قتال الناكثين، وهم طلحة والزبير، نكثا بعده، وطلبا الفرقة، وفارقا الجماعة"، في حين يذكر - في إطار إدارة المنطق الحجاجي للفقيه الافتراضي في التحريشبين الفرق- الأحاديث التي تُبجّل طلحة والزبير وتضعهما في "الجنة". وهذه الأحاديث التي استخدمها الغطفاني في مدح طلحة والزبير وذمهما سيروي بعضها أحمد في   مسنده، كما سيرويها بعض مجاميع الصحاحلاحقًا، ولا سيما مجموعتا مسلم والبخاري69.

65 المرجع نفسه، ص 141 - 145. 66 المرجع نفسه، ص 145. 67  مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 14، ص 124. 68 المرجع نفسه، ج 19، ص 462. 69 الغطفاني، ص 56 - 57، ينظر حواشي المحققين لمقارنة ما روته مجموعة أحمد ومجاميع الصحاح من تلك الأحاديث التي أوردها الغطفاني على لسان الفقيه الافتراضي.

  1. المرجع نفسه، ص 141 - 145.
  2. المرجع نفسه، ص 145.
  3. مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 14، ص 124.
  4. المرجع نفسه، ج 19، ص 462.
  5. الغطفاني، ص 56 - 57، ينظر حواشي المحققين لمقارنة ما روته مجموعة أحمد ومجاميع الصحاح من تلك الأحاديث التي أوردها الغطفاني على لسان الفقيه الافتراضي.

4. حديث لاافتراق في مجاميع الكتب الستة في القرن الثالث

خرّج ثلاثة من أصحاب مجاميع الكتب الستة (الصحيحان، والسنن الأربعة)70 هذا الحديث، سواء في مضمونه المقتصر على

الافتراق فحسب، دون تعيين الفرقة الناجية، أم مضمونه المشتمل على الافتراق وتعيين الفرقة الناجية معًا، مع اختلاف في لفظه

ووحداته المعجمية وعناصره التي يتألف منها، وحجم كلماته، وعدد الفرق التي تُقسم إليها الأمة؛ وهم وفق تواريخ وفياتهم: ابن ماجة (ت. 273 ه/ 886 م) والترمذي (ت. 273 ه/ 886 م) وأبو داود (ت. 275 ه/ 888 م). ولم يخرّج صاحبا الصّحيحين؛ البخاري

.(ت 256 ه/ 870 م) ومسلم (ت. 261 ه/ 875 م) هذا الحديث، وكذلك النسائي (ت. 303 ه/ 875 م)71. خرّج الترمذي صيغة الحديث مسندة إلى عبد الله بن عمرو، التي تُحدّد الفرقة الناجية بأنها "ما أنا عليه وأصحابي"، ليس بوصفه

حديثًا "صحيحًا" أو "حسنًا" أو "حسنًا صحيحًا" أو "حسنًا صحيحًا غريبًا" وفق تصنيفاته لمستوى صحة الحديث، بل بقوله: "هذا

حديث مفسر غريب، لا نعرف مثل هذا إلّ من هذا الوجه"، "بينما خرّج الصيغة المسندة إلى أبي هريرة، والتي يقتصر مضمونها ولفظها

على تفرّق الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة على غرار ما تفرّقت إليه اليهود والنصارى من قبل، من دون رميها في النار، أو أي تعيين للفرقة

الناجية بأنه "حديث حسن صحيح"72. أمّا أبو داود، فقد خرّجه في صيغتين: الأولىتقتصر على افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة

على غرار ما تفرّق إليه اليهود والنصارى، لكن من دون تحديد فرقة ناجية، والثانية تحدّد الفرقة الناجية ب "الجماعة  "73. أما ابن

ماجة74، فخرّجه في ثلاث صيغ: الأولىمسندة إلى أبي هريرة التي خرّجها كل من أبي داود والترمذي مع اختلاف طفيف في عدد

الفرق؛ أي من دون تحديد الفرقة الناجية75، والثانية ينتهي سندها بعوف بن مالك وفيه تحديد الفرقة الناجية، أو التي في "الجنة" ب "الجماعة"76، والثالثة ينتهي سندها بأنس بن مالك، لكنها مثل الحديث السابق، تنعتُ الفرقة الناجية ب "الجماعة  "77. بعد نحو قرن ونيّف أضاف النيسابوري في المستدرك على الصحيحينالذي اشتمل على نحو تسعة آلاف حديث على شرط البخاري

ومسلم أو شرط أحدهما؛ أي الاستناد إلى أسانيد قد احتج كلاهما أو أحدهما بمثلها78، وأملاه في عام 373 ه/ 983 م حديث الافتراق، ودوّن

70 الصحيحان للبخاري ومسلم، ويضمان 10596 حديثًا، والسنن الأربعة: مجاميع (أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجة)، وهناك اتفاق على أن فيها الصحيح

والضعيف وشديد الضعف، وتختلف كتب السنن عن غيرها أنها اختصت في الأحاديث التي تتصل بالأعمال (على أبواب الفقه) وليست جامعة لكل أبواب الحديث كما عند

البخاري ومسلم، ولعل هذا من مؤشرات الانتقال من المسانيد إلى الجوامع وكتب السنن بعد تطور الفقه وأبوابه. ويطلق عليها الكتب الستة. لكن يشير صبحي الصالح

إلى إطلاق كتب الصحاح على الكتب الستة وبعضهم يخرج ابن ماجه منها، فيقال الكتب الخمسة، ويجعلون موطأ الإمام مالك السادس. وأطلق على الكتب الستة اسم

الصحاح على وجه التغليب. ينظر: الصالح، ص 117 - 119. أما الكتب التسعة، فتضم ثلاثة كتب، تُضاف إلى الكتب الستة، وهي موطأ مالك ومسند أحمد وسننالدارمي.

ومجموع أحاديثها 62973 حديثًا. واعتبرت مجموعة نجد فيها وفق صالح الشامي "ما أجمعت الأمة على صحّته، أو ما اتفقت على تقديمه على غيره. وليس هناك مجموعة

من كتب الحديث تحمل هذه المواصفات". الشامي، ص 8 - 10. 71 الحافي، ص 107، 111، 145. 72   أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الكبير، تحقيق بشار عواد معروف، ج 4 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996)، ص 381. الغريب هو "الحديث الذي

ينفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند"، الصالح، ص 227، 229. 73   الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله، ج 7

(دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009)، حديث 4596، ص 5، وحديث 4597، ص 6. 74   تُعتبر مجموعة ابن ماجة أضعف مجاميع الصحاحعلى ما يراه بعض المحققين السُنّة، لكونه "لم يشترط في كتابه إيراد الأحاديث الصحيحة، بل أدرج فيها الصحيح

والحسن والضعيف والمنكر"، بل لم تضف سنن ابن ماجة إلى مجاميع الصحاحإلّ في القرن السادس. ينظر: الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني،

سنن ابن ماجة، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله، ج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2009)، (مقدمة المحقق)، ص 25 - 26. 75 المرجع نفسه، ج 5، حديث 3991، ص 128. 76 المرجع نفسه، ج 5، حديث 3992، ص 128 - 129. 77 المرجع نفسه، ج 5، حديث 3992 و 3393، ص 127 - 130. 78 النيسابوري، ج 1، ص 42.

  1. الصحيحان للبخاري ومسلم، ويضمان 10596 حديثًا، والسنن الأربعة: مجاميع (أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجة)، وهناك اتفاق على أن فيها الصحيح والضعيف وشديد الضعف، وتختلف كتب السنن عن غيرها أنها اختصت في الأحاديث التي تتصل بالأعمال (على أبواب الفقه) وليست جامعة لكل أبواب الحديث كما عند البخاري ومسلم، ولعل هذا من مؤشرات الانتقال من المسانيد إلى الجوامع وكتب السنن بعد تطور الفقه وأبوابه. ويطلق عليها الكتب الستة. لكن يشير صبحي الصالح إلى إطلاق كتب الصحاح على الكتب الستة وبعضهم يخرج ابن ماجه منها، فيقال الكتب الخمسة، ويجعلون موطأ الإمام مالك السادس. وأطلق على الكتب الستة اسم الصحاح على وجه التغليب. ينظر: الصالح، ص 117 - 119. أما الكتب التسعة، فتضم ثلاثة كتب، تُضاف إلى الكتب الستة، وهي موطأ مالك ومسند أحمد وسننالدارمي. ومجموع أحاديثها 62973 حديثًا. واعتبرت مجموعة نجد فيها وفق صالح الشامي "ما أجمعت الأمة على صحّته، أو ما اتفقت على تقديمه على غيره. وليس هناك مجموعة من كتب الحديث تحمل هذه المواصفات". الشامي، ص 8 - 10.
  2. الحافي، ص 107، 111، 145.
  3. أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الكبير، تحقيق بشار عواد معروف، ج 4 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996)، ص 381. الغريب هو "الحديث الذي ينفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند"، الصالح، ص 227، 229.
  4. الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله، ج 7 (دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009)، حديث 4596، ص 5، وحديث 4597، ص 6.
  5. تُعتبر مجموعة ابن ماجة أضعف مجاميع الصحاحعلى ما يراه بعض المحققين السُنّة، لكونه "لم يشترط في كتابه إيراد الأحاديث الصحيحة، بل أدرج فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر"، بل لم تضف سنن ابن ماجة إلى مجاميع الصحاحإلّ في القرن السادس. ينظر: الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله، ج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2009)، (مقدمة المحقق)، ص 25 - 26.
  6. المرجع نفسه، ج 5، حديث 3991، ص 128.
  7. المرجع نفسه، ج 5، حديث 3992، ص 128 - 129.
  8. المرجع نفسه، ج 5، حديث 3992 و 3393، ص 127 - 130.
  9. النيسابوري، ج 1، ص 42.

"حديث الافتراق والفرقة الناجية" وفق سنده المنتهي بأبي هريرة إلى مجموعة مسلم الذي لم يُخرّج الحديث، لكن على شرطه، على اعتبار

أن مسلم قد احتج في تدوين الأحاديث براويين؛ هما الفضل بن موسى وأبو سلمة، وهذان الراويان هما في سلسلة إسناد حديث الافتراق الذي ينتهي سنده بأبي هريرة79، لكن النيسابوري يورده بصيغته التي تدل على "الافتراق" من دون تحديد "الفرقة الناجية"، في الصيغة التالية: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"80.

5. "تضعيف" حديث لاافتراق من بعض المتكلمين والأصوليين

تعرّض لفظ حديث الافتراق، وما تفترق إليه الأمّة إلى فرق على غرار تفرّق اليهود والنصارى، وكذلك حديث "خير القرون" إلى

تجاهل من الأشعري، لكن ورد لديه مفهوم في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ويتمثّل هذا المفهوم في تصوّره

"الرحب" للإسلام، فالافتراق هو افتراق بين مسلمين "يجمعهم الإسلام ويشملهم"، بمن فيهم الروافض الشيعة الإماميون والغلُاة وفق تصنيف الأشعري للروافض، والخوارج والمعتزلة والجهمية وأصحاب الحديث... إلخ، فمقالاتهم "مقالات إسلاميين" في إطار الإسلام الجامع لهم. ومن هنا يستخدم الأشعري جملة "اختلف المسلمون عشرة أصناف"، ثم يعدّد تلك الفرق في ما اختلف عليه

المسلمون81، فالإسلاميون أصحاب مقالات الفرق المنقسمة هم مسلمون وليسوا خارج الإسلام. تعرّض الحديث أيضًا إلى تضعيف من بعض الأصوليين من أهل السنّة، أو إلى إعادة صياغة عكسية له، وقد بقي هذا الحديث

وتعيين "الفرقة الناجية" مثار اختلاف وجدل وصراع، زمن الطرطوشي وما بعده، وينقل الشاطبي (ت. 790 ه/ 1388 م) في المسائل المتعلقة بهذا الحديث عن الطرطوشي أنها مسألة "طاشت فيها أحلام الخلق"82، وتوقف الشاطبي عند مسائلها بإسهاب، مستجمعًا

فيه جوانب الحديث كلها، وقد شكّل هذا التوقّف معظم الجزء الثالث من كتابه الاعتصام83. نتوقف هنا عند أبرز عمليات تضعيف "حديث الافتراق"، أو تلك الروايات العكسية حتى القرن الخامس، وإعادة إنتاجه أيضًا، وإلى حدّ ما خلال القرن السادس، باعتبار أن كل من سيأتي بعد القرن الخامس سيسلّم عمومًا ب "صحّة الحديث"، اقتداء بمفهوم أهل السنّة

والجماعة الذي انتشر في زمننا الحاضر مثلما يذهب إلى ذلك محمد أبو زهرة84. عندما أصبحت الجماعة مصطلحًا د لًّ على جماعة مذهب

أهل السنّة والجماعة دون سواهم من الجماعات الإسلامية الأخرى التي كانت تنافسهم عليه طوال القرنين الرابع والخامس85، وإن ثارت

تضعيفات وتقليبات مختلفة له بعد القرن الخامس، درسها بعض الباحثين جيدًا، لكنها تخرج عن نطاق المدى الزمني لبحثنا هنا86. تجاهل الأشعري في مقالات الإسلاميينحديث الافتراق الذي يبحث في افتراق المسلمين إلى فرق، وفي الإبانة عن أصول الديانة الذي قال الحنابلة إنّه صنّفه ليرضيهم، فلم يقبلوا ذلك منه87. بينما سيثبّت المتكلّمون الأشاعرة الذين تلوه في القرن الخامس

79 المرجع نفسه، ج 1، ص 47 - 48. 80 المرجع نفسه، ج 1، ص 47. 81   الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 11 - 12. 82 الشاطبي، ج 3، ص 185. 83 المرجع نفسه، ص 156، 395. 84   غدا هذا الحديث المختلف جدًا في صحته ولفظه حديثًا مسلّمًا بصحته القطعيّة في المجال السُنّي حتى زمننا، ورواياته المختلفة تشد بعضها بعضًا "بحيث لا تبقى

ريبة في حاصل معناه". ينظر: أبو زهرة، ص 11. 85   كايد يوسف عرقوش، "حديث افتراق الأمة والطائفة الناجية"، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد 1 (1426 ه/ 2005). 86   للتفصيل في ذلك، ينظر: عبد الله السريجي، "حديث افتراق الأمة: دراسة في السياق والأصول والنتائج"، مجلةالاجتهاد، السنة 5، العدد 19 (ربيع 1413 ه/ 1993 م)،

ص 89 - 138. 87   ينظر: ترجمة أبو محمد البربهاري الحسن بن علي بن خلف، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 27.

  1. المرجع نفسه، ج 1، ص 47 - 48.
  2. المرجع نفسه، ج 1، ص 47.
  3. الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 11 - 12.
  4. الشاطبي، ج 3، ص 185.
  5. المرجع نفسه، ص 156، 395.
  6. غدا هذا الحديث المختلف جدًا في صحته ولفظه حديثًا مسلّمًا بصحته القطعيّة في المجال السُنّي حتى زمننا، ورواياته المختلفة تشد بعضها بعضًا "بحيث لا تبقى ريبة في حاصل معناه". ينظر: أبو زهرة، ص 11.
  7. كايد يوسف عرقوش، "حديث افتراق الأمة والطائفة الناجية"، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد 1 (1426 ه/ 2005).
  8. للتفصيل في ذلك، ينظر: عبد الله السريجي، "حديث افتراق الأمة: دراسة في السياق والأصول والنتائج"، مجلةالاجتهاد، السنة 5، العدد 19 (ربيع 1413 ه/ 1993 م)، ص 89 - 138.
  9. ينظر: ترجمة أبو محمد البربهاري الحسن بن علي بن خلف، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 27.

مثل البغدادي والإسفراييني حديث الافتراق بشقيه؛ الافتراق والفرقة الناجية، وهو حديث مفتاحي في تحديد عدد الفرق وتعيين الموقف الأشعري السُنّي منها، بتأويل صفة الفرقة الناجية باعتبارها المفهوم السُنّي لأهل السُنّة والجماعة، لكن مع فارق جوهري

تمثّل في أنّ الأشعري اعتبر أنّ الإسلام يشتمل على تلك الفرق المختلفة والمنقسمة كلها، بما فيها فرق الغلُاة الشيعة88، في حين سيُصنّفها البغدادي اعتقاديًا وفق ما هو مسلم وشبه مسلم ينطبق عليه الإسلام في بعض الأحكام، وخارج الإسلام وإن انتسبت

إليه89. أما الإسفراييني الذي أتى بعد البغدادي، فسيخرج أنصاف المسلمين لدى البغدادي من الإسلام، ويعتبرهم كفارًا، ليُصار إلى

التمييز بين أهل السُنّة بالمعنى العام، والسُنّة بالمعنى الخاص، وذلك بين أواخر القرن السابع والعقدين الأولين من القرن الثامن،

مع سيادة العصر السني. وهو ما نجده لدى ابن تيمية (661 - 728 ه/ 1263 - 1328 م) الذي أشار إلى أنّه يراد ب "أهل السنّة" من "أثبت

خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلّ الرافضة"90، وهو معنى أهل السُنّة العامة، و"قد يراد به أهل الحديث

والسُنّة المحضة، فلا يدخل فيه إلّ من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت

القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسُنّة". وهذا التمييز يجعل من المعتزلة في فئة "أهل السُنّة العامة"، لكن

بعد أن تلاشت أفكارهم بفعل ما تعرّضوا له من تطهير أيديولوجي منذ النصف الثاني من القرن الخامس وحتى القرن السابع، بقدر ما

يُخرجهم معنى السُنّة "الخاص" من أهل السُنّة.

ثالثًا: تمثل حديث لاافتراق وإعادة إنتاجه في القرنين الرابع والخامس

1. المفارقة بين ضعف حديث " لاافتراق" والتهالك على تمثّله

أرسى القرنان الرابع والخامس الأسس المنظومية الفقهية والاعتقادية الإسلامية المرجعية، وقد تحوّل حديث الافتراق من

حديث عابر بين آلاف الأحاديث المروية إلى حديث استراتيجي، تهالكت الفرق كلها على إعادة إنتاجه في مرحلة بناء ذواتها مرجعيًا،

وتخيّل نفسها على أنها "الفرقة الحقة". على الرغم من محدودية إيراد بعض الكتب الستة المعتمدة سُنّيًا للحديث، وهي ثلاثة كتب فقط، فإنها ليست من بين الأوثق

منها، وهي صحيحا مسلم والبخاري، وهما "أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدّثين وغيرهم  "91.

وعلى الرغم من الضعف الشديد لحديث الافتراق في كتاب ابن ماجة وتخريج الترمذي له بأنه "حديث مفسّر غريب"، من دون أن

يعتبره صحيحًا أو حسنًا، أو حسنًا صحيحًا، وكثرة الأحاديث التي تحض على الوحدة ونبذ التفرق، فإنه ما من حديث جرت محاولات

تملّكه وتمثّله وإعادة إنتاجه وشرحه اعتقاديًا من الفرق كلها تقريبًا لتحديد ماهيّة "الفرقة الناجية" التي تمثل الأمة أو الجماعة وفق

اعتقادات كل فرقة من الفرق التي تمثّلته، مثل هذا الحديث المضعّف والمضطرب، سواء في لفظه أم في سلسلة إسناده. يمكن تفسير ذلك موضوعيًا بارتفاع وتيرة طلب الفرق الإسلامية بدءًا من القرن الرابع على الحديث وتمثّله وإعادة إنتاجه

وصياغته بالصراع على الشرعية الإسلامية وتمثيلها، وهو الذي يفسّر التهالك على إعادة إنتاجه وتمثل الفرقة الناجية فيه. وقد كان

88   الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 11 - 12. 89 عبد القاهر البغدادي، ص 176؛ الإسفراييني، ص 41 - 42. 90 ابن تيمية، ص 221. 91   ينظر مقدمة الألباني في: ابن أبي المعز، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق جماعة من العلماء، خرج أحاديثها محمد ناصر الدين الألباني

(بيروت: المكتب الإسلامي، 2006)، ص 27.

  1. الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 11 - 12.
  2. عبد القاهر البغدادي، ص 176؛ الإسفراييني، ص 41 - 42.
  3. ابن تيمية، ص 221.
  4. ينظر مقدمة الألباني في: ابن أبي المعز، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق جماعة من العلماء، خرج أحاديثها محمد ناصر الدين الألباني (بيروت: المكتب الإسلامي، 2006)، ص 27.

هذا التهالك جزءًا من الصراع حول تملك "الحديث" بين الفرق الإسلامية المختلفة، ويشير ابن قتيبة (213 - 276 ه/ 828 - 898 م) في

معرض دفاعه عن السُنّة في مواجهة أهل الكلام، إلى أن كل فرقة من المسلمين المتعادين الذين كفّر بعضهم بعضًا على حد قوله:

"قد تعلّق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث"92، فالنزاع حول مدى حجيّة السنّة بوصفها سنّة في زمن الشافعي قد توارى

هنا لمصلحة النزاع، والصراع على محاولة كل فرقة بأن تكوّن سنّتها أو حديثها. حدثت إعادة عملية إنتاج هذا الحديث وتمثله ابتداءً من القرن الرابع وحتى القرن الخامس والنصف الأوّل من القرن السادس؛

أي إنها استغرقت نحو أكثر من قرنين، لكن أشدّ وتائر إعادة إنتاجها حدث في القرنين الرابع والخامس اللذين تميّزا في سياق احتدام

الصراع الأهلي الجماعاتي السُنّي - الشيعي في بغداد وتمفصله مع الصراع العباسي - الفاطمي باشتغال دينامية تحوّل الفرق وتحديدًا

الفرقتين السُنّية والشيعية إلى طوائف أو جماعات طائفية. ومن هنا لا يهمّ من منظور هذا البحث مدى "صحة" هذا الحديث أو

"ضعفه" مع وجود مقوماته كلها، بقدر ما يهمّ عملية إعادة إنتاجه وتمثّله في الوعي الإسلامي للفرق في مجرى التحوّل من الفرقة إلى

الطائفة، وفهم الشروط التي حكمت ذلك. والتوقف عند "تضعيفه"، ليس لقول البحث بضعفه أو غير ذلك، بل لإضاءة الانقسام على تعقيدات تمثّله وإعادة إنتاجه في الصراع على الشرعية الإسلامية. انتشرت عملية إعادة إنتاج حديث الافتراق لدى الفرق الإسلامية السُنّية والإباضية والشيعية، ولا سيما الإمامية (الاثني عشرية)

والزيدية والإسماعيلية الفاطمية93 والمعتزلية94 في القرنين الرابع والخامس خصوصًا، وحتى النصف الأوّل من القرن السادس.

وبات كل منها يعرّف نفسه إزاء الفرق الأخرى عن "طريق نفي الآخر ونبذه" أو "بطريقة السلب" بلغة رضوان السيّد95، بوصفه "الفرقة

الناجية" التي تدّعي تمثيل الجماعة التي كانت عليها الجماعة الإسلامية الأولى، أو "الرسول وأصحابه"، وتكفّر الفرق الأخرى وترميها في النار، في تنافس شديد على ادّعاء الشرعية والاستمرارية للجماعة الإسلامية الأولى المؤسسة التي جرت إعادة تخيّلها

وبنائها بوصفها الجماعة - المثال التي جسّدت "الجماعة"، أو "ما كان عليه الرسول وأصحابه". ووفق الشاطبي "الجميع محوّمون

في زعمهم على الانتظام في سلك الفرقة الناجية"96، و"كل فرقة وكل طائفة تدّعي أنها على الصراط المستقيم، وأنّ ما سواها منحرف عن الجادّة"97، و"كل طائفة تزعم أنّها هي الجماعة، ومن سواها مفارق للجماعة  "98. بينما عيّن حديث الافتراق الوصف

لا الموصوف99، و"التعيين للفرقة الناجية [...] اجتهادي لا ينقطع الخلاف فيه، وإن ادّعي فيه القطْع دون الظن، فهو نظري لا ضروري"100، مضيفًا أنّ تعيين تلك الفرقة حتى في زمانه أمر "صعب  "101.

92   الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد محيي الدين الأصفر، ط 2 (بيروت/ الدوحة: المكتب الإسلامي،

مؤسسة الاستشراق، 1999)، ص 47. 93 الحافي، ص 108. وفي خصوص الإباضية، فإنها روت "حديث الافتراق" مشتملً على زيادة بالنسبة إلى كتب السُنّة والشيعة، وهي عبارة "وكلهم يدّعي تلك

الواحدة"، غير أن الشروحات الإباضيّة لعبارة "ما خلا واحدة ناجية" أنها الدعوة الإباضية. ينظر: المرجع نفسه، ص 109.

94   البلخي وعبد الجبار والجشمي، ص 186. 95   رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2007)، ص 234. 96 الشاطبي، ج 3، ص 287. 97 المرجع نفسه، ص 351. 98 المرجع نفسه، ص 353. 99 المرجع نفسه، ص 347. 100 المرجع نفسه، ص 355. 101 المرجع نفسه، ص 287.

  1. الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد محيي الدين الأصفر، ط 2 (بيروت/ الدوحة: المكتب الإسلامي، مؤسسة الاستشراق، 1999)، ص 47.
  2. الحافي، ص 108. وفي خصوص الإباضية، فإنها روت "حديث الافتراق" مشتملً على زيادة بالنسبة إلى كتب السُنّة والشيعة، وهي عبارة "وكلهم يدّعي تلك الواحدة"، غير أن الشروحات الإباضيّة لعبارة "ما خلا واحدة ناجية" أنها الدعوة الإباضية. ينظر: المرجع نفسه، ص 109.
  3. البلخي وعبد الجبار والجشمي، ص 186.
  4. رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2007)، ص 234.
  5. الشاطبي، ج 3، ص 287.
  6. المرجع نفسه، ص 351.
  7. المرجع نفسه، ص 353.
  8. المرجع نفسه، ص 347.
  9. المرجع نفسه، ص 355.
  10. المرجع نفسه، ص 287.

في ما يتعلّق بالذين سيحملون اسم "أهل السُنّة والجماعة" وسط منافسة لهم من فرق أخرى غير سُنّية على هذا الاسم، جرى

في هذه العملية تكريس السنّة لدى ابن حنبل وبعض مجاميع الصحاح، ثم لدى الأشعري وغيره لوصف مرحلة الخلفاء الأربعة بمرحلة

"الخلفاء الراشدين المهديين"، بوصفها، بتعبير الأشعري، "خلافة نبوّة"، يليها "ملك بعد ذلك"، أو "ملك عضوض" في روايات

أخرى102. فمرحلة "الخلفاء الراشدين المهديين" وفق ذلك هي التجسيد التاريخي، لكنه بالفهم "المتخيّل" و"المؤمْثل" لمفهوم

"الجماعة". وقد صيغت هذه المحايثة السنيّة بين مفهوم الجماعة - القدوة أو المثال - والمرحلة التاريخية المُعاد تخيّلها وأمْثلتها

للخلفاء الأربعة اعتبارًا من القرن الثالث، فهي صياغة تاريخية نسبية فحسب. واعتبر أهل السنّة أن الخلفاء الذين تلوا الخلفاء الراشدين

خلفاء "شرعيين"، تجب شرعيًا طاعة "برّهم وفاجرهم" والصلاة خلفه، لكنهم ليسوا "راشدين".

2. تمثل أهل الحديث والسنة للحديث في القرنين الرابع والخامس للهجرة

اشتُهر الحسن بن علي بن خلف في طبقات الفقهاء الحنابلة باسم أبي محمد البربهاري (ت. 328 ه/ 940 م) ووُصف ب "شيخ

الطائفة"103، وب "رئيس الحنبلية  "104، وهو أشهر شخصيّة مذهبية عملية مؤثرة في عامة بغداد في الربع الأول من القرن الرابع.

خصص ابن خلف المقصود ب "الجماعة" في حديث الافتراق: "أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعون، وتخلص فرقة، قالوا يا رسول الله: من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة"، لكنه لم يعد إلى صيغة "إمامه" ابن حنبل؛ لأنها لا تعبّر بالنسبة إليه عن الاعتقادية الحنبلية على نحو واضح، بخلاف صيغة الترمذي: "اعلم أن رسول الله (ص) قال: ستفترق أمتي

على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلّ واحدة، وهي الجماعة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" مع تعديل مصطلح "الفرقة" في رواية الترمذي إلى مصطلح "الملة"105. "ما أنا عليه وأصحابي" في خطاب البربهاري هو استبدال تعييني بالمعنى الألسني Paradigme لمفهوم "الجماعة" المرسل في رواية ابن حنبل، يقوم على تركز أيديولوجي يُماهي بين مفهوم "الجماعة" ومفهوم "السُنّة" الحنبلي المتمثل بما كانت عليه الجماعة

في زمن الرسول وأصحابه من جهة، ومفهوم "ما أنا عليه وأصحابي" ليس بوصفه فرقة بل ملّة، وهذه هي الدلالة الجوهرية في تمثّله للحديث وإعادة إنتاجه مع تعديل مصطلح "الفرقة" في رواية الترمذي إلى مصطلح "الملّة"، فأهل "السُنّة والحديث" أو "أهل السُنّة

والجماعة" هم "الملّة"، في ما يصدر عما يمكن تسميّته المذهب - الدين الذي ميّز الحنبلية، بوصفها فقهًا واعتقادًا في آن واحد، من

المذاهب الفقهية السُنّية الأخرى. شرح البربهاري في رسالته شرح كتاب السُنّة التي كان يقدمها في مجالسه البغدادية هذا الحديث، بأنّ "أصول البدع أربعة

أبواب، يتشعّب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى، ويصير كل واحد من البدع يتشعّب حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة،

كلها ضلالة، وكلها في النار، إلّ واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب"106. ثم يعيّن أسماء هذه "الأهواء" أو "البدع" الأربعة،

بقوله: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة الأهواء تشعّبت الاثنان وسبعون هوى: القدرية والمرجئة والشيعة

102   الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص 133 - 134. 103   ترجمة البربهاري، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 18. 104   أبو علي مسكويه الرازي، تجارب الأمم، تحقيق أبو القاسم إمامي، ج 5 (طهران: دار سروش، 2000 - 2002)، ص 349. 105   ترجمة البربهاري، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 39، هي الصيغة التي خرّجها الترمذي، لكن مع تغيير البربهاري كلمة "الملّة" في صيغة الترمذي إلى

كلمة "الفرقة"، واعتماد نصف صيغة الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وهي: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلهم في النار إلّ ملة واحدة، قالوا، و من هي يا رسول

الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي". ينظر: الترمذي، ج 4، حديث 2641، ص 381. 106   ترجمة البربهاري، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 44.

  1. الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص 133 - 134.
  2. ترجمة البربهاري، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 18.
  3. أبو علي مسكويه الرازي، تجارب الأمم، تحقيق أبو القاسم إمامي، ج 5 (طهران: دار سروش، 2000 - 2002)، ص 349.
  4. ترجمة البربهاري، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 39، هي الصيغة التي خرّجها الترمذي، لكن مع تغيير البربهاري كلمة "الملّة" في صيغة الترمذي إلى كلمة "الفرقة"، واعتماد نصف صيغة الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وهي: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلهم في النار إلّ ملة واحدة، قالوا، و من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي". ينظر: الترمذي، ج 4، حديث 2641، ص 381.
  5. ترجمة البربهاري، في: طبقات الفقهاء الحنابلة، ج 2، ص 44.

والخوارج"107. واعتبر "أنّ الأهواء كلها رديئة، تدعو إلى السيف، وأردؤها وأكفرها: الرافضة والمعتزلة والجهمية، فإنّهم يريدون الناس على التّعطيل والزندقة"108 وتحديده هذا ل "الأهواء" غدا في العقدين الأوّلين من القرن الرابع متداولً على نحو مهيمن في

الأوساط السُنّية، ويعود أصل ظهوره إلى القرن الثالث، فنجده لدى ابن قتيبة في غريب الحديث؛ إذ يذكر "أهل الأهواء الرافضة

والمرجئة والقدرية والخوارج"109. أورد ابن بطة العكبري الحنبلي (ت. 387 ه/ 997 م) في المجال الحنبلي بعد البربهاري، في كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة ما لا يقلّ عن خمس عشرة صيغة متقاربة للحديث، أكثرَ فيها من رواة الحديث بألفاظ مختلفة

لتأكيد تواتره، وتشترك الصيغ كلها بجانب "الافتراق"، في حين يشترك معظمها بتعيين "الفرقة الناجية" بين "ما أنا عليه وأصحابي" و"الجماعة". ويرد في إحدى الصيغ "الجماعات"110 وليس "الجماعة"، كما يرد "السواد الأعظم"، بدلً من الجماعة111، لكن "الجماعة" هي الأكثر تواترًا في تلك الصيغ112. ويورد ابن بطة رأيه في الحديث بأنّ أصول البدع أربعة، ويحدّدها محتذيًا بالبربهاري في ما يلي: "الروافض والخوارج والقدرية

والمرجئة"، ويشير إلى تشعّب كل فرقة إلى "ثماني عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون الجماعة التي قال رسول

الله (ص) إنها الناجية"113. ويورد صيغة أخرى لمعنى الحديث بتحديد الروافض على أنهم الشيعة114، ثم يعدّد أسماء معظم تلك الفرق115، ويرد في درج الصّيغ التي يوردها ابن بطة مزيدات ربما كانت مستوحاة من سياق الصراع السنّي الحنبلي - الشّيعي المستعر في بغداد البويهيّة

يومئذٍ، وتخصّ الشيعة بين الفرق الثلاث والسبعين التي تفترق إليها الأمة بوصف "أنّ من أضلّها وشرّها وأخبثها الشيعة الذين يشتمون أبا

بكر وعمر رضي الله عنهما"116. كما يورد حديثًا منسوبًا إلى علي بن أبي طالب في حديثه مع رأس الجالوت عن انقسام اليهود إلى إحدى

وسبعين فرقة: "لتفترقنّ هذه الأمة على مثل ذلك، وأصلها فرقة وشرّها الداعية إلينا أهل البيت، وآية ذلك أنّهم يشتمون أبا بكر وعمر رضي

الله عنهما"117. ويورد حديثًا آخر يعيّن الفرقة الأشد خطرًا على الأمّة بما يلي: "أعظمها فتنةً على أمتي يقيسون الأمور برأيهم، فيحلّون

الحرام ويحرّمون الحلال"118. كرّس المتكلمون الأشاعرة في القرن الخامس، مثل البغدادي في كتابه الفرق بين الفرقفي سياق سياسة "الاعتقاد القادري"،

والإسفراييني في كتابه التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية من الفرق الهالكينفي سياق سياسة "المدارس النظامية" في

107 المرجع نفسه، ج 2، ص 53. 108 المرجع نفسه، ج 2، ص 50. 109   عبد الله بن مسلم بن قتيبة، غريب الحديث، تحقيق عبد الله الجبوري (بغداد: وزارة الأوقاف وإحياء التراث الإسلامي، 1977)، ص 152. 110   أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، تحقيق رضا نعسان معطي [وآخرون]، ج 2

(الرياض: دار الراية، 1994)، حديث 269، ص 371 - 372 111 المرجع نفسه، حديث 271، ص 273 - 274. 112   أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، قدمه وعلق عليه محمد زاهد بن الحسن الكوثري، ط 2

(القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 2007.) 113 ابن بطة، ج 2، ص 376 - 377. 114 المرجع نفسه، حديث 277، ص 378. 115 المرجع نفسه، حديث 278، ص 379 - 386. 116 المرجع نفسه، ص 277. 117 المرجع نفسه، حديث 275، ص 376. 118 المرجع نفسه، حديث 272، ص 374.

  1. المرجع نفسه، ج 2، ص 53.
  2. المرجع نفسه، ج 2، ص 50.
  3. عبد الله بن مسلم بن قتيبة، غريب الحديث، تحقيق عبد الله الجبوري (بغداد: وزارة الأوقاف وإحياء التراث الإسلامي، 1977)، ص 152.
  4. أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، تحقيق رضا نعسان معطي [وآخرون]، ج 2 (الرياض: دار الراية، 1994)، حديث 269، ص 371 - 372
  5. المرجع نفسه، حديث 271، ص 273 - 274.
  6. أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، قدمه وعلق عليه محمد زاهد بن الحسن الكوثري، ط 2 (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 2007.)
  7. ابن بطة، ج 2، ص 376 - 377.
  8. المرجع نفسه، حديث 277، ص 378.
  9. المرجع نفسه، حديث 278، ص 379 - 386.
  10. المرجع نفسه، ص 277.
  11. المرجع نفسه، حديث 275، ص 376.
  12. المرجع نفسه، حديث 272، ص 374.

بدايات المرحلة السلجوقية في بغداد119، شرح مفهوم الجماعة في حديث "الافتراق" على أنه يخصّ "أهل السُنّة والجماعة" من

دون غيرهم من فرق أخرى تشترك معهم في هذا الاسم. وبحلول منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي الذي تكرّس فيه الزواج الاعتقادي بين الأشعرية ومفهوم "أهل السُنّة والجماعة"؛ إذ غدت الأشعرية "مذهبًا لأهل السُنّة والجماعة"120

أعاد الشهرستاني (479 - 584 ه/ 1086 - 1153 م) تعيين الفرقة الناجية في نص الحديث ب "أهل السنة والجماعة"121.

3. تمثل المعتزلة المتأخّرين: القاضي عبد الجبار

تمَثل المعتزلة حديث الافتراق، وهو ما يبرز لدى القاضي عبد الجبار الذي تبنى في طبقات المعتزلة: كتاب فضل الاعتزال

وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المخالفين، صيغتَي الحديث؛ أي صيغة الافتراق وصيغة تعيين الفرقة الناجية بالجماعة "ما أنا عليه وأصحابي"، كما ورد الحديث لفظًا لدى ابن حنبل، لكن تعيين الجماعة ب "المعتزلة". أورد عبد الجبار الحديث بالصيغة التي رواها سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن الرسول أنّه قال ما يلي: "افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، أبرّها وأتقاها الفئة المعتزلة، قال: ثم قال سفيان لأصحابه

تسمّوا بهذا الاسم، لأنكم قد اعتزلتم الضلالة، فقيل له: قد تسمى بذلك عمرو بن عبيد وأصحابه. وكان بعد ذلك لا يذكر في الحديث

هذا القول، بل يقول: واحدة منها ناجية"122، ثم يورد في فصل تمسك المعتزلة بأنهم "من أهل السُنّة والإجماع" الصيغة التالية

للحديث وهي مطابقة على نحو شبه لفظي لصيغة ابن حنبل: "روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ستفترق أمتي على ثلاثين فرقة، كلها في النار إلّ واحدة، قيل: يا رسول الله: ما تلك الواحدة؟، فقال عليه السلام: هو ما أنا عليه أنا وأصحابي"123. وفق منهج عبد الجبار، فإن صيغة الحديث المروية عن سفيان الثوري، التي تنتهي ب "قال رسول الله"، تعني أن هذا الحديث هو ما ثبت من سُنّة الرسول "على ما ثبت أنه قاله أو فعله"، فقال رسول الله هو من صيغة "قال رسول الله قطعًا"، في حين يستخدم

الحديث الثاني عن تعيين الجماعة ب "ما هو عليه أنا وأصحابي" في صيغة: "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"، وهو في منهج القاضي "حديث آحاد"، لكن صح فيه شروط القبول، يقال فيه "إنه سنّة على وجه التعارف، لأننا إذا لم نعلم ذلك القول، أو ذلك الفعل، فالقول إنه سنّة يقبح، لنا لا نأمن أن نكون كاذبين في ذلك. وعلى هذا الوجه لا يجوز في العقل أن يقول في خبر الواحد، قال رسول الله قطعًا، وإنما يجوز أن يقول روي/ عنه صلى الله عليه - ذلك"124، فحديث الآحاد لدى عبد الجبار هو "خبر" "لا يعلم

كونه صدقًا ولا كذبًا"125. وما يراه عبد الجبار لاستخدام صيغة "روي عن النبي" وليس "قال النبي"، هي في قواعد علماء الحديث

"موضوعة للحديث الضعيف" وفقًا لناصر الدين الألباني (1914 - 1999)126. كان إنتاج عبد الجبار للحديث مراوغًا، ولربما بدفعٍ من وضعية اضطهاد المعتزلة في زمنه، مع أنه في قرارة عقله المعتزلي يقرّ أنه أحاديث آحاد، أو مروية، لكن وصف المعتزلة لأنفسهم بالفرقة

119 عبد القاهر البغدادي، ص 5 - 7؛ الإسفراييني، ص 15. 120   أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي، ج 1 (بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية، 2011)، ص 74. 121 المرجع نفسه، ص 9. 122  طبقات المعتزلة، ص 166. 123 المرجع نفسه، ص 186. 124 المرجع نفسه. 125 عبد الجبار، ص 521. 126 ينظر: الألباني، ص 39.

  1. عبد القاهر البغدادي، ص 5 - 7؛ الإسفراييني، ص 15.
  2. أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي، ج 1 (بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية، 2011)، ص 74.
  3. المرجع نفسه، ص 9.
  4. طبقات المعتزلة، ص 166.
  5. المرجع نفسه، ص 186.
  6. المرجع نفسه.
  7. عبد الجبار، ص 521.
  8. ينظر: الألباني، ص 39.

الناجية سيتكرّس لدى كبار المعتزلة ممن تلوه في القرن الخامس، مثل الزمخشري (467 - 538 ه/ 1074 - 1143 م) بقوله: "إخواننا في

الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية"127.

4. رواية الغزالي المعكوسة للحديث وتضعيف ابن حزم له

يورد الغزالي (450 - 505 ه/ 1058 - 1111 م) صياغة مختلفة جذريًا أو معكوسة للحديث، لم ترد في مسند أحمد، ولا في سننأبي

داود وابن ماجة والترمذي، هي: "ستفترق أمتي بضعًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلّ الزنادقة". ويُعلّق الغزالي على تصنيف الزنادقة

بقوله: "وهي فرقة". هذا لفظ الحديث في بعض الروايات، وظاهر الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته؛ إذ قال: "ستفترق أمتي"128، ويورد ابن الجوزي (510 - 597 ه/ 1116 - 1201 م) "هذا الحديث محددًا رواية الفرقة الهالكة على أنها: الزنادقة ثم 'الزنادقة

وهم القدرية'"، لكنه يرى أن الحديث بهذا اللفظ موضوع، وأن الرواية الصحيحة هي "واحدة في الجنة وهي الجماعة"129. ويورد المتكلم الإباضي الوارجلاني المعاصر نسبيًا للغزالي صيغة للحديث متقاطعة مع الحديث الذي يورده الغزالي، وتقول هذه الصيغة: "إنّ

الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى الجنة ما خلا واحدة إلى النار"130. يعدّ ابن حزم الأندلسي (383 - 456 ه/ 993 - 1063 م) من أبرز الأصوليين السُنّة الذين رفضوا "حديث الافتراق" مع حديث آخر

في المجاميع السنية والشيعية الإمامية والفاطمية الإسماعيلية الحديثية المرجعية، وإلى حد ما المعتزلية عن "أن القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة"، وقال: "هذان حديثان لا يصحان أصلً من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر

الواحد، فكيف من لا يقول به؟"131.

5. تمثل الإباضية: الوارجلاني

نجد تمثّل الحديث وإعادة إنتاجه على مستوى الإباضية في إعادة إنتاج المتكلم الأباضي الوارجلاني للحديث، وتحديد الإباضية

بأنها "الفرقة الناجية". ينطلق الوارجلاني مرجعيًا من حديث الافتراق في مسند الربيع الإمام الرابع من أئمة الإباضية، وهو عن ابن

عباس عن النبي: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدّعي تلك الواحدة"132. ولم

يجعل الربيع فرقة بعينها ناجية، وهو يواصل في ذلك رؤية عبد الله بن إباض مؤسس المذهب، في اعتبار المخالفين والأعداء لهم مسلمين "دعوة الإسلام تجمعهم، وهم ككفار النعم"، لكن مع نهي عن عدم "مناكحتهم ومواريثهم"133. الجديد الذي جاء به الوارجلاني بالنسبة إلى الإباضية هو تعيين الفرقة "الناجية" في الفرقة "الإباضية"، بينما لم يحدد الربيع في مسندهأوصاف الفرقة الناجية، ويقسم الوارجلاني في ضوء هذا الحديث فرق المسلمين "الموحّدين" "سبعة أفخاذ"، يُشكّل

مجموعهم ثلاثًا وسبعين فرقة، "كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية". ويحدّد الأفخاذ السبعة بأنهم "القدرية والمرجئة والمارقة والإباضية

127   أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، تفسير الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، اعتنى به وخرّج أحاديثه خليل

مأمون شيحا، ط 3 (بيروت: دار المعرفة، 2009)، ص 23 - 24. 128   حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، قرأه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه محمود بيجو ([د. م.]: [د. ن].، 1992)، ص 58 - 59.

129   أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي، كتابالموضوعات، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان (المدينة المنوّرة: نشر محمد عبد المحسن - المكتبة السلفية،

1966)، ص 267 - 268. 130   الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 14.

131   ابن حزم الأندلسي الظاهري، الفِصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق أبو عبد الرحمن عادل بن سعد، ج 2 (القاهرة: دار ابن الهيثم، 2005)، ص 91. 132   الوارجلاني، كتاب الرتيب في الصحيح، حديث رقم 42، ص 41. 133 ينظر: مادة "الإباضية"، في: الرازي، ج 1، ص 521.

  1. أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، تفسير الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، اعتنى به وخرّج أحاديثه خليل مأمون شيحا، ط 3 (بيروت: دار المعرفة، 2009)، ص 23 - 24.
  2. حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، قرأه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه محمود بيجو ([د. م.]: [د. ن].، 1992)، ص 58 - 59.
  3. أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي، كتابالموضوعات، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان (المدينة المنوّرة: نشر محمد عبد المحسن - المكتبة السلفية، 1966)، ص 267 - 268.
  4. الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 14.
  5. ابن حزم الأندلسي الظاهري، الفِصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق أبو عبد الرحمن عادل بن سعد، ج 2 (القاهرة: دار ابن الهيثم، 2005)، ص 91.
  6. الوارجلاني، كتاب الرتيب في الصحيح، حديث رقم 42، ص 41.
  7. ينظر: مادة "الإباضية"، في: الرازي، ج 1، ص 521.

والشيعة والمشبهة والمجسّمة"، ليحصر بقاء الحق في فخذين "في إحداهما الحق"، وهما "السنيّة"، كما يصف أهل السُنّة والجماعة

و"الإباضية". لكنه يرى أن "السُنيّة وإن تلبسوا بالدين قليلً"، فقد "لحقوا بإخوانهم المرجئة في الحال والمجال والمآل"، فبقي الحق

أو الفرقة الناجية في الإباضية وحدها، لكونها قد واصلت ما بدأ به أوائلها "على الوزن بالقسطاس المستقيم والبرهان القويم وهو الكتاب والسُنّة ورأي المسلمين"134. وقد مثل الوارجلاني هنا تطورًا جديدًا في الفقه الإباضي بالنسبة إلى الحديث الذي رواه الربيع؛ لأنه يحدد الفرقة الناجية

بالإباضية، وأشار الربيع إلى أن كل فرقة من الفرق تدّعيها. ويُعبّر ذلك عن دينامية التكوّن "الصراطي" أو الأرثوذكسي بلغة الدراسات

الإسلامية الغربية لتمثل الإباضية وتمثيلها "الدين القويم".

6. التمثلات الشيعية "الإمامية" والإسماعيلية الفاطمية لحديث لاافتراق

تمثّلت الفرق الشيعية الإمامية والإسماعيلية منذ بدايات القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وحتى النصف الأول من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي هذا الحديث، وأعادت إنتاجه شيعيًا، في مرحلة ما نصفه ب "عصر التدوين الفقهي-

الاعتقادي الشيعي"، وبلورة المذاهب الفقهية الشيعية بين القرنين الرابع والخامس الهجري. أ. التمثّل الشيعي الإمامي أعاد الشيعة الإمامية إنتاج حديث الافتراق في عصر التدوين الفقهي - الاعتقادي الشيعي الإمامي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وتمثّلوا فيه "الفرقة الناجية"، لكنهم رفضوا "حديث القرون" الذي تلازم لدى أهل السُنّة السنيّين مع "حديث الافتراق".

بناءً على رفض الصياغة السُنّية لمنظومة الخلافة الراشدة باعتبارها مرحلة مظلومية آل البيت، وغصبهم حق الخلافة المنصوص عليه

شيعيًا بعد وفاة الرسول. واعتبر الشريف المرتضى في ردّه على ما كتبه القاضي عبد الجبار عن الإمامة هذا الحديث على أنه "خبر واحد

لا يوجب علمًا، ولا يجوز أن يُحتجّ به في أماكن العلم، ثم هو معارَض بأخبار كثيرة"، كما "أن في أيامه وعلى قرنه معاوية وعمرو بن

العاص وأبا سفيان وفلانًا وفلانًا ممن نقطع جميعًا أنه لا خير عنده"135، كما رفضوا مفهوم الجماعة السُنّي في تحديد الفرقة الناجية

بكونها الملازمة للجماعة "حديث الافتراق"، وأعادوا إنتاج مفهوم "الجماعة" اعتقاديًا خارج مفهومي "القلة" و"الكثرة"، كما هو خارج

المفهوم الاعتقادي - السياسي السني ل "الإجماع" حول الخلفاء الراشدين الأربعة، وطاعة من ولي الأمر بعدهم "برًا كان أم فاجرًا". انطلقت البداية من الكليني في القرن الرابع الهجري، واختتمت بالطوسي في القرن الخامس، فقد أعاد الكليني في روضة الكافيإنتاج الحديث شيعيًا إماميًا لتكييفه مع مواجهة الشيعة الإمامية للفرق الشيعية الأخرى في الصيغة التالية المسندة إلى الإمام

أبي جعفر التي نوردها كاملة: "إن اليهود تفرقوا من بعد موسى (عليه السلام) على إحدى وسبعين فرقة، منها فرقة في الجنة، وسبعون فرقة في النار، وتفرّقت النصارى بعد عيسى (عليه السلام) على اثنتين وسبعين فرقة، فرقة منها في الجنة، وإحدى وسبعون فرقة في

النار. وتفرّقت هذه الأمة بعد نبيّها (صلى الله عليه وسلم) على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة.

134   للاطلاع المفصل على محاجّة الوارجلاني، ينظر: الدليل والبرهان، ج 1، ص 42 - 51؛ محمد بوهلال، جدل السياسة والدين والمعرفة (بيروت: جداول، 2011)،

ص 230. 135   الشريف المرتضى، الشافي في الإمامة، تحقيق عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مراجعة فاضل الميلاني، ج 4 (طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 2004)،

ص 55 - 56.

  1. للاطلاع المفصل على محاجّة الوارجلاني، ينظر: الدليل والبرهان، ج 1، ص 42 - 51؛ محمد بوهلال، جدل السياسة والدين والمعرفة (بيروت: جداول، 2011)، ص 230.
  2. الشريف المرتضى، الشافي في الإمامة، تحقيق عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مراجعة فاضل الميلاني، ج 4 (طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 2004)، ص 55 - 56.

ومن الثلاث وسبعين فرقة ثلاث عشرة فرقة تنتحل ولايتنا ومودّتنا، اثنتا عشرة فرقة منها في النار، وفرقة في الجنة، وستون فرقة من سائر الناس في النار"136. يتطابق شق الافتراق السبعيني مع التخريجات الثلاث له في مجاميع "الصحاح" السنية، بينما تتمثل "الزيادات" بالنسبة إلى تلك التخريجات في ما يتعلق بالشيعة الإمامية وموقفها من الفرق الشيعية الأخرى المتشكلة في إثر قضايا الخلاف والصراع بين الفرق الشيعية في المجال الشيعي حول الإمامة بعد "غياب" الإمام الثاني عشر (المهدي). ويطابق عدد الفرق الشيعية الثلاث عشرة في نص الحديث عددها الذي حدّده المتكلم الشيعي النوبختي في "فرق الشيعة" حين بدء دور "الغيبة الصغرى" للإمام، معينًا الفرقة الثانية عشرة منها بوصفها الفرقة "الصحيحة التشيع"137؛ ما يشير إلى الأثر الكلامي الاعتقادي في صياغة الحديث لدى الكليني. غير أن الصدوق، وهو من السلسة الحديثية المرجعية لدى الإمامية، يورد في الخصالحديث الافتراق في صيغتين: الأولى مرفوعة إلى النبي عن أنس بن مالك، والثانية إلى النبي عن الحسين بن علي، والصيغتان مطابقتان لرواية الحديث في بعض مجاميع الصحاح، وتحدد الصيغة الأولى الفرقة الناجية بأنها "الجماعة"، وهي مطابقة تقريبًا في لفظها للحديث الذي خرّجه ابن حنبل في

مسنده، بينما تحدد الصيغة الثانية أن هناك فرقة واحدة ناجية من دون تعيينها138، لكن الصدوق يعلق على الصيغة الأولى التي تحدد الفرقة الناجية ب "الجماعة" بأنّ "الجماعة أهل الحق وإن قلّوا، وقد روي عن النبي (ص)، أنه قال: 'المؤمن وحده حجة، والمؤمن وحده جماعة"'139. ويلتقي الصدوق مع كل من الداعيين الإسماعيليين الفاطميين أبي حاتم الرازي (ت. 322 ه/ حوالى 933 - 934 م) ثم القاضي النعمان (ت. حوالى 351 ه/ 962 م)، استنادًا إلى وحدة الاعتماد الإسماعيلي الفاطمي والشيعي الإمامي لمفهوم الجماعة على أنها الجماعة الصحيحة الاعتقاد، وإن قلّ عددها، ثم سيلتقي القاضي عبد الجبار مع الرازي والصدوق في استخدام حديث لابن مسعود بأنّ "الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كان رجلً واحدًا"140. غير أن الطوسي الذي يعتبر بمنزلة خاتمة عصر تدوين الفقه – الاعتقادي الشيعي "الإمامي" يُعيد صوغ الحديث اعتقاديًا، مسندًا

إلى الإمام علي بن أبي طالب؛ أي يؤسسه اعتقاديًا على نحو أكثر "إحكامًا" من الكليني، بما يتّسق مع الاعتقادية الإمامية بمفهوم

"الوصيّ"، وأمثلته في تاريخ النبوات، فيضيف إلى الصيغة التي أوردها الكليني جملً مزيدة، بأن الفرقة اليهودية الناجية "اتبعت يوشع

بن نون وصيّ موسى"، والفرقة النصرانية الناجية "اتبعت شمعون وصيّ عيسى"، ويضيف: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين

فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة، وهي التي اتّبعت وصيّ محمد (ص)، وضرب بيده على صدره، ثم قال: ثلاث

عشرة فرقة من الثلاث والسبعين كلها تنتحل مودّتي وحبي، واحدة منها في الجنة، وهي النمط الأوسط، واثنتا عشرة في النار"141.

136   ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج 8 (بيروت: منشورات الفجر، 2007)، ص 122. 137 النوبختي والقمي، ص 96 - 109. 138   الصيغة الأولىالمسندة إلى أنس بن مالك قال: "قال رسول الله (ص): إن بني إسرائيل تفرّقت على عيسى إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون فرقة، وتخلّص

فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، يهلك إحدى وسبعون، ويتخلّص فرقة، قالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة الجماعة". وأما

الصيغة الثانية، فمروية عن الحسين بن علي: "سمعت رسول الله يقول إن أمة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية وسبعون في النار، وافترقت

أمة عيسى عليه السلام بعده على اثنتين وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، وإحدى وسبعون في النار. وإن أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية،

واثنتان وسبعون في النار". أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق، الخصال، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفّاري، ج 2 (قم المقدسة: منشورات

جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، 1363 ش/ 1404 ق)، ص 583 - 585.

139 المرجع نفسه، ص 583. 140  طبقات المعتزلة، ص 186. 141   أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية (قم: دار الثقافة، 1414 ه)، ص 523 - 524.

  1. ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج 8 (بيروت: منشورات الفجر، 2007)، ص 122.
  2. النوبختي والقمي، ص 96 - 109.
  3. الصيغة الأولىالمسندة إلى أنس بن مالك قال: "قال رسول الله (ص): إن بني إسرائيل تفرّقت على عيسى إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون فرقة، وتخلّص فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، يهلك إحدى وسبعون، ويتخلّص فرقة، قالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة الجماعة". وأما الصيغة الثانية، فمروية عن الحسين بن علي: "سمعت رسول الله يقول إن أمة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية وسبعون في النار، وافترقت أمة عيسى عليه السلام بعده على اثنتين وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، وإحدى وسبعون في النار. وإن أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، واثنتان وسبعون في النار". أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق، الخصال، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفّاري، ج 2 (قم المقدسة: منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، 1363 ش/ 1404 ق)، ص 583 - 585.
  4. المرجع نفسه، ص 583.
  5. طبقات المعتزلة، ص 186.
  6. أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية (قم: دار الثقافة، 1414 ه)، ص 523 - 524.

يعكس ذلك من منظور البحث التاريخي حدّة الاستقطاب الداخلي في الفضاء الشيعي بين الشيعية الإمامية التي كانت قيد التبلور

في القرنين الرابع والخامس للهجرة، والشيعيات الأخرى التي تنافسها بقوّة، وكان في مقدمها الفرقة النصيرية التي كانت يومئذٍ في دور

"الغيبة الصغرى"، وما بعده بقليل إمامية محض، وارتبط مسار تشكّلها بالانتماء إلى الأئمة "الإماميين"، لكن وفق المحور العرفاني، قبل أن تستقل عن الشيعية الإمامية منظوميًا بين أواخر القرن الرابع وبدايات القرن الخامس للهجرة. ب. التمثّل الفاطمي الإسماعيلي أخذت المراجع الشيعية في عصر التدوين الفقهي - الاعتقادي الشيعي من حديث الافتراق الشق المتعلق بتفرّق الأمة، والفرقة

الناجية، وأهملت الشق المتعلّق ببعض صيغ الحديث بالجماعة. ويشير النوبختي إلى أن فرق الإرجاء والخوارج وغيرهم التي اختلفت في ما بينها "فرق كثيرة يطول ذكرها"، وينكر بعضهم من بعض، ويكفّر بعضهم بعضًا "أنّهم تسمّوا على اختلاف مذاهبهم الجماعة،

ويعنون بذلك: أنهم مجتمعون على ولاية من وليهم من الولاة بارًا كان أو فاجرًا، فتسمّوا بالجماعة على غير معنى الاجتماع، بل صحيح

معناهم معنى الافتراق"142. وهذا ما يحدّده أبو حاتم الرازي، الداعية الإسماعيلي الفاطمي المبكّر، وهو أحد أبرز دُعاة الإسماعيلية في القرن الرابع الهجري ل "مدرسة الأئمة المستورين" (الفاطميين) التي انشقت الإسماعيلية القرمطية عنها في نهاية القرن الرابع143، لكن مع تبنّي شيعي لمصطلح "أهل السُنّة والجماعة" ب "أنّ أصحاب علي رضوان الله عليه هم أهل الجماعة، وأصحاب معاوية هم

أهل الفرقة"، "فأهل الحق لا يكونون متفرّقين، إنما يكوّنون فرقةً واحدة"ً144، وأنّ "العامة" تسمّت بالجماعة، بمعنى أنّهم مجتمعون

على إمام واحد "بعد النبي وأولئك الخلفاء الأربعة، مع اختلافهم في الآراء والمذاهب، وابتداعهم الأهواء الكثيرة، وإقامتهم على التنازع والتشاجر بينهم في الأحكام والفرائض، وتكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض، يعنون بذلك اجتماعهم على ولاية كل من وليهم من الولاة برًّا كان أم فاجرًا، ومعاونتهم من غلب وقام بالأمر، من غير معنى اجتماع على دين، بل معناهم التفرق في

المذاهب والابتداع في الأهواء"145. يبدو في حدود متابعاتنا أنّ الرازي هو أوّل من دمج بين صيغتي حديث الافتراق - كما وردتا في مجموعة الترمذي - بين تحديد

عدد الفرق التي ستتفرق إليها الأمة، وتعيينها بالجماعة بما كان عليه الرسول وأصحابه، في صيغةٍ مركّبةٍ واحدةٍ في متن الحديث، يضيف إليهما ما يلي: "قيل يا رسول الله، ومن الفرقة الناجية؟ قال: أهل السُنّة والجماعة. قيل: ومن أهل السُنّة والجماعة؟ قال ما

أنا عليه وأصحابي اليوم"146، غير أنه يميز مفهومه إماميًا لأهل السُنّة والجماعة من معنى الجماعة لدى "عامة الناس" أو "السواد

الأعظم" الذين اجتمعوا على الخلفاء الأربعة (الراشدين) بعد الرسول، ثم واصلوا تسمّيهم بأهل السنة والجماعة، بمعنى اجتماعهم

على بني أمية، ثم بني مروان، ويعنون بذلك "اجتماعهم على ولاية من وليهم من الولاة برًّا كان أم فاجرًا"147. بينما أهل السُنّة

142 النوبختي والقمي، ص 28. 143   فرهاد دفتري، الإسماعيليون في مجتمعات العصر الوسيط الإسلامية، ترجمة سيف الدين القصير (بيروت: دار الساقي، 2008)، ص 72 - 77؛ فيرينا كليم،

مذكرات رسالة: العلامة الإسماعيلي رجل الدولة المؤيد في الدين الشيرازي، ترجمة شارل شهوان (بيروت/ لندن: دار الساقي ومعهد الدراسات الإسماعيلية، 2005)،

ص 41 - 42. 144 ينظر: مادة "الشيعة"، في: الرازي، ج 1، ص 491. 145 ينظر: مادة "السنة والجماعة"، في: المرجع نفسه، ص 483 - 484. 146 المرجع نفسه، ص 479. 147 المرجع نفسه، ص 482 - 483.

  1. النوبختي والقمي، ص 28.
  2. فرهاد دفتري، الإسماعيليون في مجتمعات العصر الوسيط الإسلامية، ترجمة سيف الدين القصير (بيروت: دار الساقي، 2008)، ص 72 - 77؛ فيرينا كليم، مذكرات رسالة: العلامة الإسماعيلي رجل الدولة المؤيد في الدين الشيرازي، ترجمة شارل شهوان (بيروت/ لندن: دار الساقي ومعهد الدراسات الإسماعيلية، 2005)، ص 41 - 42.
  3. ينظر: مادة "الشيعة"، في: الرازي، ج 1، ص 491.
  4. ينظر: مادة "السنة والجماعة"، في: المرجع نفسه، ص 483 - 484.
  5. المرجع نفسه، ص 479.
  6. المرجع نفسه، ص 482 - 483.

والجماعة هم من اجتمعوا على الإمام من آل البيت "الذي يحفظ أهل الجماعة ويضمّهم على سنّة رسول الله (ص) وآله من أن

ينتشروا ويتبددوا"148، "وتمسّكوا بإمام مؤيّدٍ مسدّد مطهّر، يرجعون إليه فيما يلتبس عليهم من أمور دينهم  "149. كان الرازي أوّل من عيّن صفة الفرقة الناجية في متن حديث الافتراق ب "أهل السُنّة والجماعة"، وإن لم يكن في الإمكان إثبات

أنّه أوّل من استخدم مصطلح "أهل السُّنة والجماعة" على نحو مركّب. وعلى ذلك تكون الشيعية الإسماعيلية أوّل فرقة حاولت أن

تُعيد إنتاج متن حديث الافتراق، وتركّبه من جديد وتتمثّله على أنّ الفرقة الناجية الممثلة بالجماعة هي "أهل السُّنة والجماعة". وقد

واصل الدعاة الفاطميون تبنّي صيغة الرازي لحديث الافتراق، فواصل القاضي النعمان ما بدأ به الرازي من تعيين الفرقة الناجية بأنها "أهل السُنّة والجماعة" المتمثلة لقول الرسول بلزوم "الفرقة الناجية" أو "الجماعة" وتحديده لها بأنّهم: "ما كان عليه وأصحابه"،

وأنّها "أهل السُنّة والجماعة"، وإعادة إنتاج حديث الافتراق كما أعاد الرازي إنتاجه150. يُعيدُ المؤيد بالدين (390 - 470 ه/ 1000 - 1077 م) داعي الدعاة الفاطمي الإسماعيلي الذي نظّم الانقلاب الفاطمي لأبي الحارث

أرسلان بن عبد الله البساسيري في بغداد على الخلافة العباسية في خمسينيات القرن الخامس، رواية الحديث عن علي بن أبي طالب: "سئل أمير المؤمنين علي عليه السلام: من أهل السُنّة والجماعة؟ قال: أنا وأصحابي وإن قلّوا. قيل: ومن أهل البدْعة والفرْقة: قال

المخالفون وإن كثروا"151. ويواجه المؤيّد بعض تفسيرات "أهل السُنّة والجماعة" ل "السواد الأعظم" بتبديعه: "ونحن نقول: إن

الأمّة والسّواد الأعظم هم الذين غرقوا في البدع والشّبهات، وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأتباعهم على قلّتهم أهل

السُنّة والجماعة"152. نفهم من دُرج حجاج الغزالي للباطنية أنّ الإسماعيليين كانوا متشبثين بحديث الافتراق كما رواه الرازي في العقد الأول أو الثاني من القرن الرابع، ثم كما رواه القاضي النعمان، كما نفهم منه أنّه تعامل معه بصفته حديثًا إسماعيليًا أو "باطنيًا"، فنسف صيغته اللفظية

والمفهومية كلها، بما في ذلك صيغ مجموعات الصحاح التي أوردته. فيورد الغزالي في فضائح الباطنية صيغة حديث الافتراق التي تنصّ على أنّ الرسول سُئل عن "الفرقة الناجية الواحدة" من بين "نيف وسبعين فرقة" تفترق إليها أمته، "فقيل: ومن هم؟ فقال:

أهل السنّة والجماعة، فقيل: وما السنّة والجماعة؟ قال: ما أنا الآن عليه وأصحابي"، على أنّه حديث باطني أو إسماعيلي فاطمي في

أدلة "الباطنية" من أنّهم "ما كانوا إلّ على الاتّباع والتعليم في كلّ ما شجر بينهم، وتحكيم الرسول (ص) فيه، لا على اتّباع آرائهم وعقولهم"153. ثم يناقش استدلال الباطنية بهذا الحديث بأنه من "عجيب الاستدلالات"، ويُبيّن تمسّكهم "بأخبار الآحاد والزيادات الشاذة

فيها، فأصل الخبر من قبيل الآحاد، وهذه الزيادة شاذة، فهو ظن على ظن، ثم هو لفظ محتمل من وجوه التأويل ما لا حصر له، فإنّ ما كان عليه هو وأصحابه إن اشُترط جميعه في الأقوال والأفعال والحركات والصناعات كان مح لً، وإن أخذ بعضه، فذلك البعض من يعيّنه ويقدّره؟ وكيف يُدرَك من يعيّنه ويقدّره؟ وكيف يُدرَك ضبْطه؟ وهل يُتصوّر ذلك إلا بظن ضعيف"، ثم يضيف مباشرة: "وربما

148 المرجع نفسه، ص 480. 149 المرجع نفسه، ص 482. 150   القاضي النعمان، اختلاف أصول المذاهب، تحقيق مصطفى غالب، ط 3 (بيروت: دار الأندلس، 1983)، ص 130. 151   المؤيد في الدين هبة الله بن موسى، المجالس المؤيدية، حققه وعلق عليه محمد عبد الغفار (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1994)، ص 93. 152 المرجع نفسه. 153   أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي (الكويت: مؤسسة دار الكتب الثقافية، [د. ت.])، ص 78 - 79.

  1. المرجع نفسه، ص 480.
  2. المرجع نفسه، ص 482.
  3. القاضي النعمان، اختلاف أصول المذاهب، تحقيق مصطفى غالب، ط 3 (بيروت: دار الأندلس، 1983)، ص 130.
  4. المؤيد في الدين هبة الله بن موسى، المجالس المؤيدية، حققه وعلق عليه محمد عبد الغفار (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1994)، ص 93.
  5. المرجع نفسه.
  6. أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي (الكويت: مؤسسة دار الكتب الثقافية، [د. ت.])، ص 78 - 79.

لا يرتضى مثله في الفقهيات مع خفّة أمرها، فكيف يُستدلّ على القطعيات بمثلها؟"154. ويُساجل الباطنية أو يحاجّهم من ادّعائهم

بأنهم مجسّدو ما كان عليه الرسول وأصحابه، وأنهم أهل السُنّة والجماعة بموجب حديث الافتراق بأن "الحديث قاضٍ لنا بالنجاة،

ولكم بالهلاك، فإنكم انحرفتم عن اتّباع النبي المعصوم إلى غيره"155، وتبنّى الغزالي صياغة معكوسة جذريًا لحديث الافتراق من كون

الفرق كلها ناجية ما عدا فرقة واحدة هالكة هي فرقة الزنادقة. سترسخ رواية الشهرستاني الصيغة الإسماعيلية الفاطمية لحديث الافتراق، مصطلح "أهل السُنّة والجماعة" في صلب البنية

اللفظية المعجمية للحديث بوصفه حديثًا سُنيًا في الظاهر"156، غدت فيه الأشعرية "مذهبًا لأهل السُنّة والجماعة  "157.

خاتمة

برزت في النصف الأول من القرن الثاني الهجري الاحتدامات الكلامية الاعتقادية - السياسية حول مسائل الخلاف الإسلامي منذ وفاة الرسول، واستخدام الحديث في الصراعات ما بين تلك الفرق. وعبّرت أزمة الحديث في تلك الفترة في المجال الاعتقادي - الحديثي

عن أزمة الاجتماع الإسلامي التي حاول "عصر التدوين" أن يتجاوزها. وخلال القرن الثاني برزت أولى صيغ حديث الافتراق لفظًا، بينما

كان مفهومها واسع الانتشار، لكن في سياق أزمة الأسس من دون تعيين فرقة واحدةٍ بعينها على أنها الفرقة الناجية. غير أنّ الحديث لن يصاغ منظوميًا في مسند ابن حنبل، ثم بصياغات أخرى له في بعض مجاميع أحاديث الكتب الستة إلّ في القرن الثالث. بدءًا من القرن الرابع، أخذ يستشري الطلب من الفرق الإسلامية على إعادة إنتاج هذا الحديث وتأويله وإعادة صوغه، ولا سيما

بين الفرق السُنّية والإسماعيلية الفاطمية والشيعية الإمامية، وصولً إلى المعتزلية والإباضية. ويشتد هذا الطلب مع ارتفاع وتائر الصراع

السُنّي - الشيعي، وتحوّله من صراع اعتقادي في "أمر الدين" إلى صراع جماعاتي في "أمر الدين والدنيا"158. صيغ "حديث الافتراق" أول مرة لفظيًا في مسند الربيع الإباضي، ليُعبّر عن الصراع الإسلامي الاعتقادي بين الفرق، وأنها كلها

هالكة في النار ما خلا واحدة، وكل منها يدّعي أنه تلك الواحدة، ثم أُعيدت صياغته في النصف الأول من القرن الثالث في مسند ابن

حنبل بأن الفرقة الناجية هي "الجماعة"، من دون تحديد أوصافها، أو من دون أن يقترن مصطلح "الجماعة" مع مصطلح "السُنّة" في

لفظ "السُنّة والجماعة"، ثم أعاد بعض مجاميع الصحاح التي روت الحديث بصيغ لفظية مختلفة تطوير إنتاج هذا الحديث، بأن الجماعة

هي: ما كان عليه النبي وأصحابه، لكن من دون استخدام الاقتران اللاحق بين "السُنّة والجماعة" في لفظ "السُنّة والجماعة". أعاد الإسماعيليون الفاطميون في أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع - عند إعادة بناء فهمهم للإمامة وانشقاق القرامطة عنهم - إنتاج صيغ الحديث في بعض مجاميع الصحاح، والدمج في ما بينها على نحو يحدد صفة الفرقة الناجية الواردة في صيغة الدمج الجديدة بالجماعة، وبما كان عليه النبي وأصحابه بتعيينها في أهل السُنّة والجماعة في نص الحديث. ومن هنا فإن مصطلح "أهل

السُنّة والجماعة" من ناحية مركزية اللفظ في العقيدة، كما في إعادة صوغ حديث الافتراق هو مصطلح إسماعيلي فاطمي أكثر مما

هو سُنّي، فالسُنّة في القرن الرابع، سواء كانوا حنابلة أم أشاعرة، تداولوا مصطلح "أهل السُنّة والجماعة" على نحو محدود في درج

154 المرجع نفسه، ص 128. 155 المرجع نفسه. 156 الشهرستاني، ص 9. 157 ينظر: المرجع نفسه، ص 81. 158   مسكويه، تجارب الأمم، ج 6، ص 374.

  1. المرجع نفسه، ص 128.
  2. المرجع نفسه.
  3. الشهرستاني، ص 9.
  4. ينظر: المرجع نفسه، ص 81.
  5. مسكويه، تجارب الأمم، ج 6، ص 374.

أوصافهم لأهل السُنّة، وليس بصفته مصطلحًا مركزيًا لفظيًا على غرار الإسماعيليين الفاطميين في بيان اعتقاديتهم، إلى أن بلوره

المتكلمون الأشاعرة في القرن الخامس بعدّه وصفًا مركزيًا لأهل السُنّة في شرح "حديث الافتراق"، وتخصيص السُنّة دون غيرهم

بأنهم من يتميزون بأهلية تمثيل وتمثّل "السُنّة والجماعة"، في مواجهة الفرق الإسلامية الأخرى التي تهالك كل منها على إعادة إنتاج

حديث الافتراق، وتعيين فرقته بأنها الفرقة الناجية. يتكثّف مضمون العمليّة التاريخية المحدد في رواية حديث الافتراق وانتشاره والتهالك على إنتاجه من الفرق كلها، بما فيها

الإسماعيلية الفاطمية والشيعية الإمامية والسُنّية والمعتزلية، ثم الزيدية والإباضية في جدلية الديني والسياسي في تاريخ الاجتماع

الإسلامي في القرنين الرابع والخامس للهجرة وقد أخذت فيهما الفرق السُنّية والشيعية المختلفة تتحول من فرق Secte إلى طوائف

Confession أو جماعات طائفية Confessionnelle Communauté بالمعنى الجماعاتي، ولا سيما منها الفرق السُنّية والإباضية

والإسماعيلية الفاطمية والشيعية الإمامية والنصيرية، لكل منها حديث افتراقه. وهو ما يفتح الباب أمام دراسة السياق التاريخي - السياسي للقرنين الرابع والخامس في تحوّل كل من الفرقتين الكبريين: السُنّية والشيعية الإمامية، مسلّحتَين بحديث الفرقة الناجية، من فرقة

إلى طائفة؛ أي التبلور الطائفي الجماعاتي المنظومي لكلتيهما.

المراجع

References

ابن أبي المعز. شرح العقيدة الطحاوية. تحقيق جماعة من العلماء. خرج أحاديثها محمد ناصر الدين الألباني. بيروت: المكتب الإسلامي، 2006. ابن أبي يعلى البغدادي الحنبلي، أبو الحسين محمد. طبقات الفقهاء الحنابلة. تحقيق علي محمد عمر. ج 2. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1998. ابن الجوزي القرشي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي. كتاب الموضوعات. تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. المدينة المنوّرة:

نشر محمد عبد المحسن - المكتبة السلفية، 1966. ابن بطة العكبري، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد. الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة. تحقيق رضا نعسان معطي [وآخرون]. ج 9. الرياض: دار الراية، 1994. ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. منهاج السُنّة النبوية. تحقيق محمد رشاد سالم. ج 9. الرياض: جامعة الإمام

محمد بن سعود، 1986 م. ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق محمد تامر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2005. ابن قتيبة، الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم. تأويل مختلف الحديث. تحقيق محمد محيي الدين الأصفر. ط 2. بيروت/ الدوحة: المكتب الإسلامي، مؤسسة الاستشراق، 1999. _______. غريب الحديث. تحقيق عبد الله الجبوري. بغداد: وزارة الأوقاف وإحياء التراث الإسلامي، 1977. ابن موسى، المؤيد في الدين هبة الله. المجالس المؤيدية. حققه وعلق عليه محمد عبد الغفار. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1994. أبو زهرة، محمد. تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية. القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.]. الإسفراييني، أبو مظفر. التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين. تحقيق كمال يوسف الحوت. بيروت: عالم الكتب، 1983. الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق نواف الجراح. ط 2. بيروت: دار صادر، 2006. الأمين، الإمام السيد محسن. أعيان الشيعة. تحقيق وتعليق حسن الأمين. ج 12. بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1998. باتون، بولتر ملفيل. أحمد بن حنبل والمحنة. ترجمة الشيخ عبد العزيز عبد الحق. بيروت: دار جداول، 2011. البحراني، يوسف. لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث. المنامة: مكتبة فخراوي، 2008. البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد. الفَرق بين الفِرق. ط 4. بيروت: دار الكتب العلمية، 2009. البلخي، أبو القاسم والقاضي عبد الجبار والحاكم الجشمي. طبقات المعتزلة: كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومُباينتهم

لسائر المخالفين. تحقيق فؤاد سيد. تونس: الدار التونسية للنشر، 1974. بوهلال، محمد. جدل السياسة والدين والمعرفة. بيروت: جداول، 2011.

الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى. الجامع الكبير. تحقيق بشار عواد معروف. ج 6. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996. الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. ط 8. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002. جدعان، فهمي. أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث. ط 3. القاهرة: دار الشروق، 1988. _______. في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين. القاهرة: دار الشروق، 2007. _______. المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام. ط 3. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014. الحافي، عامر. "قراءة توحيدية في حديث افتراق الأمة". مجلة إسلامية المعرفة. السنة 12، العدد 63 (شتاء 1432 ه- 2011 م). حللي، عبد الرحمن. "التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب 'التحريش' لضرار بن عمرو الغطفاني (ت. نحو 200 ه/ 815 م)". أسطور. العدد 10 (تموز/ يوليو 2019). _______. "قراءة الشافعي في سياقه: نحو مقاربة جديدة". تبيُّن. مج 9، العدد 34 (خريف 2020). الخضري بك، محمد. تاريخ التشريع الإسلامي. ط 4. بيروت: دار الكتب العلمية، 2013. الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت. تقييد العلم. تحقيق سعد عبد الغفار علي. القاهرة: دار الاستقامة، 2008. الخوارزمي، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري. تفسير الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. اعتنى به وخرّج أحاديثه خليل مأمون شيحا. ط 3. بيروت: دار المعرفة، 2009. دفتري، فرهاد. الإسماعيليون في مجتمعات العصر الوسيط الإسلامية. ترجمة سيف الدين القصير. بيروت: دار الساقي، 2008. الذهبي، الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان. سير أعلام النبلاء. أشرف على التحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]. ج 29. ط 3. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985. ذويب، حمادي. السنة بين الأصول والتاريخ. الدار البيضاء: المؤسسة العربية للتحديث الفكري والمركز الثقافي العربي، 2005. الرازي، أبو علي مسكويه. تجارب الأمم. تحقيق أبو القاسم إمامي. ج 8. طهران: دار سروش، 2000 - 2002. السجستاني، الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي. سنن أبي داود. تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله. ج 7. دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009. السريجي، عبد الله. "حديث افتراق الأمة: دراسة في السياق والأصول والنتائج". مجلةالاجتهاد. السنة 5، العدد 19 (ربيع 1413 ه/ 1993 م). السيد، رضوان. الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي، 2007. الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي. الاعتصام. ضبطه وعلّق عليه وخرّج أحاديثه أبو عبيدة مشهور بن حسن

آل سلمان. ج 4. [د. م.]: دار التوحيد، [د. ت.]. الشافعي، أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي. التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع. قدمه وعلق عليه محمد زاهد بن الحسن الكوثري. ط 2. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 2007.

الشافعي، محمد بن إدريس. جُماع العلم. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1986. الشامي، صالح أحمد. الجامع بين الصحيحين للإمامين البخاري (194 - 256 ه) ومسلم (206 - 261 ه). ط 2. دمشق: دار القلم، 2011. الشريف المرتضى. الشافي في الإمامة. تحقيق عبد الزهراء الحسيني الخطيب. مراجعة فاضل الميلاني. ج 4. طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 2004. الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. الملل والنحل. تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي. ج 2. بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية، 2011. الشيباني، أبو عبد الرحمن عبد الله بن حنبل. كتاب السنّة. تحقيق محمد بن سعيد بن سالم القحطاني. الدمام: دار ابن القيّم، 1986. الصالح، صبحي. علوم الحديث ومصطلحه: عرض ودراسة. ط 2. دمشق: مطبعة جامعة دمشق، 1963. الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي. الخصال. صححه وعلق عليه علي أكبر الغفّاري. ج 3. قم المقدسة: منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، 1363 ش/ 1404 ق. طلائع المسند لأحمد بن حنبل. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، [د. ت.]. الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن. الأمالي. تحقيق قسم الدراسات الإسلامية. قم: دار الثقافة، 1414 ه. الظاهري، ابن حزم الأندلسي. الفِصل في الملل والأهواء والنحل. تحقيق أبو عبد الرحمن عادل بن سعد. ج 2. القاهرة: دار ابن الهيثم، 2005. عبد الجبار، القاضي. شرح الأصول الخمسة. ط 2. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2012. عرقوش، كايد يوسف. "حديث افتراق الأمة والطائفة الناجية". المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية. العدد 1 (1426 ه/ 2005). الغزالي، أبو حامد. فضائح الباطنية. تحقيق عبد الرحمن بدوي. الكويت: مؤسسة دار الكتب الثقافية، [د. ت.]. _______. فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة. قرأه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه محمود بيجو. [د. م.]: [د. ن].، 1992. الغطفاني، ضرار بن عمرو. كتاب التحريش. تحقيق حسين خانصو ومحمد كسكين. إستنبول: دار الإرشاد، 2014. الفراهيدي، الربيع بن حبيب. الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي. عُمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 2011. قانصوه، وجيه. النصالديني في الإسلام من التفسير إلى التلقي. بيروت: دار الفارابي، 2011. القزويني، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (209 - 273 ه). سنن ابن ماجة. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله. ج 5. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2009. الكتاني، السيد الشريف محمد بن جعفر. الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السُنّة المشرفة. تحقيق محمد المنتصر بن محمد

الزمزمي بن محمد جعفر الكتاني. ط 5. بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1993.

كليم، فيرينا. مذكرات رسالة: العلامة الإسماعيلي رجل الدولة المؤيد في الدين الشيرازي. ترجمة شارل شهوان. بيروت/ لندن: دار الساقي ومعهد الدراسات الإسماعيلية، 2005. الكليني، ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب. أصول الكافي. ج 8. بيروت: منشورات الفجر، 2007. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد. ج 50. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1995. معوض، علي محمد وعادل أحمد عبد الموجود. تاريخ التشريع الإسلامي: دراسات في التشريع وتطوره ورجاله. مراجعة إبراهيم علي أبو الخشب وعبد العزيز عزّت. المجلد الثاني. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000. النعمان، القاضي. اختلاف أصول المذاهب. تحقيق مصطفى غالب. ط 3. بيروت: دار الأندلس، 1983. النوبختي، الحسن بن موسى وسعد بن عبد الله القمي. كتاب فرق الشيعة. تحقيق عبد المنعم الحنفي. ط 2. القاهرة: دار الرشاد، 2010. النيسابوري، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم. المستدرك على الصحيحين. تحقيق مصطفى عبد القادر عطا. ج 5. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002. الهمداني، أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم. الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار. ط 2. حيدر أباد: دائرة المعارف العثمانية، 1359 ه. الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف إبراهيم. الدليل والبرهان. تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي. ج 3. ط 2. سلطنة عمان: وزارة التراث والثقافة، 2006. _______. كتاب الرتيب في الصحيح من حديث رسول الله (ص). صحّحه وعلّق عليه الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.

مسقط: مكتبة مسقط، 2003.