Return to Article Details The Catastrophe of Abū Ayyūb al-Mūryānī: Ahvazi Vizier in the Court of the Abbasid Caliphate

نكبة أبي أیوب الموریاني: الوزیر الأهوازيّ في ديوان الخلافة العباسیة

The Catastrophe of Abū Ayyūb al-Mūryānī: Ahvazi Vizier in the Court of the Abbasid Caliphate

عارف عبد الله نصر

الملخّص

يُعدّ أبو أيّوب المورياني من أهمّ الشخصيّات السياسية الّتي كان لها دورٌ بارز في العصرين الأمويّ والعباسيّ، وقد تحلّى بمجموعة من الصفات الّتي كانت مهمّة لمن أراد دخول سلك الكتابة في الدیوان؛ ما مهّد لدخوله فيه وتسنّمه المراتب الجلیلة، فقد تقلّد المورياني المناصب بسرعة، واستطاع عن طريق اتّصاله بثاني الخلفاء العبّاسيّين أبي جعفر المنصور أن يتقلّد الوزارة لديه. وهو علی ما له من شهرة وكبیر فضل في الإسهام في تطویر المنهج الإداري العبّاسي وقتئذٍ، لا یزال - علی غرار باقي أترابه الأهوازیّین المعاصرین له - مغمورًا لا نكاد نجد له حضورًا بین الشخصیّات البارزة في ظلّ تلك الدولة. تحاول هذه الدراسة، اعتمادًا على أمّهات المصادر، وبمنهج تاريخيّ - تحليليّ، أن تقف على سيرة المورياني السياسية، وتحليل أهمّ العوامل الّتي أدّت إلى نكبته، وذلك بتمحیص الروايات الّتي أرّخت لتلك الحادثة قبل اعتمادها والأخذ بها.

Abstract

An important figure in the Umayyad and Abbasid eras, Abū Ayyūb al-Mūryānī first entered the diwan of the Abbasid caliphate as a clerk before going on to hold a series of prestigious positions there. Al-Mūryānī rose rapidly through the ranks, and by virtue of his close association with the second Abbasid caliph, Abū Ja'far al-Manṣūr, he was elevated to the post of vizier. Yet, despite his renown and the significant contribution he made to the development of Abbasid administrative procedures, al-Mūryānī, like his Ahvazi peers and contemporaries, has remained shrouded in obscurity, with hardly a mention among the prominent personalities associated with that state. Relying on classical sources and a historical-analytical approach, this paper traces al-Mūryānī's political career, exploring the most important factors that led to his demise through a careful examination of the accounts that chronicled this event before it was officially recognized and incorporated into historical narratives.

الكلمات المفتاحية:
  • العباسيون
  • أبو جعفر المنصور
  • أبو أيوب المورياني
  • الديوان
  • الأهواز
Keywords:
  • Abbasids
  • Abu Ja'far al-Mansur
  • Abu Ayyub al-Muryani
  • Diwan
  • Ahvaz

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

DOI: https://doi.org/10.31430/GIFY7204: الرقم التعريفي
عارف عبد الله نصر*Aref Abdollah Nasr |
نكبة أبي أیوب الموریاني: الوزیر الأهوازيّ في ديوان
الخلافة العباسیة
The Catastrophe of Abū Ayyūb al-Mūryānī: Ahvazi
Vizier in the Court of the Abbasid Caliphate

يُعدّ أبو أيّوب المورياني من أهمّ الشخصيّات السياسية الّتي كان لها دورٌ بارز في العصرين الأمويّ والعباسيّ، وقد تحلّى بمجموعة من الصفات الّتي كانت مهمّة لمن أراد دخول سلك الكتابة في الدیوان؛ ما مهّد لدخوله فيه وتسنّمه المراتب الجلیلة، فقد تقلّد المورياني المناصب بسرعة، واستطاع عن طريق اتّصاله بثاني الخلفاء العبّاسيّين أبي جعفر المنصور أن يتقلّد الوزارة لديه. وهو علی ما له من شهرة وكبیر فضل في الإسهام في تطویر المنهج الإداري العبّاسي وقتئذٍ، لا یزال - علی غرار باقي أترابه الأهوازیّین المعاصرین له - مغمورًا لا نكاد نجد له حضورًا بین الشخصیّات البارزة في ظلّ تلك الدولة. تحاول هذه الدراسة، اعتمادًا على أمّهات المصادر، وبمنهج تاريخي - تحليليّ، أن تقف على سيرة المورياني السياسية، وتحليل أهمّ العوامل الّتي أدّت إلى نكبته، وذلك بتمحیص الروايات الّتي أرّخت لتلك الحادثة قبل اعتمادها والأخذ بها.

An important figure in the Umayyad and Abbasid eras, Abū Ayyūb al-Mūryānī first entered the diwan of the Abbasid caliphate as a clerk before going on to hold a series of prestigious positions there. Al-Mūryānī rose rapidly through the ranks, and by virtue of his close association with the second Abbasid caliph, Abū Ja'far al-Manṣūr, he was elevated to the post of vizier. Yet, despite his renown and the significant contribution he made to the development of Abbasid administrative procedures, al-Mūryānī, like his Ahvazi peers and contemporaries, has remained shrouded in obscurity, with hardly a mention among the prominent personalities associated with that state. Relying on classical sources and a historical-analytical approach, this paper traces al-Mūryānī's political career, exploring the most important factors that led to his demise through a careful examination of the accounts that chronicled this event before it was officially recognized and incorporated into historical narratives.

باحث ومدير في مؤسسة المحبرة الثقافية في المملكة المتّحدة، لندن Researcher and Director of AL-mahbarah Cultural Forum in the United Kingdom, London. Email: Aref.abdollah67@gmail.com

مقدمة

کان لإقلیم الأهواز المحاذي لجنوب العراق وجنوب غربيّ إيران إسهام في العصور الإسلامية الأولى علی الصعید المعرفيّ،

وذلك بعلمائه في جميع ضروب الفنون والعلوم، الّذين قدّموا نتاجًا ذا بال في شتّى الحقول المعرفیة. ولا تزال مكتبات العالم تحتفظ

على رفوفها بذلك العطاء، إمّا مطبوعًا محقّقًا وإمّا مخطوطًا. ومما يبرز أهمّية أدوار الأهوازیّين حینذاك في بناء الحضارة العربیة

الإسلامیة، وجود شخصیّات مثل أبي نؤاس الأهوازيّ، وأبي هلال العسكريّ، وابن سكّیت الدورقي، وأبي علي الجبائيّ، وسهل بن

سابور التستريّ، وابن خلّد الرامزيّ، وعائلة بختیشوع الطبّیة. ولم تقتصر هذه المشاركة الفاعلة علی الصعیدَين المعرفي والعلمي وحسب، بل كانت أيضًا لرجال هذا الإقلیم ونسائه أدوار

مماثلة علی الصعید العمليّ السیاسيّ؛ إذ برز منهم نفرٌ غیر قلیل من الوزراء والكتّاب والقادة والسیاسیین في الفترتین الأمویة والعباسیة،

أسهموا أیضًا في أحداث عصرهم، ومع ذلك كلّه لم ینلْهُم من البحوث والدراسات سوی إشارات قليلة. تتناول هذه الدراسة علَمًا من هؤلاء، وهو سلیمان بن مخلد المعروف بأبي أیّوب الموریاني، وزیر الخلیفة العباسيّ أبي جعفر

المنصور. وهو علی ما له من شهرة وإسهام كبير في استحداث دیوان الإنشاء، وفي تطویر الإدارة العبّاسية وقتئذٍ، لا یزال مغمورًا،

حيث لا نكاد نجد له اسمًا بین الشخصیّات البارزة في ظلّ تلك الدولة، فقد تقلّد المناصب العليا لما اتّسم به من شخصيّة قويّة،

سنلاحظ أبعادها، وانتهت بنكبته وقتله، بينما لم یقف علی أبعاد اغتياله إلّ القلیل من الباحثین1. وهذا ما شدّنا إلى البحث في سیرته

وحیاته السیاسیة، والظروف الّتي كانت محيطة به، لعلّنا بذلك نستطیع أن نتوصّل إلی معطيات تدلّنا علی ما ظلّ خفیًّا أو یكاد حتّی

الآن، وتتعلّق بالأسباب الكامنة وراء هذا الاغتیال، وتسمح بنقد ما نقلته كتب الأخبار وكتب التراجم والأعلام عن هذه القضیة. تميّز العصر العبّاسي الأوّل، خاصّة في فتراته المبكّرة، بمجموعة من الإجراءات الحازمة والعقوبات الصارمة، الّتي استهدفت

عناصر مختلفة من التشكیلة الإداریة للدولة، كان الهدف منها بالدرجة الأساس دعم ركائزها الفتیّة آنئذٍ. وفيما یبدو، فإنّ هذه

الإجراءات، بما في ذلك الاغتیالات والمصادرات والعزل والمطاردات، وإن تقلّصت عمّا كانت علیه أیام الخليفة العبّاسي أبي

العبّاس المعروف بعبد الله السفّاح (132 - 136 ه/ 750 - 754 م) - باعتبارها الفترة الانتقالیة الّتي كانت تستوجب إجراءات أكثر حزمًا كما

سنفصّل في الصفحات القادمة - فإنّها استمرّت في زمن أبي جعفر المنصور (136 - 158 ه/ 754 - 775 م) مع بعض الفتور. لكنّها أخذت

صیغة ممنهجة. وتابع سائر الخلفاء العبّاسیین هذا الأسلوب بوتیرة متفاوتة، لتشمل شرائح كثیرة من الوزراء والكتّاب والولاة والقادة

العسكریّین، فضلً عن المعارضین السیاسيّین. ومن بین هؤلاء يمكن الإشارة مثلً إلى أبي سلمة الخلّل وزیر السفاح، الذي مات مقتولً بسبب الشكّ بمیله إلى العلویّین، وتكفّلِ

أبي مسلم الخراسانيّ بالتخلّص منه2، ووزيري الخلیفة المهديّ أبي عبید الله معاویة بن یسار ویعقوب بن داود الذي سُجن بسبب

اتّهامه أيضًا بالميل إلى العلويّين3، إلى جانب نكبة البرامكة الشاملة في عهد الرشيد ومصادرة أموالهم في أرجاء الدولة العبّاسیة4،

حیث سُجَن الوزیر یحیی بن خالد وابناه الفضل وموسی، وقُتل ابنه جعفر بن یحیی الذي كان ذا اتّصال وثیق بهارون الرشید. وصودرت

1   ينظر: المدخلي محمد ربيع هادي، "المصادرات في العصر العبّاسي الأوّل"، مجلّة أمّ القرى للعلوم الشرعية واللغة العربية وآدابها، مج 17، العدد 34 (1426 ه)،

ص 242 - 270. 2   محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 8، ط 2 (بيروت: دار التراث، 1387 ه)، ص 353. 3 المرجع نفسه، ص 743. 4   عز الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزريّ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ج 6 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص 176.

  1. ينظر: المدخلي محمد ربيع هادي، "المصادرات في العصر العبّاسي الأوّل"، مجلّة أمّ القرى للعلوم الشرعية واللغة العربية وآدابها، مج 17، العدد 34 (1426 ه)، ص 242 - 270.
  2. محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 8، ط 2 (بيروت: دار التراث، 1387 ه)، ص 353.
  3. المرجع نفسه، ص 743.
  4. عز الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزريّ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ج 6 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص 176.

أموال الوزیر الفضل بن مروان، الذي تولّی الوزارة عقب خلافة المعتصم بالله سنة 219 ه/ 834 م لیتسنّم منصبه محمد بن عبد الملك الزیات، الذي ما لبث أن عُزل في عهد المتوكّل علی الله ومورست عليه الأساليب التي مارسها على خصومه. وقد شملت العقوبات كبار الكتّاب والقادة العسكریّین وولاة الأقالیم أیضًا؛ ومن أشهر هؤلاء خالد بن برمك الذي فرض علیه أبو

جعفر المنصور تأدیة ثلاثة ملايین درهم، وهدّده بالقتل إن لم یحضرها خلال ثلاثة أیام5. وكذلك الحال مع أبّان بن صدقة أحد كتّاب

الموریاني في أیّام الخلیفة المنصور، حیث صادر أمواله وسجنه حتّی دفع عنه أبو أیوب كما سنتوسع في ذلك لاحقًا. وصادر الرشید

أموال إبراهیم الحرّاني وسلام الأبرش6، وصادر الخلیفة الواثق بالله أموال كلّ من أحمد بن إسماعیل وسلیمان بن وهب والحسن بن

وهب وأحمد بن الخصیب ونجاح بن سلمة7، وهم جمیعًا من كبار الكتّاب حینذاك. وأمّا فيما یتعلّق بالولاة، فقد كانت سیاسة العبّاسيّین في هذه الفترة حازمة معهم أكثر من غیرهم لأسباب كثیرة. ومن بین هؤلاء

یمكن الإشارة إلى عبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزديّ عامل خراسان الذي اتُّهم بفساد نیّته مع الخلیفة المنصور لینتهي به المطاف

بقطع رجليه ویديه ثمّ ضرب عنقه ونفي أولاده إلی جزیرة دهلك8 سنة 141 ه/ 758 م في الیمن9. ومنهم أيضًا والي المدینة عبید الله

الحارثي الذي صودرت أمواله بعد إخفاقه في التصدّي لثورة محمد وإبراهیم ابني عبید الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب10، ووالي الرشيد علی خراسان علي بن عیسی بن ماهان الذي صودرت ممتلكاته وثروته، وكذلك فعل المأمون مع والیه علی إقلیم الجبال عليّ بن هشام لظلمه أهلَ ولایته وتعسّفه عليهم11. ويبدو أنّ كثيرًا من هذه المصادرات والاغتيالات السياسية لا یكتنف الغموض أسبابها مثل الأسباب الكامنة وراء نكبة أبي أیّوب

الموریاني، الكاتب المخضرم والوزیر المهيب جانبه الذي كانت منزلته من المنصور لا تجاریها أيّ منزلة أخری. لذلك نری أنّ هناك

روایات متضاربة ترد في هذا الأمر تحتاج إلی تمحیص.

أوالً: المورياني: لااسم والكنیة والنسبة

علی الرغم من شبه الإجماع في المصادر التاریخیة وكتب التراجم التي ذكرته باسم أبي أيّوب سلیمان بن مخلد، فإنّ هنالك من

عرفه بسلیمان بن داود12، وفي روایة أخری سلیمان بن محمد13، بینما فضّل بعض هذه المصادر أن يعرّفه بسلیمان بن أبي سلیمان،

5 الطبري، ج 9، ص 553. 6 ابن الأثير، ج 6، ص 15 - 16. 7   أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشیاري، الوزراء والكتّاب، تحقيق مصطفى السقّا [وآخرون]، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص 178.

8  " دَهْلَك: بفتح أوّله وسكون ثانيه وفتح لامه وآخره كاف، هو اسم أعجمي معرّب، ويقال له دهيك أيضًا: وهي جزيرة في بحر اليمن؛ وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة؛

بلدة ضيّقة حرجة حارّة كان بنو أميّة إذا سخطوا على أحد نفوه إليها". ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، ج 2، ط 2 (دار صادر: بيروت، 1995)، ص 492.

9 الطبري، ج 8، ص 418 - 419. 10 الطبري، ج 8، ص 658 - 659؛ أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمد ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا

ومصطفى عبد القادر عطا، ج 9 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 194 - 197. 11 الطبري، ج 8، ص 658 - 659. 12   شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد بن محمد العكري ابن العماد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، أشرف على تحقيقه عبد القادر الأرناؤوط وحقّقه

محمود الأرناؤوط، ج 2 (دمشق: دار ابن كثير، 1986)، ص 247؛ صلاح الدين خليل الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 1، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (بيروت:

دار إحياء التراث، 2000)، ص 231. 13   كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي بن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقيق سهيل زكّار، ج 4 (بيروت: دار الفكر، 1988)، ص 1578.

  1. الطبري، ج 9، ص 553.
  2. ابن الأثير، ج 6، ص 15 - 16.
  3. أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشیاري، الوزراء والكتّاب، تحقيق مصطفى السقّا [وآخرون]، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص 178.
  4. دَهْلَك: بفتح أوّله وسكون ثانيه وفتح لامه وآخره كاف، هو اسم أعجمي معرّب، ويقال له دهيك أيضًا: وهي جزيرة في بحر اليمن؛ وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة؛ بلدة ضيّقة حرجة حارّة كان بنو أميّة إذا سخطوا على أحد نفوه إليها". ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، ج 2، ط 2 (دار صادر: بيروت، 1995)، ص 492.
  5. الطبري، ج 8، ص 418 - 419.
  6. الطبري، ج 8، ص 658 - 659؛ أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمد ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، ج 9 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 194 - 197.
  7. الطبري، ج 8، ص 658 - 659.
  8. شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد بن محمد العكري ابن العماد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، أشرف على تحقيقه عبد القادر الأرناؤوط وحقّقه محمود الأرناؤوط، ج 2 (دمشق: دار ابن كثير، 1986)، ص 247؛ صلاح الدين خليل الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 1، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (بيروت: دار إحياء التراث، 2000)، ص 231.
  9. كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي بن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقيق سهيل زكّار، ج 4 (بيروت: دار الفكر، 1988)، ص 1578.

خصوصًا ياقوت الحمويّ الذي عرّفه باسم "سلیمان بن أبي سلیمان بن أبي مجالد"14. ونعتقد أنّه خلط بشخص آخر اسمه سلیمان

بن مجالد كان معاصرًا لسیلمان بن مخلد، بينما يفصل صاحب الوافي بالوفَياتبينهما، ويعرّف الأخير بأنّه "سليمان بن مجالد بن

أبي مجالد الوزير من أهل الأردنّ، [الذي] كان أخا أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين من الرضاعة، وكان معه بالحميمة من أرض

الشام، فلمّا أفضت إليه الخلافة قرّبه وأدناه وكان معه كالوزير، وقدم معه بغداد حين بناها، وولّه الريّ، وولِيَ له الخزائن إلى حين

وفاته"15، وعرّفه صاحب النجوم الزاهرة16 وغیره ب "سلیمان الكاتب" نسبة إلی عمله الذي كان یزاوله. وغالبًا ما یُسمّى أبو أیّوب،

بالموریاني، نسبة إلى قریة موریان17، إحدی قری كورة سوق الأهواز. وتقع موریان، كما تحدّدها المصادر، ضمن نطاق "مدینة مناذر الكبری شمال كورة سوق الأهواز"، وهي لا تزال قائمة حتّی یومنا هذا وتُعرف بموران، وتقع جنوب مدینة الأهواز علی بعد أقلّ من 10 كيلومترات، وتحتوي علی آثار قدیمة إسلامیة تشیر إلی عراقتها. ويُفهم ممّا نقله ابن خلّكان18 بأنّ المورياني كان خوزيًّا، بينما صمتت معظم المصادر عن هذا الجانب. ویبین لنا من خلال

المقارنة والتمحیص في ما توفّر لنا من مصادر أنّ عدم التصریح بأصل أبي أیّوب سببه أنّ جلَّ المؤرّخین والمترجمین له توصّلوا إلى

ذلك عن طريق ما یُنسب إلى الخلیفة المنصور من أنّه نعت الموریاني بالخوزيّ عندما أراد نكبته. ومع هذا، یصرّح الصفدي بأنّه لم یكن

خوزیًّا، من غير أن يسند قوله بمصدر أو يشير إلى دليل يثبت غير هذا19.

ثانيًا: نشأة الموریاني وثقافته

لم تورد المصادر الّتي بین أیدینا محلّ ولادة الموریاني بالتحدید، ولا سنة ولادته، إلّ أنّنا من خلال سياق الأحداث والنسبة الّتي حملها طوال حیاته، يمكن أن نفترض أنّه ولد في قریة موریان خلال العقد الأوّل من القرن الثاني الهجري، ونشأ نشأة فقیرة هناك،

حیث اعتبرت بعض المصادر أنّه كان مولی لبني سلیم20، وأنّ أباه كان مولى لعمر بن عبد العزيز، وقيل لغيره21. انتقل الموریاني، وهو یافع، إلی مدینة سوق الأهواز الّتي كانت في أواخر العصر الأموي قد استقرّت نسبيًّا بعد عقود من الثورات،

وبدأت تزدهر بها الأسواق والتجار، ويقصدها العلماء والأدباء والشعراء والنحاة22. ولعلّه تتلمذ علی أیدي بعض العلماء هناك، لكن لیس لدینا ما یكفي من تفصیلات بهذا الصدد. ومهما یكن من أمر، فقد تدرّج، بعدما أخذ حظّه من علوم عصره وفنونه، في السلك

الإداري للدولة الأمویة في العراق والأهواز. وممّا مهّد لتسنّمه المراتب الجلیلة بسرعة تحلّیه بمجموعة من الصفات الّتي كانت مهمّة

لمن أراد الدخول في سلك الكتابة بالدیوان؛ منها، حسب ابن طباطبا، أنّه كان: "لبیبًا، بصیرًا بالأمور، عاقلً، فطنًا، ذكیًّا، فاضلً،

14 الحموي، ج 5، ص 221. 15 الصفدي، ج 15، ص 257. 16   أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، نسخة مصوّرة عن طبعة دار الكتب مع استدراكات وفهارس، ج 2

(القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1963 م- 1383 ه)، ص 20.

17   ابن خلّكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عبّاس، ج 2 (بيروت: دار صادر، 1994)، ص 410.

18 المرجع نفسه. 19 الصفدي، ج 15، ص 231. 20   أحمد بن يحيى بن جابر البلَذُري، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار ورياض الزركلي، ج 4 (بيروت: دار الفكر، 1996)، ص 242.

21 الصفدي، ج 15، ص 231. 22   ينظر: نادر محمد إسماعيل، الأهواز تاريخها السياسي والحضاري في العصور الإسلامية الأولى (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، 2014.)

  1. الحموي، ج 5، ص 221.
  2. الصفدي، ج 15، ص 257.
  3. أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، نسخة مصوّرة عن طبعة دار الكتب مع استدراكات وفهارس، ج 2 (القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1963 م- 1383 ه)، ص 20.
  4. ابن خلّكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عبّاس، ج 2 (بيروت: دار صادر، 1994)، ص 410.
  5. المرجع نفسه.
  6. الصفدي، ج 15، ص 231.
  7. أحمد بن يحيى بن جابر البلَذُري، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار ورياض الزركلي، ج 4 (بيروت: دار الفكر، 1996)، ص 242.
  8. الصفدي، ج 15، ص 231.
  9. ينظر: نادر محمد إسماعيل، الأهواز تاريخها السياسي والحضاري في العصور الإسلامية الأولى (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، 2014.)

كریمًا، عزیز المروءة"23. وقد تحدّث الجهشیاري عن إلمام الموریاني الواسع بجلّ فنون عصره؛ إذ أخذ "من كلّ شيء طرفًا، وكان

یقول: لیس من شيء إلّ وقد نظرت فیه إلّ الفقه، فلم أنظر فیه قطّ، وقد نظرت في الكیمیاء والطبّ والنجوم والحساب والسحر"24،

وقد نسبت إلى الموریاني أبیات شعریة سنذكرها في مكانها تدلّ علی قرضه الشعر أیضًا.

ثالثًا: قیام الدولة العبّاسیة واتّصال المورياني بالمنصور

زاول أبو أیّوب عمل الكتابة وهو یافع على ما يبدو، وارتبط بالإدارة الأمویة في مدینة سوق الأهواز، ثم تدرّج في المناصب

ومجالس ولاة العراق، ومنهم يوسف بن عمر الذي جاء لولایة العراق سنة 121 ه/ 738 م أیام خلافة هشام بن عبد الملك الأموي. واستمرّ أبو أیوب علی هذا الحال حتّی قدوم يزيد بن عمر بن هبيرة والیًا على العراق حوالى سنة 127 ه/ 745 م أیام الخلیفة مروان بن

محمد. ویبدو أنّه عقد علاقة وطیدة مع الوالي الجدید، فعندما استعمل هذا الوالي الفضل بن زهير الضبّي على مناذر، وجد أبو أیّوب

الفرصة مواتیة لیعید علاقته بموطنه، فقال للفضل بن زهیر: "أنا خليفتك بباب ابن هبيرة في حوائجك فلا تهتمّ بها واستوصِ بخالد

أخي خيرًا واحفظه وارفقه، فوَلِيَها سنة ثمّ وجّه ابن هبيرة رجلً من أهل الشام إلى مناذر عاملً عليها، فزوّر أبو أيوب إليه كتابًا في ترك

مناظرة الفضل بن زهير فيما جرى على يده والتخلية بينه وبين الانصراف، فاطّلع ابن هبيرة على ذلك من فعل أبي أيّوب فأمر بطلبه

فهرب إلى سوق الأهواز، فاستخفى بها حتّى قدم المسودّة، العراق"25. وهذا یعني أنّه أمضی فترة طویلة بعد سنة 127 ه/ 745 م مختفيًا في مدینة سوق الأهواز. وفي أثناء هذه الفترة كان سلیمان

بن حبیب بن المهلّب الأزديّ والیًا علیها لدى مروان بن محمد26، فارتبط به وتقلّد له منصب الكتابة. وفي الفترة عینها، غلب

معاویة بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب علی أصبهان وبعض فارس وبعض الأهواز، ومهّد هذا الأمر للهاشمیّین من ولد عليّ وولد

العبّاس وغیرهما تقلّد بعض المناصب خارج الإدارة الأمویة. ومن هؤلاء الذین تقلّدوا الأعمال أبو جعفر المنصور، حیث تورد المصادر

أنّه تقلّد كورة أیذج27 شمال الأهواز في حدّ فارس، وسكن هناك ردحًا من الدهر، حيث تنسب ولادة ثالث الخلفاء العبّاسیّين، وهو

المهدي سنة 127 ه/ 745 م إلی هذه الناحیة، وهناك من زعم أنّ أبا جعفر المنصور كان یتقلّد هذا المنصب من قبل سلیمان بن حبیب، وهي روایة ضعیفة28. ومهما یكن من أمر، فإنّ أبا جعفر كان شدید الطموح للسلطة، لذلك لم یحمل من الأموال الّتي جناها من جبایة أعماله لابن معاویة شیئًا، بل حمله بسفاتُج29 علی یدي عبد الرحمن بن عمر إلی البصرة، ثمّ صار أبو جعفر خلفها إلی الأهواز قاصدًا تلك

المدینة. وكان سلیمان بن حبیب قد وضع الأرصاد والعیون علی كلّ من یمرّ من عمّال ابن معاویة، فمرّ برصده أبو جعفر، وقُبض

علیه وأُتي به إلى سلیمان بن حبیب، وقال له لمّا دخل علیه: "هات المال الذي اختنته. قال: لا مال عندي، ودعا له بالسیاط، فقال

أبو أیّوب: أیّها الأمیر، توقّف عن ضربه، فإنّ الخلافة إن بقیت في بني أمیة، فلن یسوّغ لك ضرب رجل من بني عبد مناف، وإن

23   محمد بن علي بن طباطبا ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، تحقيق عبد القادر محمد مايو (بيروت: دار القلم العربي، 1997)، ص 172. 24 الجهشیاري، ص 97. 25   البلَذُري، ج 4، ص 242.

26   أبو محمد عفيف الدين عبد الله اليافعي، مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، وضع حواشيه خليل المنصور (بيروت، دار الكتب

العلمية، 1997)، ص 253. 27 الجهشیاري، ص 98. 28 الصفدي، ج 15، ص 231. 29   السفاتج: جمع سفتجة، وهي كلمة معرّبة عن سفته بالفارسية، وهي أن يدفع إلى تاجر م لً قرضًا ليدفعه إلى صديقه في بلده.

  1. محمد بن علي بن طباطبا ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، تحقيق عبد القادر محمد مايو (بيروت: دار القلم العربي، 1997)، ص 172.
  2. الجهشیاري، ص 97.
  3. البلَذُري، ج 4، ص 242.
  4. أبو محمد عفيف الدين عبد الله اليافعي، مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، وضع حواشيه خليل المنصور (بيروت، دار الكتب العلمية، 1997)، ص 253.
  5. الجهشیاري، ص 98.
  6. الصفدي، ج 15، ص 231.
  7. السفاتج: جمع سفتجة، وهي كلمة معرّبة عن سفته بالفارسية، وهي أن يدفع إلى تاجر م لً قرضًا ليدفعه إلى صديقه في بلده.

صار الملك إلی بني هاشم لم تكن لك بلاد الإسلام بلادًا"!30، وهذا ما یشیر إلی الأفق الواسع وبُعد النظر الذي كان لأبي أیّوب

في التحلیل السیاسي وتوقّعه الصائب في زوال أمر بني أمیّة في تلك الفترة المضطربة. لكن لم یقبل ابن حبیب هذا الكلام من

أبي أیّوب، "وضرب أبا جعفر اثنین وأربعین سوطًا، فلمّا اتّصل ضربه إیّاه قام إلیه أبو أیّوب، فألقی نفسه علیه، ولم یزل یسأله حتّی

أمسك عن ضربه، وأمر بحبسه"31، ولم یكتفِ أبو أیّوب بهذا، بل تجمّع مع ثلّة ممّن كانوا یرون رأیه فكسروا محبسه وأطلقوه،

وهذا ما جعل أبا جعفر یشعر دائمًا بأنّ لأبي أیّوب دينًا في عنقه. وتورد المصادر أيضًا أنّ أبا جعفر ذهب بعد هذه الحادثة إلى البصرة، بینما بقي أبو أیّوب في الأهواز حتّی انتهاء دولة بني أمیّة

وظهور بني العبّاس32. وممّا تنقله بعض المتون بتفصیل أكثر، بينما تغفل عنه بقيّتها علاقة سلیمان بن حبیب بعبد الله بن معاویة،

فهي تری أنّ ابن هبیرة عزل سلیمان هذا واستعمل نباتة بن حنظلة الكلابيّ علی الأهواز، ما حدا بسلیمان أن يُسرّح داود بن حاتم

لیقیم في كرج دینار ویمنع نباتة من الأهواز فيقتله؛ فقُتل، وبعث بالبیعة إلی عبد الله بن معاویة فأرجعه إلی عمل الأهواز بعد أن هرب منها نحو سابور33، وهذا یفسّر السبب الذي دعا الموریاني أن یختار مدینة الأهواز لیهرب إليها من ابن هبیرة، ويجعلنا نميل إلى القول

إنّ سلیمان بن حبیب قبض علی أبي جعفر بأمر من ابن معاویة، ولیس عدوانًا منه عليه. وعندما ولِيَ السفّاح الخلافة، "أتى أبو أيّوب واسطًا والحسن بن قحطبة محاصرٌ لابن هبيرة، والمنصور بعد في خراسان حين

وجّهه أبو العبّاس إليها أوّل ما استخلف لتهنئة أبي مسلم وأخذ البيعة عليه"34. ولعلّ هذا في سنة 132 ه/ 749 م، حیث إنّ المصادر

تربط حصار ابن هبیرة بتلك السنة، "فلمّا قدم المنصور ووجّهه أبو العبّاس إلى واسط أتى أبو أيّوب إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي،

وكان كريمًا، على المنصور، فسأله أن يضمّه إلى أبي جعفر ليجعله كاتبه، فكلّمه فيه وأعلمه نفاذه"35. ویبین لنا أنّ عدّة أمور أسهمت

في قبول المنصور تقلُّدَ أبي أیّوب الكتابة في دیوانه؛ أوّلها مؤهلّاته الشخصیة وثقافته التي تبيّن لنا ذلك. ويبدو أنّه كان يقوم بديوان

يوسف بن عمر، وهذا ما یعني الخبرة الّتي كان بنو العبّاس في تلك الفترة أحوج ما یكونون إلی نقلها إليهم. وأخیرًا، فإنّ الموقف الذي

بدر من أبي أیّوب مع سلیمان بن حبیب، دفاعًا عن أبي جعفر، والذي مرَّ بنا، توّج كلّ تلك العوامل وفتح الباب علی مصراعیه لإقبال

الطالع علی أبي أیّوب؛ لذلك "أعجب به [أبو جعفر] فاستكتبه فغلب على الأمر في خلافته"36.

رابعًا: خلافة المنصور ووزارة المورياني

لم تكن الوزارة من مستحدثات الدولة الإسلامية، فقد عرفتها الدول القدیمة قبل هذا التاریخ في بلاد فارس والیونان ومصر والصین. وكانت الوزارة تأتي بعد الخلافة من حیث الأهمّیة السیاسیة والإداریة؛ إذ أسهمت بدور فاعل في توجیه نظم الدولة

العربیة - الإسلامیة ورسم سیاستها العامّة. ویبدو أنّ الخلیفة العبّاسي حین أقرّ نظام الوزارة، راعی تطوّر الدولة واتّجاهها نحو التمركز

وتوزیع السلطات. وابتدأ العبّاسیون یطبقون نظام الوزارة بأبسط صوره، فأقرّ الخلیفة الأوّل شرعیّة وزارة أبي سلمة الخلّل، إلّ أنّ

30 الجهشیاري، ص 98. 31 المرجع نفسه. 32 المرجع نفسه. 33 الطبري، ج 9، ص 50؛ ابن الأثير، ج 6، ص 463. 34   أبو عبد الله محمد بن أحمد البشاري المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط 3 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991)، ص 242. 35   البلَذُري، ج 4، ص 242.

36 المرجع نفسه، ص 232.

  1. الجهشیاري، ص 98.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. الطبري، ج 9، ص 50؛ ابن الأثير، ج 6، ص 463.
  5. أبو عبد الله محمد بن أحمد البشاري المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط 3 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991)، ص 242.
  6. البلَذُري، ج 4، ص 242.
  7. المرجع نفسه، ص 232.

الأخير لم یكن یتمتّع بسلطات كاملة37. لذلك كان مصیره القتل مع أوّل هِنة، وذلك عندما أطلق سراح أحد العلویّین من دون إذن

الخلیفة. وفي عهد أبي جعفر المنصور، وهو باني الدولة ومؤسّسها الفعليّ، الذي نزع إلی المركزیة نزوعًا واضحًا، فجعل نفسه في مركز

السلطة وراقب سیر الأمور عن كثب، لم يتّخذ وزيرًا في بدایة الأمر، بل اقتصر علی طائفة من الكتّاب. ولعلّ قوّة شخصیة المنصور

وكفاءته الإداریة والعسكریّة جعلتا مكانة الوزارة أصغر بكثیر من حجمها الطبیعي38. تختلف المصادر المتوفّرة في تحديد بدایة وزارة أبي أیوب، فمنها ما جعلها بعد وزارة ابن عطیة الباهلي39، بینما رأى الجهشیاري بروایة ضعیفة أنّه تقلّدها بعد عبد الملك بن حمید40، والروایة الثالثة تفید بأنّه تسنّم هذا المنصب بعد أن أزاح خالد بن برمك بمكیدة

سنقف عندها لاحقًا. وإذا كان هناك اختلاف علی إطلاق سمة الوزیر بالنسبة إلى مكانة الشخصیات الثلاث المذكورة، فهناك إجماع في المقابل من جلّ المصادر على تسمیة المورياني بالوزیر، وهذا ما یعني الإقرار العمليّ بهذا المفهوم والمنصب. لذا فإنّنا لن نجانب

الصواب إن اعتبرنا أبا أیوب أوّل وزیر بصلاحیات الوزارة في الدولة العباسیة وفي الحضارة الإسلامیة. وبغض النظر عن صعوبة التحديد الدقیق لدائرة الصلاحیات الّتي تمتّع بها أبو أیوب باعتباره وزیرًا، فإنّنا، اعتمادًا علی ما توفّر لنا

من مصادر، نستشفّ أنّ المنصور- علی خلاف السفّاح الذي لم یتِح لأبي سلمة الخلّل التمتّع بكامل الصلاحیات في إدارة دواوین

الدولة - وسّع من صلاحیات الوزیر المذكور بشكل كبیر، حیث جعله علی الدواوین والوزارة معًا41. ویدلّ مفهوم الديوان، كما يذكر

القلقشندي42، على اسم الموضع الذي يجلس فيه الكُتّاب، وقد أصبح، بوصفه مصطلحًا، يشير إلى المكان الذي يجري فيه النظر

في شؤون الدولة. وعلی الرغم من تقلّد أبي أیوب دیوان الإنشاء أیضًا43؛ أي إنّه "كان ينفّذ أموره بقلمه، ويتولّى أحواله بنفسه  "44، فإنّ هنالك ما یشیر إلى أنّه كان "يُفرد تارة عنه بكاتب ينظر في أمره، ويكون الوزير هو الذي ينفّذ أموره بكلامه، ويصرفها بتوقيعه على القصص

ونحوها، وصاحب ديوان الإنشاء يعتمد على ما يرِد عليه من ديوان الوزارة، ويمشي على ما يلقى إليه من توقيعه"45. ومن أشهر هؤلاء الكتّاب الذین كانوا ینوبون عن أبي أیوب في أعماله أبّان بن صدقة ومحمد بن الولید. وممّا كان للوزیر حينئذٍ إنفاذ كثیر من الأمور من دون إذن الخلیفة، ولعلّ حكایة عبد الملك (وقيل عبد الله)، ابن الخلیفة الأمويّ

مروان بن محمد، مع أبي أیوب تشیر إلی هذا بشكل جليّ؛ فقد "طلب أبو جعفر الربيع يومًا فلم يجده، فلمّا دخل عليه سأله عن خبره

فقال: كنت عند سليمان الكاتب - يعني أبا أيّوب المورياني - فقال: من رأيت عنده؟ قال: عبد الملك بن مروان بن محمّد، وقد كلّمه في

حاجة فقضاها، فقام عبد الملك فقبّل رأس سليمان"46. وهذا يفید بأنّ أبا أیوب قد يبتّ في أمور بهذه الخطورة دونما إذن من الخلیفة.

37 المرجع نفسه، ص 242. 38 المرجع نفسه، ص 140. 39   عليّ بن الحسين المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، اعتنى به الدكتور يوسف البقاعي، ج 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص 348.

40 الجهشیاري، ص 98. 41 المرجع نفسه. 42   أبو العبّاس أحمد القلقشندي، صبح الأعشى في كتابة الإنشاء، شرحه وعلّق عليه وقابل نصوصه محمّد حسين شمس الدين، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية،

1987)، ص 123. 43   أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشيّ ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، ج 10 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988)، ص 117.

44 القلقشندي، ج 1، ص 138. 45 المرجع نفسه. 46   أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشّار عواد معروف، ج 9 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2002)، ص 319.

  1. المرجع نفسه، ص 242.
  2. المرجع نفسه، ص 140.
  3. عليّ بن الحسين المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، اعتنى به الدكتور يوسف البقاعي، ج 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص 348.
  4. الجهشیاري، ص 98.
  5. المرجع نفسه.
  6. أبو العبّاس أحمد القلقشندي، صبح الأعشى في كتابة الإنشاء، شرحه وعلّق عليه وقابل نصوصه محمّد حسين شمس الدين، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، ص 123.
  7. أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشيّ ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، ج 10 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988)، ص 117.
  8. القلقشندي، ج 1، ص 138.
  9. المرجع نفسه.
  10. أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشّار عواد معروف، ج 9 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2002)، ص 319.

وقد كانت سلطة أبي أیوب سائدة علی أطراف بلاد الإسلام، فمجرّد إعارة اسمه علی ضیعة رجل من أهل الأهواز درّ علیه في سنة واحدة مئة ألف درهم؛ إذ كانت سطوته وعظمة سلطانه تمنع الجباة من التعسّف مع المزارعین، بل تتیح لهم في بعض الأحیان التهرّب من دفع الضرائب كاملة47. ومع ذلك، فهنالك ما یشیر أیضًا إلی احتقار دور الوزیر وعدم التعامل معه باعتباره القائم بأمر الخلیفة كما هي الحال في مراحل متقدّمة مثل فترة هارون الرشید ووزرائه من البرامكة؛ إذ تفید المصادر المتوفّرة بما یدلّ علی هذا المعنی، فعندما "ولّى المنصور زيادًا المدينة؛ وكان الأمراء هم الذين يولّون القضاة، وكان محمد بن عمران من أهل المروءة والعفاف والصلابة في القضاء، لا يطمع في حكمه، قدم أبو أيوب المورياني حاجًّا المدينة؛ فاستعدى عليه أقرباؤه محمد بن عمران، فأرسل إليه يأمره أن يوكِّل معهم أو يحضر، فلقيه عند زياد، فقال له: أرسلتُ إليك فلم توكِّل ولم تحضر! فردّ عليه أبو أيوب كلامًا غليظًا، فمدّ محمد بن عمران يده إليه ليبطش به؛ وكان محمد أيّدًا جسيمًا، فحال دونه الأمير والشُرَط. وانصرف محمد إلى منزله، فقيل له: 'إنّك إن خرجت عرض لك موالي أبي أيوب وأعوانه'؛ فتقلّد السيف ثمّ خرج حتّى أتى إلى المسجد فهابوه، فلم يقدم عليه أحد"48. وقد يكون من الضروري أن نقف على محطة مهمّة من حياة المورياني، وتتمثّل في إسهامه في بناء مدينة بغداد، حيث يعدّ بناء هذه المدينة على يد المنصور من أهمّ محطّات العصر العبّاسي، ذلك أنّ هذه المدينة لم تكن مثل سواها من المدن الّتي مصّرها العرب بعد الإسلام، لا من حيث الجهد التخطيطيّ والهندسيّ وحسب، بل من جانب الدور البارز الذي أدته، باعتبارها الموصلة بين شرق دار الإسلام وغربها، وهي بذلك مركز قرارها السياسيّ وإشعاعها الحضاري والثقافيّ. وكان الباعث الأساس في بناء هذه المدينة يتعلّق بطبيعة عاصمتهم الأولى؛ أي مدينة الكوفة المتنوّعة عرقيًّا والمختلفة سياسيًّا؛ ما يعني أنّها لم تكن تتناسب وطبيعة المرحلة القادمة للدولة العبّاسية الّتي حسم فيها المنصور قراره بالتخلص من الخصوم والمنافسين، ولا سيّما الشيعة وأتباع أبي مسلم الخراساني من الراونديّين الذي قاموا بثورة عارمة ضدّه كادت تودي بحياته49. ويرد أبو أيّوب ضمن أبرز الشخصيّات الّتي أسهمت في بناء بغداد. وكان المنصور قد أقطعه ربضًا عُرف باسمه وهو بجنب ربض الترجمان وربض حرب50. كما تورد المصادر خبرًا يفيد أنّ أبا أيوب بنى لنفسه في الجانب الشرقي من بغداد قصرًا كبيرًا كان من عجائب الأبنية وأفخمها، ولا ندري بالتحديد ما إذا كان هذا القصر محلّ مزاولة أعماله أيضًا أم لا. وقد تعرّض هذا القصر للتدمير بعد نكبة أبي أيّوب على يد المنصور حيث أبقى عليه خاويًا خرابًا عدّة سنين لقذف الرعب في قلوب القوّاد والإداريّين. يقول واعظ أهل البصرة صالح المري عندما "غضب المنصور على المورياني، وخرّب داره، دخلت إليها يومًا أطوف فيها، وأعتبر، فإذا أسْودُ قد خرج عليَّ من بعض الحجر، فقال لي: 'هذا سخط المخلوق، فكيف بسخط الخالق على المخلوق؟"'51.

47 الجهشیاري، ص 188. 48   أبُو بَكْر مُحمَّد بْن خلَف وكيع، أخبار القضاة، صحّحه وعلّق عليه وخرّج أحاديثه عبد العزيز مصطفى المراغي (بيروت: المكتبة التجارية الكبرى، 1947)، ص 184.

49 الجهشیاري، ص 100. 50 ابن الطقطقي، ص 154. 51   أبو المظفّر مؤيّد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلّد بن نصر بن منقذ، المنازل والديار (دمشق: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1965)، ص 64.

  1. الجهشیاري، ص 188.
  2. أبُو بَكْر مُحمَّد بْن خلَف وكيع، أخبار القضاة، صحّحه وعلّق عليه وخرّج أحاديثه عبد العزيز مصطفى المراغي (بيروت: المكتبة التجارية الكبرى، 1947)، ص 184.
  3. الجهشیاري، ص 100.
  4. ابن الطقطقي، ص 154.
  5. أبو المظفّر مؤيّد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلّد بن نصر بن منقذ، المنازل والديار (دمشق: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1965)، ص 64.

خامسًا: السعایة والوشایة في دواليب الحكم العباسي

لفهم الظروف السیاسيّة والاجتماعیة الّتي أحاطت بأبي أیّوب، يجدر التوقّف عند ظاهرة السعایة واختلاق شتّی المكائد والحیل

بین رجال الدولة ومحاولات بعضهم إزاحة آخرين. ولهذه القضیّة مجموعة من الأسباب لا تتّسع الدراسة للوقوف علی جمیع أبعادها.

كان هذا العصر عصرًا تأسیسيًّا في الكثیر من أبعاده، وكان الحذر والریبة سِمَتين تطغیان على الخلفاء من جهة ورجال الدولة الذين

يبحثون عن مواطئ أقدام قرب الخليفة وجاهه من جهة أخرى. ومن أجل ذلك، استعمل هؤلاء جمیع السبل، ومنها السعایة والوشایة والتصفیات السیاسیة في سبیل ضمان مناصبهم، وإقصاء أيّ خیار بدیل قد يزاحمهم على كراسیّهم. وقد مارس أبو أیوب بالفعل هذا

الأسلوب ضدّ كثیر من خصومه، أو ضدّ من كان یشعر بخطره علیه52. وفي الوقت نفسه، تعرّض من جانب بعض حاشیته من الكتّاب

والإداریّین، لهجمة شرسة هدفت إلى النیل منه ومنازعته في منصبه. توضّح السیرة العملیّة للموریاني أنّه كان سیاسیًّا محنّكًا، فَطِنًا یتمتّع بدهاء فاق أقرانه، إلّ أنّه ما كان یتورّع، في سبیل تحقيق

مصالحه وضمان منصبه، عن انتهاج أيّ حیلة أو مكیدة تضمن له النتائج المرجوّة. ومع أنّ مجموعة من الخیارات الجاهزة كانت

أمام الموریاني في افتعال المكائد والحیل ضدّ خصومه، مثل التشكیك بولائهم السیاسي واتّهامهم بالمیل إلى العلویّین أو الأمویّین،

مثلً ولیس حصرًا، فإنّ جلَّ ما وصلنا من الروایات في هذا المجال يكاد يقتصر علی الاتّهام بالفساد الإداري؛ إذ إنّ الولاة والكتّاب

بحكم اتّصالهم بجمهور الناس وما یترتّب علی هؤلاء من أنواع الجبایة والخراج والجزیة وعشور التجارة وغیرها من موارد الدولة، كانوا

یجدون طرقًا متعدّدة للإثراء؛ لذلك كانت تقع علی بعضهم المصادرات نتیجة الثراء الفاحش الذي وصلوا إلیه عن طریق وظائفهم،

وكان ذلك سبيل المورياني لإزاحة من يهدف إلى إسقاطه منهم. وأوّل من عَمِل الموریاني على التخلّص منه بهذه التهمة خالد بن برمك، جدّ البرامكة وزراء هارون الرشید فيما بعد، وذلك حسبما

یروي البلاذري من أنّ المنصور أقرَّ خالدًا علی ما كان علیه أیّام السفّاح في دیوان الخراج، ومكث بذلك عدّة سنین قبل أن یُلحق

المنصور دیوان الخراج بمهمّات الموریاني ویعفي خالدًا منها، ولكن مع ذلك، كان الموریاني یعتبر خالدًا خطرًا داهمًا علیه، خاصّة

بسبب ما كان يتمتّع به من مؤهلّات ثقافية وسياسية كبيرة؛ إذ "لم يبلغ خالدَ بن برمك أحدٌ من ولده في جوده وآرائه وبأسه وعلمه

وجميع حاله، لا يحيى في علمه ووفور عقله، ولا الفضل بن يحيى في جوده ونزاهته، ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحة لسانه، ولا محمد بن يحيى في شرفه وبُعد همّته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه"53. وقد أحبّ أبو أیوب أن یخلو بأبي جعفر وحده

ولا ینافسه بسلطانه أحد، حسب روایة نتردّد كثیرًا قبل البتّ بصحتها؛ إذ تفید أنّ أبا أیوب تسنّت له هذه الفرصة بعد أن أبعد خالد إلی

فارس حين انتفض الأكراد هناك وغلبوا علیها، "فأعظم أبو جعفر ذلك وأمر أبا أيوب بارتياد رجل يصلح لها، فقال: قد أصبته يا أمير المؤمنين، قال: ومن هو؟ قال: خالد بن برمك، قال: صدقت هو لها. فعقد له على فارس فشخَص إليها فافتتحها"54. وقد تمكّن خالد

بحسن سیاسته إصلاح الأمور هناك، بالترهیب تارة والترغیب تارة أخری، وجلا الأكراد عنها، فصلحت فارس علی یدیه، وشاع ذكره بالسماحة، وهذا ما عزّز مكانته عند المنصور؛ لذلك قرّر أبو أیّوب أن یعكّر صفو ما وصل إلیه خالد، فسعی عند المنصور بأمره، واتّهمه

باقتطاع ثلاثة ملایین درهم من الخراج، وصل بها وجوه أهل فارس وأعیانها لترغیبهم في نفسه، فغضب المنصور، وفرض علیه تأدیة هذا المبلغ، وهدّده بالقتل55.

52 ينظر: المدخلي. 53 المسعودي، ج 3، ص 184. 54 ابن العديم، ج 7، ص 3032. 55 المرجع نفسه.

  1. ينظر: المدخلي.
  2. المسعودي، ج 3، ص 184.
  3. ابن العديم، ج 7، ص 3032.
  4. المرجع نفسه.

إنّ ما یجعلنا نمیل إلی عدم البتّ بصحة هذه الروایة جملة من القضایا؛ منها أوّلً أنّ أشهر المصادر التاریخیة، ولا سیّما تاریخ

الطبريوالكامل في التاریخ، تورد هذا الخبر بصورة مختلفة؛ إذ تقول إنّ انتفاضة الأكراد حدثت في الموصل ولیس في فارس، وذلك ضمن أحداث سنة 158 ه/ 774 م، ونحن نعلم أنّ نكبة أبي أیوب الّتي أدّت إلى وفاته قد حدثت سنة 154 - 153 ه/ 775 - 774 م. ومنها أنّ

هذه الكتب تصرّح بأنّ من اقترح تولیة خالد علی الموصل هو المسیّب بن زهیر ولیس أبا أیّوب. ومنها أيضًا أنّ المصادر نفسها تذكر

أنّ الغرامة الّتي فُرضت علی خالد بن برمك كانت قبیل تولّیه الموصل؛ أي بعد أربع سنین من وفاة المورياني. ومع أنّنا نرجّح عدم صحّة الروایة السابقة، فإنّنا لا نخلي ساحة المورياني من المنافسة غیر السلیمة سواء أکان ذلك مع خالد بن

برمك أم مع غیره؛ إذ یرد عنه أنّه دسّ "بعض الجهابذة ودفع إليه م لً، وأمره أن يعترف بأنّه لخالد، ودسّ إلى أبي جعفر من سعى

بالمال، وأحضر الجهبذ وسأله عن المال فاعترف به، وأحضر خالدًا فسأله عن ذلك، فحلف بالله أنّه لم يجمع م لً قطّ، ولا ذخر ذخيرة،

ولا يعرف هذا الجهبذ، ودعا إلى كشف الحال، فتركه أبو جعفر بحضرته، وأحضر الجهبذ فقال له: أتعرف خالدًا إن رأيته؟ قال: نعم

يا أمير المؤمنين أعرفه إذا رأيته، فالتفت إلى خالد فقال: قد أظهر الله براءتك، وهذا مال أصبناه بسببك. ثمّ قال للجهبذ: هذا خالد،

فكيف لم تعرفه؟ فقال: الأمان يا أمير المؤمنين، وأخبره الخبر، فكان بعد ذلك لا يقبل شيئًا في خالد56. وهذه الروایة ترد في غير

مصدر موثوق؛ ما یرجّح احتمال صدقیّتها، خاصّة إذا ما زامنّا هذه الحادثة مع حوادث أخرى تعزّز هذا الاعتقاد، ومنها أنّ أبا أیّوب سعی

بأمر طریف مولى أبي جعفر المنصور الذي كان یتقلّد برید مصر والشام والجزیرة، واقترح تولیة هذا المنصب مولی آخر للمنصور اسمه مطر، كان قریبًا من أبي أیوب، ما جعل عقاب المنصور یطوله وتجري محاسبته ومصادرة ثروته57. ولم تطل سعایة أبي أیوب الإداریّین ورجال الدولة وحسب، بل تعدّتهم أيضًا إلى الشعراء المقرّبین من المنصور؛ ومنهم أبو دلامة

الشاعر المشهور الذي كان المنصور یستطیب كثیرًا مجالسته ومنادمته، حتّی اختصّ به، لكنّ أبا أیوب سعی بأمره عند المنصور، فعاقبه58. ومع أنّنا نستشهد بهذه الروایات ولا نبرّئ ساحة المورياني من السعایة والوشایة، فإنّنا في الوقت نفسه ندعو إلی التعامل الحذر

مع كثیر من الروایات في هذا المجال؛ إذ ثمة روایات مدلّسة حاول بعضهم تلبیسها لأبي أیوب، منها، مثلً، قتل ابن المقفّع59. وهي روایة ضعیفة بإجماع المصادر والدراسات الحدیثة. وكذلك الحال مع الروایة الّتي حاولت اتّهام أبي أیوب بقتل أبي مسلم الخراساني.

سادسًا: نكبة الوزير الموریاني

اختلفت المصادر في تعريفها السببَ الحقيقيّ لنكبة المورياني ومصادرة أمواله وأموال بعض من أقاربه، ثمّ قتلهم جميعًا والبطش

بهم. ونحاول هنا البحث في ذلك، بغية الوصول إلى السبب أو مجموعة الأسباب الّتي أدّت إلى هذه النكبة. أوردت المصادر الّتي ترجمت للمورياني ستَّ روايات مختلفة لهذه النكبة، وهي:. 1 رواية قتل ابن المنصور من زوجته الأهوازية.. 2 رواية قتل ابن المنصور من زوجته الموصلية. رواية ضيعة في الأهواز لابن المنصور المعروف بصالح المسكين.

56 البغدادي، ج 8، ص 257. 57 الجهشیاري، ص 119. 58 المرجع نفسه، ص 115. 59 ابن خلّكان، ج 2، ص 153.

  1. البغدادي، ج 8، ص 257.
  2. الجهشیاري، ص 119.
  3. المرجع نفسه، ص 115.
  4. ابن خلّكان، ج 2، ص 153.

رواية التأخّر في دفع مبلغ من المال لصالح المسكين. 5. رواية سعاية أبّان بن صدقة كاتب أبي أيوب. 6. رواية سعاية حمزة بن زنيم عامل سوق الأهواز. سنبدأ بالروايتين الأوليين؛ إذ يشار فيهما إلى أنّ المنصور عندما كان مستترًا في الأهواز، نزل على أحد الدهاقين وتخفّى عنده،

فأكرمه الدهقان وزوّجه ابنته، وعندما أراد أبو جعفر الخروج إلى البصرة، دفع إلى الجارية قميصه وخاتمه، وأوصاها أن تحتفظ بولدها

إن ولدت. وفارقهم فولدت ابنًا ونشأ الغلام فأخبرته بأنّ أباه هو "القائم بالملك". "قال: هذا أبي وأنا على هذه الحال؟ هل من شيء

يعرّفني به؟ فأخرجت القميص والخاتم"، فذهب إلى مجلس الخليفة "وشخَص الفتى فصار إلى الربيع فقال له: نصيحة! قال: هاتها!

قال: لا أقولها إلّ لأمير المؤمنين، فأعلم المنصور الخبر، فأدخله إليه، فقال: هات نصيحتك. قال: أخْلِني، فنحّى من كان عنده [...]،

وقال: هات. قال: أنا ابنك. قال: وما علامة ذلك؟ فأخرج القميص والخاتم، فعرفهما المنصور. قال: وما منعك أن تقول هذا ظاهرًا؟

قال: خفتُ أن تجحد فيكون سبّةً آخر الدهر. فضمّه إليه وقبّله، وقال: أنت الآن ابني حقًّا. ودعا المورياني فقال: يكون هذا عندك، ما

تفعله بولد لو كان لي عندك فافعله به [...]، فضمّه إليه المورياني، وأخلى له منزلً وأوسعه من كلّ شيء، وكان يغدو ويروح إلى المنصور

يخلو به، فيسأله المورياني عمّا يجري بينهما فلا يخبره، فيقول له: إنّ أمير المؤمنين لا يكتمني شيئًا، فيقول: ما حاجتك إلى ما عندي

إذن؟ فحسده المورياني واستوحش منه. وثقل عليه مكانه، وأطعمه شيئًا فمات؛ وصار إلى المنصور فأعلمه أنّه مات فجأة ثمّ ولّى.

فقال المنصور: 'قتلته قتلني الله إن لم أقتلك به'، فكان ذلك من أقوى أسباب سخط المنصور على أبي أيوب المورياني وقتله إياه"60. وأمّا الرواية الثانية، فإنّها تجعل وقائع الرواية الأولى في الموصل، وتورد لها تفاصيل أخرى ذكرها ابن عساكر في ترجمة أبي جعفر

المنصور، وفيها يذكر أن الأخير جاء في زمن شبيبته إلى الموصل وهو فقير لا شيء له ولا معه شيء، فأجّر نفسه من بعض الملّحين

حتّى اكتسب شيئًا تزوّج به امرأة، فاتّفق حبلها منه. ثمّ تطلَّبه بنو أميّة فهرب عنها وتركها حاملً، ووضع عندها رقعة فيها نسبته، وأمرها إذا

بلغها أمره أن تأتيه، وإذا ولدت غلامًا أن تسمّيه جعفرًا، "فولدت غلامًا فسمّته جعفرًا، ونشأ الغلام [...]، ثمّ آل الأمر إلى بني العبّاس،

فسألت عن السفّاح فإذا هو ليس صاحبها، ثمّ قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكتّاب الرسائل فأعجب به أبو أيّوب المورياني

صاحب ديوان الإنشاء للمنصور، وحظي عنده وقدّمه على غيره فاتّفق حضوره معه بين يدي الخليفة، فجعل الخليفة يلاحظه، ثمّ بعث

يومًا الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه الغلام، فكتب بين يدي المنصور كتابًا وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمّله، ثمّ سأله عن اسمه فأخبره

أنّه جعفر، فقال: 'ابن من؟' فسكت الغلام، فقال: 'مالك لا تتكلّم؟' فقال: 'يا أمير المؤمنين! إنّ من خبري كيت وكيت'، فتغيّر وجه

الخليفة ثمّ سأله عن أمّه فأخبره، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجّب. ثمّ قام إليه الخليفة فاحتضنه، وقال:

'أنت ابني'. [...]، ثمّ جاء إلى أبي أيوب فقال: 'ما أبطأ بك عند الخليفة؟'، فقال: 'إنّه استكتبني في رسائل كثيرة'. ثمّ تقاولا، ثمّ فارقه

الغلام مغضبًا، ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمّه ويحملها وأهلها إلى بغداد إلى أبيه الخليفة، فسار مراحل، ثم سأل عنه

أبو أيّوب فقيل: 'سافر'. فظنّ أبو أيّوب أنّه أفشى شيئًا من أسراره إلى الخليفة وفرّ منه، فبعث في طلبه رسولً، وقال: حيث وجدته فردَّه

علي، فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر [...]، وانتظر الخليفة عودة ولده إليه واستبطأه وكشف عن

خبره فإذا رسول أبي أيوب قد لحقه وقتله، فحينئذٍ استحضر أبا أيّوب وألزمه بأموال عظيمة، وما زال في العقوبة حتّى أخذ جميع أمواله

وحواصله ثمّ قتله، وجعل يقول: 'هذا قتل حبيبي'. وكان المنصور كلّما ذُكر ولده حزن عليه حزنًا شديدًا"61.

60 البغدادي، ج 9، ص 321. 61 ابن الطقطقي، ص 171.

  1. البغدادي، ج 9، ص 321.
  2. ابن الطقطقي، ص 171.

ومن الواضح في الروايتين الوضع والاختلاق لأسباب عدّة؛ منها أنّهما تردان بتناقض كبير بين من يجعل الأمر حدث في الأهواز والزوجة من بنات الدهاقين، ومن يجعلها في الموصل والزوجة عربیة من قبيلة الأزد. ثمّ تطرح أكثر من سؤال من قبيل: ممّن كان

يخشى المنصور وهو يوم ذاك خليفة المسلمين وأقوى سلطة سياسية في الدولة ليخفي أمر ابنه، ولم يطرح هذه القضية على الأقلّ مع حاشيته المقرّبين؟ ولماذا لم يبعث الخليفة مع ابنه من يسيّره ليجلبا معًا زوجته؟ ولماذا لم يشر الخليفة المنصور في الحوار الذي دار

بينه وبين أبي أيّوب، والذي سنورده لاحقًا، إلى هذه القضية من بعيد أو من قريب؟ ثمّ إنّنا نعلم أنّ المنصور كان عامل مدينة أيذج في

الأهواز أواخر أيّام الأمويّين، وما كان في حاجة إلى أن يستتر من أحد، وهذا ما يجعل على الأقلّ الرواية الأهوازية باطلة. ومن زاوية

أخرى، فإنّ المصادر التاريخية تؤكّد أنّ جعفرًا الصغير هو من أمّ كرديّة؛ ما يعني أنّها لم تكن خوزية من الأهواز ولا موصليّة من قبيلة

الأزد العربيّة، وتؤكّد أنّ جعفرًا الصغير مات سنة 151 ه في مدينة السلام؛ أي قبل نكبة المورياني بعدد من السنين62. بناءً على هذه الأمور مجتمعةً، لا يمكننا أن نثق بهاتين الروايتين، بل يمكن أن نعتبرهما من نسج الخيال، وقد لفّقهما المؤرّخون

ليبرّروا الإسراف في البطش الذي تعرّض له أبو أيّوب وأقاربه على يد المنصور، ولا نجانب الصواب إن اعتقدنا، بناءً على ما توفّر لنا

من معطيات، أنّ نكبة أبي أيّوب كانت نتيجة مجموعة من العوامل والمواقف الّتي وقف عليها المنصور، وتبيّن له كيف كان صاحبنا

يستغلّ منصبه، وعائلته، ليكنزوا المال. لكنّه كان يبحث عن الوقت المناسب للوقيعة به. والحال أنّ أبا أيوب توقّع ذلك الموقف الحازم من قبل المنصور؛ لذلك نجده كلّما بعثَ إليه المنصور خافَ، وتوقّع أنّ ذلك اليوم آخر يوم في حياته63. في كلّ الأحوال، فإنّ المصادر الّتي ترجمت للمورياني تشير إلى أنّ "أوّل من أفسد حال أبي أيوب عند المنصور هو حمزة بن

زنيم، وذلك أنّه ولِيَ الأهواز فعذّب رجلً من أهلها في الخراج، وكان كاتب البلد حتّى قتله، فكلّم المنصورَ أبو أيّوب في أمره حتّى عزله،

فلمّا قَدِم ودخل على المنصور، وكان خبيث اللسان، قال: 'يا أمير المؤمنين، إنّ لك بالأهواز شريكًا في ملكك'، قال: 'ومن هو ويلك؟'،

قال: 'خالد أخو أبي أيّوب له بيت مال ولك بيت مال، فما يُحمل إليك درهم إلّ حُمل إلى خالد مثله"'64. وهذا الأمر جعل المنصور

یحمل في قرارة نفسه علی أبي أیّوب وقرابته شكوكًا وریبة تعاظمت شيئًا فشيئًا، ولكن ما كانت لتزعزع مكانته بهذه السرعة، خاصّة

أنّه كان لبقًا في التعاطي مع أبي جعفر حتّی اتُّهم بأنّه سحره كما قدّمنا، فاستطاع أن یتخلّص بسهولة من هذه القضیة الّتي كادت أن تودي بحیاته65. وفي خبر محمّد بن الولید، كاتب أبي أیّوب، فقد كان يُتّهم بالفساد والرشوة، "وكان أبو جعفر ولّی طریفًا مولاه برید مصر والشام

والجزیرة"، فكتب ابن الولید إلی طریف على لسان أبي أیّوب بحمل مئة ألف دینار إلیه، فحملها ولم یعلم أبو أیّوب بها حتّی كُشف

عن أمره بعد أن دفع طریف الكتاب إليه، "فقال له: هذا خطّ كاتبي [محمّد بن الولید] وخاتمي ولا علم لي بشيء من أمره"66. بینما

أصرّ ابن الولید علی رفض هذا الاتّهام، فتركه أبو أیوب علی حاله كي لا یسعی به عند المنصور، ولكن بعد مضيّ مدّة أشار الموریانی

علی المنصور بقتله؛ لأنّه لم یثق به بعد فعلته، فقبل ودعا "بالمسوّر البربريّ" لتنفيذ هذه المهمّة، "فلمّا قدِم المسوّر ودعا بمحمد،

قال: 'یا مسوّر خذْ هذا القرطاس فأعطه أمیر المؤمنین، فإنّه إن وقف علیه قلّدك مكان أبي أیوب'، فقال له: 'یا بن الخبیثة، أتأمرني أن

62 البغدادي، ج 7، ص 161. 63   أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، ج 7 (القاهرة: دار المعارف، 1985)، ص 201. 64   البلَذُري، ج 4، ص 243.

65 المرجع نفسه. 66 المرجع نفسه.

  1. البغدادي، ج 7، ص 161.
  2. أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، ج 7 (القاهرة: دار المعارف، 1985)، ص 201.
  3. البلَذُري، ج 4، ص 243.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.

أرفع علی أبي أیوب؟'، فأخذ القرطاس منه وضرب عنقه، وصار بالقرطاس إلی أبي أیّوب، فوجد فیه كلّ عظیمة من أمره، فتتبّع أموال

محمد بن الولید، حتّی أدّی منها إلی أبي جعفر مئة ألف دينار، ووقّر ذلك علیه في نفس أبي جعفر"67. وهاتان المحاولتان الفاشلتان لم تتمكّنا من القضاء علی أبي أیّوب، إلّ أنّهما جعلتا المنصور یتراجع بصورة تدریجیّة عن الوثوق

الكامل بأبي أیّوب، خاصّة أنّ ثمّة تقاریر كانت تصل إلیه بصورة یومیة من أقرب المقرّبین إلیه، ولا سیّما كاتبه أبّان بن صدقة، حیث

یُشار إلى أنّه كان "على أمر أبي أيّوب كلّه وعلى الرسائل من قبله"68، حتّی كشف مخلد بن خالد ابن أخي أبي أیّوب عن حادثة فساد

له بمئة ألف دینار أدّت إلی حبس أبّان بن صدقة بأمر من المنصور، حتّی أدّاها عنه آل أبي أیوب وأخرجوه من محبسه. لكنّه حملها

علی الوزیر وأهل بیته، فعاد أبّان إلى أبي أيّوب وفي نفسه ضدّه ما فيها، فكان يحمل أخباره وأسراره إلى الربيع الحاجب فيعرضها على

المنصور، ففطن أبو أيّوب أمر أبّان فوبّخه وطرده، ولجأ إلى الربيع. وكانت هذه الحادثة البدایة الحقیقیة لأفول نجم أبي أیوب. أمّا السبب المباشر الذي نعتقد أنّه كان وراء نكبة المورياني، فهو قضية ضيعة الأهواز الّتي أشار بها أبو أيوب على المنصور عندما شكا له

أمر ابنه المعروف بصالح المسكين، فأشار عليه بمزارع في الأهواز تحتاج إلى أموال لإحيائها وتعميرها، "فأطلق له ثلاثمئة ألف درهم وأمره بعمارتها لابنه صالح، فأخذ أبو أيوب المال ولم يعمل في الضيعة شيئًا، وصار في رأس كلّ سنة يحمل عشرين ألف درهم ويقول: هذه حاصل

الضيعة المستجدّة". بينما صرف ذلك المال في سداد خسارته بشراء طعام السواد والبصرة69، وقد تمادى في محايلة الخليفة، واستمرّ ذلك

حتّى اجتمعت كلّ ظروف النكبة بأبي أيوب، إذ سُعِيَ إلى الخليفة بأمر هذه الضيعة، "فعزم أبو جعفر على الخروج بنفسه إلى الناحية ليعاينها،

فلمّا تجهّز للشخوص، كتب أبو أيّوب إلى وكلائه أن يبنوا على دجلة في طريق الضيعة، على طريق أبي جعفر، قرى من اللبن والقصب، وأن

يغرسوا نخلً وسدرًا وكلّ ما تهيّأ أن يحسن به ويرى ظاهره، ليراها أبو جعفر عامرة الظاهر. فلمّا فعلوا ذلك وشخص أبو جعفر فرأى الموضع،

وقد كان أبو أيّوب عند قرية منها أرسل من سكَّر دجيل الأهواز والمسرقان حتّى فاضا على الضيعة فغرّقاها ثمّ غاض إلى دجلة، فأرسل أبو

جعفر من سكَّر الماء وأعاده إلى جهته وأقام أربعين يومًا ينتظر جفاف الأرض ثمّ ركب حتّى وقف إلى أن عاد إلى بغداد، فأوقع به"70. وفيما يبدو، فقد كان دور الربيع بن يونس حاسمًا في الدفع بنكبة صاحبنا، وقد بث - في سبيل الوصول إلى مبتغاه - بذور الشكّ

في قلب الخليفة تجاه أبي أيّوب، ومما يدلّ على هذا صراحةً، أنه في أثناء المدّة الّتي مكث بها الخليفة في الأهواز منتظرًا جفاف أرض

الضيعة، اشتهى سمكًا طريًّا، فعرض أبو أيّوب أن يأتيه به، وشكّك الربيع في نيّة الوزير وأوعز إلى الخليفة أنّ الوزير قد يدسّ في طعامه

سمًّا، وصدّق الخليفة هذا وأوغر صدره ضدّ المورياني71. ویشیر الجهشیاري إلى أنّ الخليفة المنصور انصرف "إلى بغداد، وأظهر السخط على أبي أيوب"72. لكنّنا نعتقد أنّ إظهار

السخط هذا لم يكن بتلك السرعة، بل استغرق وقتًا لا نستطيع تحديده لعدم التصريح به في المصادر المتوفّرة. وعقد المنصور العزم

على التخلّص من أبي أيوب في أوّل فرصة تُتاح له، فأرسل ابنه صالحًا "إلى أبي أيوب يعوده التماسًا لأن يصله، فأرسل أبو أيوب إلى

خالد أخيه: ابعث إليّ بمئة ألف درهم لصالح، فلم يفعل، فانصرف صالح وقد أبطأ على المنصور فسأل عن سبب إبطائه فأخبر به"73،

67 المرجع نفسه. 68 المرجع نفسه، ص 244. 69 المرجع نفسه، ص 243. 70 الجهشیاري، ص 119؛ ابن الطقطقي، ص 173. 71 الجهشیاري، ص 119. 72 المرجع نفسه. 73   البلَذُري، ج 4، ص 243.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص 244.
  3. المرجع نفسه، ص 243.
  4. الجهشیاري، ص 119؛ ابن الطقطقي، ص 173.
  5. الجهشیاري، ص 119.
  6. المرجع نفسه.
  7. البلَذُري، ج 4، ص 243.

ویبدو أنّ الإبطاء بدفع هذا المبلغ كان ناتجًا من صرف أموال طائلة من جانب أبي أيوب وأخيه خالد في الأهواز إبّان مقام الخليفة

هناك، ودمار حاصل زراعة ذلك العام بسبب غمر أراضي الأهواز بالماء. وكان هذا هو السبب الرئيس في سجن أبي أيوب والبعث وراء أخيه في الأهواز وسجن أربعة من أولاده وقتلهم بأبشع صورة.

سابعًا: آل المورياني في عهد المنصور: من السؤدد إلى النكبة

عُرف سلیمان بن مخلد بأبي أیوب، ومن المفترض أن یكون أیّوب اسم ابنه الأكبر حسب عادات العرب، إلّ أنّ المصادر الّتي

بین أیدینا لم توضّح لنا إن كان أيوب هذا اسمًا حقيقيًّا لابنه أم مجرّد كنية اشتُهِرَ بها. وقد ذكرت المصادر اثنين من أسماء إخوته؛ هما

حاتم74 وخالد75، وأربعة من بني أخيه؛ هم سعيد ومسعود ومخلد ومحمد76، عُرِفوا جمیعًا بآل أبي أیوب، حيث تقلّدوا مناصب رفیعة

في ظلّ الدولة العبّاسية، وجمعوا أمو لً طائلة. يرد اسم خالد في عدد من المصادر باعتباره الأخ الأوثق اتّص لً بأبي أيّوب والأكثر استغلالً لمنصب أخيه. وقد بدأ هذا الاستغلال

منذ أيّام الأمويين؛ إذ إنّ أبا أيوب اقترح على الفضل بن زهير الضبّي عامل ابن هبيرة على مدينة مناذر شمال كورة سوق الأهواز أن

يكون خليفته في حوائجه عند والي العراق مقابل أن يصل أخاه خالدًا ويستوصي به77. وفي ما يبدو أنّ خالدًا هذا بقي، بعد أن استوزر

المنصور أبا أيّوب، في مدينة مناذر ولم يبرحها، على خلاف بنيه، إلى العراق. واستطاع أن يجمع أمو لً طائلة وضياعًا واسعة، فالضياع

الّتي استخرجها للمهديّ بن المنصور وحدها كانت تعادل عشرين مليون درهم78. ثمّ إنّنا أشرنا في غير مكان من هذه الدراسة إلى

أنّ أبا أيّوب طلب منه أن يبعث لصالح مئة ألف درهم، وهو مبلغ كبير، وعلى الرغم من عدم إرساله، فإنّ هذا الطلب يدلّ على عظيم

اليسر الذي كان يتمتّع به في الأهواز، ولعلّه كان في تلك الفترة من أكبر المتموّلين فيها. وكان لخالد هذا أبناء هم سعيد ومسعود ومخلد ومحمد، اتّصلوا بعمّهم، واستطاعوا عن طريق هذه الصلة أن "يكنزوا" أمو لً

كثيرة جدًّا. ويبرز من بين هؤلاء مخلد بن خالد الذي كان يرفع كتبًا إلى الخليفة مباشرة بحوائجه ومطالباته، وكذلك رفع تقارير عن

الولاة والكتّاب. ومن بين الرسائل الّتي دفعها، كما أشرنا سابقًا، تقريره عن المخالفات الّتي قام بها أبّان بن صدقة79. ثمّ إنّ مسعود

بن خالد كان أيضًا صاحب أموال كثيرة، وله كتّاب خاصّون به، وتذكر المصادر من بين هؤلاء شخصًا اسمه "شيبة  "80. وكان لأبي

أيوب أخ آخر، حسب رواية ضعيفة، اسمه "حاتم" يرد اسمه ضمن اتّهامه بتدبير مكيدة لقتل أبي مسلم الخراساني81. تتّفق المصادر على قسوة ما تعرّض له آل المورياني من عنف ومصادرة، وإن اختلفت في تفاصيلها، فبينما يميل بعضها إلى أنّ

المنصور عندما تبيّن له أنّ أبا أيوب لم يدفع لصالح مئة ألف درهم لأنّ أخاه خالدًا لم يبعثها إليه من الأهواز، "بعث إلى خالد فأتي به فأمر

بخنقه فخنق حتّى بال، ثمّ أمر به فحبس، وطلب كلّ من عنده مال لأبي أيوب وأهل بيته، ومن كان منه بسبب، فتتبّع التجّار وغيرهم

74 الطبري، ج 7، ص 486. 75 ابن كثير، ج 10، ص 116؛ الطبري، ج 8، ص 42. 76 الطبري، ج 8، ص 42. 77   البلَذُري، ج 4، ص 242.

78 المرجع نفسه. 79 المرجع نفسه. 80 المرجع نفسه. 81 الطبري، ج 7، ص 548.

  1. الطبري، ج 7، ص 486.
  2. ابن كثير، ج 10، ص 116؛ الطبري، ج 8، ص 42.
  3. الطبري، ج 8، ص 42.
  4. البلَذُري، ج 4، ص 242.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه.
  8. الطبري، ج 7، ص 548.

وحُبس أبو أيوب في دار، ثمّ حُمل إلى السجن وهو مريض فمات فيه"82. وتختلف المصادر في تحديد سنة هذه النكبة، فبينما يؤرّخها

بعضها في سنة 153 ه/ 770 م، فإنّ بعضها الآخر يذهب إلى حدوث ذلك في سنة 154 ه/ 771 م، ونحن نرجّح الرواية الثانية، اعتبارًا لحاجة

المنصور الشديدة إلى المال، ذلك لأنه في هذه السنة خرج إلى الشام، ومضى إلى بيت المقدس، ووجّه يزيد بن حاتم إلى إفريقية فِي

خمسين ألفًا لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عُمَر بْن حفص، وأنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستّين ألف ألف درهم83. ومن المحتمل

أنّ خزانة الخليفة لم تكن تحوي هذا المبلغ الكبير، فعجز الميزانية هذا جعل المنصور يعتقد بمؤامرة محتملة إن لم يصدَّها قضت على

دولته. وقد استغلّت حاشية المنصور ممّن كانوا على خلاف مع أبي أيوب هذا الظرف الحرج، وسعوا في أمر عائلته إلى الخليفة84. وكان خليفة المنصور على بغداد ابنه المهدي، وأوكل الأخير بأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبي العبّاس الطوسي، فقطع

أيدي بني أخي أبي أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم85. وأما أبو أيوب، فمن المصادر ما يجعل موته قبل أخيه وأولاد أخيه؛ إذ يشار إلى أنّ "أخا السجّان كان مع خالد أخي أبي أيوب في الأهواز فضربه ضربًا مرض منه ومات، فوضع السجّان على وجه أبي أيوب مرفقة

غمّه بها حتّى مات، فلمّا مات أبو أيوب أخرج أخوه خالد من محبسه وهو مقيّد على حمار، حتّى صُلّيَ عليه ودُفن، ثمّ رُدّ إلى الحبس

واستودي آل أبي أيوب وعذّبوا، وخرج المنصور إلى الشام وقد استخلف المهديّ في مدينة السلام فأمره باستيداء آل أبي أيوب من

كان له ولهم عنده مال وديعة، فسألوه أن يكفلهم ويخرجوا فيضطربوا في المال فأجابهم المهديّ إلى ذلك"86. بينما تشير مصادر

أخرى إلى أنّ هذه العقوبة شملت أولاد أخي أبي أيوب، بينما تريّث المهدي في أمره حتّى رجوع المنصور إلى بغداد، وقد دار حديث بين

المنصور وبين أبي أيّوب طلب فيه الصفح عنه؛ إذ قال له: "'يا أمير المؤمنين، تأنّ في أمري، وأرجِاطّراحي، فإنّ للتّهم وقفات على الندم اعتراضها، وإلى التأسف انقلابها'. فقال له

المنصور: 'كيف وقد أغرقت النزع في قوس الخيانة، ومنعني ضيق ذنوبك من اتّساع العفو عليك'. فقال: 'يا أمير المؤمنين، ما أسأل أن

تعطف عليَّ بحرمة، ولا تقبلني لخدمة، ولكن استعمل فيَّ أدبَ الله تعالى، وَهُوَ الَذِّي يَقْبَلُ التَّوْبةَ عَنْ عِبَادهِويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ويَعْلَمُ

مَا تَفْعَلُونَ﴾ [(الشورى: 25)]، فقد عفا عن ذنوب علم حقائقها، وعرف ما كان قبلها، وظنّ أمير المؤمنين لا يبلغ هذه المعرفة، فهو

يعفو عن شكّ، ويتجاوز عن ظِنّة'. فقال: ﴿ لْنَ وقَدْ عصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسدِينَ﴾ [(يونس: 91  "])87. وكان أبو أيوب في أثناء سجنه قد قام بمراجعة ذاتية متذكّرًا وصية ابن المقفّع له، وقد كان كتب له "رسالة منه وعظه فيها، فقال

في فصل منها: 'أذمّ إليك السلطان فإنّ إقباله تعب، وإعراضه مذلّة'، فكان يقول حين حُبس: 'لله درّك يا ابن المقفّع"'!88. ویُروى له

بيتان يتيمان يُبين بهما حالة وجدانية تعبّر عن عمق النكبة وآثارها النفسية عليه: ألا لَيْتَني لَمْ ألْقَ مَا قَد لَقِيتُه

وَكُنْتُ بأدنى عِيشةِ الناس راضِيا

رأيتُ عُلوَّ المرءِيَدعو انْحطاطَه

ويُضحِي وسيطَ الحالِ مَنْ كَانَ ناجيا89

82   البلَذُري، ج 4، ص 244.

83 الطبري، ج 8، ص 44؛ اليافعي، ص 252. 84   البلَذُري، ج 4، ص 244.

85 الطبري، ج 8، ص 44. 86   البلَذُري، ج 4، ص 244

87   أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، المصون في الأدب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط 2 (الكويت: مطبعة حكومة الكويت، 1984)، ص 104. 88   البلَذُري، ج 4، ص 245.

89 الصفدي، ج 15، ص 232.

  1. البلَذُري، ج 4، ص 244.
  2. الطبري، ج 8، ص 44؛ اليافعي، ص 252.
  3. البلَذُري، ج 4، ص 244.
  4. الطبري، ج 8، ص 44.
  5. البلَذُري، ج 4، ص 244
  6. أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، المصون في الأدب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط 2 (الكويت: مطبعة حكومة الكويت، 1984)، ص 104.
  7. البلَذُري، ج 4، ص 245.
  8. الصفدي، ج 15، ص 232.

خاتمة

إنّ النكبات الّتي تعرّض لها الكُتّاب والوزراء في العصر العبّاسي الأوّل عديدة، الأمر الذي يومئ إلى حذر الخلفاء العبّاسيين

في هذا العصر من رجالات الدولة، وإلى حرصهم على سلطانهم، وعدم السماح بمزاحمة أحدٍ إيّاهم عليه مهما كانت كفايته ومعرفته

وبصره بسياسة العباد والبلاد؛ ما جعلهم أميل إلى البطش والاستبداد وعدم العفو منذ قيام الدولة. لكن في المقابل، استعمل رجالُ الدولة - وخاصّة علیّة القوم - جمیع السبل المتاحة؛ ومنها السعایة والوشایة والتصفیات السیاسیة في سبیل ضمان مناصبهم وحذف

أيّ بدیل محتمل كان بالإمكان أن یزاحم كراسیّهم. وقد مارس أبو أیوب هذه السیاسة مع الكثیر من خصومه، ونقلت بعض المصادر

تفصیلاتها وبیّنت مختلف أبعادها. وفي الآن ذاته، تعرّض صاحبنا أیضًا من جانب حاشیته من الكتّاب والإداریّین، إلى هجمة شرسة

أرادت النیل منه ومنازعته في منصبه. ويبدو أنّ دور الربيع بن يونس كان حاسمًا في الدفع بنكبة المورياني، حيث بثّ بذور الشكّ في قلب الخليفة تجاهه حتّى عزم

المنصور على التخلّص منه في أوّل فرصة تُتاح له، خاصّة أنّ الدولة كانت في حاجة إلى أموال لتسديد تكاليف الحروب التي كان

يخوضها الخليفة، وكانت المصادرات من أهمّ السبل التي انتهجها الخليفة كما بينّا لتمويل تلك الحروب. ومع ذلك، فمن الواضح أنّ نكبة أبي أيوب كانت نتيجة مجموعة من العوامل والمواقف الأخرى الّتي وقف عليها المنصور، وتبيّن له استغلال المورياني، وعائلته، لمنصبه، لاكتناز المال. ونظرًا إلى مكانة المورياني السياسية، فقد كان يبحث عن الوقت

المناسب للوقيعة به، وهو ما توقّعه الوزير أيضًا وانتظره.

المراجع

References

ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزريّ. الكامل في التاريخ. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. ج 6. بيروت: دار

الكتاب العربي، 1997. ابن تغري بردي، أبو المحاسن يوسف بن عبد الله. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. نسخة مصوّرة عن طبعة دار الكتب مع

استدراكات وفهارس. ج 2. القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1963 م- 1383 ه. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمد. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك. دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا

ومصطفى عبد القادر عطا. ج 9. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992. ابن خلّكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر. وفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق إحسان عبّاس. ج 2. بيروت:

دار صادر، 1994. ابن الطقطقي، محمد بن علي بن طباطبا. الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية. تحقيق عبد القادر محمد مايو. بيروت: دار القلم العربي، 1997. ابن العديم، كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي. بغية الطلب في تاريخ حلب. تحقيق سهيل زكّار. ج 4. بيروت: دار الفكر، 1988. ابن العماد، شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد بن محمد العكري. شذرات الذهب في أخبار من ذهب. أشرف على تحقيقه

عبد القادر الأرناؤوط وحقّقه محمود الأرناؤوط. ج 2. دمشق: دار ابن كثير، 1986. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشيّ. البداية والنهاية. تحقيق علي شيري. ج 10. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988. ابن منقذ، أبو المظفّر مؤيّد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلّد بن نصر. المنازل والديار. دمشق: المكتب الإسلامي

للطباعة والنشر، 1965. إسماعيل، نادر محمد. الأهواز تاريخها السياسي والحضاري في العصور الإسلامية الأولى. القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، 2014. البلَذُري، أحمد بن يحيى بن جابر. أنساب الأشراف. تحقيق سهيل زكار ورياض الزركلي. ج 4. بيروت: دار الفكر، 1996. الجهشیاري، أبو عبد الله محمد بن عبدوس. الوزراء والكتّاب. تحقيق مصطفى السقّا [وآخرون]. ط 2. القاهرة: دار المعارف، 1980. الحموي، ياقوت بن عبد الله. معجم البلدان. ج 2. ط 2. دار صادر: بيروت، 1995. الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي. تاريخ بغداد. تحقيق بشّار عواد معروف. ج 9. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2002. الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل. ثمار القلوب في المضاف والمنسوب. ج 7. القاهرة: دار المعارف، 1985. الصفدي، صلاح الدين خليل. الوافي بالوفيات. تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى. ج 1. بيروت: دار إحياء التراث، 2000. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. ج 8. ط 2. بيروت: دار التراث، 1387 ه.

الكويت، 1984.

بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.

17، العدد 34 (1426 ه).

العربي، [د. ت.].

التجارية الكبرى، 1947.

المنصور. بيروت، دار الكتب العلمية، 1997.

العسكري، أبو أحمد الحسن بن عبد الله. المصون في الأدب. تحقيق عبد السلام محمد هارون. ط 2. الكويت: مطبعة حكومة

القلقشندي، أبو العبّاس أحمد. صبح الأعشى في كتابة الإنشاء. شرحه وعلّق عليه وقابل نصوصه محمّد حسين شمس الدين. ج 1.

محمد ربيع هادي، المدخلي. "المصادرات في العصر العبّاسي الأوّل". مجلّة أمّ القرى للعلوم الشرعية واللغة العربية وآدابها. مج

المسعودي، عليّ بن الحسين. مروج الذهب ومعادن الجوهر. اعتنى به الدكتور يوسف البقاعي. ج 3. بيروت: دار إحياء التراث

المقدسي، أبو عبد الله محمد بن أحمد البشاري. أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ط 3. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991. وكيع، أبُو بَكْر مُحمَّد بْن خلَف. أخبار القضاة. صحّحه وعلّق عليه وخرّج أحاديثه عبد العزيز مصطفى المراغي. بيروت: المكتبة

اليافعي، أبو محمد عفيف الدين عبد الله. مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان. وضع حواشيه خليل