Return to Article Details Pig breeding in Morocco during the nineteenth century: a study in the history of taboos

تربية الخنزير في مغرب القرن التاسع عشر: دراسة في تاريخ المحظورات

Pig breeding in Morocco during the nineteenth century: a study in the history of taboos

بصراوي يحيى

Bouzid Laghla

الملخّص

تستهدف هذه الدراسة إبراز جوانب هامشية مما كان يعيشه المجتمع المغربي من مشاكل وظواهر تدخل ضمن المحظور من الممارسات واتساع دائرتها، ويتعلق الأمر برصد ظاهرة تربية الخنزير في المغرب خلال القرن التاسع عشر، وإبراز التأثير الأوروبي في انتشارها وتحوّلها إلى نشاط اقتصادي مُدرّ للدخل بعد أن كانت للتغذية فحسب، وما خلّفته من مشاكل أثّرت في النسيج الاجتماعي وأضرّت بالمصالح الاقتصادية للمغاربة، أمام عجز السلطة المغربية عن مواجهة الضغوط الأوروبية التي واكبت انتشارها. تمثل هذه الدراسة فرصة للخوض في مسألة الصور الذهنية التي تختزنها الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي لهذا الحيوان، عبر استحضار الشواهد التاريخية التي تضيء جانبًا من علاقة المغاربة به.

Abstract

This study conducts a historical study of taboos by shedding light on pig breeding in Morocco during the nineteenth century, which was spread with European influence as an income generating economic activity. It reviews the impact of this practice on the Moroccan economy and society, demonstrating how Moroccan authorities were unable to resist European pressures. This study provides insight into Moroccan collective memory of the Moroccan community by evoking historical testimony illuminating aspects of the Moroccan relationship to pigs.

الكلمات المفتاحية:
  • القرن التاسع عشر
  • المغرب
  • الاستعمار
  • تربية الخنزير
Keywords:
  • Pig Breeding
  • European Colonization
  • 19th Century
  • Morocco

تربية الخنزير في مغرب القرن التاسع عشر: دراسة في تاريخ المحظورات Pig Breeding in 19 th Century Morocco: A Study in the History of Taboos

تستهدف هذه الدراسة إبراز جوانب هامشية مما كان يعيشه المجتمع المغربي من مشاكل وظواهر تدخل ضمن المحظور من الممارسات واتساع دائرتها، ويتعلق الأمر برصد ظاهرة تربية الخنزير في المغرب خلال القرن التاسع عشر، وإبراز التأثير الأوروبي في انتشارها وتحوّلها إلى نشاط اقتصادي مُدرّ للدخل بعد أن كانت للتغذية فحسب، وما خلّفته من مشاكل أثّرت في النسيج الاجتماعي وأضرّت بالمصالح الاقتصادية للمغاربة، أمام عجز السلطة المغربية عن مواجهة الضغوط الأوروبية التي واكبت انتشارها. تمثل هذه الدراسة فرصة للخوض في مسألة الصور الذهنية التي تختزنها الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي لهذا الحيوان، عبر استحضار الشواهد التاريخية التي تضيء جانبًا من علاقة المغاربة به.

This study conducts a historical study of taboos by shedding light on pig breeding in Morocco during the nineteenth century, which was spread with European influence as an income generating economic activity. It reviews the impact of this practice on the Moroccan economy and society, demonstrating how Moroccan authorities were unable to resist European pressures. This study provides insight into Moroccan collective memory of the Moroccan community by evoking historical testimony illuminating aspects of the Moroccan relationship to pigs.

أستاذ مادة التاريخ والجغرافيا بوزارة التربية والتعليم، وباحث في التاريخ الحديث والمعاصر. History and Geography Secondary Teacher, and Researcher in Modern and Contemporary History. basraouiyahya88@gmail.com

مقدمة

تطورت في مغرب القرن التاسع عشر مجموعة من الظواهر المرتبطة بالحضور الأوروبي في البلاد، وانتشرت أنماط عيش الأوروبيين بين المغاربة شيئًا فشيئًا. ويُعدّ النشاط المحظور من أهم الجوانب التي تعاظم أمرها بالموازاة مع تزايد الوجود الأجنبي،

حيث دأب الأوروبيون على ممارسة العديد من الأنشطة المحظورة1، التي ظل انتشارها محدودًا، وحاولوا ممارسة أنماط حياتهم طبقًا لمنطق الأمر الواقع وأنهم أصحاب قوة ونفوذ. وعلى الرغم من أن المجتمع المغربي كان يعرف بعض هذه المحظورات قبل القرن التاسع عشر، فإن مجال انتشارها كان ضيّقًا، لكنه توسّع أكثر مع توسّع المصالح الأجنبية في المغرب. وتُعدّ تربية الخنزير في المغرب

خلال القرن التاسع عشر من ضمن الأنشطة المحظورة التي ذاع انتشارها، وهو ما أثار اهتمام مجموعة من الباحثين والمهتمين لبحث هذه الظاهرة، ومنهم تركي عجلان الحارثي الذي كتب مق لً2 أدرج فيه هذا النشاط ضمن التجاوزات الأجنبية في المغرب الأقصى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تتركز الإشكالية الأساسية لهذه الدراسة في محاولة سبر أغوار ظاهرة تربية الخنزير في المغرب خلال القرن التاسع عشر، وعلاقة شيوع هذا النشاط المحظور بتزايد الوجود الأوروبي في المغرب، والتأثيرات والانعكاسات التي خلّفها انتشاره، وإن كان في ذلك إرغام للمغرب في تعامله مع الأوروبيين على التنازل عن بعض مبادئه التي كانت تُعدّ مرجعيةً لكينونته وماهيته، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون نشاطًا عاديًا من الأنشطة المحظورة التي كانت تعرفها كل المجتمعات بين الفينة والأخرى. يُعدّ البحث في هذا الموضوع تعبيرًا عن إيماننا بجدوى الاهتمام بالموضوعات التي لم تحظَ بالاهتمام اللازم، بما يسمح

بتسليط الضوء على جانب من هذه الموضوعات التي تركّز على المجتمع واهتماماته وظروف عيشه وعاداته وكل تفاصيل حياته، وتأثيرات المشاكل التي كان يتسبب فيها الأوروبيون في المخزن والمجتمع. وإلى جانب ذلك، فهو أيضًا بحث في طبيعة الذهنية المغربية، وفي عملية التثاقف التي مرّت بها، وكيفية تعامل المخزن المغربي مع هذه الأنشطة التي ظلّت إلى عهد قريب صعبة الانتشار

داخل المجتمع3. سنحاول في هذه الدراسة بدايةً إثبات إدراج تربية الخنزير في خانة المحظورات ومسار المنع الذي شملها، ومحاولة رصد مكانة هذا الحيوان في ذهنية المجتمع المغربي، قبل أن ننتقل إلى تحديد التطورات التي شهدها هذا النشاط المحظور في المغرب إبان مرحلة التغلغل الأوروبي، وكيف تحوّل من غذاء محظور إلى نشاط اقتصادي محظور مع قدوم الأوروبيين، عبر إبراز المشاكل التي

ارتبطت بهذا النشاط والأجناس الأوروبية التي انخرطت فيه.

1 نذكر على سبيل المثال لا الحصر: تجارة العظام البشرية، وتجارة الأسلحة المهربة، وتجارة العملات المزيفة، وتجارة الرقيق، وتجارة الدخان والخمر، وتجارة

القشينة... إلخ. 2   تركي بن عجلان الحارثي، "نماذج من التجاوزات الأجنبية في المغرب الأقصى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر"، مجلة جامعة الملك عبد العزيز - الآداب

والعلوم الإنسانية، مج 6 (1993)، ص 103 - 134. 3 نشدد على أن الحديث هنا عن استحالة انتشار تربية الخنزير في المغرب قبل القرن التاسع عشر لا يأتي في باب التغذية، بل في باب التربية، فأكل المغاربة لحم

الخنزير المحظور كان على مرّ الحقب الزمنية، ويدخل في خانة المحظور المحرم شرعًا، وهو ما يعني أن انتشاره كان ضيّقًا لا يعدو الاستهلاك الفردي غير المعلن المقتصر

على الخنزير البري المصطاد، ولا يصل إلى الخنزير المربّى. أما خلال القرن التاسع عشر مع تزايد النفوذ الأجنبي، فقد توافرت مجموعة من الشروط لتنتقل مسألة الخنزير

من مجرّد غذاء محظور إلى نشاط اقتصادي مدرّ للدخل (التربية)، استجابةً للطلب الداخلي (طلب الأوروبيين المستقرين بالموانئ) والتصدير (تطور المصالح الأوروبية

بفعل المعاهدات اللامتكافئة)، وهو ما لم يكن للمغاربة سبقٌ فيه، بحسب ما اطلعنا عليه على الأقل. ينظر: لطفي بوشنتوف، "تجارة المحظور في النصف الثاني من القرن

19 م (سلعتا الدخان والخمر نموذجا)"، في: أعمال ندوة التجارة في علاقتها بالمجتمع والدولة عبر تاريخ المغرب، ج 1 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم

الإنسانية، 1989)، ص 118، هامش رقم 4.

  1. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: تجارة العظام البشرية، وتجارة الأسلحة المهربة، وتجارة العملات المزيفة، وتجارة الرقيق، وتجارة الدخان والخمر، وتجارة القشينة... إلخ.
  2. تركي بن عجلان الحارثي، "نماذج من التجاوزات الأجنبية في المغرب الأقصى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر"، مجلة جامعة الملك عبد العزيز - الآداب والعلوم الإنسانية، مج 6 (1993)، ص 103 - 134.
  3. نشدد على أن الحديث هنا عن استحالة انتشار تربية الخنزير في المغرب قبل القرن التاسع عشر لا يأتي في باب التغذية، بل في باب التربية، فأكل المغاربة لحم الخنزير المحظور كان على مرّ الحقب الزمنية، ويدخل في خانة المحظور المحرم شرعًا، وهو ما يعني أن انتشاره كان ضيّقًا لا يعدو الاستهلاك الفردي غير المعلن المقتصر على الخنزير البري المصطاد، ولا يصل إلى الخنزير المربّى. أما خلال القرن التاسع عشر مع تزايد النفوذ الأجنبي، فقد توافرت مجموعة من الشروط لتنتقل مسألة الخنزير من مجرّد غذاء محظور إلى نشاط اقتصادي مدرّ للدخل (التربية)، استجابةً للطلب الداخلي (طلب الأوروبيين المستقرين بالموانئ) والتصدير (تطور المصالح الأوروبية بفعل المعاهدات اللامتكافئة)، وهو ما لم يكن للمغاربة سبقٌ فيه، بحسب ما اطلعنا عليه على الأقل. ينظر: لطفي بوشنتوف، "تجارة المحظور في النصف الثاني من القرن 19 م (سلعتا الدخان والخمر نموذجا)"، في: أعمال ندوة التجارة في علاقتها بالمجتمع والدولة عبر تاريخ المغرب، ج 1 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989)، ص 118، هامش رقم 4.

أوالً: المغاربة وحيوان الخنزير بين لااستنكاف و لااستلطاف

1. الخنزير في التشريع الإسلامي المالكي

ارتأينا قبل الخوض في هذا الموضوع أن نقدّم رؤية موجزة حول مكانة حيوان الخنزير4 في التشريع الإسلامي، خاصة عند فقهاء المالكية، باعتبار أن المغاربة كانوا على المذهب المالكي. ولكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أن كل الديانات السماوية5 كان لها موقف من الخنزير؛ فقد اعتبر اليهود أكله محرمًا، بل لا يجوز لمس جثته6، في حين لم ترَ الديانة المسيحية موجبًا لتحريمه وذهبت

مذهب الإباحة، باعتبار أن المسيح لم يربط إيمان الإنسان بما يأكله من لحوم أو غيرها7، أما الإسلام فقد شدد على تحريم لحم الخنزير وجعله "رجسًا"8 يجب على المسلمين اجتنابه بنص القرآن الكريم والسنة النبوية. فقد جاء في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِليَّ مُحرَّمًا علَى طَاعِمٍيَطْعَمهُ إَِّلَّ أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا

أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رجْسٌ أَِوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهبهِ﴾ (الأنعام: 145)، ثم جاء في موضع آخر قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ علَيْكمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ

ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (المائدة: 3). وهناك العديد من الآيات المماثلة التي تحرم أكل لحم الخنزير، ولم تسمح بأكله إلا عند الضرورة

والاقتضاء، كما ورد في قوله سبحانه: ﴿فمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍولَ عَادٍ فلَ إِثْمَ علَيْهإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 173). وجاءت الأحاديث النبوية من جهتها مؤكدة لتحريم الخنزير، ليس أكلً فقط، بل بيعًا أيضًا، حيث روى جابر بن عبد الله رضي

الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"9، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه"10، ولذلك أضحى أكل لحم الخنزير محرمًا، ويدخل في باب المحظور والممنوع. وقد سار الفقهاء المغاربة في أجوبتهم الفقهية على المنوال نفسه، ومن بينها ما دونه الونشريسي في المعيار المعرب11 ومن بعده في النوازل الكبرى. وإذا كانت جميع المذاهب الفقهية الإسلامية، ومن بينها المالكي، قد اتفقت على حرمة الخنزير أكلً وبيعًا، فإنها

اختلفت في مسألة طهارته، حيث ذهب جمهور المالكية إلى القول بعدم نجاسة الخنزير حيًا، لأن الأصل في الأحياء هو الطهارة، أما

4   للاطلاع على مكانة الخنزير عند الشعوب والأمم يمكن الرجوع إلى كتاب: مارفن هاريس، مقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة، ترجمة أحمد م. أحمد

(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، الفصل الثاني: "محبو الخنزير وكارهوه"، ص 39 - 60. 5 لم تكن الديانات السماوية هي أول من أبدى موقفًا من الخنزير، فالأمر كانت له جذور تاريخية سابقة وأساطير ارتبطت بتاريخ هذا الحيوان، ومن بين هذه الأساطير

أسطورة "أدونيس وعشتار" في الميثولوجيا الكنعانية، وأسطورة "الخنزير الأرمانثي" في الميثولوجيا الإغريقية، وأسطورة "الخنزير الكاليدوني" في الميثولوجيا الكلتية، ثم

قصة "فن ماكول" في الميثولوجيا الإيرلندية والكلتية... إلخ، ينظر مثلً: سامي لبيب، "نحن نخلق الأسطورة والميثولوجيا والحلال والحرام ويمكن أن نسرقها أيضًا (1):

الخنزير مُحرمًا"، الحوار المتمدن، العدد 3088، 8 / 8 / 2010، شوهد في 5 / 3 / 2023، في: http://bit.ly/41JYV3x

6 ينظر: سفر التثنية (الإصحاح 3: 14 - 20). 7 ينظر: سفر متى (11: 15) و (أعمال الرسل 15: 10) 8 الرجس: كما هو معلوم يطلق على عدة معانٍ، ذكرها الطاهر بن عاشور: "منها الخبيث والقذر والفاسد والمكروه في الأحوال الظاهرة والباطنة". ينظر: محمد الطاهر

بن عاشور، تفسيرالتحرير والتنوير، مج 8 (تونس: دار سحنون، 1984)، ص 24. 9   ينظر: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري (دمشق/ بيروت: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، 2002)، كتاب "البيوع"، باب "بيع الميتة

والأصنام"، حديث رقم 2236، ص 533. 10   أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، سنن أبي داوود، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قره بللي (دمشق: دار الرسالة العالمية،

2009)، كتاب "البيوع"، باب "في ثمن الخمر والميتة"، حديث رقم 3485، ج 5، ص 350. 11   أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، ج 6 (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف

والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية، 1981)، ص 219 - 220.

  1. للاطلاع على مكانة الخنزير عند الشعوب والأمم يمكن الرجوع إلى كتاب: مارفن هاريس، مقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة، ترجمة أحمد م. أحمد (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، الفصل الثاني: "محبو الخنزير وكارهوه"، ص 39 - 60.
  2. لم تكن الديانات السماوية هي أول من أبدى موقفًا من الخنزير، فالأمر كانت له جذور تاريخية سابقة وأساطير ارتبطت بتاريخ هذا الحيوان، ومن بين هذه الأساطير أسطورة "أدونيس وعشتار" في الميثولوجيا الكنعانية، وأسطورة "الخنزير الأرمانثي" في الميثولوجيا الإغريقية، وأسطورة "الخنزير الكاليدوني" في الميثولوجيا الكلتية، ثم قصة "فن ماكول" في الميثولوجيا الإيرلندية والكلتية... إلخ، ينظر مثلً: سامي لبيب، "نحن نخلق الأسطورة والميثولوجيا والحلال والحرام ويمكن أن نسرقها أيضًا (1): الخنزير مُحرمًا"، الحوار المتمدن، العدد 3088، 8 / 8 / 2010، شوهد في 5 / 3 / 2023، في: http://bit.ly/41JYV3x
  3. ينظر: سفر التثنية (الإصحاح 3: 14 - 20).
  4. ينظر: سفر متى (11: 15) و (أعمال الرسل 15: 10)
  5. الرجس: كما هو معلوم يطلق على عدة معانٍ، ذكرها الطاهر بن عاشور: "منها الخبيث والقذر والفاسد والمكروه في الأحوال الظاهرة والباطنة". ينظر: محمد الطاهر بن عاشور، تفسيرالتحرير والتنوير، مج 8 (تونس: دار سحنون، 1984)، ص 24.
  6. ينظر: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري (دمشق/ بيروت: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، 2002)، كتاب "البيوع"، باب "بيع الميتة والأصنام"، حديث رقم 2236، ص 533.
  7. أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، سنن أبي داوود، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قره بللي (دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009)، كتاب "البيوع"، باب "في ثمن الخمر والميتة"، حديث رقم 3485، ج 5، ص 350.
  8. أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، ج 6 (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية، 1981)، ص 219 - 220.

الحنابلة والحنفية والشافعية وبعض المالكية كابن المشجون وسحنون والقرافي وأبي عمر فيرون أنه "نجس" العين12، وهكذا انتقلت المواقف الفقهية في هذا الحيوان من باب التحريم إلى باب التنجيس. لا نبتغي بتذكيرنا بهذه النصوص التي وردت في مسألة التحريم تناولها في حد ذاتها من أجل معرفة الموقف الديني فحسب؛ فالواضح من خلال هذه النصوص الدينية والمواقف الفقهية أن الخنزير دخل ضمن دائرة المحظور والمحرم، ولكن من أجل إثارة مجموعة من الأمور المرتبطة بهذه المسألة، وأولها مدى مساهمة الموقف الديني في تشكيل صورة سلبية عن الخنزير في ذهنية المغاربة أقرب إلى خانة المدنس منها إلى المحظور فحسب، وخاصة بعد أن تواترت المواقف الفقهية الرافضة لمسألة أكل لحمه، وتشددت في التعامل معها. لكن الظاهر وما تراءى لنا من خلال كل الوثائق التي اطلعنا عليها أن المخزن لم يأتِ على ذكرٍ لمبررات دينية في حديثه عن هذه التجارة، إلا في وثيقة واحدة ورد فيها: "ولا يخفى عليكم إذايته وهو غير مقبول في شرعنا"13، في حين ظل الخطاب السائد في تلك الوثائق قائمًا على ما تُخلفه تربية الخنزير من أضرار مادية تلحق بحقول الناس من جرّاء رعي قطعان الخنازير، ويبدو أن الضغوط

الأوروبية من جهة وحاجة المخزن إلى المداخيل الجمركية التي كان يجبيها من خلال تصديرها من جهة أخرى، قد حالا دون اتخاذه قرارات صارمة لمنع هذه التجارة.

2. حضور حيوان الخنزير في الذهنية المغربية

يحتفظ المجتمع المغربي لحيوان الخنزير، الذي درج المغاربة على تسميته ب "الحلوف"14، بصورة ذات وجهين؛ فهو من جهة بحكم طبيعة بنيته القوية في ذهنية المغاربة يرمز إلى القوة والشراسة والسطوة، ومن جهة أخرى هو مثال للدونية ورمز لإثارة الاشمئزاز في نظرهم بحكم "رائحته الكريهة وللأوساخ التي يخلفها في مكان عيشه"15، إضافة إلى الموقف الديني منه، الذي غالبًا ما ينعته

بصفات تدخل في باب الدنس من قبيل الرجس والنجاسة وغيرهما، إلى جانب عوامل أخرى قد تشكّل هذا الموقف منه. يمكننا استجلاء هذه الصورة المزدوجة سريعًا، من خلال ما يروّج في كلام الناس عند استحضارهم لهذا الحيوان في سياقات

معينة، مثلً قولهم عن شخص مشهور بالقوة الجسدية أو المادية: "والله هذا حلوف" بمعنى متمكن من القوة والسطوة ويستطيع سحق خصومه، كما أن هذه اللفظة نفسها يمكن أن تُطلق على من لا فطنة له ولا دراية له بالأصول والأخلاق وحسن الخطاب، فيقولون "هذا غي حلوف"، بمعنى أنه مجرد خنزير أو أن سلوكه يشبهه في دناءته. وإلى جانب ذلك، يحتفظ المغاربة بذاكرة سلبية أقرب إلى الاحتقار للخنزير، حيث غالبًا ما يرددون عن عمل شائن قولهم: "هذه غي خدمة الحلالف"، بمعنى أنه عملٌ لا يقوم به إلا

الخنازير، كأن يقع أحدهم في زنى المحارم مثلً، فتكون اللفظة معبّرة عن الحالة الشاذة والمستنكرة في الآن نفسه. ويحضر الخنزير أيضًا في بعض الأمثال المغربية الشهيرة التي تزكّي موقف تحريمه وحظره، منها المثل القائل: "حلوف كرموس16"، وقصته أن رجلً من أهل الجبل اصطاد خنزيرًا بريًا، فعرض على صاحب له أن يحملاه إلى حيث يسلخانه ويشويانه ويأكلانه. فقال صاحبه:

إن الخنزير محرم جملة، فكيف نستجيز أكل لحمه أو نستحله؟ قال: هو كذلك، وانصرف، ثم ما لبث يسيرًا ومعه سلة تين، فقال: هلم إليّ

12 عبد الله مقبل علي، "نظرية بيع المحرمات في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة"، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس، فاس، 2009، ص 154، 156 - 157. 13   خالد بن الصغير، المغرب في الأرشيف البريطاني: مراسلات جون دراموند هاي مع المخزن 1846 - 86 18 (الدار البيضاء: الشركة المغربية للنشر - ولادة، 1992)، ص 216. 14 الحلوف: اصطلاح مغربي دارج يقصد به حيوان الخنزير، والحلاليف أو الحلالف هي جمع حلوف، أي خنازير. 15   محمد رمضاني، مادة "حلوف"، في: معلمة المغرب، ج 11 (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2000)، ص 3550. 16   الكرموس: المقصود به فاكهة التين، ويستعمله بعض المغاربة أيضًا خاصة في الغرب للدلالة على التين الشوكي "الهندية."

  1. عبد الله مقبل علي، "نظرية بيع المحرمات في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة"، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس، فاس، 2009، ص 154، 156 - 157.
  2. خالد بن الصغير، المغرب في الأرشيف البريطاني: مراسلات جون دراموند هاي مع المخزن 1846 - 86 18 (الدار البيضاء: الشركة المغربية للنشر - ولادة، 1992)، ص 216.
  3. الحلوف: اصطلاح مغربي دارج يقصد به حيوان الخنزير، والحلاليف أو الحلالف هي جمع حلوف، أي خنازير.
  4. محمد رمضاني، مادة "حلوف"، في: معلمة المغرب، ج 11 (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2000)، ص 3550.
  5. الكرموس: المقصود به فاكهة التين، ويستعمله بعض المغاربة أيضًا خاصة في الغرب للدلالة على التين الشوكي "الهندية."

نأكل ما اشتريته ببعض ثمن الصيد، فقال صاحبه هذه المقولة: "حلوف كرموس"17، بمعنى أن الحال لم يتغير، وكلا الأمرين حرام، سواء أكل الحلوف أم أكل فاكهة الكرموس المشتراة بثمنه، وهو ما يبرز الموقف والمسافة التي يضعها المغاربة من حيوان الخنزير. لا نختلف في أن ما جاء في القرآن الكريم وكذا الأحاديث النبوية من اعتبار الخنزير من المحرمات، ووصفه بالرجس، قد ساهم على الأقل في إيجاد انطباع سلبي عن هذا الحيوان عند المغاربة، ومن ثم ترسخت في ذهنيتهم هذه الصورة السلبية عنه، التي لازمته على فترات من تاريخهم، وهي مسألة معروفة في المجتمع المغربي حتى في الوقت الراهن، وأشار إليها الأجانب في مرحلة القرن التاسع عشر أيضًا، ومن بينهم القنصل البريطاني جون دراموند هاي في معرض حديثه عن رحلته للصيد عندما اعترف بأن صفة

النجاسة "صفة رافقت نظرة المسلمين [يقصد المغاربة بالتحديد] للخنزير"18، وكذلك ما ورد عند إدمون دوتي من أن أهل الشاوية يستنكفون عن أكل لحم الخنزير ويحتقرونه19. لكن، في المقابل، نجد لحيوان الخنزير حضورًا متميزًا في ذهنية المغاربة ومجالهم الطبيعي، على الرغم من الصورة السلبية التي

تختزنها ذاكرتهم وتصوراتهم الذهنية، والدليل على ذلك وجود مجموعة من الأماكن الجغرافية والأعلام تحمل اسم هذا الحيوان، كما يبيّن ذلك الجدول (1). الجدول (1)

نماذج من أسماء الأماكن المسماة بأسماء "حيوان الخنزير"

العلم المكانيحقل المسمىالمنطقة
كدية الحلوفمرتفع / تلالشرق
شعبة الحلوفطريق/ محجالغرب
ظهر الحلوف/ عقبة الحلوفهضبةتطوان
ضاية عين الحلوفبحيرةالدار البيضاء
عين الحلوف (((2مصدر مياهتازة
بني خنوس، أي أولاد الخنزير الصغير (((2مركز سكاني (قبيلة)الريف

مركز سكاني (قبيلة)

الريف

بني خنوس، أي أولاد الخنزير الصغير20

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى معاينات شخصية.

تعكس، إذًا، الأسماء التي حملتها هذه الأماكن الجغرافية الموجودة في الجدول (1)، حقيقة حضور الخنزير في حياة المجتمع المغربي وذاكرته، ما يجعلنا نقرّ بأنه تمكّن من فرض مكانته داخل المجتمع وأثبت حضوره في ثقافته، على الرغم من الصورة الذهنية

السلبية التي ظلت عالقة في ذاكرة المغاربة عنه. وفي هذا السياق، يورد دوتي إشارات تفيد أن المغاربة كانوا يستبشرون بملاقاتهم

17   الحسين بن علي بن عبد الله، قصص وأمثال من المغرب، ج 2 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2012)، ص 145.

18 John Drummond Hay, "Reminiscences of Boar-hunting in Morocco," Murray's Magazine: A Home and Colonial Periodical for the General Reader , vol. 3 , no. 15 (January-June 1888), p. 333.

19   إدمون دوتي، مراكش، ترجمة عبد الرحيم حزل (الرباط: منشورات مرسم، 2011)، ص 49. 20   جاء استعمال هذا المصطلح أيضًا في مجموعة من المصادر التاريخية، ومنها ما أشار إليه مارمول كربخال عندما تحدّث عن أنقاض مدينة أصبحت تحمل اسم

عين الحلوف كان قد بناها الرومان ثم اندرست. ينظر: مارمول كربخال، إفريقيا، ترجمة محمد حجي [وآخرون]، ج 2 (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة

والنشر؛ الرباط: مكتبة المعارف، 1984)، ص 129. 21   أوجيست موليراس، المغرب المجهول: اكتشاف الريف، ترجمة وتقديم عز الدين الخطابي، ج 1 (الرباط: منشورات تيفرازناريف؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2007)، ص 63.

  1. الحسين بن علي بن عبد الله، قصص وأمثال من المغرب، ج 2 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2012)، ص 145.
  2. John Drummond Hay, "Reminiscences of Boar-hunting in Morocco," Murray's Magazine: A Home and Colonial Periodical for the General Reader , vol. 3 , no. 15 (January-June 1888), p. 333.
  3. إدمون دوتي، مراكش، ترجمة عبد الرحيم حزل (الرباط: منشورات مرسم، 2011)، ص 49.
  4. جاء استعمال هذا المصطلح أيضًا في مجموعة من المصادر التاريخية، ومنها ما أشار إليه مارمول كربخال عندما تحدّث عن أنقاض مدينة أصبحت تحمل اسم عين الحلوف كان قد بناها الرومان ثم اندرست. ينظر: مارمول كربخال، إفريقيا، ترجمة محمد حجي [وآخرون]، ج 2 (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛ الرباط: مكتبة المعارف، 1984)، ص 129.
  5. أوجيست موليراس، المغرب المجهول: اكتشاف الريف، ترجمة وتقديم عز الدين الخطابي، ج 1 (الرباط: منشورات تيفرازناريف؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2007)، ص 63.

الخنزير، وتفسير ذلك بحسبه "أن وجود الخنزير البري وسط قطيع من الأغنام من شأنه أن يُبعد عنه العين، وليست هذه سوى حالة

خاصة لنقل الشر من كائن حي إلى آخر، وهو أمر تسلّم به سائر الأقوام 'البدائية' [مع كثير من التحفظ على هذه الصفة]، ويعتبر العنصر الأساس في كثير من طقوسهم السحرية وشعائرهم الدينية". وهذا يحمل الكاتب على افتراض أنه ليس لتدجين الخنزير الصغير وإدخاله البيوت من هدف غير دفع الشر الذي يمكن أن يقع على البيت، وتحويل هذا الشر إلى هذا الحيوان الحقير21. وفي اتجاه معاكس، وردت إشارات تاريخية سابقة على القرن التاسع عشر تفيد أن مصادفته وقتله يعتبران فألً حسنًا يُستبشَر به،

فقد ذكر الضُّعيف أن السلطان محمد بن عبد الله سنة 1759، وهو لا يزال يُوطد أقدامه على عرشٍ يهتز، "أقبل على غابة المعمورة،

فخرج منها حلوف [خنزير بري] هائل الصورة [...] فضربه برصاصة بين عينيه، وقال: هكذا نفعل بالودايا، فهذا فَالُهم، وسُرَّ بقتل

الخنزير المذكور"22. وبالعودة إلى مسألة حظر الخنزير، فإن ذلك لم يكن يعني أن كل المغاربة كانوا على المسافة نفسها منه، بل ترد إشارات تفيد خرق هذا الحظر، منها ما أورده إدمون دوتي خلال القرن التاسع عشر مثلً في رحلته المسماة مراكش، أن بعض المغاربة كانوا لا يستنكفون عن أكل لحم الخنزير لسبب ما، إما لحاجة وإما لإرضاء رغبة وأن هذا الأمر لم يكن مرتبطًا بالمغرب فحسب، حيث أورد أن "أكل الخنزير ليس بالأمر المقصور على المغرب وحده، بل يحضر كذلك عند عدد غير قليل من القبائل في منطقة شمال أفريقيا. فهذا أمر وقفنا عليه في القبائل الصغرى. وله وجود كذلك في منطقة الخميرية التونسية"23. إن مسألة أكل بعض المغاربة لحم الخنزير بحسب إشارة دوتي، وبغضّ النظر عن منطلقاته الاستعمارية24، لم تكن عامة، بل كانت نادرة الحدوث ومتباينة وفق المناطق، ولعل هذا ما أشار إليه عندما قال: "غير أنك لا تجد أهل المغرب يلتزمون هذه التعاليم ولا يخرجون عنها [يقصد التعاليم الإسلامية]؛ وإذا كان أهل الشاوية في الناحية التي تهمنا، يستنكفون عن أكل لحم الخنزير ويحتقرونه، فليس الأمر كذلك عند قبائل الشاوية من الزيايدة وبني ورا؛ فالثابت عندهم أنهم يأكلون لحم هذا الحيوان، بل ويزعمون أن لحمه مفيد للأبدان وأن فيه علاجًا من مرض الزهري"25. ويضيف أن أهالي القبائل الأمازيغية المجاورة للرباط الذين يعملون لدى الأوروبيين ممن يُربّون الخنازير ويشتغلون في حراستها كانوا لا يستنكفون البتة أن يطعموا لحومها. ومن الإشارات التاريخية كذلك، ما أورده أوجيست موليراس، عندما أشار في خضمّ حديثه عن تجوال الدرويش محمد بن

الطيب في القبائل الريفية، إلى أن أهالي قبيلة بني خنوس كانوا يربّون الخنازير، حيث قال إنه "بينما رحالتنا [يقصد الدرويش] يمضغ

هذه الثمار [البلوط] بصعوبة، دخلت عليه مجموعة من الخنازير الأليفة وهي تصدر أصواتًا مزعجة، تحمل دلالة مع ذلك، وبقفزة واحدة وقف الدرويش واضطر رغمًا عنه إلى التخلي لضيوفه الجدد عن الجزء الأكبر من الثمار [...] وسيلاحظ بأن هؤلاء الأهالي

22 دوتي، ص 51. 23   محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة)، تحقيق أحمد العماري (الرباط: دار المأثورات، 1986)، ص 168. وقد ذكر دي توريس أيضًا

تفاؤل المغاربة عند مصادفتهم للخنزير، ينظر: دييكو دي توريس، تاريخ الشرفاء، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة

والنشر، 1988)، ص 185. 24 دوتي، ص 50؛ وينظر أيضًا:

August Mouliéras, Le Maroc inconnu, Tome 2: Exploration des Djebala (Paris: Augustin Challamel Editeur, 1899), pp. 492 - 493.

25 طغت على كتابات دوتي، كما هو حال كل الكتابات الاستعمارية الموجهة إلى خدمة الأهداف الاستعمارية، الذاتية والتعميم المفتقر إلى الأسس العلمية. 26 دوتي، ص 49.

  1. دوتي، ص 51.
  2. محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة)، تحقيق أحمد العماري (الرباط: دار المأثورات، 1986)، ص 168. وقد ذكر دي توريس أيضًا تفاؤل المغاربة عند مصادفتهم للخنزير، ينظر: دييكو دي توريس، تاريخ الشرفاء، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1988)، ص 185.
  3. دوتي، ص 50؛ وينظر أيضًا: August Mouliéras, Le Maroc inconnu, Tome 2: Exploration des Djebala (Paris: Augustin Challamel Editeur, 1899), pp. 492 - 493.
  4. طغت على كتابات دوتي، كما هو حال كل الكتابات الاستعمارية الموجهة إلى خدمة الأهداف الاستعمارية، الذاتية والتعميم المفتقر إلى الأسس العلمية.
  5. دوتي، ص 49.

القليلي الورع، يربّون الخنازير مع الماعز، ويعيش الجميع في نفس الكهف، في غاية الانسجام [...] هذه الخنازير الصغيرة التي

يستطيب لحمها المسلوق"، أما قبيلة بني سداث المجاورة، فقال عن أهلها إن غذاءهم كان مما يصطادونه من الخنزير البري26. إن ما أورده دوتي وموليراس لا يمكن تعميمه على نحو مطلق، ولا يمكن القول إنه كان منتشرًا عند جميع المغاربة، بل اقتصر

على مجموعة من الناس فقط وعلى نحو سري وفي ظل ظروف معينة، ولعل هذا ما نستشفّه من خلال كلام دوتي نفسه في محطات أخرى عندما يقول مثلً: "بل يطعمونه حتى في فاس، خفية"، ثم يقول: "وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه القبائل الآكلة للحم النجس هي التي توجد في المناطق الغابوية أو شبه الغابوية؛ حيث تصعب تربية الماشية، فلا يجد أهلها بديلً عن لحوم هذه الحيوانات"27. واعتبر دوتي أيضًا أن أكل المغاربة للخنزير كان بمنزلة نزوة، حيث يقول: "وكذلك تجد هذه النزوة، إن صح أن نعتبره كذلك". إذًا، يوحي إلينا ما سقناه أن أكل لحم الخنزير في المغرب ظل سلوكًا مستمرًا، لكن في إطار محظور ضيق الانتشار ونادر الحدوث.

الصورة (1)

الخنزير البري المنتشر في المغرب

Gallica , accessed on 22 / 2 / 2023 , at: http:// bit. ly / 3 m 2 jQyt المصدر:

27 موليراس، ص 63 - 64. 28 دوتي، ص 49 - 51.

  1. موليراس، ص 63 - 64.
  2. دوتي، ص 49 - 51.

وبعيدًا عن مسألة حضور هذا الحيوان في ذهنية المغاربة، تجدر الإشارة إلى أن تربية الخنزير في مغرب القرن التاسع عشر اقتصرت على الأجانب فحسب، فلم يثبت لدينا - بحسب ما اطلعنا عليه - أن المغاربة كانوا يهتمون بتربيتها، بل كانوا، على العكس من

ذلك، الطرف المتضرر منها، نظرًا إلى الأضرار التي كانت تلحق حقولهم من جرّاء عبث الخنازير بها. وهكذا، لم يأتِ اعتراض المخزن

المغربي على تربية الخنزير من مرجعية دينية وأنه حرام بنص القرآن والسنة، بل جاء من باب رفع الأضرار التي كان يتسبب فيها هذا الحيوان للمغاربة28. أما التبرير الديني، فلم يستخدمه المخزن إلا ورقة تزكّي موقفه من تربية الأوروبيين للخنازير، وفي حالات نادرة. ولعل هذا ما نستشفه من الخطاب المخزني في جل الوثائق التي اعتمدناها، والتي يركّز فيها على الأضرار التي تلحق حقول ومزارع الناس فحسب29، من دون إشارة إلى مسألة رفضه بناء على أسس دينية، اللهم إلا إذا استثنينا حالة واحدة وقفنا عليها، وهي ما ثبت عرَضًا في قول الخديم محمد بارقش لجون دراموند هاي بعد أن سرد الأضرار التي كان الخنزير يُلحقها بالفلاحين: "ولا

يخفى عليكم إذايته وهو غير مقبول في شرعنا"30، ثم تابع حديثه عن الأضرار المادية التي يلحقها هذا الحيوان بحقول الفلاحين وضيعاتهم، ولم يلتفت أو يتشبث بالموقف الديني.

ثانيًا: منع تربية الخنزير في المغرب خلال القرن التاسع عشر وانتشارها الجغرافي

1. تربية الخنزير في المغرب خلال القرن التاسع عشر ومسار المنع

فرض الوجود المتزايد للأوروبيين في المغرب خلال القرن التاسع عشر على المخزن أن يسمح لهم بممارسة حياتهم على نحو اعتيادي، على الرغم من أن بعض أساليب عيش هؤلاء كانت تتعارض مع معتقدات المغاربة، من قبيل شرب الخمر وأكل لحم الخنزير... إلخ. ولأن هذه الممارسات كانت محرّمة في الدين الإسلامي، كان لا بد من تقنينها ووضع شروط تضمن حق الأوروبيين

في حياة عادية، وتضمن في المقابل احترام خصوصيات البلد الذي يعيشون فيه وثقافته؛ فإذا كان قد سُمح للأجانب وأهل الذمة مثلً

باستيراد ما يكفيهم من الخمر من دون المبالغة في ذلك31، فقد سُمح للأجانب على المنوال نفسه بتربية الخنزير وأكله وفق شروط

تضمن الحقوق المادية والمعنوية لأهل البلد، وفي حدود الاستهلاك الذاتي للأجانب بموجب اتفاقية خاصة بين المغرب والدول الأوروبية. لاحظنا أنه قبل فترة حكم السلطان محمد الرابع لم يأتِ ذكرٌ لمسألة تربية الخنازير في المصادر أو الوثائق، ويبدو أن تكاثر عدد

الأجانب في المغرب عقب توقيع اتفاقية 1856 مع إنكلترا التي شجعت الأوروبيين على تعزيز حضورهم في شتى المجالات، قد كان له الدور الكبير في انتشار تربية الخنزير؛ إذ بدأت هذه العملية اعتباطيًا وانتشرت في البلاد حتى صار أهلها يشكون من أضرارها، ما كان

له الدور الحاسم في إبرام هذه الاتفاقية32.

29 الوثيقة 127، المحفظة 56، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 30 ينظر على سبيل المثال لا الحصر: الوثيقة 8، المحفظة 52، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان؛ الوثيقة 24، المحفظة 80، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 31 بن الصغير، ص 216. 32 أصدر السلطان محمد الرابع عام 1285 ه/ 1868 م أمره للرئيس عبد السلام بن محمد بن الفقيه الشريف السلوي عندما كلفه بقيادة مركب البازركان، بأن "لا يتعدى

القانون المتعارف بيننا [المخزن] وبين أجناس النصارى، وأن لا يحمل في مركبه مثل الخمر والخنزير فإن حما (كذا) حول ذلك فقد تعرض لغضب الله ونكالنا". ينظر:

عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، تحقيق عبد الهادي التازي، ج 5، ط 2 (الدار البيضاء: مطابع إديال، 1990)، ص 151. 33   ينظر: محمد نهليل، رسائل شريفية، تقديم الجيلالي العدناني وعبد الرحيم بنحادة (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013)، ص 57.

  1. الوثيقة 127، المحفظة 56، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  2. ينظر على سبيل المثال لا الحصر: الوثيقة 8، المحفظة 52، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان؛ الوثيقة 24، المحفظة 80، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  3. بن الصغير، ص 216.
  4. أصدر السلطان محمد الرابع عام 1285 ه/ 1868 م أمره للرئيس عبد السلام بن محمد بن الفقيه الشريف السلوي عندما كلفه بقيادة مركب البازركان، بأن "لا يتعدى القانون المتعارف بيننا [المخزن] وبين أجناس النصارى، وأن لا يحمل في مركبه مثل الخمر والخنزير فإن حما (كذا) حول ذلك فقد تعرض لغضب الله ونكالنا". ينظر: عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، تحقيق عبد الهادي التازي، ج 5، ط 2 (الدار البيضاء: مطابع إديال، 1990)، ص 151.
  5. ينظر: محمد نهليل، رسائل شريفية، تقديم الجيلالي العدناني وعبد الرحيم بنحادة (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013)، ص 57.

يرجع تاريخ بداية تربية الأوروبيين الخنزير في المغرب إلى نحو سنة 1864، حيث يُفهم من كلام السيد محمد برقش في إحدى

الرسائل الموجهة إلى القائد محمد الخضر السلوي أن تربية الخنزير في هذه الإيالة33 كانت في هذه السنة. ونظرًا إلى ما خلّفه من

أضرار جسيمة نتيجة تكاثره وتزايد أعداده فقد وُضع قانون ينظم تربيته ويحصر أعداده في حد معين سنة 1868. ومما جاء في هذه

الرسالة: "فغير خاف عليك ما كنا كتبنا به سابقًا قبل هذا [يقصد 1284 ه/ 1868 م] بنحو أربعة أعوام في شأن حدوث تربية الحلوف

بهذه الإيالة السعيدة وكنا أذِنا لمن كان عنده بأن يسقه [يصدره] ولا يعود لتربيته حسبما ما تقدم، ثم إنه الآن بلغنا أنه ظهر في بعض المواضع وكثر وحصل منه الضرر للناس، فجددنا الكلام في الإراحة منه، وجعلنا له قوانين لينحصر بها أمره ويستريح الناس من ضرره"34. وهكذا جرى الاجتماع بين الطرفين في طنجة في أواسط ذي القعدة 1284 ه/ 1868 من أجل صياغة بنود الاتفاق. حضر هذا الاجتماع كلّ من بركاش ممثلً للسلطة المخزنية ونواب الدول الأوروبية، ونص الاتفاق "على أن الحلوف لا يكون بالمدن ولا يكون الحق لفاميلية [لعائلة] الأجناس عايشة [تعيش] بالبادية في كسب الحلاليف بها سوى حلوف واحد لكل فاميلية، ومن زاد عليه يذعر بريال في كل رأس، ويكون هذا الحلوف في محل مسدود بعيد من الطرقات ومن ترك حلوفه يرعى بالبادية يذعر بريال في المرة الأولى وبريالين في الثانية، ومن وجد حلوفه خارجًا من محله المشدود فله الحق في قتله من غير معاوضة لمولاه؛ لذلك نأمرك أن تجدد الإعلام لنواب الدول بطنجة وتكلمهم بأن يكلموا تجارهم بالتمشي [باحترام] على الاتفاق المذكور وبرفع ما لهم بالمدن والبادية على الوجه المذكور، وقد أمرنا العمال المشار إليهم بالتمشي عليه كذلك. والسلام. في 5 شعبان عام 1309 ه"35. يبدو واضحًا من خلال نص هذا الاتفاق أن تربية الخنزير قد تعاظم أمرها وانتشرت في المدن والبوادي، حتى أصبح من اللازم حصر مادة فسادها، الشيء الذي لم يتأتَ إلا بالتزام المعنيين بمقتضيات الاتفاق المنعقد بين الجانبين، من بينها الالتزام بالعدد المحدد لكل شخص والأمكنة المسموح بتربيته فيها، تجنبًا للمشاكل التي قد يُحدثها رعيه في البادية والضيعات المجاورة للمدن من

تعدٍّ على مصالح الناس، خاصة أن انتشار الخنزير كان يمسّ حرمات المغاربة وعلى رأسها المقابر التي كان يعبث بها وينبشها؛ ونحن

نعلم حرمة المقابر والموتى عند المسلمين، ولذلك أضحى من الضروري حصر انتشاره. كما منح نص الاتفاق فترة زمنية محددة لمربّي الخنزير لتصدير ما تحت أيديهم منه "لمدة ستين يومًا تأتي من إعلام عامل البلد

للقناصي36 الذين عنده أو خلائفهم ليعلموا رعيتهم بوسقه [تصديره] بأجله، وبعد الستين يومًا من وجد عنده أكثر من واحد بعدما يكون

داخل محل مشدود عليه فيُعطي ري لً عن كل رأس زائد على الواحد المذكور ويستحق صاحبه أن يرفع كل ما زاد عن الواحد المذكور

إما بالوسق أو الذبح، وإذا مضت ثمانية أيام ولم يرفعه فيعطي ري لً آخر عن كل رأس زائد عن الواحد المذكور، وهكذا يتكرر في كل جمعة على شرط أن يكون الواحد الذي يبقى عندهم خارج البلد ولا يمكن أن يكون داخلها [...] فهذا مضمن القوانين المجعولة، فعليها يكون عملكم في ذلك"37.

34 الإيالة: هي منطقة سياسية أو إدارية ذات حدود معينة، قد يتسع معناها حتى يدل على قُطر بأكمله، وقد يضيق حتى لا يدل على دائرة صغيرة يحكمها حاكم. وإلى

عهد قريب، كانت المملكة المغربية تُدعى الإيالة الشريفة. ينظر: نعيمة هراج التوزاني، الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن 1290 - 1311 / 1873 - 1894:

مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1979)، ص 57. 35 رسالة من السلطان محمد الرابع إلى محمد الخضر السلوي بتاريخ 22 من ذي الحجة 1284 ه، في: الوثيقة 2، المحفظة 96، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 36 رسالة من المولى عبد العزيز إلى محمد بن العربي الطريس بتاريخ 5 شعبان 1309 ه، في: الوثيقة 113، المحفظة 10، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 37   القناصي: اصطلاح مغربي دارج يعني القناصل، جمع قنصل. ينظر: عبد اللطيف الشاذلي، معجم المصطلحات الإدارية والألفاظ العامية والأجنبية الواردة في

بعض الوثائق والمؤلفات المغربية (الرباط: المطبعة الملكية، 2007)، ص 102. 38 رسالة من السلطان محمد الرابع إلى محمد الخضر السلوي.

  1. الإيالة: هي منطقة سياسية أو إدارية ذات حدود معينة، قد يتسع معناها حتى يدل على قُطر بأكمله، وقد يضيق حتى لا يدل على دائرة صغيرة يحكمها حاكم. وإلى عهد قريب، كانت المملكة المغربية تُدعى الإيالة الشريفة. ينظر: نعيمة هراج التوزاني، الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن 1290 - 1311 / 1873 - 1894: مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1979)، ص 57.
  2. رسالة من السلطان محمد الرابع إلى محمد الخضر السلوي بتاريخ 22 من ذي الحجة 1284 ه، في: الوثيقة 2، المحفظة 96، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  3. رسالة من المولى عبد العزيز إلى محمد بن العربي الطريس بتاريخ 5 شعبان 1309 ه، في: الوثيقة 113، المحفظة 10، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  4. القناصي: اصطلاح مغربي دارج يعني القناصل، جمع قنصل. ينظر: عبد اللطيف الشاذلي، معجم المصطلحات الإدارية والألفاظ العامية والأجنبية الواردة في بعض الوثائق والمؤلفات المغربية (الرباط: المطبعة الملكية، 2007)، ص 102. 38 رسالة من السلطان محمد الرابع إلى محمد الخضر السلوي.

أقرّت مجموعة من الرسائل المتعلقة بالموضوع شروطًا أخرى على أساس أن الاتفاق ضمّها، يتعلق بعضها بحالة إذا ما أراد أحدهم

أن يصدر الخنزير خارج الأجل المحدد، فعليه أن يؤدي ما قدره عشرون ري لً عن كل رأس، وإن وُجد خارج محله وقُتل يتحمل صاحبه

كامل المسؤولية، أما إن ورد شيء منه من بلاد النصارى بعد الأجل المذكور فلا يقبل في المراسي ولا في غيرها؛ فقد جاء في إحدى الرسائل التي أوردها نهليل: "وقد اقتضى نظرنا أن نجعل لهم أجلً ستين يومًا، ليخرجوا ما عندهم منه، وبعد الستين يومًا من أراد أن

يوسقه فيؤدي عليه عشرين ري لً عن كل رأس، وإن ورد شيء منه بعد الأجل المذكور فلا يقبل شيء في المراسي وغيرها"39. وبعد قبول الاتفاق، طلب نواب الدول الأوروبية أن تكون بداية أجل الستين يومًا المذكورة بعد رفع "الكرنطينة"40 من جبل

طارق وإسبانيا، فاستجاب لهم السلطان وأمر الأمناء بالسماح لهم بتصدير الخنزير من أجل إنهاء المشكل من أساسه. ويبدو من الواضح جدًا أن المخزن تعامل بحزم مع مربّي الخنزير، ولم يمنحهم سوى شهرين كأجل محدد لبيع قطعانهم وتصديرها خارج البلد،

مع منح الأجانب إمكانية الاحتفاظ بحيوان واحد يكون خارج البلد وفي محل مخصوص، لكي لا يعترض سبيل الناس في الطرقات. أما من لم يحترم هذا القانون فيتحمل كامل مسؤوليته في مضاعفة الذعيرة المالية والحرمان من حق طلب التعويضات في حال قتَل

المخزن أو أصحابُ المزارع المتضررون قطيعه. لكن إلى أيّ حد جرى الالتزام بهذا الاتفاق؟ وهل كان إبرامه كافيًا لحصر انتشاره؟ خضع هذا الاتفاق، كما هو شأن كل الاتفاقيات التي أبرمها المغرب مع الدول الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، لأسلوب ماكر من أجل خرقه، ويُستشف هذا من الرسالة التي وجّهها المفوض الإيطالي إلى نائب الشؤون الخارجية العربي الطريس يقول فيها:

"فنخبرك بأننا أمرنا خليفتنا بالثغر المذكور [العرائش] بمنع رعية دولة إيطاليا وأهل حمايتها من كسيبة [كسب وتملك، وقد تأتي بمعنى قطيع] الحلوف بالمدينة وبالعراصي [الحقول] المجاورة لها وأكدنا عليه بأن كل عائلة لا يكون لها أكثر من حلوفين بشرط أن لا يوافق ولات [ولاة] البلاد على خرق هذه الأوامر من قبل أحد من رعية باقي الدول وأهل حمايتها"41. وهكذا يكون المفوض الإيطالي قد أقر بالتزامه وخليفته بثغر العرائش بشروط الاتفاق من جهة، لكنه في حقيقة الأمر التزام بعدم الالتزام، لأنه مشروط بشرط غير موجود في نص الاتفاق المنعقد بين الطرفين، فطبقًا لكلام المفوض الإيطالي يصبح الخرق من طرف الجميع بمجرد أن يقع خرق من أحدهم. وحرص الإسبان على خرق الاتفاق الذي ربطهم والأجناس الأخرى بالمخزن، وتمادوا في الدفاع عن رعاياهم بتقديم قراءات أخرى للاتفاق على نحو يخدم مصلحتهم، ولو كانت مخالفةً لما جاء في الشروط، وهذا ما يؤكده رد النائب الإسباني ثيودور دي كونياس في إحدى الوثائق، حيث ادّعى، طالبًا التعويض، أن ما جاء في الشروط كان هو الذعيرة، وأن رعاياه ملتزمون بأدائها، فلماذا

يتم قتل قطيعهم42. يبدو واضحًا أن هناك استغلالً لثغرة، أو بمعنى أصح، غموضًا في الاتفاق، حيث يمنح الاتفاق إمكانية إلزامهم

بالذعيرة فقط في المرة الأولى وتثنيتها في المرة الثانية ثم بعد ذلك يتم تنفيذ القتل بلا عوض؛ أي إنه إن قُتل الخنازير من أيٍّ كان

فلا يلزم القاتل أيَّ شيء لأنها وُجدت خارج محلها الذي من المفترض أن تكون فيه. وفي رسالة أخرى، قوبل تطبيق عامل تطوان لمقتضيات الاتفاق المذكور عندما أصدر أمره بقتل قرابة واحد وسبعين خنزيرًا

للإسبانيَّين منويل منطيس ومنويل مرطينس من جرّاء إضرار قطيعهما بأحد الحقول، باستهجان مفوض إسبانيا، حيث اعتبر ذلك خرقًا

سافرًا لبنود الاتفاق، وتعدّيًا من طرف العامل على التاجرَين الإسبانيَّين بحسب القراءة التي قدّمها لنص الاتفاق، وليس العكس، فمما

39 نهليل، ص 57. 40   الكرنطينة: هي المحجر الصحي الذي دعت الدول الأوروبية المخزن إلى إحداثه أثناء انتشار الأوبئة والطواعين، بحيث يتم عزل الحجاج وغيرهم حتى يتم التأكد

من عدم إصاباتهم بالوباء. 41 جواب من المفوض الإيطالي إلى العربي الطريس بتاريخ 12 رجب 1302 ه، في: الوثيقة 56، المحفظة 11، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 42 الوثيقة 114، المحفظة 37، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

  1. نهليل، ص 57.
  2. الكرنطينة: هي المحجر الصحي الذي دعت الدول الأوروبية المخزن إلى إحداثه أثناء انتشار الأوبئة والطواعين، بحيث يتم عزل الحجاج وغيرهم حتى يتم التأكد من عدم إصاباتهم بالوباء.
  3. جواب من المفوض الإيطالي إلى العربي الطريس بتاريخ 12 رجب 1302 ه، في: الوثيقة 56، المحفظة 11، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  4. الوثيقة 114، المحفظة 37، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

جاء في كلامه: "بناظر [بالنظر] إلى هذا الفعل وبما اتفقوا نواب الحضرة الشريفة ونواب الأجناس، وبناء عن هذا إن قنصولنا [قنصلنا] قد استرعوا عليه وذكروا له أن العهدة عليه من جانب الضرر الذي حصل للسبنيولين [للإسبانيين] المذكورين، فأجاب العامل المذكور

بأنه أُذن على قتل تلك الخنازير إذا وقع الضرر منهم واسترحوا [رعوا] في الطريق. فلا يخفى عن سيادتكم أن سيرة هذا العامل في هذا الشأن خارج عن القاعدة ولا تستعجبوا أيضًا أن لنا شكًا في هذا الإذن الذي زعم عليه العامل أورد [ورد] عليه ليفعل ما فعل حيث هو مخالف لشروط الخنزير لفظًا وحكمًا"43.

2. التحديد الجغرافي لاانتشار تربية الخنزير

قبل الخوض في محاولة التحديد الجغرافي لانتشار تربية الخنزير في مغرب القرن التاسع عشر، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن المغرب ظل مج لً لانتشار الخنزير البري في جل مناطقه شم لً وجنوبًا وشرقًا وغربًا44، لكن ما يهمّنا ليس تحديد انتشار هذا الحيوان

البري، وإنما حصر عمليات تربيته في المغرب خلال هذه المرحلة، أما الخنزير البري فقد كان موجودًا في جلّ المناطق المغربية، وهو من عناصر التنوع الإيكولوجي الذي يميز الجغرافيا المغربية. وهناك كثير من الإشارات التي تفيد انتشار الخنزير البري في كل المناطق المغربية، فقد ذكر البادسي وجوده في الريف45، وخلال القرن 10 ه/ 16 م كثر وجوده في إقليم دكالة46، وسجّل الوزان وفرته قرب مدينة تاگْسّة من إقليم حاحا47، وهو ما أكّده

مارمول عند نهاية القرن ذاته48، كما أشار إلى مناطق أخرى تعيش فيها الخنازير البرية مثل الجبل الأخضر من إقليم دكالة49، وجبل سيليلگُو من مملكة فاس50، وأواخر القرن التاسع عشر سجّل أحد الرحالة انتشاره في جبال الأطلس المتوسط51، وفي الشواطئ من

أراضي حاحا، الممتدة من موكادور (الصويرة) إلى أكادير52. أما عن تربية الخنزير، فجميع الوثائق التي عثرنا عليها تشير إلى أن الأوروبيين هم من كانوا يربّونها، وبناء عليه فإن أماكن

انتشاره هي حتمًا في المدن والمناطق التي يوجد فيها الأوروبيون، والتي تمتد على الساحل الأطلسي من طنجة حتى الجديدة، إضافة

إلى مدينة تطوان وأحوازها على الساحل المتوسطي. ويشير عدد لا بأس به من هذه الوثائق إلى أن مدينة العرائش، ومنطقة الغرب عمومًا، كانت المرتع الأساسي للأوروبيين، وخصوصًا الإسبان، لتربية الخنزير في المغرب خلال مرحلة القرن التاسع عشر53. وعلى

العموم، يمكننا إجمال كل المعطيات من أجل توضيح هذا الجانب في الخريطة التالية.

43 الوثيقة 163، المحفظة 36، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 44   رمضاني، ص 3549. 45   وذلك في سياق ترجمته للولي يحيى بن مخلوف، ينظر: عبد الحق البادسي، المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب،

ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1993)، ص 123. 46   أحمد بوشرب، دكالة والاستعمارالبرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1984)، ص 74. 47   الحسن بن محمد الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط 2 (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛ بيروت: دار الغرب

الإسلامي، 1983)، ج 1، ص 105. 48 كربخال، ج 2، ص 9. 49 المرجع نفسه، ص 105. 50 المرجع نفسه، ص 283. 51   شارل دو فوكو، التعرف على المغرب، ترجمة المختار بلعربي، ج 1 (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1999)، ص 79. 52 المرجع نفسه، ص 247. 53   ينظر مثلً: الوثيقة 127.

  1. الوثيقة 163، المحفظة 36، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  2. رمضاني، ص 3549.
  3. وذلك في سياق ترجمته للولي يحيى بن مخلوف، ينظر: عبد الحق البادسي، المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1993)، ص 123.
  4. أحمد بوشرب، دكالة والاستعمارالبرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1984)، ص 74.
  5. الحسن بن محمد الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط 2 (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛ بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983)، ج 1، ص 105.
  6. كربخال، ج 2، ص 9.
  7. المرجع نفسه، ص 105.
  8. المرجع نفسه، ص 283.
  9. شارل دو فوكو، التعرف على المغرب، ترجمة المختار بلعربي، ج 1 (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1999)، ص 79.
  10. المرجع نفسه، ص 247.
  11. ينظر مثلً: الوثيقة 127.

خريطة انتشار تربية الخنزير في المغرب خلال القرن التاسع عشر.

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى الوثائق المستغلة في هذا المبحث.

تركزت، إذًا، تربية الخنزير في الشمال الغربي للمغرب، وأساسًا في المدن التي شهدت استقرارًا أوروبيًا كبيرًا، كطنجة والعرائش

والدار البيضاء والرباط، ما يدل على أن تربية الخنزير في المغرب جاءت في خضمّ التغلغل الأوروبي في المغرب، وأنها عادة دخيلة على

المغاربة جاء بها الأوروبيون إليهم، والشاهد على ذلك ما ورد في مختلف الوثائق المخزنية من تذمر المخزن الشديد من الأوروبيين، ولم يأت فيها ذكرٌ لمغاربة كانوا يربّون الخنزير كما هو شأن الأوروبيين، وتوجد أيضًا شهادات من الأوروبيين أنفسهم على ذلك، منها

ما أورده دوتي: "كان أوروبيو الرباط يتعاطون تربية الخنازير [...] والجدير بالذكر أن تربية الخنزير الشائعة اليوم في كثير من المدن الساحلية قد كانت من قبل تلقى محاربة شديدة من لدن المخزن"54. تفيد معظم الوثائق أن انتشار الخنزير كان سائدًا في منطقة الغرب، وكذا في المراسي المغربية المرتبطة بها55، ومنها رسالة مؤرخة في 5 شعبان 1309 ه/ 1891 م جاء فيها أنه قد "ترادفت الشكاية من عمال قبائل البادية، خصوصا عمال قبيلة الغرب، باتخاذ رعية الأجناس الحلوف ببلادهم حتى صار بها مثل دول الغنم"56. وفي رسالة أخرى أن "رعية الأجناس صاروا يتخذونه [الخنزير] كسيبة ببلاد الغرب مثل كسيبة الغنم"57. وإذا كانت هذه الوثائق تخصّ منطقة الغرب بانتشار تربية الخنزير، فإن بعضها يخص

مدينة العرائش تحديدًا. لماذا مدينة العرائش خصوصًا؟ أيعود الأمر إلى البنية الجغرافية والمناخية والاستقرار التاريخي، أم إلى الوجود

الإسباني المكثف فيها وميل الإسبان إلى تربية الخنزير؟

ثالثًا: تعدد الأجناس الأوروبية المنخرطة في تربية الخنزير والمشاكل الناجمة عنه

1. تعدد الأجناس الأوروبية المنخرطة في تربية الخنزير

يمكِّن تصفح الوثائق المتعلقة بتربية الخنزير من رصد مجموعة من المعطيات، منها تعدد الأجناس الأوروبية التي انخرط رعاياها في هذه العملية: الإسبان والإنكليز والفرنسيون والإيطاليون، وبدرجة أقل البرتغاليون. غير أن إسبانيا، وإنكلترا بدرجة أقل، كانتا الأشد تمسكًا بهذا النشاط وإثارة للمشاكل بعدم الالتزام ببنود الاتفاق المعلوم مع المخزن؛ إذ نجد في نحو عشرين وثيقة تتحدث عن هذا الموضوع ما يقارب 40 في المئة يتعلق بإسبانيا، ونحو 27 في المئة بإنكلترا، و 13 في المئة بإيطاليا، في حين يتعلق الباقي بفرنسا والبرتغال بالنسبة نفسها58. كان الإسبان أشد الأجناس حرصًا على تربية الخنزير، حتى ارتبطت بهذه الظاهرة أسماء أشخاص معيّنين، أمثال منويل منطي،

ومنويل منطيس، ومنويل مرطينس، وأنطونيو، وخوسي، وخافيير. وبرر المفوض الإسباني فعل رعاياه من أجل تبرئة ذمتهم من المنسوب إليهم، بل وصل به الأمر إلى حدود المطالبة برد الاعتبار إليهم وتعويضهم، وهذا ما تعكسه كل الأساليب التي كان يتّبعها

المفوض الإسباني، فتارة يتخذ من الهجوم وسيلة للدفاع، وتارة يهادن، وأخرى يراوغ أو يماطل59. لجأ الجانب الإسباني إلى تنويع أساليبه في الرد على الطرف المغربي، وهذه المرة اتخذ المفوض الإسباني أسلوب التملص من المسؤولية، وهذا ما يعكسه مقتطف من هذه الرسالة: "فقد أخبرنا قنصولنا بالعرائش أن الخنزير الذي كان تحت ولاية الصبنيوليين خوسي ومنويل المشار إليهما باعوه لأحد الإنجليز ولم يبق لهم شيء في الغرب لا شيء من ماشية الغنم ولا البقر وعلى المحبة والسلام"60.

54 دوتي، ص 50. 55 الوثيقة 127. 56 الوثيقة 113. 57 الوثيقة 83، المحفظة 37، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 58 حصلنا على هذه النسب من مجموع الوثائق المعتمدة في هذه الدراسة، الذي بلغ عشرين وثيقة، وقمنا بتقسيمه بحسب كل دولة، ثم استخرجنا النسب أعلاه بعد

تحويل الأرقام إلى نسب. 59 استمات الجانب الإسباني في الدفاع عن رعاياه والتستر عليهم بشتى الأساليب. ينظر: الوثيقة 158، المحفظة 36، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 60 الوثيقة 140، المحفظة 36، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

  1. دوتي، ص 50.
  2. الوثيقة 127.
  3. الوثيقة 113.
  4. الوثيقة 83، المحفظة 37، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  5. حصلنا على هذه النسب من مجموع الوثائق المعتمدة في هذه الدراسة، الذي بلغ عشرين وثيقة، وقمنا بتقسيمه بحسب كل دولة، ثم استخرجنا النسب أعلاه بعد تحويل الأرقام إلى نسب.
  6. استمات الجانب الإسباني في الدفاع عن رعاياه والتستر عليهم بشتى الأساليب. ينظر: الوثيقة 158، المحفظة 36، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  7. الوثيقة 140، المحفظة 36، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

ولعل أبرز ما دفعنا إلى اعتبار الرعايا الإسبان ودولتهم الأكثر ارتباطًا بهذه الظاهرة ليس هو تعدد الوثائق التي تشير إليهم فحسب، بل هو ما أبانوا عنه كذلك من شدة حرصهم على ممارسة هذا النشاط، ولو كلّفهم ذلك خرق الاتفاق الذي ربطهم والأجناس الأخرى بالمخزن، وتقديم قراءات فيها كثير من التحايل على مضامين الاتفاق بما يتناسب مع مصالحهم61. يدفعنا هذا الموقف إلى طرح السؤال التالي: ما الأسس والمبررات التي بنى عليها المفوض الإسباني موقفه المتحايل؟ مع العلم أنه كان يعترف بنفسه في الرسائل ذاتها بأن الرعايا الإسبان هم من كانوا يتركون قطيع الخنزير يرعى في حقول الناس، في المقابل ينكرون على العامل قتل القطيع تفعيلً لنص الاتفاق، معتبرين أن الاتفاق نص على الذعيرة لا على القتل62، وهي محاولة التفاف على نص الاتفاق ليس إلا. وقد أشرنا سابقًا إلى أن الاتفاق أقرّ حقّ الولاة في قتل الخنازير المتسببة في ذلك، وأما الغرامة فكانت على

الزيادة فوق خنزير واحد لكل عائلة أوروبية، ولكن بشرط أن يظل داخل سياجه، أما إذا خرج إلى حقول الناس فالاتفاق نص على قتله لا على تغريم صاحبه، وهذا الحق اعترف به المفوض الإيطالي في معرض رده على رسالة العربي الطريس: "وأمرناه [خليفته] أيضًا بمنعهم [رعيتهم] من سرح الحلوف بالطرقات والعراصي، ونبهنا عليه بأنه إذا خالف هذا الأمر فولات [فولاة] البلد وغيرهم مأذونون في ضربهم بالبارود، ومن غير الممكن لصاحبهم طلب المعاوضة على الضرر"63. إذًا، لماذا رفض الطرف الإسباني الإذعان للاتفاق في حين قبله الطرف الإيطالي؟ نعود إلى السؤال الأول المتعلق بمبررات المفوض الإسباني قبل الإجابة عن هذا السؤال، فمن بين التبريرات التي قدّمها المفوض لموقفه الرافض لقرار عامل تطوان قوله: "كان من حقه [أي كان على العامل] ألا يستعجل بهذا الفعل حتى يطلب من قنصولنا تعويض الضرر الذي وقع من الخنزير بالعرصة المذكورة"، وقوله: "إذا طلب العامل الحق من قنصولنا فلا شك أنه يستنصف منه"64. وإذا نظرنا إلى هذا المخرج الذي اقترحه المفوض، فسنجد أنه جاء منافيًا لمضمون الاتفاق؛ حيث إن هذا الاتفاق لم يصرح قطّ

بأنه في حالة حصول ضرر من الخنزير في الحقول، فإن التعويض يكون على حساب صاحب الخنزير، كما قال المفوض، وإنما جاء في الاتفاق أنه إن وُجد الخنزير يرعى في الطرقات وقتله أحد الولاة أو غيرهم فلا مجال للمطالبة بأيّ تعويضات65. ويجد المتمعن في كلام المفوض أنه حاول التغاضي عن الشروط المتفق عليها سابقًا، لذلك غالبًا ما اتُّهم العامل بخرق شروط

الاتفاق – على الرغممن أن فعل العامل كان تطبيقًا حرفيًا لهذه الشروط- ولا يشير بأدنى مثال إلى هذه الشروط التي يزعم أنه خرقها. ويتضح

هذا في مواضع عديدة من حديثه مثل قوله: "[بالنظر] إلى هذا الفعل وبما اتفق عليه نواب الحضرة الشريفة ونواب الأجناس، وبناء عن هذا فإن [قناصلنا] قد استرعوا عليه"، "ليفعل ما فعل حيث هو مخالف لشروط الخنزير لفظًا وحكمًا"66، عكس ما فعل المفوض الإيطالي في

الرسالة السابقة، إذ صرح بمجموعة من بنود الاتفاق، ومنها حق قتل الخنازير التي ترعى في الطرق والحقول من دون أداء تعويض. ويدل تشبّث المفوض الإسباني بعدم الوضوح فيما يتعلق بالشروط على أنه يرى أنها لا تخدم مصلحة رعاياه؛ حيث إن امتلاك

أكثر من خنزير واحد هو في حد ذاته أمر مخالف للاتفاق أصلً، وليس إلى حد الوصول إلى قطيع من واحد وسبعين خنزيرًا، لأن ذلك

61 الوثيقة 114. 62 الوثيقة 163؛ الوثيقة 114. 63 الوثيقة 11، المحفظة 56، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 64 الوثيقة 163. 65 الوثيقة 83. 66 الوثيقة 163.

  1. الوثيقة 114.
  2. الوثيقة 163؛ الوثيقة 114.
  3. الوثيقة 11، المحفظة 56، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  4. الوثيقة 163.
  5. الوثيقة 83.
  6. الوثيقة 163.

يستوجب، طبقًا للاتفاق، قتلها من دون معاوضة، نظرًا إلى الضرر الذي تُلحقه بمحاصيل الناس، وهذا يعني أن الرعايا الإسبان لم

يكونوا ملتزمين بالاتفاق في حصر امتلاكها في عدد محدود، ما يدفعنا إلى القول إنهم كانوا يربّونها للتصدير، وليس لمعاشهم. وعند تحليل كلام المفوض الإسباني، نلاحظ أنه لم يركّز على خرق رعاياه الاتفاق، باعتبار ذلك هو الفعل المثير للخلاف، بقدر ما كان يركّز على الرد المغربي الذي هو تطبيق حرفي للاتفاق، حيث حرص مرات عديدة على تقديم قنصله والتاجرَين على أنهم طرف متضرر: "إن

قنصولنا استرعى عليه من جانب الضرر الذي حصل للسبنوليين"، وألقى باللوم على العامل: "أن العهدة تكون عليه [...] إن هذا العامل في هذا الشأن خارج عن القاعدة [...] حيث إن هذا التعدي وقع بإذن منه ولا يرد البال فيما هو مشروط في ذلك". بل كان المفوض يركّز على تقديم فعل العامل على أنه مخالف للشروط، وذلك لمحاولة تشكيل نوع من الضغط على مخاطبه وإضعاف موقفه، كما شكّك في الإذن الصادر للعامل من القائد محمد بن محمد اللبادي67 واتهمه في سيرته بقوله: "فلا يخفى على سيادتكم أن سيرة هذا العامل في هذا الشأن خارجة عن القاعدة ولا تستعجبوا أيضًا من أن لنا شكًا في هذا الإذن الذي زعم العامل أنه أورد [ورد] عليه ليفعل ما فعل  "68. وقد أصرّ المفوض الإسباني على موقفه، واعتبر أن هذا التعدي لا يزول إلا بأداء العامل المذكور ثمن ما قتل من الخنازير لجبر الضرر

الواقع على التاجرَين – على الرغم من أن الاتفاق لا ينص على التعويض تحت أيّ ظرف - وأن ما سرده من معطيات كافٍ لإقناع القائد

محمد بن محمد اللبادي بإلزام العامل بأداء التعويض، وإلا فسيرفع الطلب إلى الحضرة الشريفة، حيث يقول: "فلأجل ما قدّمناه نطلب من جنابكم أن تأمروا العامل المذكور بأمر مؤكد يؤدي لقنصولنا بسرعة ألف ريال وسبعمئة وخمسة وسبعين ري لً ثمن واحد وسبعين خنزيرًا

المقتولة على قدر خمسة وعشرين لكل واحد، حيث إن هذا التعدي وقع بإذن منه ولا يرد البال فيما هو مشروط في ذلك ونرجو منكم إن لم يمتثل بفصال هذا الطلب رفع هذه النازلة لجانب الحضرة الشريفة على لساننا بتفصيل هذه القضية ح لً وعلى وجه الخير والإحسان"69.

2. المشاكل المرتبطة بتربية الخنزير

يعترف جون دراموند هاي بالأضرار التي أحدثتها تربية الخنزير في إحدى رحلاته لصيده، حيث يشير إلى أن الإسبان كانوا يتركون الخنازير ترعى في حقول الفلاحين ليلً؛ ما دفعهم إلى رفع الشكاوى إلى المخزن70، والأمر نفسه نجد له صدى في إحدى رسائل السلطان إلى محمد بن العربي الطريس في وثيقة مؤرخة في 5 شعبان 1309 ه/ 1891 م يقول فيها إنه قد "ترادفت الشكاية من عمال قبائل البادية، خصوصًا عمال قبيلة الغرب، باتخاذ رعية الأجناس الحلوف ببلادهم حتى صار بها مثل دول الغنم وحصول الضرر الفادح لهم بنبشه المقابر وإفساد غروسهم وجناتهم"71. أثار انتشار الخنزير في حقول المغاربة، والأضرار المترتبة عليه، ردودًا مغربية ناتجة من عدم التزام الأوروبيين بالاتفاق المذكور، وهو ما جعل السلطة المخزنية في مواجهة الأوروبيين أمام ضرورة تطبيق مقتضيات الاتفاق72؛ حيث إن الرعايا الأوروبيين لم يلتزموا بما وقّعوا عليه، وهو ما يشير إليه أيضًا الطريس في الرسالة الموجهة إلى المفوض الإسباني الدون فرانسيسك Francesc Don عندما

67 قائد محنك من كبراء الأسر التطوانية، عمل بدار النيابة بتطوان سنة 1862، ورشحه الوزير محمد بركاش للنيابة عنه قبل أن يعيّن محمد الطريس. ينظر: مصطفى

بوشعراء، الاستيطان والحماية بالمغرب، ج 1 (الرباط: المطبعة الملكية، 1984)، ص 417. 68 الوثيقة 163. 69 الوثيقة 163، المحفظة 32، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

70 Hay, p. 333.

71 الوثيقة 113. 72 ينظر على سبيل المثال: الوثيقة 8، المحفظة 79، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

  1. قائد محنك من كبراء الأسر التطوانية، عمل بدار النيابة بتطوان سنة 1862، ورشحه الوزير محمد بركاش للنيابة عنه قبل أن يعيّن محمد الطريس. ينظر: مصطفى بوشعراء، الاستيطان والحماية بالمغرب، ج 1 (الرباط: المطبعة الملكية، 1984)، ص 417.
  2. الوثيقة 163.
  3. الوثيقة 163، المحفظة 32، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  4. Hay, p. 333.
  5. الوثيقة 113.
  6. ينظر على سبيل المثال: الوثيقة 8، المحفظة 79، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

قال إن رعية الأجناس لم يحترموا الشروط، مضيفًا أن "ضرر الخنزير زاد تفاحشًا وتكاثرًا حتى صار رعية الأجناس يتخذونه كسيبة ببلاد

الغرب مثل كسيبة الغنم في يد رعاة من هذه الإيالة وبلغت الشكايات من إضراره الغاية"73. يتكرر الأمر نفسه مع مختلف الأجناس، وهذه المرة مع نائب دولة الإنكليز، حيث يقول في معرض رده على الرسالة المتضمنة لشكاية سابقة، ما نصه "وصلنا كتابك في شأن الشكاية التي جعلتها هذه مدة من ثمانية أشهر [التي وضعتها منذ ثمانية أشهر] على الضرر والفساد الواقع من الحلوف الذي هو [لرعية] الأجناس في ناحية العرائش وجددت الآن مطلوبك بالتنبيه على أربابه وهو إن وجدوا الحلوف المذكور في أملاك المسلمين يضربوه بالبارود"74. ويبدو أن أضرار الخنزير استمرت مع كل ذلك، وهو ما تعكسه الرسالة التالية: "وبعد، فالإعلام لكم بأن الخنزير قد كثر توليده هنا كثرة بالغة حتى صار أربابه يسرحون به [يرعونه] في الأملاك والمزارع مثل دول الغنم والبقر، ومرارًا عديدة يرسلونه داخل المدينة، وأكثرَ الناس التشكي من ضرره وتكلمنا في ذلك مع قناصل أربابه فأجابونا بما هو مخالف للشروط

المجعولة في شأنه، وفي علم سيادتكم ما تقدم من المكاتبات في شأنه مع نائب الإصبنيول، وقد بلغ الضرر بالناس حتى كتبوا لنا البطاقة التي توافي سيادتكم طيه، وذكروا أنه لا يقدر أحد على قتله كما تقتضي شروطه، لأن ذلك مع جراءة أربابه ربما أوقع في [المحظور] وإنما المطلوب أن يرفع أهله ضررهم بأيديهم، ونظر سيادتكم أوسع فيما تنحسم به هذه المادة"75. يبدو واضحًا، إذًا، أن تربية الخنزير قد شكلت إحدى القضايا التي أولاها الأوروبيون، بمختلف أجناسهم، اهتمامًا متزايدًا، ولم

يتنازلوا عنها على الرغم من كل الشكاوى التي رفعها المخزن إلى نوابهم في شأنها. وبناء عليه، تفرض علينا المشاكل التي ترتبت على ارتباط الأوروبيين بهذه القضية أن نضيفها إلى جملة تجاوزاتهم خلال القرن التاسع عشر، في إطار الضغوط الاستعمارية. ومن الواضح جدًا أن الرعايا المغاربة كانوا يدركون حالة العجز التي أضحى عليها المخزن تجاه تجاوزات الأجانب. تعددت المرات التي راسل فيها محمد الطريس النواب الأجانب من أجل حثّهم على التزام الشروط الموضوعة في شأن تربية الخنزير، وفي كل مرة يتلقّى وعودًا بكفّ تجّارهم ورعيتهم عن فعلهم المخالف للشروط، غير أن الأمر استمر على المنوال نفسه، وهذه

رسالة أخرى يعترف فيها المفوض الإيطالي بالشروط المجعولة، ويَعد بإلزام رعايا دولته بها، وفيها يقول: "ما ذكرتموه في ذلك مبنيّ على

الحق، وأنه من جهتي وقفت على ساق الجد في رفع الضرر المذكور من قبل رعيتنا"76، لكن هذه الوعود لم تغيّر شيئًا من واقع الحال. أفضى غياب الحزم في تفعيل مقتضيات الاتفاق، والاكتفاء في غالب الأحيان بالتعهد بتطبيقها، إلى استهتار الرعايا الأجانب بهذا الاتفاق، وعدم اكتراثهم بالعقوبات التي تضمنها، سواء على مستوى العقوبات المالية التي جُعلت على من يتعدّى العدد المسموح بتربيته،

أو على مستوى عقوبة قتل أيّ خنزير يوجد خارج مكانه الطبيعي ولو كان في حدود العدد المسموح به، حيث لم نعثر على أيّ وثيقة تفيد

بتفعيل بند الذعيرة المالية مثلً لمن تجاوز العدد المسموح به، وكذلك بالنسبة إلى البند المتعلق بقتل الخنازير؛ فباستثناء عملية عامل تطوان محمد بن محمد اللبادي التي أقدم فيها على قتل 71 خنزيرًا لتاجر إسباني تطبيقًا للاتفاق المذكور - والتي أثارت ردًّا إسبانيًّا يدين

ذلك ويطالب بالتعويض على الرغم من عدم قانونية هذا الطلب بحسب الاتفاق - لم نعثر على أيّ وثائق أخرى تبرز تفعيل هذا الاتفاق. والاستهتار نفسه نجده في جواب نائب دولة الإنكليز في معرض رده على الرسالة المتضمنة للشكاية التي تقدّم بها الطريس

إليه عن الضرر الذي تسبّب فيه الخنزير، والذي أوردناه في رسالة سابقة، حيث لم يأتِ الرد على الشكاية إلا بعد ثمانية أشهر وبعد

73 الوثيقة 83. 74 ينظر على سبيل المثال: الوثيقة 24، المحفظة 42، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 75 الوثيقة 90، المحفظة 42، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. 76 الوثيقة 127.

  1. الوثيقة 83.
  2. ينظر على سبيل المثال: الوثيقة 24، المحفظة 42، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  3. الوثيقة 90، المحفظة 42، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.
  4. الوثيقة 127.

أن جُددت الشكاية، والأدهى أن الرد عكَس بجلاء قمة الاستهتار بالاتفاق الذي جمع المخزن بالأجناس الأوروبية ومضمونه "كنا

أمرنا جميع الخلائف الذين نحن نائب عن نوابهم ليصدر منهم التنبيه للرعيات من الدول المذكورة. وهذا الإذن بقي على ما به لكن بمقتضى مرادك جددنا أمرنا للخلائف المذكورة ليجددوا التنبيه للرعيات المذكورة، فترجماننا يقرأ عليك الكتاب الذي كتبناه لجميع الخدام التقنصوات [أي القناصل] من جملتهم البلجيك"77. ويلاحظ المتفحص للوثيقة أن الطرف المغربي كان يكتفي بتقديم الشكاوى والتهديد من دون أيّ قدرة على التطبيق، وهو الأمر

الذي يُفهم من كلام المفوض البريطاني عندما صرّح بأن هذه الشكوى من ضرر الخنزير وردت منذ ثمانية أشهر، وذكّر بها - وفق تاريخ

الوثيقة - ثم يردف بإشارة إلى علمه بالعقوبة وأن أمره لرعيته في هذا الصدد قد صدر قبل وصول كتابه. وانطلاقًا من لغة الوثيقة، نلاحظ أن تعامل المفوض البريطاني مع شكاوى النائب السلطاني يعتمد على مبدأ إرضاء الطرف المغربي بنهي الرعايا الأجانب لا بكفّهم عن الخوض فيما هم فيه وإلزامهم بالشروط، حيث يشير إلى أن التنبيه كان قد صدر قبل ذلك لكن "بمقتضى مرادك جددنا أمرنا"، وكأن الأمر يقتصر فقط على جبر خاطر النائب في تنبيههم لذلك. وفي السياق نفسه، أثيرت قضية أخرى مرتبطة بموضوع الخنزير في مغرب القرن التاسع عشر، ويتعلق الأمر بشحم الخنزير، حيث يشير محمد بن عبد السلام السائح في مطلع رحلته المسماة أسبوع في باريسفي العقود الأولى من القرن العشرين إلى مسألة حلّية شحم الخنزير، حيث يقول: "كنت كتبت فيه ما نصه: مما يقع السؤال عنه كثيرًا في هذه الأيام دليل حرمة شحم الخنزير، مع أن

المنصوص على حرمته في القرآن إنما هو اللحم لا الشحم"78. وليس يهمّنا في هذا المقام جواب الفقيه بقدر ما يهمّنا السؤال على

اعتبار أنه يعكس واقعًا مع الأسف لا نعرف عنه الكثير، وحتى هذه الإشارة كانت مقتضبة جدًا ومعلوماتها التاريخية نادرة، حيث إن

محمد بن عبد السلام انتقل مباشرة إلى توضيح الموقف الديني80 في هذه المسألة ولم يمدّنا بأيّ معلومات أخرى. أما بالنسبة إلى الوثيقة الوحيدة التي عثرنا عليها فيما يتعلق بهذا الجانب، والمؤرخة في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1889، فهي تفيد أن المفوض البريطاني رفع تظلّم بعض التجار من فقدهم صندوقًا من سمن الخنزير إلى السيد محمد الطريس بفعل تهاون الأمناء بالمرسى وعدم المحافظة عليه، وهذا ما جعلهم يطلبون تعويضًا لهم عن خسارتهم، ولم تُشر الوثيقة إلى وجود أيّ علاقة

لهذا السمن بمن يستهلكه، أكان من المغاربة أم من الأوروبيين فحسب. وباستثناء ما ورد في هذه الوثيقة من معطيات - على بساطتها وقلتها - لم نجد معلومات أخرى تكشف لنا مدى انتشار هذه المسألة في المجتمع المغربي.

خاتمة

على الرغم من هامشية موضوع تربية الخنزير في المغرب في القرن التاسع عشر، فإن البحث فيه يعني التنقيب في حلقة متعددة الاتجاهات؛ ثقافية ودينية واجتماعية وسياسية واقتصادية، نظرًا إلى ما اكتساه من أبعاد مختلفة، كانت مرتبطة بالأساس بتزايد

الحضور الأجنبي في المغرب إبان هذه الفترة، والمشاكل التي كان يُوجِدها على كافة الصُعد، ما يؤشر على مدى تغلغل الأوروبيين

وتأثيرهم في أدق تفاصيل حياة المجتمع المغربي خلال القرن التاسع عشر.

77 الوثيقة 24، المحفظة 42. 78   محمد بن عبد السلام السائح، أسبوع في باريس 1922، تحقيق سليمان القرشي (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات

والنشر، 2004)، ص 92. 79 أفتى محمد بن عبد السلام السائح في هذه النازلة بحرمة شحم الخنزير، لأن لفظة اللحم تتضمن الشحم لغةً وشرعًا.

80 الوثيقة 154، المحفظة 42، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

  1. الوثيقة 24، المحفظة 42.
  2. محمد بن عبد السلام السائح، أسبوع في باريس 1922، تحقيق سليمان القرشي (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص 92. 79 أفتى محمد بن عبد السلام السائح في هذه النازلة بحرمة شحم الخنزير، لأن لفظة اللحم تتضمن الشحم لغةً وشرعًا.
  3. الوثيقة 154، المحفظة 42، الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

والملاحظ أن معظم الوثائق المخزنية التي اهتمت بهذه الظاهرة لم تتناولها من باب أن الخنزير من النجس، وأن تربيته تدخل في دائرة المدنس، على الرغم من أن للنص القرآني وما يلحقه من مواقف فقهية موقفًا واضحًا منه، سواء على مستوى الأكل أو حتى

على مستوى الاستفادة منه ماديًا، وإنما اهتمت بكونه شكَّل إحدى القضايا التي مارس من خلالها الأوروبيون تجاوزاتهم، وما خلّفه

ذلك من أضرار في المجتمع من جرّاء هذه الممارسة. وحاصل القول إن تربية الخنزير التي انتشرت في مغرب القرن التاسع عشر بإيعاز من الأوروبيين قد تجاوزت مسألة أكله التي تدخل في خانة المحظور، والتي كانت محدودة بين المواطنين، وصار الأمر يتعلق بنشاط اقتصادي استحدثه الأوروبيون، ورافقته مجموعة من المشاكل التي تسبّبت فيها قطعان هذا الحيوان الكثيرة للسكان والفلاحين على حد سواء، ومن ثم للمخزن الذي ما

فتئ يتلقّى الشكاوى من فداحة الأضرار التي كانت تلحق رعيته، وهو ما انضاف إلى سلسلة الضغوط والإكراهات التي واجهها المخزن إبان مرحلة التسرب الاستعماري.

المراجع

العربية

الملكية، 1993. البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. دمشق/ بيروت: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، 2002.

الشركة المغربية للنشر - ولادة، 1992.

مطابع إديال، 1990. بن عاشور، محمد الطاهر. تفسيرالتحرير والتنوير. تونس: دار سحنون، 1984. بن عبد الله، الحسين بن علي. قصص وأمثال من المغرب. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2012. بوشرب، أحمد. دكالة والاستعمارالبرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1984.

المالي بالمغرب. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1979.

مجلة جامعة الملك عبد العزيز - الآداب والعلوم الإنسانية. مج 6 (1993). دو فوكو، شارل. التعرف على المغرب. ترجمة المختار بلعربي. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1999. دوتي، إدمون. مراكش. ترجمة عبد الرحيم حزل. الرباط: منشورات مرسم، 2011.

الرباطي، محمد الضعيف. تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة). تحقيق أحمد العماري. الرباط: دار المأثورات، 1986.

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.

دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009.

References

أعمال ندوة التجارة في علاقتها بالمجتمع والدولة عبر تاريخ المغرب. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989. البادسي، عبد الحق. المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف. تحقيق سعيد أعراب. ط 2. الرباط: المطبعة

بن الصغير، خالد. المغرب في الأرشيف البريطاني: مراسلات جون دراموند هاي مع المخزن 1846 - 1886. الدار البيضاء:

بن زيدان، عبد الرحمن. إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس. تحقيق عبد الهادي التازي. ط 2. الدار البيضاء،

التوزاني، نعيمة هراج. الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن 1290 - 1311 / 1873 - 1894: مساهمة في دراسة النظام

الحارثي، تركي بن عجلان. "نماذج من التجاوزات الأجنبية في المغرب الأقصى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر".

دي توريس، دييكو. تاريخ الشرفاء. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1988.

السائح، محمد بن عبد السلام. أسبوع في باريس 1922. تحقيق سليمان القرشي. أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ بيروت:

السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي. سنن أبي داوود. تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قره بللي.

الشاذلي، عبد اللطيف. معجم المصطلحات الإدارية والألفاظ العامية والأجنبية الواردة في بعض الوثائق والمؤلفات المغربية. الرباط: المطبعة الملكية، 2007. علي، عبد الله مقبل. "نظرية بيع المحرمات في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس. فاس، 2009. كربخال، مارمول. إفريقيا. ترجمة محمد حجي [وآخرون]. الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛ الرباط: مكتبة المعارف، 1984. لبيب، سامي. "نحن نخلق الأسطورة والميثولوجيا والحلال والحرام ويمكن أن نسرقها أيضً (ا 1): الخنزير مُحرمًا". الحوار المتمدن.

العدد 3088. 8 / 8 / 2010:. في x 3 JYV 41 / ly. bit:// http معلمة المغرب. الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2000. موليراس، أوجيست. المغرب المجهول: اكتشاف الريف. ترجمة وتقديم عز الدين الخطابي. الرباط: منشورات تيفرازناريف؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2007. نهليل، محمد. رسائل شريفية. تقديم الجيلالي العدناني وعبد الرحيم بنحادة. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013. هاريس، مارفن. مقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة. ترجمة أحمد م. أحمد. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. الوثيقة 2. المحفظة 96. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 8. المحفظة 52. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 8. المحفظة 79. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 11. المحفظة 56. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 24. المحفظة 42. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 24. المحفظة 80. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 56. المحفظة 11. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 83. المحفظة 37. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 113. المحفظة 10. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 114. المحفظة 37. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 127. المحفظة 56. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 140. المحفظة 36. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 154. المحفظة 42. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

الوثيقة 158. المحفظة 36. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 163. المحفظة 32. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان. الوثيقة 163. المحفظة 36. الخزانة العامة للمحفوظات بتطوان.

والترجمة والنشر؛ بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983.

منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية، 1981.

الأجنبية

الوزان، الحسن بن محمد. وصف إفريقيا. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. ط 2. الدار البيضاء: الجمعية المغربية للتأليف

الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب. الرباط:

Hay, John Drummond. "Reminiscences of Boar-hunting in Morocco." Murray's Magazine: A Home and Colonial Periodical for the General Reader. vol. 3 , no. 15 (January-June 1888). Mouliéras, August. Le Maroc inconnu, Tome 2: Exploration des Djebala. Paris: Augustin Challamel Editeur, 1899.