مراجعة كتاب سوسيولوجيا القيم وأخلاقيات المجتمع والسلطة بالأندلس والمغرب الوسيط
Review of The Sociology of Values, the Ethics of Society and Authority in Andalusia and Medieval Morocco
الملخّص
المؤلف: سعيد بنحمادة. عنوان الكتاب: سوسيولوجيا القيم وأخلاقيات المجتمع والسلطة بالأندلس والمغرب الوسيط. الناشر: دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة. سنة النشر: 2022 . عدد الصفحات: 318 .
Abstract
Author: Said Ben Hamada. Book title: The Sociology of Values, the Ethics of Society and Authority in Andalusia and Medieval Morocco . Publisher: Cairo: Dar Roueya for Publishing and Distribution. Date of Publication: 2022. Pages: 318.
- علم الاجتماع
- الأخلاق
- الأندلس
- المغرب
- Morocco
- Andalus
- Sociology
- Values
- Ethics
| عبد الهادي البياض*Abdelhadi El Biade | | |
| مراجعة كتاب سوسيولوجيا القيم وأخلاقيات المجتمع والسلطة بالأندلس والمغرب الوسيط Review of The Sociology of Values, the Ethics of Society and Authority in Andalusia and Medieval Morocco | |
| المؤلف: سعيد بنحمادة. عنوان الكتاب: سوسيولوجيا القيم وأخلاقيات المجتمع والسلطة بالأندلس والمغرب الوسيط. الناشر: دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 318. | |
انفتح عدد قليل من المؤرخين على مناهج العلوم الاجتماعية في دراساتهم، ففتحوا آفاقًا لمن أتى بعدهم من الدارسين لتعقّب أثرهم المعرفي والمنهجي، في إطار تجديد البحث السوسيولوجي ومقاربات التحليل الحديثة. وفي هذا السياق، يندرج كتاب سوسيولوجيا القيم وأخلاقيات المجتمع والسلطة بالأندلس والمغرب الوسيط للباحث سعيد بنحمادة، وهو كتاب مؤسس لعلاقة السوسيولوجيا بالتاريخ من مدخل القيم. وإذا كانت السوسيولوجيا بهذا المعنى قد حازت موطئ قدمٍفي اهتمامات المؤرخين، فإن موضوع التاريخ المفعم بأحوال الماضي يُقلّل بطبعه من مستقبل الانفتاح على السوسيولوجيا ذات الشغف بالحاضر أكثر من الماضي، لذلك فإن كل انفتاح على العلوم المجاورة لا يُفقد المؤرخ منهجه الأصيل في البحث والدراسة. وفي هذا الصدد، حُقّ للمؤرخ أحمد التوفيق أن يُجمل مسعى الأبحاث السوسيولوجية في "اكتشاف قوانين التوازن الاجتماعي انطلاقًا من فرضيات منطقية، [وهذا] يختلف عن مسعى المؤرخ الذي يريد أن يكشف عن التطور اعتمادًا على الأحداث والوقائع"1. يُعدّ كتاب بنحمادة مميّزًا من حيث النوعية والفرادة؛ إذ يصعب تأطيره ضمن الأبحاث التاريخية التقليدية، وهذا يوحي - من خلال النبرة الغالبة عليه - أن صاحبه سلك سبيل مدرسة التاريخ الجديد مقاربةً ومنهجًا، مع ما يحمله من طموح واعد يسم أبحاثه ضمن بوتقة الدراسات السوسيوتاريخية. والذي يتصفح دراساته السابقة يقف على نوازع هذا الطموح2، وهو ما يتجلّى من خلال مقدمة وخاتمة وخمسة فصول وملاحق ومسرد ببليوغرافي.
أوالً: سياق الكتاب وإشكاليته
استقصى المؤلف في مقاربته القيم أسلوبًا ميّز فيه بين البنيوي والظرفي، من خلال الانطلاق من القيم والأخلاق التي تمثل بالنسبة إلى دراسته معيارًا للتمييز بين الفطري والمكتسب، فغدا الخُلق بهذا المعنى صفة سلوكية "يكون بالطبع ويرسخ بالتعود" (ص. 32). تتمحور إشكالية الكتاب حول "سوسيولوجيا القيم والتمثلات والعوائد المتعلقة بالسلوك الاجتماعي"، وهي مستمدة، من الناحية المنهجية، من "نسق شمولي ورؤية مندمجة لتخصصات تتجاوز التاريخ والجغرافيا والطب والأدب والآداب العامة" (ص. 12). ومن الناحية الإجرائية، فكّك الإشكالية المذكورة بحسب محورين تتجاذبهما جدليتا "الاعتدال" و"التحول" اللتان همَّا القيم من جرّاء التغير الذي شمل البنى الاجتماعية والسياسية والذهنية في مجالَي المسألة البحثية (ص. 16). رصد الكتاب كذلك السياقات الكبرى للتحول الحضاري بالنسبة إلى المغرب والأندلس، مسترشدًا بتحليل عبد الرحمن بن خلدون لمنظومة القيم، من خلال ضوابط ثنائية متباينة تنتقل من "شظف العيش" إلى "رقة الحضارة"، وسلّط الضوء على التوظيف الاجتماعي لمجال المقدس في مدّه وجزره في اتجاه التجاذبات التي يفرضها هامش المدنّس، ثم اعتبر الترف مؤشرًا لتحوّل القيم؛ لا على أساس التجاوزات الظرفية المعزولة الحاصلة في سلوك الأفراد، بل على قاعدة مستويات "التحوّل في بنيتَي المجتمع والحكم" (ص. 14). ومن تجلّياته ما رصده المؤلف من تحوّل شمل مقومات العمران الاجتماعي ووظائفه، وأنماط العيش وأنظمة الغذاء وثقافات الاستهلاك، فأفرز هذا الوضع قيمًا متباينة بتباين مستويات التراتب الاجتماعي.
وسّع المؤلِّف دائرة القراءة والتقصّي، فشملت مصادر متنوّعة المشارب. ووعيًا منه أن الإحاطة بالأسئلة المحورية للمسألة البحثية تجد تفسيرها في ثراء المادة المصدرية باعتبارها "وعاءً للمعارف الإشكالية" (ص. 16)، أعاد النظر في مفهوم الوثيقة التي شكّلت سنده في مخرجات الدراسة لمقاربة سوسيولوجيا القيم. وفي هذا الصدد، وإلى جانب غنى المادة المُستقاة من أمهات المظانّ والمصنّفات، أفصح المؤلف عن استفادته من مقاربة الكلّيات الخمس للدين في تفاعلها مع منظومة القيم، من خلال اعتماده على فلسفة نظرية المقاصد لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، في علاقة مندمجة بوقائع التاريخ وأحداثه وفق طبائع العمران، بحسب الرؤية الخلدونية للاجتماع البشري (ص. 16). تُعدّ الموازنة الحاصلة في هذا الكتاب بين مجالَي المغرب والأندلس نقطة مضيئة تعود إلى منهج المؤلف في استقصاء دقيق للمصادر وسبر أغوارها الدفينة، وهو ما نتج منه ثلم فجوات عديدة. وقد كان تركيزه على نقط التمفصل بين المجالين كفيلً بتحديد خصائصهما على نحو أدقّ في القيم والأخلاق والذهنيات. انصبّ اهتمام المؤلف على الأصل الإشكالي لمحاور مبحثه في أفق ربط الأخلاق بالتشكيلة الاجتماعية من ناحية، وربطها بنمط الإنتاج لاستنباط التداول الاجتماعي للقيم من ناحية أخرى، وهو توجّه جديد في البحث يُدرج ضمن اهتمامات مدرسة التاريخ الجديد، من خلال تركيز المؤلف على سُبل مناقشة القيم وتجليات السلوك والذهنيات عبر "المنظور المفتّت للبنيتين: المجهرية والعامة لحركية القيم في المعاش" (ص. 17). على المستوى الزمني، اعتمد المؤلف مفهوم فرناند بروديل للمدى الطويل، الموافق للتفاعلات التي تستغرقها تحولّات البنى القيمية والأخلاقية للمجتمع المغربي - الأندلسي خلال العصر الوسيط. وفي ما يخصّ الهوامش، التزم المؤلف بنظام الإحالات على النحو المتداول أكاديميًّا من جهة، وتمثّل دسامة الهوامش التي جمع فيها بين التراث المخطوط والمطبوع صدى أمينًا لغنى وتنوّع الببليوغرافيا التي أثبتها في نهاية الكتاب من جهة أخرى؛ إذ ليست العبرة في الجمع والتقميش، بل في القدرة المنهجية على قراءة مادة متنوعة واستثمارها، تنهل من أجناس اللغة والفقه والنوازل والأصول والمقاصد واللغة والأدب والتفسير والتاريخ والفلاحة والطب والصيدلة والمناقب والأمثال والزجل والشعر والنوادر والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية، وغيرها مما يقوم دليلً على نوعية المعلومات وأهميتها الكبيرة التي أغنى بها المؤلف رصيده العلمي حتى يحيط بموضوع دراسته من كل الزوايا والجوانب. انطلاقًا من القراءة الواعية للنصوص المختلفة، اعتمد المؤلِّف في أثناء التحرير أسلوبًا تركيبيًّا لما يصل إليه من حصيلة تراكمية خلال استنباط المضمر الثاوي في بنية الوثائق، وإنْ كان يميل أحيانًا إلى مقاربة الوصف والتعليق تارة، ومقاربة العرض والاستنتاج تارة أخرى. ذيّل المؤلِّف كتابه بمعجم للمفاهيم والمصطلحات ذات الصلة بالقيم والأخلاق في بنية الفكر الإسلامي، بحمولتيها المحمودة والمذمومة (الملحق 1، ص 272 - 279). وخصّص للألفاظ العلمية، الطبية منها والصيدلية المرتبطة بمنع الحمل والإجهاض والحمل، معجمًا لا يقلّ أهمية عن الملحق الأول، ودرج على توثيق كل مفهوم يورده (الملحقان 3 و 4، ص 282 - 285). ونشير، في هذا السياق، إلى أنه لو استثمر هذه التعريفات، بما هي استطرادات مهمة، في دعم بنية وحدات الفصول الموضوعية، لأغنت ما توصّل إليه من نتائج، وكأننا بالمؤلف قد حافظ على توازن فصول كتابه حين وظّف الملاحق (ملحق 2، ص 280 - 281؛ ملحق 5، ص 286؛ ملحق 6، ص 287 - 290) لجمع درر ما يفيد المؤلِّفين المهتمين بالموضوع من فائض النصوص في وقت تواترت فيه لازمة ندرة
الوثائق وشح المادة المصدرية، والحال أن المؤلف بمنهجه الاستقصائي الدقيق جعلنا نميل إلى ترجيح أن المسألة مرتبطة بأزمة منهج، لا بندرة المصادر والوثائق.
ثانيًا: القضايا المحورية للكتاب
اقتفى المؤلِّف في تقسيم كتابه منحى الأسئلة المركزية والقضايا المحورية التي أفرزها الأصل الإشكالي للمسألة البحثية؛ فإلى جانب المقدمة والخاتمة، تضمّن الكتاب خمسة فصول يجمع بينها خيط ناظم، تتدرج قسماته من البسيط إلى المركب، ومن الظرفي إلى البنيوي. حاجّ المؤلف في الفصل الأول بأن موضوع القيم يمثّل إشكالية ملغزة تعتريها مرافعات إلى حد السجال بين حقول معرفية متعددة تتقاطع اهتماماتها بصلب الموضوع، غير أن تبادل الخبرة بين مختلف العلوم اقتصر في الغالب على المستوى التنظيري، ومن ثَمّ "لا يمكن للقضايا التاريخية أن تبلغ منزلة الحقيقة البرهانية دون النظرية"3، مع الحذر الشديد – بطبيعة الحال- من الوقوع في مرافعات نظرية لا تستند إلى واقع تاريخي، فكان المؤلف واعيًا بما هو في صدده، بدليل أنه كان يُمحّص الوقائع استنادًا إلى مظانّها، فيكشف عن منطوقها من دون إغفال الإشارة إلى شفرات مضمراتها. بناءً عليه، نُسجّل أن اهتمام المؤرخ بالاستفادة من العلوم المجاورة لا يُحمَل على أساس محاكاة مناهجها حذو النعل بالنعل، بقدر ما تحدوه الرغبة في الاسترشاد بنجاعة طرائقها في حل قضايا جزئية بعيدة عن المنهج التاريخي، كما هو الشأن في انفتاح المؤلف على المقاربة الطبونيمية ومناهج اللسانيات، سعيًا لفكّ دلالات الأسماء والقبائل وبعض الألقاب المحلّية الأندلسية؛ كما هو الشأن في وصف الشاعر عبد الكريم البسطي لأحد القُضاة المرتشين ب "اللب"، ومعناه بحسب ما كشف عنه المؤلف هو "الذئب في لهجة الأندلسيين" (ص. 240). وبما أن المفهوم الجديد للتاريخ يركز على البنى الاجتماعية والمؤسساتية، فقد أراد المؤلِّف تجاوز المنظور التقليدي للوقائع التاريخية المنغمسة في اجترار البطولات الدورية للحكام وانتصارات قادة الجيش وصَولة زعماء القبائل باعتباره تاريخًا "مزيّفًا يختفي تحت قشرة مضللة"4، على حد تعبير جاك لوغوف Goff Le Jacques. فحاول كشف البنى التي تمثّل حفريات التاريخ العميقة من خلال التفكيك والتفسير وإعادة تركيب "الأحداث والسياقات والأنساق والتفاعلات" (ص. 22). ولعل هذا ما دعاه إلى إعادة النظر في أدوات إنتاج الخطاب القيمي لدى المجتمعَين، الأندلسي والمغربي، في الحقبة الوسيطية، وهو ما يسّر له دراسة السلوك والممارسة الخُلقية، وربط الأخلاق الفردية بالجماعية لتجاوز العرضي واعتماد المنتظم منها. إن القيمة العلمية لإدماج القيم في نسق البنى المذكورة تكمن في رصد المدد الزمنية الطويلة، وتجاوز التعاقبات الخطية والظرفية للفعل الاجتماعي عبر تفكيك حركة القيم وفعاليتها بأبعادها العلائقية والنسقية، فتشمل بذلك "الممارسات وردود الأفعال والسلوك الفردي، وأثر التنشئة الاجتماعية والمحددات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المنفتحة على المتغيرات الزمنية العميقة والبطيئة" (ص. 25). وبناءً عليه، فإن "الأطر القيمية الذهنية هي بمثابة سجون لمدى طويل"5.
استنادًا إلى المفهوم الجديد للوثائق، قدّم المؤلِّف دراسة نقدية للمصادر التاريخية التي اهتم مؤلفوها بالضوابط القيمية والأخلاقية، فبيّن أن أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه وُصف في القرن 5 ه/ 11 م، بحسب تقعيده للقيم، بأنه "مؤسس علم الأخلاق الإسلامي"، في حين عُرف أبو حامد الغزالي في أواخر القرن 5 ه وبداية القرن 6 ه/ 11 - 12 م ب "مجدد الفكر الأخلاقي الإسلامي" (ص. 31). أدرج المؤلِّف أيضًا رؤى لعدة مصنّفات اهتمّت بالقيم والأخلاق ضمن قاعدة الطبائع الأربع التي تتحكم في تشكيل الأمزجة والطباع، وما تنتجه من "نفس شهوانية، ونفس غضبية، ونفس ناطقة" (ص 35 - 36). وقد نوّه برؤية أبي إسحاق الشاطبي، مبدع التفكير المقاصدي في القرن 8 ه/ 14 م الذي أدمج القيم والأخلاق ضمن مقاصد الشريعة، من خلال قوله: "إن تكاليف الشريعة ترجع إلى مقاصده في الخلق" (ص 39، 40). إننا أمام منظومة متكاملة للقيم والأخلاق، "يرتبط فيها الفطري بالمكتسب، والغريزي بالمجتمعي، والجبلّة بالعوائد، ويتحوّل معها خُلق الفرد وقيمه إلى تجلٍّ لتنشئة من قبل النظم والمؤسسات" (ص. 44). في مقابل ذلك، بيّن المؤلف مزالق بعض الدراسات التي قوّم أصحابُها مبحث الأخلاق عند علماء المغرب والأندلس بمرجعية يونانية، مغفلين أن هذه المرجعية تستمد مقوّماتها من الخطاب الفلسفي، وأنه لا صلة لها بالدين. وقد عدَّ المؤلف ذلك ثغرة منهجية أفرزت نتائج عكسية، في حين أن مبحث الأخلاق لدى المسلمين يُدرج ضمن حركية التديّن والآداب الشرعية المتفرّعَين من الفقه (ص. 55). في هذا الصدد، عزّز المؤلِّف بناءه النظري بمعطيات الواقع التاريخي للأندلس والمغرب خلال العصر الوسيط، مبرزًا أن البعد القيمي والرصيد الأخلاقي كانا من بين المرتكزات التي سهّلت انتقال صنهاجة من مرحلة الدعوة إلى قيام الدولة المرابطية، وأكد مدى استثمار مهدي الموحدين للبعد القيمي في النيل من أخلاق المرابطين، وشهّر بهم، وخصص لهم بابًا في كتابه أعز ما يُطلبعنوانه: "باب في بيان طوائف المبطلين من الملثمين والمجسمين وعلاماتهم" (ص. 73)؛ وذلك في أفق تشكيل رأي عام لإسقاط شرعية حكمهم. في مقابل ذلك، روّج المهدي بن تومرت لملامح نظام بديل شكّلت القيم ضلعَي مثلثه (ص. 74). وقد أماط المؤلِّف اللثام عن البعد السياسي في توظيف القيم في العهد المريني؛ منوّهًا بما يُجَلّيه في هذا المضمار خطاب أبي عبد الله بن محمد التلمساني في كتابه المسند الصحيحالحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن، من حيث تركيزه على أخلاق القائم على تدبير السلطة وقيمه (ص. 75). وخصّص المؤلف بعدًا ثانيًا يهتمّ بدراسة المنظور الخلدوني للقيم في العمران البشري وطبائعه، مركزًا على قيم "الاعتدال" و"الانتقال" في الاجتماع الإنساني؛ إذ تختزن المقدمة نظامًا قيميًّا يعكس التحوّل المجتمعي في نهاية العصر الوسيط، ذلك أن العمران بنوعيه، البدوي والحضري، يحتاج في استمراره إلى قيم الاعتدال في المناخ والأخلاق والألوان والأحوال، مقرّرًا أن أهل المغرب والأندلس ينتمون إلى المزاج المعتدل، لكن هذا الاعتدال يختلّ بين أهل البدو وأهل الحضر على المستويين البيئي والغذائي؛ ما أفرز تباينًا قيميًّا متفاوتًا، وأخلاقًا متناقضة بين الفريقين (ص. 98). كان لهذا الانتقال الجغرافي من البدو إلى الحضر، وفق رؤية ابن خلدون، تداعيات في انتقال القيم من دائرة الأفراد إلى بنية السلطة، فقرر أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك، مؤكدًا أن من عوائق الملك حصول الترف، وهو مفسد للخلق. وهذا ما جرى تأكيده من خلال استقصاء المؤلِّف للعصبيات الحاكمة في الأندلس والمغرب الوسيط، لأن ولوج معظمهم مرحلة الترف شكّل حدًّا فاصلً بين الاعتدال والانحراف؛ فالترف إذا استحكم أقبلت الدولة على الهرم (ص 100 - 101).
تطرّق المؤلِّف في الفصل الثاني إلى نسقية الأبدان في مجال الأندلس والمغرب الوسيط من خلال مقصد نظافة المحيط البيئي، وقيم الجمال ومعاييره المتجلّية في الأبدان والعمارة والبيئة، وقد ربطهما بنسق يستمدّ هويته من بنيتهما الثقافية، بما استنبطه من موقعهما في الكلّيات الخمس (ص. 107)؛ إذ قعّد لهما الشاطبي في نظرية المقاصد، وأدرجهما تحديدًا في خانة التحسينيات. تبعًا لهذا النسق المقاصدي، رصد المؤلف المعايير الاعتبارية التي يصدر عنها سلوك النظافة والجمال، مشيرًا إلى أن كتب الفقه والنوازل والأحكام تعقد أبوابًا لطهارة الأبدان والألبسة والأمكنة من وجهة نظر الدين، كآداب وأحكام لا تصحّ الواجبات الدينية إلّ بها، ومن ثَم استحضر فقه الدين وفقه الواقع في تتبعه الخريطة المجالية التي سمّاها "البقاع"، وأطلق على العوائد الاجتماعية المرتبطة بالنظافة لفظ "الطباع"، ليقرر - في إطار جهاز مفاهيمي - أن "القيم هي تجلّ للفطرة والعادة" (ص. 109). ويمكن القول إن المؤلف استطاع، بفضل ما خبره من مصادر، أن ينحت نماذج مفهومية Archétypes أسعفته في بناء نسق متكامل عن القيم في مجتمع الأندلس والمغرب خلال العصر الوسيط. تتعدى قيم النظافة والجمال ذاتَ الفرد إلى كيان المجتمع؛ إذ فصّلت كتب الحسبة وأحكام البنيان في هذا الأمر حين تطرّقت إلى "نظافة الأزقّة والميازيب والكنف وتجميل العمارة" (ص. 110)، فبرهن المؤلف على تحوّل النظافة من غاية أخلاقية إلى وظيفة مجتمعية وبيئية وثقافية، ودعمها بما يسندها من الواقع التاريخي للعدوتين (المغرب والأندلس)، خاصة مفاخرة الأندلسيين بجمالهم وأدبهم ونظافة حواضرهم وتأنّقهم في الملابس والمباني والفرش والأواني والمطابخ. انتقل المؤلف من نظافة الأبدان وجمالها إلى رصد القواعد المعتبرة في نظافة البيئة التي خضع تدبيرها لقواعد كلّية أُسند النظر فيها إلى القضاة والمفتين والمحتسبين، لأنها تُدرج في "مصالح الطرقات والأبنية" (ص. 135). وفي إطار حماية البيئة في حواضر العدوتين وبواديها، استقصى المؤلِّف قواعد تخطيط المدن، فاتّضح له أنها ذات أبعاد وظيفية ووقائية تراعي الشرع كما تراعي العرف. وعلاوة على اعتبار البعد المناخي في تهيئة المدن من خلال الملاءمة للأبدان وصيانة مخزون المحاصيل، أبرز تجلّياتها المتمثلة في نظافة الحواضر ورونقها. وفي هذا الصدد، لاحظ "حتمية حضور الصحون في تلك المنشآت للتهوية والإضاءة" (ص. 139). إلى جانب توفير مياه الشرب، رصد المؤلف الغاية من مدّ شبكة من السواقي والقنوات المائية في حواضر العدوتين، وهي متمثلة في "رسوخ النظافة في السلوك اليومي للأهالي"، كما هو الشأن في حاضرتَي فاس وألمرية (ص. 139). وقد نبّه إلى أن نظافة مرافق الأسواق والأزقّة والطرق والمساجد والمواضئ غالبًا ما شابها تعثّر بسبب تراكم النفايات الصلبة والسائلة وما نجم عنهما من أذى، وما ارتبط بتداعياتهما من صراعات ومشاحنات بين الجيران؛ ما اقتضى تفعيل خطة الحسبة بناءً على قاعدة "نفي الضرر". لقد كانت معايير النظافة في البوادي تختلّ، على غرار المدن، من جرّاء إكراهات الدورة الإنتاجية وحركة المعاش اليومي، من قبيل إحداث أندر في جوار تجمعات سكنية، أو اتخاذ مرابط للدواب على الطرق، إلى جانب ما تلحقه الأدخنة الناجمة عن انبعاثات الأفران والحمامات من تلوث للهواء، من دون أن يغفل أثر المتنزهين في إتلاف مقومات البيئة في الفضاءات الخضراء وتلويث المياه، كما هو الشأن في مناسبات الاحتفال بالمهرجان والعصير في مجال العدوتين (ص 144 - 145). أبدع العقل الفقهي، وفق قاعدة نفي الضرر، في تنزيل الأحكام المسندة بتقارير أهل النظر من خلال تحديد مقدار الضرر الذي لحق الإنسان والبيئة على السواء، على أنّ اعتبار فقهاء المالكية وقضاتها للعادة والعرف المنبعث من فقه الواقع جعل أحكامهم تتمتع بهامش من التكيّف والمرونة (ص 146 - 147).
إن القيم المذكورة، على نحو ما رسم المؤلِّف معالمها من خلال الوثائق والنصوص، تبدو شبيهة بالقيم السائدة، إلى حد التطابق، في معظم المنعطفات الحضارية؛ ما يُفسّر بطء تطوّر منظومة القيم والأخلاق في المجتمع المغربي والأندلسي خلال أطوار العصر الوسيط. وقد خصص المؤلف الفصل الثالث لكشف المستور في الذهنية الأندلسية – المغربية، وذلك من خلال كشف النقاب عن التخنّث وتجاذب قيم الذكورة من جهة، وتسليط الضوء على نسقية الترف والتأنّث من جهة أخرى. ويرتبط مفهوم التخنّث بتحوّل خلُقي في بعض المظاهر المحددة لماهية الإنسان من حيث سمات الذكورة والأنوثة. وبناءً عليه، استند المؤلف إلى الآليات التي أبدعها فقهاء العدوتين في تحديد العلامات الجسدية المميزة للجنس الغالب على الخُنثى الذي اجتمع فيه فرجا الذكر والأنثى، وتوفره على اللحية ونتوء النهدين. ففي هذه الحالة، جرى الاهتداء إلى مخرج البول للفصل في نوع الجنس. وعلى هدي نجاعة التمييز، تتحدد الحقوق والواجبات والشهادة والجهاد والميراث (ص 154 - 156). على غرار فقهاء المالكية في العدوتين، حدد المؤلف ضوابط الأطباء المعتمدة لتعليل الظاهرة المعنيّة، مستندًا في ذلك إلى نظرية الطبائع الأربع من خلال وضعية المزاج؛ فإذا غلبت عليه الرطوبة والبرودة في مرحلة التنشئة "عرضت عن ذلك آفات في الصورة التي هي الذكر أو الأنثى" (ص. 159). ومن ثم، فإن تقدير أطباء العدوتين للتخنث يجد تفسيره في حصول "اختلال في الاعتدال". وعلى هذا، أعرب الفقهاء عن إمكانية معالجته عبر مسلكين متكاملين، أولهما نفسي مرتبط بمدى قدرة الخنثى على مقاومة الميل نحو التخنث، وثانيهما متعلّق بالترويض الطبي للذكر والخصيتين من خلال خلطات ومراهم تساعد في إثارة شهوة الجماع (ص. 164). أما أنصبة الإرث، فاعتبرها المؤلف من التداعيات المباشرة للحالة النفسية والاجتماعية للخنثى؛ إذ يشجر في العادة نزاع بين ذوي الحقوق بسبب دفاع الخنثى عن ذكورته لينال نصيبًا مساويًا لميراث أنثيين (ص 169 - 170). على النقيض من وضعية الخنثى، توصّل المؤلف إلى أن المخنّثين لفَظهم مجتمع العدوتين، وناصبهم العداء، ولمزهم بعبارات قادحة من قبيل "الأنذال"، وحطّ من شأنهم، ورفض التعامل معهم (ص 171 - 172)، لأن المجتمع، بحكم ثقافته الدينية، المؤطّر بالفقه المالكي المعتدل، يؤمن أعضاؤه بمقاربة النوع في سياق ثنائية متكاملة يمثلها الرجل والمرأة؛ إذ "لا يُتصوَّر وجود جنس ثالث يمثّل قارة وجودية متميزة عن الثنائية الجسدية" (ص. 173). ولذلك لم تتوانَ أجهزة السلطة في معاقبتهم إذا ضُ بطوا مُتلبّسين بالرذيلة (ص 177 - 178). وفي السياق ذاته، وسم المؤلف المحور الثاني من الفصل الثالث بنسق الترف والتأنث، معتمدًا في هذا الصدد المقاربة الخلدونية في تحليل العلاقة بين الترف والتأنث؛ فالترف كما قعّد له في مقدمتهحتمية ناجمة عن دورة الحضارة؛ إذ مال الترف بثلّة من الأندلسيين والمغاربة إلى الانتقال من البداوة إلى الحضارة. وبهذا المعنى، فإن "الترف مفسد للخلق بما يحصل في النفس من الشر والسفسفة [...] فتكون علامة على الإدبار والانقراض" (ص 181 - 182). عمد المؤلِّف في الفصل الرابع إلى كشف النقاب عن قضية الإجهاض التي تُصنّف ضمن التاريخ المسكوت عنه، مستهًّلًّ رصده دواعيه ومضاعفاته الاجتماعية والصحية بتحرير القول في مفهوم الإجهاض أولً. فلاحظ أن قواميس اللغة ومعاجمها غنية بجهاز مفاهيمي دقيق، يعكس استيعاب اللغة لمفهوم الإجهاض في مراحل مختلفة، وخلص في النهاية إلى أن الإجهاض هو إلقاء الجنين ما بين الشهرين الرابع والسابع (ص 201 - 202). وقد أسعفته الحفريات العميقة، في الوثائق والمشارب المصدرية، في حصر دواعي الإجهاض في أسباب اجتماعية وقيمية، وثانية مرتبطة بالمرض، وأخرى متعلقة بتداعيات الخوف والعنف. وأدرج المؤلِّف في الصنف الاجتماعي والقيمي الحمل الحاصل بصفة غير شرعية، الناتج أساسًا من الدعارة والخيانة والاغتصاب والمواربة الجماعية، وقال إنّ الحامل تهرع إلى طرح جنينها لتتفادى العقوبات الشرعية، ولتتخلّص من نظرة الازدراء المجتمعية
(ص 202 - 204). ويتعلّق الصنف الثاني بأسباب مرَضية مرتبطة بفساد الحمل الناجم عن اختناق الرحم بسبب ما يعتري النساء من فساد الطمث وانقطاع التنفس وبطلان الحركة. وتعرّض المؤلف، أيضًا، إلى دور الأطباء والصيدلانيين في علاج أمراض الرحم ذات الصلة بإسقاط الجنين؛ ما يعكس أهمية الممارسة التجريبية التي وسمت المعرفة الصحية في الأندلس والمغرب الوسيط (ص 210، 216)، وقد رصد كذلك أسبابًا أخرى للإجهاض مرتبطة أساسًا بالعنف الزوجي، مشيرًا إلى أن الفقه أوجب الغرّة على من روَّع المرأة فأسقطت جنينها. أما الفصل الخامس، فقد استهله المؤلف بتعريف الرشوة على أساس المحاباة والمصانعة للوصول إلى حاجة ما؛ إما بإبطال حق وإما بإحقاق باطل. وميّز بينها وبين الهدية المقبولة شرعًا وعرفًا، وأجرى استقراءً دقيقًا لآراء علماء العدوتين بشأن تحرير الوضعيات التي حصل فيها التباس بين الرشوة والهدية، فاستند إلى الواقع التاريخي من خلال بنية الفتاوى، موضحًا الفرق بينهما استنادًا إلى سرد مقاصد الفعل الاجتماعي، وأغراض باذل الرشوة ونيات مقدِّم الهدية، موضحًا أن الرشوة تُعرض أحيانًا كثيرة في معرض الهدية، خاصة حين تُبذل لمتولّي الخطط: "إذ القصد بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة" (ص 227 - 228). لكن باذل المال لا يخلو بذله من تحقيق غرض عاجل "إما مال وإما فعل وإعانة على مقصود معيّن، وإما تقرّب إلى قلب المُهدَى إليه لطلب محبته، إما للمحبة في عينها، وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها" (ص 226 - 227). إذا كان الطمع مقدّمة ممهِّدة للفساد، وسببًا لسقوط الأفراد في براثن الخوارم المهددة للقيم والأخلاق، فقد أراد المؤلف مقاربة موضوع الفساد من مدخلَي الرشوة والهدية، استنادًا إلى رؤية نسقية ربطها بالسلطة من خلال البعد المؤسساتي للأنظمة التي تعاقبت على حكم المغرب والأندلس في الحقبة الوسيطية، مستحضرًا التحليل الخلدوني القائم على ربط الرشوة بعوامل الترف وفساد الأخلاق الناجمَين عن "استبحار العمران وكثرة الرفه في أهلها" (ص. 228). من ناحية أخرى، انتقل المؤلف إلى رصد الواقع التاريخي لتجليات الرشوة في سلوك أرباب الخطط باعتبارهم مسؤولين عن تدبير سياسات المعاش في مجتمع العدوتين؛ إذ أشار إلى دور الصراع الإقليمي على مناطق النفوذ بين أمويِّي الأندلس السُنّة والعُبيديين الشيعة في أفريقيا خلال القرن 4 ه/ 10 م، الذي اتّخذ مُسوحًا سياسية ومذهبية دفعت الشيعة إلى إغداق الرشى على زعماء القبائل للتوسع مجاليًّا على حساب المغرب، وتحريضهم على معاداة الخلافة الأموية في قرطبة. بحسب المؤلف، امتدّ "أخطبوط الرشوة" إلى النظم والخطط التي تمثل واجهة للشرع، وفي طليعتها القضاء والفتاوى لتعلّقهما بأمور الدين. فإذا كان في الهدية المبذولة لأهل الفتوى من العلماء نوع من المرونة، لأنه لا يترتب على إجاباتهم إلزام، فإن الأمر مختلف بالنسبة إلى القضاة الذين أُلزموا بعدم قبول الهدية لأنها ذريعة للرشوة، إلّ ما كان من ذوي أرحامهم وقراباتهم فلا كراهة فيها (ص 231 - 232). تسربت الرشوة إلى سلك القضاء في العدوتين على الرغم من المحاذير، وقد اعتمد المؤلف في كشفها على حملة التشهير التي قادها الشعراء والزجّالون ضد بعض القضاة الذين تحوم حولهم شبهات الفساد؛ لإحراج السلطة وحملها على التبيّن من خلال تفعيل آليات التحقيق، أما إذا سنحت الفرصة للعامة فلا تتورّع عن التنكيل بالقاضي المرتشي، واستدلّ على ذلك بأمثلة من الواقع التاريخي للمجال المعنيّ بالدراسة (ص 237 - 238). تُعدّ حالات الرشوة المرصودة في سلك القضاء صدى لاستشراء الفساد والرشوة أفقيًّا في حياة الناس ومعاشهم اليومي. ومن مظاهر الفساد التي التقطها المؤلف من الحياة الاجتماعية: بذل الرشوة لمقلّدة الفقهاء في قبول الشهود المشكوك في عدالتهم، والحكم بإرجاع المطلّقة ثلاثًا، والخروج عن ضوابط المذهب من خلال تتبّع رخص المذاهب لصوغ فتوى "على المقاس"، فضلً عن
شيوع بذل المال لتولّي خطط التوثيق والعدالة والحسبة والأحكام، وتيسير ذلك من خلال وسطاء بين الناس والقاضي في ما يأخذه من الجعائل على الأحكام (ص 247 - 250). في مقابل ذلك، تصدّت زمرة من أعلام الصلاح لمحاصرة هذه الظاهرة عبر آليات متعددة وناجعة، منها التشهير بالعرّابين وسطاء الجعائل في سبيل مقاطعتهم اجتماعيًا، وأفتى الفقهاء بكراهة الصلاة خلفهم لأنهم من دُعاة أكل أموال الناس بالباطل (ص 250 - 251). وقد ناهضت العصبياتُ القائمة في العدوتين جريمة الرشوة، ولا سيما في مراحل قوتها باتخاذ تدابير تقنية لتفعيل مراقبة سير أشغال الخطط والإدارات. لقد عمد المؤلف إلى استقراء مدى نجاعة التدابير الرسمية في معالجة الفساد من خلال الإجراءات التحفيزية المعتمدة لتحسين الأوضاع الاجتماعية لمتولي الخطط وأعوانهم حتى لا تمتد أيديهم إلى موارد الناس وأموالهم، ومنها تمكينهم من جراية مالية وعينية راتبة، وإسقاط الكُلف عن ممتلكاتهم بما يضمن لهم العيش الكريم، وذلك على النحو الذي بيّنه أمير غرناطة بلكين بن باديس في ظهير تولية القاضي أبي عبد الله الجذامي. وسلّط المؤلِّف الضوء على نظرة المرابطين إلى القضاء، وقال إنهم اعتبروه مدخلً رئيسًا لكل إصلاح مجتمعي، فكان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حريصًا على تضمين ظهائر ولايات القضاة الإطار العام لصيانة الحقوق ونشر العدالة من خلال نزاهة الأحكام الصادرة عنهم (ص 254 - 259). لعل هذا المسار الإصلاحي الذي تبنّته السلطات المتعاقبة في العدوتين كان وراء إحياء المرينيين دور "مصالح الشكاوى" بعد أن اقتبسوه من خلفاء الأمويين في قرطبة باعتباره مرفقًا تابعًا للسلطة، ولهذا جعله السلطان أبو الحسن المريني تابعًا لقصره في عاصمة ملكه في فاس، حيث كانت تُرفع إليه تقاريره دوريًّا، وكان يُمارس من خلاله الرقابة لتفعيل المحاسبة في حق الممارسين للشطَط في خططهم وولاياتهم، ومعاقبة المقصّرين في مهماتهم وواجباتهم (ص. 260). أشار المؤلف في نهاية الفصل الخامس إلى دور التنشئة الاجتماعية المتكاملة بين البيت ومحاضن التربية والتعليم في دعم قيم النزاهة والاستقامة في الفكر والممارسة الميدانية؛ إذ نبّه إلى نجاعة ما أبدعه بعض أعلام الفقه والفكر من نصائح بقيت حكرًا على فضاء أسرهم الضيّق من خلال توجيههم أبناءَهم إلى اقتفاء قيم الفضيلة ونبذ نوازع الرذيلة، معتمدًا في هذا الصدد أنموذج نصيحة أبي الوليد الباجي لولديه (ص 261 - 262). في خاتمة الكتاب، أورد المؤلف خلاصة ما انتهى إليه من نتائج الدراسة والتحليل، وهو ما يعكس جهده في مقاربة سوسيولوجيا القيم بطبائع العمران في تاريخ الأندلس والمغرب إبّان العصر الوسيط، فلاحظ أن القيم المدروسة تتجاوز التحديد العرَضي لأنها تمثل في نظره نظامًا قيميًّا وجزءًا من بنية تتعلق بالتحولّات التي عرفها مجتمع العدوتين وفق متوالية انتقال العصبية من نطاق القبيلة إلى مجال السلطة.
المراجع
العربية
بنحمادة، سعيد. الماء والإنسان في الأندلس خلال القرنين 7 و 8 ه/ 13 و 14 م: إسهام في دراسة المجال والمجتمع والذهنيات. بيروت: دار الطليعة، 2007.
_______. الشرطة بالغرب الإسلامي: نسقية المؤسسات والممارسات الأمنية. الرباط: منشورات الزمن، 2017.
التوفيق، أحمد. مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 - 1912). ط 3. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2011.
دراسة التاريخ وعلاقتها بالعلوم الاجتماعية. هيو ج. أتكن (محرر). ترجمة محمود زايد. تقديم قسطنطين زريق. بيروت: دار العلم للملايين، 1963.
لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.
الأجنبية
References
Braudel, Fernand. Ecrits sur l'histoire. Paris: Flammarion, 1969.