هاتف طوارئ: حرب حزيران/ يونيو 1967 وآثارها في نابلس في مكاتبات حمدي كنعان وأكرم زعيتر
Emergency Telephone: The June 1967 War and Its Impact on Nablus as Reflected in the Correspondence between Hamdi Kanaan and Akram Zuaytir
الملخّص
تتناول الدراسة جزءًا من مكاتبات حمدي كنعان – أكرم زعيتر خلال الشهور التالية لحرب حزيران/ يونيو 1967 . وتُبرز هذه المكاتبات أن الحرب دشنت تواصلًًا خُطَّ في ظروف مختلفة. وكشف هذا التواصل تعاظم قيمة استبدال العلاقات الشخصية بالعلاقات الرسمية، وتحوّل هذه العلاقة في أثناء الحرب إلى أداة تواصل رسمي مع الملك حسين لتجاوز جزء أساسي من القضايا المستجدة في مدينة نابلس. وأثمرت هذه الاتصالات حلولًًا سريعة في كثير من الأحيان، لكنها كانت لاحقًا سببًا في تولد الصراعات. تستكمل المكاتبات ما حُجِب في مصادر أخرى؛ إذ تحولت إلى ما يشبه اليوميات، فقد وثقت الكثير من المواقف والأفكار السياسية الجنينية، وبعض ظروف الأرض المحتلة الاقتصادية والاجتماعية، والتغييرات الحاصلة مع الزمن. كما كشفت بعض ما تستّر عليه كنعان في مذكراته، كطرُقه الخفية لتعزيز صمود أهالي نابلس خصوصًا، وعموم أهالي المنطقة. وحفظت لغة هذه المكاتبات الأوضاع التي عاشها كنعان وزعيتر، والعوامل المركبة التي أسهمت في تشكيل حالتهما النفسية، وأثر الدعم المؤسس في العلاقات الشخصية في الصمود والبقاء.
Abstract
This study examines the correspondence that took place between Hamdi Kanaan and Akram Zuaytir during the weeks and months immediately following the June 1967 War. Their exchange sheds light on the way in which, although the war had disrupted traditional means of communication such as visits and telephone calls, it had inaugurated another form of communication that highlighted the growing value of replacing formal relationships with personal ones that facilitated solutions to newly arising issues facing the city of Nablus. These two men's correspondence, which often served as a kind of diary, fills out the details of certain events that were obscured in other sources, as they documented budding political positions and ideas, as well as the socioeconomic conditions that prevailed under the Israeli occupation of Palestine and changes that were taking place. In particular, this correspondence revealed certain things that Kanaan had concealed in his memoir, such as the covert ways in which he bolstered the resilience of the inhabitants of both Nablus and the surrounding region. The language in which the letters were written conveys the psychological states that were being experienced by both men, as well as the compound factors that shaped their mindsets over time, and the impact such supportive personal bonds had on people's ability to persevere and survive.
- حرب حزيران 1967
- نابلس
- حمدي كنعان
- أكرم زعيتر
- المكاتبات
- June 1967 War
- Nablus
- Hamdi Kanaan
- Akram Zuaytir
- Correspondence
| التسلم Receivedالتعديل Revised 06-07-2022 22-11-2022 DOI: https://doi.org/10.31430/LDXD7614: الرقم التعريفي | ||
|---|---|---|
| هاتف طوارئ: حرب حزيران/ يونيو 967وآثارها 1 في نابلس في مكاتبات حمدي كنعان وأكرم زعيتر Emergency Telephone: The June 1967 War and Its Impact on Nablus as Reflected in the Correspondence between Hamdi Kanaan and Akram Zuaytir | ||
"كتبت إليك ونحن في عافية مجددة، والحمد لله المتطول بالنعمة المرجوّ للمزيد، ولست - وإن باعدتك الدار مني ونأى بك الزمن عنا - بمقصي القلب عن برّك بالذكر والعناية، ولا اللسان بالدعاء والمسئلة [المسألة]، ولا النيّة في الإخلاص والمحبة لإحياء العهد بالمكاتبة وتجديد الوصلة بالمراسلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'التواصل بين الناس في الحضر التزاور، وفي السفر التكاتب'". أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي1"'كانت جدّتي تُرسل إلينا بطاقة كل مساء، نستقبلها عند أول توزيع صباح اليوم التالي، وتستقبل بعد ذلك بطاقة ردنا في نفس المساء'. ليس من قبيل الصدفة أن البطاقة البريدية صارت تعرف ب 'هاتف الفقراء'". مارثا حنا2تزاور حمدي طاهر كنعان3 وأكرم عمر زعيتر4 على مدار أعوام سابقة لحرب حزيران/ يونيو 1967، فكنعان مجايل لزعيتر، وزميل دراسته في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس. وعلى الرغم من انقطاع الصلة بينهما لظروف مطاردة السلطات الاستعمارية البريطانية لزعيتر، فإن هذه الصلة تجددت وتعمّقت بعد عودة زعيتر إلى مدينته في حزيران/ يونيو 19495. لم يكن زعيتر، لحظة حرب 1967، مسافرًا ليتواصل مع كنعان ب "التكاتب"، ولم يكن كنعان فقيرًا ليلجأ إلى هاتف الفقراء؛ أي البطاقات البريدية، إنما كان زعيتر مقطوعًا عن منزله في نابلس، بعد احتلال مدينته في 7 حزيران/ يونيو، فعجز عن التزاور مع كنعان المقيم في مدينته المحتلة. وبهذا، فإن الحرب وما تلاها من قطع لأوصال فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية، دفعت كنعان وزعيتر إلى تجديد التواصل بينهما ب "التكاتب"؛ إذ صارت المكاتبات المحمولة من عابرين وسيلة التواصل الوحيدة في ظل الظرف الطارئ، بعد قطع الاتصال الهاتفي الخارجي، كما قُطع الاتصال الداخلي أيضًا في بعض المحطات عقابًا لأهل المدينة الثائرة، وصار التكاتب كما يبدو خلال هذه اللحظة هاتف طوارئ الأرض المحتلة.
هذا الوصل لما قُطع، كان سمةً لمكاتبات سابقة، برزت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فصارت المكاتبات والمراسلات البريدية المختلفة في إثر ذلك مصدرًا بارزًا من مصادر التأريخ. وعلى الرغم من أقوال بعض المؤرخين بعقم هذه المكاتبات بصفتها مصدرًا؛ لكونها صيغت في ظل رقابتين خارجية وذاتية منعت المتكاتبين، خصوصًا على خطوط القتال، من قول أي شيء يُمكّن من فهم الحرب ورعبها، فإن أقو لً مضادّة رأت في هذه المكاتبات كشفًا ليس عمّا قالته عن الحرب فحسب، إنما عمّا لم تقله أيضًا، خصوصًا عن جوانبها النفسية والاجتماعية6. ولم تقتصر مكاتبات الحرب هذه على الجنود في الجبهات، أو على العائلات الباحثة عن أخبار مطمئنة، كفعل الجدة وعائلتها في اقتباس حنّا، إنما وُجدت أيضًا مكاتبات سعت للاستفادة من شبكة العلاقات الاجتماعية التقليدية وعلاقات الصداقة، بديلً من شبكة العلاقات الرسمية، كمكاتبات بلوخ ومازون7. كما كان من المشاهد المرافقة للحربين العالميتين الأولى والثانية، وما تخلّلهما وتلاهما من حروب، تحوّل هيئات البلديات في لحظات التغيير الدينامي إلى الجهة الأبرز والأكثر حضورًا في البلدان المحتلة؛ لذا صار، مثلً، عمر حسن زعيتر (1871 - 1924) بصفته رئيسًا لبلدية نابلس، الشخصية الأبرز في المدينة في إثر الاحتلال البريطاني لها في أيلول/ سبتمبر 1918، وتشكيله ما عُرف بحكومة نابلس التي كُلّفت بإدارة المدينة بعد الاحتلال. ولم يقتصر هذا التحوّل الطارئ على بلديات المدن المحتلة كنابلس مثلً، فتأثيرات الحروب الجذرية شاملة؛ لذا لم يكن رئيس بلدية ديترويت الأميركية إدوارد جيفريز Jeffries Edward رئيسًا عاديًا خلال الحرب العالمية الثانية، نظرًا إلى ما أحدثته الحرب من تغيير دينامي في مدينته، جعلت من مكاتباته لأصدقائه مادة غنية، أبرزت الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الحرب، وأبانت الكثير عن العلاقات الشخصية في عصر التغيير هذا8. اشترك كنعان مع جيفريز في المنصب وفي أحلامهما الكبيرة تجاه مدينتيهما، فكلاهما انتُخب لرئاسة بلدية مدينته، غير أن حال ديترويت لم يكن كحال نابلس؛ إذ وقعت الثانية تحت الاحتلال، وصار كنعان رئيسًا لبلدية من أبرز مدن فلسطين لحظة التغيير الدينامي الأبرز؛ أي في حرب 1967. وسعى كنعان، كما بلوخ، لتجاوز آثار الحرب من خلال شبكة علاقاته الاجتماعية التقليدية وعلاقات الصداقة، فكان من ذلك تواصله مع صديقه زعيتر الذي صار في 15 حزيران/ يونيو وزيرًا للبلاط الهاشمي.
حُفظت مجموعة أكرم زعيتر الشخصية ضمن مجموعة رسائله الغنية والممتدة بامتداد مقاومة أهل فلسطين للمشاريع الاستعمارية، بدءًا من عام 1917، والعابرة الحدود والأقطار، لسعة صلات زعيتر واتصالاته وفكره9. ثلاث وثلاثون رسالة خطّها كنعان إلى زعيتر خلال الفترة التالية لحرب 1967 وحتى استقالة كنعان من رئاسة البلدية في آذار/ مارس 1969، كما ضمّت مجموعة كنعان الشخصية سبع عشرة رسالة أرسلها إليه زعيتر؛ بدأت هذه المجموعة من المكاتبات برسالة كنعان في 22 حزيران/ يونيو 1967، وخُتمت برسالة زعيتر في 4 آذار/ مارس 1969. امتازت هذه المكاتبات من رسائل الحربين العالميتين بأنها لم تُكتب تحت عين رقيب، وأرسلت بطرائق خفيّة لتجاوز عيون المستعمر وأي رقيب آخر؛ لذلك حفظت ما لم تحفظه بعض المصادر الأولية الأخرى، كالمذكرات التي دُوّنت في ظلال الحرب - منها كما سيظهر مذكرات كنعان نفسه - وامتازت أيضًا بتنوّع غاياتها ومضمونها؛ إذ إن هذا "التكاتب" الذي شكّل امتدادًا للتواصل المؤسس على علاقات اجتماعية تقليدية لم تتحطم بالحرب والاحتلال، كان حًّلًّ بديلً، في أول الأمر، من مكاتبات رسمية بين كنعان- بصفته رئيسًا للبلدية - والهيئات التنفيذية في المركز؛ أي عمّان. كما كانت المكاتبات وسيلة لبيان أحوال البلاد وتطوّرات الموقف وأحوال النفس وتردّدها بين الإرهاق والأمل. وكانت أيضًا محاولة لإبراز الدعم والمساندة ووسيلة لإدارة بعض الشؤون الاقتصادية الشخصية، ووصلً لما قطعته الحرب اجتماعيًا واقتصاديًا. إن تنوّع غايات التكاتب ومواقع المتكاتبَين كنعان وزعيتر، في اللحظات التالية للحرب، جعل منها مصدرًا فريدًا تتجاوز قيمته جانبًا ما، كالجانبين الاجتماعي والنفسي. وتتضاعف قيمة هذه المكاتبات في حفظها بعض صوت المستعمَر، في ظل تسيّد الرواية الاستعمارية المسنودة بأراشيف مختلفة، وعجز المصادر الثانوية عن نقاشها، في الكثير من الأحيان، فضلً عن تجاوزها؛ إذ قُرئت الفترة التالية لحرب 1967 في الأرض المحتلة والمشاريع الاستعمارية المختلفة (الحكم الذاتي، الحكومة الفلسطينية، مشاريع التسوية، سياسات الحكم العسكري واستراتيجياته... إلخ) في معظم الأحيان، استنادًا إلى مصادر استعمارية، أولية وثانوية، ولعل أبرز هذه المصادر، بخلاف "الأرشيف"، وأكثرها حضورًا في ما يتعلق بالقضايا المثارة في هذه الدراسة نصوص شلومو غازيت، المترجمة إلى لغات عدة، التي استندت إلى تجربته الشخصية، وما أُتيح له بحكم عمله من وثائق وزارة أمن الاحتلال10. أما جلّ صوت المستعمَرين، ففُقِدَ بسبب غياب أراشيف توثّق تجربتهم التالية للحرب وتمدد المشروع الاستعماري على بقية أرضهم. لهذا تحاول هذه الدراسة، من خلال مجموعة المكاتبات المخطوطة الخاصة بالشهور الأولى للحرب (حزيران/ يونيو - تشرين الأول/ أكتوبر 1967)، وبالتفاعل مع بعض المصادر الأولية الأخرى، استعادة بعض ما فقد، للإضاءة على أحوال الأرض المحتلة بعد الحرب مباشرة، وتفاعل مدينة نابلس وقيادتها مع تطورات المواقف اليومية، وكذلك الإضاءة على فاعلية أهل الأرض المحتلة. تُمكّن هذه الإضاءة من استكشاف أوّلي لتجربة الصمود والمقاومة، من خلال استكشاف بعض شبكات الدعم المؤسسة بطرائق خفية في إثر حرب 1967، واستكشاف أثر العلاقات الشخصية في إدارة شؤون الأرض المحتلة، ولحظات الوحدة والانقسام داخل التيار السياسي الواحد، وبين التيارات السياسية المتباينة. كما تُبرز هذه الدراسة قيمة المكاتبات بصفتها مصدرًا لتقديم ضبط موضوعي
وزمني للكثير من الحوادث والمواقف التي شهدتها الأرض المحتلة بعد الحرب، ودفن الكثير من تفاصيلها بغياب الأراشيف الرسمية وموت كثيرين من الفاعلين. لتحقيق هذه الغاية، قُسّمت الدراسة، في قراءتها المكاتبات التالية للحرب مباشرة، محاور عدة؛ موضوعيًا وزمنيًا، يحاول أولها استكشاف آثار الحرب المباشرة والتغييرات الجوهرية التي أحدثتها. وتستكشف المحاور التالية - بصورة أولية - جانبًا من جوانب مقاومة/ فاعلية أهل الأرض المحتلة ومواجهتهم المشاريع الاستعمارية المستجدة بعد الاحتلال (المرحلة الجنينية من مشروع الحكم الذاتي)، ومواجهة آثار الحرب الاقتصادية وإفشال مخططات التهجير البطيء ومواجهة سياسات الحكم العسكري لإخضاع أهل البلاد ونابلس خصوصًا. ويتخلّل مجمل هذه المحاور، بيان لتحولّات مواقف كنعان وزعيتر الشخصية، وتفاعلهما النفسي مع الحدث. كما تبرز لغة "الطوارئ" المستحدثة لتجاوز رقابة المستعمر.
أوالً: لكل زمن طارئه
"قبلات مشتاق لكم، أتمنى لو أتيح أن ألقاك بعد هذه الغيبة الطويلة، لأن الغياب البعيد يتضاعف عن الغياب العادي كنابلس والشام مثلً، وقد حاولت مرارًا أن أتصل بك، ولكن يكون الجواب، لا جواب "11. خُطّت أول رسالة من رسائل كنعان المحفوظة لدى زعيتر في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1962؛ أي بالتزامن مع بدء زعيتر نشاطه في السلك الحكومي وانتقاله إلى سورية سفيرًا للأردن. فبسفر زعيتر، انتفى "التزاور" وبدأ "التكاتب". وكان الأصل أن يكون التواصل هاتفيًا، على الرغم من صعوبة التواصل الخارجي من نابلس الذي أكدته غير شكوى دورية بثّتها صحف ذلك العهد، لكن حالة الطوارئ لم تقتصر على لحظة الحرب. فبخلاف هذه الرسالة، أرسل كنعان بين 25 آب/ أغسطس 1963 و 4 كانون الثاني/ يناير 1966، ثماني عشرة رسالة، حُفِظَت ضمن مجموعة زعيتر، وتوافرت للبحث. وبتحليل مضمون هذه المكاتبات، ظهر وجود سبب آخر دفع كنعان إلى "التكاتب" بديلً من الاتصال الهاتفي، وهو الحديث في قضايا سياسية محلية أو عامة أو نقد النظام الإداري، وهي قضايا رغب كنعان في تفصيلها بعيدًا عن عين الرقيب المتلصصة على الاتصالات الهاتفية والتواصل البريدي التقليدي. وشكّل هذا "التكاتب" استمرارًا لوصل الحضور؛ أي "التزاور"، وما تخلّله من تشاور متبادل، وثّقت بعض تفاصيله يوميات أكرم زعيتر. بهذا، فإنه مع القطع الذي أحدثته حرب 1967، كان من الطبيعي اللجوء من جديد إلى "هاتف الطوارئ" المستخدم سابقًا، وإن ظهرت الحاجة إلى لغة مغايرة، مشفّرة جزئيًا، لتجاوز أخطار رقباء الحدود الجدد.
ثانيًا: مكاتبات الحرب
1. أيام الحرب الأولى
"إنني يا سيدي متشائم. متألم"12. كانت هذه الكلمات خاتمة حوار زعيتر مع الشيخ سعد الصباح (1930 - 2008) في 23 أيار/ مايو 1967. وبعد أيام قليلة، وقبل طلوع فجر الخامس من حزيران/ يونيو 1967، أخذ زعيتر يستمع إلى إذاعات القاهرة، من "ترانزستور" إلى
آخر، في حين أن مدينته نابلس لم تنَم ليلتها منتظرة الحرب، فَر حَةً بصراخ "صوت العرب": "سنعود إليك يا فلسطين [...] لقد تحررت منِ حكم العصابات"13. أما صديقه كنعان، فكان منشغلً بإدارة شؤون الدفاع المدني في المدينة، بصفته نائبًا لرئيس لجنة الدفاع. بعد وقت قصير، سمع كنعان ما كان بعيدًا عن أذن زعيتر الموجود في عمّان؛ إذ أسرّ له صديق بسقوط طوباس، وأن قوات العدو من الممكن أن تكون في نابلس صباح اليوم التالي. وفي صباح الأربعاء 7 حزيران/ يونيو 1967، اقتحمت دبابات اللواء المدرع 37 بوابة نابلس الشرقية (التي كانت البلدية، برئاسة كنعان، قد أعادت تهيئتها وتوسعتها لاستقبال زوّار المدينة، خصوصًا من السائحين)، بعد ساعات من الاشتباك مع قناصة المدينة المعتلين جبلها الشمالي، والمتربصين في مقبرتها الشرقية، موقعين خسائر مفاجئة في قوة اللواء وقوة إسناده. وكانت معركة دبابات لم تدُم طويلً، خلّدتها المدينة لاحقًا في وادي التفاح. استقر قائد اللواء أوري آهارون روم (1926 - 2009) في منزل النائب والوزير السابق راشد صدقي النمر (1911 - 1974)، منتظرًا إحضار كنعان. وهذا ما جرى بعد ساعات، لتُكتب وثيقة استسلام المدينة التي لم يوقّعها كنعان14. خلال هذه الأيام والأيام اللاحقة التي دوّن كنعان بعض تفاصيلها في مذكراته في حزيران/ يونيو 1969، كان زعيتر يرتقب أخبار مدينته، ويباشر عمله وزيرًا للبلاط الهاشمي، إلى أن جاءه الرسول من نابلس يوم 22 حزيران/ يونيو 1967، حاملً رسالة من الأخ الصديق حمدي كنعان، بتعبير زعيتر في يومياته، كتب كنعان إلى زعيتر: "أخي، لا شك أنكم في لهفة لسماع أخبارنا، لقد كان دخولهم هادئًا إذا ما قيس بالتجارب السابقة، فلم يكن هناك أي تخريب يُذكر، وأما القتلى، فيبلغون حوالي ال 80، وأكثرهم من الشبان الذين تسلّقوا الجبال لمقاومة لا تجدي15، وآخرين ممن تسبب هؤلاء في قتلهم في بيوتهم، وبعض أفراد من الجيش العربي الفارين. لقد أجلوا أهالي طولكرم وجوارها وقلقيلية وجوارها عن قراهم، ومنهم من حضر بنفسه، والباقي أحضره الجيش وقذفوا بهم في الباذان وعلى الطرق في بلاطة وعسكر ورفيديا وشوارع نابلس، بعد أن ضاقت بهم المدارس. وبعد يومين، سمحوا للجميع بالعودة باستثناء قلقيلية وارتاح وزيتا. وبعد أن قمنا بإعادة عدد لا بأس به من الناس، أمروا بتوقيف عملية النقل. من الضروري التركيز على هؤلاء وتدخّل الصليب الأحمر. البلد تعاني كثيرًا من البطالة والجوع، وهي مقبلة على مجاعة. بإمكانهم أن يعملوا كل ما يخفف من أثر الواقعة، ويُعيد الحياة لطبيعتها، ولكنهم على ما يظهر يتقصدون إهلاكنا [ببطء]. عندنا مشكلة الغرباء، سواء من أهالي الضفة الغربية أو الشرقية، وهم لم يسمحوا بخروج أي من هؤلاء رغم [الإلحاح]. لقد قمنا بالواجب خير قيام وتوفقنا للخدمة إلى حد بعيد. سلامي للجميع"16. كانت هذه الكلمات أول ما خطّه كنعان لزعيتر، وكما ظهر في النص، فإن كنعان اعتنى ببيان عام لما حدث، مُبرزًا قضيتين أساسيتين طرأتا بفعل الحرب واشتغل عليهما لاحقًا؛ الأولى: موضوع المهجرين، خصوصًا مهجري منطقة قلقيلية. والثانية: الخوف
من حدوث مجاعة في نابلس، أو أزمة اقتصادية خانقة في ضوء ارتفاع نسبة البطالة وفقدان كثيرين مصدر رزقهم. وفي ثنايا بيانه لهاتين القضيتين، استقرأ كنعان جزءًا من سياسة الاحتلال مع بقية أهل فلسطين؛ أي دفعهم إلى الهجرة17. بين السطور، وبشيء من التورية التي ستحضر في معظم مكاتبات هذه المرحلة، بدأ كنعان الحديث عن بعض القضايا الإشكالية، فكتب: "عندنا مشكلة الغرباء"، قاصدًا إثارة قضية الجنود الأردنيين المتبقين في الأرض المحتلة، الذين ساعدتهم البلدية لاحقًا من أجل الوصول إلى أماكن آمنة، أو رحّلتهم بأمان إلى الضفة الشرقية18. على الرغم من أهمية هذه القضايا التي ظهرت في المكاتبات التالية، فإن موضع اهتمام زعيتر الرئيس، كما دوّن في يومياته19، كان جزءًا آخر ألحق بالرسالة الأولى؛ إذ كتب كنعان نصًّا إضافيًا على متن الرسالة الأساسي: "بعد تحريره حصل تحسن بالحال، فأرجعوا للناس سياراتهم التي كانوا جمعوها أمام المحافظة بعد أن أخذوا أحسنها، وللآن حوالي 300 سيارة مفقودة بين صغيرة وكبيرة"20. ثم كتب كنعان أول إشارة إلى قضية الحكم الذاتي، مبرزًا الجهد المبذول من اللحظة الأولى لتجاوز الصدمة التي حفرت عميقًا في بعض النفوس، منعكسة على مواقفهم فاعلية المُستعمرَين أمام حراك المُستعمِر الأولي.
2. بواكير الحكم الذاتي
"أخذوا يُعدُّون الرأي العام، ويبشرون لحكومة ذاتية بمعرفة الأمم المتحدة وتحت حمايتهم، ولكنا أحبطنا هذا المسعى، وكان الإجماع من أصحاب الرأي على أننا جزء من الأردن"21. أثارت هذه الجملة اهتمام زعيتر، وشغلت جزءًا أساسيًا من مكاتباته التالية مع كنعان، وبرز ذلك في رسالته الأولى في 28 حزيران/ يونيو 1967، فكان مما كتبه بعد امتداح كنعان الذي توالت الأخبار عن سلامة موقفه: "سمعنا أن الجعبري زار نابلس، فهل يمكن أن نعرف ماذا جرى؟ وماذا يريد؟". وأضاف معقّبًا بتورية: "إن أبو [أبا] عبد الله [الملك حسين] وأخاه [الأمير الحسن] وجميع العائلة يهدونك السلام، ويتتبعون الأمور بيقظة، وكلّهم آمال بتقدم الصحة وزوال البأس"22. افتتح زعيتر رسالته بهذا الحديث، مؤجّلً سبع نقاط إضافية، كانت كلها لوصل بعض ما انقطع مع عائلته الصغيرة، وتعزيز وضعهم الاقتصادي في ظل الظروف المستجدة، مستعينًا بصديقه كنعان - ستحتل هذه المسألة حيّزًا دائمًا في المكاتبات التالية - ونقل استفسارات الخائفين على ذويهم من أفراد العائلة. وكما يبدو، فإن زعيتر اعتنى في هذه الرسالة بإبراز موقعه الجديد في الديوان الملكي، وأكد لكنعان
في خاتمتها، أهمية هذا الموقع لخدمته، فكتب: "وجودي عملي الحالي مفيد جدًا، رغم صعوبة الظروف. وإذا كان لكم آراء فأنا أنفّذها، والمساعي مبذولة مع الصليب الأحمر للحيلولة دون المجاعة، أبعدها الله"23. وكتب في مطلع الرسالة: "وإذا كان بإمكانك أن تستمر في الكتابة إليّ بما يدعو إلى الاطمئنان على الاستمرار في الموقف، يكون ذلك مفيدًا ومقدّرًا كل التقدير"24. رد كنعان على زعيتر في رسالة لاحقة، خُطت في مطلع تموز/ يوليو 1967، مطمئنًا أول الأمر على أحوال الأقارب الاقتصادية والصحية، ثم مفصلً لبعض ما أضمر في رسالته السابقة عن الحكم الذاتي، مقدمًا أولى الإشارات إلى الصراعات المستجدة داخل التيار السياسي الواحد - التيار الأردني - والمواقف الجذرية الجامعة المتجاوزة الانقسامات السياسية السابقة للحرب، فكتب: "إن السلطات، كما ذكرت سابقًا، تروّج لإقامة حكومة ذاتية للضفة الغربية مع غزة، وبالرغم من أن هذا العرض جاء في وقت كان كابوس الاحتلال في أوج تفاعله، وبالرغم من شعور الألم الذي كان يخالج البعض هنا من علاقاتهم بالسلطات السابقة لأسباب لا تجهلونها، فإن رفض الاقتراح كان بالإجماع وبحرارة، خصوصًا ممن لم يكونوا على وفاق مع السلطات سابقًا. ولكن مع الأسف، كان الجعبري الأسبق بما عُرف عنه من نفاق وحقارة25، كما كان [كانت] جماعة القدس تحت تأثير الكارثة، فلم يكن الرفض بالشدة التي كان عليها هنا. ويسرني أن سرعة الخاطر لم تخونني [تخُنّي] عندما فوجئت بالسؤال عن المصير غداة الاحتلال بالضبط، فلم أكن أتوقع أن يكون السؤال أكثر من سلوك المحتل، وما يتفرّع عن ذلك من مختلف الأسئلة، وعندما فوجئت بالسؤال لم أتردد في الإجابة بأن الشيء الطبيعي أن نكون مع إخواننا في الضفة الشرقية، هكذا حرفيًا"26. أضاف كنعان أيضًا مجيبًا عن سؤال زعيتر في رسالته السابقة: "الجعبري لم يزُر نابلس، وإنما زارنا أنور الخطيب، وكان بحالة سيئة من الضعف وعدم التركيز، كما لا بد ظهر لكم من حديثه الذي نُشر في الصحف27، ولكنه كان من رأينا المهم أن السلطات هنا ما زالت تجتهد في الإقناع لقبول المشروع، وما زالت الأجوبة هي هي"28. بعد حديثه عن أثر الحرب في اجتماع المتخاصمين سابقًا - تيار الأردن وتيار الحزبيين المعارض - وتوحّد الكلمة ضد الاحتلال، أكد كنعان ضرورة اعتناء السلطات الأردنية بحفظ ذلك، من خلال وقف الإساءات الصادرة عن مسؤولين في الضفة الشرقية ضد أبناء نابلس، خصوصًا الحزبيين منهم، وكان مما كتب: "من الضروري أن تنبّهوا المسؤولين إلى أن الكارثة كانت من الهول، بحيث لم تترك مج لً للتفكير بحزبيات أو غير حزبيات، وأن الأفضل في مثل هذا الظرف أن تُقفل مثل هذه التحقيقات، كما يجب أن تُقفل أفواه المؤنبين،
لأن وصول مثل هذه الأنباء من شأنه أن يحقن النفوس ويفتح الجروح، خصوصًا عندما تُنسب لأبي رسول [محمد رسول الكيلاني (1933 - 2003)، مدير المخابرات العامة الأردنية]، ويكفي ما قام به قبيل الكارثة من تلفونات لأقاربه لينسحبوا من هنا لعمّان"29. استغل كنعان حديثه هذا ليضيف على ما كتبه سابقًا من بيان لمواقف أهل الأرض المحتلة من الأفكار الجنينية التي بثّها المستعمِر حول الحكم الذاتي: "علمت من مصدر موثوق أن موقف أهالي بيت جالا وبيت لحم كان جيدًا، وكذلك رام الله. لعله من الضروري أن أذكر أن رجال السلطة عندما يروّجون [...] لفكرتهم، يذكرون بإيضاح موقف الحكومة (السابقة) من الضفة الغربية، ومن هضمها لحقوق سكانها، وكانوا معي بالذات يتحدّثون بإسهاب، وكان الجواب طبعًا بما يدفع حججهم بالمنطق"30. امتدح زعيتر في رده على كنعان، في 5 تموز/ يوليو 1967، موقف نابلس الإجماعي، مؤكدًا لصديقه ضرورة الثبات والصبر، مادحًا جهده وفعله الذي صار حديث الملأ، مُبديًا تضامنه الكامل مع كنعان الذي شكا له في رسالته السابقة سوء الأحوال الاقتصادية بفعل مفاجأة الحرب، فكتب زعيتر في وسط رسالته: "وعلى كلّ، أرجو أن تعلم يا أخي أني مستعد لأن أقاسمك مرتبي، وأن أرسل إليك نصفه في نهاية كل شهر، من دون تردد، وإذا شئت غير هذا فعلت من دون تردد"31. ابتدأ زعيتر رسالته هذه بقضية الموقف في نابلس والحكم الذاتي، فكتب: "عجبت لما ورد في كتابك عن تحقيق مع نابلسيين حول حزبيات وحزبيين، وقد تكلّمت بنفسي مع أبي رسول، فأنكر أن شيئًا من هذا قد وقع، وتحدّاني بأن أذكر له أسماء! وكذلك التأنيب والتحامل غير واردين، ولا سيما بعد أن تبيّن لكل ذي عين أن الذين لم يكونوا راضين كانوا أسبق الناس إلى الإجماع على الموقف الصحيح الذي عليه الوطنية الصحيحة. صحيح أن موقف بيت جالا وبيت لحم ورام الله على العموم جيد، ولكن [وديع] دعمس جاء إلى عمّان واجتمع بي، وكان يريد أن يجسّ النبض في إذا كنا نوافق على أن يتولى السكان أنفسهم، وكذا وكذا، مما يدل على الضعف"32. لم يعنِ اتحاد الكلمة ضد الاحتلال في مدينة نابلس- الذي سيبرز كنعان مشاهد مختلفة تؤكده لاحقًا - انتفاء الخلافات البينية، فالخلافات السابقة للحرب - منها ما هو متعلق بصراع الانتخابات البلدية الذي فصّل في مراسلات ما قبل الحرب - جذّرت فقدان الثقة بين المختلفين، وحال إثارة الإشاعات وبثّ الظنون حول مواقف الأطراف المختلفة، كالمفاوضات السياسية أو الصلح مع العدو، بان الخلاف من جديد. في رسالة لاحقة، تزامنت مع بدء حراكات سياسية وميدانية لمنظمات الكفاح المسلح، تحضيرًا لعمل عسكري مقاوم في الأرض المحتلة، أشار كنعان، بلغة متأثرة باللحظة، كما يبدو، إلى تغييرات في الصف الداخلي النابلسي، فكتب: "الأخبار أنت تعرف مزاجي وطريقتي فلا أرغب في ذكر التوافه، كما لا أعرف الاختلاق؛ الديدان أخذت تستعيد حركتها، فجماعة الأحزاب إياهم أخذوا يقيسون ويُفصّلون، ويخلعون الرتب، ويضعون العلامات، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا. وقد انتقدوا عدم ذكري لأي أحاديث سياسية في عمّان، مع أنها لم تحصل، وكأنني مبعوث من قبلهم، وفسّروا سكوتي على أن هناك مساعٍ[مساعيَ] للصلح، فأخذت في مهاجمتهم في المجالس علنًا، وأعلن أن الماضي لن يعود، وأننا لن نسكت عنهم، ولا نوافق على أية [أي] وصاية يزعمونها على الناس. وقد حملت بهذا بحضور نفر منهم في أحد الأمكنة، وكان منهم من نابلس ورام الله والقدس. وقد عُقد هذا الاجتماع بناءً على طلب أنور [الخطيب] وروحي [الخطيب] وآخرين، ولكن الاثنين تغيّبا لأمر ما. كما حضره بعض المستقلين، واقترحوا إرسال مذكرة لأبي
عبد الله يدعمون ويؤيدون ويهيبون، ولكنهم [يعودون] فيطالبون بتحسين الأحوال، وتغيير الطقم الحالي بتشكيلة جديدة، ولكن هذا توقف. وأخذ آخرون، ومنهم عبد القادر الصالح القابع في بيته، يشيعون على أن الاجتماع كان للمطالبة بالصلح! فتأمل في أي دوامة نحن نعيش"33. عن الموقف السياسي العام، تحدث كنعان: "أنا متشائم ولا أدري لماذا، فالقوم لم يبدّلوا ما بأنفسهم، والمحتل يتخذ إجراءات المقيم، ويحضّ رون لمشاريع طويلة الأمد، وهناك ما نسمعه بالراديو عن تفكير لنقل لاجئي غزة لهنا34. ونسمع من رسميين منهم عن جر المياه من طبريا إلى الغور الغربي، ومن قناة البطّوف إلى سهل قباطية وعرابة، وذلك للري وإسكان اللاجئين في هذه المناطق. كما أخذوا يطالبون بالضرائب وترخيص السيارات... إلخ"35. في رسالة تالية، في مطلع آب/ أغسطس 1967، واصل كنعان الحديث عن تطوّرات الموقف السياسي، فكتب: "بطيّه البيان المقدم إلى السلطات في القدس بشأن القدس36. وقد اجتمعت خلال الأسبوع بأنور [الخطيب] وأبي هاني [روحي الخطيب]، فوجدت أن آراءنا متّفقة من حيث خطورة الوضع، وهم [هما] أشدّ منا تأثرًا بالضيق للإجراءات المطبّقة على القدس بصورة خاصة. كما اجتمعت بالبعض في رام الله، وكانوا بذات الرأي. وأما هنا، فنحن على ما تعهد من الإشاعات، أشكال وألوان، ومنها وصولك لنابلس ووصول أحمد طوقان للقدس للترويج للصلح، إلى آخر هذه الأسطوانة"37. لم ينتهِحديث السياسة، ولن ينتهي، وإن انتهى الحديث عن الطور الأول من مشروع الحكم الذاتي الذي اصطدم أول الأمر بمعارضة محلية شديدة، خصوصًا لدى الفاعلين المركزيين في الأرض المحتلة، وسيصطدم بعد زمن بصراعات الصلاحيات داخل الحكومة الاستعمارية، وسحب المسألة السياسية من وزارة الأمن. وخلال المكاتبات التالية التي تخلّلتها أيضًا أحاديث في الموقف السياسي العام والمحلّي، احتلت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي بدأت بالتفاقم حيّزًا رئيسًا، إضافة إلى محاولة تجاوز آثار الاحتلال الأولى، وتعزيز صمود فئات مجتمعية مختلفة، أبرزها فئة الموظفين المستنكفين عن العمل تعبيرًا عن رفض المستعمر وسياساته الأولى. وكشفت هذه المكاتبات عن جهد خفي أثمر صمودًا، وكان سببًا من أسباب تغيير السلطات الاستعمارية بعض سياساتها تجاه المدينة، وإقرار ما عُرف ب "خطة إخضاع نابلس".
3. طرائق الصمود الخفية
واصل كنعان بعد رسالته الأولى الحديث عن قضايا المدينة الاقتصادية وخطر المجاعة، فكانت رسالته في 3 تموز/ يوليو 1967 التي أكد فيها أن المحتل لا يبدو مكترثًا بالموضوع، لعدم اتخاذه أي خطوة لتدارك الأمر38. وكان تفاعل زعيتر مع الرسالة سريعًا؛ إذ
تلا الرسالة على الملك، فوعده بأن يوعز إلى رئيس الوزراء بمضاعفة الاهتمام بالضفة الغربية وإسعافها بالمؤن والمال39. وإضافة إلى المكاتبات، اعتمد كنعان كما يبدو الرسائل الشفوية بغرض التأكيد، ففي إثر رسالته في 3 تموز/ يوليو، أرسل رسالة شفوية إلى زعيتر مع عبد الرحمن عبد الهادي، قدّم فيها مقترحات لحل جزء من مشكلة المدينة الاقتصادية، ليطرحها زعيتر على رئيس الوزراء سعد جمعة الذي أبدى تجاوبًا كلّيًا بالمساعدة. ولخّص زعيتر في رسالته لكنعان الموضوع، بقوله: "الموضوع ذو شقين؛ مال للبلدية للتشغيل، وتسليف الموظفين بموجب كشوفات. ولكن الصعوبات الناجمة، والتي أرجو أن تكتب لي عن كيفية تذليلها، هي إيصال المال وترتيب الموضوع ترتيبًا لا تنجم عنه مضاعفات من قبل الذين عندكم. حبّذا لو تكتب تقريرًا مفصلً عن الكيفية، مثلً هل تستطيع أنت [أن] تحضر لعمّان؟ وطبيعي أن الجواب الإيجابي لا يكون إلّ بعد دراسة جميع الاحتمالات من مصادرة، ومن عذر من جانبهم لك. موضوع الشكوك40 على التجار غير واردة ولا تحل المشاكل! هل يمكن مثلً أن تأتي أنت إلى بستان أبي شوقي [حسن الخطيب]، ويُرسَل إليك شيء ما كتجربة بواسطة ابن أبي شوقي؟ ثم كيف تستطيع أن تجعل الأمر مكتومًا ما دام أنه يتطلب كشوفات وتواقيع بالوصول من قبل الموظفين؟ نحن هنا في حيرة من الأمر، ولعلك تجد لنا مخرجًا، وإني آمل أن تصل إليّ مقترحاتك مكتوبة مبلورة مدروسة، وعليّ أن ألاحق الأمر هنا. إني أعيش معك كليًا، وأقدّر ما تتعرض له بلدي من جرّاء البطالة المؤدية إلى مجاعة، ولعلك تكتب لي كذلك أنه تألفت مقبلً لجنة للإعانة من موثوقين، وتطلب مني أن أدبر لها معونة نقدية، وعليّ هنا كذلك أن أتابع القضية، علمًا أنه لا تزال تبذل جهود مع الصليب الأحمر لإرسال مؤن، علمًا بأن المؤن، كما يقول الصليب الأحمر، موجودة، والنقد هو المطلوب، ولكن موضوع المؤن هو الجانب الممكن البحث فيه علنًا، وما سوى ذلك لا يجوز إلّ أن يتم التفاهم عليه سرًا"41. كشفت هذه الرسالة - في تأكيد قيمة المكاتبات الاستثنائية - عمّا حرص كنعان على إخفائه في مذكراته، أي تهريب الأموال لخدمة حاجة سكان المدينة. أرسل كنعان ردّه مباشرة مع رسول زعيتر المجهول، ثم أتبعه برسالة إضافية أكد فيها أول الأمر قدرتهم على توزيع سلفة الرواتب والمساعدات بالشكل الصحيح، وأبدى استعدادهم لاستقبالها من أبي شوقي، أي حسن الخطيب، وأضاف كنعان أنه مستعد لاستلامها هناك من دون أن يخشى شيئًا42. وأضاف كنعان في رسالته: "[الموظفون] حالتهم تدعو للرثاء، [المحتاجون] من العمال تدبّرنا جمع 6 آلاف دينار من الجمعيات الخيرية هنا، ومن المحسنين، ووزّعنا على حوالي 2500 عائلة 50 كيلو طحين لكل منها، مع قليل من الصابون الذي جُمع من المصابن، وقليل من السكر والرز أخذناه من الوكالة"43. ما يلفت في هذه الرسالة، حديث كنعان عن بعض المتغيرات الجغرافية التي أحدثتها الحرب؛ إذ أعادت وصل ما انقطع من فلسطين في حرب 1947 - 1949، وإن كان تحت الاحتلال، ومحاولة استغلال ذلك لتعزيز الوضع الاقتصادي لمدينة نابلس؛ إذ ختم كنعان رسالته بقوله: "أسعى للشخوص إلى غزة لمعرفة الجو هناك، وبيع ما تيسّر من الصابون، وإيجاد سوق لمصنوعات المدينة الأخرى"44.
كانت الحاجة إلى حل المشكلة الاقتصادية دافعًا لكنعان لبدء شق طريقه الخفي والطلب من وزير أمن الاحتلال موشيه دايان تصريحًا للسفر إلى عمان، للشخوص مباشرة للقاء زعيتر ومواجهة المسؤولين. ولرغبة وزير الأمن في استغلال البلديات للتخفيف من أعباء الحكم العسكري الثقيلة، أ ذِن لكنعان بالسفر45، فوصل إلى عمّان في 10 تموز/ يوليو 1967، وأشار كنعان في مذكّراته إلى بعض تفاصيل هذه الزيارة، ومن أبرز مخرجاتها حل جزء من الإشكالية الاقتصادية المستجدة، بصرف رواتب الموظفين46. ولم يتطرق كنعان إلى الاتفاق الخفي الذي كشفته المكاتبات التالية على طريقة خفية لإيصال بقية المال اللازم إلى المدينة. بعودة كنعان، مُنع من التصرف بجزء من المال الذي أحضره معه علنًا؛ ما يدل على وقوع السلطات الاستعمارية بين نارين؛ فمن جهة حاولوا الاستفادة من تواصل أهل البلاد مع الأردن لتخفيف بعض أثقال الحكم العسكري، ومن جهة ثانية حرصوا على إبراز إدارة الحكم العسكري بوصفها السلطة الحاكمة المتفردة بالسلطة في الأرض المحتلة، التي لخّصها قول دايان الذي نقله كنعان إلى زعيتر في رسالة تالية: "كما قال إنه لا يسمح مستقبلً بأخذ نقود من الأردن لبلد يقع تحت حكمهم"47. تحدث كنعان في رسالته، في 16 تموز/ يوليو 1967، عن تفاصيل إدارية لينقلها زعيتر إلى الوزارات ذات الصلة، في محاولة للاستفادة من زعيتر لتسريع وتيرة الإجراءات الإدارية الهادفة إلى توفير الرواتب لموظفي المؤسسات الرسمية في لواء نابلس بالطريقة الخفية. وكان مقترح كنعان أن ترسل الدوائر المختلفة كشوفات دفع من عمّان، وتنظيمًا للعملية المالية، كان رأيه أن تصدر الكشوف و"الشيكات" لكل دائرة تُحفظ لدى زعيتر من دون صرف، لترسل الكشوف إلى كنعان، فيصرف مما لديه إلى أن تنتهي على أحسن وجه. وأرفق كنعان أسماء الدوائر التي لم تقبض رواتبها، مقترحًا انتداب رئيس الوزراء أحد الموظفين الأكفاء لمتابعة تحضير المعاملات بالسرعة الممكنة، لترسل بواسطة محافظ البلقاء الذي يتولّى إرسالها بناءً على اتفاق مسبق بينهما، ليتم التسديد مما لديه. وأرسل كنعان أيضًا كشفًا لعمال المياومة، لهم حقوق بموجب جداول حضرت من مهندس اللواء، لمطالبة وزارة الأشغال بتسديدها بالطريقة ذاتها الموضحة بشأن الرواتب. كما أرفق قائمة برواتب موظفين في دائرة مشاريع تحسين القرى التابعة للداخلية، وموظفي دائرة البريد والهاتف48. ختم كنعان رسالته هذه مستعجلً زعيتر: "تروني بانتظار جوابكم حتى نتمكّن من مساعدة بقية الموظفين الذين يراجعون بدون انقطاع، خصوصًا بعد أن علموا أنني أحضرت ما يخص بعض الدوائر"49. لكن، وتأكيدًا على موقف الاحتلال الذي عبّر عنه دايان، أشار كنعان في اليوم التالي إلى قرار الحاكم العسكري بإيعاز من حكومته بأخذ ما أحضره من رواتب حزيران/ يونيو لصرفها للمعلمين باسم حكومته، لكن كنعان أخذ المبلغ مع كتاب استقالته، وبعد جدال، خيّر كنعان الحاكم العسكري بين قبول استقالته أو دفع الرواتب بمعرفته
كمشيئة (المودع)، أو إعادة المبلغ إلى عمّان50. كان هذا استخدام كنعان الأول ل "الاستقالة" كسلاح، وكان نتيجة ذلك، كما فصّل كنعان لزعيتر في رسالته في 19 تموز/ يوليو 1967، موافقة حكومة الاحتلال على إعادة المال إلى عمّان بوساطة الصليب الأحمر51. وفي رسالة تالية في 22 تموز/ يوليو 1967، رد فيها على رسالة من زعيتر، وصلت مع "خضر" رسول الطرق الخفية52، لم تتوافر للباحث - لعل كنعان حرص على حجبها لحديثها عن إجراءات خفية بعيدًا عن عين الرقيب الاستعماري -رسلت الرسالة مرفقة وأُ بكشوف للعمال، تحدث كنعان أولً عن اكتمال الدفع لكشوف العمال ودار الأيتام المرسلة سابقًا، ثم شكر زعيتر على مسعاه لتحصيل رواتب الأهالي، مترقبًا النتيجة، ثم أشار إلى دفع الاحتلال رواتب المعلمين عن حزيران/ يونيو. وتساءل كنعان في رسالته عن رضا وزارة التربية والتعليم الأردنية عن ازدواجية الراتب هذه، طالبًا الرأي، ومنتظرًا ما يطمئن الموافقة على تصرفه، ومنتظرًا كذلك كشوف الدوائر المختلفة والتقاعد ليتم دفعها53. وصل الموقف في رسالة حجبها كنعان، كما يبدو، وصلت مع ناقل مجهول، لعله أيضًا خضر، وتلا وصول هذه الرسالة وصول أول حوالة من وزارة المالية، بطريقة خفية. كتب كنعان في مطلع آب/ أغسطس 1967 ردًا على الرسالة المفقودة: "وصلتني رسالتكم، وسُررت لما حدث من موافقة على الإجراءات المتعلقة بالرواتب. وقد أزعجنا المعلمون أيّما إزعاج وهم يريدون أن ندفع لهم راتبهم، بالإضافة لما قبضوه. ولذلك، ها أنا معيد مع الناقل جداول الدفع، محذّرًا من الدفع لمعلمي نابلس، جنين، طولكرم، فلغاية هذا اليوم قبض منهم حوالي ال 800 والدفع ماشي. وأما أولئك النابلسيون [العاملون] في الضفة الشرقية، فلم يقبضوه، حيث علمت أن الجداول تحتوي على بعض أسماء هؤلاء"54. لاحقًا، أرسل كنعان كشفًا ب "الشيكات" المرسلة والمحوّلة إلى وزير المالية، موضحًا لزعيتر أن هناك دفعتين من غير "شيكات"، هما أجور عمّال الأشغال ورواتب المحاكم الشرعية والأوقاف والمالية بموجب كتاب من الوزير55. وأضاف كنعان في رسالة لاحقة: "أنتظر كشوفات الدوائر لصرفها، و[الموظفون] يراجعون يوميًا، ولتكن لجميع المحافظة إذا أمكن، والمتقاعدين كذلك. القضاة
رفضوا قبض الرواتب والعمل، ولذا وجب الإسراع في إرسال كشوفهم56. قاضي جنين (أي حاكم الصلح) فرضوا عليه الإقامة الجبرية مع شيء من البهدلة. وعلمت أن القضاة كتبوا لمسؤولين في عمّان [يأخذون] رأيهم فيما يفعلون، ولا جواب. المصلحة تحتّم إعطاء هذه النواحي أهمية خاصة بتعيين لجنة لدراسة هذه الأمور والإجابة عليها بعد ذلك"57. وختم كنعان: "علمت الآن من مفتش التربية [رشيد سعيد مرعي] أن تغيير كتب التدريس سيكون عامًّا، باستثناء كتب الدين، وأنهم حددوا للمعلمين يوم 6 / 8 آخر موعد لتوقيع الاستمارات"58. كانت هذه الخاتمة جزءًا من حوار سابق ولاحق في المكاتبات المختلفة، تطرقّت إلى بعض فعل أهل الأرض المحتلة ضد السلطات الاستعمارية، وسعيها لاستبدال المناهج، ومحاولة فرض أمر واقع جديد على هيئة التربية والتعليم. كما أبرزت المكاتبات وجهات نظر مختلفة، تباينت في أحيان، واتفقت في أحيان أخرى، وتبدّلت متفاعلة مع تطورات الموقف اليومي في الأرض المحتلة.
4. سلاح المدينة: الإضراب
بحلول آب/ أغسطس 1967، كانت الأرض المحتلة مهيّأة للاشتعال، وكانت بوادر ثورتها تلوح في الأفق القريب، وابتدأت أول شرارتها من نابلس في منطقة جنيد؛ حيث نُفّذت أول عملية عسكرية، استهدفت قوة عسكرية للعدو، ونُسف في إثر ذلك أول منزل في المدينة وجوارها بعد الحرب. وفي ضوء الاستعدادات لفتح المدارس من جديد مع انتهاء الإجازة الصيفية الطويلة، بدأ الحديث عن إضرابها؛ إضراب معلمين وطلاب. خلال ذلك، وصلت إلى كنعان ورقة منسوبة إلى رئيس مجلس الوزراء الأردني سعد جمعة، يطالب فيها المعلمين والقضاة بعدم التعاون المطلق مع سلطات الاحتلال، فكان لكنعان رأي مغاير أرسله إلى زعيتر في الأيام الأولى من آب/ أغسطس 1967، ومما جاء فيها: "في رأيي، أنه لو جاز عدم التعاون في سائر الدوائر، لما جاز بالنسبة للمعلمين، دون أن يكون هنالك سبب مبرر كتغيير المناهج مثلً، وإن تمّ هذا الأمر دون السبب المذكور، سيكون سلاحًا ضدنا، بدل أن يكون سلاحًا لصالحنا، لذلك أرجو أن يكون هذا الموضوع موضع دراسة وتقدير؛ إذ لا يجوز حرمان قرابة المئة ألف طالب [من تعليمهم] دون سبب وجيه"59. تفاعلت الأردن مع مراسلات الأرض المحتلة، ومنها مراسلة كنعان، فكان كما يبدو حديثًا عن قضية المعلمين في الإذاعة، وفور وصول الخبر إلى مسامع كنعان، كتب معقّبًا: "وبالنظر لما ورد بشأن المعلمين في الإذاعة، أرجو إعلامي الرأي الرسمي المدروس بهذا الشأن وبشأن غيرها من الدوائر، لأن هناك الزراعة والجمارك والبيطرة والمالية، تعمل رسميًا معهم وتحت إشرافهم. أرجو إيضاحًا بهذا الخصوص"60. وأضاف في رسالة لاحقة: "موضوع المعلمين ذو شقين؛ الأول يتعلّق بالمناهج، والثاني باستمارات التوظيف، أما المناهج، فقد تحدثت مع مندوب لرئيس وزراء المحتل جاء للاجتماع بي، تحدثت معه في موضوع المناهج فأقرّ وجهة نظري كما كانت متفقة مع وجهة نظر الحاكم العسكري للمدينة. وقال لي الزائر إن حكومتنا تعالج الأمور بالمنطق، ولذا فمن المحتمل جدًا قبول وجهة
نظرنا، لذلك لا أرى استعجال الأمور حتى نرى نتيجة هذه المباحثات61. وأما الثاني، وهو موضوع الاستمارات، فإن لجنة المدينة لم تقرّ المعلمين على وجهة نظرهم، وقالت بتوقيفها طالما كان ما يُذكر (أردني) وعلى ورقة لا تحمل اسم حكومة إسرائيل، بل الجيش المحتل. وبالرغم من هذا، فإن قسمًا من المعلمين يقول بالرفض، ولذلك أرى أن لا يُترك أمر معالجة الأمور لهم، ويجب أن يتقيّدوا بقرار عمّان التي ستكون مسؤولة عن الرواتب"62. لاحقًا، صدر بيان لوزير التربية والتعليم الأردني ذوقان الهنداوي، في إثر اجتماع مجلس الوزراء الأردني، دعا فيه إلى عدم التعاون مع سلطات الاحتلال لسببين؛ الأولمتعلق بملء استمارات تتضمن إقرارًا خطيًا بأن جنسية المعلمين هي جنسية المحتلين، والثانيفرض مناهج جديدة63. وكما أشار كنعان في رسالته السابقة، فإن موضوع إضراب المعلمين لم يكن وحيدًا؛ إذ وجد دوائر أخرى تحتاج إلى اتخاذ قرار بشأنها. ولما وصلت إحدى رسائل زعيتر التي حجبها كنعان، وكانت في 3 آب/ أغسطس 1967، فإن زعيتر كما يبدو أشار إلى ضرورة عدم تعاون القضاة أيضًا مع الاحتلال. فعقّب كنعان على قول زعيتر: "القضاة - بالرغم من أنك تقول بعدم تعاونهم - فإنهم منذ أيام اقتنعوا بالعمل وداوموا. وكانت وجهة نظر الحاكم أن عملهم من مصلحة الجمهور، حيث لا يمكن لمجتمع أن يستمر بدون محاكم تؤمّن حقوق الناس وعلاقاتهم ببعضهم، وأن بإمكان السلطة أن تعيّن حكّامًا عسكريين، ولكن هؤلاء لا يطبقون القانون كالقضاة، وسيقع ظلم على الناس نتيجة أحكامهم. وبالفعل، حصل في جنين تعيين قاضٍ عسكري، وأخذ يحكم بكل قسوة وبالسجن دون الغرامة. ثم إن وضع قضاة نابلس يختلف عن قضاة القدس، لأن الأخيرين لهم ظرف خاص، لذلك فإني لم أبلغهم رأيكم الوارد في كتابكم 3 / 8 بانتظار إعادة النظر في هذا الموضوع" (.((6 إضافة إلى قضية الإضراب، وهي إحدى أبرز المحطات في مسار الحكم العسكري المبكر ومقاومة أهل البلاد للاحتلال، برزت قضية انتهاء مدة ولاية المجلس البلدي؛ إذ قطعت الحرب الاستعدادات القائمة لانتخابات بلدية جديدة أُعلن عن بدء إجراءاتها في أيار/ مايو 1967. وحال صدور أمر الحاكم العسكري في 2 آب/ أغسطس بتمديد ولاية المجالس البلدية، أرسل كنعان إلى زعيتر: "تنتهي مدة المجلس البلدي كما سبق [أن] حدثتك في نهاية هذا الشهر، وقد أصدر الحاكم العسكري للضفة الغربية أمرًا بتمديد جميع المجالس لأجل غير مسمى، ولذا فإني أرى أن يصدر أمرًا مماثلً عن حكومتنا"64. وهذا ما تم. كان الحديث عن الإضراب وانطلاق بعض مظاهر المقاومة المسلحة في آب/ أغسطس 1967، مدخلً لنشاط مقاوم آخر سمّاه كنعان "السلبية"65، بدأت بدعوة إلى إضراب، وكان لكنعان وبعض شخصيات المدينة موقفهم من بدء "السلبية" خلال هذه الفترة الزمنية، وهو موقف يظهر أول وهلة أنه مناقض لطرح كنعان التالي عن وطنية الغزيين الحقة. كتب كنعان في الأيام الأولى من آب/ أغسطس 1967: "بدأت هنا ريح السلبية بطواف الفتيات يحضضن على إقفال المتاجر يوم السبت [29 تموز/ يوليو] دون أخذ
الرأي من أحد، وكان السؤال لِمَ يكون السبت وليس [يومًا] آخر من الأسبوع؟ علمًا بأن الزائرين يملؤون الأسواق في كل يوم، فاضطررنا لتوجيه الدعوة للمسؤولين إثر إنذار من الحاكم بسوء النتائج. وقد استنكر الجميع هذا الأسلوب، وكانت الدعوة إلى تشكيل لجنة من 10 [أشخاص] تتولّى تحمّل المسؤوليات، وهنا بدأت المناورات ممن تعرف لتأمير عدد [...] منهم، وكانت المقاومة لهذا التيار، وقد أرادوا اتخاذ قرار يشجب الصلح، فأحبطته على أساس عدم وجود شيء من هذا"66. عقب نفي زعيتر لكنعان أي أنباء عن الصلح، ونقل كنعان الخبر إلى أهل المدينة، كما أُشير سابقًا، كتب كنعان لزعيتر: "ولكنني وغيري نؤيّد أي تسوية أخرى مشرّفة، والأمل معقود على السيد الأكبر [أي الملك حسين] أن يصل إلى ما يصبو إليه بفضل إخلاصه وشجاعته، وكل عاقل مدرك أن لا بد من دفع الثمن"67. كما بيّن كنعان في هذه الرسالة موقفه من "السلبية"، وهو موقف يمكن أن يفسر مواقف كنعان في مراسلاته السابقة حال تعقيبه على إضراب المعلمين، وكذلك يفسّر آلية اشتغال كنعان خلال الفترة اللاحقة في أيلول/ سبتمبر 1967، أو لاحقًا لذلك في أيلول/ سبتمبر 1968. كتب كنعان: "كان رأيي أنه لا يجوز اتباع السلبية بالمفرق، فهناك ثلاثة شروط: 1 - اختيار الوقت المناسب بناءً على إشارة من طرفكم. 2 - يجب أن نأخذ بعين الاعتبار استعداد المجموع لتحمل النتائج. 3 - أن تكون بشكل جماعي وعلى كل الجبهات. وبديهي أن المجموع لم يصحُ من سكرته للآن حتى يستعدّ لتحمّل النتائج"68. بعد التعقيب السلبي على "لجنة العشرة"، كتب كنعان لزعيتر: "وما كل ما يُعلم يُكتب"، فأوجز الحديث عنها، لكنه واصل في رسالة في 5 آب/ أغسطس 1967 حديثه عن اللجنة التي شكّلها الاحتلال لإدارة الموقف، مقدّمًا تفاصيل لا تتوافر في جل المصادر الأولية، فضلً عن الثانوية، وتقدّم أيضًا مزيدًا من التوضيح لما كتبه كنعان بعد عامين في مذكراته، فتحوّلت الرسائل هنا إلى مصدر يقارب اليوميات في دقته، وفي ضبطه الحوادث والمواقف زمنيًا وموضوعيًا، كتب كنعان: "تركتك في كتابي السابق عند تشكيل اللجنة واعتذاري عن عضويتها، وكذلك أبو غسان [وليد الشكعة]، ولكنهم أصرّوا على الاجتماع وقرروا اختياري رئيسًا أثناء غيابي، وثاني يوم زارني منهم عضوان، كل على انفراد، محاولين إقناعي بضرورة المشاركة، ولكني بعد تفصيل الأسباب وعدتهم بالمشاركة دون أن أكون عضوًا أو رئيسًا، وقد حضرت اجتماعهم الثاني، لأخبرهم بما جاء في كتابك قبل الأخير، وقد لمست منهم اعتد لً في معالجة الأمور، وهم على صلة بي في أي أمر يبحثونه"69. "انتهى الرأي إلى الإقفال نهائيًا". هذه الخلاصة نقلها كنعان إلى زعيتر في موضوع المدارس في رسالة في مطلع أيلول/ سبتمبر 1967؛ إذ إن الأحاديث التي نُقلت إلى كنعان عن مسألة المناهج لم تكن إلّ وجهة نظر تعارضت مع وجهة نظر أخرى داخل المؤسسات الاستعمارية، وشكّلت قضية الإضراب واجهة من واجهات المواجهة بين وزير الأمن ووزارته من جهة، ووزارات حكومية أخرى، كان أبرزها وزارة التربية. ولم يكن هذا الصراع بعيدًا عن الصراع بين وزارة الأمن ورئاسة الوزراء الذي أنهى محادثات الحكم الذاتي الأولى. وأضاف كنعان في رسالته هذه مقترحًا: "إذاعة خبر: ورد بأن الأوساط الشعبية قررت مقاطعة المدارس نظرًا لتغيير المناهج في القدس ومدارس الضفة الأخرى"70.
لم تصل رسالة كنعان هذه التي حملها الحاج خالد دروزة إلى زعيتر مباشرة، لغيابه عن عمّان، فنُقلت إلى أحمد طوقان، بعد ورود رسالة شفوية من كنعان إلى طوقان لاستلامها. وعلّق طوقان على ما أورده كنعان في هامش الرسالة في 3 أيلول/ سبتمبر 1967، مشيرًا أولً إلى انتهاء كل شيء بإجماع رأس أهل الضفة الغربية في ما يتعلق بقضية المدارس. أما في قضية القضاة، فأثير الموضوع مع وزير العدل وتقرر إجراء اللازم، وأخيرًا تقرر دفع مبلغ للمحامين، وإرساله مباشرة. اتضح من هذه الرسالة ومن المكاتبات السابقة نجاح تواصل كنعان وزعيتر، واعتماد كنعان على شبكة علاقات زعيتر في عمّان، في ضوء عمله وزيرًا في الديوان الملكي، وكذلك صلاته المجتمعية الأخرى في حل جزء أساسي من القضايا المستجدة في ضوء الاحتلال، وأهمها قضية رواتب الموظفين والإعانات للعمال والجهات المتضررة من الإجراءات المتخذة لمقاومة الاحتلال مقاومة سلبية، بتعبيرات كنعان، كالقضاة والمحامين وغيرهم. ولم تقتصر هذه المكاتبات بالنسبة إلى كنعان على قيمتها على تجاوز الروتين الإداري الذي صار مشكلً في زمن مقبل، إنما استفاد منها أيضًا، كما ورد سابقًا، في تعزيز موقفه الداخلي. تواصل إضراب المدارس الكبير، وتواصلت المكاتبات، مبرزة بعض جوانب الصراع الدائر داخل الحكومة الصهيونية حول إدارة الموقف، ولم يكن كنعان، كما يبدو، مدركًا أن تناقضات الاحتلال حول المناهج هي انعكاس لمثل هذا الصراع، فكتب في 5 أيلول/ سبتمبر 1967: "منذ أمس أقفلت المدارس أبوابها في نابلس كليًا، وفي قلقيلية شيء من الضعف، الأمر بجنين غير معروف، دائرة المعارف ومدارس نابلس سلمت مفاتيحها للبلدية، بالرغم من تصريح المسؤولين أن تغيير الكتب لا يتعدى بضع [بضعة] كتب. سلّمت إلينا قائمة ب 78 كتاب [كتابًا] ستتغير طبعتهم، وكان هذا سببًا في اكتمال الإصرار على الإقفال"71. خلال هذه المرحلة، تسلّم تسفي عوفر مهمات الحاكم العسكري لنابلس في 10 آب/ أغسطس 1967، بالتزامن مع بدء فاعلية طرائق كنعان الخفية لإسناد صمود مدينته وتعزيزه، وتجاوز بعض أزمتها الاقتصادية. وكما تظهر مذكرات كنعان، فإن بوادر الصدام بين مؤسسة الحكم العسكري والبلدية ظهرت مع لقائهما الأول، وكان مدخل المواجهة الأول استجواب كنعان على دفع رواتب جزئية لأفراد الشرطة، والتحقيق عن وصول نقود إليه من عمّان. نفى كنعان لعوفر، وأكد صدق نفيه في المذكرات؛ إذ إنها صيغت في حزيران/ يونيو 1969، وكان كنعان - كما أشير إليه سابقًاُ - قد فرض رقابة على نصّه حفظًا لبعض أسراره. وبعد نفي كنعان، أخبره الحاكم العسكري بقراره منع استكمال صرف الرواتب، لكن البلدية، بأمر من كنعان، واصلت الدفع، فاتُّخذت إجراءات ضدّها. استشعر كنعان، كما كتب في مذكراته، أن شيئًا ما يُبيّت ضدّه، فكان قراره استخدام "سلاح" الاستقالة من جديد، لكن هذه المرة برفضه التمديد المتوقع للمجلس البلدي.
5. بداية الإرهاق وتجدد الأمل
أرسل كنعان، في 17 آب/ أغسطس، كتابًا إلى وزير أمن الاحتلال، أبدى فيه رغبته في عدم تجديد رئاسته للمجلس البلدي بعد انتهاء مدة المجلس القانونية، فاتّخذ الحاكم العسكري "عقوبات" فورية ضد مصالح كنعان الاقتصادية الشخصية. تضامن المجلس البلدي فورًا مع كنعان، فتدخّل وزير أمن الاحتلال في اليوم التالي، ورفع "العقوبات" المفروضة على كنعان. لكن كنعان، كما كشفت المكاتبات، بقي راغبًا في الاستقالة، وانعكس إرهاقه على مكاتباته. ولم يكن هذا الإرهاق لفعل السلطات الاستعمارية فحسب، ففي التزامن مع هذا الفعل، انقطعت مكاتبات زعيتر - كنعان بسبب سفر زعيتر مرافقًا للملك حسين في سلسلة جولات، بدأت في 15
آب/ أغسطس، وانتهت في 11 أيلول/ سبتمبر 1967، تخلّلتها مشاركته في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم في 29 آب/ أغسطس. وبسبب هذا القطع تواصل كنعان، كما تُظهر رسائله التالية مع نائب رئيس الوزراء ووزير المالية أحمد طوقان، لكن تفاعل طوقان لم يكن كالمأمول، وفقًا لما تُظهر مكاتبات زعيتر - كنعان التالية، فكان لهذا القطع أثره السلبي في نفسية كنعان أيضًا. كانت الرسالة الأولى في الغياب، كما يبدو في الرسالة التي أ شير إليها سابقًا، فيُ1 أيلول/ سبتمبر 1967، لكنها لم تصل إلى زعيتر، بسبب سفره بصحبة الملك للمشاركة في المؤتمر. وأرسل كنعان رسالة ثانية إلى زعيتر، خطّها في 5 أيلول/ سبتمبر، لكنها لم تصل أيضًا إلى زعيتر، بسبب غيابه في سفر جديد بصحبة الملك (5 - 11 أيلول/ سبتمبر). في هذه الرسالة، ابتدأ كنعان بالسؤال عن الموقف السياسي وتطورات مسألة الحكم الذاتي، أو ما صار يُعرف بالحكومة الفلسطينية، فكتب: "كان الله في عونك بعد الرحلات الطويلة، لا ندري حقيقة الأمور بعدما سمعنا من القرارات، ويهمنا أن نعرف إن كان هناك [شيء] مستور يطمئن للمستقبل، لأن الأمور هنا سائرة نحو الأسوأ"72. فصّل كنعان نظرته هذه، فكتب: "موضوع الحكومة الفلسطينية انتعش بشكل قوي، ونسمع أن اجتماعًا سيدعو إليه الجعبري لبحث هذا الموضوع، على غرار اجتماع أريحا الذي عمل على عقده الجعبري عند إعلان وحدة الضفتين. ولكن المخلصين متربصين [متربصون] لهذا الأمر وأي محاولة من هذا القبيل. والعجيب في الأمر أن أخصام الأردن هم الذين يتمسّكون الآن معنا في الإصرار على وحدة الضفتين، وما عداهم هم في الجانب الآخر مع الأسف الشديد. هذه هي الحقيقة المرة، وهي وليدة الجهل المطبق، وعدم تمييز الأمور لأبعد من الأنوف. الحقيقة المرة هي أيضًا ضغط الشعور الوطني الحقيقي، وما كان يظهر على الشاشة عند المظاهرات والحماسات، هو متاجرة ونفاق في الوطنية لا غير"73. أوضحت الإشارة الأخيرة بوادر تحوّل في موقف كنعان مما سمّاه سابقًا "السلبية"، ومهّدت للإضراب الكبير الذي ستخوضه نابلس في 19 أيلول/ سبتمبر 1967. وانتقد كنعان في هذه الرسالة أيضًا موقف النابلسيين، كما يبدو موقفه الشخصي، مقدمًا ما يمكن اعتباره مراجعة ذاتية في ضوء التطورات الأخيرة والمواجهات التي بدأت مع الحكم العسكري في نابلس، ممهّدًا في هذه المراجعة لمعركة المدينة التالية؛ فكتب: "الوطنية الحق هي عند الغزيين الذين يصرّون على المقاطعة والتجهّم، وعدم الترحيب... إلخ. بالرغم من مرور ثلاثة أشهر على الكارثة، الأخبار المتواترة من غزة تقول بميل الأكثرية إلى الوحدة مع المملكة الأردنية، وقد فتحوا الطريق أمام أهل القطاع تسهيلً للنزوح الجماعي، بينما يمنعون سكان الضفة من زيارة القطاع إلّ بإذن"74. تحدث كنعان في رسالته هذه أيضًا عن الموقف السلبي من الحراك السياسي العام: "الرأي العام غير راضٍ عن قرارات مؤتمر القمة. سوء الأوضاع جعل المتزمتين يتحولون إلى معتدلين، والأكثرية الساحقة الآن في جانب الحلول الواقعية المعقولة". وختم رسالته بالحديث عن "الخذلان" المرهق لنفسه، فابتدأ بتلخيص المكاتبات السابقة مع الجهات الرسمية، وهي مكاتبات كانت مقدمة لما عُرف لاحقًا في سياسة الجسور المفتوحة؛ فكتب: "السلطة ترغب في الاحتفاظ بالمواصلات مع الضفة الشرقية في موسم الشتاء، تأمينًا لفصل الشتاء، وقد كلّفوني بأخذ رأي الحكومة الأردنية في إقامة جسر عسكري في منطقة البيضا شمالي دامية، أو إصلاح جسر دامية، أو استعمال جسر أم الشرط لمرور السيارات. ولهذا الأمر أهميته، نظرًا لقدوم موسم الزيت وجودته، مما يستدعي تصدير كمية كبيرة [منه]، والجماعة سيمنعون دخول أي حبة من الزيتون أو نقطة الزيت إلى إسرائيل حماية لإنتاجهم. لقد كتبت في هذا
الأمر لأبي العبد طوقان، فأرجو دراسته وإعلامي الرأي النهائي حتى يبلّغه لمن يلزم. البلد بحاجة إلى اللحوم، وقد كتبنا توصية لوزير الاقتصاد للسماح بنقل كمية من الأغنام، وعلمت أن الحكومة لم تسمح. إن المنع يضطرنا لاستيراد اللحوم من الخارج عن طريق حيفا، وهذا ما نتجنّبه، أرجو البحث وإعلامي حتى نتدبر أمورنا"75. في ختام بث الشكوى المضمرة في ثنايا الرسالة، والاستنجاد بشبكة زعيتر لتجاوز الإهمال، بث كنعان لزعيتر في خاتمة رسالته أولى دلائل إرهاقه، وتأثّره النفسي بمعاملة الحكم العسكري المستجدة، ومعاملة الجهات الرسمية في ظل غياب صديقه؛ فكتب: "لقد بلغ مني الإرهاق مبلغًا لم يعد هناك طاقة لاحتماله، خصوصًا من الناحية النفسية. وقد أبلغت القوم هنا أن يتدبّروا من يخلفني، وأمهلتهم نهاية هذا الشهر. لقد كتبت كثيرًا بطلب المساعدات للعاطلين، وللآن ننتظر ولا من يجيب، والقصور من هذه الناحية ترك آثارًا سيئة. أرجو الاطلاع على كتبي المرسلة أثناء غيابكم"76. خاتمة رسالة كنعان هذه، كانت -كما بدا - دافع زعيتر إلى بدء رسالته الأولى إلى كنعان بداية مختلفة، فابتدأ رسالته التي كُتبت - أغلب الظن - في 12 أيلول/ سبتمبر 1967، بنقل صورة متفائلة عن الموقف السياسي العام بعد اجتماع القمة العربية، موثّقًا في هذه الرسالة شهادته عن مؤتمر القمة، وهي شهادة تفرّدت المكاتبات في حفظها؛ إذ لم يدوّن زعيتر في يومياته خلال سفره الطويل. كتب زعيتر: "ما يمكن أن أؤكده من هنا أن الرحلات كانت مفيدة. بالنسبة إلى مؤتمر القمة كان في نظري موفّقًا جدًا، كان موضوعيًا وواقعيًا، وأتيح لنا أن نبسط الأمور على حقيقتها. إننا مدركون كل الإدراك وضع الضفة الغربية كما وصفته، وما يجوز أن أقول لك الآن أن المجتمعين كانوا واقعيين، وأن أبا خالد [جمال عبد الناصر] كان أكثرهم واقعية، وقد أجمع الحاضرون على أن ما يتّفق عليه أبو خالد وأبو عبد الله بالنسبة إلى الحلول السياسية، يوافق عليه الجميع، ولعلك تتابع رحلات محمود رياض إلى موسكو وبلغراد عاصمة تيتو! ولا تنسى [تنسَ] أن لتيتو مقترحات يصح أن تكون موضع بحث. والبحوث جارية في هذه الشؤون مما لا يصح أن يُنشر، وما كان يجوز أن تصدر بشأنها مقررات في مؤتمر وإن كان الاتفاق عليها قائمًا. وقد كان [أحمد] للشقيري موقف مزعج أدى إلى الرد عليه ثم انسحابه من دون أن يعترض أحد على هذا الانسحاب، ولعل أبا خالد كان أكثرهم رضاءً على هذا الانسحاب. طبيعي أن ندرك أن الحرب الآن مستحيلة، وأن الاشتباك ضروري وهو قائم، فلا بد لنا والحالة هذه من الصبر والصمود، ولا مجال مطلقًا لليأس وأولئك الذين يروّجون لحكومة فلسطينية، إنما يجنون على وطنهم وعلى أنفسهم، ولعلّي أدخل في تفاصيل في رسالة أخرى. وقد كنت أرجو لو أعلم من هم عندكم الذين يروّجون للفكرة الخاطئة المحرمة عندكم لنكون على بيّنة من الأمور. أما موقف الغزيين، فهو مما يُدخل الاعتزاز في نفوسنا، وندعو الله ألّ يخيب أملهم فينا"77. في ضوء خيبة أمل كنعان وشكواه، كتب زعيتر معقّبًا، ومشعرًا كنعان كعادته بأن هناك من يسمعه ويسعى للاستجابة لطلباته: "آسف أن يكون مصير كل ما كتبتموه في غيابي الإهمال، وأن يترك آثارًا سيئة. وإنني أشعر معكم، ولكن المصيبة هي أن أبا العبد [...] ولكم عليّ أن أحقق كل أمر، وأن أتابع كل طلب، ولا أرى فائدة أن أطّلع على ما أرسلتموه إلى أبي العبد [أحمد طوقان]، علمًا أنه من المفروض فيه هو أن يتفرّغ بطبيعة عمله لهذه الأمور. أعود إلى موضوع عملكم، فأقول إن رأيي ورأي الجميع هنا أنكم
معيّنون من قبل جلالة الملك، وقد صدر قرار التمديد بناء على اقتراحكم أنتم78. إن الملك حسين هو الذي عيّنكم ولم يعيّنكم القوم، وهو صاحب القول الفصل الشرعي في الأمر، فإذا كان لا بد من استقالة فتُقدم إليه، وهو الذي يبت فيها، علمًا بأن رأيه هو، ورأي أبي أسعد ورأيي ورأي الجميع، أن لا يجوز لكم في حال من الأحوال التفكير بالترك، مهما تكن الأسباب، ولا سيما النفسية منها، مهمة. إننا هنا معرضون لهجمات ولهجمات وإساءات، ولكننا صامدون نحمل مسؤولياتنا حتى النهاية"79. بوصول هذه الرسالة وعودة زعيتر وشبكته، كما بداية تحولات في الموقف النابلسي العام، عاد الأمل إلى كنعان. برز تجدد الأمل - وهو أمل سيبقى يزيد وينقص، متفاعلً مع الحوادث اليومية حتى يوم الاستقالة - في رسالة كنعان إلى زعيتر التي يغلب الظن أنها كُتبت في 14 أيلول/ سبتمبر 1967: "موضوع إنهاء عملي في البلدية عرضته على أصحاب الرأي هنا بشكل عام، وكان له صدى ومعارضة قوية من كافة الجهات والهيئات، حتى أولئك الذين كانوا يترقّبون ابتعادي بفارغ الصبر، ويظهر أنه لا بد لنا من الصبر إلى أن يقضي الله أمرًا، مع تأكيدي إليك بأنني وصلت درجة الإنهاك"81. استغل كنعان كذلك عودة صديقه لاستكمال طرح ما كان قُدم للاستفادة من شبكة زعيتر في إيصال مقترحاته إلى المستويات الرسمية العليا: "لقد كتبت لأبي العبد [أحمد طوقان] قبل عودتك أقترح إجراء مقابلات صحافية مع الأستاذ عزة دروزة وغيره من العلماء والمفكرين في سوريا ولبنان، وعلى الخصوص أعضاء لجنة البحث العلمي، مثل وليد الخالدي و[يوسف] صايغ وزملائهم، وإذاعة رأيهم بشأن الحكومة الفلسطينية في إذاعة الشام ولبنان والتلفزيون، لأن لآرائهم وقعها لدى أولئك الذين لا تشتغل عقولهم، ومن المعروف أن للناس ثقة كبيرة بالأستاذ دروزة، ويأخذون كلامه بثقة وإيمان، وكذلك بالنسبة للآخرين، خصوصًا بين طبقة أدعياء العلم والتعليم، وأرى أن تتبنى أنت هذا الأمر لأهميته"82. وعن تطوّرات الموقف من الحكم الذاتي، كتب: "وأما الذي يشايعون موضوع الحكومة الفلسطينية فهم الجعبريون في الخليل وقليل من المقدسيين، وعزيز شحادة وعزة قرمان وزملاء لهم في رام الله وعيسى عقل، والدعوة لها في رام الله قوية نوعًا ما. وأما في نابلس، فلا يوجد من يتبنّى هذه الدعوة، ولكنْ هناك لغط بشأنها في المجالس، ويجد بحثها انفتاحًا لدى البعض. ويمكن التأكيد بالإجمال أن العقائديين في جميع الجهات يقاومونها بكل قوة، وأنا لا أترك فرصة أو زيارة تمر دون تفنيد مساوئها، وكذلك أحاديثي مع الصحفيين وهي كثيرة ويومية تقريبًا"83. عقّب كنعان على مداولات زعيتر وسعد جمعة المتعلقة بالجسور: "أما موضوع إصلاح جسر دامية، فمع تقديري للمساوئ المعنوية التي تنتج عنه فإن أهميته بالغة بالنظر لجودة موسم الزيت هذا العام، وإن من شأن إقفال الطريق الشرقية أن تضطرنا لتصديره عبر ميناء حيفا، وليس في هذا مصلحة كذلك. والقول بأن المواصلات تستمر في فصل الشتاء مردود، لأن أي زيادة في منسوب المياه
ستؤدي لتوقف المواصلات بالتأكيد. ولذا أرجو دراسة هذا الموضوع دراسة وافية، وسنرسل مهندس أشغال نابلس لعمّان للاجتماع بالمسؤولين والعودة بالرأي النهائي"84. في رسالة غير مؤرخة، يظهر أنها أُرفقت مع الرسالة السابقة، نقل كنعان الموقف السلبي العام من مواقف الدول الإسلامية من تهويد القدس والإجراءات الصهيونية المتتابعة التي اتُّخذت في هذا الجانب، والتي كانت أحد عوامل تصعيد المواجهة في الأرض المحتلة85. وأرفق أيضًا بالرسالة نصًّا مطبوعًا، تحدّث عن قرارات وكالة الغوث الدولية تقسيم عملياتها بين الضفتين، وفصلهما نهائيًا، وتقسيم الوظائف. واعتبر هذا الإجراء مدخلً جديدًا من مداخل الأزمة الاقتصادية التالية للاحتلال، وسيسبب موجات متتابعة من الرحيل الجماعي، واختتم النص بقوله: "وغني عن القول، فإن قرارًا كهذا يصدر عن منظمة منبثقة عن هيئة الأمم المتحدة، يوحي بتساؤلات خطيرة عن مدى ارتباطه بمخططات ليست في مصلحة هذا البلد"86. رد زعيتر في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1967 على رسالة كنعان، وحرص أول الأمر على التأكيد أن الملك سيطّلع على رسالته حال انتهاء انشغاله بتشكيل الحكومة الجديدة؛ أي حكومة بهجت التلهوني، وأضاف مستكملً حديثه عن أبي عبد الله؛ أي الملك حسين: "سأكلّفه أن يوعز بحزم بالأخذ بما فيها. ما ورد عن وكالة الغوث أذهلني جدًا. سوف أطلع أبا عبد الله عليه. أطلعت أبا العبد [أحمد طوقان] ووعد بالاهتمام الجدي". وأضاف: "سأطلع عليها صباحًا أبا عدنان [رئيس الوزراء بهجت التلهوني] وسوف أعقب القضية بنفسي"87. كما أن زعيتر أعطى كنعان حرية التصرف في مسألة دفع رواتب المعلمين المضربين؛ إذ كتب زعيتر: "ورأيي أنا أن تتصرفوا أنتم بما ترونه مفيدًا". وكان كنعان قد طرح المسألة في رسالة لم تتوافر في أرشيف زعيتر؛ إذ إن الأخير كما يبدو سلّم الرسالة إلى أبي أسعد (رئيس الوزراء سعد جمعة)، ولما نسي أن يفعل شيئًا، وفي ضوء ملاحقة زعيتر، أحال الأمر إلى أبي العبد (أحمد طوقان) الذي وعده بالدرس وإبداء الرأي. ولطمأنة كنعان في ضوء هذا التأخير، كتب زعيتر: "النيّة تتّجه إلى تأليف لجنة خاصة بالضفة الغربية في البلاط، وأكون أنا رئيسًا لها، وحينئذٍ سوف ترون أنه لا تتأخر معاملة ما، وسوف تتضاعف العناية بشؤون الضفة الغربية. ولا شك في أن دخول [عبد الحميد] السائح وأبي العلاء [هاشم الجيوسي] في التشكيلة مع غيرهم من أبناء الضفة الغربية يُعطيها طابع الاهتمام"88. كان زعيتر يتابع القضايا المالية المتصلة باشتغال كنعان، فقد سبق أن أرفق الأخير في رسالته السابقة شكوكًا بشأن تسليمها إلى وزارة المالية بموجب الكشف الأخير المرسل من الوزارة إلى كنعان، لتوقيع نسخة منه وحفظه لدى زعيتر كإيصال بالقيمة. ووفقًا لرسالة زعيتر، فإنه تابع المسألة مع الوزارة. وتظهر الرسالة أيضًا أن التواصل الشخصي بين زعيتر وكنعان من أجل حل المشكلات العالقة في مدينتهما، بعيدًا عن إشكاليات التواصل الرسمي، لم يكن التواصل الوحيد؛ إذ إن رئيسة الاتحاد النسائي في نابلس، الحاجة عندليب العمد، تواصلت مع زعيتر للتوسط لدى الملك من أجل دعم الاتحاد، فأرسل زعيتر مع الحاج معزوز المصري شيكًا بأربعة آلاف دينار للاتحاد89. لم تقتصر رسائل زعيتر كنعان خلال هذه المرحلة على هذه الجوانب؛ إذ فرضت السلطات الاستعمارية عقوبات جماعية على نابلس في 22 أيلول/ سبتمبر 1969، تفاعلت معها المدينة، وحضرت في مكاتبات زعيتر - كنعان، وهو موضوع سيُعالج في بحث مستقبلي، نظرًا إلى أهميته في بيان أثر مقاومة نابلس وأهلها في تشكيل سياسات الحكم العسكري الأولى. وعلى الرغم من أن
زعيتر خرج من الديوان الملكي في نيسان/ أبريل 1968، فإن مكاتباته مع كنعان لم تنته؛ إذ تواصلت المكاتبات التي تضمّنت استمرارًا لبعض القضايا التي بدأت في إثر الحرب، كقضية الحكم الذاتي، أو ما صار يُعرف بالحكومة الفلسطينية، وكذلك أحاديث عن بعض المقترحات لحلول سياسية قدّمها لكنعان بعض الجهات الأجنبية، كمقترح القنصل الفرنسي الذي نقله كنعان إلى زعيتر في 2 شباط/ فبراير 1968، أو حول مبادرات تواصل بدأها الاحتلال مع عدد من شخصيات الأرض المحتلة بشكل جماعي أو منفرد، وكان كنعان أحدهم - سيجري تناولها تفصيلً في تحقيق مذكرات كنعان وأوراقه - لكن بدءًا من تموز/ يوليو 1968، احتلت معركة كنعان والتلهوني جلّ المكاتبات، حتى استقالة كنعان في آذار/ مارس 1969، خصوصًا مع انتقال هذه المعركة في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 1968 إلى الإعلام. خلال هذه المعركة، وقف زعيتر إلى جوار صديقه، وبدا أن صراع كنعان والتلهوني كان امتدادًا لصراعات في خلفية الحياة السياسية الأردنية بين تيارين؛ الأولقاده بهجت التلهوني، والثانيقاده وصفي التل، وكان زعيتر وكنعان من أبناء التيار الثاني. وكان هذا الصراع، إضافة إلى صراعات التمثيل داخل الأرض المحتلة، في ضوء صعود منظمات الكفاح المسلح وتسيدها الساحة، وقيادتها لفعل أهل البلاد وفاعليتهم، واشتداد الصراع مع إدارة الحكم العسكري بالتزامن مع زيادة وتيرة المقاومة في مدينة نابلس، سببًا لاستقالة كنعان من منصبه. لكن حالة الطوارئ بقيت ممتدة، فامتدت المكاتبات لامتناع التزاور، ووثّقت هذه المكاتبات جزءًا مهمًا من الواقع السياسي الفلسطيني في الأرض المحتلة بعد عام 1969، كان آخرها رسالة خطّها كنعان في 5 شباط/ فبراير 1981 قبل شهر من وفاته.
خاتمة
أبرزت مراسلات زعيتر كنعان خلال الشهور اللاحقة لحرب 1967 أن الحرب، وإن قطعت الحدود ووسائل التواصل التقليدية السائدة آنذاك، مثل التزاور أو الاتصال الهاتفي، فإنها دشّنت تواصلً خُطَّ في مكاتبات، كشفت، كما كشفت مكاتبات بلوخ - مازون سابقًا، تعاظم قيمة استبدال العلاقات الشخصية بالعلاقات الرسمية، وتحوّل هذه العلاقة في لحظة الحرب إلى أداة تواصل رسمي مع الملك، لتجاوز جزء أساسي من القضايا المستجدة في مدينة نابلس. أثمرت هذه التواصلات حلولً سريعة في الكثير من الأحيان، لكنها كانت - كما ظهر لاحقًا - سببًا في تولّد صراعات مع جزء من شخصيات تيار حكومي مناوئ. كما برز أن هذه المكاتبات تحوّلت إلى ما يشبه في الكثير من الأحيان اليوميات، فقد وثّقت الكثير من المواقف والأفكار السياسية الجنينية وبعض تطوّراتها، وكذلك بعض ظروف الأرض المحتلة الاقتصادية والاجتماعية، والتغييرات الحاصلة مع الزمن. وشكل هذا التوثيق المبكر والمباشر فرصة نادرة للنظر الأولي في فاعلية أهل الأرض المحتلة، وموقفهم من قضايا برزت في الشهور الأولى لحرب 1967، واستكمال توسع المستعمرة على أرضهم، ولم تكشف أبعادها المختلفة من وجهة نظرهم لغياب أراشيف توثّقها. كانت المكاتبات أيضًا إضافة نوعية، على ما حفظته مصادر أولية أخرى خطّها المستعمرون، فزعيتر الذي تتوافر يومياته المخطوطة، خطّ في مكاتباته مع كنعان ما لم يوثّقه في يومياته لحظة الحدث، كموقفه من الحراك السياسي الرسمي التالي للحرب، ومحادثات مؤتمر القمة العربية في الخرطوم. كما وثّق كنعان في هذه المكاتبات بعض التفاصيل التي تجاوزها في مذكراته لاحقًا، فالمذكرات خُطّت في حزيران/ يونيو 1969، فراعت البعد الأمني، فحجب مثلً كنعان أي إشارة إلى الأمور المتعلقة بالجوانب المالية التي كانت خارج رقابة الإدارة العسكرية. أضاءت المكاتبات أيضًا بعض جوانب طريقة تفكير كنعان وزعيتر في ما يتعلق بإدارة شؤون الأرض المحتلة، وإدارة العلاقة مع إدارة الحكم العسكري، وكذلك موقف كنعان - الوجيه القريب من التيار الرسمي الأردني سابقًا - من "المقاومة السلبية"، ورؤيته لدور الأردن
فيها. وفصّلت بعض ما خُفي في المذكرات في ما تعلق باستنكاف العاملين في المؤسسات الرسمية عن العمل بعد الاحتلال. وكذلك إضراب المدارس؛ معلمين وطلابًا. وبهذا، فإن المكاتبات قدمت - في هذا الجانب - إضافة إلى مذكرات كنعان رواية محلية عكست وجهة نظر المستعمَرين وتفاعلهم مع الفعل الاستعماري، وأثر بعض فعلهم في بناء السياسات الاستعمارية المتعلّقة بالحكم العسكري. كما حفظت لغة المكاتبات الظروف النفسية التي عاشها كنعان وزعيتر، والعوامل المركبة التي أسهمت في تشكيل حالتهما النفسية عبر الزمن، وأثر الدعم المؤسس على العلاقات الشخصية في الصمود والبقاء. وكما مكاتبات بلوخ - مازون، فإن مكاتبات كنعان - زعيتر تجاوزت في لغتها التزامات المراسلات الرسمية، وتميّزت من منطق الالتزام السياسي أو الوظيفي تجاه النظام السياسي، فأمكن مثلًالتعبير عن تغييرات موقف كنعان من النظام السياسي الأردني، وأمكن رصد اللحظات الفارقة في إحداث هذا التغيير الذي يفصل في المكاتبات التالية. واستندت هذه المكاتبات، كما مكاتبات جيفريز وأصدقائه، إلى عناصر حميمية أبرزت الصداقة المتجذرة. وأشارت، كما مكاتبات بلوخ - مازون، إلى الثقة المتبادلة المؤسسة على العلاقات الاجتماعية التقليدية التي لم تُحطّمها الحرب والاحتلال، إنما أُعيد تكوينها واستثمارها. ختامًا، لا بد من الإشارة إلى أن جزءًا أساسيًا مما قُدم في هذه المكاتبات، يمكن أن يشكل مادة أولية مهمة لنقاش المصادر الأولية الاستعمارية المتعلقة بهذه المرحلة، وهي المصادر التي سادت في جل الأدبيات التي تناولت هذه المرحلة، لكن لم تكن غاية هذه الدراسة التفاعل مع المصادر الأولية أو الأدبيات الثانوية، إلّ في حدود إفادتها المباشرة. لذا أمكن أن تشكل هذا المادة، كما المصادر الأولية الأخرى التي تعكس وجهة نظر المستعمَرين، فرصة لإعادة النظر في ما قُدّم من أدبيات.
المراجع
References
العربية
التميمي، أنور الخطيب. مع صلاح الدين في القدس: تأملات وذكريات. القدس: دار الطباعة العربية، 1989.
الربيحات، عمر أحمد. "رسائل الحرب في كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشاء لأبي العبَّاس أحمد بن علي القلقشنديّ: دراسة تحليليَّة فنيَّة". مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات الإنسانية. مج 15، العدد 1 (2015).
"رسالة شكيب أرسلان إلى أكرم زعيتر". عرض وتقديم سعود المولى. الفكر العربي. مج 3، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1981). زعيتر، أكرم. "وصيتي." 17 / 11 / 1957. وثيقة مخطوطة محفوظة في أرشيف مشروع توثيق وبحث القضية الفلسطينية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
الصولي، أبو بكر محمد بن يحيى. قسم أشعار أولاد الخلفاء من كتاب الأوراق. تحقيق ج. هيورث دن. القاهرة: مطبعة الصاوي، 1936. طوقان، فدوى. رحلة جبلية رحلة صعبة: سيرة ذاتية. ط 2. عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1985.
ناصر، كمال. "على صدوركم باقون". فلسطين الثورة. العدد 11. 6 / 9 / 1972.
وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918 - 1939: من أوراق أكرم زعيتر. إعداد بيان نويهض الحوت. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1979.
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1967. جمع وتحرير منذر فائق عنبتاوي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1969.
العبرية
تيفت، شبتاي. نقمة البركة. تل أبيب: منشورات شوكان، 1969.
غازيت، شلومو. المناطق الممسوكة - خمس سنوات. تل أبيب: وزارة التربية والثقافة، 1972.
_______. العصا والجزرة: الحكم الإسرائيلي في يهودا والسامرة. تل أبيب: زموراه -بيتان، 1985.
_______. الطعم في المصيدة: 30 عامًا من السياسة الإسرائيلية في المناطق. تل أبيب: زموراه -بيتان، 1999.
غيلبر، يوآف. "البرنامج الذي تأخَّر على القطار: الخروج من غزة بعد [حرب] الأيام الستة". هَأومه. العدد 201 (ربيع 2016).
هاروفيني، مئير [وآخرون] (محررون). لواؤنا في حرب الأيام الستة. تل أبيب: دار نشر وزارة الأمن، 1969.
الأجنبية
Bryant, Chad. "The Language of Resistance? Czech Jokes and Joke-telling under Nazi Occupation, 1943-45."
Journal of Contemporary History. vol. 41 , no. 1 (2006).
Capeci, Dominic J., Jr. (ed.). Detroit and the 'Good War': The World War II Letters of Mayor Edward Jeffries and
Friends. Kentucky: The University Press of Kentucky, 1996.
Graceffa, Agnès. "Academic Solidarity Under Occupation: The letters of Marc Bloch to André Mazon (December
1940- July 1941)." Revue historique. vol. 674 , no. 2 (2015).
Hanna, Martha. "A Republic of Letters: The Epistolary Tradition in France during World War I." The American
Historical Review. vol. 108 , no. 5 (2003).
Daniel, Ute et al. (eds.). 1914-1918- Online: International Encyclopedia of the First World War. Berlin: Freie
Universität Berlin, 2014.
Hazkani, Shay. Dear Palestine: A Social History of the 1948 War. Stanford: Stanford University Press, 2021.