ملاحظات تمهيدية: تأملات في البحث في التاريخ الاقتصادي
Abstract
* أستاذ الاقتصاد في جامعة محمد الخامس بالرباط. Economics Professor at Mohammed V University. noureddine.elaoufi@gmail.com
- الكتابة التاريخية
- الاقتصاد
- ندوة أسطور
- المغرب
| الرقم التعريفي: doi.org/10.31430/WXMF2086 | DOI: https://d | ||
|---|---|---|---|
| نور الدين العوفي| oufi | نور الدين العوفي*Noureddine El Aoufi | | ||
| ملاحظات تمهيدية تأملات في البحث في التاريخ الاقتصادي Introductory Remarks Reflections on Economic History | |||
سأمهّد لهذا المحور "تأملات في البحث في التاريخ الاقتصادي" بأربع ملاحظات عامة، هي: الملاحظة الأولى: بين التاريخ والاقتصاد صلة وصل وفصل في الآن نفسه؛ هي علاقة مضطربة، معقدة، يعتورها سوء فهم، سوء تفهّم، سوء تفاهم، وفي كثير من الأحيان، جهل وتجاهل. ومن أسباب ذلك السبب المنهجي الذي يورده عبد الله العروي في كتابه مفهوم التاريخ (1992). لكل حقل قواعده، وأدواته، وطرقه، ومقارباته. تعتمد المدرسة التقليدية (آدم سميث، دافيد ريكاردو، وآخرون) مقاربةً تاريخية للدينامية الاقتصادية، وتضع العملية الإنتاجية، والتجارية، وقوانين السوق في الزمن الطويل. ونجد جون ماينار كينز Keynes Maynard John في كتابه النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقد، وعند كارل ماركس في نقد الاقتصاد السياسي، التفاعل الجدلي نفسه بين العامل الاقتصادي، والتطور التاريخي، باعتبار المدة القصيرة عند الأول، والزمن الطويل عند الثاني. هذه العلاقة الوطيدة سوف ينفرط عقدها مع المدرسة التقليدية الجديدة التي أضحت سائدة منذ سبعينيات القرن العشرين إلى اليوم. في المقاربة النيوكلاسيكية نَفيٌ مطلق للتاريخ، وإلغاءٌ لعامل الزمن. الاقتصاد الخالص اقتصاد بلا تاريخ، اقتصاد خارج الزمان والمكان. حول اقتصاد المؤرخين، أحيل إلى الكتاب المرجعي مفهوم التاريخالذي سبقت الإشارة إليه (مثل الموضوعات: تأريخ الظواهر الاقتصادية، والمقاربة الكمية، وكليومتري Colometric، أو التاريخ بالعدد). لن أضيف سوى مسألة واحدة: المؤرخ يهتم بالوقائع الاقتصادية، يذكُرها، يذكِّر بها، يمنحها "مهمّة" استدلالية، يُفسِّر بها منحى التاريخ، لكنه في الأغلب الأعم يكتفي بالتسجيل والوصف، ولا يذهب إلى البحث عن المعنى الاقتصادي للحدث التاريخي، ولا يوظّف العدة النظرية والمنهجية الخاصة بالعلم الاقتصادي، والمؤطرة للتحليل الاقتصادي للوقائع، والأحداث التاريخية. بعبارة أخرى، لا تستند كتابة التاريخ الاقتصادي لدى المؤرخ إلى الإطار النظري الاقتصادي الملائم. أقول "الإطار النظري الملائم"؛ لأن المعرفة الاقتصادية تتوزع إلى بردايمات، ونظريات، وتيارات، ومقاربات مختلفة، ومتعارضة. الموقف النظري الاقتصادي هو ما يُحدِّد المعنى التاريخي في آخر التحليل. ويتبدَّل المعنى بتبدُّل الموقف.
الملاحظة الثانية: تتعلق بإشكالية "التحقيب" بالنسبة إلى كلا الحقلين الاقتصادي والتاريخي. التحقيب المعتمد لدى المؤرخين تحقيب كرونولوجي/ دياكروني يبتدئ من الحقبة القديمة، فالوسيطة، فالحديثة، ثم المعاصرة، ويقابله عند الاقتصاديين تحقيب كرونولوجي/ سانكروني يقوم على تطور أنماط الإنتاج، وانتقال التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية، عبر مراحل؛ بدءًا من مرحلة ما قبل الرأسمالية، وانتهاءً بالمرحلة الراهنة، مرورًا بالمرحلة الكولونيالية (نظام الحماية)، وبمرحلة الاستقلال. ومن المؤلَّفات الاقتصادية الجامعية التي يمكن ذكرها حول الحقبة الكولونيالية المغرب: القبائل، المخزن، المعمِّرونلمحمد صلاح الدين (باريس: منشورات لارماطان، 2000)، والمغرب ما قبل الرأسمالية لإدريس بنعلي (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1983). أمّا المؤلَّفات التي درست حقبة ما بعد الاستقلال، وهي تكاد لا تُعَد، فهي في المجمل تبني فرضياتها باعتبار الحصيلة الاقتصادية لحقبة "الحماية" (1912 - 1956)، وهو ما يتجلى، على سبيل المثال لا الحصر، في الاستثمار في المغرب 1912 - 1964 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1976) لعزيز بلال، والمساعدة الأجنبية في المغرب (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1969) لفتح الله ولعلو. وتجدر الإشارة إلى أن "التاريخ" الذي يتضمنه هذا الصنف من البحوث هو "تاريخ اقتصادي" بمرجعية البحث التاريخي من وجهٍأوّل، و"اقتصاد تاريخي" بمرجعية البحث الاقتصادي من وجهٍثانٍ، من حيث المصادر، والمفاهيم، والأصول، والأدوات المنهجية، والأطر النظرية؛ توليفٌ من تاريخ وصفي للأحداث الاقتصادية، ومن اقتصاد كمِّي للدينامية التاريخية. هذه الملاحظة السريعة تستدعي، بطبيعة الحال، تنقيبًا وفحصًا أكثر عمقًا في الموضوع. الملاحظة الثالثة: تحيل هذه الملاحظة إلى الجدل الذي أثير، خلال الجلسات السابقة، حول مفهوم الحداثة، وشروط إنتاجه. أودّ أن أدلي بدلوي في هذه النقطة. لستُ مع من يرى، من المؤرخين المغاربة، أن حقبة الحماية لم تعُد موضوعًا تاريخيًّا ذا أهمية، استنادًا إلى أنها أُشْبعت بحثًا، أو القول بانعدام فائدتها في حال الخوض فيها من جديد. في ظنِّي أن في الموضوع ما يستوجب المراجعة النقدية باعتبار المقاربة ما بعد الكولونيالية التي وضع أسُسها إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق. وفي كل حال، فإن إشكالية العلاقة، بالنسبة إلى الاقتصاديين على الأقل، بين الحماية والتحديث ليست محسومة إلى اليوم، كما يؤشر إلى ذلك كتاب جديد في الموضوع لمحمد الجرموني عنوانه الحماية الفرنسية في المغرب: نظرة جديدة (باريس: منشورات لارماطان، 2019)، وخلاصته أن عملية التحديث يعود الفضل في إنجازها، أولً وقبل كل شيء، إلى الحماية. "التفكيك" نفسه (بمفهوم جاك دريدا) ينبغي أن يشمل إشكالية العلاقة التاريخية بين التحديث والرأسمالية. قد نجد لدى المؤرخين المغاربة الذين تناولوا "تجارب الإصلاح" بعض الإشارات الدالة على مدى التجاوُر أو التنافُر بين المفهومين، مفهوم التحديث من جهة، ومفهوم الإصلاح من جهة أخرى. وقد ينتج من توظيف أدوات "التاريخ المضاد" وتقنياته contrefactuelle Histoire نتائج غير متوقعة في هذا الباب. الملاحظة الرابعة: تراوح موضوعات التاريخ الاقتصادي بين الاقتصاد والتاريخ؛ في الاقتصاد نجد شيئًا من التاريخ، وفي التاريخ نجد نصيبًا من الاقتصاد. المطلوب، في نظري، عقدُ "وصل جديد" بين الحقلين، أو بالأحرى تَوضيب مجال لحسن "التفهم"، و"التفاهم" بينهما، وذلك بصياغة "برامج بحثية" التقائية، مشتركة تشمل التاريخ الاقتصادي والاقتصاد التاريخي. أشرتُ إلى غياب البعد التاريخي، خاصة التاريخ الطويل، في جل الأبحاث الجامعية الاقتصادية. لقد تطور الاقتصاد الكمي من الإحصاء الوصفي Cliometrics إلى تطبيقات الاقتصاد القياسي Econometrics، التي تهيمن عليها نماذج "التوازن العام المحسوب" MEGC، وهي نماذج لا تأخذ التحولات البنيوية المرتبطة بالزمن الطويل في الحسبان. من شأن المؤرخ الاقتصادي أن يساعد على تخطّي هذه الحدود المنهجية، أو يساعد على الأقل على إعادة قياس نتائجها الكمية، وتنسيب بعض خلاصاتها.
وبالنظر إلى "التجربة المغربية في كتابة التاريخ الاقتصادي"، التي هي موضوع هذه الجلسة، فإنها تحتاج إلى أكثر من جلسة لاسترجاع سياقاتها، وللوقوف عند الحصيلة من حيث الموضوعات، والمقاربات، والمصادر، وغيرها. سنستمع إلى مداخلتين متكاملتين: الأولى لعثمان المنصوري (جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء) عنوانها "التجربة المغربية في كتابة تاريخ المغرب الحديث: التاريخ الاقتصادي نموذجًا". والثانية للطيب بياض (جامعة عبد الملك السعدي بتطوان) وعنوانها "كتابة التاريخ الاقتصادي في المغرب: مسار الإنتاج وسؤال المنهج". من ناحية أخرى، يعرض عثمان المنصوري لبعض توجهات التجربة المغربية، وخصوصياتها، وتطورها، والأسئلة المرتبطة بالوثيقة، وتوافر المعطيات الكمية، والإحصائيات بالنسبة إلى الكتابة في التاريخ الراهن، والمرتبطة أيضًا بتنوع المصادر (أدب النوازل، والكناشات، والسرديات... إلخ)، والموضوعات (الضرائب، والتجارة، والمبادلات، والجمارك، والأسواق، والبضائع، والنقود والعملة، والصناعة، والمناجم، والفلاحة، والريّ، والجفاف، والمجاعة، والأوبئة). ويُثير الباحث، من بين أسئلة أخرى، سؤال المنهج ويصوغه بالمفردات التالية: "أَكتب الباحثون المغاربة تاريخًا اقتصاديًّا أم تاريخ أنشطة اقتصادية؟". أخلص إلى ما يلي: ثمة حاجتان ملحّتَان: حاجة إلى "عمل تركيبي" لتجربة الكتابة في التاريخ الاقتصادي، يُبيِّن الحقب المبحوثة والتيمات المغطاة من جهة، ويُحدِّد "الثقوب" و"البياضات" التي ينبغي العمل على مَلْئِها وتوجيه البحث إليها من جهة أخرى. أمّا الحاجة الثانية، فهي متعلقة بالنظر في إشكالية "كتابة التاريخ الاقتصادي" على خلفية "المشترك"، موضوعيًّا، ومنهجيًّا، بين البحث التاريخي، والبحث الاقتصادي. بعبارة أخرى؛ الحاجة إلى صياغة "برنامج بحثي تاريخي واقتصادي" يقوم على تقييم شامل للتجربة، ويروم إعداد الشروط المعرفية، والمنهجية التي تتطلَّبُها كتابة التاريخ الاقتصادي المغربي.