Return to Article Details The Periodization and Writing of Morocco’s History

التحقيب وكتابة تاريخ المغرب

The Periodization and Writing of Morocco’s History

محمد حبيدة

Houbaida Mohamed

الملخّص

يســتجيب التحقيــب التقليدي لمقياسٍ معيّن من التاريخ، هو التاريخ السياســي الذي يهتم بالزمــن القصير ذي التذبذبات السياســية والدبلوماســية والعســكرية المتوترة والمتحولة باســتمرار. أمــا حينما يتعلــق الأمر بتاريخ البنــى الاجتماعية والاقتصادية، فإن عملية التحقيب تصير عســيرة، خاصة أثناء الحديث عن الانتقال من القرون الوســطى إلى الأزمنة الحديثة. ولذلك، فإن مســتوى البنى، أي مســتوى الزمن الطويل، أو الزمن الاجتماعي البطيء، كما يقول فرنان بروديل، يســتلزم بالضــرورة نوعًا من المرونة في التعامل مع الأمور. من هذا المنظور، تســعى هذه الدراســة لمناقشــة إشــكالية "مطلع العصــر الحديث" (القرن الســادس عشــر الــذي وافق حكم الســعديين للمغرب)، والنظر في الســؤال: إلــى أي حد ينبغي مراجعة المقولات المرتبطة بذلك؟ بمعنى آخر: هل يســتقيم الكلام على عصر حديث في غياب للحداثة، مظهرًا وبنيةً؟ ما يتبين هو استمرارية النسق الوســيطي، اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، إضافة إلى غلبة التقليد ومناهضة التجديد، حيث ظلت العقليات محكومة بالمرجعية الدينية في كل شيء: في السياسات، والممارسات، والسلوكيات، والحساسيات أيضا.

Abstract

Traditional periodization engages with the particular historical standard of political history, concerned with volatile, constantly evolving political, diplomatic, and military fluctuations in the short term. When it comes to the history of social and economic structures, this periodization process becomes difficult especially when discussing the transition from the Middle Ages into modernity. Hence, the structural level – the long term or longue durée according to Fernand Braudel – requires a degree of flexibility in going about things. From this perspective, the article discusses the problem of the "beginning of the modern era" (the 16 th century, during the Saadi Sultanate in Morocco) and the extent to which it is necessary to revisit assumptions related thereto. In other words, is it possible to speak of a modern era in the absence of modernity, outwardly or structurally? The study illustrates the socioeconomic and political continuity of this mediaeval model, as well as the triumph of tradition over innovation: mentalities are still governed by religious authority in politics, practices, behaviours, and sensitivities.

الكلمات المفتاحية:
  • تحقيب
  • الزمن الطويل
  • القرون الوسطى
  • الحداثة
Keywords:
  • Periodization
  • Longue Durée
  • Middle Ages
  • Modernity

التحقيب وكتابة تاريخ المغرب The Periodization and Writing of Morocco’s History

يستجيب التحقيب التقليدي لمقياسٍ معيَّن من التاريخ، هو التاريخ السياسي الذي يهتم بالزمن القصير ذي التذبذبات السياسية والدبلوماسية والعسكرية المتوترة والمتحوّلة باستمرار. أما حينما يتعلق الأمر بتاريخ البنى الاجتماعية والاقتصادية، فإن عملية التحقيب تصير عسيرة، خاصة أثناء الحديث عن الانتقال من القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة. ولذلك، فإن مستوى البنى، أي مستوى الزمن الطويل، أو الزمن الاجتماعي البطيء، كما يقول فرنان بروديل، يستلزم بالضرورة نوعًا من المرونة في التعامل مع الأمور. من هذا المنظور، تسعى هذه الدراسة لمناقشة إشكالية "مطلع العصر الحديث" (القرن السادس عشر الذي وافق حكم السعديين للمغرب)، والنظر في السؤال: إلى أيّ حد ينبغي مراجعة المقولات المرتبطة بذلك؟ بمعنى آخر: هل يستقيم الكلام على عصر حديث في غيابٍ للحداثة، مظهرًا وبنيةً؟ ما يتبيّن هو استمرارية النسق الوسيطي، اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، إضافة إلى غلبة التقليد ومناهضة التجديد، حيث ظلت العقليات محكومة بالمرجعية الدينية في كل شيء: في السياسات، والممارسات، والسلوكيات، والحساسيات أيضًا.

Traditional periodization engages with the particular historical standard of political history, concerned with volatile, constantly evolving political, diplomatic, and military fluctuations in the short term. When it comes to the history of social and economic structures, this periodization process becomes difficult especially when discussing the transition from the Middle Ages into modernity. Hence, the structural level – the long term or longue durée according to Fernand Braudel – requires a degree of flexibility in going about things. From this perspective, the article discusses the problem of the "beginning of the modern era" (the 16 th century, during the Saadi Sultanate in Morocco) and the extent to which it is necessary to revisit assumptions related thereto. In other words, is it possible to speak of a modern era in the absence of modernity, outwardly or structurally? The study illustrates the socioeconomic and political continuity of this mediaeval model, as well as the triumph of tradition over innovation: mentalities are still governed by religious authority in politics, practices, behaviours, and sensitivities.

أستاذ التاريخ في جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب. Professor of History, Université Ibn Tofail, Kénitra, Morocco. Email: houbaidamohamed@yahoo.fr

مقدمة

يُكتب التاريخ في الجامعات المغربية انطلاقًا من تحقيبٍ أو تقسيمٍكرونولوجي موروث عن البناء الفكري الذي خلَّفته المدرسة

الفرنسية الوضعانية: عصر قديم ووسيط وحديث، وفترة معاصرة. ويستجيب هذا التحقيب الذي يعتبر بمنزلة "شبكة لقراءة الزمن"،

لمقاييس صنفٍ معيَّن من التاريخ: التاريخ السياسي الذي يهتم، في المقام الأول، بالزمن القصير ذي التذبذبات السياسية والدبلوماسية

والعسكرية المتوترة والمتحوّلة باستمرار. غير أن هذه المقاييس غالبًا ما تتحوّل إلى "مسلّمات ضمنية"1، ومطلقة في أحيان كثيرة، فيوظفها المؤرخ في معالجة جميع

الحالات، خاصة في فهم تاريخ البنى الاجتماعية والاقتصادية؛ فتصير شبكة قراءة الزمن هذه عسيرة إلى درجة التعسّف. وتتضح هذه

المشكلة خصوصًا أثناء الحديث عن الانتقال من القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة. ولذلك، فإن مستوى البنى، أي مستوى الزمن

الطويل، كما يقول فرنان بروديل، يستلزم بالضرورة نوعًا من المرونة في التعامل مع الأمور، وأن يؤخذ في الحسبان عامل البطء والثبات الذي يُميّز البنى الاجتماعية والعقليات. من هذا المنظور، تسعى هذه الدراسة لمناقشة إشكالية "مطلع العصر الحديث" (القرن السادس عشر الذي وافق حكم السعديين

للمغرب)، ومراجعة المقولات المرتبطة بذلك. بمعنى آخر: هل يستقيم الكلام على عصر حديث في غيابٍ للحداثة، مظهرًا وبنيةً؟

التحقيب: من التناول المحلّي إلى التناول العالمي

في معظم الأحيان، تناول المؤرخون المغاربة، أو الأجانب المهتمون بتاريخ المغرب، مسألة التحقيب بطريقة غير مباشرة، في سياق دراساتهم. ولا يخلو هذا التناول من أهمية، لأنه يُحفِّز على وضع هذه المسألة على المحك. وقد ركّز عبد الله العروي، في كتابه

الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية، أبحاثه على المرحلة الممتدة من احتلال الجزائر في عام 1830 إلى معاهدة عام 1912، وبيَّن أن "دراسة النسق السياسي والاجتماعي" المغربي تقتضي، في واقع الأمر، النظر في ما وراء هذه المرحلة، لتشمل "كل

الفترة الممتدة ما بين 1757 و 1912 "2؛ أي منذ عهد السلطان محمد الثالث. وبالرؤية نفسها، قبل دراسة العروي بأكثر من عشرين عامًا، أشار المؤرخ الفرنسي شارل أندريه جوليان في كتابه تاريخ شمال أفريقيا إلى أن "قواعد" اشتغال النظام المخزني التي وضعها

السلطان السعدي أحمد المنصور، في نهاية القرن السادس عشر، "ظلت كما هي، على الرغم من التعديلات التي حصلت في ما بعد، وذلك إلى غاية قيام الحماية الفرنسية"؛ إذ لم تتغير الأمور "باتجاه شكل من أشكال الدولة الحديثة"3. ويُدرج كتاب نيكولا ميشيل،

اقتصاد الكفاف في المغرب قبل الاستعمار، ضمن هذا المنظور؛ إذ ركز على المقطع الزمني الواقع بين الأعوام 1860  -  1880 و 1902، ناعتًا إيّاه بالزمن ما قبل الكولونيالي، غير أن تفسير البنى الاقتصادية والاجتماعية دفعته إلى الغوص عميقًا في الزمن. فعلى الرغم

من تجنّبه "رسم تطور في المدى البعيد، ذلك التمرين الضروري لكل دراسة في التاريخ الاقتصادي"4، فإن السعي لتحليل عميق،

جعله ينقب في عالية الزمن لإعادة بناء بنية الاقتصاد القروي التقليدي؛ إذ نلاحظ، مثلً، حضور القرن الثامن عشر، على نحو ملموس،

1  Olivier Dumoulin, "Périodisation," in: André Burguière (dir.), Dictionnaire des sciences historiques (Paris: PUF, 1986), p. 504. 2  Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830  -  19 12 (1977) (Casablanca/ Beyrouth: Centre culturel arabe, 2001), p. 19. 3  Charles André Julien, Histoire de l'Afrique du Nord , tome 2: De la conquête arabe à 1830 (1951) (Tunis: Cérès Editions, 2003), pp. 311 , 456. 4  N. Michel, Une économie de subsistances. Le Maroc précolonial , tome 1 (Le Caire: Institut Français d'Archéologie Orientale, 1997), p. 17.

  1. Olivier Dumoulin, "Périodisation," in: André Burguière (dir.), Dictionnaire des sciences historiques (Paris: PUF, 1986), p. 504.
  2. Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830  -  19 12 (1977) (Casablanca/ Beyrouth: Centre culturel arabe, 2001), p. 19.
  3. Charles André Julien, Histoire de l'Afrique du Nord , tome 2: De la conquête arabe à 1830 (1951) (Tunis: Cérès Editions, 2003), pp. 311 , 456.
  4. N. Michel, Une économie de subsistances. Le Maroc précolonial , tome 1 (Le Caire: Institut Français d'Archéologie Orientale, 1997), p. 17.

في عرض المعطيات المتصلة بالتنظيم الاجتماعي ونمط الزراعة والقحوط، وغيرها. واعتبر عبد الأحد السبتي في دراسة له حول أمن الطرق في المغرب قبل الاستعمار، عندما تتبَّع الممارسات الاجتماعية والتمثلّات الثقافية بطريقة استرجاعية حتى العصر الوسيط، بغية

الكشف عن المرجعيات الاجتماعية والسياسية والثقافية، أن "رحلة البحث عن نسق تقليدي مغربي هي في نهاية المطاف رحلة تعود باستمرار إلى الوراء (أي رحلة تقودنا حتى العصر الوسيط)، بدون أن تؤدّي إلى الإمساك بالنسق – المنطلق"5. من جهتها، تُبيِّن الأطروحات ذات السمة المونوغرافية (المحلّية)، التي همّت القبائل في الدرجة الأولى، مُرونة الزمن هذه،

لكن ذلك كان بطريقة ضمنية. فقد أدمج أحمد التوفيق القرن الثامن عشر في مقاربته لقبيلة من الأطلس الكبير، استنادًا إلى نوازل

قاضي دمنات، محمد بن عبد الله الكيكي، وإن كان جوهر الدراسة يتصل بمرحلة 1850  -  19126؛ لأن النوازل، كما يقول صاحب كتاب إينولتانظلت تطرح مشكلات متشابهة، عاكسة بذلك بنية اجتماعية جامدة أو بطيئة التطور7. وعمل عبد الرحمن المودن، هو أيضًا، في أطروحته المتعلقة بقبائل إيناون، على توسيع رؤيته للزمن؛ إذ مدّد ورشته حتى القرن السادس عشر، علمًا أن صلب الموضوع

همَّ الفترة 1873  -  1902، وذلك من أجل فهم المحيط البيئي لهذه القبائل ونسيجها الاجتماعي وعلاقاتها بالمخزن، وعيًا منه بأن هذه

المرحلة المديدة كلها تدخل في سياق مفهوم ما قبل الاستعمار8. في مجال العلوم الاجتماعية، تبدو المسألة أكثر وضوحًا، بسبب ارتباطِها بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتركيزها على

مظاهر الجمود في هذه البنى، أكثر من ارتباطها بظرفيات الزمن التاريخي، أي الأحداث والضغوط العسكرية والمعاهدات الدبلوماسية التي منحت القرن التاسع عشر المغربي نوعًا من النتوء التاريخي. أمّا الاقتصادي إدريس بن علي الذي نعت "التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية" للمغرب قبل الحماية الفرنسية ب "ما قبل

رأسمالية"، فإنّ مرحلة ما قبل الاستعمار تبدأ بالنسبة إليه مع وصول الشرفاء السعديين إلى الحكم في القرن السادس عشر؛ إذ اختفى النظام الاجتماعي والسياسي القائم على العصبية القبلية، الذي تكلم عليه عبد الرحمن بن خلدون. وتمتد هذه المرحلة، بحسب رأيه، إلى التدخل الرأسمالي الأوروبي في القرن التاسع عشر9. تثير الأدبيات الأنثروبولوجية، وبخاصة الأنكلوسكسونية، اهتمام الباحث في هذا الموضوع؛ لأنها تتنبه، على نحو خاص، إلى مظاهر الثبات الاجتماعي والثقافي. ويرى إرنست غيلنر، في دراسته المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي والديني في جبال الأطلس، أن بُنى السلطة السياسية ظلت على حالها طوال قرون، إلى أن زعزعها الاستعمار. ويتعلّق الأمر بسلالات قادمة

من وسط قروي استقرّت في المدن، واستخدمت مقابل بعض الامتيازات مجموعة من القبائل لحمايتها من قبائل أخرى،

كان تهديدها للحكم المركزي يصل إلى أبواب المدينة10. وضمن الرؤية نفسها، يمكن ذكر جون واتيربوري الذي يقول:

5  عبد الأحد السبتي، بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار (الدار البيضاء: توبقال، 2009)، ص 260. كان السبتي قد تنبَّه إلى مسألة

الزمن هذه منذ بحثه الأول في عام 1984، حول أرستقراطية مدينة فاس، حينما وسَّع تصوّره التاريخي لمرحلة ما قبل الاستعمار، ليشمل المرحلة ما بين القرنين الخامس

عشر والتاسع عشر. ينظر:

Abdelahad Sebti, "Aristocratie citadine, pouvoir et discours savant au Maroc précolonial. Contribution à une relecture de la littérature généalogique fassie, XVe -début XIXe siècle," Thèse inédite, Université de Paris 7 , 1984.

6  أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، إينولتان، 1850  -  1912 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1983.) 7  المرجع نفسه، ص 35. 8  عبد الرحمن المودن، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم

الإنسانية بالرباط، 1995)، ص 11  -  22.

9  Driss Ben Ali, Le Maroc précapitaliste (Rabat: Société marocaine des éditeurs réunis, 1983), p. 19. 10  E. Gellner, Saints of the Atlas (London: Weidenfeld and Nicolson, 1969), pp. 5  -  6.

  1. عبد الأحد السبتي، بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار (الدار البيضاء: توبقال، 2009)، ص 260. كان السبتي قد تنبَّه إلى مسألة الزمن هذه منذ بحثه الأول في عام 1984، حول أرستقراطية مدينة فاس، حينما وسَّع تصوّره التاريخي لمرحلة ما قبل الاستعمار، ليشمل المرحلة ما بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر. ينظر: Abdelahad Sebti, "Aristocratie citadine, pouvoir et discours savant au Maroc précolonial. Contribution à une relecture de la littérature généalogique fassie, XVe -début XIXe siècle," Thèse inédite, Université de Paris 7 , 1984.
  2. أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، إينولتان، 1850  -  1912 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1983.)
  3. المرجع نفسه، ص 35.
  4. عبد الرحمن المودن، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995)، ص 11  -  22.
  5. Driss Ben Ali, Le Maroc précapitaliste (Rabat: Société marocaine des éditeurs réunis, 1983), p. 19.
  6. E. Gellner, Saints of the Atlas (London: Weidenfeld and Nicolson, 1969), pp. 5  -  6.

"لم يكن هناك في سنة 1912 فارق بين التنظيم السياسي للدولة والنظام الذي بناه السلطان الكبير مولاي إسماعيل في القرن السابع عشر"، و"لم يطرأ أي تغيير على النظام، لأن المشاكل الداخلية ظلت على حالها، تتلخص في جباية الضرائب وتنظيم الجيش وقمع القبائل"11. ويذهب كينيث براون، الأنثروبولوجي ذو المزاج التاريخي، بعيدًا في رؤيته للأمور. ففي دراساته لمدينة سلا، يرى أن المرور

من مجتمع "تقليدي" إلى مجتمع "حديث" جرى خلال المرحلة الممتدة بين عامي 1830 و 1930، أي من احتلال الجزائر إلى بزوغ الحركة الوطنية في المغرب، مع مناهضة الظهير البربري12. لكن فهم مجتمع ما قبل عام 1830، الذي نعته ب "التقليدي"، يقتضي الصعود في الزمن حتى عام 1000 م؛ فمنذ القرن الحادي عشر حتى مطلع القرن التاسع عشر، شكّل تاريخ مدينة سلا، ومن خلاله تاريخ المغرب، مرحلة طويلة ذات بُنى شبه ثابتة، مادية وثقافية، على الرغم من التحولات السياسية التي حدثت في القرن السادس عشر13. ويمكن أن نُدرج في هذه الرؤية فكرة الجغرافي الفرنسي جون لوكوز الذي اعتبر، من خلال التنبه إلى المجال ودرجة استغلاله،

انطلاقًا من دراسة في الجغرافيا الإقليمية، همّت منطقة الغرب، حقبةَ ما قبل الاستعمار "امتدادًا للعصر الوسيط"، مشددًا على ضرورة

أخذ هذا الأمر في الاعتبار في تحليل مشكلات الفلاحة في المغرب في بداية عهد الاستقلال وفهمها14. إذا غيّرنا زاوية النظر في اتجاه تاريخ أوروبا، على مستوى تناول الزمن تحديدًا، على نحو ما يظهر من اجتهادات مدرسة الحوليات،

فإننا نجد تغيُّرًا متواصلً في الرؤية، في ضوء التقدم في المفاهيم والمناهج. ومن خلال هذا المنظور، خضع تاريخ أوروبا للمراجعة

وإعادة الصياغة باستمرار. وفي هذا المستوى، نسوق مثالين رئيسين: المثال الأول يُجسّده بروديل، صاحب كتاب الحوض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيلبِّي الثاني، الذي كان قد

اقترح تمفصلً زمنيًّا مقارنةً بالموضوعات المدروسة. فبالنسبة إليه، تُدرج البنى المادية والثقافية، الثابتة أو شبه الثابتة، في الزمن

الطويل؛ ومن ثمّ تنفلت من قبضة التحقيب التقليدي. وهذا ما يفسر ابتكار الأزمنة الثلاثة: زمن طويل يوافق البنى، وزمن متوسط أو

دوري يوافق الظرفيات، وزمن قصير يوافق الأحداث15. انطلاقًا من هذه الرؤية التي تَبرز أيضًا في كتابه الآخر الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية، خاصة الجزء الأول منه،

المخصص لبنى الحياة اليومية، تظهر مرحلة ما قبل الثورة الصناعية باعتبارها بنية اقتصادية واجتماعية ممتدة حتى نهاية العصر الوسيط. يقول بروديل: "الحياة المادية، بين القرن الخامس عشر والقرن الثامن عشر، هي امتداد لمجتمع واقتصاد قديمين، لم يشهدا إلّ تغيرًا بطيئًا جدًّا وغير محسوس"16. أما المثال الثاني، فيتجلى في أعمال المؤرخ الوسيطي جاك لوغوف الذي دافع، على مدى عقود، عن مفهوم الزمن الطويل، مقترحًا ما سمّاه "العصر الوسيط الطويل"، الممتد إلى عصر الأنوار، عصر النزعة العقلانية والتحولّات الاجتماعية والصناعية التي

غيَّرت، على نحو ملموس، حياة الناس اليومية وسلوكهم وحساسياتهم؛ إذ بيَّن مخلّفات القرون الوسطى، من حيث نمط الحياة

11  جون واتيربوري، أمير المؤمنين: المَلكِية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق (الرباط: مؤسسة الغني للنشر،

2004)، ص 55.

12  Kenneth Brown, Les gens de Salé: Tradition et changement dans une ville marocaine de 1830 à 1930 , F. Podevin (trad.) (Casablanca: Eddif, 2001), p. 45.

13  كينيث براون، موجز تاريخ سلا: 1000  -  1800، ترجمة محمد حبيدة وأناس لعلو (الدار البيضاء: منشورات أمل، 2001.)

14  Jean Le Coz, Le Rharb, Fellahs et colons: Etude de géographie régionale , tome 1 (Rabat: Centre Universitaire de la Recherche Scientifique, 1964), p. 12. 15  F. Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II , tome 1 (Paris: A. Colin, 1990), p. 18. 16  F. Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècles , tome 1 (Paris: A. Colin, 1979), p. 12.

  1. جون واتيربوري، أمير المؤمنين: المَلكِية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق (الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2004)، ص 55.
  2. Kenneth Brown, Les gens de Salé: Tradition et changement dans une ville marocaine de 1830 à 1930 , F. Podevin (trad.) (Casablanca: Eddif, 2001), p. 45.
  3. كينيث براون، موجز تاريخ سلا: 1000  -  1800، ترجمة محمد حبيدة وأناس لعلو (الدار البيضاء: منشورات أمل، 2001.)
  4. Jean Le Coz, Le Rharb, Fellahs et colons: Etude de géographie régionale , tome 1 (Rabat: Centre Universitaire de la Recherche Scientifique, 1964), p. 12.
  5. F. Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II , tome 1 (Paris: A. Colin, 1990), p. 18.
  6. F. Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècles , tome 1 (Paris: A. Colin, 1979), p. 12.

والعقليات، في حياة الناس قبل الثورة الصناعية. ويرى لوغوف "أن العصر الوسيط الممتد هو تاريخ ما قبل الثورة الصناعية". وحتى فكرة "التقدم" لم تظهر إلّ في عصر الأنوار؛ ما يدلّ على "حركة الحضارة إلى الأمام في اتجاه حياة زاهرة"17 ابتكر مفهومها الفيزيوقراطي الفرنسي فيكتور ميرابُو (1789 - 1715). في هذا الطرح الذي يربط الحداثة بالتحرر من جاذبية الماضي والتشوف إلى المستقبل، يتقاطع لوغوف مع ما عرضه الفيلسوف الأميركي مارشال هُوارد بيرمان في كتابه تجربة الحداثة (1982). يرى بيرمان أن وعي الأوروبيين الجماعي بالحداثة وانخراطهم

القوي في التخلّص من بقايا الموروثات الإقطاعية، السياسية والقانونية والأخلاقية، حصل في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، مع قيام الثورة الفرنسية وما أحدثته من "تقلّبات مدوِّية على جميع مستويات الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية"؛

إذ صار في إمكان الناس في القرن التاسع عشر أن يقارنوا بين عصرين متباينين، عصر التحول وعصر ما قبل التحول: "من هذه الازدواجية الداخلية، يقول بيرمان، ومن هذا الإحساس بالعيش في عصرين، نشأت أفكار الحداثة والتحديث، وانتشرت"18. يظهر هذا الطرح الذي عبَّر عنه بكثير من الوضوح بروديل ولوغوف وبيرمان، ومفكرون آخرون، منطقيًّا ومُغريًا، على الرغم

من التحولّات التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، التي توافق حركة التجديد الأدبي والفكري (النهضة)،

والإصلاح الديني (البروتستانتية)، ونشأة الرأسمالية (الكشوفات الجغرافية والميركانتيلية)، وميلاد الدولة القومية، وذلك لأن هذه التحولّات لم تخترق سوى فئة محدودة من المجتمع؛ فئة علية القوم (البرجوازية والأرستقراطية المستنيرة) التي تُغيّر نمط حياتها أو

طريقة تفكيرها. أما عامة الناس، فقد ظلوا في معيشهم اليومي ومعتقدهم، مرتبطين بالماضي، ولم يطرأ التغيير الكبير إلّ مع الثورات الكبرى، الاقتصادية (الثورة الصناعية)، والاجتماعية (الثورات البرجوازية)، والفكرية (الأنوار) التي دمجت الجميع في بوتقة واحدة؛ بوتقة العقل الذي صار محدِّدًا رئيسًا في العمل والسلوك والتمثل.

تاريخ المغرب: تاريخ قرون وسطى طويلة

إذا اقتنعنا بمنطق تناول الزمن هذا، فإنه يمكن الحديث عن المرحلة التي نُسمّيها في المغرب "الحديثة"، ما بين القرنين

السادس عشر والتاسع عشر، باعتبارها امتدادًا للعصر الوسيط الكلاسيكي. صحيح أننا نرصد انتقالات تاريخية من المرحلة التي

اعتدنا نعتها ب "العصر الوسيط" إلى المرحلة المسمّاة "العصر الحديث": من السلالات الأمازيغية القائمة على العصبية القبلية إلى

السلالات العربية المستندة إلى أيديولوجية الشرف، ومن مجال جغرافي واسع مورست فيه السلطة على مستوى المغرب الكبير، مع الإمبراطوريات الأمازيغية، إلى مجال ترابي محدَّد نسبيًا، مع انفلات المغرب من الهيمنة التركية، في عهد الدولة السعدية، وصحيح

أيضًا أن البلاد سجّلت دينامية جديدة على مستوى الاقتصاد (إنتاج السكر)، والشؤون العامة (إقامة الديوان على الطريقة العثمانية،

وتأسيس جيش نظامي، واستعمال السلاح الناري)، والتدبير الدبلوماسي (الرهان على التوازنات الإقليمية وكسب احترام الدول الأوروبية، وإتقان السلطان عبد الملك اللغات الإسبانية والإيطالية والتركية)، لكنّ التاريخ الحديث يستلزم بالضرورة مفهوم الحداثة.

والحال أن الحداثة هي بنية وتراكم: بنية اقتصادية واجتماعية وسياسية متواصلة وممتدة في الزمن، وبنية ثقافية تتطلّع إلى المستقبل أكثر مما تنجذب إلى الماضي، وذلك بسلوك وإحساس وعقلية تتحكم فيها الأفكار العقلانية والآداب والفنون، أكثر مما تتحدد

17  J. Le Goff, Faut-il découper l'histoire en tranches? (Paris: Editions du Seuil, 2014), p. 172. 18  M. H. Berman, The Experience of Modernity (New York: Peguin Books, 1982), p. 17.

يرى بيرمان أن الفيلسوف والأديب الفرنسي جان جاك روسُّو هو أول من استعمل كلمة "حداثة" في القرن الثامن عشر بالمعنى الذي تداوله المثقفون في القرنين التاسع

عشر والعشرين. ينظر: 17. p., Ibid.

  1. J. Le Goff, Faut-il découper l'histoire en tranches? (Paris: Editions du Seuil, 2014), p. 172.
  2. M. H. Berman, The Experience of Modernity (New York: Peguin Books, 1982), p. 17. يرى بيرمان أن الفيلسوف والأديب الفرنسي جان جاك روسُّو هو أول من استعمل كلمة "حداثة" في القرن الثامن عشر بالمعنى الذي تداوله المثقفون في القرنين التاسع عشر والعشرين. ينظر: 17. p., Ibid.

بالمرجعيات الماضوية، الدينية خصوصًا. ولذلك، لا يمكن الكشف عن بنية مثل هذه قبل التحولّات المادية والتجارب الجديدة التي

أدخلها الاستعمار الأوروبي، وهي التي فرضت واقعًا لم يسبق له مثيل؛ ليس في المغرب فحسب، بل أيضًا في العالم كلّه خلال القرنين

التاسع عشر والعشرين. من خلال هذا المنظور، يمكن إدراج السؤال الذي طرحه بيرنار روزينبرجر في كتابه المغرب في القرن السادس عشر: على عتبة الحداثة (2008): أنجح المغرب في عهد السعديين في الدخول إلى العصر الحديث خلال القرن السادس عشر، على غرار أمم

أوروبا، أم فَشِل في ذلك؟ نعلم جميعًا أن عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي قد اتّسم بحركية تاريخية مميزة، من حيث

المكانة السياسية المهمة التي حظي بها المغرب في الساحة الدولية عقب النصر على البرتغال عام 1578 في معركة وادي المخازن (أو معركة الملوك الثلاثة)19. لكن بعد وفاته، انهارت البلاد مثل قصر من ورق، بسبب تطاحن الأمراء على الحكم، وتنامي شوكة الزعامات المحلية، وتوالي المجاعات والأوبئة، وعوامل أخرى كثيرة لا يتّسع المقام للتفصيل فيها. وهذا إنما يدل على أن قوة البلاد

ارتبطت بشخص السلطان أكثر مما ارتبطت ببنية الدولة ومؤسساتها. ولذلك، ظل المغرب يدور في حلقة مفرغة طوال قرون، ومن ثمّ

لم يفلح في الدخول إلى العصر الحديث20. في واقع الأمر، تُدرج بُنى المجتمع المغربي، بمختلف مستوياتها، من علاقات بين الإنسان والمجال، وتقنيات زراعية وحرفية،

وإطارات المعيش اليومي؛ مثل الأغذية واللباس والسكن وشكل ممارسة السلطة وطبيعة العلاقات الاجتماعية والطقوس الدينية وعقليات الناس وسلوكهم ومواقفهم من الحياة والموت، في "بنى رتيبة ومتكررة"، وذلك منذ تكوُّن المغرب الوسيطي إلى غاية قيام

النظام الاستعماري، حيث عمل الناس على خدمة شؤونهم الزراعية والحرفية "بالطريقة نفسها"، وحيث كان يموت الأفراد، وتموت الأسر، لكن يبقى الأحفاد "على أتم الاستعداد لمعاودة النمط المعيشينفسه كما خلّفه الأجداد "21. لقد ظلت الحياة المادية والثقافية في المغرب وفيةً لروح القرون الوسطى. فالتقنيات والأطعمة والألبسة، وغيرها من طرائق الكسب والعيش التي كان قد وصفها الرحالة الجغرافيون في كتب المسالك، بين القرنين العاشر والثاني عشر، أمثال أبي القاسم بن حوقل و أبي عبيد الله البكري وأبي عبد الله الإدريسي، نجدها كما هي تقريبًا، من دون تغيُّرات كبرى في أوصاف الملاحظين

الأوروبيين، من قناصلة وتجار وضباط وأطباء وأسرى، وغيرهم، بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. ولذلك، حافظ المغرب على بنية "عتيقة"، كما قالت الباحثة الفرنسية لوسيت فالنسي22، لما ركّزت على ضعف قوى الإنتاج ممثَّلً، أولً، في هشاشة الجهاز التقني

(عتاقة تقنيات خدمة الأرض وطرائق العمل الحرفي)؛ وثانيًا في مجهرية المِلْكية الزراعية التي تعرقل بطبيعتها نمو قوى الإنتاج

الاجتماعية؛ وثالثًا في تذبذب الوتيرة الديموغرافية، حيث عانى الناس المجاعات والأوبئة التي كانت تعصف بحياة الناس في المدن

والقرى، وهي تُعيد المجهود الاقتصادي إلى الصفر، على نحو دوري، فكلما استفاق الناجون من هول الكارثة، مجاعةً كانت أم وباءً،

وجدوا أنفسهم يبدؤون حياتهم من جديد من دون تراكم23، إضافة إلى استمرارية بنية جغرافية عمودية، جعلت المغاربة يديرون إلى

19  في خصوص هذه المعركة، ينظر:

Pierre Berthier, La bataille de l'Oued El-Makhazin dite bataille des trois Rois: 4 Août 1578 (Paris: Editions du CNRS, 1985); Lucette Valensi, La glorieuse bataille des Trois Rois (Paris: Editions du Seuil, 1992). 20  Bernard Rosenberger, Le Maroc au XVIe siècle. Au seuil de la modernité (Sevilla, Espagne: Fondation des trois cultures, 2008), pp. 223 - 234. 21  Krzysztof Pomian, "L'histoire des structures," in: J. Le Goff (dir.), La Nouvelle Histoire (Bruxelles: Complexe, 1988), pp. 111  -  112. 22  Lucette Valensi, "Archaïsme de la société maghrébine," in: Sur le féodalisme , Publications du Centre d'Etudes et de Recherches Marxistes (Paris: Editions Sociales, 1971), p. 229.

23  محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015)، ص 103  -  117.

  1. في خصوص هذه المعركة، ينظر: Pierre Berthier, La bataille de l'Oued El-Makhazin dite bataille des trois Rois: 4 Août 1578 (Paris: Editions du CNRS, 1985); Lucette Valensi, La glorieuse bataille des Trois Rois (Paris: Editions du Seuil, 1992).
  2. Bernard Rosenberger, Le Maroc au XVIe siècle. Au seuil de la modernité (Sevilla, Espagne: Fondation des trois cultures, 2008), pp. 223 - 234.
  3. Krzysztof Pomian, "L'histoire des structures," in: J. Le Goff (dir.), La Nouvelle Histoire (Bruxelles: Complexe, 1988), pp. 111  -  112.
  4. Lucette Valensi, "Archaïsme de la société maghrébine," in: Sur le féodalisme , Publications du Centre d'Etudes et de Recherches Marxistes (Paris: Editions Sociales, 1971), p. 229.
  5. محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015)، ص 103  -  117.

البحر ظهورهم، ويُركّزون معظم أنشطتهم في مدن الداخل وقُراه، من حيث استغلال المجال، وشبكات التبادل التجاري، وحتى من

حيث ممارسة السلطة، ذلك أن عواصم المغرب قبل الاستعمار كانت كلها داخلية: مراكش وفاس ومكناس. من جهة أخرى، حافظ المغرب على نسقٍ ثقافي مُشبع بالأفكار الدينية. فقد كان الإسلام، في الواقع اليومي، الإطارَ الثقافي

الوحيد والقالب الرئيس الذي خرجت منه أشكال الفعل والتمثل كلها، وطرائق التعامل مع الأجانب، خصوصًا الأوروبيين، باعتبارهم

"كفَرة". فالإسلام كان حاضرًا ومؤثرًا في كل شيء: في السياسات، والعلاقات مع الخارج، والممارسات الاقتصادية، والصِلّات

الاجتماعية، والسلوك، والحساسيات والعقليات. وهذا الحضور الشامل غلب عليه التقليد ومناهضة التجديد. وفي القرن التاسع عشر، قرن الحداثة الكبرى بامتياز، كان المغاربة قد استمروا في التشبث بأفكارهم وملابسهم وتقنياتهم. كانت البعثات السفارية المغربية إلى أوروبا قد أثارت اهتمام الصحف المحلية والوطنية، في ما يتّصل باللباس أولً (ملابس فضفاضة وعمائم)، وبالمواقف من المستحدثات

أيضًا. وفي عام 1889، عندما زار السفير الحاج المعطي المزامزي ومرافقوه، ومن بينهم كاتبه الأول أحمد الكردودي، قصر الحمراء بغرناطة، قادمين إليه من باريس، وقد كانوا في زيارة للمعرض الدولي، اهتمت بهم الصحافة الإسبانية، وسألتهم عن رحلتهم على متن القطار من باريس إلى غرناطة، مرورًا بسان سيبستيان ومدريد، وعمّا حققته الحداثة الأوروبية من تقدم، فأجابوا بأنهم "لا يرغبون في

سكة حديد، ولا في طرق، ولا في تيلغراف، معلِّلين ذلك بأنهم ينعمون بالطمأنينة من دون هذه المستحدثات"24. يضاف إلى ذلك امتناع السفير عن أخذ صورة فوتوغرافية جماعية لأسباب "دينية"25. كان التحفظ من المستحدثات هو العنوان الأبرز الذي ميّز تاريخ المغرب قبل الاستعمار. تحفَّظ الناس، خاصةً وعامةً، من نزوع

السلطان السعدي عبد الملك إلى التجديد القائم من حوله في الحوض المتوسط في القرن السادس عشر، مثلما تحفّظوا في ما بعد من ميل السلطان العلوي المولى عبد العزيز إلى المستحدثات القادمة من أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

(درّاجات، وآلات تصوير، وأدوات موسيقى، وغيرها)، والإصلاح الضريبي (الترتيب العزيزي)، وارتداء اللباس الأوروبي، حتى إنه نُعِت

ب "السلطان الرومي"26. لكن المستحدثات كانت محمولة على موجة الحداثة العارمة التي جرفت في نهاية المطاف العوائد والتقاليد والمعتقدات جملةً وتفصيلً. ما كان في ذلك الإبان مرفوضًا، أصبح مفروضًا مع نظام الحماية، ثم صار مرغوبًا فيه مع مرور الزمن، إلى

درجة العناية من خلال معارف مخصوصة ومؤسسات معلومة. لقد لخص الاقتصادي الأميركي تشارلز ستيوارت هذا الوضع جيدًا، مقارنةً بالتفاوت الحاصل بين المغرب وأوروبا، عندما قال إن

المغاربة استطاعوا الدفاع عن سواحلهم، في مواجهة الغزو الإيبيري خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، "لأنهم كانوا يحملون أفكارًا وتقنيات تتلاءم مع تلك الأزمنة"، لكن "مشكلتهم القاتلة" هي أنهم لم يُغيِّروا هذه الأفكار والتقنيات التي تنتمي إلى القرون

الوسطى، في وقت كانت تجري فيه تحولّات كبرى وعميقة على مقربة منهم، في أوروبا، حتى جاء الاستعمار الفرنسي في مطلع القرن

العشرين، وخلخل البنى التقليدية وأدخل أساليب حديثة في حياة الناس المادية والثقافية27. بناءً على هذا التحليل، نستطيع أن نقترح التعامل مع العصر الوسيط، بمفهومه الممتد، انطلاقًا من تقسيمه إلى عصرين:

عصر وسيط مبكر يُمثّل العصر الوسيط الكلاسيكي، الذي يشتغل حوله المؤرخون الوسيطيون، وعصر وسيط متأخر يوافق فترة

24  Edhem Eldem, L'Alhambra. A la croisée des histoires (Paris: Les Belles Lettres, 2021), pp. 96  -  97. 25  Ibid., p. 99. 26  Mohamed Kably et al., Histoire du Maroc. Réactualisation et synthèse (Rabat: Publications de l'Institut Royal pour la Recherche sur l'Histoire du Maroc, 2011), p. 576. 27  Charles Stewart, The Economy of Morocco, 1912  -  19 62 (Harvard: Harvard University Press, 1964), p.  4.

  1. Edhem Eldem, L'Alhambra. A la croisée des histoires (Paris: Les Belles Lettres, 2021), pp. 96  -  97.
  2. Ibid., p. 99.
  3. Mohamed Kably et al., Histoire du Maroc. Réactualisation et synthèse (Rabat: Publications de l'Institut Royal pour la Recherche sur l'Histoire du Maroc, 2011), p. 576.
  4. Charles Stewart, The Economy of Morocco, 1912  -  19 62 (Harvard: Harvard University Press, 1964), p.  4.

ما قبل الاستعمار، الذي تلته التحولّات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والقانونية والتعليمية، وقد كان من ورائها نظام الحماية

في القرن العشرين. يدفع هذا المنطق في تحليل الأمور إلى القول بعصور وسطى ممتدة، تظهر تركيباتها ومظاهرها على نحو واضح في القرن التاسع عشر؛ إذ كان المغرب لا يزال يحافظ على بنيته الموروثة عن المرحلة التي ننعتها بالعصر الوسيط. وهذه البنية ما كادت تبدأ حتى كانت متأثرة بمفعول الرأسمال الأوروبي، عبر العلاقات التجارية الكثيفة التي حصلت بين المغرب والأمم الأوروبية ابتداءً من أواسط هذا

القرن. ولذلك، ينبغي لنا في عملية التحقيب هذه استحضار مسألتين رئيستين: أولاهما الفرضية؛ إذ إنّ التحقيب ليس أمرًا نهائيًا،

لكونه يبقى قابلً للمراجعة في ضوء موضوعات الدراسة؛ وثانيتهما النسبية التي تُفسِّر تعدّد المقولات والمناهج والإشكاليات. كان بول

لاكومب، وهو مؤرخ عاش ذلك المخاض الإبستيمولوجي عند منعطف القرن العشرين، الذي أنجب مدرسة الحوليات، على صواب عندما قال منذ مئة وعشرين عامًا: "الزمن! لكنه لا يمثل قيمة في حد ذاته من الوجهة الموضوعية؛ إذ هو مجرد فكرة من ابتكارنا

نحن، وتجريد قوي جدًّا، يُمثّل لنا الأشياء التي تدوم على وجه التحديد من خلال هذا المظهر المسمى أمدًا"28.

خاتمة

يمكن أن يكون التحقيب جامدًا، مرتبطًا بقوالب زمنية "جاهزة، باردة، موروثة"، كما يمكنه أن يكون "حيًّا"، أو "حيويًّا"29،

منخرطًا في عملية منهجية وفكرية، قابلة للمراجعة وفق تقدّم المعرفة، وتقدّم واقع البشرية أيضًا؛ لأنه يبقى من صنع المؤرخ أولً وقبل

كل شيء، ولأن هذا الأخير، كما قال هنري إريني مارو لا يتناول الماضي، البتّة، تناولً مباشرًا، بل من خلاله هو، ومن خلال حاضره

أيضًا. ومعنى ذلك، وفقًا لقوله، أن التاريخ في الحصيلة هو "نتيجة للجهد الذي يقيم من خلاله المؤرخ، أي الذات العارفة، علاقة بين الماضي الذي يثيره والحاضر الذي يعيشه"30. ما يظهر حديثًا اليوم بالنسبة إلينا، سيبدو عتيقًا في أعين الأجيال القادمة، من دون شك، مقارنةً بما سيحدث من متغيرات

في التقنيات والعقليات. وغالبًا ما ينسى المؤرخ، أو يتناسى، أن جيش نابوليون، مثلً، الذي بدا حديثًا في إبانه، نظرًا إلى التنظيم

والانضباط واستخدام البنادق والمدافع، كان قد اعتمد على المشاة، وأن هؤلاء، خلال الحملة على روسيا في عام 1812، قطعوا المسافة بين باريس وموسكو مشيًا على الأقدام، مثلما حصل تمامًا في العصر القديم حينما قاد الإسكندر الأكبر جيشه في حملته

الآسيوية التي أوصلته إلى منطقة البنجاب في شمال الهند. إذا قمنا بقياسات على مستوى المغرب والبلدان العربية الإسلامية عمومًا، في مستوى من المستويات، اجتماعيًا واقتصاديًا أو

سياسيًا أو فكريًا، فلن تكون النتيجة مُغايرة. فهل تفاجئنا أمورٌ مثل هذه؟

28  P. Lacombe, "La science de l'histoire d'après M. Xénopol," Revue de Synthèse Historique , tome 1 (Juillet-Décembre 1900) (Paris: Léopold Cerf, 1900), p. 32.

يرى هنري بيرين، في مقالته "مهمة المؤرخ"، أن أفعال الناس والدوافع التي تحركهم وما يترتب عليها من نتائج، لا توجد في نهاية المطاف إلّ في "الأذهان". ينظر:

H. Pirenne, "La tâche de l'historien," Le Flambeau , no. 14. 8 (1931), pp. 16  -  17. 29  J. Leduc, "Période, périodisation," in: Christian Delacroix et al., vol. 2 , Historiographies (Paris: Gallimard, 2010), p. 835. 30  Henri Irénée Marrou, De la connaissance historique (Paris: Seuil, 1954), p. 55.

  1. P. Lacombe, "La science de l'histoire d'après M. Xénopol," Revue de Synthèse Historique , tome 1 (Juillet-Décembre 1900) (Paris: Léopold Cerf, 1900), p. 32. يرى هنري بيرين، في مقالته "مهمة المؤرخ"، أن أفعال الناس والدوافع التي تحركهم وما يترتب عليها من نتائج، لا توجد في نهاية المطاف إلّ في "الأذهان". ينظر: H. Pirenne, "La tâche de l'historien," Le Flambeau , no. 14. 8 (1931), pp. 16  -  17.
  2. J. Leduc, "Période, périodisation," in: Christian Delacroix et al., vol. 2 , Historiographies (Paris: Gallimard, 2010), p. 835.
  3. Henri Irénée Marrou, De la connaissance historique (Paris: Seuil, 1954), p. 55.

المراجع

العربية

براون، كينيث. موجز تاريخ سلا: 1000  -  1800. ترجمة محمد حبيدة وأناس لعلو. الدار البيضاء: منشورات أمل، 2001. التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، إينولتان، 1850  -  1912. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1983. حبيدة، محمد. بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات. الرباط: دار الأمان، 2015. السبتي، عبد الأحد. بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار. الدار البيضاء: توبقال، 2009. المودن، عبد الرحمن. البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995. واتيربوري، جون. أمير المؤمنين: المَلكِية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف

الفلق. الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2004.

الأجنبية

Ben Ali, Driss. Le Maroc précapitaliste. Rabat: Société marocaine des éditeurs réunis, 1983. Berman, M. H. The Experience of Modernity. New York: Peguin Books, 1982. Berthier, Pierre. La bataille de l'Oued El-Makhazin dite bataille des trois Rois: 4 Août 1578. Paris: Editions du CNRS, 1985 Braudel, F. Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècles. Paris: A. Colin, 1979. ________. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. Paris: A. Colin, 1990. Brown, Kenneth. Les gens de Salé: Tradition et changement dans une ville marocaine de 1830 à 1930. F. Podevin (trad.). Casablanca: Eddif, 2001. Burguière, André (dir.). Dictionnaire des sciences historiques. Paris: PUF, 1986. Eldem, Edhem. L'Alhambra. A la croisée des histoires. Paris: Les Belles Lettres, 2021. Gellner, E. Saints of the Atlas. London: Weidenfeld and Nicolson, 1969. Julien, Charles André. Histoire de l'Afrique du Nord. tome 2: De la conquête arabe à 1830 (1951). Tunis: Cérès Editions, 2003. Kably, Mohamed et al. Histoire du Maroc. Réactualisation et synthèse. Rabat: Publications de l'Institut Royal pour la Recherche sur l'Histoire du Maroc, 2011. Revue de Synthèse Historique. tome 1 (Juillet-Décembre 1900). Paris: Léopold Cerf, 1900. Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830  -  19 12 (1977). Casablanca/ Beyrouth: Centre culturel arabe, 2001.

Le Coz, Jean. Le Rharb, Fellahs et colons: Etude de géographie régionale. Rabat: Centre Universitaire de la

Michel, N. Une économie de subsistances. Le Maroc précolonial. Le Caire: Institut Français d'Archéologie

Rosenberger, Bernard. Le Maroc au XVIe siècle. Au seuil de la modernité. Sevilla, Espagne: Fondation des trois

Sebti, Abdelahad. "Aristocratie citadine, pouvoir et discours savant au Maroc précolonial. Contribution à une relecture de la littérature généalogique fassie, XVe -début XIXe siècle." Thèse inédite. Université de Paris 7. 1984.

Sur le féodalisme. Publications du Centre d'Etudes et de Recherches Marxistes. Paris: Editions Sociales, 1971.

Recherche Scientifique, 1964. Le Goff, J. Faut-il découper l'histoire en tranches? Paris: Editions du Seuil, 2014. Delacroix, Christian et al. Historiographies. Paris: Gallimard, 2010. Marrou, Henri Irénée. De la connaissance historique. Paris: Seuil, 1954.

Orientale, 1997. Pirenne, H. "La tâche de l'historien." Le Flambeau. no. 14. 8 (1931). Le Goff, J. (dir.). La Nouvelle Histoire. Bruxelles: Complexe, 1988.

cultures, 2008.

Stewart, Charles. The Economy of Morocco, 1912  -  19 62. Harvard: Harvard University Press, 1964.

Valensi, Lucette. La glorieuse bataille des Trois Rois. Paris: Editions du Seuil, 1992.