المعرفة الاستعمارية البريطانية للحالة العُمانية: المقاربات والتوظيف السياسي (1970-1798)
British Colonial Knowledge and the Case of Oman: Approaches and Political Implementation
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد الهيمنة التي تأسست عليها المعرفة الاستعمارية البريطانية، ورصد أدوات الاحتجاج والمقاومة ضد تلك المعرفة، باستخدام منظور تحليلي يستمد روحه من مفهوم ميشيل فوكو حول سلطة المعرفة، ويسترشد برؤية إدوارد سعيد للاستشراق. وقد خلصت الدراسة إلى أن المصالح السياسية البريطانية أدت إلى تزايد الاهتمام المعرفي بالمجتمع العُماني، وذلك عن طريق إجراء مسوحات وبيانات اجتماعية شاملة، اعتمدت على أسس إثنية بهدف إشاعة التناقض وترسيخ التباين بين مكونات المجتمع العُماني. كما أن هذه المعرفة المنتَجة سعت إلى فهم البنى السكانية، ومراقبة حركة المجتمع. وكان الإحصاء السكاني من أهم الأدوات التي استخدمتها السلطات البريطانية لتقسيم عُمان إلى فضاءين سياسيَين.
Abstract
This article analyses aspects of the hegemony that underpins British colonial knowledge and attends to the tools used to protest and resist it. It uses an analytical perspective derived from Michel Foucault’s conception of power and knowledge and drawing on Edward Said’s notion of orientalism. It concludes that British political interests led to an outgrowth in academic interest in Omani society through the conduction of comprehensive social surveys on the basis of ethnicity, with the objective of spreading inconsistency and entrenching disparities throughout the strata of Omani society. Further, this knowledge production sought to understand demographic structures and monitor the movement of society; the census was one of the most important instruments by which the British authorities divided Oman into two political entities.
- المعرفة الاستعمارية
- المذهب الإباضي
- القبيلة
- عُمان
- Colonial Knowledge
- Ibadism
- Tribes
- Oman
القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل
| الرقم التعريفي 31430/TXBB8441 org/10 /doi | DOI: https://doi.org/10.31430/TXBB8441: الرقم التعريفي | |
|---|---|---|
| ناصر بن سيف السعدي*Nassar bin Saif Alsaadi | | ||
| المعرفة: الاستعمارية البريطانية للحالة العُمانية المقاربات والتوظيف السياسي (70-1798)19 British Colonial Knowledge and the Case of Oman: Approaches and Political Implementation |
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد الهيمنة التي تأسست عليها المعرفة الاستعمارية البريطانية، ورصد أدوات الاحتجاج والمقاومة ضد تلك المعرفة، باستخدام منظور تحليلي مُستمَدّ روحه من مفهوم ميشيل فوكو حول سلطة المعرفة، ويسترشد برؤية إدوارد سعيد للاستشراق. وقد خلصت الدراسة إلى أن المصالح السياسية البريطانية أدت إلى تزايد الاهتمام المعرفي بالمجتمع العُماني، وذلك عن طريق إجراء مسوحات وبيانات اجتماعية شاملة، اعتمدت على أسس إثنية بهدف إشاعة التناقض وترسيخ التباين بين مكونات المجتمع العُماني. كما أن هذه المعرفة المنتَجة سعت إلى فهم البنى السكانية، ومراقبة حركة المجتمع. وكان الإحصاء السكاني من أهم الأدوات التي استخدمتها السلطات البريطانية لتقسيم عُمان إلى فضاءين سياسيَين.
This article analyses aspects of the hegemony that underpins British colonial knowledge and attends to the tools used to protest and resist it. It uses an analytical perspective derived from Michel Foucault’s conception of power and knowledge and drawing on Edward Said’s notion of orientalism. It concludes that British political interests led to an outgrowth in academic interest in Omani society through the conduction of comprehensive social surveys on the basis of ethnicity, with the objective of spreading inconsistency and entrenching disparities throughout the strata of Omani society. Further, this knowledge production sought to understand demographic structures and monitor the movement of society; the census was one of the most important instruments by which the British authorities divided Oman into two political entities.
Omani Author and Scholar. Email: saqarr2005@gmail.com
مقدمة
تعود جذور الاهتمام البريطاني بعُمان إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ثم تجذّر هذا الاهتمام بعد الاتفاقية التي وقّعها السيد
سلطان بن الإمام أحمد (ت. 1804) مع بريطانيا في عام 1798، ونصت على أن العلاقة تظل ثابتة إلى الأبد. وأعقب هذه الاتفاقية سلسلة من التدخلات والاتفاقيات. وبعد سنتين من توقيع أول اتفاقية، افتُتحت وكالة سياسية في مسقط عُرفت بالوكالة السياسية البريطانية
عام 1800، ولكن وفاة أول ثلاثة وكلاء بسبب قسوة المناخ تسببت بإغلاق الوكالة في عام 1810، وعادت بعد ثلاثين سنة بتعيين النقيب
أتكينز هامرتون Hamerton Atkins1، واستمرت حتى عام 19722، حين أُلغي منصب الوكيل السياسي، وعيّنت بريطانيا بدلً منه سفيرًا
في مسقط. و"لم تكن عُمان جزءًا من الهيكل الرسمي للإمبراطورية البريطانية [...] إلا أن سيطرة حكومة الهند البريطانية على مسقط
كانت قوية جدًا، وكان ذلك يتم من خلال الوكيل السياسي الذي تعود مرجعيته إلى المعتمد السياسي، وهو المسؤول الأول عن السياسة
البريطانية في الخليج، وكان مقره في بوشهر – إيران، إلى أن استقلّت الهند في سنة 1947، حيث جرى نقل مقره إلى البحرين، وخضعت الدول الخليجية لإشراف مكتب الكومنولث في المملكة المتحدة، وبعد ذلك بسنة صارت تابعة للخارجية البريطانية"3. رافق هذه الهيمنة السياسية وفرة في المعرفة، تمثلت في المسوحات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والخرائط، وكان نصيب الوكالة السياسية في مسقط من هذا الكم المعرفي هائلً؛ إذ بلغ عدد الملفات التي تعود إلى تلك الوكالة حوالى 543 ملفًا، يتفاوت حجم الملف الواحد ما بين 5 صفحات و 592 صفحة، بمجموع يفوق 60 ألف صفحة، وهي محفوظة اليوم في المكتبة البريطانية بلندن4. تناولت بعض الأقلام العُمانية بالدرس والتحليل ما خلفته تلك الدوائر البريطانية من معرفة عن عُمان، ومن أهم تلك الدراسات:
دراسة هلال الحجري الصادرة في عام 2015، التي سار فيها على منهج ينظر إلى أدب الرحلات الغربي حول الشرق "من منظور جديد مختلف؛ إذ اتجه عكس التيار الذي يمثله إدوارد سعيد ومناصروه، الذين ما انفكوا يحسبون الخطاب الغربي حول الشرق الأوسط خطابًا
أحاديًا متجانسًا"5. أما أطروحة أمل الخنصوري المنجزة عام 2009، فتهدف إلى "إدراك قيمة ما جاء في هذه الكتابات - الأوروبية -
واعتبارها أحد مصادر المعلومات عن التاريخ العُماني، والتي ستشكّل رافدًا للمختصين والباحثين في التاريخ العُماني"6. وأخيرًا دراسة
منذر المنذري الصادرة في عام 2016، التي تطرق فيها إلى "الدور العلمي والأدبي للوكلاء السياسيين البريطانيين في عُمان"7. في ضوء هذه الزاوية المنظورة من خلال الدراسات السابقة، وبناءً على شح الدراسات عمومًا، تسعى هذه الدراسة إلى سد فراغ
معرفي يركز على دراسة أبعاد الهيمنة التي تأسست عليها المعرفة الاستعمارية البريطانية وتلازمها مع القوة المادية، ومناقشة آلياتها وغاياتها ووظائفها السياسية، ورصد أدوات الاحتجاج والمقاومة ضد تلك المعرفة الهادفة إلى رسم سياسة السيطرة والنفوذ عن طريق المعرفة، وذلك من منظور تحليلي يستمد روحه من مفهوم ميشيل فوكو حول سلطة المعرفة، ويسترشد برؤية إدوارد سعيد للاستشراق.
1 موسوعة عُمان: الوثائق السرية، إعداد وترجمة محمد بن عبد الله بن حمد الحارثي، ج 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص 225.
2 للمزيد حول الاتفاقيات بين عُمان وبريطانيا، ينظر: مختارات من وثائق حكومة بومبامي، ترجمة عبد العزيز عبد الغني إبراهيم (الدوحة: مركز حسن بن محمد
للدراسات التاريخية، 2017)، ص 221 - 237؛ سي يواتجيسون بي سي إس، السعودية والإمارات العربية وعمان في الوثائق البريطانية، ترجمة عبد الوهاب القصاب
(بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2007)، ص 163 - 213؛ د. آر. بدول، الاتفاقيات الدولية مع سلطنة عُمان، حصاد ندوة الدراسات العُمانية، ج 8 (مسقط: وزارة التراث
القومي والثقافة، 1980)، ص 199 - 237. 3 الحارثي، ج 1، ص 226. 4 المرجع نفسه، ص 228. 5 هلال الحجري، عُمان في عيون الرحالة البريطانيين: قراءة جديدة للاستشراق، ترجمة خالد البلوشي (بيروت: الانتشار العربي، 2015)، ص 22.
6 أمل الخنصوري، "عُمان في كتابات الرحالة الأوروبيين"، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقط، 2009، ص 2.
7 منذر بن عوض المنذري، الدور السياسي والعلمي للوكلاء السياسيين البريطانيين في عُمان 1871 - 1913 (مسقط: بيت الغشام، 2016)، ص 11.
تقوم أطروحة ميشيل فوكو عن المعرفة بوصفها خطابًا منطوقًا أو مكتوبًا، تمتلك آليات وإمكانيات نابعة من الداخل؛ أي من ذات
المعرفة، كالقدرة على الإقناع وتشكيل الآراء والمواقف، أو تستلهم سلطانها وقواها من الخارج، أي تلازمها مع السلطة السياسية8.
وتسعى المؤسسة منتِجة المعرفة دائمًا إلى الحفاظ عليها واحتكار إنتاجها، كي تجعلها "تُتداول في مجال مغلق، ولا توزعها إلا وفق
قواعد مضبوطة، وبدون أن يؤدي هذا التوزيع نفسه إلى تجريد أصحابها منها"9. وهذا التلازم يقتضي وجود الآخر، فالسلطة تعمد إلى امتلاك المعرفة وإدارتها، فتصبح المعرفة وسيلة من وسائل الهيمنة، وأداة في يد السلطة، أو نصًا يعكس رؤيتها وأهدافها، وليس
نصًا يعكس الحقيقة10. ووصل فوكو إلى أن "السلطة إجم لً قائمة في كل خطاب نقوم به "11. وقد اعتمد إدوارد سعيد في تحليله للخطاب الغربي عن الشرق على أطروحات فوكو عن نظام الخطاب وعلاقة المعرفة بالسلطة، وهذا ما أبان عنه في مقدمة كتابه الاستشراق؛ إذ يقول: "وقد انتفعت هنا بالفكرة التي طرحها ميشيل فوكو عن الخطاب [...] في تحديدي لمعنى الاستشراق"12. فشكلت أفكار فوكو بذلك الخلفيةَ المنهجية التي من خلالها سعى سعيد إلى تفكيك الأنساق والآليات التي يقوم عليها الخطاب الاستعماري تجاه الشرق. ومع أن أطروحة سعيد تعددت أبعادها ولم تقتصر على المعرفة التي أنتجتها الجيوش الاستعمارية، فإن أهميتها تكمن في ملامستها موضوع هذه الدراسة في تحليل المعرفة التي خلّفها الوجود البريطاني في عُمان، وكيف أن تلك المعرفة كانت أداة للتسلط والهيمنة، كما عند فوكو، وكيف أن المعرفة الاستشراقية عند سعيد رسمت حدود الشرق وملامحه في المخيال الغربي، وأظهرت الإنسان الشرقي عاجزًا عن بلوغ مستوى الإنسان الغربي الذي يمتلك الفضائل ويتسم بالنضج. أما مصادر هذه الدراسة، فقد اعتمدت على سجلّت المعرفة البريطانية، من مسوحات سكانية واجتماعية وكتب الرحّالة، وقد
نُشر الكثير من هذه البيانات ورقيًا أو رقميًا، ومن أهمها: سجلات عُمان Oman of Records الصادر عام 1988، وموسوعة عُمان:
الوثائق السرية، الصادرة عام 2006، والسجلات المنشورة رقميًا في مكتبة قطر الرقمية. وتتكون الدراسة من ثلاثة محاور؛ أولً: إنتاج المعرفة البريطانية: الفضاءات والآليات، وثانيًا: المسوحات السكانية والأسس
الإثنية، وثالثًا: المعرفة البريطانية والهوية الثقافية.
أوالً: إنتاج المعرفة البريطانية: الفضاءات والآليات
1.فضاءات المعرفة والمؤسسات المنتجة
كتب القس جورج برسي بادجر Badger Percy George عام 1871 قائلً: إنه "رغم علاقاتنا السياسية والتجارية الودية مع عُمان في القرن الماضي، إلا أننا نعرف فعلً أقل عن هذا البلد، وليس أبعد من الساحل عما نعرفه مثلً عن مناطق البحيرات في أفريقيا
8 ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا (بيروت: التنوير، 1982)، ص 4 - 11. 9 فوكو، ص 21. 10 ميشال فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغورة (بيروت: دار الطليعة، 2003)، ص 189. 11 عمر أوكان، مدخل لدراسة النص والسلطة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1994)؛ نقلً عن: سلايمية يمينة، "الخطاب ما بعد الكولونيالي في كتابات ميشال
فوكو"، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، العدد 13 (2016)، ص 47 - 64. 12 إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص 46.
الوسطى"13. لفت بادجر بهذا النص نظر المؤسسات البريطانية، فلم تتعمق قبل هذا النداء المعرفة البريطانية بعُمان، وكل ما جُمع
من بيانات اجتماعية واقتصادية اقتصرت على الساحل، باستثناء تلك البيانات الاجتماعية التي جمعها ضابط البحرية البريطاني ريموند ويلستد Wellsted Raymond عام 183514. تزايد الاهتمام المعرفي بعُمان بعد الصرخة التي أطلقها القس جورج، وراحت الدوائر الرسمية البريطانية ترصد البيانات وتجمع
والمعلومات عن عُمان، الجغرافيا والإنسان والثقافة، بدءًا بالخصائص الطبوغرافية للأرض، والثروات الطبيعية، ووسائل النقل وأوصاف
الطرق والأعراق والقبائل والأديان واللغات، والأسلحة، وعدد السكان، والتجارة الداخلية والخارجية، والعملات والأوزان والمقاييس، والصناعات والمهن والحرف، والنظم الإدارية والسياسية وتقارير دورية تراقب حركات المجتمع وسكناته. وجمع هذه البيانات مجموعة من الموظفين الرسميين في مجال الهيدرولوجيا، وعلماء الإناسة والأديان، والجيولوجيين، والعسكريين، والرحالة والمغامرين، والأطباء15. ينتمي جامعو هذه البيانات إلى المؤسسات الرسمية البريطانية، ومن أهمها: الوكالة السياسية في مسقط؛ إذ إن أغلب المعلومات عن المجتمع العُماني جمعتها الوكالة في مسقط أو بالتعاون معها، فأول وكيل سياسي يجمع بيانات عن عُمان هو النقيب أتكينز
هامرتون عام 1840 م، وسار خلفاؤه على النهج نفسه حتى آخر وكيل سياسي في مسقط. وإلى جانب إسهام الوكالة البريطانية، أسهمت مؤسسات رسمية في إنتاج المعرفة كل حسب اختصاصه ومجاله؛ منها: البحرية البريطانية، وقسم الاستخبارات، ومكتب إدارة البحوث التابع لوزارة الخارجية البريطانية، وجمعية الصليب الأحمر الهندي، ودائرة المسح الجيولوجي في الهند، ودائرة الزراعة في عدن، وشركة نفط العراق16. واضطلعت مجموعة من دور النشر والمؤسسات "العلمية" بطباعة سجلّت الرحالة والمغامرين، ونشر الكتب العُمانية المترجمة مثل جمعية هاكليوت Hakluyt، والجمعية الملكية الجغرافية Society Geographical Royal The، وكان
نائب الملك البريطاني في الهند عضوًا في هذه الجمعية17. إجم لً، ظهر نوعان من المعرفة التي تركتها الدوائر الرسمية البريطانية؛ الأول: دراسات مسحية لنظم المجتمع وأنماط التفكير، والثاني: تقارير دورية، شهرية وسنوية، ترصد حركة المجتمع الاقتصادية والسياسية، بل حتى تلك الفضاءات التي يظن المرء أنها عصية على الغرباء، مثل ثرثرة الناس في مجالسهم وأسواقهم، أو "كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم" بتعبير جيمس سكوت Scott James18، ولم يسلم هذا الهمس من الفضول المعرفي البريطاني، فقد اهتموا به وخصّصوا له مخبرين يقتفون أثره19.
2.مصادر المسوحات والبيانات
اعتمد جامعو البيانات والإحصاءات على عدة مصادر، وتعد المشاهدة والتجوال من أهم المصادر، فخلال الفترة الممتدة من عام 1792 وحتى بدايات سبعينيات القرن العشرين، بلغ عدد جولات الموظفين في الأرض العُمانية رغبة في اكتشافها أكثر من عشرين
13 جورج بيرسي بادجر، مقدمة كتاب تاريخ أئمة وسادة عُمان، ترجمة محمد علي الداود (مسقط: وزارة التراث والثقافة، 2012)، ص 5 - 6.
14 جيمس ريموند ولستد، تاريخ عُمان: رحلة في شبه الجزيرة العربية، ترجمة عبد العزيز عبد الغني إبراهيم (بيروت: دار الساقي، 2002)، مقدمة الكتاب.
15 R.W. Bailey, Records of Oman 1876 - 1947 (London: British Library, 1998), vol. 1 - 20.
16 جُمعت الملفات التي أنتجتها الدوائر الرسمية البريطانية في عشرين مجلدًا. للمزيد حول البيانات والمواد المتعلقة بعُمان، ينظر:.Bailey
17 Brian W. Marshall, "European Travelers in Oman and Southeast Arabia, 1792 - 1950: a Biobibliographical Study," New Arabian Studies , no. 2 (1994), pp. 1 - 57.
18 جيمس سكوت، المقاومة بالحيل: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم، ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري (بيروت: دار الساقي، 2020)، ص 35.
19 Bailey.
جوّ لً وسائحًا20. عمد هؤلاء إلى تسجيل الملاحظات والبيانات مشاهدةً أو عن طريق أخذ المعلومات من ألسن السكان الذين يلتقون
بهم في تجوالهم، كما أنهم حرصوا على أخذ مرافقين على دراية بأحوال البلاد، مثل الولاة وشيوخ القبائل، فقد رافق العقيد مايلز Miles في زيارته إلى منطقة الظاهرة عام 1878 شيخ قبيلة بني كلبان21، ورافق الرائد غراي Gray Major في زيارته إلى ظفار نهاية عام 1906 بهدف التعرف إلى هذا الجزء من عُمان كل من يوسف أسطفان، مترجم الوكالة البريطانية، ومحمد بن سعيد البوسعيدي،
ابن وزير السلطان فيصل بن تركي (ت. 1913)22. وأما بشأن المعلومات الأكثر دقة وحساسية، فكان المسّاحون والرحالة يعدّون أسئلة محددة تُطرح على العارفين بالأحوال،
ويجري تسجيل الإجابات. ويصف عضو مجلس الحكم البريطاني في بومباي عام 1826 فرانسيس واردين Warden Francis طريقته في الحصول على البيانات الاجتماعية بقوله: "أعددت أسئلة محددة للشيوخ تتعلق بالقبائل وديارها ومصادر دخلها والتجارة، وما إلى ذلك مما رغبت في استجلائه، وسجّلت إجاباتهم. كما فعلت الشيء ذاته مع أشخاص آخرين في أوقات أخرى، وانتقيت مما وصل
إليّ من إجابات ما بدا لي أنه الأفضل"23. وقد اعتبروا أن هذه الوسيلة أكثر نجاعة من غيرها: "لقد أثبت ما وصل إليّ من معرفة بصفة
مباشرة من الناس دون تحيز، ومن خبرتي الطويلة كذلك التي أدرك أنها الوسيلة الأبلغ نجاعة والأقل تكلفة"24. وأما جون غوردون لوريمر Lorimer Gordon John صاحب أكبر وأهم سجل استعماري بريطاني، فيصف طريقة جمعه البيانات والتعامل معها والتحقق من دقتها، بقوله: إن جزءًا من "هذه المواد - بيانات دليل الخليج - قد استقاها الكاتب بنفسه خلال جولة له في الخليج قام بها خلال
الطقس البارد عام 1904 و 1905، عندما جُمعت كمية كبيرة من المواد الجغرافية الجديدة [...]، وفي صحار أجريت التحقيقات
المتعلقة بالأجزاء الغربية للباطنة والحجر. أما التحقيقات الباقية فقد أُجريت في مدينة مسقط نفسها، حيث كان من السهل الحصول على مخبرين يدلون بمعلومات عن معظم أجزاء البلاد"25. لم يكن جامعو البيانات على يقين تام من صدقية البيانات التي يدلي بها المرافقون أو حتى شيوخ القبائل والولاة، فقد كانت البدائل للتأكد من دقة المعلومات عبر الجواسيس والمخبرين، لا سيما من التجار الهندوس المنتشرين في أرجاء عُمان حينها. وهؤلاء،
بسبب طول بقائهم في البلاد وقربهم من أحوال الناس، من أهم وسائل جمع المعلومات والبيانات ونقل الشائعات وأحاديث السمر، وما يذاع في الأسواق عن أحوال البلاد والعباد، وأخبار الحركات السياسية، وما يهمس به الناس ضد بريطانيا؛ إذ نقل أحد الجواسيس إلى الوكيل السياسي خبرًا شاع في أوساط الناس، وأن السلطان سعيد بن تيمور يشتكي من وقوع الإهانة عليه من بريطانيا. يقول ذلك
المخبر: "أرفع لحضرتكم العلية الخبر المتداول من الأمة العُمانية [...] فأحببت أخبركم به سرًا لحيث إنني بصفتي خادم دولتكم من
قديم بالقلب والطبع [...] ذكر هؤلاء الأقوام أن السلطان سعيد لا يزال يشتكي بوقوع الإهانة والتشديد منكم، وإنكم تطلبون مطالب ثقيلة منه ولا قدر [يقدر أن] يدافع عن نفسه ويريد من الأمة العُمانية الرابطة معه بالانضمام بكلمة واحدة"26.
20 Marshall, pp. 1 - 57. 21 S.B. Miles, " 1885 - 86 Notes of a Tour Through Oman and El Dhahireh," Calcutta, Persian Gulf Administration Report (1885 - 1886), pp. 22 - 28.
22 ج. ج. لوريمر، السجل التاريخي للخليج وعُمان وأواسط الجزيرة العربية: السجل الجغرافي، ترجمة جامعة السلطان قابوس، ج 6 (لندن: دار غارنت للنشر،
1995)، ص 1 - 2. 23 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 443. 24 المرجع نفسه. 25 لوريمر، مج 6، ج 2، ص 1 - 2. 26 رسالة من خان صاحب محمد سعيد إلى الوكيل السياسي إلى بريطانيا، يخبره بما يتداوله الناس عن السلطان سعيد بن تيمور عام 1937. للمزيد حول الرسالة ينظر:
الحارثي، ج 2، ص 666 - 667.
3.موقف المجتمع من المعرفة لااستعمارية
إن كانت المعرفة سلطةً وفق ميشيل فوكو Foucault Michel، فالسلطة إن لم يكن لها ما يبررها، أو تفرض بالقوة، فإنّ الضرورة تقتضي في هذه الحالة وجود مقاومة أو على الأقل شكل من أشكال الاحتجاج27. وبالرغم من أساليب التنكر والطرق الملتوية التي استخدمها جامعو البيانات من أجل الحصول على المعلومات28، فقد دان المجتمع العُماني ومارس الاحتجاج والاستنكار ضد ما رآه
هجومًا معرفيًا على قيمه وعاداته ونظمه الثقافية. والأساليب الآمنة وغير العنيفة أحد أشكال المقاومة التي مارسها المجتمع العُماني،
فعندما بدأت تظهر المنشورات والنصوص الأوروبية التي تحاول مزاحمة الأفكار الثقافية للمجتمع أو النيل منها، تنبه لهذه الظاهرة اثنان من العلماء، الأول عامر بن علي العبادي (حي: 1837) الذي ألف قصيدة هاجم فيها نصًا دينيًا مسيحيًا مترجمًا شاع ذكره في
عُمان، واصفًا إياه بالرخيص29. أما معاصره السيد طالب بن الإمام أحمد (حي: 1825) فقد كلف أحد العلماء بالتوسع في التصدي لتلك الأفكار وتفنيدها، كما ظهر كتاب عنوانه شمس أدلة الحيارى في كشف تلبيس علماء النصارى30. ولم يقتصر قلق النخب من الهجمة الثقافية التي تُشنّ ضد تقاليدهم ونظمها ورؤاهم الدينية، بل تنبهوا لتلك الأسئلة التي
تطرحها المؤسسات والدوائر المكلفة بإنتاج المعرفة31. وهذا القلق الذي اعترى الذات العُمانية حول الفضول المعرفي البريطاني
شملَ كل شيء، فألجأ المجتمع إلى ممارسات تتسم بالتمويه وعدم إعطاء المعلومة الدقيقة، وهي نوع من الحِيَل "تنصر الضعيف
على القوي"32. وهذا الشكل من أشكال المقاومة ضاقت به الدوائر المعرفية، واشتكت من رفض الناس الحديث معهم، أو تقديمهم بيانات مبهمة وضعتهم في حيرة، بالرغم من الوسائل التي استخدموها لزرع الثقة في نفوس الناس، فهي لم تُجد نفعًا في كل الحالات.
فقد اشتكى فرانسيس واردن Warden Francis من ضعف الصدقية في البيانات التي جمعها عام 1826؛ إذ يقول: "صادفت صعوبة أخرى أرى أن الضرورة تقتضي ذكرها، وهي أن في فترة بقائي القصيرة في مواقع متعددة، كان عليّ أن أوفّق بين الأقوال المختلفة،
خاصة فيما يتصل بالسكان، ويتصل بهذا أيضًا أن الأشخاص من ذوي الاعتبار من الأهالي غير ميالين لتقديم المعلومة المتصلة بهذه الموضوعات، ولكنني - على أية حال - حاولت جاهدًا أن أوضح كل شيء بأقصى درجة ممكنة"33. وتكررت هذه الشكوى مرات عديدة، فقد رفض السلطان سعيد بن تيمور إعطاء تقديرات عدد السكان، للرائد إف. سي. أل. شونسي Chauncy. L. C. F في عام 1951، فقال: "بالرغم من الاستفسار عن تلك البيانات من السلطان مباشرة في العديد من المناسبات، إلا أنه لم يقدم أية معلومات ذات قيمة حولها، وقد يعود ذلك إما إلى جهله بتلك البيانات، أو إلى رغبته في عدم الإفصاح عنها باعتبارها بيانات سرية"34. هذا التشكي وهذه الادعاءات التي تحاول أن ترسخ فكرة الحق في الحصول على المعلومة، لا أساس شرعيًا لها، وكمن يدعي
حقًا ليس له؛ فالسلطان حين رفض إعطاء البيانات السكانية ليس لأنه لا يعرفها، بل مارس نوعًا من الاحتجاج ضد ذلك الفضول
27 فوكو، يجب الدفاع، ص 233 - 253. 28 الحارثي، ج 1، ص 397 - 424. 29 عامر بن علي بن مسعود العبادي، ديوان أنوار الأسرار [ومنار الأفكار] (مسقط: مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي، 1996)، ص 194. 30 "شمس أدلة الحيارى في كشف تلبيس علماء النصارى"، مخطوط، مسقط: دائرة المخطوطات العمانية، وزارة الثقافة والشؤون الرياضية، رقم المخطوط: 4035،
ص 1 - 3. 31 خميس بن راشد العبري، شفاء القلوب من داء الكروب، ج 1 (مسقط: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، 2010)، ص 184
وما بعدها. 32 سكوت، ص 36. 33 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 442. 34 الحارثي، ج 3، ص 71.
المعرفي، الهادف إلى التجسس على عورات المسلمين، بتعبير الشيخ نور الدين السالمي (ت. 1914): "لا يحل لأحد من المسلمين تأمين أحد من النصارى في دخول بلاد المسلمين في هذا الوقت، ولا يحل لأحد أن يكون لهم خفيرًا في هذا الحال المشاهد، لأنهم
يسعون في هدم الإسلام ويدخلون البلاد للتجسس عن [على] عوراتها، فالداخل منهم جاسوس دولته [...] ومن سار به فهو معين له على سعيه الفاسد"35. وبالرغم من أشكال المقاومة التي واجهت المعرفة البريطانية، فقد سارت في خططها وأحاطت بالمجتمع العُماني، وفهمه
وتنميطه وفرزه وقولبته، استعدادًا للغايات والأهداف السياسية. وحاول الرحّالة وجامعو البيانات استخدام عدة وسائل للتقليل من
أثر القلق الذي يعتري الناس من جمع تلك البيانات، يقول النقيب جي. جاي. إكليس Eccles. Jay. J عام 1925: "كان ويليامسون Williamson في معظم أجزاء الرحلة وأنا في كلها، نسافر مرتدين زيًا عربيًا. واكتشفنا أن لذلك تأثيرًا كبيرًا في كسب صداقة العديد من
مضيفينا وزوارنا، وفي انطلاق لسانهم متحدثين من دون تحفظ"36.
ثانيًا: المسوحات السكانية والأسس الإثنية
التركيبة الاجتماعية من أهم المسائل التي أولتها الدوائر البريطانية أهمية منذ البدايات، فقد حرص الرحالة والمساحون منذ بدايات القرن التاسع عشر الميلادي على تقديم تقديرات سكانية للمناطق التي نزلوا بها لكنها ظلت تقديرات جزئية لبعض الموانئ والمدن الساحلية وبعض القبائل. غير أن تزايد المصالح السياسية دفع السلطات البريطانية إلى إنتاج سجلات سكانية تشمل أسسًا
إثنية.
1.التركيبة القبلية
نبه الكابتن هارت (Hart. H، ضابط البحرية البريطانية عام 1834، سلطات بلاده إلى عدم وجود بيانات وتقديرات سكانية للمجتمع العُماني37، بعدها حاول الوكيل السياسي في مسقط أتكينز هامرتون عام 1855 تقديم مسح اجتماعي لحوالى 26 قبيلة38،
تطرق فيه إلى الخصائص الثقافية، والقضاء، ومستوى التعليم، والأمراض، والدين، واللغة، والقبائل، والطوائف. وحمل هذا التقرير عنوان: "مذكرات موجزة تتعلق بسمو إمام مسقط"39. ولم يظهر إحصاء سكاني شامل إلا في بدايات سبعينيات القرن التاسع عشر الميلادي، حين تسلم الرائد إدوارد تشارلز روس Ross Charles Edward منصب الوكالة السياسية عام 1871، الذي أعد أول تقدير إحصائي بريطاني لعدد القبائل العُمانية، وهو محفوظ بعنوان "التقسيمات القبلية في إمارة عُمان عام 1871 ". وهي إحصائية في قائمة
مختصرة، تتضمن اسم القبيلة، والمذهب، والحلف القبلي، وتوزعها الجغرافي. وبحسب هذه الإحصائية، بلغ عدد القبائل العُمانية
الممسوحة حوالى 118 قبيلة40، وأضاف إليها خريطة تبين التوزع الجغرافي لكل قبيلة41. ثم ظهرت إحصائية أخرى بعد مرور حوالى
35 عبد الله بن حميد السالمي، العقد الثمين: نماذج من فتاوى نور الدين فخر المتأخرين، تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، ج 4 (القاهرة: دار الشعب،
[د. ت.])، ص 377. 36 الحارثي، ج 1، ص 397 - 424. 37 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 250. 38 من أوائل التقارير الجزئية ما كتبه الكابتن روبرت تايلور Taylor Robert في عام 1818. ينظر: المرجع نفسه، ص 21 - 58، 214 - 219. 39 المرجع نفسه.
40 Bailey, vol. 5 , The Maps.
41 خريطة عُمان وتقارير بقلم الرائد روس" [٦ ظ] (٣٢ / ٨٢)، مكتبة قطر الرقمية، شوهد في 12 / 6 / 2021، في: https://bit.ly/3cD3jt1
عشر سنوات، أنجزها العقيد مايلز إبان تسلمه منصب الوكالة السياسية البريطانية في مسقط، وتحديدًا عام 1881، وذلك بهدف تقديم
بيانات أكثر شمولية، وسد النقص الذي اعترى الإحصائية الأولى، وشملت بيانات أوسع مما سبق، فارتفع عدد القبائل إلى حوالى 137 قبيلة، عدد أفرادها حوالى 600 ألف نسمة42. وأما الإحصاء الذي كان أكثر عمقًا، فقد بدأ العمل فيه مع بداية القرن العشرين، وهو سجلّ جغرافي وتاريخي للخليج وعُمان
وأواسط الجزيرة العربية، أعده جون غوردون لوريمر بين عامي 1904 و 1907 ليكون مرجعًا للوكلاء والدبلوماسيين البريطانيين في
منطقة الخليج. واختص جزء من هذا السجل بالمجتمع العُماني، واستهدف رصد الواقع السكاني والاقتصادي والثقافي، بدءًا من عدد
السكان، ومصادر الدخل، والثروة الزراعية والحيوانية، وعدد المنازل، والأسعار، وعدد السفن، والبنية العرقية والمذهبية والدينية. وقدّر هذا السجل عدد القبائل العُمانية بحوالى 172 قبيلة، بلغ عدد أفرادها حوالى نصف مليون نسمة43. وبعد نشر السجل الجغرافي،
ظهرت بعض المسوحات والتقديرات، لكنها تقديرات اعتمدت أساسًا على ما سبقها، ومنها على سبيل المثال، قائمة أعدها الوكيل
السياسي في مسقط، الرائد جيرالد باتريك مورفي Murphy Patrick Gerald عام 1927، شملت القبائل الرئيسة في عُمان مع أسماء
شيوخها ومناطقها44. وفي عام 1951، ظهرت إحصائية أخرى على يد الرائد شونسي45. والإحصائيتان الأخيرتان استندتا إلى ما سبقهما من إحصاءات؛ إذ يقول الرائد شونسي: "تم تجميع قائمة بأغلبية القبائل المتواجدة في السلطنة من قبل العقيد مايلز [...] وهذه المعلومات يجب معالجتها باعتبارها معلومات إضافية للملاحظات الأكثر شمولية، والتي جُمعت بكفاءة في فهرس لوريمر
الجغرافي، والذي يجب الرجوع إليه في حالة الرغبة في الحصول على معلومات أكثر تفصيلً"46. هذا الإصرار على جمع البيانات، وتحسين مستواها دوريًا، وتدارك ما فات منها في كل مرة، لم يحدث برضا المجتمع العُماني أو
بطيب خاطر منه، بل حدث رغم أنفه. إنها القوة التي تملكها بريطانيا، ومن أجل مزيد من السلطة جرى استهداف المجتمع وتحليل بناه السكانية، "فالمعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة تتطلب زيادة المعرفة"47.
2.الأساس المذهبي
يمثل المذهب أحد معايير الإحصاءات والمسوحات الاجتماعية، بدءًا من أول إحصائية عام 1871 حتى آخر إحصائية عام 1951؛
فالقائمة الإحصائية التي ظهرت على يد الرائد إدوارد تشارلز روس، كانت تستهدف القبيلة وانتماءها السياسي إلى الحِلفين القبليَّين
– هناوية وغافرية – ومذهب كل قبيلة. وعلى هذا المنهج سار كل من مايلز ولوريمر، ويهدف هذا المنهج الإحصائي إلى إشاعة التناقض وصياغة تركيبة اجتماعية تتسم بعدم التجانس. وهذا هدف لم يكن خافيًا، بل كان بارزًا ويمثل أهداف المعرفة البريطانية وغاياتها،
وذلك بقصد توظيفه خدمة لأغراض سياسية آنية ومستقبلية. فقد درجت التقارير والكتابات البريطانية عمومًا على ترسيخ فكرة مفادها
أن الانقسام القبلي المعروف في عُمان إلى هناوية وغافرية تعود جذوره إلى العامل المذهبي48؛ فمن هذا المنطلق أصر جامعو البيانات
والمسوحات الاجتماعية على صياغة نتائج مسبقة، إلى درجة تخالف حتى واقع النتائج التي توصلت إليها الإحصاءات والتقديرات
42 للمزيد حول هذه الإحصائية ينظر: إس. بي. مايلز، "مذكرة حول قبائل عُمان 1881 "، في: الحارثي، ج 1، ص 343 – 368.
43 لوريمر، ج 6، ص 1 - 30. 44 الحارثي، ج 2، ص 231. 45 المرجع نفسه، ج 3، ص 68 - 101. 46 إف. سي. شونسي، "مذكرة حول قبائل سلطنة مسقط وعُمان"، في: الحارثي، ج 3، ص 68 - 101.
47 سعيد، ص 1. 48 لوريمر، مج 7، ج 2، ص 7.
السكانية ذاتها. فمثلً لو فحصنا القائمة القبلية التي أعدها لوريمر، لا يظهر من خلال نتائجها أي أثر للعامل المذهبي في الانقسام القبلي إلى الحلفين القبليين، فقد أظهرت تلك القائمة عدد القبائل الغافرية بواقع 83 قبيلة، منها 60 قبيلة إباضية. وكذا بالنسبة إلى القبائل الهناوية البالغ عددها 89 قبيلة، منها 18 قبيلة على مذهب أهل السنة49. وإذا ما تجاوزنا الأخطاء والاضطراب الحاصل في جمع المعرفة السكانية، والأخطاء التي شملت الفرز المذهبي للقبائل التي تفتقر إلى الأسس العلمية50 وتأملنا في واقع نتائجها، سنجد أنها لا تتوافق مع الادعاءات المسبقة التي حاولت المعرفة البريطانية ترديدها
عن عوامل الانقسام القبلي ومحاولة حشر العامل المذهبي قسرًا، والدليل أن الحِلفين يضمّان نسبًا عالية من هذا المذهب أو ذاك
بناءً على القوائم الإحصائية ذاتها51. ومع ذلك، تجاهلت المعرفة البريطانية نتائج التقديرات والإحصاءات، وراحت تردد تلك الأحكام
التي رسخها جامعو البيانات والمسوحات، فالوكيل السياسي في مسقط الرائد شونسي عمد في عام 1951 م إلى حشر العامل المذهبي، وإلصاقه أساسًا للانقسام القبلي في عُمان52. وهذا الادعاء أحال فيه إلى القائمة التي أعدها لوريمر والتي تخالف هذا الحكم، كما
بينّا آنفًا. يراد من هذا الادعاء، والقفز على واقع المجتمع العُماني، خلق تصورات وانطباعات تهدف إلى تفكيك التركيبة الاجتماعية على
أسس مذهبية. ونلاحظ أثر هذه الأحكام والصياغة، ليس في التوظيف السياسي وحده، وإنما في تبنّي العديد من الدراسات الأجنبية والعربية التي اعتمدت على سجلات المعرفة البريطانية، من دون فحص وتدقيق53.
3.الأعراق والطوائف
لفت التنوع العرقي انتباه السلطات البريطانية، وأكثر ما أدهشهم التعايش بين جميع مكوناته الاجتماعية، فسعَوا إلى البحث
في بنيته وإظهار تناقضاته، وترسيخ رؤى مشحونة بالتحيز لفئة دون أخرى. فالأساس العرقي والمستوى الاجتماعي اعتمدهما العقيد مايلز إبان جمعه للبيانات الاجتماعية والسكانية، فقد فرز السكان بحسب أصولهم العرقية والمناطقية (أفارقة، هنود، فرس، عرب)، أو بناءً على المستوى الاجتماعي "بياسر وزطوط"54. ووفق هذا المنهج، سار خلفه لوريمر في سجله الجغرافي، فيقول عن مسقط: إن
سكانها "غير متجانسين إلى حد بعيد. والعرب الأصليون فيها قلة صغيرة جدًا [...] ومسقط مدينة أقل حجمًا من مطرح. وإذا استثنينا
السمك، كان الأرز طعام الأهالي الأساسي، ولكن الأكثر فقرًا بينهم يعيشون إلى حد بعيد على الخبز المصنوع من الذرة الهندية"55.
ودرج لوريمر وغيره من الموظفين على إبراز التباين الاجتماعي والعرقي داخل المدينة العُمانية، فالحديث يأخذ دائمًا طابع التصنيف
والفرز والترتيب في المنهج الإحصائي المتّبع في كل مدينة. ويظهر ذلك جليًا في المثال الآتي: تتكون من 800 منزل "يعود نصفها
للعجم، ويعود 100 منزل منها للبياسرة، و 40 منزلً أو 50 للبحارنة، وينتمي باقي السكان إلى قبائل مختلفة"56.
49 المرجع نفسه، ج 6، ص 1 - 30. 50 الحارثي، مج 1، ص 345.
51 Bailey, vol. 5 , The Maps.
52 الحارثي، ج 3، ص 73. 53 تبنى مؤلف كتاب تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر ما صاغته المعرفة البريطانية، واعتبر أن الانقسام السياسي تشكل من العصبيات القبلية والمذهبية.
ينظر: جمال زكريا قاسم، تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، ج 1 (القاهرة: دار الفكر العربي، 1996)، ص 122. 54 لوريمر، مج 7، ج 2، ص 173، 274 - 275؛ المرجع نفسه، ج 6، ص 1 - 30. 55 المرجع نفسه، ج 5، ص 69. 56 المرجع نفسه، ج 7، ص 173.
وقد خصص جامعو البيانات مقالات مستقلة للحديث عن الفئات العرقية والاجتماعية، بهدف تمييزها من غيرها من المكونات، من حيث السلوك الاجتماعي، والأصل العرقي، واللغة، وعدد الأفراد، وعلاقاتها بالمكونات الأخرى، والمهن والحرف والصنائع لكل فئة، كما في المثال الآتي: "الفرد منهم زطّي. إنهم قبيلة غير عربية، تختلف عن سواها، ولها في بعض الأحيان صفات القبائل الرحّل.
نجدها في مناطق مختلفة من عُمان [...] ويمكن تمييز الزطوط من العرب بسهولة بالغة. ومن الواضح أن لهم لغة خاصة بهم، ويُعتبرون فرعًا من الصلبا الموجودين في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية [...] ويحافظ الزطوط على أنفسهم كجماعات منفصلة في
كل مكان [...] ويُقدَّر عددهم في السلطنة – عُمان - ب 1000 نسمة"57. ومع تجاهل التقديرات السكانية عمومًا عدد النساء والأطفال، نجد إحصاءات لوريمر لا تستثني نساء الهندوس (الهنود) من
الإحصاء؛ إذ يقول: "يبلغ عدد الهندوس [في مسقط] نحو 200 رجل و 50 امرأة، فضلً عن بعض الأطفال"58. وهذه الفئة، أي الهندوس، من أكثر الفئات التي اعتنت بها الدوائر البريطانية، لأن "رعايا بريطانيا – الهنود - في مطرح ومسقط يمتلكون الثروة الأساسية في التجارة والبضائع والممتلكات المنزلية [...] وتجارة الصادر والوارد في القطر تقع تحت أيديهم ويسيطرون عليها"59. خلق هذا الانحياز المعرفي والسياسي للهندوس حالة من التوتر والجفاء بينهم وبين باقي مكونات المجتمع العُماني، وسبب لهم
مضايقات إلى الحد الذي أسقط عنهم أحد الفقهاء صفة أهل الذمة، ليس لشيء إلا لأنهم تعلقوا ببريطانيا سلمًا وحربًا60. بينما لم تنل
الفئات العرقية الأخرى مثل ذلك من العناية والاهتمام، بسبب ما رأته السلطات البريطانية من ضعف في دورهم السياسي والاقتصادي.
.4 الوظيفة السياسية للمعرفة
بعيدًا عن المنهج المتبع في العملية الإحصائية ودقة البيانات المنتجة، فهذا أمر لم يعد ذا بالٍ الآن، بقدر ما تمثله هذه الأداة
من غايات ومقاصد بغرض توفير ولو الحد الأدنى من المعرفة عن المجتمع، وفهم بناه السكانية ومراقبة حركته، فالإحصاء يوفر هذه الخاصية حسبما يرى ميشيل فوكو61. وكل المعلومات المنتجة هي في الأساس معلومات سرية، ولم يطلع عليها إلا مجموعة من الموظفين، ووُزعت على الدوائر البريطانية في منطقة الخليج العربي، بل إن بريطانيا حجبت المعلومات عن كل المؤسسات الراغبة
في دراسة المجتمع العُماني أو الحصول على معلومات حوله، فقد رفضت إعطاء تصريح للجمعية الجغرافية الدنماركية الملكية، حين
طلبت إجراء مسوحات اجتماعية عام 190962. وكان الإحصاء من أهم الأدوات المستخدمة لتقسيم عُمان إلى فضاءين، وقد بدأ هذا الأمر بالفرز السكاني، فالإحصائية التي أجراها العقيد مايلز لم تدرج قبائل ساحل عُمان باستثناء قبيلة واحدة هي قبيلة بني ياس. وفي السجل الجغرافي للوريمر ظهر الأمر
جليًا، فقد وضع سكان عُمان وقبائلها في خانة اسمها "سلطنة عُمان"، وهذا الاسم لم تُعرف به عُمان إلا بعد عام 1970. بينما صنف
عدد سكان الساحل العُماني تحت خانة باسم" الساحل المتصالح"63.
57 المرجع نفسه، ص 274 - 275. 58 المرجع نفسه، ج 5، ص 69. 59 الحارثي، ج 1، ص 1273 - 1281. 60 عبد الله بن حميد السالمي، جوابات الإمام السالمي، تحقيق عز الدين خوجة [وآخرون]، ج 5، ط 2 ([د. م.]: [د. ن].، 1999)، ص 31. 61 فوكو، يجب الدفاع، ص 236.
62 "File 1202 / 1912 'Arabia:- Travellers. Capt. F. F Hunter. Herr Runkiar (Danish Expedition). Capt Shakespear'." Explore Qatar Digital Library , accessed on 12 / 6 / 2021 , at: https://bit.ly/ 3 iDdPoa
63 لوريمر، مج 6، ج 2، ص 47.
صاغت المعرفة البريطانية الأسماء السياسية، فالاسمان السابقان لم تعرفهما الثقافة المحلية، ولم يستخدمهما أهل المنطقة، فاسم "سلطنة عُمان" لم يكن متداولً في الأدبيات العُمانية قبل عام 1970، أما اسم "الساحل المتصالح" فهو الآخر غريب عن الثقافة
المحلية، ووُلد من رحم السجلات البريطانية التي أوصت باعتماده رسميًا، وتجاهل الاسم المحلي، بل إن لوريمر ادّعى عدم وجود
اسم محلي؛ فيقول: "في غياب أي اسم آخر عربي أو إنجليزي، فإن هذا الاسم (الساحل المتصالح) أوفى بالغرض وأوفى بالوصف، وهو على العموم الاسم الذي نجد أن من الأنسب اعتماده"64. وهذا الادعاء ليس صحيحًا، بل إن هذه المعرفة وقعت في تناقض،
ففي السجل نفسه جاء ما نصه: "اسم ساحل عُمان [...] الأقرب إلى الاسم المعترف به عمومًا"65. ومن نتائج هذا التوجه المعرفي
البريطاني غياب اسم ساحل عُمان من السجلات البريطانية، وحل بدلً منه اسم ذو حمولة سياسية، بل غاب حتى عن أذهان الباحثين
الأجانب والعرب لاحقًا، وتبنَّوا هذا الفرز السياسي الذي شكّله صنّاع المعرفة البريطانية66. أعقب هذا السجل الجغرافي الذي أعده لوريمر فصل عُمان إلى جزأين في السجلات البريطانية، وأصبحت كل الإحصاءات
التي ظهرت لاحقًا تعتمد الفرز السكاني، بل إن أغلب البيانات تسترشد بمنهج لوريمر أو توصي بالعودة إليه، وبدأت تظهر مسوحات اجتماعية لقبائل عُمانية دون غيرها، تستهدف تاريخها وثقافتها وتركيبتها الداخلية، مع التركيز على علاقاتها بالسلطة. وتزايد هذا
النوع من المسوحات مع ظهور النفط في المناطق الشمالية والأجزاء الوسطى من عُمان؛ فأعد جورج إكلز Eccles George عام
1926 م67 تقارير عن ثلاث قبائل، هي بني عمر، وبني علي، وبني كعب. وفي عام 1948، قدّم ريتشارد بير Burr Richard من شركة
النفط البريطانية تقريرًا عن قبائل البريمي68. تستمد هذه المسوحات الجغرافية في الواقع روحها من الدعوة التي أطلقها مساعد المقيم البريطاني في بوشهر الإيرانية منذ عام 1845، إيه. بي. كيمبل Kemball. B. A بضرورة وجود معلومات محددة ودقيقة عن المناطق الداخلية، والتوزع السكاني، ومعلومات عن حدود أرض كل قبيلة69. وقد وُظفت هذه المعلومات لاحقًا لتقسيم الحدود، أو تحديد مناطق الامتيازات النفطية منذ عشرينيات القرن العشرين،
بل إن المسوحات التي أجراها الرائد بيرد في عام 1948 عن قبائل شمال عُمان وُظفت توظيفًا سياسيًا في عام 1951، وفي ضوء نتائجها
جرى نقاش حول إمكانية فصلها أو إعطائها شكلً من الاستقلال؛ فبناءً على تلك الدراسات، يتم اتخاذ القرارات السياسية، ومراقبة علاقات
السلطة الحاكمة مع القوى القبلية. يقول العقيد إف. أي. ويلسون (Wilson. A. F Colonel، المعتمد السياسي في الخليج الفارسي، في تقرير رفعه إلى سكرتير الحكومة الهندية، وزارة الخارجية: "لقد أظهر الوصف الطوبوغرافي الدقيق الذي تقدم به الرائد سادلر Sadler Major عن التوزيع القبلي أن حكم السلطان ونفوذه محدود للغاية، وكل المحاولات الساعية لتقوية نفوذه [...] مخيبة للآمال جدًا"70. وليس بالضرورة أن تكون هذه الدراسات والمسوحات مطابقة للواقع السياسي أو تمثيلً حقيقيًا له، إنما تُكيَّف وتُصاغ
نتائجها حتى تخرج متوافقة مع الأغراض والمصالح السياسية. فعندما رأت السلطات البريطانية عام 1951 مصلحة في توقيع اتفاقيات نفطية مع شيوخ القبائل، ادعى المقيم السياسي في الخليج العربي روبرت هاي Hay Robert أن نتائج الدراسات
64 المرجع نفسه، مج 6، ص 47. 65 المرجع نفسه. 66 من الدراسات التي تبنت اسم "الساحل المتصالح" على سبيل المثال لا الحصر: شمسة حمد الظاهري، إمارات الساحل المتصالح 1900 - 1971 م: رؤية وثائقية
من أرشيف الوثائق البريطانية (أبوظبي: الأرشيف الوطني، 2011). وهنالك عشرات الدراسات تبنت هذا الاسم. 67 "تقرير النقيب إكلز عن الأراضي الداخلية في عُمان"، مكتبة قطر الرقمية، شوهد في 12 / 6 / 2021، في: https://bit.ly/3czMaAu
68 "' 15 / 9 The tribes of Buraimi'," Qatar Digital Library , accessed on 18 / 6 / 2023 , at: https://bit.ly/ 3 qOzujc
69 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 106. 70 الحارثي، مج 1، ص 1271.
"أكدت على أن السلطان لا يمارس سلطة أو حكمًا على قبائل منطقة البريمي [...] ولقد تم نشر هذا في فقرات وردت في مذكرة عن
قبائل مسقط وعُمان"71. ووفق هذه النتائج، يقول إن للشركة الحق في التعاقد مع الشيوخ مباشرة، حتى إن كانوا أكثر ولاءً وإخلاصًا
للسلطان72.
ثالثًا: المعرفة البريطانية والهوية الثقافية، المذهب الإباضي والتاريخ العُماني
1.المذهب الإباضي
كان المذهب الإباضي محور اهتمام الدوائر المعرفية البريطانية، ونال اهتمامًا دون غيره من المذاهب في عُمان، وكانت البداية
الفعلية، التي أخذت طابعًا أكثر عمقًا، مع الضابط في البحرية البريطانية ريموند ويلستد Wellsted Raymond، الذي كُلّف بإجراء مسح
شامل للمناطق الداخلية من عُمان في عام 1835. ولاستقصاء مبادئ المذهب الإباضي ومعتقداته، حرص ريموند على وضع مجموعة
من الأسئلة، وأرسلها إلى أحد الفقهاء حينذاك، هو الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت. 1871) الذي أرسلها إلى الشيخ ناصر بن جاعد الخروصي (ت. 1845)، وهذه الأسئلة محفوظة في المكتبة العُمانية، وتُعرف ب "أسئلة النصارى"73. تمثل هذه الأسئلة تعبيرًا عن نوعية المسائل والقضايا الدينية التي تثير فضول المعرفة الاستعمارية عمومًا، فهي أسئلة تهدف
إلى البحث في مدى اللُحمة الدينية في عُمان، والفوارق في الرؤى والاتجاهات بين كل مذهب وآخر. ومن الأمثلة على تلك الأسئلة:
"هل أهل عُمان كلهم إباضيون أم لا؟ وما السبب في وجود غير الإباضيين فيها إن كانوا غير إباضيين كلهم؟ وكم فرقة من المذاهب
في عُمان؟ وأين وجود المذهب الإباضي من مواضع إقليم الإسلام؟ وهل إباضيةُ أهل عُمان أو غيرهم وهم فرقة واحدة أم لا؟"74.
أجاب الخروصي عن تساؤلات ريموند ويلستد، لكونه لم يدرك النيّات الخفية من وراء هذا اللهاث المعرفي، أو لأنه لا يود إبداء موقفه،
ووصف السائلين ب "العظماء الشأن"75، بينما تنبّه معاصره الشيخ خميس بن راشد العبري (ت. 1854) وعلّق قائلً:" ولا أعلم مذهبًا
من مذاهب الإسلام إلا وتطفّلوا عليه، ومن ذلك سؤالهم للشيخ ناصر بن أبي نبهان"76. تواصل اهتمام بريطانيا بجمع البيانات عن المسائل الدينية في عُمان، وكان المذهب الإباضي دائمًا في مركز الاهتمام، فقد
خصّص الرحالة البريطاني وليم جيفور بلجريف Belgrave Jeffor William في عام 1866 مساحة للحديث عن المذهب الإباضي،
وحاول تقديم رؤية تاريخية لنشأة المذهب وأفكاره، ولكن كل ما قدمه مزيج من الترهات والخيالات البعيدة عن الحقيقة، وهذا نهجه مع كل الفرق الإسلامية التي تحدّث عنها في كتابه المعنون وسط الجزيرة العربية وشرقها77. في البدايات كان التركيز على الجوانب العقدية ونشأة المذهب الإباضي، ولم يأخذ الاهتمام مغزى سياسيًا إلا بعد عام 1856،
نتيجة التطورات السياسية التي حدثت في عُمان بوفاة السيد سعيد بن سلطان (ت. 1856) وما أعقب تلك الوفاة من نزاع على السلطة
71 ينظر رسالة العقيد الركن السير روبرت هاي عام 1951، في: الحارثي، ج 3، ص 140 - 143. 72 المرجع نفسه. 73 ناصر بن جاعد الخروصي، جواب مسائل النصارى، تحقيق أحمد بن سالم الخروصي (مسقط: ذاكرة عُمان، 2019)، ص 66.
74 المرجع نفسه. 75 المرجع نفسه. 76 العبري، ج 1، ص 184 وما بعدها. 77 وليم جيفور بالجريف، وسط الجزيرة العربية وشرقها، ترجمة صبري محمد حسن، ج 2 (الشارقة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص 300 - 311.
بين ابنيه ثويني (ت. 1866) وماجد (ت. 1870). وهذا الحدث يمثل الانطلاقة الأولى للتوجه نحو فهم الأفكار والمنطلقات السياسية للمذهب الإباضي وموقفه من مسألة تداول السلطة؛ إذ كان موضع انتقال الحكم خلال العقد السابع من القرن التاسع عشر، كما يقول جورج برسي بادجر، "موضع نقاش لدى سياسيينا، مما تطلب تحديده عن طريق التحقيق الخاص"78. وقد أجرى المبعوث البريطاني الذي رأس لجنة الصلح بين الأخوين ثويني وماجد، تحقيقًا حول موقف المذهب الإباضي من مسألة تداول السلطة، لأنه "يستحيل معرفة وظائف وامتيازات الإمامة من مجمل مجموع الوثائق"79، كما يقول بادجر. كتب القس جورج برسي بادجر نبذة عن نشأة المذهب ومعتقداته80، وادّعى حينها أنه لم يعثر على مصادر محلية للمذهب الإباضي،
فتوجه إلى صديق له في القاهرة قدم له "من مصدر موثوق، وصفًا موجزًا عن الإباضية. وتعد الوثيقة أكثر قيمة بسبب الذكر النادر للمذهب
حتى من قبل المجتهدين وعلماء المسلمين التقليديين. كما وأني مدين بالفضل لنفس الرجل للرواية الشاملة المقدمة حول مقتل الخليفة علي بن أبي طالب [...] فالحادث هو من بين بقية أحداث تاريخ الإسلام هو الذي أظهر المعارضين لأول مرة، والذين جاء الإباضية منهم"81. وأعقب هذا الموجز تحقيق آخر قدمه العقيد روس عام 1872 م عنوانه "مذهب الإباضية في عُمان"82. ارتأت السلطات البريطانية أن هذه التحقيقات المعرفية ضرورية و"لا يمكن الاستغناء عنها لفهم واضح للنظام السياسي والديني للعُمانيين"83، وأثر الدين في السلوك السياسي؛ فكان هذا ما دفع لوريمر إلى رصد واقع الأديان والمذاهب في شبه الجزيرة. ولم تكن
بنية الدين الإسلامي هي الغاية، وإنما الاختلاف والتباين بين مذهب وآخر، فقد بدأ تحقيقه بالقول الآتي: "لعرض وضع كل مذهب من هذه المذاهب ومصالحه، نخصص مذكرة منفصلة. على أنه من المناسب التخلص أولً من القضايا المشتركة بينها جميعًا"84.
وألمح في الجزء الخاص بعُمان إلى التركيبة المذهبية، وخصص جزءًا بعنوان "طائفة الإباضية الإسلامية في منطقة الخليج"، وكان
هدفه كما يقول: "لسنا معنيّين هنا بعقائد الإباضيين الفقهية، ولكن لا بد لنا أن نأخذ في الحسبان وجهات نظرهم بشأن الحكومة
الدينية". لذلك كان حديثه منصبًّا على تاريخ الإمامة الإباضية، ودور الفقهاء السياسي، والحركات السياسية للعلماء85. ولم يعقب هذه المسوحات أي استقصاء آخر، باستثناء تقرير ظهر عام 1951، لم يكن هدفه المذهب الإباضي في حد ذاته، بل التركيز على النظام الإداري للإمام محمد بن عبد الله الخليلي (ت. 1954). وإضافة إلى ذلك، وُجدت إشارات عارضة بين ثنايا السجلات
البريطانية، تستهدف بالأساس قيم الانتخاب والشورى والقدح المبتذل في هذه القيم السياسية، كما يصف سي. سي. جاي. باريت Barret. I. C. C قاعدة "التعاقب على الحكم بموجب الانتخابات في عُمان تبدو لي أنها تستند إلى الأوهام"86. لقد أصرّ منجزو هذه
المعرفة على التقليل من جدوى مبادئ تداول الحكم في المذهب الإباضي، واعتبروه "مصدرًا للفوضى السياسية"87.
78 بادجر، ص 3 - 4. 79 المرجع نفسه.
80 George Percy Badger, " 'History of the imâms and seyyids of 'Omân by Salîl-ibn-Razîk, from A.D. 661 - 1856 ; translated from the original Arabic, and edited with notes, appendices, and an introduction, continuing the history down to 1870 , by George Percy Badger, F.R.G.S., late chaplain in the Presidency of Bombay,'" Qatar Digital Library , accessed on 18 / 6 / 2023 , at: https://bit.ly/ 3 CxQInN
81 بادجر، ص 4 - 5.
82 E.C. Ross. "Printed letter No. 1294 / 344 of 1872 from Lieutenant-Colonel Lewis Pelly, H.B.M.'s Political Resident in the Persian Gulf, Bushire to the Secretary of Government, Bombay [ 59 r] (11 / 12)," Qatar Digital Library , pp. 110 - 120 , accessed on 15 / 6 / 2023 , at: https://bit.ly/ 3 pK 0 qfx
83 بادجر، ص 4 - 5. 84 لوريمر، مج 1، ج 1، ص 168. 85 المرجع نفسه، ج 1، ص 168 - 203. 86 الحارثي، ج 2، ص 299. 87 المرجع نفسه.
2.لااستقصاء التاريخي
اعتمدت السلطات البريطانية التقصي في مسار التاريخ العُماني لكونها متيقنة أنه يسهم في "تكوين تقييم معتمد لأنماط تفكير
الناس وعملهم واقتصادهم الاجتماعي، وطريقة إدارة أنفسهم وإزاء أناس آخرين"88، كما يقول القس جورج برسي بادجر، الذي ترجم أول مدونة تاريخية عُمانية. فالأهمية التي تمثلها هذه المعرفة التاريخية، وإن "بدت غير مهمة للوهلة الأولى، فإنها قد تلقي
ضوءًا نهتدي به لحل المسائل المهمة بصورة مقنعة. وأما الاستقصاء الحقيقي ذو الهدف السياسي أو التاريخي، فإن الخصوصيات من
النوع المشار إليها هي خصوصيات قيّمة على الدوام"89. هذه الغايات السياسية لفهم خصوصيات التاريخ العُماني قادت إلى إنتاج جملة من التحقيقات التاريخية، بدأها روبرت تايلور عام 1818،
وقد أنجز مذكرة عنوانها "مقتطفات من ملاحظات موجزة تحتوي على معلومات تاريخية وأخرى بخصوص إقليم عُمان"90. ثم أجرى
فرانسيس واردن تقصيًا آخر بين عامَي 1835 - 1836، بعنوان "مستخلص تاريخي عن نشوء وتطور حكومة مسقط من 1694 - 1819 م"91.
ثم أخذت عملية الرصد والمتابعة منحى جديدًا، تمثل في ترجمة المصادر التاريخية المحلية، بدأت مع ترجمة القس جورج برسي بادجر
في عام 1871 كتاب الفتح المبين في سيرة السادة البوسعديين، وحملت النسخة المترجمة عنوان تاريخ أئمة وسادة عُمان. وقد
حصل على هذا المصدر العُماني كما يقول: "بعد فترة وجيزة من وفاة السيد سعيد بن سلطان، حاكم عُمان وتوابعها في شرق أفريقيا عام
1856 [...] وحال التدخل الودي لحكومة بومباي دون نشوب حرب فعلية [...] وكإجراء أولي، تم تعيين لجنة مكونة من العميد السير وليام كوكلان Cochlan William وعضويتي لأجل حل القضايا المتنازع عليها [...] وبينما كانت هذه اللجنة مشغولة بمهمتها في المكان الأول [عُمان] عام 1860، أهدى لي السيد ثويني المخطوطة الأصلية من كتاب "الفتح المبين في سير السادة البوسعيديين" لمؤلفه حميد
بن محمد بن رزيق"92. وقد صدرت الترجمة في حياة المؤلف. وتلا هذا العمل ترجمة أخرى لكتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، على يد إدوارد تشارلز روس عام 1874، وحملت الترجمة عنوان حوليات عُمان إلى عام 1728 م93. وباستثناء هاتين الترجمتين للمصدرين العُمانيين اللذين يقدمان رؤية أهل عُمان لتاريخهم وكيفية تشكله معرفيًا، تقدم
التحقيقات التاريخية، في الأساس، الصياغة البريطانية لتاريخ البلاد، وآخرها كتاب الخليج الفارسي: بلدانه وقبائلهللعقيد مايلز، وهو من أشمل الكتب التي خلّفها النفوذ البريطاني في عُمان94. سعت هذه التحقيقات والاستقصاء التاريخي إلى التركيز على النزاعات السياسية وإشاعتها، فروبرت تايلور وفرانسيس واردن، وهما من أوائل الموظفين البريطانيين بحثًا في تاريخ عُمان، لم يركزا إلا على النزاع الذي ساد في التاريخ العُماني، بل كانا ينظران إلى
هذا التاريخ، كما يعبر عن لسان حالهم الرحالةُ البريطاني ريموند ويلستد بقوله: "إن تاريخ الإقليم [عُمان] لا ينطوي على شيء سوى
سلسلة من الحروب الصغيرة والنزاعات الداخلية، وإن اهتمامنا موزَّع بين عدد من الشخصيات التي تظهر على سطح الأحداث"95.
88 بادجر، ص 4 - 5. 89 المرجع نفسه، ص 4. 90 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 22 - 59. 91 المرجع نفسه، ص 162 - 176. 92 بادجر، ص 1.
93 Sirhan Bin Said Bin Sirhan, Annals of Oman to 1728 , E.C. Ross (trans.) (Cambridge: Oleander Press, 1984).
94 ترجم هذا الكتاب محمد أمين، وبالمقارنة بالنسخة الإنكليزية للنص، يبدو وجود فارق. للمقارنة بين النسختين ينظر: س. ب. مايلز، الخليج بلدانه وقبائله، ترجمة
محمد أمين (مسقط: وزارة التراث والثقافة، 1991)؛
Samuel Barrett Miles, The Countries and Tribes of the Persian Gulf (London: Harrison and Sons, 1919).
95 جي. آر. ويلستد، رحلات في الجزيرة العربية، ترجمة محمد درويش (أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 2009)، ص 205.
وفق هذه النظرة، صاغ صنّاع المعرفة البريطانية التاريخ العُماني، واختُزل في قالب يتسم بالنزاعات والصراعات، لأن الهدف
ليس خدمة المعرفة الإنسانية، بقدر ما كانت الغاية "سد حاجة هذه الحكومة [البريطانية] التي ما فتئت تسعى للحصول على معلومات كافية عن المصالح المتناقضة التي سادت الخليج الفارسي، وذلك من خلال تقديم نبذة عن كل قوة من القوى التي تنافست على مركز الصدارة فيها، وعن الثورات المختلفة التي حدثت في تلك الأرجاء منذ أقدم الأزمان"96. حتى المواقف التاريخية المشروعة للمجتمع العُماني ضد الاستعمار لم تسلم من القولبة والتنميط؛ إذ يصف فرانسيس واردن في تحقيقه التاريخي موقف أهل عُمان من
النفوذ الأوروبي في القرن السابع عشر الميلادي أنه كان "وب لً عظيمًا على الهند، مثل الوباء الذي شكّله الجزائريون على أوروبا"97.
3.التنميط الثقافي و لااجتماعي
يمثل التنميط وخلق التصورات والانطباعات المتحيزة ركيزة أساسية من الركائز الأساسية للمعرفة الاستعمارية البريطانية، وقد تعددت المعاني والصور التي حملتها، ما بين سمات شخصية وعقلية وثقافية، ووسم المجتمع العُماني بأوصاف "التوحش، والاحتقار،
والتخلف، والفقر" بقصد إيجاد تبرير للرجل الأوروبي الساعي إلى نقل هذا المجتمع من التخلف إلى المدنية. فالحياة "القبلية لدى العرب، وبما تمتاز به من عدم استقرار متواصل"98 تستدعي بحسب إيه. بي. كيمبل، مساعد المقيم في الخليج العربي، الدفع "بهؤلاء [العرب] إلى نبذ الحرب والقرصنة، وخلق لديهم الرغبة [إلى حد ما] في سيادة الأمن في البحر [...]. علينا أن نضع في تقديرنا حين ننظر إلى أن الفقر حين يجتمع مع ما اعتاد عليه العرب من نهب وميل نحو الأخذ بالثأر الذي يعد أمرًا عربيًا متوارثًا [...]
أن الحكومة البريطانية، [...] [ترغب] في أن تحفظ على القبائل العربية التي تسكن سواحل الخليج نعمة الأمن والاستقرار"99. هذه النظرة راسخة في وجدان المعرفة البريطانية، بل حتى عند أولئك الرجال الأكثر خبرة ومعرفة بعُمان. فالوكيل السياسي صمويل
مايلز تردد على الوكالة السياسية في مسقط أربع مرات بين عامي 1872 - 1887، وهو من أكثر من كتب عن أهل عُمان، وقد طاف الأرض
العُمانية بجميع اتجاهاتها، ومع ذلك لم تحسّن هذه المعرفة الطويلة من نظرته للمجتمع العُماني، فقد اكتظت المعارف التي خلّفها بالتحيزات
الذهنية، ونزع عن الإنسان العُماني سمات المهارة والذكاء، والقدرة على الفاعلية. فعندما يصادف في رحلاته بعض المظاهر الحضارية، ويجد
فيها نوعًا من المهارة والذكاء العقلي، يحاول البحث لها عن مخرج ينزع صفتها العُمانية. فالخصائص الحضارية مثل الأفلاج والحصون
والأبراج لا يرى مايلز أنها إنتاج عربي، إنما هي آثار على دلائل التفوق الفارسي. وحتى مجرد وجود مدارس وشيوعها في المدن العُمانية
يعود إلى التأثيرات الفارسية بحسب العقيد مايلز؛ إذ يقول: "المكانة العالية للمعرفة في نخل تُعزى إلى تأثير الفرس"100. وأما "العبقرية
الميكانيكية فليست ميزة عربية، وكنت مندهشًا لإيجاد طاحونة تشغل بالقوة المائية"101. وحتى تلك الصنائع والحرف التي لا تحتاج إلى
تفوق عقلي ومهارة ذهنية لا يُنصَف فيها العُماني، فقد صادف خلال رحلته إلى الجبل الأخضر سلمًا يعرف محليًا بالرفصة، وهو بناء من
الصخور على شكل متعاقب، قال عنه: "إن الطبيعة المذهلة لهذا العمل وصعوبة الأداء والمهارة والجهد المضني، جميعها أثارت إعجابي ودهشتي، لكنه من غير المجدي أن تجد له أصولً محلية. إن ملامح هذا العمل وغياب تقليد له هنا، دفعاني إلى اعتباره مفهومًا وإنجازًا
فارسيًا"102.
96 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 78. 97 المرجع نفسه، ص 162. 98 الحارثي، ج 1، ص 1272. 99 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 86. 100 صمويل مايلز، "عبر الجبل الأخضر في عُمان"، ترجمة هلال الحجري، مجلة الدراسات العُمانية، العدد 16 (2010)، ص 72 - 92.
101 المرجع نفسه. 102 المرجع نفسه.
هذه النظرة السلبية تتردد عند أغلب الرحّالة، إلى درجة أن ريموند ويلستد ادعى أنه لم يجد أثرًا للثقافة والتعليم والأدب في
عُمان، يقول: "إن حالة التعليم والأدب والصنائع في عُمان من أقل المجالات بروزًا [...]. وقد بحثت بنفسي في أوساط أكثر الناس
تعليمًا، فلم أجد إلا شخصًا واحدًا يعرف شيئًا عن علم الفلك أو عن الأدب أو العلوم بصورة عامة، كما أنهم لا يملكون أي رغبة في
تنمية ثقافتهم [...]. وفي أثناء إقامتي، لم أتمكن من الحصول على كتاب أو مخطوطة في أي موضوع، باستثناء تفاسير القرآن الكريم والكتب الدينية عمومًا"103. ولم يقتصر الأمر عند هذا، بل بلغ حدّ إلصاق سمات وخصائص سلوكية بالإنسان العُماني، تنمّ عن تحيّز فاضح ومبتذل. فأتكينز
هامرتون، الذي أعدّ أول بيانات سكانية عن المجتمع العُماني في عام 1855، لم يُبقِ صفة سلبية إلا ألصقها ببعض القبائل العُمانية،
مثل العنف، وعدم الثقة، وممارسة الموبقات104. وسار على المنوال ذاته آخرون، فعندما جمع مايلز بيانات 21 قبيلة، تحدث عن 13 منها بصفات سلبية، ونمّطها إلى قبيلة "مشهود لها بالعنف" أو قبيلة "ذات سلوك جيد ومسالمة"، وأخرى "تتسم باللصوصية والغدر
والاحتيال، أو جنس طائش لصوصي، أو قراصنة105. وغيرها من الصور النمطية التي لا داعي لذكرها؛ إذ الغاية هي إظهار الكيفية التي صاغت بها المعرفة البريطانية المجتمع العُماني، وإظهاره إما بمظهر المتخلف عن ركب المدنية، وإما المتوحش الذي يحتاج إلى
من يضبط سلوكه. مقابل هذا التحيز، يظهر البريطاني بمظهر إنساني؛ إذ يصف مايلز السلوك البريطاني حين دمرت بريطانيا بلدة جعلان بني بوعلي
عام 1821، ونقلت مجموعة من الأفراد أسرى إلى الهند، بقوله: "أُعيدوا إلى أوطانهم مُحمّلين بالهدايا ومنحٍمالية لتمكينهم من إعادة
بناء بيوتهم وآبارهم"106.
خاتمة
كانت المعرفة التي أنتجتها الدوائر الرسمية البريطانية من أسباب الهيمنة التي فُرضت على عمان. وقد رسمت الغايات والأهداف السياسية ملامح طبيعة البيانات والقضايا والإحصاءات التي يتم جمعها ورصدها عن المجتمع العماني. فلم يكن الهدف معرفيًا، بل
إمكان استغلالها لزيادة الهيمنة وإحكام السيطرة. وتعددت أبعاد تلك المعرفة، وشملت أشك لً وأنواعًا تراوحت بين دراسات مسحية
لنظم المجتمع وأنماط تفكيره، وتقارير دورية تهدف إلى مراقبة حركة المجتمع الاقتصادية والسياسية، وامتد ذلك الرصد والمراقبة واتسعت مجالاته حتى شمل ثرثرة الناس في المجالس والأسواق وميادين السمر. ولم تتعامل المعرفة البريطانية مع التنوع الاجتماعي والثقافي لعُمان على أنه مصدر ثراء، أو باعتباره نموذجًا للتعايش والتفاهم،
بل بهدف إظهار التناقضات الاجتماعية، وترسيخ رؤى تستبطن التحيز والاحتقار. فقد وسمت الإنسان العماني بأوصاف سلبية بقصد إيجاد تبرير للرجل الأوروبي الساعي إلى نقل هذا المجتمع من التخلف إلى المدنية. كما أن الأسس الإثنية كانت معيارًا لكل الإحصاءات التي جمعها المسؤولون البريطانيون، بدءًا من العقيد مايلز، وانتهاءً بخلفه
لوريمر في سجلّه الجغرافي والتاريخي. فقد تمسك هذا الأخير بمنهج من سبقه، وزاد عليه وأشاع التباين الاجتماعي والعرقي داخل
103 ويلستد، ج 1، ص 173 - 174. 104 مختارات من وثائق حكومة بومباي، ص 216 - 217. 105 مايلز، "مذكرة القبائل العُمانية"، في: الحارثي، ج 1، ص 343 – 368.
106 المرجع نفسه، ج 1، ص 353.
المدينة العمانية. ثم إن الأحكام والتصورات المسبقة طغت على نتائج التقارير والإحصاءات البريطانية ذاتها، كما فعل الرائد شونسي في عام 1951، الذي أصر على جعل العامل المذهبي معيارًا للتحزب القبلي في عُمان. وفرضت الحاجة السياسية والرغبة في التوظيف السياسي لتلك المعارف والبيانات طوقًا، إذ عمدت الدوائر البريطانية إلى احتكار إنتاج البيانات والإحصاءات وإعادة توزيعها، فكل المعلومات المنتجة هي في الأساس معلومات سرية، ولم يُكشف عنها إلا لمجموعة
من الموظفين، وتُوزَّع على الدوائر البريطانية في منطقة الخليج العربي، بل إن بريطانيا منعت كل المؤسسات الراغبة في دراسة
المجتمع العُماني من ذلك. وإلى جانب الوظيفة السياسية، خلّفت تلك المعرفة انطباعاتٍ وصورًا نمطية وراءها، امتد أثرها لاحقًا، وظهرت خطورة تلك
الأحكام من خلال تبنّي العديد من الدراسات المعاصرة الآراء والاتجاهات والمفاهيم التي رسمتها السجلات والتقارير البريطانية عن
المجتمع العماني، وتسللت إلى الذهن العماني خاصة، والذهن العربي عامة من رحم الأدبيات الاستعمارية البريطانية. ومع ذلك، لم يقف المجتمع العماني موقف العاجز تمامًا، بل سعى بجهده إلى مقاومة تلك المعرفة، ومارس الاحتجاج ضد
ما اعتبره هجمة تستهدف قيمه الثقافية. فقد انبرى العديد من النخب السياسية والثقافية والدينية لتلك المهمة، فظهرت النصوص الفقهية والأدبية والتاريخية التي تفنّد تلك الأفكار وتقاومها. ولم تقتصر الإدانة والاستنكار على النخب، بل شملت المستوى الشعبي،
فاستخدم الإنسان العادي الحيل والتمويه، وعدم تقديم المعلومات الدقيقة لجامعي البيانات والإحصاءات.
المراجع
العربية
أوكان، عمر. مدخل لدراسة النص والسلطة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1994.
الدار العربية للموسوعات، 2007.
الخروصي، ناصر بن جاعد. جواب مسائل النصارى. تحقيق أحمد بن سالم الخروصي. مسقط: ذاكرة عُمان، 2019.
مسقط. 2009.
الحارثي. ج 4. القاهرة: دار الشعب، [د. ت.]. ________. جوابات الإمام السالمي. تحقيق عز الدين خوجة [وآخرون]. ج 5. ط 2. [د. م.]: [د. ن].، 1999. سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006.
دار الساقي، 2020.
الوطني، 2011.
البوسعيدي، 1996.
والتاريخية، 2010. فوكو، ميشال. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة، 2003. ________. نظام الخطاب. ترجمة محمد سبيلا. بيروت: التنوير، 1982.
بادجر، جورج بيرسي. مقدمة كتاب تاريخ أئمة وسادة عُمان. ترجمة محمد علي الداود. مسقط: وزارة التراث والثقافة، 2012. بالجريف، وليم جيفور. وسط الجزيرة العربية وشرقها. ترجمة صبري محمد حسن. ج 2. الشارقة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001. بدول، د. آر. الاتفاقيات الدولية مع سلطنة عُمان. حصاد ندوة الدراسات العُمانية. ج 8. مسقط: وزارة التراث القومي والثقافة،
بي سي إس، سي يواتجيسون. السعودية والإمارات العربية وعمان في الوثائق البريطانية. ترجمة عبد الوهاب القصاب. بيروت:
الحجري، هلال. عُمان في عيون الرحالة البريطانيين: قراءة جديدة للاستشراق. ترجمة خالد البلوشي. بيروت: الانتشار العربي،
الخنصوري، أمل. "عُمان في كتابات الرحالة الأوروبيين". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الاجتماعية. جامعة السلطان قابوس.
السالمي، عبد الله بن حميد. العقد الثمين: نماذج من فتاوى نور الدين فخر المتأخرين. تحقيق سالم بن حمد بن سليمان
سكوت، جيمس. المقاومة بالحيل: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم. ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري. بيروت:
الظاهري، شمسة حمد. إمارات الساحل المتصالح 1900 - 1971 م: رؤية وثائقية من أرشيف الوثائق البريطانية. أبوظبي: الأرشيف
العبادي، عامر بن علي بن مسعود. ديوان أنوار الأسرار [ومنار الأفكار]. مسقط: مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود
العبري، خميس بن راشد. شفاء القلوب من داء الكروب. ج 1. مسقط: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية
قاسم، جمال زكريا. تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر. ج 1. القاهرة: دار الفكر العربي، 1996. لوريمر، ج. ج. السجل التاريخي للخليج وعُمان وأواسط الجزيرة العربية: السجل الجغرافي. ترجمة جامعة السلطان قابوس.
ج 6. لندن: دار غارنت للنشر، 1995. مايلز، س. ب. الخليج بلدانه وقبائله. ترجمة محمد أمين. مسقط: وزارة التراث والثقافة، 1991. مايلز، صمويل. "عبر الجبل الأخضر في عُمان". ترجمة هلال الحجري. مجلة الدراسات العُمانية. العدد 16 (2010). مختارات من وثائق حكومة بومبامي. ترجمة عبد العزيز عبد الغني إبراهيم. الدوحة: مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية، 2017. المنذري، منذر بن عوض. الدور السياسي والعلمي للوكلاء السياسيين البريطانيين في عُمان 1871 - 1913. مسقط: بيت الغشام، 2016. موسوعة عُمان: الوثائق السرية. إعداد وترجمة محمد بن عبد الله بن حمد الحارثي. ج 1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006. ولستد، جيمس ريموند. تاريخ عُمان: رحلة في شبه الجزيرة العربية. ترجمة عبد العزيز عبد الغني إبراهيم. بيروت: دار الساقي، 2002. ويلستد، جي. آر. رحلات في الجزيرة العربية. ترجمة محمد درويش. أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 2009. يمينة، سلايمية. "الخطاب ما بعد الكولونيالي في كتابات ميشال فوكو". مجلة البحوث والدراسات الإنسانية. العدد 13 (2016).
الأجنبية
Badger, George Percy. "'History of the Imâms and Seyyids of 'Omân by Salîl-ibn-Razîk, from A.D. 661-1856 ; Translated from the Original Arabic, and Edited with Notes, Appendices, and an Introduction, Continuing the History down to 1870 , by George Percy Badger, F.R.G.S., late Chaplain in the Presidency of Bombay.'" Qatar Digital Library. at: https://bit.ly/ 3 CxQInN Bailey, R.W. Records of Oman 1876 - 1947. London:British Library, 1998. Marshall, Brian W. "European Travelers in Oman and Southeast Arabia, 1792-1950: a Biobibliographical Study." New Arabian Studies. no. 2 (1994). Miles, S.B. " 1885-86 Notes of a Tour Through Oman and El Dhahireh." Calcutta, Persian Gulf Administration Report (1885-1886). Miles, Samuel Barrett. The Countries and Tribes of the Persian Gulf. London: Harrison and Sons, 1919. Ross, E.C. "Printed letter 1294 / 344 of 1872 from Lieutenant-Colonel Lewis Pelly, H.B.M.'s Political Resident in the Persian Gulf, Bushire to the Secretary of Government, Bombay [ 59 r] (11 / 12)." Qatar Digital Library. at: https://bit.ly/ 3 pK 0 qfx Sirhan, Sirhan Bin Said Bin. Annals of Oman to 1728. E.C. Ross (trans.). Cambridge: Oleander Press, 1984.