Return to Article Details Book Review: The Berbers Between Maghreb and Mashreq (VII-XV Century)

مراجعة كتاب البربر بين المغرب والمشرق (من القرن السابع إلى الخامس عشر)

Book Review: The Berbers Between Maghreb and Mashreq (VII-XV Century)

خالد جدي

الملخّص

عنوان الكتاب: البربر بين المغرب والمشرق (من القرن السابع إلى الخامس عشر). عنوان الكتاب في لغته: The Berbers Between Maghreb and Mashreq (VII E-XVth Century). المشرف: دومينيك فاليريان Dominique Valérian. الناشر: مدريد: كازا دي فيلازكيز Madrid: Casa de Velázquez. سنة النشر: 2021. خعدد الصفحات: 181.

Abstract

جامعة ابن زهر، أكادير، المغرب. أستاذ التاريخ والجغرافيا في التعليم الثانوي التأهيلي، مديرية التربية الوطنية بمراكش، حاصل على دكتوراه في التاريخ المعاصر من High School History and Geography teacher in Marrakech province, Morocco. He holds a PhD Modern History From Ibn Zohr University, Agadir, Morocco. khalid.jeddi@outlook.fr

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • البربر
  • العصور الوسطى
  • الأمازيغ
Keywords:
  • Morocco
  • Amazighs
  • Berbers
  • Middle Ages
DOI https //doi org/10 31430/QIYV9263 الرقم التعريفي
DOI: https://doi.org/10.31430/QIYV9263: الرقم التعريفي
خالد جدي | Jeddi *Khalid
مراجعة كتاب البربر بين المغرب والمشرق (من القرن
السابع إلى الخامس عشر)
Book Review The Berbers Between Maghreb and
Mashreq (VII-XV Century)

. The Berbers Between Maghreb and Mashreq (VII - XV Century) العنوان الأصلي:

مقدمة

صدر عام 2021، عن منشورات كازا دي فيلازكيز، التابعة للمدرسة الفرنسية، كتاب جماعي عنوانه البربر بين المغرب والمشرق (من القرن السابع إلى الخامس عشر)، تحت إشراف دومينيك فاليريان. وقد انطلق هذا الكتاب من إشكالية مفادها ضرورة دراسة النصوص الوسيطية وتحليلها لمجابهة ادعاء الطابع الشرقي للبربر، من خلال تطوير سلاسل الأنساب الوهمية للقبائل، التي تقدم المغرب على أنه مستشرق حتى قبل الفتح. لكن هذا البناء رافقه، بسرعة كبيرة، خطاب لمؤلفين من شمال أفريقيا زعموا المكانة الأصلية والمرموقة للبربر مقابل المشرقيين. اتبعت الدراسات التي جرى جمعها في هذا الكتاب هذا الجدل الدائم في الخطاب، بين ادعاء الأصل الشرقي ودور الشعوب المسلمة المغاربية البارز في مصير الإسلام في هذه المنطقة. استهل فاليريان هذا الكتاب بمقدمة مطولة، عرج فيها على جذور مصطلح البربر، وبيّن أن هذا المصطلح في اللغات الأوروبية يستعمل لتعيين هذا الجزء من العالم، وأنه يستخدم على نطاق واسع في التأريخ الاستعماري مع خلفية أيديولوجية (ص. 3)، رغبةً في "إرباك" المنطقة المغاربية، ومحاولةً لتقليص ارتباطها بالمشرق العربي، وإبراز مصير مجتمع قديم بين أوروبا ومستعمراتها الجديدة، ورأى أن المغرب العربي1 لا يزال، من دون شك، الأنسب للعصور الوسطى، لأنه الاسم الذي استخدمه المؤلفون الناطقون باللغة العربية في ذلك الوقت. ومع ذلك، من الضروري التفكير في آثارها من حيث التصنيف الجغرافي، وفهم تاريخ المنطقة. يقترح فاليريان إعادة التفكير في النظرية التي تربط المغارب بالشرق، بطريقة ما، بوصفها مركزًا للعالم الإسلامي، ويدعو إلى التشكيك في مكانتها في هذا الفضاء، وعلى نطاق أوسع اندماجها في الإسلام، فضلًا عن خصوصيتها. استدل الباحث بدراسة عمليات الأسلمة والتعريب (ص. 5)، حيث جرى الاندماج في دار الإسلام على نحو تدريجي، وفقًا لأساليب متنوعة جًّدًا، اعتمادًا على المناطق والفترات. وقد خلص إلى أن فكرة استشراق المنطقة المغاربية ظهرت في العصر الإسلامي في وقت مبكر جًّدًا في التأريخ الإسلامي، على أنّ الفكرة لا تخلو من المشكلات بحسب زعمه؛ إذ تعود جذورها إلى دراسة العصور القديمة، ولا سيما الفترة القرطاجية التي ربطت المنطقة بالشرق من خلال المراكز التجارية الفينيقية، لكن خلال الفتوحات الإسلامية جرى دمج المنطقة المغاربية كلّها في فضاء مستقطب في الشرق العربي.

أولًا: أصول البربر

يشتمل القسم الأول من الكتاب على فصلين. في الفصل الأول، قاربت أنلييس نايف (ص 15 - 28) قضية البربر في المغارب من خلال مدخل الأصول، وقد عادت إلى المصطلح من منظور ماضي هذه المنطقة في زمن القرون الأولى للإسلام، محاولةً وضع مصطلح البربر في إطار إشكالي: أهو مصطلح قديم أم هو اختراع إسلامي؟ (ص. 16). وقدّمت الباحثة أدلة تاريخية يونانية بحسب الطرح الأول، وقدمت تحاليل فيلولوجية للبرهنة على أن للمصطلح جذوره في اللغة العربية أثناء الاتصال باللسان البربري وفقًا للطرح الثاني، وقد لجأت إلى تبرير هذا النهج باحتكامها إلى المصادر الجغرافية العربية المتخصصة، وادعت أنّه لم يكن ثمّة مصطلح يشير إلى جميع السكان الذين يعيشون في المنطقة التي تتوافق مع المغارب حالًّيًا قبل استخدام مصطلح "البربر" في اللغة العربية. واستنتجت في نهاية دراستها أن هذا المصطلح حاضر في أذهان مؤلفي العصور الوسطى في العالم الإسلامي، وأن عبارة "لغة البربر" ليست عامة، بل هي خاصة بالمجموعة.

  1. هذا المصطلح غير وارد في المصادر الوسيطية (ما كان مصطلحات من قبيل "أقصى المغرب"، و"المغرب الأقصى"، و"السوس الأقصى"، و"إفريقية"... إلخ.) والمصطلح الذي تم التوافق عليه، من حيث الدلالة الحضارية، هو "الغرب الإسلامي" أو "المغرب الإسلامي"، أو "المغارب" إذا استثنينا الأندلس.

إن هذا الجدل الذي لم يتمّ توضيحه هو أحد الموروثات التي لا جدال فيها في فترة العصور الوسطى، وأضافت الباحثة أن غياب المصادر التي كتبها مؤلفون يسمون أنفسهم ال "بربر"، لتوضيح هذه القضايا، قد جرى تناولها منذ فترة طويلة، باعتبارها عقبة منهجية رئيسة أمام التفكير في الموضوع. ومع ذلك، فإن الدراسة المتجددة للمصادر الإباضية قد أظهرت على نحو قاطع وجود هذه النصوص. ولعل أقواها نص إباضي ألّفه شخص يدّعي أنه بربري، وهو أبو العباس أحمد بن سعيد الشمّاخي، في كتابه بدء الإسلام وشرائع الدين. فبحسب نايف، لا توجد معارضة بربرية للعرب في هذا الكتاب، بل تمثّل للأحاديث التي جاء بها الكتاب تتويجًا لبنية متشابهة؛ حيث المغارب مَهْد الإسلام الإباضي، والبربر هم ناقلوه؛ أي إنّه يوجد شعب جديد يقف ضد الإمبراطورية المستبدة في المشرق (ص. 26). وهكذا، سعى ابن سلام إلى خلق ذاكرة جماعية معارضة للصور النمطية عن البربر الناتجة من ثوراتهم، مقارنةً بالسكان الآخرين. في الفصل الثاني، قارب رامزي الرويغي ورقة البربرية وأقِن عتها (ص 29 - 42)، وقد أشار الباحث إلى أن فتوحات القرن السابع الميلادي تميزت بعملية تكامل إداري ومالي في الغرب الإسلامي حتى القرن التاسع الميلادي، وإلى أن هذا التوحيد قد ظل مشروعًا غير مكتمل، إلى حد بعيد، باستثناء إفريقية، وعدد قليل من الجيوب الأخرى. إن الممالك التي تأسست في الغرب الإسلامي في نهاية القرن الثامن (الأغالبة والأدارسة مثلًا)، وكذلك تنصيب قوة أموية مستقلة بأيبيريا، تثبت كلّها أن الإمبراطورية العباسية لم يكن لها سلطة حقيقية على الغرب الإسلامي (ص. 31). وهذه الظروف السياسية في المنطقة ساهمت في التمثلات التي قدمها المؤلفون الشرقيون عن "الغرب الإسلامي" عمومًا، و"البربر" خصوصًا، مع العلم أنّ المصادر المحلية (نهاية القرن التاسع للميلاد) تحدد مصدر العديد من سوء الفهم بين المؤرخين الشرقيين حول البربر. استنتج الباحث أن بداية الأصل العربي لمجموعات معينة من البربر مقبول في نهاية القرن الثامن الميلادي (ص. 35). وإضافة إلى الجانب الأسطوري، أو المفتعل، في كتب الأنساب، تشير الأنساب الواردة فيها إلى عملية يتمّ في نهايتها دمج معرفة معينة عن الغرب الإسلامي في المعرفة الإمبراطورية المشرقية. وهكذا، جعل اليمنيون المستقرون في الغرب الإسلامي مكانةً لأنفسهم في قلب الذاكرة الجماعية المحلية (ص 39 - 40)، باستخدام شكل من أشكال المعرفة والغموض على نطاق واسع. وقد تساءل الباحث في خاتمة دراسته: ماذا قال علماء الأنساب في صنهاجة وكتامة عن هذه الشبكة من الأنساب؟ وكان الرد: في حالة انعدام مصدر، سيكون من المفيد ملاحظة مساهمة الخطاب حول "التشابه" بين العرب (خصوصًا السوريين واليمنيين) والأمازيغ في تجسيد فئتين من العرب والبربر في المشرق والغرب الإسلامي.

ثانيًا: المقاومات وخطاباتها المضادة

نجد ثلاث دراسات في الجزء الثاني من الكتاب. وقد تناولت سولينا شوني (ص 45 - 54) قضية مقاومة السكان "البربر" ضد الجيوش الإسلامية أثناء "غزو" شمال أفريقيا. ولهذه المنطقة مكانة خاصة في التأريخ العربي في العصور الوسطى. وعلى الرغم من تحول البربر على نحو سريع إلى الإسلام، وانخراطهم المبكر في مشروع غزو شبه الجزيرة الأيبيرية، ومشاركتهم اللاحقة في تطوير الحضارة "العربية" في الغرب، فإنّ ذكرى المعارك التي قادتها القبائل الكبيرة مثل مصمودة، أو الزعماء من أمثال كسيلة والكاهنة، جرى تضخيمها بين القرنين التاسع والرابع عشر الميلاديّين، وأحيانًا يجري اتخاذ بُعدٍ أسطوري في هذا الشأن (ص. 51). وفي وقت لاحق، خلال الحقبة الاستعمارية، غدا هذا العامل أدبًا تاريخًّيًا وفيرًا جًّدًا، بطريقة لا تخلو من الدوافع السياسية الخفية، لكنه عرف، على نحو جديد، امتدادات ملحوظة في الثقافة البربرية المعاصرة.

ثمّ تناول علاوة عمارة "تطور الخطاب حول البربر في المصادر السردية للغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى (ما بين القرنين التاسع والرابع عشر)" (ص 55 - 70)، فجاءت إشكالية هذا الفصل كما يلي: التركيز على الخطابات التي أصدرها المؤلفون الناطقون باللغة العربية حول سكان المنطقة المغاربية في وقت الفتح الأموي، وتقاليد ما قبل الإسلام التي تبناها هؤلاء المؤلفون، والتي جرى استغلالها في تصنيف البربر، مع طرح الأسئلة الآتية: من أي تاريخ تحدد هذه النصوص السكان على أنهم من السكان الأصليين وخاصة البربر؟ وما الصور والتمثيلات التي جرى إنشاؤها حول هؤلاء السكان؟ وما المعايير التي جرى استخدامها لتحديدها وتصنيفها؟ (ص. 55). استند الباحث في هذا الفصل إلى مصادر مختلفة، في إطار حسابات الفتوحات من كتب الأنساب، وقواميس السير الذاتية، والسجلات، والأوصاف الجغرافية، فأنجز قراءة نقدية لهذا التوثيق النصي، من أجل محاولة تحليل تطور خطاباته حول البربر بين القرنين التاسع والرابع عشر، وبيّن أن أصول الاستقرار في المنطقة المغاربية لطالما كانت موضوعًا للنقاش التأريخي، وأنّ مؤرخي ما قبل التاريخ يقبلون بفكرة الوجود البشري القديم جًّدًا، لكن المؤرخين الذين تناولوا الأساطير القديمة والعصور الوسطى في المنطقة، أثناء البحث عن أصول البربر، أظهروا صلة هذه المنطقة بالشرق الأدنى القديم. واستند الباحث لتبرير دراسته إلى نص إباضي أُِّلِف عندما بدأت الأراضي الإباضية تتجلى ثقافيّا بعد فترة اتسمت بالاضطرابات السياسية والعسكرية في المنطقة المغاربية (ص. 69). أمّا سيريل إيليت، فقد ركز في دراسته (ص 71 - 91) على نص ابن سلام، واعتبره من النصوص التي تقدّم أحاديث فريدة حول البربر بين المشرق وإباضية الغرب الإسلامي خلال القرن التاسع، واعتبر أنه من أبرز فتوح الإسلام في الغرب الإسلامي (ص. 72)، رغم كونه من الكتب المفقودة التي اكتشفها، عام 1964، سالم بن يعقوب الجربي التونسي. وقد قرأ الباحث هذا النص، ولم يبخل في تقديم تأويلات رأى أنها مناسبة لتدعيم طرحه في الموضوع، واعتبر أن تتبع مزايا البربر يكون من خلال الأحاديث النبوية التي تجعلهم حاملي الوحي حتى نهاية الكتاب. يحتل هذا النص، بحسب الباحث، مكانة استراتيجية لأنه يأتي ب "اللمسة الأخيرة" والضمانة "النبوية" لمشروع تبرير الثورات التي أدت إلى التحرير السياسي للغرب الإسلامي، لا سيما تحت رعاية "الدولة" الإباضية. وبحسب إيليت، فإن نص ابن سلام هو الطريق الأكثر أمانًا؛ إذ يصور منطقة الغرب الإسلامي بوصفها مساحة مقَّدَرًا لها أن تصبح مهد الإسلام الجديد، عندما يحل البربر "الشعب المختار"، محل العرب، بعد تجريدهم من دورهم المتمثل في أنهم "حملة للوحي"، ويستدل الباحث على ذلك بأنّ المرء يمكن أن يدرك بسهولة في هذا الكتاب صدى الخطاب المناهض لقريش، بوصفه ضمانًا لمشروع حقيقي لتفكيك أيديولوجية الإمبراطورية العباسية (ص 87 - 88). يتحدى هذا الكتاب أولًا أسبقية الشرق والحجاز ومركزيتهما، وهو ما أكدته الجغرافيا العباسية باستمرار. وتجد الفكرة المبتذلة لانحدار الإسلام تعبيرًا جديدًا في "الاستعارة النباتية" للشجرة التي تتلاشى جذورها وجذوعها في حين تزدهر أوراقها. وتعلن هذه الاستعارة عن انحطاط الشرق، وخصوبة تربة الدين، وحيوية بلاد الإسلام الجديدة؛ إذ سيأخذ شعب جديد من الأهالي "الشعلة" من العرب (ص. 89). تطور خطاب الشرعية ضد الشرق في سياق التحرر السياسي للغرب الإسلامي من دار الإسلام، منذ منتصف القرن الثامن الميلادي من خلال جهود أمويّي قرطبة لتقديم الأندلس بوصفها مركزًا جديدًا للعروبة في الإسلام بحسب تأويل الباحث. وقد أضاف إلى ذلك أن أمراء قرطبة لم يشككوا في أسس الخطاب المشحون بالمراجع الشرقية، في حين أزعج ابن سلام التسلسل الهرمي المعتاد للإسلام بإعلانه تفوق البربر على العرب الذين يشكلون أصل الإسلام، الذي امتد إلى الشعوب الأخرى من خلال الفتح، لكن ابن سلام يذكرنا باستمرار بأنهم تسببوا في انشقاق كبير في المنطقة.

يبدو أن غزو المجموعات القبلية من قبل الإباضية، قد استند، إلى حد بعيد، إلى تفاقم الانقسام بين نخب العرب الفاتحين، التي جاءت من الشرق، والسكان المحليين.

ثالثًا: اللغات والأنساب البربرية

عرّج القسم الثالث من الكتاب على قضية اللغات والجينيالوجية البربرية، وذلك من خلال مصطلحات قديمة وقراءات جديدة لثلاثة فصول. وفي فصل "كلمات قديمة، قراءات جديدة: التهجين الثقافي في المغارب في العصور الوسطى"، تشير هيلينا دي فيليب، على نحو توضيحي ل "التهجين الثقافي"، إلى فكرة أن مصطلح البربر، مأخوذ من العالم اليوناني - اللاتيني من جانب العرب. ويشير هذا، قبل كل شيء، إلى واقع لغوي واسع الانتشار؛ إذ وقفت الباحثة على قضية مهمة متعلقة بتنظيم المجتمع الأمازيغي، بيّنت من خلالها أن المصادر تكشف عن أنظمة مختلفة للسلطة في منطقة الغرب الإسلامي، لكنها بعيدة كل البعد عن التجانس في جميع أنحاء الإقليم. إن تعدد أنظمة السلطة والبنى الاجتماعية أمرٌ واضح، لكن ذلك لم يمنع المؤلفين العرب من احتواء هؤلاء السكان في نوع من البنية القبلية على غرار النظام الشرقي. وبهذا المعنى، فإن ندرة المصطلحات التي تشير إلى الإطار القبلي أمرٌ لافت للنظر في أقدم المصادر التي عالجت الموضوع، وفي المصادر الإباضية المنتجة في سياق أمازيغي أيضًا. وبحسب الباحثة، فإنّ مصطلحات "جالوت" Ǧālūt، و"أكليد" Agellid، والبتر، والبرانيس، تُعدّ كلّها موضوعًا لفرضيات ودراسات مختلفة، وتدعي مثل هذه الأعمال أنها تدرك معنى هذه المصطلحات، إضافة إلى دورها في تكوين مجتمع شمال أفريقيا. وقد مثلت طوال عقود خًّطًا مستمًّرًا من النقاش الأكاديمي (ص. 97). وتضمنت الأعمال التي تركز على هذه "الثنائية" الشهيرة للشعوب الأمازيغية تحليلات اشتقاقية وأنثروبولوجية ادعت أنها تستجيب لمسمّياتهم، وهي تفسر هذه المصطلحات بناءً على أنماط ملابسهم، والحجج ذات الطابع الديني. واستنتجت الباحثة أن لغة الأنساب تشكّل أداةً تأريخية شرقية حددت فَهْم المجتمع المغاربي حتى تاريخ قريب نسبًّيًا. تشهد النصوص المغاربية دورًا متزايدًا منحه إيّاها المؤلفون العرب، وهذا الوضع لا يمنع السلالات الحاكمة من البربر من ربط أصولهم بالعرب، بوصف ذلك وسيلة لترسيخ سلطتهم السياسية والدينية. هكذا، وفي حالة المرابطين، تُستخدم المصادر الشرقية على وجه الخصوص، وتُستمد منها الشرعية. أمّا محمد مواك، فقد شَّيَد فصل "العالم البربري في المصادر العربية المشرقية الوسيطية: أصل البربر و'الفكرة' الأفرو-آسيوية و'الرؤية' العربية الإسلامية" (ص 111 - 136)، على إشكالية مرتبطة بمفهوم لغوي. ومن المرجح أن تمرّ هذه الإشكالية بنقطة تحول لتصبح سؤ لًا تاريخًّيًا؛ أي معرفة إنْ كان من الممكن تحقيق تأريخ للمفهوم اللغوي "الأفرو-آسيوي" من أجل تحويله، إن أمكن، إلى موضوع تاريخي حقيقي (ص 114 - 115). لعل ما يميز مبحث مواك هو تسليطه الضوء على المواد التي تحدد، على نحو أفضل، مكانة البربر في الإنتاج الجغرافي للشرق في العصور الوسطى. وقد حاول تحديد الحقائق المتعلقة بالشرق كمهد محتمل للجماعات العرقية الأفرو-آسيوية، فخاض في المفاهيم المعقدة المرتبطة بهذه الجماعات؛ أي المفاهيم التي قامت على نحو أساسي بتحريك المناقشات اللغوية من دون حاجة إلى الاهتمام بالجوانب الجغرافية التاريخية. إن مفهوم القرابة اللغوية نسبي؛ فهو لغوي بطبيعته، ولا يتضمن أي شيء من حيث الأنثروبولوجيا (أصل السكان) أو الثقافة، ثمّ إنه دائمًا نسبي في الوقت المناسب، ويواجه عقبات كرونولوجية وأساليب المقارنة اللغوية.

يبدو أن العلاقات التي يمكن تأسيسها علمًّيًا لا تعود البتّة إلى ما بعد العصر الحجري. ومع ذلك، يجب التذكير، بحسب الباحث، بأن تاريخ البشرية والجماعات العرقية وعلم اللغات، لا يبدأ بالحجر المصقول والزراعة. ومن الضروري الإشارة إلى أن القرابة الأفرو-آسيوية للأمازيغ لا تعني بأي حال وجود أصل شرق أوسطي أو سامي أو شرق أفريقي. وصرح الباحث بأن تلك الطريقة هي التي يمكن بها اعتبار اللغة البربرية لغة "أصلية" لشمال أفريقيا، وأنه لا يوجد حالًّيًا أي أثر إيجابي لأصل خارجي، أو طبقة أخرى سابقة على الطبقة الأمازيغية (ص  129 - 131). شَّيَد الباحث مقاربته هذه، على علم اللغة التاريخي ليبرهن، بحسب قراءاته المتعددة، على أن الكتّاب العرب في الشرق الإسلامي كانوا قادرين على تطوير قصص تسلط الضوء على الزخارف التاريخية والأسطورية، وتتبع ولادة العالم الأمازيغي في سياقه الشرقي، أو الآسيوي، أو الأفريقي؛ ففحص هذه الزخارف وفقًا للنصوص المتاحة، على الرغم من طابعها المتحيز، وتساءل: هل من الممكن القول إنّ جزءًا كبيرًا من أفريقيا كان أمازيغًّيًا، إذا نظرنا إلى الحقائق التاريخية اللغوية التي جرى إبرازها عن أمازيغ الشمال وأمازيغ الساحل؟ أشار الباحث إلى أن الإجابة عن مثل هذا السؤال المعقد، والبعيد المدى، تنطوي على نقد متجدد ومنطقي للمسمّيات الأفرو-آسيوية، والمسمّيات السامية المطبقة على المجال الأمازيغي. وفي ضوء نتائج البحث الجديدة المذكورة آنفًا، يشير مصطلح "البربر"، قبل كل شيء، إلى واقع لغوي واسع الانتشار. وقد خصص مواك عدة فقرات من مساهمته في توجيهنا إلى المخططات التفسيرية الحديثة للوضع اللغوي الاجتماعي في شمال أفريقيا (ص. 135). ويضيف الباحث أنه جرى الاستشهاد بكثرة في النصوص العربية الشرقية، لكن من الضروري ألا تغيب عن بالنا حقيقة أن هذه الاقتباسات تشير أحيانًا إلى جماعة بربرية أخرى غير تلك الموجودة في أفريقيا. أما الاستنتاج المركزي لمبحثه، بوصفه جزءًا من الجواب عن السؤال المذكور آنفًا، وهذا برنامج آخر لبعثة أخرى في العالم الأمازيغي، فيجب أن يحاول هذا المشروع، بأي حال من الأحوال، إثبات أن البربر، على عكس ما يخبرنا به التاريخ العربي الإسلامي، كانوا بالفعل جزءًا من التاريخ الأفريقي. ومن خلال منظور آخر، أشار مهدي غويركات في دراسته الأخيرة "اللسان الغربي حيث لغة الموحدين" (ص 137 - 149)، عبر مدخل اللغويات، إلى أنه لم يكن للغرب الإسلامي سمعة طيبة في الشرق والأندلس، بعد معارضة شديدة ل "الغزاة" العرب، وإلى أنّ الأمر انتهى بالسكان الأصليين إلى رفض هذا "الاحتلال". وفي الواقع، سارت الأسلمة جنبًا إلى جنب مع هذا الاستقلال السياسي، فقد حدثت، باستثناء إفريقية، في إطار هيمنت فيه مختلف أشكال الإسلام: الخوارج، والشيعة، والأشكال البربرية المختلفة للإسلام (بورغواطة... إلخ) (ص. 138). بين الباحث أن الخطب التي ألقيت ب "اللغة الغربية" (ثنائية اللغة العربيةُ - البربرية) كانت تحظى بالأسبقية على الخطب التي ألقيت باللغة العربية، بما في ذلك في قصر الموحدين في إشبيلية أثناء الاستقبالات الرسمية.ُ وقد اقترح الباحث لفهم ثنائية اللغة العربية - البربرية إشارات مصدرية وتأويلية على عدة مستويات؛ منها إشارة الإدريسي عندما لاحظ وجود قبائل أمازيغية تعرف اللغة العربية حول فاس، وهو عنصر لافت للنظر على نحو كافٍ، في رأيه؛ ما يؤكد أن النظام كان قائمًا على التعايش المقيد، إلى حد ما، بين عبد المؤمن بن علي ونسله وشيوخ الموحدين، في المناطق التي يسود فيها نموذج اجتماعي معتدل نسبًّيًا، وحيث يتحدث الغالبية العظمى من السكان لغة واحدة فقط هي اللغات البربرية.

رابعًا: قضايا الكتاب

تتلخص أهم نقاط هذا الكتاب في القضايا التالية: القضية الأولى: على مدى السنوات الماضية، شهدنا في فرنسا إحياءً للبحوث التاريخية المتعلقة بالمجال المغاربي في العصور الوسطى2. ومن الضروري أيضًا التأكيد على أهمية التأريخ الإسباني النشط في الأندلس والمغارب في العصور الوسطى مع أعمال العديد من المؤرخين؛ ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، مرسيدس غارسيا أرينال. أما على المستوى المغاربي – إضافةً إلى المصادر الوسيطية المهتمة بتاريخ البربر بالغرب الإسلامي (مثل كتاب بدء الإسلام وشرائع الدينلابن سلام الإباضي، ومفاخر البربر لمؤلف مغربي مجهول، و كتاب الأنساب لصالح بن عبد الحليم الإيلاني (القرن 8 ه/ 14 م) – فإنّ الدراسات المعاصرة المتعلقة بتاريخ البربر في المغارب حققت تراكمًا في تونس3، على الرغم من أن موضوع الأمازيغ مُبعد في تحاليلها. وأما في الجزائر والمغرب، فإنّ مبحث الأمازيغية حاضر بقوة في العديد من الكتابات4. القضية الثانية: تعتبر دراسة التاريخ المغاربي منذ بداياته الأولى عملية إستوغرافية معقدة، خاصة مع الفترة الأولى للوجود العربي5؛ فالوجود العربي في المجال المغاربي شكّل تغييرًا كبيرًا في تاريخ سكان هذه المناطق، لكن ثمة قضية أساسية، تتمثل في أنّ المصادر المغاربية التي جرى إنتاجها خلال هذا الوقت عديدة، لكنها اختفت جميعها تقريبًا، ثم إن المصادر التي تتحدث عن الفترة نفسها هي عبارة عن شهادات غالبًا ما تكون من أصل خارجي (مشرقي وأندلسي)؛ لذا علينا تحديد آثار تطور مجتمعات المغارب في العصور الوسطى، وينبغي للمؤرخين المعاصرين معالجة المصادر التاريخية أو المصادر التي لها صلة بالتاريخ الوسيط. فإذا كان ثمة تشابه بين الإستوغرافيا المغاربية في بداية العصور الوسطى ونظيرتها المشرقية، فإنه ثمة في فترة لاحقة تغيير في هذا التأليف، أصبحت بنيته تختلف في العديد من الخصائص عن بنية نظيره في المشرق (كتب التراجم نموذجًا)، بل إن بعض الأجناس والأنواع المصدرية المغربية حققت قطيعة في هذا الصدد مع مثيلتها المشرقية6. القضية الثالثة: الباحثون المشاركون في المؤلف حاولوا البحث عن مناطق البربر الرئيسة، عبر سلسلة من الدراسات التاريخية؛ إذ لاحظنا العديد من المقالات تتبادل الاتهامات حول أصل البربر، بين القراءة التي ترجعهم إلى المجال المشرقي، أو المجال القبطي، والمجال الأوروبي، عبر مقاربة التناهج التي برعت فيها مدرسة الآنال الفرنسية. لا شك في أن هذه الاتهامات كان لها دوافع متعددة، وهذا موضوع تناوله العديد من الباحثين.

  1. Dominique Valérian (dir.),  Islamisation et arabisation de l'Occident musulman médiéval (VIIe-XIIe siècle) (Paris: Éditions de la Sorbonne, 2011).
  2. هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي (بيروت: دار الطليعة، 1984)؛ هشام جعيط، الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية (بيروت: دار الطليعة، 1986)؛ هشام جعيط، الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر (بيروت: دار الطليعة، 1992)؛ هشام جعيط، تأسيس الغرب الإسلامي (بيروت: دار الطليعة، 2004).
  3. إضافة إلى منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حول الموضوع، نذكر على سبيل المثال لا الحصر دراسات من قبيل: إبراهيم القادري بوتشيش، مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين (بيروت: دار الطليعة، 1998)؛ محمد حقي، البربر في الأندلس (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2001)؛ عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009)؛ عبد القادر بوباية، البربر في الأندلس وموقفهم من فتنة القرن الخامس الهجري (بيروت: دار الكتب العلمية، 2011)؛ محمد القبلي (إشراف)، تاريخ المغرب: تحيين وتركيب (الرباط: مطبعة عكاظ الجديدة؛ المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011)؛ مولاي التقي العلوي، أصول المغاربة، علال ركوك وحفيظة الهاني (إعداد وإخراج) (الرباط: منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، 2016)؛ المجتمع والحكم والدين بالمغرب في نهاية العصر الوسيط، تحرير وتعريب محمد القبلي، تقديم كلود كاهين (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة؛ المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2017).
  4. القبلي (إشراف)، ص 145.
  5. من النماذج، على سبيل المثال لا الحصر، ينظر: أبو الوليد محمد بن رشد، كتاب الكليات (العرائش: منشورات معهد الجنرال فرانكو للدراسات والأبحاث العربية الإسبانية، 1939.)

القضية الرابعة: يبين الكتاب أن البربر خضعوا لدراسات عديدة، في إطار سياسة تعارضهم مع العرب (المدرسة الكولونيالية)، التي أصرّت على ارتباطهم بالأوروبيين. لقد أضاف الكتاب أنه ما دام يجري استنكارٌ لهذا الخطاب، في سياق نقد ما بعد الاستعمار، رغم أن هذا التأريخ لا يخلو من الغموض والتردد بشأن مكانة البربر في تاريخ المغارب، فإنّ المشكلة تبرز في بعض الأحيان مع ادعاءات الهوية المتناقضة، التي هي أساس الخطاب التاريخي في العصور الوسطى، والتي أظهرها بوضوح اختيار عبد الله العروي الذي قال: "إنّ عدم وجود أي شيء" يكون أفضل لربط المنطقة بقطب شرقي7.

خاتمة

يُعدّ كتاب البربر بين المغرب والمشرق درسًا أكاديمًّيًا ومعرفًّيًا، وهو بمنزلة مراجعة نقدية للمؤلفات القروسطية المشرقية والمغاربية والأندلسية، والكولونيالية والأنثروبولوجية، والدراسات الراهنية، المتعلقة بتاريخ البربر وأصلهم، وعلاقتهم بالشرق. وهذا الكتاب سريع الإيقاع، ومليء بالمعلومات التاريخية الجادة التي يسعى الباحث في شؤون الماضي للحصول عليها، وهي ذات طابع جريء، ولها العديد من الميزات التأويلية، ويمكن اعتبار ما ورد فيه من دراسات مشاريع بحثيّة مهمة تحتاج إلى الدراسة والتمحيص.

  1. العروي، مجمل تاريخ المغرب، ص 44 - 46.

المراجع

العربية

ابن رشد، أبو الوليد محمد. كتاب الكليات. العرائش: منشورات معهد الجنرال فرانكو للدراسات والأبحاث العربية الإسبانية، 1939. بوباية، عبد القادر. البربر في الأندلس وموقفهم من فتنة القرن الخامس الهجري. بيروت: دار الكتب العلمية، 2011.

بوتشيش، إبراهيم القادري. مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين. بيروت: دار الطليعة، 1998. جعيط، هشام، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. بيروت: دار الطليعة، 1984.

________. الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية. بيروت: دار الطليعة، 1986.

________. الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر. بيروت: دار الطليعة، 1992.

________. تأسيس الغرب الإسلامي. بيروت: دار الطليعة، 2004.

حقي، محمد. البربر في الأندلس. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2001.

العروي، عبد الله، مجمل تاريخ المغرب. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009.

العلوي، مولاي التقي. أصول المغاربة. علال ركوك وحفيظة الهاني (إعداد وإخراج). الرباط: منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، 2016.

القبلي، محمد (إشراف). تاريخ المغرب: تحيين وتركيب. الرباط: مطبعة عكاظ الجديدة؛ المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، المجتمع والحكم والدين بالمغرب في نهاية العصر الوسيط. تحرير وتعريب محمد القبلي. تقديم كلود كاهين. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة؛ المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2017.

الأجنبية

Valérian, Dominique (dir.).  Islamisation et arabisation de l'Occident musulman médiéval (VIIe-XIIe siècle). Paris:

Éditions de la Sorbonne, 2011.