الجذور التاريخية لبلاد المغرب: جدلية السلطة والمجتمع والمجال (خلال القرنين الأول والثاني الهجري/ السابع والثامن الميلادي)
Book review The Historical Roots of the Maghreb, The Dialectic of Power, Society, and Sphere
الملخّص
المؤلف: محمد حسن. عنوان الكتاب: الجذور التاريخية لبلاد المغرب جدلية السلطة والمجتمع والمجال (خلال القرنين الأول والثاني الهجري/ السابع والثامن الميلادي). مكان النشر والناشر: تونس: مجمع الأطرش للنشر والكتاب. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 549 صفحة.
Abstract
Author: Mohamed Hassan. Book Title: The Historical Roots of the Maghreb: The Dialectic of Power, Society, and Space (During the First and Second Hijri Centuries / Seventh and Eighth Gregorian Centuries). Place of Publication and Publisher: Tunisia: Al-Atrash Publishing and Book Complex. Year of Publication: 2022. Number of Pages: 549 pages.
- جدلية الدولة والمجتمع
- القرن الأول والثاني الهجري
- بلاد المغارب
- الهجرة
- The dialectic of state and society
- The 1st and 2nd Hijri centuries
- The Maghreb region
- Migration
| حسن حافظي علوي*Hassan Hafidi Alaoui | | |
| مراجعة كتاب الجذور التاريخية لبلاد المغرب: جدلية السلطة والمجتمع والمجال (خلال القرنين الأول والثاني الهجري/ السابع والثامن الميلادي) Book Review The Historical Roots of the Maghreb, The Dialectic of Power, Society, and Sphere (During the First and Second H/ Seventh and Eighth Centuries AD) | |
| المؤلف: محمد حسن. عنوان الكتاب: الجذور التاريخية لبلاد المغرب: جدلية السلطة والمجتمع والمجال (خلال القرنين الأول والثاني الهجري/ السابع والثامن الميلادي). مكان النشر والناشر: تونس: مجمع الأطرش للنشر والكتاب. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 549 صفحة. | |
مقدمة
يقع هذا الكتاب في 549 صفحة، ويحتوي على 23 خريطة تمثل حدود إفريقية وأقاليمها وكُوَرها، والحملات العسكرية، ومواطن القبائل العربية والأمازيغية، وشبكات الطرق التجارية. ويشتمل على ست صور لمعالم أثرية ومسكوكات نقدية، وستة مقاطع لتصاميم أثرية، وعشرين جدولًا لبيان الاختلافات بين الروايات المصدرية، وأسماء المدن والقبائل، ومعاهدات الصلح، وتواريخ الحملات العسكرية، وأسماء التابعين والدعاة الذين دخلوا إفريقية في القرن الأول للهجرة/ السابع للميلاد.
أوالًا: نقد المصادر
أكب محمد حسن على دراسة القرنين الأول والثاني للهجرة/ السابع والثامن للميلاد، لأنهما يمثلان مرحلة مفصلية من تاريخ بدايات الإسلام بالمغرب، ولم يحظيا بكثير من العناية من جانب المؤرخين والأثريّين على السواء، إذ اقتصر ما أنجز حولهما من دراسات على أعمال قليلة لبعض المستشرقين1 والدارسين العرب2. وقد علل الكثيرون قلة هذه الدراسات بقلة المصادر، وغلبة الطابع الأسطوري على بعض الروايات المرتبطة بالفتوحات وتناقضها، مما حدا بروبار برانشفيك إلى التشكيك في صدقية ما رواه ابن عبد الحكم (ت. 257 ه/ 871 م) حول فتوح مصر والمغرب عن طريق الإسناد3. ولتجاوز هذا النقص البيّن في المعلومات، عمد المؤِّلِف إلى تنويع رصيده الوثائقي، فأحاط بمختلف المصادر المشرقية والمغربية التي اهتمت بأخبار إفريقية في الفترة المعنية بالدراسة وبعدها، إضافةً إلى بعض المصادر الأجنبية. أما المصادر المشرقية فتتصدرها الروايات المدينية التي تتميز بعدم انحيازها للأمويين، والروايات العراقية التي يميل أغلبها إلى العباسيين (ص 11 - 12)، والرواية المصرية ممثلة في ابن عبد الحكم4، الذي يعتبر كتابه أهم مصدر حول فتح إفريقية والمغرب. وأما الروايات الإفريقية والمغربية الأندلسية، فضاعت أصولها، مع الأسف، ولم يصلنا من كتب الرقيق القيرواني سوى النزر القليل، ومن كتابات ابن شداد ومحمد بن يوسف الوراق سوى نتف نقلها مؤرخو القرن 3 ه/ 9 م و 4 ه/ 10 م و 5 ه/ 11 م، ثم أخذها عنهم من أتى بعدهم من المؤرخين (ص 15 - 19).
وإلى جانب هذه المصادر التاريخية اعتمد المؤِّلِف على كتب الجغرافيا والأنساب وكتب الطبقات والتراجم، وعلى بعض المصادر غير العربية مثل الحروب القوطية لبروكوبوس القيصري Césarée de Procope5، وتاريخ مصر للقبطي يوحنا النقيوسي Nikiou de Jean6، وأخبار تيوفان البيزنطي Byzance de Théophane، إضافةً إلى كٍّمٍ هائل من الدراسات الحديثة المكتوبة باللغتين الفرنسية والإنكليزية على وجه الخصوص (ص 20 - 34). واستفاد في كتابه هذا من بعض مؤلفاته السابقة مثل كتابه القبائل والأرياف المغربية في العصر الوسيط7، والجغرافية التاريخية لإفريقية في العصر الوسيط8، ومن مقالاته المهمة ما كتبه حول بعض القبائل الأمازيغية9. والظاهر أنّ الباعث على توقفه في القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد هو استئثار الفترة التي تلتها مباشرة باهتمام باحث حصيف هو محمد الطالبي في دراسته حول الأغالبة10.
ثانيًا: مسارات خضوع بلاد المغرب للمسلمين
شدد المؤِّلِف على طول أمد الفتح ببلاد المغرب مقارنة بغيرها من المناطق، وعلى القصور الذي يعتري الدراسات العسكرية بما في ذلك أنواع الأس حلة الخفيفة والثقيلة، والمطايا، وتركيبة الجيش وتراتبية قيادته العسكرية، والحصون والمسالح، والخطط الحربية، وآداب الحرب وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. وتناول بالدراسة جملة من المفاهيم المرتبطة بالعمليات العسكرية مثل الغزو والجهاد والفيء والغنيمة، ولم يستعمل لفظ الفتح إلا في النادر، واستعاض عنه بالغزو المستخدم في المصادر، وبغيره من الألفاظ التي تؤدي المعنى نفسه مثل شنّ الغارة والحملة والسيطرة وغيرها. وفي تتبّع مسارات الفتح بالمناطق الواقعة إلى الشرق من إفريقية، توقّف في مرحلة أولى عند تفادي عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبي سرح التوغل في الدواخل، وتركيزهما على السواحل في المجال الممتد من برقة إلى طرابلس في الفترة 21 ه/ 642 م- 27 ه/ 647 م؛ وعند الدور الذي اضطلع به عقبة بن نافع وحسان بن النعمان في فتوح إفريقية والمغرب من سنة 62 ه/ 681 م إلى سنة 85 ه/ 704 م، وما تميزت به ولاية موسى بن نصير (85 - 95 ه/ 704 - 712 م) من حرص على الزيادة في الغنائم، ثم أجرى إحصاء دقيقًا لأعداد الجند الذين دخلوا بلاد المغرب من فتح إفريقية سنة 27 ه/ 747 م على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، إلى حين توقف عمليات الفتح بها في ولاية يزيد بن حاتم سنة 154 ه/ 771 م (ص 153 - 184، 261 - 263). ومن القضايا المهمة التي أجاد فيها ت لحيلًا وتركيبًا في هذا المبحث، تفسيره الدور المحوري الذي أسندته الرواية العباسية إلى عبد الله بن الزبير، عدوّ الأمويين، في معركة سبيطلة سنة 27 ه/ 747 م (ص 46 - 48)، وتركيزه على دور الحملات البحرية في عمليات الفتح بعد انتصار الأسطول الإسلامي على الأسطول البيزنطي في معركة ذات الصواري سنة 35 ه/ 655 م، وحضوره الوازن في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط انطلاقًا من جزيرة جربة وسوسة وتونس، على نحو سهّل مأمورية فتح الأندلس في وقت لاحق. ومن ذلك أيضًا، ت لحيله العوامل التي أسهمت في نجاح الصفرية والإباضية بالمغرب، وتفنيده تفسير هذا النجاح بالصراع بين العرب والبربر،
أو بين المستقرين من البرانس والرحل من البتر؛ ورصده مختلف انتفاضات الصفرية في المغربَين الأقصى والأوسط، وما نجم عنها من إمارات في تلمسان وسجلماسة سنة 140 ه/ 757 م، وانتفاضات الإباضية بالمغرب الأدنى في الفترة 126 ه/ 744 م- 170 ه/ 786 م، ودورها في التضييق على ولاة القيروان، وتراجع هذه الانتفاضات بعد قيام إمارة الرستميين بتيهرت في المغرب الأوسط سنة 160 ه/ 777 م (ص 46 - 61، 121، 190 - 192، 293 - 299، 308 - 333).
ثالثًا: مميزات بدايات الإسلام في المغرب
سلّط المؤِّلِف في كتابه هذا مزيدًا من الضوء على عدد كبير من القضايا المتعلقة بفترة الانتقال من العهد البيزنطي إلى العهد الإسلامي، وتقدّم بالبحث فيها خطوات مهمة، ومن ذلك تتبّعه التغيير الذي عرفته تسمية بلاد المغرب من أفريقيا عند الرومان والبيزنطيين إلى إفريقية والمغرب عند المسلمين، وأسماء ساكنتها من الليبيين Libyque والمريسيين Maurinssi عند الإغريق، إلى الموريين Mauri عند الرومان، وسراسينوس Sarracinus عند بطليموس في القرن الثاني للميلاد، والبربر في العصر الإسلامي، وهي صيغة معرّبة للكلمة الإغريقية Barbarus أو اللاتينية Barbar أو بافار Bavares حسب اختلاف الروايات (ص 9 - 34، 39، 55، 110). ومن الناحية الإدارية، حافظ العرب على التقسيمات الإدارية البيزنطية، وميزوا داخلها بين عدة مقاطعات إدارية وكُوَر جبائية وأقاليم عرفية مثل المغرب الأدنى والأوسط والأقصى، وأبقوا على أسمائها القديمة، ماعدا نوميديا التي صارت تسمى الزاب. وهكذا صارت قورينائية Cyrenaica تسمى برقة وتريبولي Tripoli طرابلس، وتوسطت القيروان مقاطعة البيزانسان Byzacène، وعوضت ولاية تونس البروقنصلية Proconsulaire، وتلمسان موريطانيا القيصرية Césarienne Mauritanie، وطنجة موريطانيا الطنجية
Tingitane Maurétanie (ص 46، 437 - 438).
ومن الناحية الاجتماعية، أسهمت معارك الفتح في تغيير الخريطة البشرية في إفريقية والمغرب لما رافقها من تهجير قسري، وتنقّل القبائل. وتشكّل نسيج المجتمع من عدة عناصر وهي الروم والأفارق والمولدون واليهود والسودان والبربر. أما الروم، وهم سلالة الجند والموظفون البيزنطيون، فاستقر من لم يغادر البلاد منهم في واحات بلاد الزاب وقصطيلية ونفزاوة، وبقيت كنائسهم معلومة ببلاد الجريد حتى القرن 8 ه/ 14 م. وأما الأفارق أو الأفارقة، فاختلف المؤرخون في أصلهم بين قائل إنهم من القرطاجيين، أو البيزنطيين، أو السكان الم لحيين الذين تنصّروا وتأثروا بالثقافة اللاتينية. وقد حافظ بعضهم على ديانته النصرانية لقاء دفع الخراج، وانصهر البعض الآخر بسرعة في المجتمع الأفريقي، واضطلعوا بدورٍ مهم في ثورة ميسرة المطغري بالمغرب الأقصى، وكانت لهم لغة خاصة سمّاها الشريف الإدريسي اللسان اللاتيني-الأفريقي، وظلت بقاياهم بقفصة حتى القرن 6 ه/ 12 م (ص 59 - 62). وشكّل المولدون الذين استولدهم العرب من الأعجميات فئة لها مميزاتها الخاصة بالمجتمع الأفريقي، ودخلوا في صراع مع العرب أحيانًا، وتطلّب انصهارهم مع باقي الفئات وقتًا طويلًا، حيث استمر ذكرهم في المصادر حتى القرن 4 ه/ 10 م. وقد أجاد المؤِّلِف في تناوله موضوع اليهود بالمجتمع الأفريقي، حين شدد على الغموض الذي يكتنف جذورهم التاريخية، ونبّه إلى أنّ ابن خلدون لم يحسم في مسألة اعتناق بعض القبائل البربرية لليهودية مثل جراوة وفندلاوة ومديونة ونفوسة وبهلولة وبني فازاز، بل صدّر لهذا الخبر بعبارة "ربما"، ما يعني أنه لم يكن متيقنًا منه. يضاف إلى هذا أنّ اليهود اقتصروا على سكنى الحواضر والمراكز التجارية الكبرى، ولم يثبت من الناحية التاريخية أنّ قبيلة بدوية اعتنقت هذه الديانة باستثناء قبيلة قمنورية التي ذكر الشريف
الإدريسي أنّ أهلها كانوا "فيما يذكره التجار يدعون أنهم يهود وفي معتقدهم تشويش"11. أما انتساب الكاهنة إلى اليهودية، فنفاه المؤِّلِف لعدم وجود دليل، إذ إن لقبها يرتبط بالثقافة البربرية القديمة ولا علاقة له بهذه الديانة. وخلص إلى أن اليهود اشتغلوا في الحواضر بالتجارة والصباغة والصياغة والطب، ومنهم من كان يطوف بالسلع في البوادي، وعاشوا في وئام مع المسلمين في أغلب الفترات، وتعرّضوا لبعض المضايقات أحيانًا قليلة. أما السودان فازداد عددهم بعد الازدهار الذي عرفته التجارة الصحراوية إثر دخول الإسلام مناطق الشمال الأفريقي، وشاركوا بأعداد كبيرة في ثورة الخوارج الصفرية بسجلماسة، حتى كان أول أمراء هذه الإمارة منهم، ويسمى عيسى بن يزيد الأسود، واستعان بهم زيادة بن الأغلب في قمع ثورة الجند سنة 209 ه/ 825 م، ووظفوا في الجيش (ص 64 - 66). وفي تناول التغيرات التي طرأت على البنية القبلية ببلاد المغرب بعد مجيء الإسلام، قدّم المؤِّلِف تفسيرًا جيدًا لنشأة ثنائية البتر والبرانس، حيث استعرض مختلف النظريات المتعلقة بأصلها المغربي أو الأندلسي، وربطها بتمييز هيرودوت بين القبائل البدوية التي كانت تسكن المنطقة الواقعة بين الصحراء الليبية شرقًا وبحيرة تريتونيس Triton Lac في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية، وبين القبائل المستقرة التي كانت تمارس الزراعة في المناطق الجبلية غرب هذه البحيرة. ويتناسب هذا التقسيم، إلى حد بعيد، مع ما جاء في المصادر العربية في القرن 3 ه/ 9 م، التي أطلقت اسم البتر على القبائل التي تقطن مناطق الجنوب الشرقي لإفريقية، واسم البرانس على القبائل الجبلية التي تقطن غربها. وخلص إلى أن ثنائية البتر والبرانس قد تبلورت في المغرب في القرن 4 ه/ 10 م، قبل أن تنتقل إلى الأندلس بالتزامن مع احتدام الصراع الفاطمي - الأموي، وأنها ارتبطت في الأندلس بالفتنة البربرية، وبالصراع بين القيسية واليمنية. ويُحسب له في هذا الصدد أنّه أعدّ جدولًا مفيدًا للغاية، بَّيَن فيه أسماء القبائل في العصر القديم وما آلت إليه بعد الفتح الإسلامي (ص 80 - 97). ولاحظ، من جهة أخرى، أنّ مواطن البتر امتدت من برقة وفزان شرقًا إلى نهر ملوية وسجلماسة ودرعة غربًا، وهو نفس المجال تقريبًا الذي كانت تقطنه قبائل الموريين Mauri والجيطال Gaetulli في العهد الروماني. أمّا أشهر قبائل اتحادية البتر، فهي لواتة التي اعتنقت الإسلام في وقت مبكر، ثم ما لبثت أن تركت مكانها في القيادة لزناتة التي تصدّت للفاتحين بزعامة الكاهنة، وتولى أحد زعمائها، وهو خالد بن حميد الزناتي، قيادة ثورة الخوارج الصفرية سنة 123 ه/ 741 م بعد مهلك ميسرة المطغري، وأسست إحدى بطونها، وهي مكناسة، إمارة الخوارج الصفرية بسجلماسة سنة 140 ه/ 757 م. وقد انتشرت قبائل زناتة بمجموع بلاد المغرب، واختلطت بغيرها من القبائل، وصارت لغتها بمنزلة تجمع صوتي ودلالي بين عدد من اللهجات، واقترنت تسمية البتر باسمها في القرن 4 ه/ 10 م. ومن ثمّ، فهي لا تشكّل من وجهة نظر المؤِّلِف عرقًا سلاليًا واحدًا، بل اتحادية قبلية للبدو الرعاة، وصفة للمغربي الذي يعيش في البادية (ص 98 - 105.) أما البرانس فمن أشهر قبائلهم أوربة وصنهاجة ومصمودة. وكانت مواطن أوربة إبان الفتح الإسلامي بجبال أوراس وبلاد الزاب، ثم انتقلت بعد مقتل كسيلة سنة 69 ه/ 688 م إلى وادي سبو، وكوّنت حلفًا من قبائل الأطلس المتوسط والريف، وعلى أكتافها قامت دولة الأدارسة سنة 171 ه/ 787 م. وقد ميّز النسّابون في صنهاجة بين نوعين: بدو رحّل يذرعون صحراء المغرب الأقصى، ومستقرون يف حلون الأرض بجبال المغرب الأوسط، وورد ذكرهم أول مرة في معرض الحديث عن غزوات حسان بن النعمان على المغرب الأوسط سنة 82 ه/ 791 م، إلا أنهم لم يضطلعوا بأي دور يذكر سواء في مقاومة الفتح أو في انتفاضات الصفرية والإباضية.
ويرجع الفضل في قيام كل من دولة الزيريين والحماديين والمرابطين إلى تحالف بطونهم. ومن أشهر بطونهم كتامة، وهي أوكوتامي Ucutamii / Ucutumani في العهود القديمة، التي كانت تقطن مناطق سطيف وقسنطينة وميلة وأيكجان وتازروت بالمغرب الأوسط، وما بين سبتة وطنجة وناحية الحسيمة بالمغرب الأقصى، وجرت الإشارة إليها أول مرة في ولاية موسى بن نصير، إلا أنها لم تتبوأ مكانتها التاريخية المعروفة إلا بعد أن تبنّت الدعوة الشيعية مع الفاطميين. أما القبيلة الثالثة من البرانس، وهي مصمودة، فتنقسم إلى ثلاث مجموعات: مصمودة الشمال، ومن أشهر بطونها غمارة، وتقطن المنطقة الممتدة بين البحر المتوسط ونهر سبو ووادي ورغة؛ ومصمودة الوسط، وأشهر بطونها برغواطة التي كانت مواطنها بين وادي سبو وأم الربيع؛ ومصمودة الجنوب، وهم المصامدة الخلص الذين أقاموا دولة الموحدين في القرن 6 ه/ 12 م، ومواطنهم إلى الجنوب من وادي أم الربيع إلى الحد الجنوبي للأطلس الصغير. وقد ذكر المصامدة في حملة عقبة بن نافع سنة 62 ه/ 682 م، وفي حصار موسى بن نصير لسبتة، وفي ثورة ميسرة المطغري سنة 122 ه/ 740 م، والظاهر أن الذين برزوا منهم في زمن الفتح هم مصمودة الشمال والوسط، أي غمارة وبرغواطة (ص 105 - 110). أما فيما يتعلق بمراحل توطين القبائل العربية بإفريقية فقسّمها المؤِّلِف إلى ثلاثة أطوار: الطور الأول (50 - 74 ه/ 670 - 693 م): وقَدِمت خلاله عشرة آلاف من القبائل اليمنية والمضرية وجند مصر لتعمير القيروان، إضافةً إلى 6000 جندي جاؤوا مع زهير بن قيس البلوي، وعدد آخر غير معروف التحق بإفريقية في إطار الإمدادات العسكرية. وعرف الطور الثاني (74 - 124 ه/ 693 - 742 م) مجيء جند الشام عبر دفعات أهمها المجموعة التي قدمت في ولاية حسان بن النعمان، وبلغ عددها 40 ألف جندي، وتلك التي قدمت في ولاية موسى بن نصير، إضافة إلى 12 ألف جندي جاؤوا مع كلثوم بن عياض القشيري في سنة 123 ه/ 740 م. أما الطور الثالث والأخير (124 - 155 ه/ 742 - 771 م)، فجاء فيه ما بين 40 ألف و 60 ألف من الجند الخراسانيين مع محمد بن الأشعث الخزاعي سنة 144 ه/ 762 م، و 60 ألف مع يزيد بن حاتم سنة 155 ه/ 771 م (ص 356 - 357.) وقد فسر المؤِّلِف هجرة العرب من الجزيرة العربية نحو بلاد المغرب بعدة عوامل منها البحث عن مصادر الرزق، والحاجة إلى تعمير الأمصار، والمرابطة بالمناطق الثغرية، وإرسال الإمدادات العسكرية والبعوث الرسمية، وتجمير12 الجند، ونشر الدعوة، أو الفرار من الاضطهاد المذهبي (ص. 353). وخلص إلى أن عملية الاستيطان تطورت تدريجيًا خلال النصف الثاني من القرن الأول للهجرة/ السابع للميلاد، إلا أن أعداد العرب ظلت محدودة مع ذلك، وهو ما يفسره إشراك البربر في عمليات الفتح منذ ولايتَي عقبة بن نافع وحسان بن النعمان على وجه الخصوص. والنتيجة أن استوطنت القبائل اليمنية ببرقة، والسهميون والحضرميون بودان، وأهل الكوفة والبصرة وخراسان بزويلة وسط صحراء فزان، بينما ضمّت القيروان سائر بطون العرب من مضر وربيعة وقحطان. وسكنت جاليات من البصرة والكوفة بتيهرت في المغرب الأوسط. أما في المغرب الأقصى، فأسكن موسى بن نصير أعدادًا كبيرة من قبيلة لخم بمدينة طنجة. وبعد تأسيس إدريس الثاني لفاس سنة 172 ه/ 788 م، أسكنها قبائل عربية من قيس وأزد ويحصب ومذحج وصدف وخولان ممّن قدموا عليه من القيروان، ثم انضمت إليهم ثلاثمئة عائلة أندلسية ممّن طردهم الحكم بن هشام سنة 202 ه/ 818 م (ص 355، 389). وعلى الرغم من أن العناصر العربية اندمجت سريعًا في المجتمع المغربي عن طريق ظاهرة الولاء واستولاد المولدين، فإنّ تمصير الأمصار لم يفض بالضرورة إلى انتقالٍ سلس من بنية قبلية إلى أخرى حضرية، إذ ظلت العشائر العربية متشبثة بأصولها القبلية، وظل الانتماء في العهد الأموي يقوم على الانتساب للعدنانية والقحطانية، أو على أساس التحدر من جند مصر وجند إفريقية وجند الشام، أو على أساس التفريق بين العرب والموالي، ثم صار يقوم في العهد العباسي على التمييز بين هذه المجموعات جميعها وبين الجند
الخراساني؛ وتعززت مكانة الأسر المتنفذة من القرشيين والمهالبة، على نحو غير مسبوق، وبدأ عامة العرب في الاندماج في المجتمع الإفريقي (ص 370 - 371، 389، 391 - 392).
رابعًا: المؤسسات الإدارية والعسكرية والمالية بإفريقية
أولى المؤِّلِف استقلال إفريقية عن مصر من الناحية الإدارية عناية كبيرة، واعتبر ولاية موسى بن نصير منعرجًا مهمًا في هذه العملية التي مرّت بثلاثة أطوار: طور التبعية في الفترة 21 ه/ 642 م- 45 ه/ 666 م، في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومعاوية بن حديج؛ وطور الاستقلال الهشّ في الفترة 45 ه/ 666 م- 62 ه/ 681 م في الولاية الأولى لعقبة بن نافع وولاية أبي المهاجر دينار. وأخيرًا طور الانفصال في الفترة 62 ه/ 681 م- 86 ه/ 705 م في الولاية الثانية لعقبة بن نافع وولايتَي حسان بن النعمان وموسى بن نصير الذي ارتبطت في عهده ولاية إفريقية بدمشق ارتباطًا مباشرًا سنة 86 ه/ 705 م (ص 427 - 429). وقد بَّيَن المؤِّلِف كيفية استفادة النظم الإسلامية من مثيلتها البيزنطية، قبل أن تكتسب طابعها الإسلامي والجهوي. وتتبع صلاحيات والي إفريقية الذي كان يدير مج لًا شاسعًا يشمل المغرب والأندلس إلى حين قيام الدولة الأموية سنة 138 ه/ 755 م، ويجمع بين ولاية الحرب وولاية الخراج، خلافًا لما جرى به العمل في مصر من الفصل بين هاتين الولايتين، ويشرف على مختلف الدواوين، ويتولى ضرب النقود، وتعيين قاضي إفريقية. وخلص إلى أن الولاة الأمويين كانوا على العموم أقل استقلالية من نظرائهم العباسيين. أما العامل، فغالبًا ما كان يجري اختياره من المحيط القبلي للوالي، وارتبط ذكره أحيانًا بالكورة، وكان يتولى جباية الأموال، والإشراف على الشؤون الإدارية بعمالته، ويضطلع بالمهمات العسكرية عند الحاجة. وأما القاضي، فكان يعيّن قضاة الكور، وقاضي الجند، ويشرف على توزيع العطاء، وينوب عن الوالي عند الضرورة. ومنذ تعيين أول قاضٍ سنة 84 ه/ 703 م، إلى حين قيام الإمارة الأغلبية سنة 184 ه/ 800 م، تعاقب على قضاء إفريقية تسعة قضاة (ص 433، 468 - 469، 474). ونُظمت الدواوين بإفريقية على منوال الإدارة المركزية في دمشق وبغداد، ويتعلق الأمر بثلاثة دواوين أساسية، وهي: ديوان الجند وديوان الخراج وديوان الرسائل، وكان لكل ديوان منها كَّتَابه الذين يتولون تحرير الرسائل. وقد تأثّر ديوان الجند بمؤثرات فارسية وبيزنطية، وجرى تقسيم الجيش العربي في إفريقية إلى وحدات يرأس كل واحدة منها قائد، ويتولى العريف قيادة مجموعة صغيرة تضم من عشرة مقاتلين إلى أربعين مقاتلًا، وكان تعيين العريف يجري باقتراح من القائد وتزكية من أفراد عشيرته في العهد الأموي. أما في العهد العباسي فصار الجيش مؤسسة نظامية لا تمتّ بصلة إلى الانتماءات القبلية، ولم تعد العشيرة هي الوحدة الأساسية فيه. وإلى جانب الوالي ونائبه، كان للجيش بإفريقية قائد عُرف باسم أمير الجيش وأمير العسكر الأعظم وأمير السرية، يليه قادة العشائر القبلية ثم العرفاء، وأطلق على بعض الوحدات العسكرية اسم الأخماس، وعلى البعض الآخر اسم الأسباع، وتولى رئاسة كل منها أمير. وعلى العكس مما دأب عليه الجيش الأموي من تحركات في المشرق والمغرب، استكان الجيش العباسي إلى الراحة بفعل تراجع الحروب والحملات العسكرية، واقترن الولاء بتوزيع الأرزاق، فعرفت إفريقية، أول مرة، ثورة للجند بسبب التجمير، في ولاية الفضل بن روح بن حاتم بقيادة ابن الجارود سنة 178 ه/ 793 م، مما حدا بالعباسيين إلى تولية المهالبة عليها، فتمكنوا بذلك من ترسيخ نفوذهم بها في الفترة 151 ه/ 768 م- 178 ه/ 794 م (ص 335 - 339، 341، 440 - 443، 461). وكانت الأرزاق توزع على العساكر نقدًا أو عينًا من جانب العرفاء، بناءً على مقاييس دقيقة تأخذ في الاعتبار الفرق بين الفارس والراجل، والمشاركة في الحرب من عدمها، وجرى الاعتماد في ذلك على قوائم خضعت للمراجعة باستمرار. وكان أبناء الجند يستفيدون من الأرزاق في العهد الأموي، قبل أن يقتصر الأمر على المحاربين فقط في العهد العباسي (ص 326 - 327، 341 - 342، 445 - 451).
أما ديوان الخراج، فاستعملت فيه اللغة اليونانية إلى أن عُرّب في عهد عبد الملك بن مروان، وتولى الروم مهمة استخلاص الضرائب، ثم تراجع دورهم شيئًا فشيئًا بالموازاة مع نجاح عملية التعريب. ومثّلت القرية الوحدة الأساسية التي بُنيت عليها الجباية، بينما استعملت مساحة حرث زوج البقر من الأرض مقياسًا لتحديد مقدار الضريبة. ويعتبر حسان بن النعمان أول من فرض الخراج "على عجم إفريقية وعلى من أقام معهم على النصرانية من البربر"13. وقد عرفت الجباية تعديلات متواصلة مع توالي السنين، وتشكلت المداخيل الجبائية على العموم من خراج الأرض وأموال أهل الصلح والجزية وخمس الغنائم. ومثّلت الغنائم مصدرًا مهمًا من هذه المداخيل في العهد الأموي؛ حيث كانت الدولة تأخذ الخمس وتترك الأربعة أخماس المتبقية للمقاتلين (ص 451 - 456). وقد اختلف الفقهاء في شأن فتح إفريقية وهل هي أرض عنوية، أم ص حلية، أم أسلم عليها أهلها. ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة لما يترتب عليه من تبعات جبائية. والراجح، في رأي المؤِّلِف، أن تكون الوضعية القانونية للأرض في كل من إفريقية والمغرب والأندلس، قد جرى تقنينها في العصر العباسي، اعتمادًا على المرجعيات النظرية لمسألة الخراج التي تبلورت مع تأليف أبي يوسف لكتابالخراج. وقد اقترح المؤِّلِف عدة مراحل تطورية لهذه العملية يمكن إجمالها في الجدول. جدول يبين تطور الوضعية القانونية للأرض بإفريقية
| مرحلة تطور الوضعية القانونية للأرض بإفريقية | تاريخها | خصائصها |
|---|---|---|
| طور التأسيس | 82 - 95 ه/ 701 - 714 م | إنشاء حسان بن النعمان لديوان الخراج وإقطاع الأرض لقواد الجند. |
| طور الإصلاح وتنظيم الجباية | 99 - 101 ه/ 717 - 719 م | تحكّم الدولة الأموية في أراضي الكنيسة وأراضي الدولة البيزنطية، ووضع حدّ للملكيات الكبرى، وتشجيع الملكيات الصغرى والمتوسطة من أجل الزيادة في مداخيل الخراج والجزية. |
| طور توقف عمليات الفتح | 122 - 145 ه/ 740 - 767 م | مصادرة الأرض وتخميسها كما جرى بطنجة، ما تسبب في اندلاع ثورة الأمازيغ، وقيام حركة الخوارج الصفرية. |
| مرحلة توطين الجند الخراسانيين | 145 - 179 ه/ 762 - 795 م | مراجعة النظام العقاري وتمكين الجند من الملكيات الزراعية. |
| مرحلة توزيع الأحمية بأرض الساحل | 180 - 184 ه/ 796 - 800 م | توزيع الأراضي الساحلية التي كانت بيد البيزنطيين، ولم يجر تعميرها خوفًا من غارات النصارى (ص 412 - 413). |
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: محمد حسن. الجذور التاريخية لبلاد المغرب: جدلية السلطة والمجتمع والمجالخلال القرنين الأول والثاني الهجري/ السابع والثامن الميلادي (تونس: مجمع الأطرش للنشر والكتاب، 2022)، ص 412 - 423.
وبناءً على هذا التصنيف الكرونولوجي خلص المؤِّلِف إلى وجود أنواع كثيرة من الملكيات العقارية بإفريقية والمغرب، وهي: أراضي الصوافي التي استصفاها قادة الفتح من البيزنطيين؛ وأرض الفيء، وهي الأراضي المهملة التي لم يعرف لها وارث؛ وأرض
العفا، وهي الأرض التي تعرف بأسماء القبائل بعد انتقالها إلى مواضع أخرى طلبًا للمرعى، ولا يكون لها الحق في تملّكها بعد العودة إليها (ص. 415). وهذه الأراضي المهملة من أراضي العفا والمراعي والدّمن، هي التي تؤخذ منها الأحمية والقطائع. وكانت الموارد الجبائية تخصص أولًا لأعطيات الجند، وما فضل منها يوضع في أكياس تختم بأختام من رصاص (ص. 456)، وترسَل إلى المشرق مع وفد من أعيان المناطق المفتوحة. وعلى الرغم من توقف معين الغنائم، وامتناع عبد الرحمن بن حبيب من فرض ضرائب غير شرعية على البربر في عهد أبي جعفر المنصور، فإنّ إفريقية ظلت تشكّل منطقة جبائية مهمة في العهد العباسي، وبلغ مجموع ما كان يُجبى بها من المال العين قبل قيام الإمارة الأغلبية 13 ألف ألف درهم، إضافةً إلى مئة وعشرين بساطًا، بينما بلغ خراج برقة ألف ألف درهم14. ونظرًا إلى بعد إفريقية عن دار الخلافة بالمشرق، فقد كان لديوان البريد فيها أهمية كبيرة. وتولّى الإشراف عليه صاحب البريد، ولم تكن مهمته تقتصر على المراسلات، بل كان هو عين السلطة المركزية بالولاية، ومن مهمّاته مراقبة الوالي وتقويم سياسته. أما الرسائل فاستُعملت في نقلها الخيول والمهاري في البر والسفن في البحر، واستُعمل الحمام الزاجل (ص 459 - 461). أما فيما يتعلق بضرب النقود، فقد حافظ ولاة إفريقية على الدينار البيزنطي، المعروف بالجرجيري، نسبة إلى البطريق گريگريوس Grigorius، ولم يضربوا النقود على النمط الإسلامي قبل ولاية موسى بن نصير، واستعملت اللغة اللاتينية في نقوش العملة إلى أن عُرّب الدينار بالكامل سنة 98 ه/ 716 م. أما الفلوس النحاسية فكانت نادرة. واشتملت القيروان على دار للطراز منذ العهد الأموي (ص 464 - 466). وقد ختم المؤِّلِف كتابه بمبحث نفيس اختار له عنوان "التثاقف والأسلمة"، تساءل فيه عن الكيفية التي انتقل بها البربر من مقاومة الإسلام إلى المشاركة بفاعلية في فتوحاته، وأبرز مختلف العوامل التي أسهمت في تقبّل المغاربة ل حلضارة العربية الإسلامية وانخراطهم في بوتقتها، وفي مقدمتها ما اصطلح الباحثون على تسميته بظاهرة التشريق المتمثلة في تشابه طباع العرب والبربر في البداوة وركوب الخيل وسكنى الخيام؛ والسياسة المرنة التي نهجها أبو المهاجر دينار، وما نجم عنها من إقبال أهالي بلاد المغرب على امتثال أحكام الشريعة في الحلال والحرام؛ وسياسة بناء المساجد التي نهجها عقبة، وما كان لها من أدوار في تكريس عملية المثاقفة؛ وأخذ حسان بن النعمان للرهائن من المنهزمين لضمان استمرارهم على الولاء؛ وإرسال الدعاة لنشر الدين الإسلامي إلى المغربَين الأوسط والأقصى من جانب موسى بن نصير؛ وإشراك الفاتحين أهالي بلاد المغرب في الغنائم والقطائع وفي فتح الأندلس، وما كان له من أثر في بلورة الشعور بوحدة المصير؛ وإبقاء المتنصرين من البربر على دينهم بموجب عقد الذمة، ما يسّر انتقالهم تدريجيًا مع مرور الزمن من النصرانية إلى الإسلام؛ وتمصير القيروان ونكور وسجلماسة وتيهرت وفاس وغيرها من المدن، ودوره في نشر اللغة والثقافة الدينية وتكريس الأسلمة؛ ودور نظام الولاء والأحلاف المبرمة بين العرب والبربر في تجانس المجتمع؛ وتنامي أعداد المولدين نتيجة زواج العرب من الأعجميات؛ وأخيرًا إبقاء الإسلام على الثقافة البربرية، وعدم العمل على محوها، على نحو أسهم في تحقيق التعايش بين الثقافتين، فحذق المغاربة اللغة العربية كما حذق أسلافهم اللوبيون والموريون البونية في العهد القرطاجي واللاتينية في العهد الروماني والإغريقية في العهد البيزنطي. أما لغة الأفارقة المعروفة باللسان اللاتيني الأفريقي، فقد اندثرت تدريجيًا مع مرور الزمن.
خاتمة
تناول محمد حسن بالدراسة والت لحيل تاريخ بلاد المغرب من سنة 21 ه/ 624 م إلى سنة 184 ه/ 800 م، وتتبّع مسارات الفتح الإسلامي، والحركات المعارضة، وأصول المجموعات البشرية التي عمّرت البلاد وتوزيعها الجغرافي وأدوارها التاريخية، وتمصير الأمصار، واستقلال ولاية إفريقية عن مصر، والمؤسسات الإدارية والعسكرية والمالية التي أحدثت فيها؛ ورصد العوامل التي أسهمت في نجاح الأسلمة وانخراط بلاد المغرب في بوتقة الحضارة الإسلامية. والواقع أنه نجح إلى حٍّدٍ بعيد في إعادة تركيب أطوار هذه المرحلة التأسيسية بطريقة علمية بعيدة كل البعد عن السقوط في شرك مناقشة الآراء المعادية للإسلام، أو الموسومة بالتعصب العرقي والهوس الهوياتي، بحيث لم يجعل من أولوياته التصدي لهؤلاء أو أولئك، بل سعى إلى معالجة هادئة، وقراءة موضوعية للوقائع، وأنتج معرفة عالمة تسمو على الميولات الذاتية والأهواء المغرضة، تحفزه في ذلك العودة القوية في السنين الأخيرة إلى البحث عن الجذور التي ما انفكت تفرض نفسها مع استشراء أمر العولمة، وتنامي الثقافة الحقوقية وإعادة الاعتبار للأقليات. وسجّل مجموعة من المحاذير والتحفظات المنهجية حول عدد كبير من القضايا، وحسم بعضها الآخر استنادًا إلى الحجة والدليل، ما يجعل من كتابه هذا إضافة نوعية في الكتابة التاريخية حول بدايات الإسلام في بلاد المغرب.
المراجع
العربية
الثقافة، 1999.
أماري، ميكيلي. تاريخ مسلمي صقلية. ترجمة محب سعد إبراهيم. فلورنسا: لي مونييه، 2003.
القاهرة: مطبعة مصطفى البابي ال لحبي وأولاده، 1938.
العدد 10 (1984).
_______. القبائل والأرياف المغربية في العصر الوسيط. تونس: دار الرياح الأربعة، 1986.
_______. الجغرافية التاريخية لإفريقية في العصر الوسيط. بيروت: دار الكتاب الجديد، 2004.
والثامن الميلادي. تونس: مجمع الأطرش للنشر والكتاب، 2022.
للثقافة، 1980.
الشريف الإدريسي، محمد الحسني بن محمد. نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. بيروت: عالم الكتب، 1989.
الإسلامي، 1985.
_______. البرغواطيون بالمغرب. ترجمة عبد الجليل الأزدي. مراكش: مطبعة تانسيفت، 1999.
والعمراني بالغرب الإسلامي. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1998.
ابن عبد الحكم، عبد الرحمن بن عبد الله. فتوح مصر والمغرب. تحقيق عبد المنعم عامر. الذخائر 49. القاهرة: الهيئة العامة لقصور جعيط، هشام. تأسيس الغرب الإسلامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م. ط 2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، الجهشياري، محمد بن عبدوس. كتاب الوزراء والكتاب. حققه ووضع فهارسه مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي. حسن، محمد. "حول إحدى القبائل البربرية: نفوسة - مجالها الجغرافي وعلاقتها بالسلطة السياسية". مجلة كلية الآداب بالرباط. _______. الماي من القبيلة إلى القرية. جربة: منشورات وزارة الثقافة والمحافظة على التراث؛ مركز سرسينا للبحوث في الجزر، ______. الجذور التاريخية لبلاد المغرب: جدلية السلطة والمجتمع والمجال خلال القرنين الأول والثاني الهجري/ السابع الحميري، محمد بن عبد الله بن عبد المنعم. الروض المعطار في خبر الأقطار. تحقيق إحسان عباس. ط 2. بيروت: مؤسسة ناصر سالم، سحر عبد العزي. من جديد حول برغواطة هراطقة المغرب في العصر الإسلامي. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، الطالبي، محمد. الدولة الأغلبية: التاريخ السياسي 184 - 296 ه/ 800 - 909 م. ترجمة المنجي الصيادي. بيروت: دار الغرب الطاهري، أحمد. فصول منسية من تاريخ المغرب: إمارة بني صالح في بلاد نكور: الأصول التاريخية وبواكير النمو الحضاري _______. المغرب الأقصى ومملكة بني طريف البرغواطية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2005.
_______. فصول مبتورة من تاريخ المغرب: بلاد الريف وحاضرة نكور، من فجر التاريخ إلى أنوار الإسلام. إشبيلية: بوبليديسيا، عبد الرازق، محمود إسماعيل. الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1976. علوي، حسن حافظي. "إسهام هشام جعيط في التأريخ للنظم والمؤسّسات في بلاد المغرب". أسطور. مج 8، العدد 17. عدد خاص (تشرين الأول/ أكتوبر 2022).
عمامو، حياة. أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل. تونس: دار أمل للنشر والتوزيع، 2004.
فِلْهَوِْزن، يوليوس. تاريخ الدولة العربية: من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية. ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة. مراجعة حسين مؤنس. تقديم مصطفى لبيب عبد الغني. القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية؛ نشر المركز القومي للترجمة،
القيصري، بروكوبيوس. الحروب القوطية. دراسة ومراجعة وتعليق عفاف سيد صبره. القاهرة: دار الكتاب الجامعي، 1987.
مؤنس، حسين. فتح العرب للمغرب. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.].
_______. معالم تاريخ المغرب والأندلس. القاهرة: دار الرشاد، 2000.
نريمان، عبد الكريم أحمد. مجتمع إفريقية في عصر الولاة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000.
النقيوسي، يوحنا. تاريخ مصر رؤية قبطية للفتح الإسلامي. ترجمة عمر صابر أحمد عبد الجليل. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2003.
هوبكنز، جون فرانسيس برايس. النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى. ترجمة أمين توفيق الطيبي. ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1980.
الأجنبية
Brunschvig , Robert. "Ibn 'Abd al-Hakam et la conquête de l'Afrique du Nord par les Arabes." AIEO. Alger
مراجع إضافية
Amari, Michele. Storia dei musulmani di Sicilia. Firenze: F. Le Monnier, 1872.
Gautier, Émile-Félix. Le passé de l'Afrique du Nord: Les siècles obscurs. Paris: Payot, 1952.
Lombard, Maurice. L'Islam dans sa première grandeur (VIIe-XIe s.). Paris: Flammarion, 1980.