Return to Article Details Between Two Temporalities: A Reading into the Past of Globalization

بين زمانيتين: قراءة في ماضي العولمة

Between Two Temporalities: A Reading into the Past of Globalization

لطفي عيسى

الملخّص

عنوان الكتاب: تاريخ العالم في القرن الخامس عشر. المؤلف: باتريك بوشرون [وآخرون]. ترجمة: لطفي بوشنتوف. الناشر: مؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية والمركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء وبيروت. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 1130 صفحة.

Abstract

Book Title: The History of the World in the Fifteenth Century. Author: Patrick Boucheron [et al.]. Translation: Lotfi Bouchentouf. Publisher: King Abdul Aziz Foundation for Islamic Studies and Human Sciences and the Cultural Book Center in Casablanca and Beirut. Year of Publication: 2022. Number of Pages: 1,130 pages.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ العالمي
  • العصر الوسيط
  • الهويات الثقافية
  • الحرب الباردة
  • العولمة
Keywords:
  • Globalization
  • Identity
  • the cold war
  • the medieval period
لطفي عيسى | *Lotfi Aïssa
مراجعة كتاب "بين زمانيتين": قراءة في ماضي العولمة
Book Review "Between Two Temporalities": A Reading
into the Past of Globalization
المؤلف: باتريك بوشرون [وآخرون.]
عنوان الكتاب:  تاريخ العالم في القرن الخامس عشر.
ترجمة: لطفي بوشنتوف.
مكان النشر والناشر: الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود؛ بيروت: المركز الثقافي للكتاب.
سنة النشر: 2022.
عدد الصفحات: 1130 صفحة.

ليس من الهيّن الدخول في مغامرة ترجمة من الفرنسية إلى العربية لكتاب تاريخ العالم في القرن الخامس عشر، وهو مؤلف ضخم صدر في غضون سنة 2009 عن دار فايار الفرنسية في 896 صفحة، وتولّى الإشراف على إنجازه المؤرخ الفرنسي باتريك بوشرون، في حين عادت مهمة تنسيق أعماله إلى كل من بيير موني، وجوليان لوازو، ويان بوتان1. وقد ساهم في تحرير عروض هذا الكتاب وأقسامه الأربعة، ونقصد "أقاليم العالم"، و"أزمنة العالم"، و"كتابات العالم"، و"مصائر العالم"، ومواده التي جاوزت التسعين 68 باحثًا مختًّصًا في التاريخ الوسيط. في حين عكف على نقل مادته التاريخية الضخمة إلى اللغة العربية 10 مترجمين انتسب معظمهم إلى جامعات مغربية. وتولى المؤرخ المغربي لطفي بوشنتوف تنسيق الترجمة ومراجعتها وتقديمها، لتصدر في غضون شهر آذار/ مارس 2022 عن مؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية والمركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء وبيروت، في 1130 صفحة. تضمّنت أقسام الكتاب الأربعة في ترجمتها العربية 279، و 258، و 193 و 237 صفحة على التوالي، بينما غطت مقدمة منسق الترجمة، وكذا مقدمة المشرف على تأليف الكتاب وكذا خاتمة الكتاب، وقائمة الوقائع الزمنية، والكشّافات، والفهارس، وتراجم المؤلفين، والمترجمين 138 صفحة2. احتوت عروض القسم الأول على 12 فصلًا، وذلك بالتوازي مع القسم الأخير للكتاب، بينما انطوى القسم المخصّص ل "أزمنة العالم" على 42 مفصلة زمنية فارقة تقع بين عامَي 1378 و 1520. وشمل التعريف بمختارات من "كتابات العالم" طوال القرن الخامس عشر ما لا يقل عن 26 أثرًا. يحسُن من البداية التشديد على ثلاث ملاحظات أساسية: انخراط كتابة هذا الأثر التاريخي ضمن تصوّر معرفي يحيل على ما وُسم منذ أربع عشريات ب "التاريخ العالمي"، وهو تصوّر ارتكز على متانة الصلات التي ربطت ماضيًا بين مختلف نواحي العالم، وإلغاء الحواجز والتقريب عبر المقارنة بين مختلف مجالاته، تجاوزًا للسرديات الوطنية التي تبيّن خضوعها للترميق وتداخل المعرفي ضمنها مع السياسي. الإعراض عن تناول هذا الكتاب باعتباره بحثًا تركيبيًا يتوفّر على خطّ سردي يخضع لنقطة بداية ونقطة نهاية، ومتابعة مختلف عروضه بالتعويل على تجوال حرّ بين مركباته يشاكل ذلك الذي نتّبعه حال التنقل بين أروقة المعارض أو المتاحف، يحدونا في ذلك الفضول ولذّة القراءة ورسم صورة تعكس بدقة شكل إدراكنا للعلاقة التي تربط بين ماضي عالمنا وحاضره. استجابة العودة إلى هذا النوع من التواريخ لحصول إجماع بخصوص دور الذاكرة الجمعية في تعرية السرديات التاريخية الموسومة بالوطنية، والكشف عن اتسامها بالترميق الأدبي. وتُشكّل تلك العودة أيضًا محاولة لتأويل ما لم ينقطع عن زعزعة خريطة العالم منذ نهاية الحرب الباردة وانقضاء "القرن العشرين الوجيز"، وفقًا لعبارة إريك هوبزباوم الرائقة. على أن الإقدام على ترجمة هذا الأثر ينطوي أيضًا على وعي بحدّة الصدمة التي يعيشها المجال العربي حاضرًا، نتيجة للتحولّات الجيوسياسية التي تعصف بمختلف بلدانه. وهي صدمة نتجت من سرعة النُقلات التي يعرفها العالم، والتي انتهت إلى حصول تهجين غير مسبوق للهويات اللغوية، والقومية أو الوطنية، والدينية أيضًا؛ ما آذن بأزوف عالم قديم والدخول في زمن افتراضي أو سيبراني أعاد صياغة مشهد المعارف الإنسانية والاجتماعية على وجه العموم، ومهنة المؤرخ فيما يهمّنا. فقد بات الحرص على العثور على الأزمنة المفقودة وفقًا لعبارة مرسيل بروست

  1. Patrick Boucheron (dir.(, L'histoire du monde au XV e siècle (Paris: Fayard, 2009).
  2. باتريك بوشرون [وآخرون]، تاريخ العالم في القرن الخامس عشر، نسق الترجمة وراجعها لطفي بوشنتوف (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود؛ بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2022.)

شاغلًا محوريًا، تمامًا مثل مناهضة التسلطيّة وانفتاح السرديات التاريخية على "غيريات غريبة" كنّا ذاهلين منذ زمن غير بعيد عن إدراك أهميتها الجغرافية والحضارية. وذلك ما دعا إليه الفيلسوف الإيطالي جيرجيو أغامبين ضمن محاضرته الموسومة ب "حقيقة أن نكون معاصرين؟"3، فقد شدّد على ضرورة عرض وقائع التاريخ وبصماته المبهمة على الحاضر، من دون الوقوع في الخلط بين مدركات من عاصروا تلك البصمات وما شكّل معنى ل حلقيقة بالنسبة إليهم، وبين ما نحن بصدد عيشه حاضرًا. وهو الأمر الذي يكشف عن وقوعنا "بين زمنيتين"، وارتباط زماننا بزمنيات غريبة عنّا، والتوصّل إلى قراءة التاريخ على نحوٍ مفارق غير مسبوق. فالبيّن أن المنعطفات الكبرى هي التي تدفع الشعوب أو الحضارات إلى إنشاء نوع من التلازم الظاهري بين الحاضر والماضي، وذلك قصد صياغة مدلول واقعي للعيش بين زمنيتين؛ ما يمنح أنوار الماضي فرصة لإضاءة عتمة الحاضر وإكساء ما لم يعدّ معاصرًا سمة المعاصرة، وتوضيح جانب غير قليل من الحاضر، مع الإمساك بما يتعيّن التصديق عليه في الآن والساعة. لكن، ما الذي يعنيه تحديدًا الاشتغال وفق مناهج تستند في قراءتها إلى كتابة التاريخ من منظور عالمي؟

أوالًا: تقريظ التاريخ العالمي

بالنظر إلى العروض المنهجية التي وضعت للتعريف بأهمية هذا التوجّه في كتابة التاريخ، ومن أبرزها مؤلفات وليام هاردي ماكنيل "صعود الغرب"، وبيتر فركوبين، طريق الحرير: تاريخ جديد للعالم، وسارج غروزنسكي، الأجزاء الأربعة للعالم تاريخ للعولمة، ورومان برتراند، التاريخ المتساوي: سردية اللقاء بين الشرق والغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وأليساندرو ستانزياني، عالم مترابط: فكر كوني لتاريخ عالمي بين القرنين السادس عشر والواحد والعشرين4، يتبين لنا أن الطموح الذي قاد المحسوبين على هذا التوجه المنهجي في كتابة التاريخ يكمن في الانخراط في الانعطافات المعرفية الجديدة، والقدرة على مزج تلك النماذج العابرة لبعضها البعض والقابلة للتهجين. فقد ساهمت مراكمة الأبحاث المرتبطة بالتاريخ العالمي في تجاوز التصوّرات التي ثبت انزلاقها في منزع مركزي أوروبي غير خافٍ، بتوسيع الآفاق الجغرافية وتخطّي الأطر الوطنية الضيّقة، والتفكير في العالم وفق تصوّرات مترابطة، تُنبئ بفهم أفضل لطبيعة العلاقات التي ربطت ولا تزال بين الكيانات السياسية والاقتصادية المتباينة، وإدراك الحاجة إلى تنقل الأشخاص، والبضائع، والأفكار، والمعارف، والرموز، والعمل سويّة من أجل تحقيق التعافي من أخطار التحولات المناخية، والسيطرة على الثورات التكنولوجية، وتطوير مدركات الشعوب والأجناس المتباينة. ساهمت هذه التوجهات الجديدة المتصلة بصناعة التاريخ، وفق ما حاول عرضه كتاب ألسندرو ستانزياني، في العودة منهجيًا إلى المدى الطويل والوقوف على نقاط التماسّ بين عوالم أو حضارات متعدّدة، مع انفتاح الدرس التاريخي مجدّدًا على المناهج المعتمدة في اللغويات، والمعارف الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، والتمكّن من رسم آفاق غير مبذولة للمقاربات التاريخية، وفهم التنامي المتزايد للنزعات القومية المغالية في الانغلاق، مع الدعوة إلى الانفتاح على وقائع تاريخية وثقافية ودينية، ما فتئ رجع الصدى بينها يؤكد حقيقة التفاعل بين مختلف المجالات الجغرافية والحضارية، وتناظر الأحداث أو الوقائع التي جدّت بأصقاع باعدت بينها

  1. Gorgio Agamben, Qu'est-ce que le contemporain? Maxime Rovere (trad.) (Paris: Payot et Rivages, 2008).
  2. William McNeill, The Rise of the West: A History of the Human Community (Chicago: University of Chicago Press, 1963); Peter Frankopan, The Silk Roads: A New History of the World (New York: Vintage Reprint, 2017); Serge Gruzinski, Les quatre parties du monde: Histoire d'une mondialisation (Paris: Points, 2006); Romain Bertrand, L'histoire à parts égales Récits d'une rencontre, Orient-Occident (XVIe-XVIIe siècle) (Paris: Seuil, 2011); Alessandro Stanziani, Les entrelacements du monde: Histoire globale pensée globale XVI e XXI e siècles (Paris: CNRS,

المسافات؛ الأمر الذي وسّع زوايا النظر، وحدّ من سيطرة التصوّرات المنغلقة على نفسها، تلك التي لا ترى في وقائع التاريخ سوى إثبات لنظرية صدام الحضارات. تلك هي المرامي التي سارع منسق الترجمة العربية لكتاب تاريخ العالم في القرن الخامس عشر والمشرف على إنجازها إلى توضيحها ضمن عرض تمهيدي أو تصديري بعنوان: "تاريخ العالم: تاريخ منصف وراهن في المقام الأول" (يُطلب ضمن الصفحات 11 - 25 من الترجمة). ولم يخلُ المنجز المعرفي للطفي بوشنتوف من نشر مساهمة طريفة صدرت في غضون سنة 2020 ضمن المجلد 55 من مجلة هسبيريس تمودا، وهو مجلد خصّص للاهتمام بالتاريخ العالمي، بعنوان "نحن والتاريخ العالمي"، نسق عروضه عبده الفيلالي الأنصاري وعبد الأحد السبتي، متضمّنًا بحوثًا باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية (لدنيال ريفي، وروس دان، وعبد السلام شدادي، ولطفي بوشنتوف، ووإدموند بورك، وبرنارد روزنبرجي، وعبده الفلالي، ودنيال نوردمان)، وقدّم لها منسقَا العدد بعرض تمهيدي أكّدا من خلاله أنّ الهدف من تلك المساهمات هو تحفيز المؤرخين المغاربة لإنجاز أبحاث تنخرط في التاريخ العالمي، بوصفه حقلًا في البحث قطع أشواطًا مهمّة ضمن العديد من المراكز الأكاديمية، والتشجيع على الانفتاح على الممارسات المستجدّة في مجال البحث التاريخي والإنساني في الجامعات العالمية. وهو الأمر ذاته الذي حاول بوشنتوف تطبيقه ضمن مساهمته التركيبية القيّمة التي تعرّضت لجوانب مخصوصة من تاريخ القرن الخامس عشر المغربي، اتصلت بالاكتشافات المفاجئة لمزارات الأشراف مغربًا وذلك بالتناظر مع اكتشاف مراقد للصحابة وآل البيت مشرقًا. وتمثل الغرض من ذلك في كتابة تاريخ عالمي للمغرب الأقصى. وهو الهاجس ذاته الذي قاد أبحاثًا سبق لنا شخصيًا نشرها في غضون سنة 2019. فقد جرى الاشتغال ضمن مؤلفنا بعنوان أخبار التونسيينمثلًا، على تنويع الزمنيات (الزمن الأسطوري، والزمن المجالي، وزمن الرزنامة، والزمن الجواني) في مراجعة مؤلفات مختارة تحيل على ما وسمناه ب "التواريخ الموازية"، وكذا الأمر حال مقاربتنا لعينات من تواريخ المغارب الجامعة ضمن مؤلف مشترك أشرفنا على نشره سنة 2021 عنوانه مساءلة الانتماء في ضوء المباحث التاريخية التونسية5. فقد طبّق بوشنتوف منهج التاريخ العالمي حال التصدير لترجمة كتاب تاريخ العالم في القرن الخامس عشر، منطلقًا من قراءة نقدية لمفصلة زمنية اعتبارية مثّلتها سنة 1492، تلك التي عُقد للاحتفال بانقضاء خمسة قرون على مرورها معرضٌ ضخم احتضنته مدينة إشبيلية الإسبانية سنة 1992. واتسم تنظيم ذلك المعرض الدولي بالتنافس الشديد بين قراءات غير منصفة، شابها توجّه أوروبي مركزي غير خافٍ، وجابهها في الحين تيار أميركي- لاتيني مناهض للكولمبية. لينتقل صاحب تلك العروض نفسها إلى تقديم بسطة عن بدايات تاريخ العالم ضمن أعمال مدرسة شيكاغو الأميركية من خلال دراسات وليام ماك- نيل صعود الغربومارشال هودجسون مغامرة الإسلام6، وتأسيس مجلة تاريخ العالمفي بداية تسعينيات القرن العشرين، وظهور مجموعة من المقاربات بعد حلول الألفية الجديدة، اختلطت ضمنها "دراسات ما بعد الاستعمار"، و"دراسات التابع"، والعروض التي تحيل على "التاريخ الشامل"، و"الدراسات العابرة للتخصّصات"، وجميعها مناويل منهجية لم يجرِ الفصل على نحوٍ واضح بين حقولها ضمن المعارف الإنسانية والاجتماعية

  1. لطفي عيسى، أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتماء والأصول (تونس: منشورات مسكلياني، 2019)؛ مساءلة الانتماء من منظور المباحث التاريخية التونسية، إشراف لطفي عيسى، سلسلة البصمة والمنوال (تونس: كلمة للنشر، 2021.)
  2. Marshall Hodgson, The Venture of Islam Conscience and History in a World Civilization? vol. 1 - 3)Chicago: The University of Chicago Press, 1974). يطلب في الغرض نفسه كتاب المؤلف نفسه: Marshall Hodgson, Rethinking World History: Essays on Europe, Islam and World History, Studies in Comparative World History (Cambridge: Cambridge University Press, 1993).

الفرنسية إلا في وقت متأخر جًّدًا، وصدرت بخصوصها مجموعة من الأبحاث والدراسات التاريخية الفارقة يمكن أن نشير من بينها إلى كتابَي: تاريخ العالم في القرن الخامس عشر (2009)، وتاريخ فرنسا العالمي (2017). وليس بعيدًا أن يُعزى ذلك إلى قدرة تلك العروض على توسيع أفق المقاربة، تجاوزًا لضيق التاريخ المحلّي. ويمكن ردّ ذلك أيضًا إلى رواج تلك التصوّرات بين القراء، بعد أن عثروا ضمن طيّاتها، إضافة إلى أنصاف الحضارات غير الغربية والإعلاء من قيمة منجزها والاعتراف بهجانة الهويات وتعدّد الانتماءات والأصول والثقافات، على تفسير لما عاينته العشريات الثلاث الأخيرة من تحّولّات، لذلك سارعوا إلى عرض مسار العولمة حاضرًا على ما عاينته مرحلة البدايات عند منعطف القرن الخامس عشر.

ثانيًا: أينبغي لنا الإقرار بحضور تاريخ مترابط أو متشابك، أم الحديث عن مجرد رجع صدى؟

تضمّن القسم الأول الموسوم ب "أقاليم العالم أو الأطلس السياسي للقرن الخامس عشر"، ما لا يقل عن 12 دراسة تركيبية مطوّلة توقفت عند ثوابت الواقع ومتغيراته بمختلف أقاليم العالم المعروف (آسيا الوسطى، والمتوسط، وأفريقيا، وأيبيريا، وفرنسا، وإنكلترا، والأراضي المنخفضة، وإمبراطوريات وسط أوروبا وشمالها، كما الواقع التاريخي للفضاء الروسي، والمجالات الصينية على أيام سلالة المينغ، واليابان، وكوريا وأوكيناوا، والهند، وأميركا السكان الأصليين من الأزتيك والمكسيك، إلى إمبراطورية الأحياء الأربعة لشعوب الأنكا، تلك التي انتشرت على طول سلسلة جبال الأنديز). وتطرح مثل هذه الجولة بين أقاليم العالم المعروف في القرن الخامس عشر، إشك لًا منهجيًا، أشار إليه من أقاموا على تنسيق هذه العروض وإدارتها، وكذا منسق ترجمتها إلى العربية ضمن تصديره أيضًا. ويتمثل الأمر في حضور نوع من التناظر بين سياق كوني راهن يتسم بإعادة صياغة المشاهد الجغرافية وفقًا لما اقتضته الثورة الاتصالية في توسيعها دائرة التنقل وتهجينها الهويات القومية من ناحية، ومدى واقعية الحديث عن تشكّل تاريخ عالمي خلال القرن الخامس عشر، توصّل فعلًّيًا إلى تمتين العلاقات بين الأفراد والمجموعات أو تقريب الصلات والروابط بين مختلف مركبات ما أَطلَق عليه واضعو هذا التأليف عنوان: "أقاليم العالم: الأطلس السياسي للقرن الخامس عشر" من ناحية أخرى. يحتاج التصديق على هذه الحقيقة إلى إثبات حضور علاقة تفاعل أو تأثير وتأثّر مباشر بين مختلف تلك الأقاليم؛ وهو ما حاولت عروض هذا القسم إقناعنا بمثوله بوصفه حقيقة ثابتة، حتى إن بدا إغضاؤها قصدًا عن عدم خلوّ ما سُرد من وقائع من دواعي التركيز على واقع العولمة حاضرًا، وتأثير ذلك في ماضي البشرية خلال القرن المقصودة بالمعايرة. لذلك يبدو ادعاء حضور تاريخ عالمي منذ القرن الخامس عشر أقرب إلى رجع الصدى، بين مكونات متباينة حضاريًا وثقافيًا، منه إلى تشكّل حقيقي لمختلف الشروط التي تحتاج إليها مثل تلك النقلة الفارقة في التاريخ العالمي أو صياغة تاريخ مترابط للعالم. فقد توسّل القائمون على هذا الأثر التاريخي بعملية إثمار لنماذج منهجية بدت لنا مستلهمة مما جرى تطويره بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على أيدي الباحثين في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ممن انخرطت مراكمتهم المعرفية التاريخية ضمن مقاربات ما بعد الماركسية أو "شظايا الفكر الماركسي"، واندرجت ضمن تيار مدرسة الحوليات الفرنسية، وكذا المحسوبون على نظرية المركز والأطراف أو اقتصاد العالم الأوروبي. فقد انتهى ت لحيل سياقات الانتقال من عصر المماليك إلى عصر العثمانيين إلى الإقرار بقدرة هؤلاء: "على مراكمة المزايا المتباينة لكل واحد من منافسيهم واستخلاص أقصى الفوائد منها، في انتظار استيعاب ذلك الإرث بالقوة وحدّ السيف" (ص. 78). بينما تمكّن "منتجو الخدمات الرمزية"، من شعراء وموسيقيين ورسّامين وفنانين، من التعبير عن الاختلاف وخطّ طريق سالكة لإرساء قواعد

جديدة للعمل السياسي، ارتكزت على تعدّد الأقطاب. وتناغم ذلك مع الدور الذي اضطلع به "خبراء التواصل السياسي" (ص. 90) في تكريس النهضة الإيطالية، وابتكار ما سُمي لاحقًا "أوروبا إيطاليا مكبّرة" أو "إيطاليات صغيرة [...] امتدت من ساوثهامبتون إلى بجاية، تم في أكنافها تبادل الحوليات المصرفية والمعلومات والفنون والأفكار الجديدة والتقنيات، بحيث لعبت إيطاليا دور المُختبر السياسي ل حلداثة" (ص. 102)، قبل أن يفرض ذلك الوضع نفسه على المستوى العالمي (ص. 85). في حين بدا المتوسط خلال القرن نفسه بمنزلة مختبر لتجريب أشكال متنوعة من الحكم، وذلك ضمن سياق اتسم بالمنافسة السياسية والدينية مع العثمانيين باعتبارهم قوة إسلامية غازية جديدة (ص. 108). واعتُبرت القارة الأفريقية مجرّد طريق نحو آسيا، تجاهلت الاكتشافات دواخلها حتى حلول القرن التاسع عشر. في حين تباين واقع تردّي الشعوب الأصلية الأميركية، مع التحولات السياسية والاقتصادية التي عاينتها ممالك غرب أوروبا وإمبراطورياتها بعد سيطرة الدولة الترابية الحديثة، وظلت آسيا متأرجحة بين الحفاظ على ميراثها الإمبراطوري القديم (الصين) وإنشاء كيانات سياسية جديدة اعترضتها صعوبات جمّة في التعبير عن ذاتها (ص. 20). وهو ما حاول هذا القسم الافتتاحي البتّ في شأنه، من خلال العودة إلى الحركية الثقافية الفارقة لبعض أقاليم الشرق الأقصى، على شاكلة التجارب اليابانية في ثقافة هيغاشي-ياما، تلك التي غيّرت مع نهاية القرن الخامس عشر أسس الفعل الجمالي، من مسرح نو، إلى فن الحدائق اليابسة، ومن هندسة العمارة إلى فن الشاي والزهور والرسم الأحادي الألوان المتأثر بتعاليم فلسفة "زان". وكذا الأمر ضمن أنشطة دوبوتشو في ثقافة الموروماتشي، تلك التي مزجت بعناية فائقة بين الفنّ الراقي وفن الصنّاع التقليديين المهرة، مطوّرةً من خلال ذلك جماليات تختلف عمّا ساد من قبلها، لتعيد إثمار قيم التواضع، والبساطة، والاعتدال، والإغراء الخجول، ومتعة الحزن المهيب، والبساطة، والسكينة، والطمأنينة؛ ما ساهم في حركية الفئات الاجتماعية الأكثر تنويرًا، تلك التي أعلت من قيم الانفتاح ودافعت عن ضرورة تطوير المبادلات التجارية (ص 284 - 285). وهكذا يتبين لنا أن مختلف العروض المستجلبة ضمن هذا القسم قد جدّفت في اتجاه التنويه بفكرة ثابتة، دفعت نحو التصديق على تشكيل القرن الخامس عشر منعطفًا فارقًا بشّر بالإرهاصات الأولى لما يعيشه العالم حاضرًا. وهو الأمر ذاته الذي عاينته مختلف الأقاليم المعروفة، القديمة منها والحديثة، الواقعة في قلب أوروبا أو البعيدة عنها مسافة وحضارة وفكرًا. ليس في واردنا مجادلة مثل هذه الفرضيات، إلا أن قراءتها من زاوية الانتصار لفكرة ترابط تاريخ العالم بالاستناد إلى ما عاشته ممالك أوروبا الغربية، من تسريع لفعل الزمن وتوسيع لمجال هيمنتها على بقية مجالات العالم خلال القرن المقصود بالمعايرة، يقتضي تأسيس تلك الدينامية الماثلة كونيًا على المراوحة بين حضور دينامية للتهجين الثقافي من انعدامها؛ ما يجعل من حالات النشاز رديفًا موضوعيًا لتعدّد حالات رجع الصدى، وهي التي جرى الاكتفاء بالتركيز عليها دون سواها.

ثالثًا: مفاصل زمنية فارقة ومراجعات نقدية لمحصلة المعارف الكونية

خُصصت عروض القسم الثاني من كتاب تاريخ العالم في القرن الخامس عشر ل "أزمنة العالم أو كرونولوجيا القرن الخامس عشر"، وتضمنت نصوصًا موجزة تحيل على أحداث مفصلية امتدّت بين عامَي 1378 موعد انقسام البابوية بين مجالَي مدينتي روما وأفينيون (ص. 339)، و 1520 تاريخ تتويج شارل الخامس أو شرلكان إمبراطورًا للعالم وحاميًا للجماعة المسيحية (ص. 591). ويشير منسق الترجمة ضمن تصديره دائمًا، وهو على أتمّ صواب، إلى أن القيمة المنهجية لطريقة تناول تلك المفاصل الاعتبارية تكمن في "إعادة بناء الوقائع، ثم ت لحيل الروايات المتناقلة بخصوصها، قبل الخلوص إلى جملة من الاستنتاجات كشفت عن أهمية الحدث، مهما كان معروفًا وقريبًا من مركز أوروبا، أو مغمورًا وبعيدًا عن هذه القارة" (ص. 21). وهذا الأمر الذي ينهض حجة، على أن ما طرحته

تلك المعالجات التاريخية الموسومة ب "الموضِعيّة"، قد انزلق في إعادة إنتاجٍلمركزة كتلة الأخبار المستجلبة حول ممالك القارة الأوروبية. فعلى جملة 46 مفصلة اقتُرحت لتغطية أحداث القرن الخامس عشر، خصّص المساهمون 27 أو ما يزيد لوقائع تاريخية مفصليّة شهدتها أوروبا خلال القرن الخامس عشر. في حين لم نعثر إلا على 8 مفاصل زمنية، خُصصت لوقائع عاينتها مجالات واقعة في القارة الآسيوية. أما بقية الوقائع المستجلبة، فقد استهدفت مجالات تقع على تماسّ أوروبا مع بقية أجزاء العالم المعروف، آسيويًا وأفريقيًا. ولم تشغل قارة أميركا سوى مفصلة زمنية يتيمة تعرّضت لسياقات ميلاد إمبراطوريتَي الأنكا والأزتاك المخصوصة في حدود سنة 1430 (ص. 433). وفي المقابل، استجلب القسم الثالث، المخصّص ل "كتابات العالم: مكتبة القرن الخامس عشر"، عروضًا أو مراجعات قدّمت لنا كُتبًا جرى انتقاؤها ببالغ التدبير والعناية وعرّفت بما لا يقل عن 26 عنوانًا: (14) تصنيفًا أو أثرًا من بينها أوروبيًا، بينما توزّعت بقية العروض النقدية المستجلبة (12) على جملة من الآثار المكتوبة بأقلام آسيوية وأفريقية، 4 من بينها وضعت في اللغة العربية وعادت لعبد الرحمن بن خلدون (كتاب العبر) (ص. 681) ولجلال الدين السيوطي (التحدّث بنعمة الله) (ص. 645) ول حلسن الوزان (وصف إفريقيا) (ص. 763)، فضلًا عن كتاب   ألف ليلة وليلة (ص. 719)، وهو أوسعها شهرة خارج المجال العربي الإسلامي، بل على الصعيد الكوني. فمن أرشيف التقويمات الشمسية وأنشطة الآلهة ومرويات الأنساب وتوصيف الغزوات وأسماء الشعوب ضمن مؤَّلَفي الكوديكس المكسيكية، وتقويم الرعاة الذي تضمن معطيات مفيدة حول الأبراج والنجوم والكواكب ومنازل القمر والأعياد وتقويم الطبائع تشوّفًا للتيسير والسعادة والصحة الجيّدة (ص 599، 737)، وكتاب بابر نامهأو مذكرات بابر، المعروف بظاهر الدين محمد، المكنّى بالنمر والفهد، سليل تيمورلنك من الأب وجنكيز خان من الأم، الذي توصّل إلى تزعّم السلالة التيمورية بداية من سنة 1494 م (ص. 785)، وتعرّضت بقية المراجعات نقديًا إلى محتويات مؤلفات تحيل على ترجمات للأناجيل (ص. 605)، وكتاب زرع يعقوب (ص. 613) الذي رُدّ تحريره إلى نجاشي الحبشة، و  تراتيل في الاقتداء بالمسيح (ص. 621). واشتملت على عروض تحيل على الموسوعة أو المكتبة الصينية الكبرى، التي احتوت على 7000 - 8000 عنوان، أمر الإمبراطور يونغل بتجميعها في بداية القرن الخامس عشر (1403 - 1408 م) (ص. 637). وتوقّفت أيضًا عند مؤلفات عرّفت بعلوم الرياضيات والجبر، والصوتيات في اللغة الكورية (ص. 661) وبكتاب فن الرسملليون باتيستا ألبيرتي (1435 م)، وهو من تمكّن من الارتقاء بالتشكيل الفني إلى مرتبة الفن الحرّ (ص. 667). وكذا الأمر بالنسبة إلى تأليف انتقال الزهرة لزي -آمي الذي آذن بميلاد مسرح نو الياباني (ص. 673)، وكتابَي الأمير لنيكولو ميكيافلي (1513 م) (ص. 689) واليوتوبيا (1516 م) لتوماس مور (ص. 711)، اللذين دشّنا مرحلة جديدة في تدبير الشأن العام أو الحياة السياسية. ودقّقت بقية العروض في محتوى رحلة أثناسيوس نيكيتين إلى ما وراء البحار الثلاثة خلال سنة 1475 م بين بلاد الفرس وسواحل الهند (ص. 753)، وقلّبت كسموغرافية أفريقيا ليوحنا الأسد الغرناطي الأفريقي 1526 م في محصّلة المعارف القديمة حول جغرافية القارة الأفريقية (ص. 763)، وعرّف سجل السفينة لكريستوفر كولومبس (1493 م) (ص. 771)، وكتاب العالم الجديد لأميريكو فيسبوتشي (1504 م)، بجغرافية القارة الأميركية (ص. 777). وهكذا، فقد أثبت تنوّع المفاصل الزمنية الفارقة كما المراجعات التي ألفت في تقييم المحصلة المعرفية، المتداولة كتابيًا طوال القرن الخامس عشر، أن تلك القراءة على وفائها لثوابت الثقافة التاريخية الغربية في تعويلها على الرصيد الحضاري الأوروبي المسيحي لتفسير تاريخ العالم وتوجيه كتلة أخباره، قد شكّلت أيضًا فرصة لمعاودة زيارة الماضي التاريخي لتلك الحضارة وصياغة

محصّلة ثقافاتها وفق مقاييس منهجية ومعرفيّة جديدة، أشرعت الباب أمام ما وُسم ب "التاريخ المتساوي الأجزاء" قصد العثور على إجابات مبتكرة لأسئلة الحاضر، والتدقيق تبعًا لذلك في قدرة الماضي على إنارة الحاضر والتصديق عليه، تفاديًا لكل انغلاق من شأنه أن يدفع نحو إعادة إنتاج القديم أو التصديق عليه.

رابعًا: منعطفات ومصادفات

احتذى القسم الرابع والأخير الموسوم ب "مصائر العالم: أوراش القرن الخامس عشر" وفق ما عرضته مقدمة الترجمة العربية "منهج المقارنة ودراسة التحّولّات في بعدها العالمي"، من خلال صياغة تصوّرات تركيبية تحيل على تلازم تطوّر التقنيات البحرية أوروبيًا مع تزايد حاجة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين إلى اكتشاف مناطق جديدة وبعيدة، والتوسّع حيث مصادر الثروة، والسيطرة على الطرقات البحرية المؤدية إلى تلك المصادر، واستعراض أشكال تنقل السلع والأفكار والمجموعات البشرية، وكيفية تشكّل شبكات المصالح المتنفّذة أو الضاغطة، وتطوّر عالم البلاط ونشأة الدبلوماسية واستحداث السفارات التي فرضت قبول مختلف حضارات الشرق بتوطين عيون الغرب والداعمين لتفوّقه على أراضيها (ص. 21). وبتّ القسم نفسه، في مستوى مكِّمِل، في الأسباب التاريخية لتخلّي إمبراطورية الوسط الصينية عن سياسة الانفتاح أو التوسّع وتفضيل الانغلاق ضمن حدودها التقليدية، وتعرّض لامتداد حضارات العالم الإسلامي بشبه القارة الهندية وشرقي أوروبا ووسطها، ليرُدّ تذبذب كلتا الحضارتين وعدم اكتمال تطوّرهما وانهيارهما السريع أمام القوة العسكرية للممالك الأوروبية الصاعدة إلى السلبيات الناجمة عن تعاظم منسوب العنف وتواتر انتشار الجوائح والأوبئة. وهو ما مكّن في الأخير من صياغة جملة من الفصول، أفردت لفهم تشُّكُل ثقافة الفرد أوروبيًا بعد انحسار التصوّرات الغيبية، واكتمال المعرفة بالعالم والسيطرة بفضل تمثيل المجال جغرافيًا على مجهول الفضاءات (ص 793 - 1030). ولم يكتف مؤلف هذا الأثر، الذي نقف على محصلة ترجمته إلى اللغة العربية، عند استعراض هذا التصوّر التركيبي، وتقديم صورة عن التحولات الفارقة التي عاشها العالم منذ منعطف القرن الخامس عشر. فقد عرضت علينا مؤلفات باتريك بوشران اللاحقة ومن بينها كتاب بين زمانيتين نقاش حول التاريخ7 الصادر سنة 2012، توضيحات طريفة بخصوص أهمية الهجانة في فهم أشكال المثاقفة بين مختلف شعوب العالم وحضاراته المتعدّدة. وهو ما توسّع بشأنه الفصل الثاني من هذا المؤَّلَف الذي حمل عنوان: "تاريخ مخطّط الألوان على شاكلة جلد حمار وحشّي part en part de zébrée histoire Une " (ص 33 - 62). فقد انطلق بوشران من قراءة مخصوصة للوحة "الفلاسفة الثلاثة" التي رسمها الفنان التشكيلي الإيطالي جورجيانو برباريلّي (ت. 1510 م) حتى يبين لنا مدى تهافت مدلول "عصر النهضة" غربيًا، معتبرًا أن الوساطة العربية في نقل معارف الحضارات القديمة لم تشكّل عاملًا ثانويًا، بل إطارًا جامعًا جرى بفضله تبادل المعارف، ولم تتصادم ضمنه الحضارات فحسب، بقدر ما خضعت لقوانين التبادل والقرصنة والتهجين الثقافي. فمن المنمنمات الفارسية إلى الواجهات اليابانية، مرورًا بالبعثات المشهورة لأميرال البحر الصيني زنغ هي في الفترة 1405 - 1433، يبدو من السهل إضافة جملة من الأمثلة المعِّبّرة التي تقوّض ما روج له الأوروبيون زمنًا طويلًا، من دعوى تحيل على انقطاعهم بمفردهم لحبّ المعرفة أو احتكارهم لفضول استكشاف العالم. ففي الوقت الذي أضحت فيه أرشيفات العالم متاحة افتراضيًا من أجل التثبّت من حقيقة غزارة المعطيات التي تحيل على تواريخ شعوب العالم، ينبغي للمرء أن يكون على قدرٍ غير قليل من الانغلاق، بل من العمى حتى يرفض اختبار تلك الادعاءات، عاملًا على الكشف عن جليّتها. لذلك اعتبر مؤلف بين زمانيتيندائمًا أنّ اندفاع الأنثروبولوجي

  1. Partick Boucheron, L'entretemps conversation sur l'histoire)Paris: Verdier, 2012 (.

جاك غودي للوقوف على خط ولادة جديد للنهضة خارج المجال الأوروبي8، فاقد لكل وجاهة، بل دافع نحو تأبيد مدركات الأوروبيين القديمة بخصوص اختزال التقدّم والازدهار في حضارتهم من دون بقية حضارات العالم الأخرى. وهو تصوّر يتعارض مع التوجه الذي قاد المؤرخ رومان برتران الذي حاول التعريف ضمن مؤلفه الموسوم ب التاريخ المتساوي: سردية لقاء بين الشرق والغرب (خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر) بكيفيّة اشتغال السرد ضمن حوليات جزيرة جاوا الملكية، تلك التي شكّلت في الأصل مدونة شعرية شفوية شملها التدوين بداية من القرن الرابع عشر. فقد أشار في استعارة بليغة إلى أن التعامل مع تلك المرويات التأسيسية يماثِل عملية استصلاح غابة كثيفة، تمكّن حسن تدبير الأمير من تشذيبها ليحوّلها في الأخير إلى جنّة غنّاء، شغلت السلطة ضمنها الدور نفسه الذي يؤديه عطر رائحة أشجار الصندل الغابية. وهو ما يحسُن الإعراض بالكامل عن اعتباره مجرد تتبيل مقصده إكساب تواريخ الغرب مذاقًا شرقيًا، بقدر ما يتعيّن الاعتبار بالمسافة التي ينبغي للمؤرخ احترامها إزاءه، تفاديًا للوقوع في أُلفة مكذوبة تجاه تاريخ موطنه، معتقدًا في بداهتها السطحية، تلك التي تحول دون تجدّد طابعها المثير والمدهش. فليس هناك تفصيل واحد مما عرفه العالم من وقائع وأحداث لا يمكن أن يسترعي انتباهنا، بشرط أن نتدبّر ذلك بمنتهى الفضول والعناية. ويتقاطع هذا التصوّر مع ما أشار إليه ميشال فوكو بخصوص مهنة المؤرخ، لما اعتبر أنه لا ينبغي أن نماثل بين عمل المؤرخ وعمل البستاني الذي يعيد بيدَين ماهرتين ترتيب حديقة الأحداث بعد جمعها؛ فدور المؤرخ الحقيقي هو الكشف عن مخاتلة جميع البديهيات لتخليص حديقته من عودة النباتات الضارة إلى النموّ من جديد. لذلك ينبغي القطع مع جميع دواعي الاستكانة أو التصديق على ما يبدو أليفًا. فالمعرفة الحقيقية لا تعني بالضرورة العثور على ما نبتغيه؛ لأن التاريخ لا يُنتج موفور الدلالة، إلا حال إدراج ما هو متقطّع أو مصادف من أحداثه ضمن تصوّر يعيد على نحوٍ مستمر تشكيل سرديتنا الجمعية9. لذلك فإن تزامن العيش في الفترة نفسها لا يكسبنا بالضرورة صفة المعاصرة؛ لأن تلك الصفة لا تفيد النزوع إلى التأثير في مجرى الأحداث وتحديد كيفية صنع القرار، بل تحيل بالأساس على تقاسم التصوّرات ذاتها بخصوص ما قد تستقيم تسميته "جودة الزمن". لذلك ينبغي ردّ دلالتها العميقة إلى نوع من السير المتعرّج، الذي يتضمن بالضرورة اختلال التوازن وكثرة التعثّر، تمامًا مثل استعراض ما يشكّل مسارات الأفراد على الحقيقة أو يكاد.

  1. Jack Goody,  Renaissances. Au singulier ou au pluriel? Collection Mnémosya (Paris: Armand Colin,  2020).
  2. Michel Foucault, L'archéologie du savoir (Paris: Gallimard, 1969).

المراجع

العربية

بوشرون، باتريك [وآخرون]. تاريخ العالم في القرن الخامس عشر. نسق الترجمة وراجعها لطفي بوشنتوف. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود؛ بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2022.

عيسى، لطفي. أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتماء والأصول. تونس: منشورات مسكلياني، 2019.

مساءلة الانتماء من منظور المباحث التاريخية التونسية. إشراف لطفي عيسى. سلسلة البصمة والمنوال. تونس: كلمة للنشر، 2021.

الأجنبية

Agamben, Gorgio. Qu'est-ce que le contemporain? Maxime Rovere (trad.). Paris: Payot et Rivages, 2008.

Bertrand, Romain. L'histoire à parts égales Récits d'une rencontre, Orient-Occident (XVIe-XVIIe siècle). Paris:

Seuil, 2011.

Boucheron, Partick. L'entretemps conversation sur l'histoire. Paris: Verdier, 2012.

Boucheron, Patrick (dir.). L'histoire du monde au XV e siècle. Paris: Fayard 2009.

Foucault, Michel. L'archéologie du savoir. Paris: Gallimard, 1969.

Frankopan, Peter. The Silk Roads: A New History of the World. New York: Vintage Reprint, 2017.

Goody, Jack.  Renaissances. Au singulier ou au pluriel? Collection Mnémosya. Paris: Armand Colin,  2020.

Gruzinski, Serge. Les quatre parties du monde: Histoire d'une mondialisation. Paris: Points, 2006.

Hodgson, Marshall. Rethinking World History: Essays on Europe, Islam and World History, Studies in Comparative

World History. Cambridge: Cambridge University Press, 1993.

_______. The Venture of Islam Conscience and History in a World Civilization? Chicago: The University of

Chicago Press, 1974.

McNeill, William. The Rise of the West: A History of the Human Community. Chicago: University of Chicago

Press, 1963.

Stanziani, Alessandro. Les entrelacements du monde: Histoire globale pensée globale XVI e XXI e siècles. Paris:

CNRS, 2018.