جذور الثورة المصرية 1919 من منظور الأرشيف الألماني
The Roots of the 1919 Egyptian Revolution from the Perspective of the German Archives
الملخّص
غالبًا ما يركز تاريخ النشاط المناهض للاستعمار في مصر خلال الربع الأول من القرن العشرين على التطورات التي حدثت داخل الحدود الإقليمية للدولة المصرية الحديثة. ومع ذلك، كانت توجد مجموعة كبيرة من الناشطين المصريين الذين عارضوا الاحتلال البريطاني أثناء إقامتهم في الخارج في مدن مثل باريس ولندن وجنيف وبرلين وبيروت وإسطنبول. تهتمّ هذه الدراسة بمجموعات فترة سابقة لثورة 1919، كان لها دور فعال في اندلاع تلك الثورة. وبعد استعراض الأدبيات المتعلقة بالنشاط المناهض للاستعمار في مصر، واقتراح إطار جديد لفهم الأبعاد العابرة للحدود الوطنية والشتات، تعيد الدراسة التفكير في هذه المجموعات الوطنية ونشاطاتها السياسية.
Abstract
The history of anti-colonial activism in Egypt during the first quarter of the twentieth century often focuses on developments within the territorial boundaries of the modern Egyptian state. However, there was a significant cohort of Egyptian activists who opposed British occupation while residing abroad in cities such as Paris, London, Geneva, Berlin, Beirut, and Istanbul. This article examines these groups, particularly those based in Berlin in the period leading up to the 1919 Revolution, highlighting their crucial role in sparking the uprising. Following a review of the literature on anti-colonial activism in Egypt and the proposal of a new framework for understanding its transnational and diasporic dimensions, the article reconsiders the activities of these nationalist groups and their political engagements.
- مناهضة الاستعمار
- الحركة القومية المصرية
- المهاجرون السياسيون
- الدعاية الألمانية في العالم الإسلامي
- ثورة 1919
- German Propaganda in the Islamic World
- Political Migrants
- Egyptian Nationalist Movement
- Anti-colonialism
القبول Accepted Received التسلم Revised التعديل
| //d i ف 31430/VAAJ2838 /10 الت ال ق | DOI: https://doi.org/10.31430/VAAJ2838: الرقم التعريفي | |
|---|---|---|
| تقادم الخطيب | Al-Khatib *Taqadum | ||
| جذور الثورة المصرية 1919 من منظور الأرشيف الألماني The Roots of the 1919 Egyptian Revolution from the Perspective of the German Archives |
غالبًا ما يركز تاريخ النشاط المناهض للاستعمار في مصر خلال الربع الأول من القرن العشرين على التطورات التي حدثت داخل الحدود الإقليمية للدولة المصرية الحديثة. ومع ذلك، كانت توجد مجموعة كبيرة من الناشطين المصريين الذين عارضوا الاحتلال البريطاني أثناء إقامتهم في الخارج في مدن مثل باريس ولندن وجنيف وبرلين وبيروت وإسطنبول. تهتمّ هذه الدراسة بمجموعات فترة سابقة لثورة 1919، كان لها دور فعال في اندلاع تلك الثورة. وبعد استعراض الأدبيات المتعلقة بالنشاط المناهض للاستعمار في مصر، واقتراح إطار جديد لفهم الأبعاد العابرة للحدود الوطنية والشتات، تعيد الدراسة التفكير في هذه المجموعات الوطنية ونشاطاتها السياسية.
The history of anti-colonial activism in Egypt during the first quarter of the twentieth century often focuses on developments within the territorial boundaries of the modern Egyptian state. However, there was a significant cohort of Egyptian activists who opposed British occupation while residing abroad in cities such as Paris, London, Geneva, Berlin, Beirut, and Istanbul. This article examines these groups, particularly those based in Berlin in the period leading up to the 1919 Revolution, highlighting their crucial role in sparking the uprising. Following a review of the literature on anti-colonial activism in Egypt and the proposal of a new framework for understanding its transnational and diasporic dimensions, the article reconsiders the activities of these nationalist groups and their political engagements.
محاضر سابق في التاريخ الحديث للشرق الأوسط في جامعة هايدلبرغ. زميل ما بعد الدكتوراه سابقًا في جامعة درم في المملكة المتحدة. Former Lecturer in Modern History of the Middle East at Heidelberg University. Former post-doctoral fellow at Durham University, UK. taqadum.k@protonmail.com
مقدمة
أتاحت أحداث الربع الأول من القرن العش يرن فرصةً لظهور حركات مناهضة الاستعمار على المستوى المفاهيمي والتنظيمي. وفي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وجد المهاجرون من أجزاء مختلفة من أف يرقيا وآسيا موطنًا مؤقتًا ومساحة سياسية
في العاصمة الألمانية، برلين، لممارسة نشاطاتهم المناهضة للاستعمار1. وبدءًا من الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، حينما
كانت ألمانيا توشك أن تفقد مكانتها بوصفها قوة إمبراطورية، أدّت برلين دور المضيف لمجموعة متنوعة من منظمات المهاج يرن
والأفراد المنخرطين في النضال ضد الهيمنة الاستعمارية التي ربما كانت بمنزلة نقطة مفضلة لإعادة تسمية بعض الأحياء بأسماء قاطنيها، مثل الحي الأف يرقي. كان الوجود المتزايد للرعايا الاستعماريين في أوروبا منذ الحرب العالمية الأولى يعني أن مناهضة الاستعمار ظهرت أيضًا حقلًا
سياسيًا في المراكز الإمب يرالية. وأتاحت لهم البيئة الحض يرة فرصةً للتفاعل مع زملائهم المهاج يرن من أبناء المستعمرات والجهات
الفاعلة من المجتمعات المضيفة لهم، وسُمح لهم بمتابعة التعليم الأكاديمي والمشاركة في التبادل الحيوي للأفكار السياسية التي
ميزت المدن الأوروبية. وقد استضافت برلين مجموعة متميزة من الأفراد الذين واصلوا فيما بعد قيادة النضال المناهض للإمب يرالية في جميع أنحاء العالم، ووصف العديد منهم تجاربهم في أوروبا بأنها فترة تكوينية حاسمة في تطو ري تفكيرهم السياسي. اضطلعت النشاطات وشبكات التعاون العابرة للحدود التي أنشأها المهاجرون/ المنفيون في تلك الفترة بدور مهمّ في عملية إنهاء الاستعمار
وتطور الحركات المناهضة له، إلى جانب التأثير بصفة مباشرة في المجتمع الأوروبي للتع يرف بقضايا البلدان التي تعاني الاستعمار. غير أن العديد من تلك النشاطات والشبكات العابرة للحدود التي تم إنشاؤها في تلك الفترة لم تدرس على نحو معمّق، نظرًا إلى غياب
المصادر الأصلية حولها، أو عدم الوصول إليها. لذا، فإن إعادة دراستها من أحد أهم المصادر، وهو الأرشيف الألماني، ستضيف بُعدًا
معرفيًا جديدًا إلى الحقل الأكاديمي بتخصصاته المختلفة. كانت برلين تختلف فعلًا عن لندن وباريس، من حيث إنها لم تستوعب سوى عدد قليل من المهاج يرن من أقاليم ما وراء البحار الألمانية، خلال فترة الإمبراطورية. كان هذا يعني أنه حتى أثناء استمرار الإمبراطورية الألمانية، لم تكن السياسات المناهضة للاستعمار في برلين موجهة أساسًا ضد الممارسات الاستعمارية الألمانية. وكان لتجربة الهجرة دور رئيس في التطور السياسي لمناهضة
الإمب يرالية، بل من الممكن القول إنّ الاتصال بالتيارات الفك يرة الغربية في تلك الفترة ليس هو ما ساعد في تع زيز مناهضة الإمب يرالية
وبناء الحركات القومية فحسب، ثمّ إنّ التجربة الحية للتفاعل مع "الأعراق المختلفة" في برلين قد ساعدت أيضًا في كشف تناقضات
الاستعمار، وأثبتت أنّ سياسات المجتمع المحلي هي "ساحة ممارسة مهمة" لتطور القادة المناهضين للإمب يرالية. فشخصيات مثل
شو إن لاي Enlai Zhou (رئيس الوزراء الصيني لاحقًا)، وتشيمباكارامان بيلاي Pillai Chempakaraman من الهند، ومحمد ف يرد (زعيم الحزب الوطني المصري) وآخ يرن قد أدّت أدوارًا كبيرة في تع زيز مثل هذه المفاهيم وممارستها. أما على الصعيد السياسي، فقد أدّت ظروف إلى أن تبدو برلين جذابة خاصة في نظر الناشطين المناهضين للاستعمار، لا سيما
الوطنيين المص يرين. فكان الدعم الألماني لهؤلاء الوطنيين في الفترة التي سبقت ثورة 1919 مدفوعًا بسياستها الأوسع خلال فترة
1 ينظر كتابه:
Erez Manela, The Wilsonian Moment, Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism (Oxford: Oxford University Press, 2009).
ويشرح هذا الكتاب ما قام به الزعيم القومي المصري سعد زغلول، إضافة إلى قائمة طويلة من كبار السياسيين والأحزاب والمنظمات المهنية والمجموعات النسائية
والجماعات الطلابية والمنظمات المص يرة في الخارج، وحتى المواطنين المص يرين العاديين، الذين تحركوا للكتابة إلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية حينما وصل إلى
باريس لحضور مؤتمر السلام.
الحرب العالمية الأولى لدعم الحركات الراديكالية والقومية ضد الاستعمار في جميع أنحاء العالم. إضافة إلى ذلك، خلال الحرب العالمية الأولى، عملت ألمانيا والإمبراطورية العثمانية على ترسيخ الموقف الإسلامي الشامل في محاولة لتعبئة المسلمين ضد أعدائهم (المستعم يرن)، وقدمت ألمانيا نفسها بصفتها قوة دولية أكثر جاذبية من ناحية مناهضة السياقات الإمب يرالية، وسعت أيضًا
إلى بناء نفوذ أكبر لدى الطلاب المص يرين المنتمين إلى الحزب الوطني أو المستقلين. وفي برلين وسويسرا، كان التمويل الألماني للمجموعات الطلابية والأفراد المنفيين دور حاسم في تع زيز هذا الوضع، في حين كانت ب يرطانيا العظمى وفرنسا قلقتين جًّدًا بشأن
العواقب المحتملة لهذه الدعاية، واستثمرتا جهودًا وأمو لًا كبيرة في اعتراضها ومواجهة تأثيرها2. وكان موقع برلين، من ناحية أخرى، جيّدًا جغرافيًا؛ فهي تقع في منتصف الط يرق بين حواضر أوروبا الغربية وموسكو، حيث
لم يكن لدى السلطات اهتمام كبير بحظر النشاطات المناهضة للاستعمار كما كان الحال لدى نظيراتها في لندن أو باريس؛ إذ إن الحزب الشيوعي الألماني قدّم مركزًا قويًا وأساسًا قويّا، للبنية التحتية المناهضة للاستعمار3. ومن أبرز تلك الأمثلة الدالّة على التعاون
بين الحركة العمالية والحركات المناهضة للاستعمار في برلين رابطة ضد الإمب يرالية LAI، وكان مقرها الرئيس في شارع ف يردريش Straße Friedrich في برلين، وقد تحوّل اليوم إلى أحد أهم شوارع التسوق في برلين، ولم يكن هذا الشارع مكانًا للعمل الإداري
للرابطة فحسب، بل أيضًا لتنظيم الأحداث والحملات المحلية المناهضة للاستعمار أو إجراء دورات التثقيف السياسي للناشطين
المهاج يرن4، وهذا هو السبب في أن يكون المقهى الرئيس للمعارضة المص يرة في تلك الفترة واقعًا في هذا الشارع، حيث كان
لمحمد ف يرد وعدد من المعارضين المص يرين الآخ يرن وجود دائم فيه. وإلى جانب التزامات برلين الشيوعية، كان لها مشهد متنوع جًّدًا
من المنشورات التي وفرت مساحة للأصوات المعارضة؛ وهي مساحة أمكن أن يستخدمها الناشطون المهاجرون خلال فترة جمهورية فايمار. وقد استثمر القوميون المص يرون في هذه المساحة المهمة، وتحوّلت برلين إلى مركز لنشاطات النشر الخاصة بهم. ستركز هذه الدراسة على إبراز علاقة ألمانيا بكوادر الوطنيين المص يرين، ممن ساعدوا على تفجير ثورة 1919، والدور الذي أداه بعض الأشخاص الذين انخرطوا في هذه العلاقة المناهضة للاستعمار وشبكات التعاون العابرة للحدود. وفي حدود المعرفة المتاحة، تأتي هذه المساهمة لتشكل إحدى المساهمات القليلة التي كتبت في هذا الموضوع، خاصة المساهمات المكتوبة باللغتين العربية والإنكلي يزة على حد سواء. وهي تمثل إضافة جديدة ومهمة لفهم حركات المعارضة الحض يرة ونشاطاتها في الربع الأول من القرن العش يرن. وفي المقابل، فإن أخذ العاصمة الألمانية إطارًا مكانيًا للتحليل يسمح لنا بالنظر إلى ما هو أبعد من ظهور حركات منفصلة
مناهضة للاستعمار، ويوجه انتباهنا إلى التزامن والتفاعلات بين مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة المناهضة للاستعمار، وهي مهمة
اكتسبت مدًا من التركيز، وحظيت بمكانة بارزة في البحث التاريخي في الآونة الأخيرة، ولكنها لا تزال غير مطروقة على نحو كافٍ.
الدراسات السابقة
عند التركيز على الموضوع قيد الدراسة، نجد أن الدراسات التي تناولته قليلة إلى حد ما، سواء كان ذلك باللغة العربية أو الإنكلي يزة، أو الألمانية. فهناك دراستان بالألمانية: الدراسة الأولى هي دراسة المؤرخ السويسري مارك ت يرف يزجر Trefzger Marck التي نشرت عام 1970، وهي في الأساس رسالته للدكتوراه، وقد اهتمت الدراسة بالنضال السياسي والصحافي للوطنيين المص يرين الذين عاشوا في المنفى
2 Jacob M. Landau, Pan-Islam: History and Politics (London: Routledge 1990), p. 121.
3 سيظهر هذا الأمر على نحو أوضح في عملية إنشاء الحزب السياسي والمعارك التي دارت بين الألمان والإنكليز. ينظر:
Nathanel Kuck, "Anti-colonialism in a Post-Imperial Environment-The Case of Berlin" 1914 - 33 ," Journal of Contemporary History , vol. 49 , no. 1 (2014), pp. 134 - 159.
4 اقتحمت الشرطة الألمانية هذا المكان مرات عديدة. ينظر تقار ري الشرطة الألمانية ضمن وثائق من أرشيف وزارة الخارجية الألمانية في:
Geheimes Staatsarchiv Preussischer Kulturbesitz Rep. 77 , 4043 , Nr. 221 , 2 – 31.
في سويسرا، إلى جانب البحث في آثار النشاطات الأدبية والتح يرضية للمنفيين في الرأي العام في سويسرا، من خلال التقييم الصحافي للأسلوب والمحتوي للإصدارات الصحافية الخاصة بهم. وقد أولى ت يرف يزجر الشخصيات الرئيسة عناية خاصة، وركز على السير الذاتية السياسية لممثلين مهمين عن الحزب الوطني المصري، مثل محمد ف يرد، ومحمد فهمي، ومنصور رفعت... إلخ. وتوصّل الباحث، في
دراسته، إلى استنتاج مفاده أن المص يرين في المنفى لم ينجحوا في جذب الجمهور السويسري بمطالب الاستقلال الوطني المتعلقة بالقضية المص يرة5. إن محاولة ت يرف يزجر تلك كان لها أثرها في العديد من الباحثين خاصة في ألمانيا لدراسة هؤلاء القوميين، وفي مقدّمتهم المستشرق الألماني جيرهارد هوب Höpp Gerhard الذي درس في العديد من أعماله حياة المص يرين ونشاطاتهم وغيرهم من
العرب الذين ناضلوا من أجل الاستقلال الوطني في ألمانيا من جوانب مختلفة، كما أنه شهد آثار التفاعل الثقافي الإسلامي - المسيحي وعمليات النقل والتفاعل بين الثقافتين. وتابع هوب باهتمام كبير نشاطات المص يرين السياسية في الحرب العالمية الأولى. وتوجد مسألة مهمة قام بها في دراساته لم يتم تسليط الضوء عليها حتى الآن، ولم تنل اهتمامًا كبيرًا من الباحثين؛ وهي تحقيقه في أمر أسرى الحرب
المسلمين في المعسكرات الألمانية، التي تم إنشاؤها حص ريًا لأغراض دعائية بهدف تجنيد نزلاء جهاديين6. امتد تأثير ت يرف يزجر أيضًا
ليشمل المستشرقين الألمان المعاص يرن، ومنهم المستشرق الألماني بجامعة ماربورج ألب يرشت فوس الذي سار على نهج ت يرف يزجر في دراسته القيمة المتعلقة بتاريخ الجالية الألمانية في مصر في الفترة 1901 - 19397. وعلى النحو نفسه، فإن الدراسات باللغتين الإنكلي يزة والعربية في هذا المجال لا تزال قليلة، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الألمان بالقوميين العرب، ولا سيما وخاصة الوطنيين المص يرين. ومن أهم الدراسات السابقة أعمال الندوة التي نظمها وجيه عبد الصادق عتيق، بالاشتراك مع المؤرخ الألماني فولف جانج شفانتس في القاهرة في الفترة 19 - 21 تش يرن الثاني/ نوفمبر 1996، تحت عنوان "مصر وألمانيا في القرنين التاسع عشر والعش يرن في ضوء الوثائق"، وقد شارك فيها باحثون عرب وألمان، ونشرت أعمال هذه الندوة دار الثقافة العربية بالقاهرة عام 1997، ومن بينها دراسة عبد الرحمن ب جر التي تناول فيها موقف ألمانيا من المسألة المص يرة. ونذكر أيضًا دراسة وجيه عبد الصادق عتيق المتعلقة بدور ألمانيا في الحملة التركية على مصر في الحرب العالمية الأولى، والتي اعتمد في إعدادها على ملفات الأرشيف الألماني. ونذكر كذلك مقالة المؤرخ المصري رؤوف عباس بخصوص علاقة ألمانيا بالحركة القومية المص يرة في الفترة 1882 - 1918، وقد اعتمد فيها أساسًا على مذكرات محمد ف يرد8. وبالنظر إلى ما أورده عباس استنادًا إلى ما دوّنه
ف يرد، نجد نقصًا في المعلومات أيضًا، فهناك الكثير من الأحداث التي كانت تدور من خلف ف يرد ولم يكن على علم بها، كما أنه لم
يكن يدوّن كل شيء في وقته، ولم يذكر العديد من الأحداث في مذكراته؛ إما لأنه نسيها، وإما لأنه تجنب ذكرها، مثل تعاونه وعدد
من أعضاء الحزب الوطني مع الألمان والأتراك في حملة السويس الأولى عام 1914.
أسئلة الدراسة
تحاول الدراسة إبراز علاقة ألمانيا بالوطنيين المص يرين، الذين سعوا لتفجير ثورة 1919، من خلال طرح الأسئلة التالية: ما علاقة ألمانيا بالكوادر النشطة من بين الوطنيين المص يرين؟ وكيف بدأ التعاون بين هؤلاء الوطنيين المص يرين والسلطات الألمانية؟
5 Marc Trefzger, Die nationale Bewegung Ägyptens vor 1918 im Spiegel der schweizerischen Öffentlichkeit (Basel/ Stuttgart: Verlag von Helbing & Lichtenhahn, 1970). 6 G. Höpp, "'Die ägyptische Frage ist in Wirklichkeit eine internationale' - Zur politisch-publizistischen Tätigkeit ägyptischer Antikolonialisten in Berlin 918 - 1928 ," Asien , Afrika , Lateinamerika , vol. 15 , no. 1 (1987), pp. 87 - 98. 7 Albrecht Fueß, Die deutsche Gemeinde in Ägypten von 1919 - 19 39 (Hamburg: Lit, 1996). 8 Raouf Abbas Hamed, "Germany and the Egyptian Nationalist Movement " 882 - 1918 ," Die Welt des Islams , vol. 28 , no. 1 - 4 (January 1988), pp. 11 - 24.
وما أبرز الشخصيات التي ورد ذكرها في وثائق الأرشيف الألماني؟ وما سياسة ألمانيا، بصفتها دولة مضيفة، تجاه هؤلاء المنفيين المص يرين؟ وما الدعم الذي قدمته لهم؟ وكيف استغل الوطنيون المص يرون هذا الدعم للقيام بنشاطاتهم المختلفة من أجل التع يرف بقضيتهم وكسب تعاطف المجتمعات الأوروبية؟
وثائق الدراسة
تقوم هذه الدراسة على تحليل وثائق الأرشيف الألماني الموجودة في أرشيف وزارة الخارجية الألمانية ببرلين PAAA، والأرشيف العسكري، في مدينة كوبلنز الألمانية، BAK، ومقارنتها بوثائق الأرشيف الب يرطاني FO PRO. وتتمثّل قيمة هذه الوثائق في أنها
تعكس رؤية الدولة الألمانية تجاه مصر في تلك الفترة؛ إذ إنها أبرزت مصر على أنها دولة مستقلة وذات سيادة وتقع تحت الاحتلال الإنكليزي، وأبرزت علاقة ألمانيا بالوطنيين المص يرين الذين كانوا في المنفى في تلك الفترة، وكشفت عن الدعم الألماني المقدّم
لهم. وتأتي وثائق الخارجية الألمانية على ذكر العديد من الشخصيات، والمؤسسات والكيانات السياسية لشخصيات مص يرة وجدت حينئذ في المنفى، إلى جانب الشخصيات الألمانية الممثلة للخارجية في التواصل معهم، وتأثير هؤلاء الأشخاص في سير الأحداث في مصر. ومن بين الشخصيات التي أبرزتها الوثائق الألمانية عباس حلمي الثاني الذي كان يسعى لاستعادة عرشه في مصر، بعد أن عزله الاحتلال الإنكليزي، إلى جانب شخصيات أخرى في المعارضة المص يرة في المنفى، في مقدمتها محمد ف يرد بك، رئيس الحزب الوطني، وكذلك الشيخ عبد الع ريز جاويش. وتكشف وثائق الأرشيف الألماني أيضًا عن جزء مهم منسي في تاريخ الحركة المص يرة، لم يحظ بالدراسة، وهو الحركة الطلابية التي تشكلت في المنفى في تلك الفترة، ورموزها الذين أدّوا دورًا واضحًا في
تعبئة المجتمعات الأوروبية للتع يرف بقضيتهم. وفي المجمل، تقدّم وثائق الأرشيف الألماني، خاصة وثائق وزارة الخارجية، معطيات
معمّقة عن الأحداث والنشاطات والتحالفات والصراعات وكذلك العلاقات المعقدة التي كانت تربط المص يرين بعضهم ببعض، والدولة
الألمانية من ناحية، ومن ناحية أخرى توضح كيف اهتمت ألمانيا، على نحو أكبر، بتقديم الدعم للأشخاص البارزين وأصحاب الثقل السياسي مثل الخديوي عباس حلمي الثاني، ومحمد ف يرد بك، والشيخ عبد الع زيز جاويش. ونظرًا إلى اتساع الوثائق وتشعبها وكثرة المعلومات الواردة فيها، ستركز الدراسة على إبراز الدور الألماني على مستويين: المستوي
الأول، الدعاية الألمانية واستخدام فكرة الجهاد لتثو ري الشعب المصري ودور الجواسيس الألمان في القاهرة في تنفيذ هذه الخطة بالتعاون مع المنفيين المص يرين، أما المستوي الثاني فهو عن الدعم الذي وفرته الحكومة الألمانية لنشاطات المعارضة المص يرة في المنفى (وخصوصًا الشخصيات البارزة منهم) في الفترة التي سبقت تشكيل ثورة 1919 (مثل تأسيس الروابط السياسية، والصحف
والمؤتمرات، وكذلك الأحزاب السياسية).
المنهجية
كان لوجود عدد كبير من المهاج يرن/ المنفيين من سياقات إمبراطورية مختلفة في برلين، وللنشاطات العابرة للحدود التي تم تشكيلها في تلك الفترة، الأثر الواضح في تشكيل مجال سياسي متماسك لمناهضة الاستعمار. ومن خلال السؤال عن نوع التفاعلات التي أتاحتها برلين أو موّلتها، أو طلبت من هؤلاء الناشطين الوافدين القيام بها، ستأتي هذه الدراسة على ذكر هذه النشاطات، وتعتبر
بذلك مساهمة جديدة فيما يتعلق بتاريخ مناهضة الاستعمار المبكر، وكيفية تسجيل هذه النشاطات في الأرشيف الألماني. من ناحية أخرى، فإن دراسة هذه النشاطات، في سياق مناهضة الإمب يرالية، تقع في إطار دراسة الحركات الاجتماعية التي تشكلت في تلك الفترة، والتي كان لها دور مهم في عملية التعبئة من أجل التع يرف بالقضية المص يرة، وأحقية مصر في نيل استقلالها وجلاء الاحتلال الإنكليزي عنها، وكسب تعاطف المجتمعات الأوروبية. ومن الجد ري بالذكر أن هذه الحركة الاجتماعية السياسية تشكلت في المنفى،
ومن ثمّ فدراستها من منظور نظ يرة الحركات الاجتماعية وحدها لن تكون كافية، بل ستتداخل مع عدة منظورات مختلفة للمهاج يرن،
وممارساتهم السياسية العابرة للحدود القومية على المستوى الجزئي مع المنظور السياسي على المستوى الكلي. وتنظر في نشاطات الأفراد، وسياسة الدول المضيفة تجاه مجتمع المنفيين، وكذلك العوامل المؤثرة في فاعلية نشاط هؤلاء المنفيين، مستندة في ذلك إلى الأدبيات المختلفة لدراسات سلوكهم، وسير الأفراد الذاتية وأدوارهم التنظيمية9. وطبقًا لدراسات مجموعات المنفيين للخارج، توجد ثلاثة عناصر رئيسة تؤدي دورًا في العلاقة بين المجموعات المنفية ومواطنيها
في الخارج، وهي تختلف كثيرًا من حالة إلى أخرى وتتأثر بمتغيرات مختلفة؛ مثل شخصية المنظمة نفسها، وسياسات الدولة المضيفة
تجاه نشاطات المنفيين، ونشاطات النظام الداخلي المضادة لتثبيط المعارضة في الخارج10. ومن المهم القول إن الطبيعة الاجتماعية والسياسية للبلد المضيف هي التي تحدد قدرة المنفيين في الخارج على تنظيم النفوذ وممارسة تأثير غير مباشر في وطنهم، وتؤثر أيضًا في شخصية الشتات نفسه. وثمّة حالات تسعى فيها مثل هذه الدول المضيفة لاستغلال الشتات لتع زيز مصالح سياستها الخارجية
(على سبيل المثال الحكومتان الألمانية والتركية ومجتمع المنفى المصري خلال ثورة 1919). باستخدام هذه المنهجية، ستلقي الدراسة في أحد جوانبها الضوء على بدايات تشكّل المنفى المصري، بما سيساهم في فهم السردية والجذور التاريخية لمجتمع المنفيين المص يرين؛ وهو ما يمكن استخدامه في فهم بعض الظواهر الموجودة لدى المنفيين المص يرين في ألمانيا وتحليلها، من خلال إحالتها إلى جذورها التاريخية الأولى.
أوالًا: من الجهاد إلى الثورة
لاحظت ألمانيا أن معظم البلدان التي تقع تحت الاحتلالَين الفرنسي والإنكليزي هي بلدان إسلامية، تقع في الأساس ضمن نطاق الخلافة العثمانية. فلجأت إلى استخدام الإسلام، وبخاصة مفهومَي الجهاد، والقومية الإسلامية (أو ما يعرف بفكرة الجامعة
الإسلامية) أداةَ تثو ري للشعوب المسلمة ضد مستعم يرها11. لاقت الدعوة الألمانية باسم الجهاد رغبة قوية لدى حليفهم التركي، الذي دعا أيضًا إلى الجهاد لتح رير الشعب التركي في القوقاز وآسيا الوسطى من الاستبدادَين الروسي والأرمني، وإثبات نفوذ السلطان
(الخليفة) على جميع المسلمين الآخ يرن في العالم ولا سيما في الهند، والتح رير النهائي للإمبراطورية العثمانية من الهيمنة الاقتصادية والسياسية لجميع القوى12.
9 يتقاطع الأمر هنا مع نظ يرة الحركة الاجتماعية التي وضعها الأنثروبولوجي الفرنسي، بيير بورديو Bourdie Pierre، الذي حاول أن يقدّم عدة تفسيرات للحركة
الاجتماعية ونشأتها من خلال عدة أدوات من بينها نظ يرة تعبئة الموارد. وهنا، "يقصد استخدام الموارد أو الشبكات التي يستطيع الوكلاء الاعتماد عليها في عملية النضال
الخاصة بهم (رأس المال الثقافي والرمزي). وتوسع مساهمات بورديو فهمنا للتأثيرات الميدانية من المستوي التنظيمي إلى المستوي الفردي، وهو ما يشير إلى أن العديد
من الملاحظات المألوفة المتعلقة بعواقب السيرة الذاتية للنشاط يجب أن تُفهم فهمًا صحيحًا على أنها تأثيرات ميدانية، مترابطة على نحوٍ وثيق ومرتكزة في قطاعات فرعية
معينة من الفضاء"الاجتماعي". وهذا مهم، بصفة خاصة" لأن نهج "السياسة المثيرة للجدل"، الخليفة السائد لنظ يرة الحركة الاجتماعية الكلاسيكية، قد ركز أساسًا على
المنظمات، وليس لديه سوى القليل ليقوله عن السير الذاتية الفردية. وعلى مستوى أكثر أساسية، يقدّم مفهوم بورديو للهيبيتوس بدايلًا من نظ يرة العمل العقلاني الكامنة
في الكثير من نظ يرة الحركة الاجتماعية السائدة، مما يجعل من الممكن فهم سبب حشد بعض الفاعلين بينما لا يفعل الآخرون ذلك، إذا اختاروا المشاركة، وهو ما من
شأنه"أن يكتسب "الفوائد الانتقائية" نفسها، مثل المشاركين الآخ يرن. ووفقًا لوجهة النظر هذه، من خلال دراسة السير الذاتية الفردية، من الممكن تحديد "التجارب
التكوينية" التي ت يزد قيام بعض الأفراد بالتعبئة أكثر من غيرهم احتماليةً، وهنا يتقاطع الأمر مع عدد من دراسات الشتات.
10 Yossi Shain, The Frontier of Loyalty: Political Exiles in the Age of the Nation-State , vol. 6 (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2005), p. 52. 11 Fritz Fischer, "Deutsche Kriegsziele. Revolutionierung und Separatfrieden im Osten 1914 – 1918 (Zuerst: Historische Zeitschrift 18 " [1959])." in: Ernst W. Graf Lynar (ed.), Deutsche Kriegsziele 1914 – 1918. Eine Diskussion (Frankfurt/ Berlin: Verlag Ullstein, 1964), pp. 18 - 83 , esp. 23. 12 Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of Ottoman Empire and Modern Turkey: vol. 2 , Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey 1808 - 19 75 (New York: Cambridge University Press, 1977), p. 314.
وقد عُرفت الدعوة إلى الجهاد في الأدبيات الغربية، وبخاصة الألمانية، بالحرب المقدسة Krieg Heiliger. وفي تلك الفترة، رأت منظمة تركيا الفتاة في الدعوة إلى الجهاد أداة مهمة، لها تأثيرها المباشر والقوي لتوحيد الشعب خلف سياسات الحكومة العثمانية. وطبقًا لوثائق أرشيف وزارة الخارجية الألمانية، في مطلع آب/ أغسطس 1914، وبناءً على طلب من القيادة العليا للجيش بدأ الإعداد لاستراتيجية
التعبئة والتح يرض هذه، والتي سيستخدم فيها الإسلام أداةً لتثو ري الشعوب المستعمرة ضد مستعم يرها. وفي الرابع عشر من الشهر نفسه، قدّم المستشار القانوني لوزارة الخارجية الألمانية ف يردريش فون ب يرتويتز وجافرون n Gaffro und Prittwitz von Friedrich تق يررًا مختصرًا عن الأماكن التي بدأ فيها استخدام الدعاية الألمانية لتح يرض العالم الإسلامي على الجهاد. وقد شمل التق رير دولًا
مختلفة في أف يرقيا، وبخاصة بلدان المغرب العربي (المغرب، وتونس، والجزائر)، ونُظر إلى مصر على أنها المنطقة المستهدفة. وقد تزامن هذا التق رير مع عودة ماكس فون أوبنهايم Oppenheim von Max الرحالة والدبلوماسي الألماني المعروف، إلى وزارة الخارجية في آب/ أغسطس من العام نفسه. تم تكليف أوبنهايم بالاتصال بالمعارضة المص يرة، وبخاصة الموجودة في المنفى، والنشطة ضد الاحتلال الإنكليزي، من أجل تنظيم حركة إسلامية تنشأ في مصر وتنتشر عبر مكة إلى بقية العالم الإسلامي وصولًا إلى الهند13. وقد اقترح أوبنهايم وصف تلك الحرب المقدسة بأنها حركة التحرر ضد الإمب يرالية. وفي كتابه تثوير المناطق الإسلامية وضع أوبنهايم خطته لاستخدام فكرة الجهاد، وقد تحدث عن مصر قائلًا: "إنه في مصر، المناهضة لإنكلترا وفي مصر السودان، سيكون ما مجموعه أكثر من اثني عشر مليون مسلم على استعداد لدعم الجهاد إذا تم استفزازهم مسبقًا على النحو الأمثل، لذلك فإن انتصار الجيش التركي المنتظر مند فترة في بلاد النيل قد اقترب، فيجب تس يرع أعمال الدعاية، والتي يجب أن تتم باسم الخليفة على نحوٍ متزايد وبضغط عالٍ من أجل إثارة غضب الناس العاديين عن ط يرق المناشدات والوسائل الأخرى، كما أنه يجب إبراز العنصر الديني، على نحو خاص، من خلال الأزهر، وعامل الإخوة، وما إلى ذلك". في الوقت ذاته، اقترح أوبنهايم أيضًا البدء في تنفيذ أكبر عدد ممكن من الانقلابات والاغتيالات وما إلى ذلك [...]، بغض النظر عما إذا كانت ستنجح أم لا، من أجل جعل مستقبل وجود الإنكليز في مصر أكثر غموضًا14. كان هدف أوبنهايم من هذه القلائل هو إثارة الإنكليز لممارسة م يزد من الأعمال الانتقامية والقمع ضد المص يرين، ما سيؤدي بدوره إلى تفاقم معاناة السكان، لأن الأعمال الانتقامية سوف تؤدي إلى تفاقم معاناة الشعب المصري15. ويقول: إنه كلما استخدم الإنكليز القمع بأكثر قسوة، وكلما ضربوا الأب يراء، كما هو متوقع، زادوا الشعب الخامل غضبًا وتعصّبًا، الذي يوصف أحيانًا، على نحو بأنه جبان، وهذا الأمر سيجعل سكان المدن والفلاحين مستعدين
للقتال بكل الوسائل حتى بالسكين لطرد الإنكليز16. وقد اقترح أيضًا استخدام "حرب الغوريلا" ضد الإنكليز وتجنيد ميليشيات من العناصر المعادية لهم. ومن أجل تطبيق هذه الخطة أثار أوبنهايم حماس وز ري الحربية التركي حينها (إسماعيل باشا)، والدائرة المقربة من الخديوي عباس حلمي الثاني. كان أوبنهايم يدرك أهمية قناة السويس بالنسبة إلى الإنكليز، وهي أحد الأسباب التي أدت إلى احتلال مصر، لذلك رأى أن أي تمرد سيحدث لا بد من أن يكون متوازيًا مع هجوم واسع من المص يرين والأتراك والألمان على قناة السويس، وسيكون
13 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 22402 R , AA - PA، 1914. هذه الوثيقة عبارة عن تق رير بعنوان: "التدابير الأولية لتنفيذ التثو ري". وفي الواقع، لا
أريد أن أسهب كثيرًا بشأن دور أوبنهايم في الترويج للدعاية الألمانية والمخطط الألماني، إذ إنّ العديد من الدراسات تناولت حياته والدور الذي اضطلع به. لذا، قدّمت نبذة
مختصرة عن دوره. لكن حتى هذه اللحظة، لم أطلع على مرجع عربي أو إنكليزي يتحدث عن هذه الوثيقة التي كتبها أوبنهايم، ويبدو أنها لم تترجم حتى الآن. 14 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 20938 R , AA - PA، 1914، ص 20. 15 المرجع نفسه، ص 25. 16 المرجع نفسه، ص 22 - 23.
ذلك من أهم الأسباب لبدء تمرد وعصيان واسع يشمل البلاد كلها17. ومن أجل تحقيق الهدف الخاص بنشر الدعاية الألمانية، أنشأت وزارة الخارجية الألمانية "وكالة أنباء الشرق" لمتابعة نشر تلك الدعاية في المشرق والهند وشرق آسيا تحت إشراف أوبنهايم، وكانت الوكالة تنتج دعاية مطبوعة بلغات أجنبية مختلفة بالتعاون مع العلماء والمحررين الشرقيين وكذلك المطبعة القيص يرة18.
القاهرة فضاءً للجاسوسية
كان لاستراتيجية التثو ري التي هدف الألمان إلى تم ريرها بالتعاون مع المنفيين المص يرين ما يؤيدها في الواقع؛ فقد كانت الاضطرابات والاحتجاجات المندلعة ضد الإنكليز بمنزلة الفرصة الحقيقية لتم رير هذه الاستراتيجية والعمل على إنجاحها. فكانت وزارة الخارجية الألمانية مسؤولة بصفة أساسية عن تخطيط الحملات الدعائية وتنفيذها، وكان الأمر يعتمد خاصةً على تعاون البعثات الدبلوماسية في القسطنطينية وبرن وأثينا وروما وجنوة، وعلى هياكل شبكات المخابرات التي تم إنشاؤها على المستوى الخاص بوصف ذلك جزءًا من العمل. من هنا، كان لزامًا الاستمرار في جمع المعلومات المتعلقة بالتطورات العسك يرة والسياسية في مصر،
وإرسالها إلى برلين لتحليلها. كانت التقار ري ترسل عن ط يرق المبعوثين والجواسيس الألمان في مصر، وكانت تبدي تصوّرًا واضحًا
عن الأحداث وتطورها، كما أنها تعتبر سجلًا يوميًا للأحداث، وهي أشبه بما كان يكتبه عبد الرحمن الجبرتي عن الوضع أثناء الاحتلال
الفرنسي لمصر. تزخر تلك التقار ري بتفاصيل دقيقة عن حياة المص يرين في تلك الفترة، وعن الأحداث التي كانت تحدث يوميّا ضد
الاحتلال الإنكليزي. وأفاد عدد من التقار ري الواردة في الأرشيف أن صحيفة الرسول Messaggero Il، التي نُشرت في روما في 24 آب/ أغسطس 1914، ذكرت أن هناك تمردًا مزعجًا اندلع في مصر19، ويبدو أن دقة هذه الأخبار قد تأكدت، حينما أرسل ألبرت
غراف فون كوات Quadt von Graf Albert، السفير الألماني في أثينا، برقية إلى برلين بعد أيام قليلة، نقلًا عن تق رير مخبر من صحيفة لم تذكر اسمها، جاء فيها أن "اضطرابات خطيرة اندلعت في مصر"20. احتوى أحد التقار ري الواردة، في تش يرن الأول/ أكتوبر 1914، معلومات أكثر تفصيلًا، وشرح الوضع في مصر على النحو التالي:
"في مصر تُنبِئ أصوات الشعب بثورة قادمة، فقد اطلع رئيس البعثة الألمانية على الوضع الفعلي من خلال الجنود الأتراك الموجودين
هناك، وكذلك الجنود الألمان الموجودون والذين يجهزون لقيام هذه الانتفاضة، لكن عند وقوعها فإن الشعب ستنقصه الأسلحة والذخيرة، ولو امتلكها فسيكون غير مدرب عليها. وطبقًا للمعلومات الواردة من جانب أصدقاء إنكليز، فإن ع زيز باشا المصري "21، مع
17 المرجع نفسه، ص 25. 18 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 20938 R , AA - PA، 1914. 19 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15044 R , AA - PA، 1914. المعلومات الواردة هي بحسب اتصال داخلي في وزارة الخارجية في اليوم نفسه.
ولم يتسَّنَ تأكيد هذا التق رير من السلطات الألمانية في مصر التي طرد موظفوها بعد أيام قليلة. ومع ذلك، أكدت القنصلية العامة في القاهرة أن الحالة المزاجية في جميع
أنحاء مصر كانت موالية لألمانيا وأن الظروف في داخل البلاد كانت مواتية. 20 برقية كيرت كوات إلى وزارة الخارجية بتاريخ 2 / 9 / 1914. وبعد ثلاثة أيام فقط، كان على كوات أن يضع تق ريره في مستوى جديد، ويصحح تق رير الانتفاضة إلى
مستوى "الإثارة الكبيرة". ففي برقية في 5 / 9 / 1914. علق كوات في تق رير من القسطنطينية إلى وزارة الخارجية، في 7 أيلول/ سبتمبر 1914، بقوله: "حتى الآن كان كل
شيء هادئًا في مصر وعلى القناة".
21 ع زيز علي المصري (1879 - 15 / 6 / 1965)، هو عسكري وسياسي مصري. شارك في تأسيس الجمعية القحطانية وجمعية العهد، ويعتبر من رواد الحركة القومية في
مصر والعالم العربي. وهو من أسرة شركسية ع يرقة سكنت العراق قادمة من شمال القفقاس هي أسرة شاهلبة الشركسية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مصر حيث وُلد ع زيز
المصري وأتم دراسته الثانوية، والتحق بالكلية العسك يرة في الأستانة، ثم في كلية الأركان حيث تخ جر فيها بتفوق عام 1904. انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، وشارك
في انقلابها العسكري عام 1908، ترك الاتحاد والترقي بعد أن اتّضح له معاداتها للعرب. وأسس مع الشهيد سليم الجزائري الجمعية القحطانية، التي نادت بمملكة ذات
تاجين (العرب والترك). حارب ببسالة وبطولة في ليبيا ضد الغزو الإيطالي. عاد إلى الأستانة عام 1913، وأسس جمعية العهد، وهي جمعية عسك يرة سياسية س ريّة عربية، في
28 تش يرن الأول/ أكتوبر 1913، ثم اعتقل في 9 أيلول/ سبتمبر 1914، وحكم عليه بالإعدام، وأطلق سراحه في 21 نيسان/ أب يرل 1914، ونُفي إلى مصر. واعتقله الاحتلال
الإنكليزي مرات عديدة، وقد اعتبرته حركة الضباط الأحرار أبًا روحيّا لها، وكانت ثمّة نيّة لتنصيبه رئيسًا بدلًا من محمد نجيب، لكنّ ذلك لم يحدث لأنه تقاعد عام 1955؛
لم يزد من التفاصيل المتعلقة بع زيز المصري، ينظر: محمد السيد صالح، عزيز المصري: أبو الثوار (القاهرة: بطانة للنشر والتوزيع، 2019).
بداية الحرب وبسبب تواصله مع الأتراك والألمان، قد تم إلقاء القبض عليه مع عدد من الجنود المص يرين المشتبه فيهم22. في الوقت ذاته فإن هناك كتيبة من الجيش المصري قد تمردت، وقد تم احتجاز أفرادها في القلعة، وأرسلت إلى السودان23. ويذكر التق رير نفسه أيضًا "أن هبّات التمرد التي قام بها الشعب المصري ضد الاحتلال الإنكليزي لا تهدأ أبدًا، بل إنه بين شهري
[أيلول/] سبتمبر و[تش يرن الأول/] أكتوبر 1914 شهدت القاهرة وحدها هبّات مختلفة ضد قوات الاحتلال الإنكليزي في أكثر من
خمس مناطق، وانتهت بالقمع الوحشي لها من جيش الاحتلال، بل إن كثرة هذه الانتفاضات جعلت القاهرة مهددة بالقصف المدفعي من الاحتلال. ونتيجة لهذا تحوّل عدد من الأماكن التي كانت تنطلق منها المظاهرات إلى ثكنات عسك يرة كما هو الحال في محطة
مصر. ثمّ إن عددًا من جنود الاحتلال القادمين من الهند (هنود وإنكليز)، والذين قدموا لحماية موقع القناة، تم استدعاؤهم ليكونوا
في الدلتا لصد أي هجوم تركي محتمل (عدد الجنود الهنود كان يناهز 20000 جندي)، ففي يوم واحد أكثر من 800 ناقلة جنود كانت مستعدة لنقل الجنود إلى الدلتا للقيام بهذه المهمة. وفي صيدليات القاهرة لا يوجد مصل ضد الوباء24، كما أن الإدارة العسك يرة يمنع امتلاكها لذلك المصل. وتم تشديد إجراءات الرقابة، فعند الوصول إلى مصر يتم تفتيش الحقائب والملابس بعناية شديدة للعثور على الصحف أو التلغرافات الألمانية، كما تم استدعاء موظفات ليقمن بالتفتيش الجسدي للنساء. أما الألمان المحتجزون في البلاد فلم يخضعوا فقط للمراقبة من خلال الشرطة، بل أيضًا من خلال البوليس السري25. ومن خلال الإشارة إلى ما جاء في التق رير بأن هناك
نقصًا في الأسلحة التي لا يستطيع الشعب امتلاكها ولو امتلكها فلن يكون مدربًا عليها، هو ما جعل محمد ف يرد في أحد الاجتماعات
التي كانت تتم في القنصلية الألمانية في إسطنبول يقترح توفير عشرة آلاف بندقية لمواجهة القوات الإنكلي يزة26. من خلال التدقيق في أوضاع مصر، أدرك الألمان أنه لا بد من الانخراط أكثر فأكثر في هذه الاحتجاجات، من أجل كسر العزلة الإعلامية التي يقوم بها الإنكليز بشأن تطور الأحداث في مصر. فرأت وزارة الخارجية الألمانية أنه من المناسب دعم تلك الهبّات الشعبية التي يقوم بها الشعب المصري ضد المحتل الإنكليزي، وجمع تقار ري حقيقية وواقعية على الأرض لنجاح استراتيجية
الدعاية، وكذلك تمهيدًا لاجتياح عسكري لقناة السويس ستقوم به القوات التركية والألمانية جنبًا إلى جنب مع أعضاء الحزب الوطني.
من أجل ذلك اعتمدت الخارجية الألمانية على جواسيسها الألمان في مصر، ومن بين هؤلاء رجل الأعمال الألماني أوتو ليندمان Lindemann Otto. كان ليندمان صاحب مصنع قطن في الإسكندرية. وفي نهاية أيلول/ سبتمبر 1914، حينما كان يوشك أن يعود إلى مصر، اقترح على وزارة الخارجية ته يرب مواد دعائية إلى مصر وتلقي معلومات من البلاد، وإنشاء شبكة لتسليم الأموال والمواد الدعائية لمبعوثيهم في مصر، عبر سويسرا وإيطاليا واليونان. وفعلًا، لاقت هذه الفكرة دعمًا واسعًا من الحكومة الألمانية، خاصة بعد
النجاح الأولي بالتعاون مع السفارات في روما وأثينا في هذا الشأن27. وقد نجح ليندمان في تقديم مخطط شامل لهذا المشروع، ثمّ
تبين فشل المشروع لصعوبة التحكم في هيكله الذي كان قائمًا على العديد من الأمور التي لا يمكن تحقيقها.
22 هذه أول وثيقة ألمانية يُذكر فيها ع زيز المصري. ولهذه الوثيقة دلالة مهمة، إذ إنها تقدّم بعض الإجابات الخاصة عن التعاون المبكر بين رجال الجيش المصري
والألمان. وبما أن ع زيز المصري يعتبر الأب الروحي للضباط الأحرار، فقد تجيبنا عن الأسباب التي جعلت عددًا من الضباط الأحرار يتواصلون مع الألمان ومساندتهم في
الحرب العالمية الثانية، كما ذكر الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات في مذكراته حينما ألقى الاتحاد الإنكليزي القبض عليه في القاهرة مع أحد الجواسيس
الألمان، وتمّ حبسه على إثر ذلك. ويمكن أن يكشف هذا الأمر لنا أيضًا عن جذور تبنّي الضباط الأحرار، فيما بعد، للتيارات الفاشية ومساندتهم لها وكذلك التعاون الذي
جرى بعد عام 1952 بينهم وبين ألمانيا الشرقية. 23 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، 15045 R , AA - PA، 1914، ص 62 - 63. 24 يبدو أن الوثيقة تشير إلى وباء الكوليرا الذي كان متفشّيًا في ذلك الوقت.
25 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 1504 R , AA - PA، 1914. 26 يجب تأكيد أن محمد ف يرد لم يذكر هذه التفاصيل في مذكراته من ق يرب ولا من بعيد. 27 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21127 R , AA - PA، 1914. طلب ليندمان من وزارة الخارجية الألمانية إعطاءه فرصة لتحقيق المشروع، ودعمه
ببعض المال، لكن طلبه رُِف.ِض
بعد مرور عام على خطة ليندمان، وتحديدًا في كانون الثاني/ ينا ري 1915، قدم محرر صحيفة أنباء ميونخ Nachrichten Münchener،
هانس شميد Schmid Hanns، نفسه للسفارة الإمبراطورية في القسطنطينية، متنكرًا في زيّ "مراسل إيطالي" للذهاب إلى مصر لجمع
"أخبار موثوقة". وقد عاش في إيطاليا سبعة عشر عامًا، وبعد التشاور مع هيئة الأركان العامة، قرر العودة مرة أخرى إلى إيطاليا، في هيئة
ممثل شركة إيطالية، هذه المرة، من أجل السفر من إيطاليا إلى شمال أف يرقيا. وقد تم تكليفه من هيئة الأركان بالقيام بمهمة تقصّي الحقائق
لمدة شه يرن في الحبشة، ومصر وإرتي يرا، وإعداد تق رير أسبوعي28. كان من المفترض أن يقدم شميد تق يررًا عن نظرة إنكلترا إلى الشتات
الإيطالي في مستعمراتهم، وعن استعداد السكان المص يرين على وجه الخصوص للمشاركة في الجهاد، وكان من المفترض أيضًا أن يجمع المعلومات ذات الصلة عسك ريًا بمنطقة قناة السويس. وفي 10 آذار/ مارس من العام نفسه، وصلت الأخبار إلى برلين عن وصول شميد إلى
بورسعيد، ومن ثمّ واصل مهمته التي انتهت وفق ما كان مقررًا لها، وقد تمت بنجاح من دون أن تتفطّن السلطات الب يرطانية إلى أمره29. وفي 30 نيسان/ أب يرل، أرسل شميد تق ريره النهائي إلى وزارة الخارجية، متضمنًا الأخبار التي جمعها، والتي تتعلق أساسًا بمصر،
وأورد فيه: مصر ستشتعل ما إن ينجح الأتراك في هجومهم على قناة السويس، فالمص يرون متقاعسون حتى الآن عن الأعمال الاحتجاجية انتظارًا للهجوم التركي، كما أن البرجوازية المص يرة المتعلمة صديقة تمامًا لألمانيا. علاوة على ذلك، فإن القبائل
المختلفة في إرتي يرا والحبشة (وفق تق رير شميد) تتقبل الدعاية الألمانية، مع ولاء غالبية السكان للإيطاليين (يصف شميد الإيطاليين بأنهم وَدُودُون مع إنكلترا)30. وباختصار، فإن لدى شميد انطباع في تق ريره بأن "قوة الإسلام قليلة جدًا"، كما أن الشعوب الإسلامية
المضطهدة "لن تنهض أبدًا" بمفردها. انتصارات تركيا العسك يرة هي التي يمكن أن "تؤدي إلى انتفاضة الإسلام في مصر "31. عمدت إلى ذكر تق رير شميد، لأنه من أكثر التقار ري التي اطلعت عليها في الأرشيف الألماني، والتي تتمتع بوصف دقيق للأوضاع في مصر، كما أنه يعتبر من القليلين الذين أكملوا مهمتهم بنجاح مبعوثين س يرين للخارجية الألمانية في مصر32. وفي المقابل، كانت ترسل تقار ري عسك يرة إلى قيادة الأركان العامة (التي كانت تقوم بالتنسيق مع الخارجية الألمانية) عن التمركز العسكري الإنكليزي في مصر وانتشار القوات في مدن مص يرة مختلفة. وعلى الرغم من ذلك، لم تنجح الدعاية الألمانية في القاهرة النجاح المرجو لها؛ فالعديد من التقار ري المكتوبة في الأرشيف تعزو الاضطرابات التي سادت بين المص يرين في أواخر صيف وخ يرف 1914، وبخاصة في القاهرة والإسكندرية، إلى الجوع، أو "أعمال شغب القطن"، التي تم إبلاغ وزارة الخارجية عنها في 20 أيلول/ سبتمبر، خاصة لدى سكان ال يرف بوصف ذلك ردّ فعل فوريًا على أزمة مبيعات القطن نتيجة اندلاع الحرب. وقد كان رد فعل الإنكليز على هذه الاضطرابات
المشتعلة بضمان شراء القطن المصري؛ ما وفر مصدر رزق للفلاحين وأدى إلى إخماد هذه الانتفاضة33.
28 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21127 R , AA - PA، 21 / 1 / 1915. 29 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21131 R , AA - PA، 1 / 3 / 1915. 30 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21132 R , AA - PA، تق رير شميد إلى وزارة الخارجية، 30 / 4 / 1915. 31 المرجع نفسه، ص 9. 32 على سبيل المثال لا الحصر، جنّدت السلطات الألمانية العديد من العملاء والجواسيس لجمع معلومات عن الوضع في مصر، ومن بينهم مثلًا الثري الألماني د ريتلن
كاوفمان هيرمان Hermann Kaufmann Dirterlen الذي كان في مصر وكتب العديد من التقار ري عن الأوضاع، من بينها مثلًا تق رير أرسله في نهاية عام 1914 عن الوضع
في مصر ومنطقة القنال بصفة خاصة، يقول فيه: إن قناة السويس مدججة بقوات كثيرة، فهناك قرابة 20000 جندي، إلى جانب 250 جنديًا في الإسماعيلية، في مقابل
قرابة 5000 جندي في المنطقة بين الإسماعيلية وبورسعيد، ينظر:
جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15045 R PAAA، تق رير د ريتلن، ص 38 - 89. 33 يبدو أن الدعاية الألمانية في القاهرة لم تنجح النجاح المرجو لها، فثمّة العديد من التقار ري المكتوبة في الأرشيف التي تعزو الاضطرابات التي سادت بين المص يرين، في
أواخر صيف عام 1914 وخ يرفه، إلى الجوع في القاهرة والإسكندرية فيما يسمى "أعمال شغب القطن " -والتي تم إبلاغ وزارة الخارجية عنها في 20 أيلول/ سبتمبر – خاصة
بالنسبة إلى سكان ال يرف في رد فعل فوري على أزمة مبيعات القطن نتيجة اندلاع الحرب. كان رد فعل الإنكليز على هذه الاضطرابات المشتعلة بضمان شراء القطن
المصري، مما وفر مصدر رزق للفلاحين. ينظر: جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15046 R , AA - PA، 30 / 12 / 1914.
ثانيًا: المنفى وبناء شبكات التواصل
إلي جانب رصد انتفاضات المص يرين المتتالية ضد الإنكليز على نحو دقيق، ودعمها من خلال شبكة جواسيس وزارة الخارجية، عمدت ألمانيا أيضًا إلى تقديم الدعم للقوميين المص يرين في المنفى. وقد أتاح الفضاء السياسي في برلين، وكذلك طبيعة الدولة الألمانية بصفتها دولة مضيفة للمنفيين، وداعمة لنشاطات القوميين، أن ينشئوا العديد من شبكات التواصل مثل الصحف والجمعيات وكذلك المؤتمرات إلى جانب الأحزاب والتكتلات السياسية. فقد سعى الخديوي عباس، بدعم من ألمانيا، لإنشاء صحف في فرنسا وإيطاليا. أما في جنيف، فقد أسس الدكتور منصور رفعت النادي الوطني المصري، وأنشأ محمد فهمي لجنة الشباب المصري، وأنشأ أحمد الدرد ريي جمعية الطلاب المص يرين (أبو الهول)، بينما أنشأ كل من الشيخ على الغياتي، ومنصور القاضي صحيفتين مستقلتين في مدينة برن، بدعم من الحكومة الألمانية34. في برلين، اضطلع محمد ف يرد بدور حاسم في ترسيخ المشاعر القومية وتقويتها بين جماعات المعارضة المص يرة في المنفى. فقد سمحت الحكومة الألمانية بإنشاء "جمعية تح رير مصر في برلين"، وكان هدف تلك الجمعية كما ورد في الوثائق الألمانية هو تح رير وادي النيل من الاحتلال الإنكليزي وتع زيز أواصر العلاقة بين مصر ودول الوسط (تحالف ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية) من أجل استعادة الوضع السابق كما كان قبل غزو الإنكليز لمصر عام 188235. ويقصد هنا بالوضع السابق عودة مصر تحت سلطة الخليفة العثماني، ولعل هذا ما يفسر وجود تسمية السفير التركي في برلين حقي باشا، راعيًا مميزًا لتلك الجمعية بعد أن
تم الإعلان عن تأسيسه، إلى جانب أسماء عدد من الوزراء الأتراك بوصفهم أعضاءً في تلك الجمعية، وهما الوز ريان سعيد حليم
باشا، الصدر الأعظم، وكذلك أنور باشا وز ري الحربية36. وفي الوقت ذاته، وجه قادة القوميين المص يرين الدعوة إلى العديد من السياسيين الألمان، ليصبحوا أعضاءً في هذه المنظمة الجديدة. وفعلًا، تلقت المنظمة استجابة فاعلة من رجال الدولة البارزين،
من أمثال الأدميرال ألف يرد فون تيربيتز Tirpitz von Alfred، والزعيم الليبرالي غوستاف ست يرسمان Stresemann Gustav، والزعيم المحافظ ويستاروب، الأخ غير الشقيق للإمبراطور الألماني، فون شليجويج هولشتاين Holstein Schleswig، الذي وافق على الانضمام ش يرطة أن يترأس هو هذا الكيان. أما بالنسبة إلى المؤتمرات، فقد كان مؤتمر السلام بستوكهولم أحد المؤتمرات الكبرى التي حضرها محمد ف يرد في تلك الفترة بصفته رئيسًا للحزب الوطني. وقد عقد المؤتمر في السويد، في ستوكهولم، في آب/ أغسطس 1910، وكان مكونًا من مندوبي جمعيات
السلام وأعضائها من النخب السياسية المختلفة في مختلف أنحاء العالم، والذين يتم اختيارهم عن ط يرق جمعيات السلام في كل دولة. ومن أغراضه البحث في منع الحروب وسفك الدماء بين الدول، ومنع استعباد الأمم لبعضها، وإبطال الاستعمار، وجعل كل أمة في العالم حرة تحكم نفسها بنفسها، إلى جانب اعتماد التحكيم أداةً لفض كل نزاع بين دولة وأخرى، أو عدوان أمة قوية على أمة ضعيفة، وجعل أحكام التحكيم نافذة وأداةً مهمة لفض النزاعات. وقد عُقد المؤتمر 17 مرة قبل انعقاده في ستوكهولم، وكان به
آلاف الأعضاء من أنصار السلام في مختلف أنحاء العالم، وأصبح أداة قوية للدعاية ومناهضة الاستعمار. واستغل محمد ف يرد الفرصة للمشاركة في الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر، فراسل المسؤولين عن تنظيمه وإرسال قيمة الاشتراك، وسافر من باريس، حيث كان
34 كان الشيخ علي الغياتي خجًا مصرًّيًا من الأزهر، وقد عاش في سويسرا خلال الحرب العالمية الأولى وكتب للصحافة الفرنسية والعربية الموالية للوفاق. وهناك
درس العلوم الاجتماعية وعمل أيضًا مراسلًا لصحيفة المؤيد المص يرة. من أجل تجنّب الملاحقة القضائية لنشر مجموعته الشع يرة الوطنية – الوطنية. فرّ من مصر
في 5 تموز/ يوليو 1910. وكتب محمد ف يرد مقدمة ديوان الغياتي (مجموعة قصائد)، ما أدى إلى محاكمته، على الرغم من إنكاره لذلك بأنه لم يقرأ القصائد من قبل. 35 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 20938 R , AA - PA، 1914. 36 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15053 R PAAA، 23 / 8 / 1918، ص 29.
يخضع للعلاج، إلى ستوكهولم، وكان المصري والشرقي الوحيد المشارك في المؤتمر37، وكان هذا المؤتمر فرصة كبيرة للتع يرف بالحركة الوطنية المص يرة ومكوناتها38. بعد عامين من مؤتمر ستوكهولم جاء مؤتمر جينيف للسلام، وهو من أهم المؤتمرات التي شارك فيها محمد ف يرد في منفاه، والذي انعقد بمدينة جينيف السويس يرة في 22 أيلول/ سبتمبر 1912. وقد استفاد القوميون المص يرون من تجربة ف يرد ومشاركته في مؤتمر ستوكهولم، فأسسوا جمعية باسم "جمعية السلام العام بوادي النيل"، ليتمكنوا من الانضمام إلى المؤتمر، لضمان المشاركة والتأثير بفاعلية أكبر. فتقدموا بطلب للجنة الدائمة للمؤتمر بمدينة برن السويس يرة. وفعلًا، اتخذت اللجنة قرارًا بضم "جمعية السلام
العام بوادي النيل" ضمن جمعيات السلام المرتبطة بالمؤتمر، وقد درست لجنة المؤتمر مسألة مصر، وقررت أحقية مطالبها وعرضها على المؤتمر39. وشارك ف يرد في عام 1913 في مؤتمر السلام الذي عقد في مدينة لاهاي Haag Den بهولندا. وكان محاورًا بارعًا
ودبلوماسيًا مخضرمًا استطاع أن يكسب التأييد لقضيته التي جاء من أجلها؛ فقد نجح في مؤتمر جينيف، بعد مناقشات متعمقة في
الحصول على تأييد الأغلبية، لاستصدار قرار طالب بالانسحاب الفوري للقوات الإنكلي يزة من مصر. وذكر ف يرد أن ذلك يتفق مع وعود ب يرطانيا لمصر، عند احتلالها عام 1882، وطالبها بأن تتذكر تلك الوعود40. وبتمويل من الحكومة الألمانية، وفي 18 كانون الأول/ ديسمبر 1917، عقد الحزب الوطني في برلين مؤتمرًا من أجل دعم المقاومة
الوطنية والاحتجاج ضد الإنكليز، وقد شارك في ذلك المؤتمر العديد من الساسة الألمان، وفي مقدّمتهم البارون ماكس فون أوبن هايم (أو
جاسوس القيصر كما كانت تطلق عليه سلطات الاحتلال الإنكليزي). وكان لأوبنهايم علاقات قوية مع الحركة القومية المص يرة، والعديد من الساسة المص يرين، وقد بنى تلك العلاقات خلال فترة إقامته في مصر. وحضر المؤتمر أيضًا شخص آخر يدعى "أمهوف باشا "41.
.1 الصحف والدوريات
أشار أحد التقار ري التي أرسلها جاسوس من جواسيس الخارجية الألمانية في مدينة برن السويس يرة إلى أن نشاطات القوميين المص يرين في المدينة تعتبر مهمة جًّدًا لتحقيق الدعاية الألمانية، التي تهدف إلى تقديم ألمانيا على أنها صديق وش يرك للإسلام
والمسلمين يسعى لتح ريرهم من الاستعمار، وأنه يجب على ألمانيا تبنّي نشاطات القوميين المص يرين، وتقديم الدعم المطلوب لإنشاء
صحف ومجلات مختلفة لخدمة هذا الغرض. فالمقالات التي ستكتب والتي ستنشر عن ط يرق "وكالة أنباء الشرق" الألمانية، لا بد من أن تكون صادرة عن أشخاص لديهم ثقل، ويتمتعون بصدقية كبيرة في بلادهم؛ ما سيمنح الدعاية الألمانية صدقية أكبر. وقد أشار التق رير إلى ضرورة استخدام الشباب المصري في سويسرا، وكذلك محمد ف يرد، إلى جانب الخديوي عباس في مثل هذه الدعاية والترويج لها.
37 لم يزد من التفاصيل، ينظر: محمد ف يرد، مذكرات محمد ف يرد، تحقيق رؤوف عباس (القاهرة: عالم الكتب، 1975)؛ عبد الرحمن الرافعي، محمد فريد رمز الإخلاص
والتضحية: تاريخ مصر القومي من سنة 1908 إلى سنة 1919 (القاهرة: مكتبة النهضة المص، يرة 1948)، ص 208 - 214. 38 ثمّة نقطة يجب الإشارة إلى موقف الحزب الوطني من عرابي وثورته، فحينما سئل محمد ف يرد عن الحركة الوطنية، قال: "إن الحركة الوطنية المص يرة، هي حركة
وطنية ديمقراطية دستورية، ومنذ سنة 1879، أخذ عرابي يطالب بدستور أعطاه الخديوي إيانا في سنة 1881، ولكنكم تعلمون أن الإنجليز انتهزوا فرصة الجدال القائم بين
الخديوي والبرلمان، وتدخلوا في المسألة بقوتهم، وسرعان ما أطلقوا قنابلهم على الإسكندرية، وتسلطوا على البلاد هنا لا بد من الإشارة إلى أن مطلب الدستور والاستقلال
هما الأساس الذي أقام عليه الحزب الوطني كفاحه الوطني، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحزب الوطني كان رافضًا لما فعله عرابي، على أن نقطة الدستور هذه من الأمور
التي نادي بها عرابي، وتلقفها الحزب الوطني، والسؤال الآن: لماذا كان موقف الحزب الوطني رافضا لعرابي وحركته، طالما أن المطالبة بالدستور كان أحد مطالبه؟". لم يزد
من التفاصيل بشأن مؤتمر ستوكهولم، ينظر: الرافعي. 39 لم يزد من التفاصيل بخصوص المؤتمر ينظر: ف يرد؛ الرافعي، ص 312. 40 كانت الط يرقة الدبلوماسية التي يتحدث بها محمد ف يرد لا تروق عددًا من الأفراد داخل الحزب الوطني، خاصة الجناح المتشدد بقيادة منصور رفعت، وهو الذي أسس
فيما بعد الحزب الراديكالي، ينظر: 51. p Trefzger,. 41 الرافعي، ص 373.
قدّم الألمان الدعم المالي للخديوي عباس نفسه لإنشاء عدد من الصحف، وقد كان الدعم المالي الذي تلقاه الخديوي عباس
حلمي الثاني في هذه الفترة كبيرًا وتجاوز الملايين. ففي تش يرن الأول/ أكتوبر 1914، انتقل الخديوي عباس إلى جينيف، وهناك قابل
مساعد وز ري الخارجية الألماني فون جافو Gavo Von، وشرح له خطته واعتزامه إنشاء صحف في عدة دول أوروبية، من بينها إيطاليا وفرنسا من أجل تحقيق السلام. وعند سؤاله عن الأشخاص المنخرطين في هذه الخطة، ذكر له الخديوي: في إيطاليا سيكون كافيليني وعدلي باشا يكن مسؤولين عن الصحيفة، وفي فرنسا سيكون بولو باشا هو المسؤول42. بعد ذلك مباشرة، تلقى الخديوي عباس طلبًا بإرسال أحد مبعوثيه إلى برلين للتفاوض في الدعم الذي سيتلقاه من الخارجية الألمانية، وذكر أحد التقار ري الموجودة
في الأرشيف الإنكليزي أن الخارجية الألمانية حددت دعمًا مقداره خمسة ملايين مارك ألماني لتقديمه إلى عباس من أجل هذا
الغرض43. وقد نقل عدد من الوثائق الألمانية أنه أثناء زيارات الخديوي عباس المختلفة إلى سويسرا تقابل مع بولو باشا، وذكر له أن الألمان وافقوا على تمويل عملية إنشاء الصحف بملغ خمسة ملايين مارك ألماني، وأن المبلغ سيتم تحويله على دفعات (مليون مارك كل شهر)، إلا أن بولو باشا ذكر له أن هذا المبلغ لن يكون كافيًا، وأن الخطة تحتاج قرابة عشرة ملايين مارك، تُحوّل على خمسة
أشهر؛ ما يعني مليوني مارك شهريّا. وحينما عرض الخديوي عباس هذا الأمر مجددًا على الألمان، وافقوا على هذا المبلغ. كانت
الحجة التي ساقها الخديوي عباس للألمان أنه يريد إنشاء هذه الصحف خاصة في فرنسا من أجل إقامة سلام بين ألمانيا وفرنسا44. كان إنشاء الصحف بالنسبة إلى القوميين المص يرين أمرًا مهمّا، فأصدروا العديد منها بلغات مختلفة، مثل العربية والألمانية
والفرنسية. وقد ارتبطت عملية الإصدارات هذه بالعمل التنظيمي، فكل تنظيم يتم إنشاؤه كان ريافقه إصدار عدد من الصحف أو الدوريات التي تشرح فكره ومبادئه وتروج لنشاطاته وفاعلياته. على أن هذا العصر كان عصر التنظيمات وعصر الإصدارات، كما أن ارتباط فكرة الإصدارات بفكرة التنظيم خاصة داخل العمل السياسي تعود إلى الحزب الوطني، فمصطفى كامل مؤسس الحزب أصدر من قبل صحيفة اللواء عام 1900 التي كان يقدر عدد إصدارتها سنويًا بقرابة عشرة آلاف نسخة45. تعتبر تقدم الإسلام Islam ' l de Progrès Le، وهي صحيفة فصلية، باكورة إصدارهم من الصحف، وقد أنشأها محمد ف يرد عام 1913، ويعود اسم الصحيفة إلى اتحاد كان يحمل الاسم نفسه "تقدم الإسلام"46. وكان ذلك فرصة لأعضاء الحزب الوطني والعاملين في الصحيفة أن يكتبوا ويعبروا عن أفكارهم تجاه القضية التي كانوا يدافعون عنها، وقد استمر إصدار صحيفة تقدم الإسلامعامًا
ونصف العام، ثم توقفت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى47. وفي عام 1915، أصدر محمد ف يرد أيضًا صحيفة أخرى اسمها صدى
مصر Egypte ' l de Echo ' L، واستطاع من خلالها أن ينشر وجهات نظره وسياسات حزبه واعتبرت حينها لسان الحزب الوطني. ولم تستمر هذه الصحيفة طوايلًا وأغلقت بعد صدور عددها الثاني، وكان رئيس تح ريرها محمد فهمي، رئيس لجنة الشباب المص يرة في جينيف، وكان يحمل الجنسية السويس يرة48.
42 FO 141 / 648 / 1 , 1917. 43 Ibid. 44 Ibid.
45 كان هذا العصر هو عصر التنظيمات على مستوي العالم، وكذلك عصر الإصدارات، ففي مصر مثلًا وجدت صحف أخرى مثل صحيفة الأهرام (1875)، والمؤيد (1889)،
والمنار (1898) التي أنشأها رشيد رضا، أحد تلامذة محمد عبده، وقد أدّت هذه الإصدارات دورًا كبيرًا في الحياتين السياسية والثقافية في مصر والعالم العربي. لمعرفة
الم يزد بخصوص دور هذه الصحف في الصحافة، ينظر:
Robert L. Tignor, Modernization and British Colonial Rule in Egypt, 1882 - 19 14 (Princeton: Princeton University Press, 1966), pp. 249 - 291.
46 تأسس هذا الاتحاد مع نهاية عام 1912 وبداية عام 1913 على يد محمد ف يرد وبعض الشرقيين، وقد انضم إليه الكثير من الشرقيين والمهاج يرن من الدولة العثمانية
آنذاك، وكان الهدف منه تشكيل منتدى يتم فيه مناقشة قضايا ومشكلات شعوبهم ومحاولة وضع تصورات وحلول لها.
47 Trefzger, p. 52. 48 Ibid.
ساهم خلع الخديوي عباس من سلطات الاحتلال الإنكليزي في رأب الصدع، ولو على نحو مؤقت، بين القوميين المص يرين، خاصة محمد ف يرد والخديوي عباس. ففي صحيفة صدى مصر التي تأسست في آذار/ مارس 1915 بدعم ألماني، نشر محمد ف يرد مقالتين، الأولى تحت عنوان "الحرب ومصر" " Egypt ' L et guerre La "، أوضح فيها أن القوميين المص يرين لا يعترفون إلا بعباس حلمي الثاني خديوًّيًا على مصر، وبسيادة السلطان العثماني، و ريفضون الاعتراف بالسلطان حسين كامل، الذي عينته سلطات الاحتلال
بدايلًا من الخديوي عباس حلمي الثاني49. أما مقالته الثانية، فقد جاء فيها أن المعارضة المص يرة، وكذلك الشعب المصري، على يقين بأن الجيش التركي سوف ينتصر، وفي إمكان القوات التركية، وحليفتها القوات الألمانية، تح رير مصر من الاحتلال الإنكليزي. وفي مقالة أخرى في صحيفة تقدم الإسلام، هدف إلى جلب دعم الشعب للحكومة التركية، وطالب الشعوب الإسلامية بأن تتحد تحت زعامة السلطان العثماني الذي يقود حرب التح رير ضد القوي الاستعمارية. لكن بعد فشل حملة قناة السويس، أخذ محمد ف يرد يغير رأيه في تركيا وألمانيا في آن واحد. كان ف يرد يفكر في اتحاد إسلامي على غرار الاتحاد الألماني بقيادة العثمانيين، مع تمتع كل دولة إسلامية بالحكم الذاتي والمشاركة في الحقوق المتساوية مع الأتراك، وهو موقف يؤكد رفضه للتبعية والبقاء تحت سلطة الأتراك المباشرة، أو معاملة مصر كأنها ولاية تركية، وهذا من أسباب الخلاف الحاد بين ف يرد وأعضاء حزب الاتحاد والترقي. غير أن محمد ف يرد قد أفصح عن رأيه هذا، وهو عملية الاستقلال الكامل، أو حق تق رير المصير في مؤتمر القوميات الذي تم عقده في لوزان عام 1916. وقد تحدث في هذا المؤتمر عن الشعوب المضطهدة من الاستعمار، وعن حق تلك الشعوب في تق رير مصيرها، مؤكدًا أن مصر
التي تسير في ركب الحضارة المدنية منذ مئة عام، وسبق لها أن حكمت نفسها بنفسها لن تقبل أبدًا أن تعاملها أي جهة أجنبية على أنها
مستعمرة50. في الوقت نفسه، امتنع ف يرد عن إلزام نفسه بالدعاية الإسلامية الألمانية، لذلك حينما اتصل به المكتب الخارجي للدعاية الألماني للمشاركة في تح رير صحيفة الجهاد، التي تتعلق بالعالم الإسلامي، والتي صدرت عام 1915 ونُشرت بلغات مختلفة، من بينها اللغة العربية، رفض المشاركة في تلك الصحيفة، بينما وافق جاويش على الانخراط والكتابة فيها. فقد كان لدى جاويش رؤية مخالفة لرؤية محمد ف يرد؛ إذ كان مؤيدًا للخليفة العثماني، و ريى ضرورة الانضواء تحت راية الدولة العثمانية. ولعل هذا ما دفعه إلى تولّي مهمة نشر صحيفة العالم الإسلامي Welt islamische Die في برلين لصالح حزب الاتحاد والترقي51، وكان جاويش يشغل منصب رئيس التح رير، ونائبه عبد المالك حمزة. وفي 19 تش يرن الثاني/ نوفمبر 1916، اجتمع القوميون المص يرون، والدبلوماسيون العثمانيون والأتراك، وممثلو الحكومة الألمانية في برلين، وعدد من المثقفين والكتاب الألمان، للاحتفال بالطبعة الأولى من صحيفة العالم الإسلامي، وقد عكست المجلة تقارب مصالحهم في التحالف العثماني الألماني. وبحلول صيف عام 1918، أقيم الاحتفال في فندق إسبلانادي Esplanade، وأظهرت الطبعة الأخيرة من المجلة مدى تشكيل مجموعات المصالح الاقتصادية والاستعمارية للسياسة الألمانية تجاه الإمبراطورية العثمانية52. في البداية، ركّز جاويش ونائبه عبد المالك حمزة على "تع زيز العلاقة بين ألمانيا والإسلام وجعلها ودية بشكل دائم على أمل أن يقود الرايخ الشعوب الإسلامية للخروج من التبعية والانحلال إلى مرتفعات التجديد والح يرة المشرقة المشمسة "53.
49 Ibid. 50 Ibid. 51 Arthur Goldschmidt, "Egyptian Nationalist Party 1882 – 1919 ," in: P. M. Holt (ed.), Political and Social Change in Modern Egypt: Historical Studies from the Ottoman Conquest to the United Arab Republic (London: Oxford University Press, 1968), p. 329.
52 نُشرت Welt Islamische Die، في برلين في الفترة تش يرن الثاني/ نوفمبر 1916 -آب/ أغسطس 1918، من أصل 16 طبعة من المجلة، وهي موجودة كلها بمكتبة
برلين Staatsbibliothek. 53 Gerhard Höpp, Arabische und islamische Periodika in Berlin und Brandenburg 1915 - 19 45 (Berlin: Das Arabische Buch, 1994).
وكان هناك تعاون ألماني - تركي عسكري، أو ما أُطلق عليه الأخوة الألمانية - التركية في السلاح، وقد كرست المجلة نفسها في وقت لاحق لموضوعين آخ يرن: توطيد العلاقات العربية - التركية في إطار القومية الإسلامية، ونشر جهود استقلال مصر والمغرب العربي على نحو خاص. وحذّر عبد المالك حمزة، على وجه الخصوص، من خطورة أن تفقد الإمبراطورية العثمانية "التي تقوم عليها كل آمال المسلمين" وحدتها واستقلالها، وأن "سقوطها في أعماق التبعية يهدد بإبادة كل آفاق الح يرة الإسلامية". وفي الوقت نفسه، عارض "تقييمًا مهينًا" لطاقة الشعوب الإسلامية، مدعيًا أن معظمهم "اغتنموا كل فرصة متاحة لمواجهة أعدائهم
بالسلاح"54.
الصفحة الأولى من العدد 2 - 3 من مجلة "العالم الإسلامي" (1918)
المصدر: Die Islamische Welt , vol. 2 , no. 2 - 3 (1918).
هذا الموقف المتباين لأعضاء الحزب الوطني كان أحد الأمور التي أضعفته، وأدت إلى عدم توحيد صفوف أعضائه خلف وسيلة إعلامية واحدة في أي وقت من الأوقات. وفي تلك الفترة أيضًا، بدأت السلطات السويس يرة في حجب عدد من الصحف التي ينشرها القوميون المص يرون، وقد كان توجه السلطات السويس يرة هذا مدفوعًا بمنع الصحف المعادية لدول الوفاق، والمؤيدة لدول
الوسط55. وعلى الرغم من المنع الذي شمل العديد من وسائل الإعلام المنشورة، وكذلك مصادرة صحيفة أخرى تابعة للقوميين المص يرين، لأن برنامجها السياسي كان يقترب من وجهات نظر القوميين المص يرين المؤيدين للحزب الوطني، فإن محمد ف يرد ورفاقه استفادوا من وسائل أخرى غير ممنوعة، من بينها إحدى النشرات الورقية التي نُشر منها ثلاثة أعداد في أعوام 1915 - 1917 -
1919، على أن العدد الأخير الذي صدر عام 1919 كان قبل فترة وجيزة من وفاة محمد ف يرد. وقد كتب ف يرد في هذا العدد مق لًا عن
54 Ibid. 55 Trefzger, p. 58.
الثورة المص يرة عام 1919 بعنوان: "دراسة الأزمة العثمانية الراهنة" " actuelle ottomane crise la sur Etude "، وفيه أشاد بالمواقف الإيجابية المستمرة للوطنيين المص يرين الداعمة والمساندة لتركيا، وأثنى على صداقتهم مع ألمانيا56. بعد وفاة محمد ف يرد صدرت صحيفة الأفكار، وكانت مقربة من الحزب الوطني المصري. وقد أشار أحد التقار ري الدبلوماسية إلى تدفق الطلاب المص يرين على ألمانيا قبل ذلك، وهو ما حذر بشأنه رئيس البعثة الدراسية المص يرة في جنيف، جول جاجنو، وزارة التربية والتعليم في القاهرة قبل شه يرن. ففي نهاية كانون الثاني/ ينا ري أفاد أن "اللجنة القومية المص يرة في برلين" التابعة للحزب الوطني، كانت تقوم بدعاية نشطة لتجنيد الطلاب الناطقين باللغة العربية في ألمانيا، وخاصة المسلمين، وقد كانت مغادرة الطلاب المص يرين لسويسرا في اتجاه برلين بناء على طلب الخارجية الألمانية وبمساعدة الحزب الوطني. ومع بداية عام 1920، اعتبر جاويش، الذي ترأس الحزب الوطني بعد وفاة محمد ف يرد، والذي أقام في برلين وأدار شركة الاستيراد والتصد ري "وادي النيل" الرجل الأهم لدى دبلوماسيي الخارجية الألمانية؛ إذ أدى دورًا مهمّا في حث الطلاب المص يرين وتح يرضهم على ترك سويسرا، والتوجه
نحو ألمانيا. فقد كتب إليه كيرت بروفر (1881 - 1959)، المسؤول المعروف في وزارة الخارجية حينها، ليطلب منه مساعدة الطلاب القوميين المص يرين على مغادرة سويسرا، وأيد بوغن ونزداي، مد ري معهد الشرق الألماني الذي انبثق من المكتب الإخباري هذا الطلب المقدم من الخارجية57. وفي تموز/ يوليو من العام نفسه، دعا هانز شميزر، عضو المعهد الشرقي بجامعة فيينا، إلى دخول طلاب مص يرين من النمسا إلى ألمانيا، وكان شميزر يشير هنا إلى وجهة نظر شاركه فيها عدد غير قليل من العرب في ذلك الوقت، ولا سيما من الوسط القومي، مفادها أن ألمانيا التي تم إخضاعها في اتفاقية فرساي، وجدت نفسها في وضع مماثل للعرب والمسلمين الآخ يرن المضطهدين من استعمار دول الوفاق، ومن ثمّ يجب أن تكون حليفًا لهذه الدول المضطهدة. ومن الواضح أن شميزر كان
يسعى للحصول على مؤيدين من المص يرين القادمين إلى برلين. ففي وقت مبكر من تش يرن الأول/ أكتوبر 1920، ذكر تق رير لجهاز المخابرات الس يرة التابع لوزارة الخارجية الب يرطانية أن معظم الطلاب المص يرين في ألمانيا هم "شباب ذوو ميول قومية"، ومعظمهم ينتمون إلى عائلات كان لجاويش علاقات وثيقة بها في الماضي، واليوم يتحمل في كثير من الحالات مسؤولية هؤلاء الطلاب الموجودين في ألمانيا58. أسست أيضًُا مجلة أخرى تسمى المراسلات المصرية، بين عامَي 1921 و 1924، وقد بدأت نصف شه يرة، وتحولت لاحقًا إلى
مجلة شه يرة، وكان رئيس تح ريرها هو عبد الغفار متولي. ومثّلت المجلة منتدى للتقار ري والتحليلات والبيانات حول الوضع السياسي
في مصر، إلى جانب مقالات عن التاريخ والثقافة المص يرة، وتقار ري عن الأحداث السياسية، وبيانات لمنظمات مص يرة أخرى في المنفى، وترجمات من الصحافة الب يرطانية والمص يرة. كان الهدف من تلك المجلة هو إعطاء المص يرين المنفيين صوتًا، لكنه أتاح
أيضًا فرصة لعلماء المص يرات والمستشرقين الألمان لنشر مقالاتهم؛ ففي عدد من أعداد المجلة كتب أحد المستشرقين الألمان، وهو هولجر جيز Gies. H تق يررًا عن لقاء نظمته المعارضة في ذكرى ثورة 1919: تم في هذه الليلة غناء أغنية مطلعها " Deutschland ".
وعلى حد تعبيره، ترمز هذه الأغنية إلى التقارب غير المتوقع إلى حد ما بين نشاط المهاج يرن والقومية الألمانية. كانت مقالات المجلة متنوعة، فتارة تشرح التشابه بين مصر وألمانيا، خاصة الوضع الجديد الذي أصبحت فيه ألمانيا بعد ه يزمتها في الحرب العالمية الأولى وفرض م يزد من القيود والديون عليها. كانت مقالات عديدة في تلك المجلة تشرح أيضًا أثر الاستعمار في الاقتصاد المصري، ووصفت الاستعمار الإنكليزي لمصر بأنه احتكار وتقييد للتجارة، والاستيلاء غير القانوني على الممتلكات،
56 Ibid. 57 BArchP, Auswärtiges Amt, Film 28184 , Bl. 116 , 121 und 114. 58 Höpp, Arabische und islamische Periodika in Berlin und Brandenburg 1915 - 194 5.
وأن منع التنمية الزراعية والصناعية، والضرائب المفرطة، عوامل أدت إلى جمود التنمية، وهكذا عمل الاستعمار في أعين القوميين المص يرين قوةً سلبية قس يرة ومحددة بصفة شبه حص يرة، ناهبًا للثروة الموجودة ومانعَ تحديث لمبادرات الإصلاح.
2. إنشاء حزب سياسي
في المنفى تتغير القواعد، وتضاف أبعاد جديدة لم تكن موجودة من قبل في العملية السياسية؛ فالبيئة والظروف وكذلك الدولة المضيفة تفرض واقعًا وقواعد جديدة على الأطراف الفاعلة في العملية السياسية في المنفى. كانت تجربة المنفى تلك واحدة من
التجارب الكبرى التي مر بها القوميون المص يرون؛ فبعد وفاة مصطفى كامل، أصبح محمد ف يرد رئيسًا للحزب الوطني، وتم انتخابه
ليصبح رئيسًا للحزب مدى الحياة. وقد أقام ف يرد في برلين حتى وفاته عام 1919، واستقر فاعلون قوميون آخرون في سويسرا واعتبروها
القاعدة الأساسية لنشاطاتهم المختلفة في أوروبا. ففي عام 1908، تم تشكيل اللجنة الدائمة لمجموعة الشباب المص يرين برئاسة
محمد فهمي، وأُعلن رسميّا عن تلك اللجنة، واتخذت من جنيف مقًّرًا لها. كان فهمي قادرًا على تولّي منصب قيادي بين المص يرين
المقيمين في جنيف، وأماكن أخرى في سويسرا وأوروبا، ومع اندلاع الاضطرابات في مصر بعد الحرب العالمية الأولى، كان عليه أن يتخلى عن مطالبته بالقيادة داخل الحركة الوطنية المص يرة في أوروبا ومواصلة النضال الوطني من أجل الحصول على الحكم الذاتي والاستقلال الكامل لمصر، وإعطاء الراية لحزب الوفد برئاسة سعد زغلول59. وحينما ظهر محمد فهمي علنًا في عام 1908، بصفته رئيسَ لجنة الشباب المصري، امتدت نشاطاته القومية في البداية لتشمل
الإعلان والتعبئة وعقد اجتماعات ومؤتمرات الشباب المصري، بهدف توحيد القوميين المص يرين والطلاب الذين يعيشون في أوروبا حول نهج مشترك، وتع زيز المطالب الوطنية للمص يرين بين الجماهير الأوروبية والسويس يرة60. وفي نهاية تش يرن الثاني/ نوفمبر 1908، بدأت الصحف السويس يرة البارزة للمرة الأولى في تغطية مؤتمر لجنة الشباب المصري المقرر عقده في جنيف في العام التالي. إضافة إلى ذلك، أصدر فهمي في أيار/ مايو 1909، بصفته رئيسًا للجنة، نداءً خاصًا في الصحافة؛ ليس فقط المص يرين، بل
أيضًا للأوروبيين المهتمين بموضوعات مصر وقضية الشعب المصري. وقد عُقد المؤتمر الثاني للشباب في جنيف في الفترة 13 - 15
أيلول/ سبتمبر 1909 وشارك فيه القوميون المص يرون، الذين أصبحوا معروفين فيما بعد على نطاق واسع في أوروبا، إلى جانب أعضاء من حزب العمال الب يرطاني وفي مقدّمتهم زعيم الحزب كير هاردي، إلى جانب عدد من القوميين الإ ريلنديين، وحاز المؤتمر تغطية
واسعة من الصحافة السويس يرة61. بعد هذا الظهور الأول للشباب المصري، الذي اجتذب قدرًا كبيرًا من الاهتمام في سويسرا، لفت محمد فهمي الانتباه إلى نفسه
في ربيع 1910 باحتجاجاته التي قدمها إلى الصحف السويس يرة الكبرى على عدد من المقالات التي تنشرها. فمثلًا، قدم احتجاجه على تق رير نشرته إحدى الصحف السويس يرة، بناءً على برقية وردت إليها من القاهرة، تفيد أن إبراهيم الورداني، قاتل رئيس الوزراء
المصري بطرس باشا، كان حاضرًا في مؤتمر الشباب المصري لعام 1909؛ ليس بصفته مراسلًا لصحيفة اللواء القومية المص يرة، بل
بصفته سكرتير لجنة الشباب التي يترأسها فهمي.
59 Manela. 60 Ibid.
61 ولد جيمس كير هاردي، مؤسس حزب العمال الب يرطاني، في 15 آب/ أغسطس 1856، في نيوهاوس، بإسكتلندا. أصبح سياسيًا إسكتلنديًا مهمًا، ورائدًا للاشتراكية
في المملكة المتحدة ونقابيًا مؤثرًا. كان شخصية سياسية حاسمة وأصبح أول عضو عمالي في البرلمان وأسس الحركة التي كانت دعامة أساسية في السياسة الب يرطانية منذ
ذلك الحين. ساهم هاردي بقوة في النضالات المص يرة والهندية من أجل الح يرة". ينظر:
" Ker Hardie, Historic UK ," accessed on 20 / 11 / 2024 , at: https://bit.ly/ 4 fOdcTa
جعل هذا الحضور المتعدد، بهذا الزخم الواسع، برلين تسارع بمد يد العون والدعم لهؤلاء الشباب الموجودين في سويسرا62. وقد كان لقرار ألمانيا المتمثّل في تقديم الدعم لهؤلاء الشباب سببان، أولهما: أن سويسرا كانت منطقة جذب للقوميين المص يرين،
وتعتبر محايدة من وجهة نظرهم بعدم تورطها في الحرب، كما أن التواصل مع بلادهم كان يتم بسهولة، على خلاف ألمانيا التي كان التواصل فيها مع بلادهم يتميز بنوع من الصعوبة، لهذا السبب أنشأت "وكالة أنباء الشرق" الألمانية فرعًا لها في زيورخ في
سويسرا للتواصل مع هؤلاء المنفيين وتلقي المعلومات وتجنيد عدد منهم للعمل داخل الوكالة ومراقبة الآخ يرن والدفع قدمًا بخطة
الدعاية الألمانية63، وقد كان من ضمن العاملين في القسم العربي ل "وكالة أنباء الشرق"، منصور رفعت (الذي أسس فيما بعد الحزب الراديكالي المصري). أما السبب الثاني، وقد تمت الإشارة إليه في مطلع الدراسة، فهو أنه كان يوجد تضامن كبير مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهو تضامن مبني على أسس دينية، من الشعب المصري مع الأتراك، وكانت هناك أخبار تتوارد عن وجود مؤشرات لقيام ثورة في مصر ضد الإنكليز، وهذا ما جعل ب يرطانيا تفرض حصارًا على مصر إلى حد العزلة الدولية؛ فلا تكاد تخ جر أخبار منها، إلا
ما ت يرده الرقابة الب يرطانية. لذلك، سعى الألمان لإيجاد طرائق للتأثير في الشعب المصري بعيدًا عن الرقابة الب يرطانية، من أجل تم رير
الخطة الألمانية الهادفة إلى تثو ري العالم الإسلامي، وإبراز ألمانيا صديقًا وشكًا للإسلام والمسلمين. وكما سبق ذكره، وجدت وزارة الخارجية الألمانية بين أوساط الحركة الوطنية المص يرة النشطة في سويسرا دعمًا كبيرًا لها64. في الوقت ذاته، أراد الب يرطانيون أيضًا كسب ولاء القوميين المص يرين الموجودين في سويسرا، فعقدوا معهم لقاءات لإقناعهم بفكرة إنشاء حزب سياسي تحت رعاية ب يرطانيا. ففي تش يرن الثاني/ نوفمبر 1917، تفاوض رجل ب يرطاني في سويسرا سرّا مع العديد
من القوميين المص يرين بشأن تشكيل حزب سياسي جديد يضم قيادات المعارضة المص يرة، خاصة الذين يتمتعون بمكانة وتقد ري لدى عموم المص يرين ليتمكنوا من ممارسة النفوذ عليهم65. وحاول الب يرطانيون أن يقنعوا المص يرين بأن الهدف الأول والمباشر لتشكيل حزب سياسي هو بناء جيش مصري خاص بهم، وقد أغرتهم الحكومة الب يرطانية في الوقت ذاته بوعد عظيم، وهو احتمالية قيام حكومة مص يرة مستقلة في دولة مستقلة. وفعلًا، في عام 1917، تم إطلاق الحزب الجديد، تحت اسم حزب الشباب المصري الليبرالي، وعلى الرغم من نجاح الب يرطانيين في تجنيد أشخاص لحسابهم، أبرزهم إسماعيل لبيب، أقرب مساعدي محمد ف يرد ونائب رئيس الحزب الوطني، فإنه قد ساد موقف مؤيد لألمانيا ومؤيد لتركيا داخل صفوف هذا الحزب المؤسس حديثًا. ومع ذلك، فإن الشباب
المص يرين، مثل العديد من السياسيين المؤيدين لسياسة الجوار الأوروبية، كانوا منقسمين بشأن تركيا. فحينما حارب الأتراك ضد
الب يرطانيين في تحالف عسكري مشترك مع ألمانيا، وجدوا دعمًا واسعًا بين الشباب المص يرين، لكن هذا الدعم قد تضاءل على نحوٍ
متزايد مع تضاؤل احتمالات النجاح العسكري ضد الإنكليز66. وبعد تأسيس حزب الشباب الليبرالي المصري، تم التخطيط لإصدار مطبوعات يقوم فيها الطلاب المص يرون في سويسرا بإلغاء تعاطفهم السابق مع ألمانيا وتركيا علانية. وقد خطط الب يرطانيون لاستخدام أم يرن أساسيين في المقالات المزمع نشرها، والتي تدعو إلى إلغاء التعاطف مع الأتراك والألمان. أولهما استخدام المسألة القومية وربطها بالحياة الثقافية للمص يرين، إلى جانب مسألة الدونية
62 تجدر الإشارة إلى الخلافات التي كانت بين الحزب الوطني في برلين بقيادة محمد ف يرد، ثم لجنة الشباب المص يرة بقيادة محمد فهمي، إذ كان دائم الخلاف مع
محمد ف يرد، إلى جانب الحزب الراديكالي بقيادة منصور رفعت. 63 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، 21263 R , AA - PA، 1915. 64 المرجع نفسه. 65 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 150551 R , PAAA 20 / 11 / 1917، ص 51؛ 21263 R , PAAA، 1915.
66 Landau, p. 120 ;
جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15050 , R PAAA، ص 139 - 142؛ 21263 R , PAAA، 1915.
الثقافية التي كان رياها الأتراك، مقارنة بالمستوى المصري. وثانيهما هو كشف النيات السيئة لألمانيا تجاه مصر، وإن كانت ألمانيا ستمنح مصر استقلالًا حقيقيًا، وهو ما تم نشره تحت عنوان: "ألمانيا والنيات السيئة تجاه مصر"67. ولعل هذا هو موقف محمد ف يرد
الذي عبر عنه في مذكراته، بأنه كان ريى أن الألمان يريدون احتلال مصر بدلًا من الإنكليز، وأنه متشكك في نياتهم تجاه نيل مصر لاستقلالها إذا ما انتصروا في الحرب68، وهذا سيؤثر في موقف المص يرين الذين عارضوا سابقًا الاستمرار تحت سلطة الاحتلال الإنكليزي، وسيخلصون ببساطة إلى استنتاج مفاده أن خلاص وطننا الحبيب لا يكمن إّلا في الاتحاد مع إنكلترا وليس مع تركيا أو ألمانيا69. في شتاء 1918، وصل الب يرطانيون إلى نتيجة مفادها أنه لم يكن عليهم الترويج لموضوع تأسيس الحزب بسرعة كبيرة؛ لأن المص يرين الذين تم تجنيدهم لم يظهروا الدعم والقدرة الكافيين لتحقيق ما كان يسعى له الب يرطانيون. وقد كان الأساس الحاسم لفشل فكرة تأسيس الحزب هو الصعوبة الكبيرة في إيجاد الشخصيات السياسية المؤثرة بين أوساط المص يرين في المنفى لدعم الب يرطانيين في خطتهم. في الأشهر التي تلت ذلك، وبعد أن عرف الألمان الخطة الإنكلي يزة المتعلقة بتأسيس حزب سياسي برعاية ب يرطانية، ومعرفة أسباب فشله، خاصة التضارب في وجهات نظر أعضائه بشأن دور ب يرطانيا المستقبلي في مصر، سعوا لاستغلال ذلك من خلال بناء نفوذ أكبر بين القوميين المص يرين في سويسرا، وتقديم دعم مالي أكثر70. وقد تركزت الجهود الألمانية في البداية على إسماعيل لبيب، نائب رئيس الحزب الوطني، الذي نجح الإنكليز في تجنيده للعمل لصالحهم، بهدف إفشال الخطة الب يرطانية. وفي أوائل صيف 1919 ظهرت، أول مرة، في الوثائق الألمانية فكرة إنشاء اتحاد/ حزب سياسي جديد للسياسيين المص يرين في المنفى، ومن الواضح أن فكرة إنشاء هذا الحزب تستند بوضوح إلى مبادرة ألمانية لإفشال الخطة الب يرطانية71، وبما أن الحزب الوطني كان موجودًا بالفعل،
فقد تركزت الاعتبارات الألمانية على إنشاء حزب جديد يضم السياسيين البارزين في هذا الحزب، خاصة محمد ف يرد، الذي كان منخرطًا في البداية في الجناح الإسلامي، الذي كان يؤيد الانضمام إلى الدولة العثمانية أو دولة الخلافة (بقيادة جاويش) إلى جانب محمد
67 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15051 R , PAAA، ص 52؛ 1915، 21263 R , PAAA. 68 توجد العديد من المراسلات التي يحتفظ بها الأرشيف الألماني عن رغبة محمد ف يرد في مغادرة سويسرا إلى برلين، وقد حاول مرارًا وتكرارًا الحصول على تأشيرة
ألمانية في تش يرن الثاني/ نوفمبر 1916 –كانون الثاني/ ينا ري 1917، لكن طلبه كان يُرفَض كل مرة. إحدى هذه الوثائق، التي تحمل رقم 15050 PAAA، ذكرت أن رئيس
البعثة الدبلوماسية الألمانية في جينيف أرسل استفسارًا إلى برلين، ذكر فيه أن محمد ف يرد بك رئيس الحزب الوطني، أبلغ مستشار المفوضية السيد ماروم أنه ريغب في
التوجه إلى برلين، في كانون الأول/ ديسمبر 1916، لإجراء مقابلات مع سياسيين في وزارة الخارجية الألمانية، ومناقشة بعض القضايا المهمة معهم، وطلب المفوض من
خارجية بلاده التعليمات أو الخطوات التي يجب أن يقوم بها، تجاه محمد ف يرد، الذي يحمل جواز سفر تركي، وإن كان جوازه التركي يفي بمتطلبات منحه التأشيرة للدخول
إلى ألمانيا. وقد تم الرد على محمد ف يرد بردود غير مقنعة، وفيما يتعلق بنقطة مناقشة المعلومات المهمة، تم الرد عليه بأنه يستطيع إبلاغها إلى البارون رومبي جر الذي
سينقلها إليهم. أدرك ف يرد أن الألمان تصرفوا بهذه الط يرقة لصالح حكومة حزب الاتحاد والترقي الذين كانوا على علاقة سيئة مع القوميين المص يرين، خاصة المجموعة
المحسوبة على جناحه. وفي تش يرن الثاني/ نوفمبر 2016، بعثت الخارجية الألمانية برسالة إلى سفارتها في سويسرا تضمنت عدم الموافقة على منح محمد ف يرد تأشيرة
ل يزارة برلين، وأن الألمان كانوا لا يريدون منح ف يرد هذه التأشيرة حتى لا يغضبوا حليفهم التركي. تقدّم ف يرد مرة أخرى بالحصول على تأشيرة ولم يتلَّقَ أي ردّ، مما دفعه
إلى الكتابة إلى وكيل وزارة الخارجية الألمانية زيمرمان الذي أصبح وز يرًا للخارجية، ويبدو أن هذا الخطاب الذي بعثه ف يرد لوز ري الخارجية الألمانية جعله يحصل على
التأشيرة، فسافر في فجر يوم 23 كانون الثاني/ ينا ري 1917 من سويسرا متجهًا إلى الأراضي الألمانية عبر حدود مدينة جوتمارنجن التي وصلها يوم 25 / ينا ري 1917. وتابع
الألمان مغادرة ف يرد باهتمام شديد، فقد كان يحظى بمكانة كبيرة لدى السياسيين الألمان، وقد كتبت العديد من التقار ري في هذا الموضوع، من بينها تق رير كتبه المخبر
السري لدى البعثة الألمانية في سويسرا، وقد كان له اسم حركي (ياكوبي Jakobi)، في 25 كانون الثاني/ ينا ري 1917، ذكر فيه أن الهدف الرئيس من زيارة محمد ف يرد
إلى ألمانيا هو مقابلة السفير التركي (جاويد بك) في برلين. وعلى الرغم من المسافة التي اتخذها الألمان من ف يرد، فإنه لم يتم قطع العلاقات مع القوميين المص يرين. 69 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15051 R PAAA، 8 / 2 / 1918، f 90؛
Mahmoud Kassim, Die diplomatische Beziehungen Deutschlands zu Ägypten 1919 - 19 36 (Münster/ Hamburg: LIT- Verlag, 2000), p. 41.
70 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15052 PAAA، 20 / 6 / 1918، ص 32. 71 المرجع نفسه.
فهمي رئيس لجنة الشباب المصري في جنيف. كانت الصعوبة الأكبر لألمانيا تتمثل في التغلب على الآراء المتناقضة التي عبّر عنها قادة
الأجنحة المختلفة داخل الحزب الوطني، إضافة إلى ذلك، فإن ألمانيا كانت هي القوة الدافعة وراء فكرة إنشاء هذا التحالف/ الحزب الجديد، وكان هناك نوع من التكتم حتى لا يتم بأي حال من الأحوال الكشف علنًا عن أن ألمانيا هي التي تقف خلف هذا الأمر، لأن
ذلك من شأنه أن يعرّض الخطة الألمانية للخطر، وهي خطّة تصور الحزب الجديد على أنه مجرد وسيلة لتأمين النفوذ الألماني في مصر
المستقبل فحسب. ولهذا السبب تحديدًا، أرادت وزارة الخارجية الألمانية إنشاء شراكة ألمانية -يرة جديدة في برلين، وهي فكرة مص
تم الترويج لها في الوقت نفسه تقبًا. وخلال ثلاثة أشهر، هي مدة العمل والتحضير لإنشاء هذا الحزب، تم الانتهاء من وضع الخطة
الرئيسة عبر عدة اجتماعات تحضي يرة جرَت بين ممثلي قسم الشرق في وزارة الخارجية والمص يرين الموجودين في برلين. وكان من
المقرر دمج أهم الأشخاص في المجموعات السياسية المختلفة في "لجان فرعية"، يتم تشكيلها في إسطنبول وسويسرا72. كان من المفترض أن يتولى محمد ف يرد رئاسة التحالف/ الحزب بأكمله، أما في تركيا فكان اسم جاويش مطروحًا لتولّي رئاسة
لجنة الفرع المحلي. وفي سويسرا، كان إسماعيل لبيب هو المنوط به فعل الشيء نفسه. وبنظرة معمقة إلى مواد الأرشيف الألماني التي وردت فيها تفاصيل الخطة الألمانية لإنشاء تحالف سياسي، نجد أنها تقدّم معطيات واضحة عن العلاقات الموجودة بين المعارضة
المص يرة من ناحية وبين الأتراك والألمان من ناحية أخرى، إلى جانب العلاقة بين المجموعات المختلفة، ومدى الانقسام السياسي العميق بينهم. وتقدّم تلك الوثائق أيضًا معطيات عن تغير آراء السياسيين، طبقًا للبلد المضيف؛ فمثلًا، نجد أن محمد ف يرد كان يتمسك
بفكرة الجامعة الإسلامية. ولكن في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أدرك أنه لا فائدة من ذلك، وأنه لا بد من أن يكون على غرار الجامعة أو الوحدة الجرمانية. ولعل هذا ما دفع ف يرد إلى أن يقيم علاقات من طراز خاص مع كل من ألمانيا وتركيا، فقد كان يتمنى أن تبني الدولتان حلفًا واحدًا للوقوف في وجه الأطماع الأوروبية الاستعمارية. وقد فنّد رؤوف عباس هذه المسألة في بحثه عن
ألمانيا والقوميين المص يرين73، بينما أرجع رفعت السعيد الأمر إلى غياب الحوار بين ف يرد وزعيم التيار المتشدد داخل الحزب الوطني جاويش، ووجه عدة انتقادات إلى ف يرد لعدم إقامة حوار مع جاويش الذي كان ريفع شعار مصر للمسلمين بدلًا من مصر للمص يرين. وأضاف أن ما كان يغضب ف يرد هو تصور جاويش ومناداته بضرورة ربط مصر بالدولة العثمانية، وهو على نقيض تصور ف يرد القومي74. بعد ثلاثة أشهر من التحضير والعمل، لم يؤت الحزب الألماني المصري المزمع إنشاؤه، والمقرر الإعلان عنه في سويسرا، أكله قُّطُ، وباءت الخطة بالفشل، وقد كان للتناقضات الكبيرة بين أعضاء الحزب، واختلافهم في مسألة التحالف العسكري والسياسي بين ألمانيا وتركيا، دور واضح في إفشال الخطة الألمانية؛ إذ عكست التناقضات الموجودة لدى أعضاء الحزب وجود شعور مترسخ بينهم بأن التحالف بين الألمان والأتراك أضعف اهتمام الألمان بالقضية المص يرة. فحينما عبّر ف يرد لوز ري الخارجية الألمانية زيمرمان Zimmermann عن
مخاوف القوميين المص يرين من إهمال الإشارة إلى مصر في الاتصالات المتبادلة بين ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية بشأن مقترحات
السلام، في الوقت الذي تمت فيه الإشارة إلى إ ريلندا والهند، ادعى زيمرمان أن مصر أُدرجت في المقترحات العامة الألمانية المتعلقة بشمال أف يرقيا، إلا أن ف يرد لفت أنظار الوز ري إلى أهمية مصر بالنسبة إلى المصالح الألمانية في الشرق الأدنى، وخاصة قناة السويس، التي تستحق أن تؤخذ في الاعتبار في مثل هذه الاتصالات. ولكي يغلق زيمرمان هذا النقاش مع ف يرد، قال له إنهم يصحّحون هذا الخطأ في
أقرب فرصة تتاح لهم75، ومن ثمّ أدرك ف يرد أن الحكومة الألمانية أصبحت أقل اهتمامًا بالمسألة المص يرة.
72 المرجع نفسه.
73 Hamed, p. 24.
74 رفعت السعيد، تاريخ الحركة الاشتراكية (القاهرة: دار الفارابي، 1972)، ص 36. 75 ف يرد، ص 50.
لقد تكرر الأمر نفسه حينما اقترح ف يرد، في شباط/ فبرا ري 1918، على ألمانيا الإسراع في طرح مسألة تدويل قناة السويس للنقاش76، استنادًا إلى بروتوكول لندن الموقع عام 1840 أثناء حكم محمد علي، وهناك العديد من الدول الموقعة عليه، وأغلب هذه
الدول ستدافع عن حقها ولن تسمح لإنكلترا بالتحكم في قناة السويس منفردةً، إلا أن الألمان لم يظهروا أي تجاوب أو أي اهتمام في هذا الشأن، وهذا راجع إلى العلاقة التي كانت تربطهم بحكومة الاتحاد والترقي التركية، والتي كان لديها موقف سلبي من القوميين المص يرين، إلى جانب عدم الرغبة الألمانية في الدخول في مواجهة مباشرة مع الإنكليز والفرنسيين، خاصة بعد فشل حملة قناة السويس الأولى. كل هذا أدى إلى تعميق الشعور لدى القوميين المص يرين بأن التحالف الألماني السياسي والعسكري مع الأتراك قائم على حساب القضية المص يرة، وهو ما لم يستطع الألمان التخفيف من حدّته أو حلّه مع القوميين المص يرين؛ ما أدى إلى فشل
فكرة التحالف الألماني - المصري.
3. خاتمة: الدور الألماني في ثورة 1919
بناء على ما سبق، كشفت الوثائق الموجودة في الأرشيف الألماني عن العديد من التفاصيل المتعلقة بالدعم الألماني للمعارضة المص يرة في أوائل القرن العش يرن، إلى جانب موقفها من فكرة الثورة بصفة عامة. إلا أن هذا التاريخ من التدخل الألماني في مثل هذه القضايا يثير سؤ لًا عن أحداث ثورة 1919، وإذا ما كانت تلك الثورة مص يرة خالصة، أو إذا ما كان العملاء الألمان قد أدوا، بصفة مباشرة، أو غير مباشرة، دورًا في اندلاعها ودعم قادتها. وكما ذكرنا، تزامن الدعم الألماني للثورة المص يرة مع خطة الألمان التي تهدف
إلى تثو ري العالم الإسلامي. وللإجابة عن هذا السؤال نجد أن الوثائق في الأرشيف الألماني حملت تناقضًا تجاه ثورة 1919؛ ففي بعض الوثائق تم نعتها بالثورة، وفي بعضها الآخر بالانتفاضة. فنجد مثلًا تق يررًا مطولًا وضعه هربرت دييل77، الخبير الألماني في شؤون
الشرق الأوسط، وقد عمل أيضًا مسؤولًا في وزارة الخارجية الألمانية، وأرسله في آذار/ مارس 1919 إلى الوزارة، بشأن الأحداث التي وقعت في مصر78، وقد حاول دييل تقديم أدلة لمتابعي المشهد المصري لتأكيد أنها "ثورة مص يرة خالصة "79. وفي الجانب الآخر، اختلفت أصوات أخرى مع دييل، فقد نقلت الصحيفة الإخبارية الناطقة بالفرنسية Matin Le أن الشرارات الأولى للانتفاضات المنظمة التي وقعت في كل من الهند وإ ريلندا ومصر كانت مدبرة من برلين. ووفقًا لتق رير الصحيفة، اتخذ القرارات في فندق أدلون Adlon في برلين سياسيون قوميون من بينهم الإ ريلندي تشاتيرتون هيل، وشيمباكارامان بيلاي من الهند، والمصري علي علوي. لا يمكن، بطبيعة الحال، استبعاد احتمال أن يكون افتراض صحيفة Matin Le دقيقًا، فما قامت به ألمانيا من تقديم دعم للقوميين المص يرين من أجل تم رير خطتهم يصب في صالح هذا الرأي. لكن هناك احتمال آخر، وهو أن الصحيفة كانت تشير إلى اجتماع احتجاجي عُقد في برلين في بداية عام 1919 في فندق أدلون أقامه الحزب الراديكالي المصري بقيادة الدكتور منصور رفعت80. كان موقف الإنكليز من ثورة 1919 وعامل المفاجأة، والارتباك في التعامل معها، علامة على تدخل الألمان في تح يرك الشارع المصري، فهناك العديد من الوثائق المختلفة داخل الأرشيف الألماني تروي عددًا من الأحداث التي تؤكد أن الإنكليز
كانوا ريون أن الألمان يقفون بقوّة خلف أحداث الثورة في مصر، خاصة أنهم قدموا الدعم للقوميين المص يرين عبر سنوات طويلة
76 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15951 R , PAAA، 13 / 2 / 1918، ص F 100. 77 كان هربرت ديال (27 / 3 / 1886 - 12 / 9 / 1955) يعمل في وزارة الخارجية الألمانية منذ عام 1909. أولًا، كان يعمل مترجمًا بالسفارة في المغرب. بعد توقفه في
القسطنطينية وفي وزارة الخارجية في برلين، عمل في الفترة 1918 - 1919 في السفارة في برن. تقاعد عام 1944.
78 Allgemeine Angelegenheiten Egyptens; Ägypten Nr. 3 , Die ägyptische Frage, PAAA , R 15036 bis R 15044 , pp. 123 - 130. 79 Ibid. 80 Ibid., p. 134.
من أجل الوصول إلى تلك اللحظة، إلى جانب إرسالهم الجواسيس إلى القاهرة في الفترات السابقة للثورة ودعم الانتفاضات المختلفة التي قام بها الشعب المصري. فقد ذكرت إحدى الوثائق الألمانية قصة أحد المقاتلين الألمان الذين تم اعتقالهم في أحد مراكز الاعتقال في مصر؛ إذ أرسل مكتب شرطة الحدود لمقاطعة با رين في سالزبورغ تق يررًا إلى وزارة الخارجية، في
2 كانون الثاني/ ينا ري 1920، يتضمّن تص يرحات مقاتل ألماني سابق من شرق أف يرقيا يُدعى شيلفوهوبر Schilfhuber، وكان
هذا الجندي محتجزًا في معسكر اعتقال في مصر، وقد عمل أيضًا مترجمًا خلال هذه الفترة، وسُمح له ولسجناء آخ يرن بالخروج
من المعسكر في بعض الأحيان. وكما أورد مكتب شرطة الحدود، تمكن المقاتل الألماني مع عدد من السجناء، ففي مثل هذه المناسبات، ملاحظة وجود قتال بين العرب وقوات الاحتلال الإنكلي يزة، وفي أثناء كل تلك الحوادث، اعتاد الإنكليز البحث دائمًا عن "كبش فداء" بين السجناء الألمان أو غيرهم من الأشخاص الموالين لألمانيا لشكّهم في ضلوع الألمان في مثل هذه
الأحداث. وقد قُبض على شيلفوهوبر بتهمة التح يرض على أعمال الشغب، وقُدّم للمحاكمة العسك يرة، ولكن تم إطلاق سراحه من
السجن بعد عدة أيام لغياب م يزد من الأدلة81. وعند الاطلاع على الوثائق المختلفة داخل الأرشيف الألماني، التي تتحدث عن ثورة 1919، يمكن أن يجد المرء أيضًا بعض المعلومات عن محاولات الإنكليز المختلفة التي تتعلّق بالبحث عن أسباب الانتفاضات ومنشئها مرارًا وتكرارًا، وتكرار عملية إلقاء اللوم على مجموعات وأشخاص مختلفين من الخارج. إلا أن هذه الممارسات الإنكلي يزة
والتشكك الدائم في تدخل الألمان في الأحداث في مصر لم يَرُق العديد من الكتاب خاصة المص يرين منهم، والذين رأوا ذلك
خطأً متكررًا وقع فيه الإنكليز، وهو ما أدى إلى تبني وجهة نظرهم في القول بأن ألمانيا وقفت خلف أحداث ثورة 1919. ففي إحدى
مقالاته عام 1994، وبعد مرور 75 عامًا على ثورة 1919، كتب مصطفى أمين مقالة في صحيفة الشرق الأوسط، جاء فيها أن
الإنكليز قد أصابهم الدهشة من التنظيم الجيد للثورة، ونتيجة لذلك توصلوا إلى التصور الخاطئ القائل إن ثورة 1919 كانت نتيجة للتدخل الألماني، ويذهب إلى أن ثورة 1919 ثورة خالصة ولم يكن لأي طرف أجنبي أي تدخل فيها82. إلا أننا نجد من يعارض ذلك بين الباحثين الغربيين، فالمؤرخ الأميركي الكبير روبرت ل. تيجنور Tignor. L Robert ريى أن انتفاضة 1919 حدثت نتيجة للتدخل الألماني، و ريجع هذا إلى التنظيم الذي بذله الألمان والاجتماعات المختلفة للمعارضين في المنفى بدعم ألماني. وقد بني تصوره هذا على أساس المراسلات التي اطلع عليها في الأرشيفين الإنكليزي والأميركي، وهو ما أذهب إليه وأؤيده نظرًا إلى ما
تم تقديمه من سرد وتحليل للوثائق التي تحدثت عن التدخل والدعم الألمانيَين لانتفاضات المجتمع المصري ضد الإنكليز، إلى
جانب دعم القوميين في المنفى والتحالف معهم. كانت ثورة 1919 حدثًا كبيرًا ومهًّمًا، وجاءت أيضًا في خضم تحولات سياسية داخل ألمانيا، ولا سيما الانتقال من القيص يرة إلى
الجمهورية؛ لذلك أشارت بعض الوثائق في الأرشيف الألماني إلى أن رد فعل ألمانيا كان إيجابيًا تجاه تلك الثورة، لكن هذه الاستجابة
كانت أقل مما كان متوقعًا؛ إذ نجد تحليلًا دقيقًا للخبير الألماني في وزارة الخارجية الألمانية أورينت ديل Diel Orient عن التطور
السياسي في مصر حتى اندلاع ثورة 1919 وأهميته بالنسبة إلى المصالح الألمانية في الشرق، حيث قال: لم تتحول الصورة في الشرق على الأقل إلى غير صالحنا منذ 9 تش يرن الثاني/ نوفمبر 1918، وعلينا أن نحافظ على التزامنا، ونفتح أعيننا أكثر، وضرورة إبراز تعاطفنا بصفة أكبر بشأن سعي الشرق للح يرة في شكل مستتر، ومن ثمّ العمل من أجل موقفنا وتأكيد وجودنا في الشرق، وأن ما حدث هو
فرصة عظيمة لألمانيا لاستعادة نفوذها في مصر83.
81 Ibid., pp. 213 - 215.
82 الشرق الأوسط، العدد 5579، 8 / 3 / 1994. 83 جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15053 PAAA، 13 / 9 / 1918، ص 156.
لقد حدثت ثورة 1919 في مصر في أثناء تغير سياسي كبير في ألمانيا؛ فقد حدثت الثورة الألمانية، وتم نفي القيصر الألماني إلى هولندا، وبدأت فترة جمهورية فايمار، وهنا كان السؤال الأهم: ما موقف الحكومة الجديدة أو هذا النظام السياسي الجديد من القضية المص يرة وخاصة الثورة؟ تجيب عدة وثائق في الأرشيف الألماني عن هذا السؤال، فإحدى الوثائق تقول إن برقية وردت من إسبانيا إلى وزارة الخارجية جاء فيها أن هناك تعاطفًا كبيرًا من الشعوب المستعمرة مع المص يرين، كما أن هناك تعاطفًا من المص يرين مع ألمانيا،
وأشارت إلى وجود تعاطف عدد من الدول الأوروبية أيضًا مع المص يرين، وقد أشار مرسل "الرسالة الذي أرسلها من سويسرا" إلى الوضع السياسي المحلي المتغير في ألمانيا مع التعليق بأن "الهيئات الرسمية للنظام الجديد في ألمانيا" لم تحدد بعد سياسة خارجية واضحة المعالم تجاه مصر، وأن هناك نوعًا من التحفظ في التعامل مع المتغيرات الجديدة بعد الثورة84، على أن هذا التحفظ الذي أشارت إليه البرقية ناتج في نظري من معاهدة فرساي التي وقعت عليها ألمانيا بعد ه يزمتها في الحرب العالمية الأولى، وساهمت في تحجيمها على نحو واضح. لكن من أبرز الأمور التي أشارت إليها الوثيقة أنه يجب أن تستمر ألمانيا في دعم معاهد الشرق، ودعم المعارضين في الخارج كما كان في عهد القيصر، وهنا يبرز الدور السياسي الذي أدته تلك المعاهد الثقافية الألمانية المنتشرة في الشرق، والذي تم تحت الغطاء الثقافي الممنوح لها. يضاف إلى ذلك أن الوضع في الشرق يتطور على نحوٍ أفضل للمصالح الألمانية، بينما زيداد الأمر سوءًا بالنسبة إلى إنكلترا، لأن على المدى الطويل سيكون من المستحيل قمع تطلعات شعوب الشرق إلى الح يرة من دون تنازلات
جدية من الإنكليز85. وعلى ما يبدو، فإن ما ذكرته البرقية من وجود تعاطف من الدول الأوروبية تجاه المص يرين، ورفضهم الوحشية الإنكلي يزة، قد نقله عدد من السياسيين المص يرين إلى الألمان. ففي أيار/ مايو 1919، أي بعد شه يرن من اندلاع الثورة، تقابل أحد خبراء الشرق الألمان، د. هاس Hass (كما ورد اسمه في الوثيقة)، مع مدكور باشا عضو الوزارة ورئيس الغرفة التجارية، وأحد أعضاء الوفد المفاوض بقيادة سعد زغلول، والذي كان في ط يرقه إلى باريس، ثم منها إلى لندن. وقد شرح مدكور للدكتور هاس الوضع القائم في مصر، وتحدث باستفاضة عن قسوة تعامل الإنكليز أثناء الحرب ثمّ مع المص يرين، وضرب على ذلك مث لًا مفاده أن الجنود الإنكليز
أطلقوا الرصاص على نساء شاركن في مظاهرات في القاهرة، وهو ما جعل الدوائر الدبلوماسية الفرنسية والإيطالية وكذلك الهولندية تبدي تعاطفها مع المص يرين، ما عدا الأميركيين الذين لم يظهروا أي تعاطف، بل كانوا داعمين للإنكليز ورفضوا استقبال أي مصري أو التحدث معه86.
النتائج
لقد سمح الفضاء السياسي في برلين، وكذلك طبيعة الدولة الألمانية بصفتها دولة مضيفة للمنفيين، وداعمة لنشاطاتهم قبل ه يزمتها في الحرب العالمية الأولى، بأن ينشئوا العديد من شبكات التواصل التي تخدم قضيتهم. كانت أغلب هذه النشاطات عابرة للحدود؛ لذا، فإنّ دراستها من خلال دراسات الشتات، تساهم بوضوح في فهم نشاطات المهاج يرن التي كانت عابرة للحدود الجغرافية والسياسية والثقافية. وفي الوقت ذاته، أوضح استخدام هذا المنهج انخراط ألمانيا خارج حدودها في مناهضة الاستعمار، ودعم المعارضين من الدول المستعمرة، إلى جانب انتشار عملائها وجواسيسها في كل مكان من أجل خدمة أهدافها، في اندلاع ثورات ضد الاستعمارَين الإنكليزي والفرنسي.
84 المرجع نفسه، ص 108. 85 المرجع نفسه. 86 المرجع نفسه.
أوضحت الدراسة في العديد من جوانبها أنّ رصد الألمان الدقيق لانتفاضات المص يرين ضد الإنكليز ودعمها من خلال شبكة
جواسيسها تزامن مع دعم المعارضة في المنفى، وأنّ الوثائق الألمانية سجلت هذا الدعم، وكذلك النشاطات التي سبقت ثورة 1919.
وأوضحت الدراسة، أيضًا، السخاء الألماني في دعم المعارضة المص يرة ماليًا وسياسيًا، وبرز ذلك في الدعم المقدم لإنشاء الصحف
والدوريات المختلفة، كما حدث على سبيل المثال مع الخديوي عباس الثاني. لقد استكشفت الدراسة أن الانقسام السياسي في مصر الحديثة له جذوره في الحركة القومية التي نشأت منذ ثورة 1919 ومستمر حتى اليوم بين مختلف أطياف العمل السياسي. فخلال ثورة 1919، كان هناك استقطاب شديد بين الإسلاميين (الذين أصروا على العلاقات الوثيقة مع تركيا أو الخلافة العثمانية) والعلمانيين/ الليبراليين (الذين كانت لديهم توجهات براغماتية ويهدفون إلى الحكم الذاتي الكامل لمصر). وكان من شأن تلك الانقسامات السياسية العميقة، والحاجة إلى المال، وبراغماتية بعض الأفراد لخدمة قضايا خاصة، تجنيد بعض الأشخاص داخل الحركة الوطنية لصالح الإنكليز أو الألمان على حد سواء. أوضحت الدراسة، في الوقت ذاته، أن المنفيين المص يرين في تلك الحقبة جلبوا معهم خلافاتهم الداخلية، خاصة فيما يتعلق بأمر الزعامة ورئاسة الأحزاب والمجموعات المختلفة، وهو ما ألقى بظلاله على العمل وقدرتهم في الوقت ذاته على التوحد أو الالتفاف حول مطلب معيّن. ولعل هذا ما دفع بعدد من المؤرخين مثل تيلمان لودكه Lüdke Tilman أن يقول إن الألمان لم يكونوا على دراية
قوية بهذه الانقسامات العنيفة، لذا بالغوا في قوة الحركة القومية والوقوف خلفها. من ناحية أخرى، قلّل الإنكليز قوة هذه الحركة القومية، ولم يأخذوا في الاعتبار أنها قادرة على صناعة رأي دولي بشأن القضية المص يرة. من جانب آخر، بدا واضحًا تأثير البلد المضيف في أفكار المجموعات المنفية؛ فمثلًا، تخلّى ف يرد الذي كان يؤمن بفكرة الجامعة
الإسلامية حينما كان في مصر عن تلك الفكرة تمامًا أثناء إقامته في المنفى، أو بالأحرى طوّرها لتصبح أقرب إلى الاتحاد الجرماني،
كما أن فكرة التبعية للدولة العثمانية ما هي إلا مسألة رم يزة فحسب. حاولت المعارضة في تلك الفترة أن تجد لنفسها مكانًا في المجتمع الدولي وأن تكثف نشاطاتها، إلا أنها لم تجد حاضنة حقيقية
لنشاطاتها سوى سويسرا وألمانيا، كما أن الأخيرة بعد فترة من الزمن تخلّت، على نحو ما، عن دعمها، آخذة في الاعتبار مصالحها مع الحكومة التركية على حساب المعارضة القومية المص يرة. وعلى الرغم من هذا الانقسام السياسي، فإن المعارضة المص يرة كان لديها شبه إجماع على ف يرد زعيمًا لهذه الحركة الوطنية، وقد حظي باحترام كبير من الدول المختلفة وفي مقدّمتها ألمانيا. وعكست وثائق
الأرشيف الألماني بكل وضوح المكانة التي حظي بها ف يرد لدى الحكومة والساسة الألمان والأتراك وأفراد المعارضة على حد سواء. وعلى الرغم من هذا التوحد أو شبه الإجماع على شخصية وطنية مثل ف يرد، فإن المعارضة لم تكن قادرة على تجاوز انقساماتها والدفع في اتجاه عمل سياسي أكثر تجانسًا وتوحدًا.
المراجع
العربية
أرشيف وزارة الخارجية الألمانية PAAA. الأرشيف العسكري في مدينة كوبلنز الألمانية BAK. الأرشيف الوطني الب يرطاني FO PRO. الخديوي عباس. مذكرات الخديوي عباس الثاني. القاهرة: دار الشروق، 1993. الرافعي، عبد الرحمن. ثورة 1919: تاريخ مصر القومي من 1914 إلى 1921. القاهرة: دار المعارف 1978. حلمي الثاني، عباس. عهدي: مذكرات عباس حلمي الثاني خديوي مصر الأخير 1892 – 1914. ترجمة جلال يحيى. القاهرة: دار الشروق، 1993. ف يرد، محمد. مذكرات محمد فريد. تحقيق رؤوف عباس. القاهرة: عالم الكتب، 1975.
الأجنبية
Hamed, Raouf Abbas. "Germany and the Egyptian Nationalist Movement 1882 - 1918." Die Welt des Islams. vol. 28 ,
Holt, P. M. (ed.). Political and Social Change in Modern Egypt: Historical Studies from the Ottoman Conquest to
Höpp, G. "'Die ägyptische Frage ist in Wirklichkeit eine internationale' - Zur politisch-publizistischen Tätigkeit ägyptischer Antikolonialisten in Berlin 1918 - 1928." Asien, Afrika, Lateinamerika. vol. 15 , no. 1 (1987). ________. Arabische und islamische Periodika in Berlin und Brandenburg 1915 - 19 45. Berlin: klaus schwarz
Kassim, Mahmoud. Die diplomatische Beziehungen Deutschlands zu Ägypten 1919 - 19 36. Münster/ Hamburg: LIT-
Kuck, Nathanael. "Anti-colonialism in a Post-Imperial Environment-The Case of Berlin, 1914 - 33." Journal of
Shaw, Stanford J. & Ezel Kural Shaw. History of Ottoman Empire and Modern Turkey: vol. 2. Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey 1808 - 19 75. New York: Cambridge University Press, 1977. Tignor, Robert L. Modernization and British Colonial Rule in Egypt, 1882 - 19 14. Princeton: Princeton University
Trefzger, Marc. Die nationale Bewegung Ägyptens vor 1918 im Spiegel der schweizerischen Öffentlichkeit. Basel/
Die Islamische Welt. vol. 2 , no. 2 - 3 (1918). Fueß, Albrecht. Die deutsche Gemeinde in Ägypten von 1919 - 19 39. Hamburg: Lit, 1996.
no. 1 - 4 (January 1988).
the United Arab Republic. London: Oxford University Press, 1968.
verlag, 1994.
Verlag, 2000.
Contemporary History. vol. 49 , no. 1 (2014). Landau, Jacob M. Pan-Islam: History and Politics. London: Routledge 1990.
Press, 2015.
Stuttgart: Verlag von Helbing & Lichtenhahn, 1970.
مراجع إضافية
أنيس، محمد. المراسلات السرية بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي. القاهرة: دار الشروق، 2019. ________. صفحات مجهولة من التاريخ المصري أو سنوات الصراع العنيف بين فؤاد وعباس. القاهرة: روز اليوسف، 1973. الرافعي، عبد الرحمن. محمد فريد: رمز الإخلاص والوطنية. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.]. السعيد، رفعت. تاريخ الحركة الاشتراكية. القاهرة: دار الفارابي، 1972. ________. محمد فريد الموقف والمأساة: رؤية عصرية. القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1991. صالح، محمد السيد. عزيز المصري: أبو الثوار. القاهرة: بطانة للنشر والتوزيع، 2019. عباس، رؤوف. الحركة العمالية في مصر. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1968.
" Ä gyptischen Vertrags von 1936 bis 1942." PhD. Hamburg. 1953 (not published). Ernst W. Graf Lynar (ed.). Deutsche Kriegsziele 1914 – 1918. Eine Diskussion. Frankfurt/ Berlin: Verlag Ullstein,
Goldschmidt, Arthur. Historical dictionary of Egypt. Edinburgh: RLPG/Galleys, 2013. Haarmann, Ulrich (ed.). Geschichte der arabischen Welt. München: Beck, 1991. Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798 - 19 39. London: Oxford University Press, 1962. Issawi, Charles. Egypt at Mid-Century: An Economic Survey. London, 1954). Jacobsen, Hans-Adolf. Nationalsozialistische Außenpolitik 1933 - 19 38. Frankfurt: Alfred Metzner, 1968. Kaldor-Robinson, Joshua. "The Virtual and the Imaginary: The Role of Diasporic New Media in the Construction of a National Identity during the Break-up of Yugoslavia." Oxford Development Studies. vol. 30 , no. 2 (2000). Lange, Matthew. Comparative-Historical Methods. London: SAGE Publications Ltd, 2012. Mahoney, J. Rueschemeyer: Comparative Historical Analysis of the Social Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Manela, Erez. The Wilsonian Moment, Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism. London: Oxford University Press, 2009. Michalka, Wolfgang (ed.). Der Erste Weltkrieg. Wirkung, Wahrnehmung, Analyse. München: Zürich, 1994. Mikhail, Alan. Nature and Empire in Ottoman Egypt: An Environmental History. New York: Cambridge University press, 2011. Mommsen, Wolfgang. Imperialismus in Ägypten 1805 - 19 56. München: R. Oldenbourg Verlag, 1961. Morkus, Erwin. Die Beziehungen Englands zu Ägypten vom Abschluss des Anglo- Moser, Thomas. Europäische Integration, Dekolonisation, Eurafrika: Eine historische Analyse über die Entstehungsbedingungen der Eurafrikanischen Gemeinschaft von der Weltwirtschaftskrise bis zum Jaunde- Vertrag. 1929 - 19 63. Baden-Baden: Nomos Verlagsgesellschaft, 2000.
Müller-Funk, Lea. Egyptian Diaspora Activism During the Arab Uprisings: Insights from Paris and Vienna. New York: Routledge, 2019. Shain, Yossi & Aharon Barth. "Diasporas and International Relations Theory." Journal of International Organization. vol. 57 , no. 3 (2003). Springborg, Robert. The Egyptian Revolution of 1919. Legacies and Consequences of the Fight for Independence. London: Bloomsbury, 2022. Steininger, Rolf. Germany and the Middle East: From Kaiser Wilhelm II to Angela Merkel. New York: Berghahn Books, 2019. Tignor, Robert L. Tignor, Robert L. "The Egyptian Revolution of 1919: New Directions in the Egyptian Economy." Middle Eastern Studies. vol. 12 , no. 3 (1976). ________. State, Private Enterprise, and Economic Change in Egypt, 1918 - 19 52. Princeton: Princeton University Press, 1984. ________. Capitalism and Nationalism at the End of Empire. Princeton: Princeton University Press, 1998. ________. State, Private Enterprise and Economic Change in Egypt, 1918 - 19 52. Princeton: Princeton University Press, 2017. Tsourapas, Gerasimos. Egypt: Migration and Diaspora Politics in an Emerging Transit Country. Washington, DC: Migration Policy Institute, 2018. Wallach, Jehuda Lothar. Germany and the Middle East: 1835 - 19 39. Tel Aviv: Tel-Aviv University; Institute of German history, 1975. Walt, Stephen. The Origins of Alliances. Ithaca, NY: Cornell University, 1987. Westphalen, Clemens Graf von. "Die staats- und völkerrechtliche Stellung Ägyptens, insbesondere die Fremdengerichtsbarkeit und das deutsch-ägyptische Abkommen v. 16. Juni 19125." PhD. Dissertation. Universitat Würzburg. Würzburg. 1930. Whidden, James Neil. "The Egyptian Revolution: Politics and the Egyptian nation 1919 - 1926." PhD. Dissertation. University of London. London. 1998. Williams, Partik & Laura Chrisman (eds.). Colonial Discourse and Post-Colonial Theory: A Reader. London: Harverster Wheatsheaf, 1994. Wolff, Hermann Harry Walter. "Konsulargerichtsbarkeit und Gemischte Gerichte in Ägypten." PhD. Dissertation. Stuttgart. 1938.
الهوامش
- ينظر كتابه:
Erez Manela, The Wilsonian Moment, Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism (Oxford: Oxford University Press, 2009).
ويشرح هذا الكتاب ما قام به الزعيم القومي المصري سعد زغلول، إضافة إلى قائمة طويلة من كبار السياسيين والأحزاب والمنظمات المهنية والمجموعات النسائية والجماعات الطلابية والمنظمات المص يرة في الخارج، وحتى المواطنين المص يرين العاديين، الذين تحركوا للكتابة إلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية حينما وصل إلى باريس لحضور مؤتمر السلام. - Jacob M. Landau, Pan-Islam: History and Politics (London: Routledge 1990), p. 121.
- سيظهر هذا الأمر على نحو أوضح في عملية إنشاء الحزب السياسي والمعارك التي دارت بين الألمان والإنكليز. ينظر:
Nathanel Kuck, "Anti-colonialism in a Post-Imperial Environment-The Case of Berlin" 1914 - 33 ," Journal of Contemporary History , vol. 49 , no. 1 (2014), pp. 134 - 159. - اقتحمت الشرطة الألمانية هذا المكان مرات عديدة. ينظر تقار ري الشرطة الألمانية ضمن وثائق من أرشيف وزارة الخارجية الألمانية في:
Geheimes Staatsarchiv Preussischer Kulturbesitz Rep. 77 , 4043 , Nr. 221 , 2 – 31. - Marc Trefzger, Die nationale Bewegung Ägyptens vor 1918 im Spiegel der schweizerischen Öffentlichkeit (Basel/ Stuttgart: Verlag von Helbing & Lichtenhahn, 1970).
- G. Höpp, "'Die ägyptische Frage ist in Wirklichkeit eine internationale' - Zur politisch-publizistischen Tätigkeit ägyptischer Antikolonialisten in Berlin 918 - 1928 ," Asien , Afrika , Lateinamerika , vol. 15 , no. 1 (1987), pp. 87 - 98.
- Albrecht Fueß, Die deutsche Gemeinde in Ägypten von 1919 - 19 39 (Hamburg: Lit, 1996).
- Raouf Abbas Hamed, "Germany and the Egyptian Nationalist Movement " 882 - 1918 ," Die Welt des Islams , vol. 28 , no. 1 - 4 (January 1988), pp. 11 - 24.
- يتقاطع الأمر هنا مع نظ يرة الحركة الاجتماعية التي وضعها الأنثروبولوجي الفرنسي، بيير بورديو Bourdie Pierre، الذي حاول أن يقدّم عدة تفسيرات للحركة الاجتماعية ونشأتها من خلال عدة أدوات من بينها نظ يرة تعبئة الموارد. وهنا، "يقصد استخدام الموارد أو الشبكات التي يستطيع الوكلاء الاعتماد عليها في عملية النضال الخاصة بهم (رأس المال الثقافي والرمزي). وتوسع مساهمات بورديو فهمنا للتأثيرات الميدانية من المستوي التنظيمي إلى المستوي الفردي، وهو ما يشير إلى أن العديد من الملاحظات المألوفة المتعلقة بعواقب السيرة الذاتية للنشاط يجب أن تُفهم فهمًا صحيحًا على أنها تأثيرات ميدانية، مترابطة على نحوٍ وثيق ومرتكزة في قطاعات فرعية معينة من الفضاء"الاجتماعي". وهذا مهم، بصفة خاصة" لأن نهج "السياسة المثيرة للجدل"، الخليفة السائد لنظ يرة الحركة الاجتماعية الكلاسيكية، قد ركز أساسًا على المنظمات، وليس لديه سوى القليل ليقوله عن السير الذاتية الفردية. وعلى مستوى أكثر أساسية، يقدّم مفهوم بورديو للهيبيتوس بدايلًا من نظ يرة العمل العقلاني الكامنة في الكثير من نظ يرة الحركة الاجتماعية السائدة، مما يجعل من الممكن فهم سبب حشد بعض الفاعلين بينما لا يفعل الآخرون ذلك، إذا اختاروا المشاركة، وهو ما من شأنه"أن يكتسب "الفوائد الانتقائية" نفسها، مثل المشاركين الآخ يرن. ووفقًا لوجهة النظر هذه، من خلال دراسة السير الذاتية الفردية، من الممكن تحديد "التجارب التكوينية" التي ت يزد قيام بعض الأفراد بالتعبئة أكثر من غيرهم احتماليةً، وهنا يتقاطع الأمر مع عدد من دراسات الشتات.
- Yossi Shain, The Frontier of Loyalty: Political Exiles in the Age of the Nation-State , vol. 6 (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2005), p. 52.
- Fritz Fischer, "Deutsche Kriegsziele. Revolutionierung und Separatfrieden im Osten 1914 – 1918 (Zuerst: Historische Zeitschrift 18 " [1959])." in: Ernst W. Graf Lynar (ed.), Deutsche Kriegsziele 1914 – 1918. Eine Diskussion (Frankfurt/ Berlin: Verlag Ullstein, 1964), pp. 18 - 83 , esp. 23.
- Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of Ottoman Empire and Modern Turkey: vol. 2 , Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey 1808 - 19 75 (New York: Cambridge University Press, 1977), p. 314.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 22402 R , AA - PA، 1914. هذه الوثيقة عبارة عن تق رير بعنوان: "التدابير الأولية لتنفيذ التثو ري". وفي الواقع، لا أريد أن أسهب كثيرًا بشأن دور أوبنهايم في الترويج للدعاية الألمانية والمخطط الألماني، إذ إنّ العديد من الدراسات تناولت حياته والدور الذي اضطلع به. لذا، قدّمت نبذة مختصرة عن دوره. لكن حتى هذه اللحظة، لم أطلع على مرجع عربي أو إنكليزي يتحدث عن هذه الوثيقة التي كتبها أوبنهايم، ويبدو أنها لم تترجم حتى الآن.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 20938 R , AA - PA، 1914، ص 20.
- المرجع نفسه، ص 25.
- المرجع نفسه، ص 22 - 23.
- المرجع نفسه، ص 25.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 20938 R , AA - PA، 1914.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15044 R , AA - PA، 1914. المعلومات الواردة هي بحسب اتصال داخلي في وزارة الخارجية في اليوم نفسه. ولم يتسَّنَ تأكيد هذا التق رير من السلطات الألمانية في مصر التي طرد موظفوها بعد أيام قليلة. ومع ذلك، أكدت القنصلية العامة في القاهرة أن الحالة المزاجية في جميع أنحاء مصر كانت موالية لألمانيا وأن الظروف في داخل البلاد كانت مواتية.
- برقية كيرت كوات إلى وزارة الخارجية بتاريخ 2 / 9 / 1914. وبعد ثلاثة أيام فقط، كان على كوات أن يضع تق ريره في مستوى جديد، ويصحح تق رير الانتفاضة إلى مستوى "الإثارة الكبيرة". ففي برقية في 5 / 9 / 1914. علق كوات في تق رير من القسطنطينية إلى وزارة الخارجية، في 7 أيلول/ سبتمبر 1914، بقوله: "حتى الآن كان كل شيء هادئًا في مصر وعلى القناة".
- ع زيز علي المصري (1879 - 15 / 6 / 1965)، هو عسكري وسياسي مصري. شارك في تأسيس الجمعية القحطانية وجمعية العهد، ويعتبر من رواد الحركة القومية في مصر والعالم العربي. وهو من أسرة شركسية ع يرقة سكنت العراق قادمة من شمال القفقاس هي أسرة شاهلبة الشركسية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مصر حيث وُلد ع زيز المصري وأتم دراسته الثانوية، والتحق بالكلية العسك يرة في الأستانة، ثم في كلية الأركان حيث تخ جر فيها بتفوق عام 1904. انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، وشارك في انقلابها العسكري عام 1908، ترك الاتحاد والترقي بعد أن اتّضح له معاداتها للعرب. وأسس مع الشهيد سليم الجزائري الجمعية القحطانية، التي نادت بمملكة ذات تاجين (العرب والترك). حارب ببسالة وبطولة في ليبيا ضد الغزو الإيطالي. عاد إلى الأستانة عام 1913، وأسس جمعية العهد، وهي جمعية عسك يرة سياسية س ريّة عربية، في 28 تش يرن الأول/ أكتوبر 1913، ثم اعتقل في 9 أيلول/ سبتمبر 1914، وحكم عليه بالإعدام، وأطلق سراحه في 21 نيسان/ أب يرل 1914، ونُفي إلى مصر. واعتقله الاحتلال الإنكليزي مرات عديدة، وقد اعتبرته حركة الضباط الأحرار أبًا روحيّا لها، وكانت ثمّة نيّة لتنصيبه رئيسًا بدلًا من محمد نجيب، لكنّ ذلك لم يحدث لأنه تقاعد عام 1955؛ لم يزد من التفاصيل المتعلقة بع زيز المصري، ينظر: محمد السيد صالح، عزيز المصري: أبو الثوار (القاهرة: بطانة للنشر والتوزيع، 2019).
- هذه أول وثيقة ألمانية يُذكر فيها ع زيز المصري. ولهذه الوثيقة دلالة مهمة، إذ إنها تقدّم بعض الإجابات الخاصة عن التعاون المبكر بين رجال الجيش المصري والألمان. وبما أن ع زيز المصري يعتبر الأب الروحي للضباط الأحرار، فقد تجيبنا عن الأسباب التي جعلت عددًا من الضباط الأحرار يتواصلون مع الألمان ومساندتهم في الحرب العالمية الثانية، كما ذكر الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات في مذكراته حينما ألقى الاتحاد الإنكليزي القبض عليه في القاهرة مع أحد الجواسيس الألمان، وتمّ حبسه على إثر ذلك. ويمكن أن يكشف هذا الأمر لنا أيضًا عن جذور تبنّي الضباط الأحرار، فيما بعد، للتيارات الفاشية ومساندتهم لها وكذلك التعاون الذي جرى بعد عام 1952 بينهم وبين ألمانيا الشرقية.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، 15045 R , AA - PA، 1914، ص 62 - 63.
- يبدو أن الوثيقة تشير إلى وباء الكوليرا الذي كان متفشّيًا في ذلك الوقت.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 1504 R , AA - PA، 1914.
- يجب تأكيد أن محمد ف يرد لم يذكر هذه التفاصيل في مذكراته من ق يرب ولا من بعيد.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21127 R , AA - PA، 1914. طلب ليندمان من وزارة الخارجية الألمانية إعطاءه فرصة لتحقيق المشروع، ودعمه ببعض المال، لكن طلبه رُِف.ِض
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21127 R , AA - PA، 21 / 1 / 1915.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21131 R , AA - PA، 1 / 3 / 1915.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 21132 R , AA - PA، تق رير شميد إلى وزارة الخارجية، 30 / 4 / 1915.
- المرجع نفسه، ص 9.
- على سبيل المثال لا الحصر، جنّدت السلطات الألمانية العديد من العملاء والجواسيس لجمع معلومات عن الوضع في مصر، ومن بينهم مثلًا الثري الألماني د ريتلن كاوفمان هيرمان
Hermann Kaufmann Dirterlen
الذي كان في مصر وكتب العديد من التقار ري عن الأوضاع، من بينها مثلًا تق رير أرسله في نهاية عام 1914 عن الوضع في مصر ومنطقة القنال بصفة خاصة، يقول فيه: إن قناة السويس مدججة بقوات كثيرة، فهناك قرابة 20000 جندي، إلى جانب 250 جنديًا في الإسماعيلية، في مقابل قرابة 5000 جندي في المنطقة بين الإسماعيلية وبورسعيد، ينظر: جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15045 R PAAA، تق رير د ريتلن، ص 38 - 89. - يبدو أن الدعاية الألمانية في القاهرة لم تنجح النجاح المرجو لها، فثمّة العديد من التقار ري المكتوبة في الأرشيف التي تعزو الاضطرابات التي سادت بين المص يرين، في أواخر صيف عام 1914 وخ يرفه، إلى الجوع في القاهرة والإسكندرية فيما يسمى "أعمال شغب القطن " -والتي تم إبلاغ وزارة الخارجية عنها في 20 أيلول/ سبتمبر – خاصة بالنسبة إلى سكان ال يرف في رد فعل فوري على أزمة مبيعات القطن نتيجة اندلاع الحرب. كان رد فعل الإنكليز على هذه الاضطرابات المشتعلة بضمان شراء القطن المصري، مما وفر مصدر رزق للفلاحين. ينظر: جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15046 R , AA - PA، 30 / 12 / 1914.
- كان الشيخ علي الغياتي خجًا مصرًّيًا من الأزهر، وقد عاش في سويسرا خلال الحرب العالمية الأولى وكتب للصحافة الفرنسية والعربية الموالية للوفاق. وهناك درس العلوم الاجتماعية وعمل أيضًا مراسلًا لصحيفة المؤيد المص يرة. من أجل تجنّب الملاحقة القضائية لنشر مجموعته الشع يرة الوطنية – الوطنية. فرّ من مصر في 5 تموز/ يوليو 1910. وكتب محمد ف يرد مقدمة ديوان الغياتي (مجموعة قصائد)، ما أدى إلى محاكمته، على الرغم من إنكاره لذلك بأنه لم يقرأ القصائد من قبل.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 20938 R , AA - PA، 1914.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15053 R PAAA، 23 / 8 / 1918، ص 29.
- لم يزد من التفاصيل، ينظر: محمد ف يرد، مذكرات محمد ف يرد، تحقيق رؤوف عباس (القاهرة: عالم الكتب، 1975)؛ عبد الرحمن الرافعي، محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية: تاريخ مصر القومي من سنة 1908 إلى سنة 1919 (القاهرة: مكتبة النهضة المص، يرة 1948)، ص 208 - 214.
- ثمّة نقطة يجب الإشارة إلى موقف الحزب الوطني من عرابي وثورته، فحينما سئل محمد ف يرد عن الحركة الوطنية، قال: "إن الحركة الوطنية المص يرة، هي حركة وطنية ديمقراطية دستورية، ومنذ سنة 1879، أخذ عرابي يطالب بدستور أعطاه الخديوي إيانا في سنة 1881، ولكنكم تعلمون أن الإنجليز انتهزوا فرصة الجدال القائم بين الخديوي والبرلمان، وتدخلوا في المسألة بقوتهم، وسرعان ما أطلقوا قنابلهم على الإسكندرية، وتسلطوا على البلاد هنا لا بد من الإشارة إلى أن مطلب الدستور والاستقلال هما الأساس الذي أقام عليه الحزب الوطني كفاحه الوطني، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحزب الوطني كان رافضًا لما فعله عرابي، على أن نقطة الدستور هذه من الأمور التي نادي بها عرابي، وتلقفها الحزب الوطني، والسؤال الآن: لماذا كان موقف الحزب الوطني رافضا لعرابي وحركته، طالما أن المطالبة بالدستور كان أحد مطالبه؟". لم يزد من التفاصيل بشأن مؤتمر ستوكهولم، ينظر: الرافعي.
- لم يزد من التفاصيل بخصوص المؤتمر ينظر: ف يرد؛ الرافعي، ص 312.
- كانت الط يرقة الدبلوماسية التي يتحدث بها محمد ف يرد لا تروق عددًا من الأفراد داخل الحزب الوطني، خاصة الجناح المتشدد بقيادة منصور رفعت، وهو الذي أسس فيما بعد الحزب الراديكالي، ينظر: 51. p Trefzger,.
- الرافعي، ص 373.
- FO 141 / 648 / 1 , 1917.
- Ibid.
- Ibid.
- كان هذا العصر هو عصر التنظيمات على مستوي العالم، وكذلك عصر الإصدارات، ففي مصر مثلًا وجدت صحف أخرى مثل صحيفة الأهرام (1875)، والمؤيد (1889)، والمنار (1898) التي أنشأها رشيد رضا، أحد تلامذة محمد عبده، وقد أدّت هذه الإصدارات دورًا كبيرًا في الحياتين السياسية والثقافية في مصر والعالم العربي. لمعرفة الم يزد بخصوص دور هذه الصحف في الصحافة، ينظر:
Robert L. Tignor, Modernization and British Colonial Rule in Egypt, 1882 - 19 14 (Princeton: Princeton University Press, 1966), pp. 249 - 291. - تأسس هذا الاتحاد مع نهاية عام 1912 وبداية عام 1913 على يد محمد ف يرد وبعض الشرقيين، وقد انضم إليه الكثير من الشرقيين والمهاج يرن من الدولة العثمانية آنذاك، وكان الهدف منه تشكيل منتدى يتم فيه مناقشة قضايا ومشكلات شعوبهم ومحاولة وضع تصورات وحلول لها.
- Trefzger, p. 52.
- Ibid.
- Ibid.
- Ibid.
- Arthur Goldschmidt, "Egyptian Nationalist Party 1882 – 1919 ," in: P. M. Holt (ed.), Political and Social Change in Modern Egypt: Historical Studies from the Ottoman Conquest to the United Arab Republic (London: Oxford University Press, 1968), p. 329.
- نُشرت Welt Islamische Die، في برلين في الفترة تش يرن الثاني/ نوفمبر 1916 -آب/ أغسطس 1918، من أصل 16 طبعة من المجلة، وهي موجودة كلها بمكتبة برلين Staatsbibliothek.
- Gerhard Höpp, Arabische und islamische Periodika in Berlin und Brandenburg 1915 - 19 45 (Berlin: Das Arabische Buch, 1994).
- Ibid.
- Trefzger, p. 58.
- Ibid.
- BArchP, Auswärtiges Amt, Film 28184 , Bl. 116 , 121 und 114.
- Höpp, Arabische und islamische Periodika in Berlin und Brandenburg 1915 - 194 5.
- Manela.
- Ibid.
- ولد جيمس كير هاردي، مؤسس حزب العمال الب يرطاني، في 15 آب/ أغسطس 1856، في نيوهاوس، بإسكتلندا. أصبح سياسيًا إسكتلنديًا مهمًا، ورائدًا للاشتراكية في المملكة المتحدة ونقابيًا مؤثرًا. كان شخصية سياسية حاسمة وأصبح أول عضو عمالي في البرلمان وأسس الحركة التي كانت دعامة أساسية في السياسة الب يرطانية منذ ذلك الحين. ساهم هاردي بقوة في النضالات المص يرة والهندية من أجل الح يرة". ينظر: "
Ker Hardie, Historic UK ," accessed on 20 / 11 / 2024 , at: https://bit.ly/ 4 fOdcTa - تجدر الإشارة إلى الخلافات التي كانت بين الحزب الوطني في برلين بقيادة محمد ف يرد، ثم لجنة الشباب المص يرة بقيادة محمد فهمي، إذ كان دائم الخلاف مع محمد ف يرد، إلى جانب الحزب الراديكالي بقيادة منصور رفعت.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، 21263 R , AA - PA، 1915.
- المرجع نفسه.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 150551 R , PAAA 20 / 11 / 1917، ص 51؛ 21263 R , PAAA، 1915.
- Landau, p. 120 ;
جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15050 , R PAAA، ص 139 - 142؛ 21263 R , PAAA، 1915. - جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15051 R , PAAA، ص 52؛ 1915، 21263 R , PAAA.
- توجد العديد من المراسلات التي يحتفظ بها الأرشيف الألماني عن رغبة محمد ف يرد في مغادرة سويسرا إلى برلين، وقد حاول مرارًا وتكرارًا الحصول على تأشيرة ألمانية في تش يرن الثاني/ نوفمبر 1916 –كانون الثاني/ ينا ري 1917، لكن طلبه كان يُرفَض كل مرة. إحدى هذه الوثائق، التي تحمل رقم 15050 PAAA، ذكرت أن رئيس البعثة الدبلوماسية الألمانية في جينيف أرسل استفسارًا إلى برلين، ذكر فيه أن محمد ف يرد بك رئيس الحزب الوطني، أبلغ مستشار المفوضية السيد ماروم أنه ريغب في التوجه إلى برلين، في كانون الأول/ ديسمبر 1916، لإجراء مقابلات مع سياسيين في وزارة الخارجية الألمانية، ومناقشة بعض القضايا المهمة معهم، وطلب المفوض من خارجية بلاده التعليمات أو الخطوات التي يجب أن يقوم بها، تجاه محمد ف يرد، الذي يحمل جواز سفر تركي، وإن كان جوازه التركي يفي بمتطلبات منحه التأشيرة للدخول إلى ألمانيا. وقد تم الرد على محمد ف يرد بردود غير مقنعة، وفيما يتعلق بنقطة مناقشة المعلومات المهمة، تم الرد عليه بأنه يستطيع إبلاغها إلى البارون رومبي جر الذي سينقلها إليهم. أدرك ف يرد أن الألمان تصرفوا بهذه الط يرقة لصالح حكومة حزب الاتحاد والترقي الذين كانوا على علاقة سيئة مع القوميين المص يرين، خاصة المجموعة المحسوبة على جناحه. وفي تش يرن الثاني/ نوفمبر 2016، بعثت الخارجية الألمانية برسالة إلى سفارتها في سويسرا تضمنت عدم الموافقة على منح محمد ف يرد تأشيرة ل يزارة برلين، وأن الألمان كانوا لا يريدون منح ف يرد هذه التأشيرة حتى لا يغضبوا حليفهم التركي. تقدّم ف يرد مرة أخرى بالحصول على تأشيرة ولم يتلَّقَ أي ردّ، مما دفعه إلى الكتابة إلى وكيل وزارة الخارجية الألمانية زيمرمان الذي أصبح وز يرًا للخارجية، ويبدو أن هذا الخطاب الذي بعثه ف يرد لوز ري الخارجية الألمانية جعله يحصل على التأشيرة، فسافر في فجر يوم 23 كانون الثاني/ ينا ري 1917 من سويسرا متجهًا إلى الأراضي الألمانية عبر حدود مدينة جوتمارنجن التي وصلها يوم 25 / ينا ري 1917. وتابع الألمان مغادرة ف يرد باهتمام شديد، فقد كان يحظى بمكانة كبيرة لدى السياسيين الألمان، وقد كتبت العديد من التقار ري في هذا الموضوع، من بينها تق رير كتبه المخبر السري لدى البعثة الألمانية في سويسرا، وقد كان له اسم حركي (ياكوبي Jakobi)، في 25 كانون الثاني/ ينا ري 1917، ذكر فيه أن الهدف الرئيس من زيارة محمد ف يرد إلى ألمانيا هو مقابلة السفير التركي (جاويد بك) في برلين. وعلى الرغم من المسافة التي اتخذها الألمان من ف يرد، فإنه لم يتم قطع العلاقات مع القوميين المص يرين.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15051
R PAAA، 8 / 2 / 1918، f 90؛ Mahmoud Kassim, Die diplomatische Beziehungen Deutschlands zu Ägypten 1919 - 19 36 (Münster/ Hamburg: LIT- Verlag, 2000), p. 41. - جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15052 PAAA، 20 / 6 / 1918، ص 32.
- المرجع نفسه.
- المرجع نفسه.
- Hamed, p. 24.
- رفعت السعيد، تاريخ الحركة الاشتراكية (القاهرة: دار الفارابي، 1972)، ص 36.
- ف يرد، ص 50.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15951 R , PAAA، 13 / 2 / 1918، ص F 100.
- كان هربرت ديال (27 / 3 / 1886 - 12 / 9 / 1955) يعمل في وزارة الخارجية الألمانية منذ عام 1909. أولًا، كان يعمل مترجمًا بالسفارة في المغرب. بعد توقفه في القسطنطينية وفي وزارة الخارجية في برلين، عمل في الفترة 1918 - 1919 في السفارة في برن. تقاعد عام 1944.
- Allgemeine Angelegenheiten Egyptens; Ägypten Nr. 3 , Die ägyptische Frage, PAAA , R 15036 bis R 15044 , pp. 123 - 130.
- Ibid.
- Ibid., p. 134.
- Ibid., pp. 213 - 215.
- الشرق الأوسط، العدد 5579، 8 / 3 / 1994.
- جمهورية ألمانيا، أرشيف وزارة الخارجية، وثيقة رقم 15053 PAAA، 13 / 9 / 1918، ص 156.
- المرجع نفسه، ص 108.
- المرجع نفسه.
- المرجع نفسه.