Return to Article Details Review of Disclosures of Memory and Documents as Witnesses by M’Barek Bouderka (Abbas)

شروط البوح ونسبية الحقيقة في ذاكرة الفاعل السياسي : قراءة في كتاب

Review of Disclosures of Memory and Documents as Witnesses by M’Barek Bouderka (Abbas)

سعيد الحاجي

الملخّص

عنوان الكتاب: بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة: من مذكرات امبارك بودرقة (عباس). تقديم وحوار: الطيب بياض. سنة الإصدار: 2020. عدد الصفحات: 414 صفحة.

Abstract

Title: Disclosures of Memory and Documents as Witnesses: From the Memoirs of M’Barek Bouderka (Abbas) Introduction and discussion: Tayeb Biad Year: 2020 Pages: 414

الكلمات المفتاحية:
  • الذاكرة
  • الكتابة التاريخية
  • منهجيات التاريخ
  • الذاكرة الشفوية
Keywords:
  • Memory
  • Historical Writing
  • Methodology
  • Oral Memory
سعيد الحاجي | Hajji El *Said
شروط البوح ونسبية الحقيقة في ذاكرة الفاعل
السياسي: قراءة في كتاب "بوح الذاكرة وإشهاد
الوثيقة" لامبارك بودرقة (عباس)
The Conditions of Confession and the Relativity of
Truth in the Memory of the Political Actor: Review of
Disclosures of Memory and Documents as Witnesses
by M’Barek Bouderka (Abbas)
عنوان الكتاب: بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة: من مذكرات امبارك بودرقة (عباس.)
تقديم وحوار: الطيب بياض.
سنة الإصدار: 2020.
عدد الصفحات: 414 صفحة.

تعدّ ذاكرة الفاعل السياسي من أكثر الذاكرات إثارةً للجدل والنقاش، فالأمر لا يتعلق بذاكرة انطباعية تعبّر عن هواجسها وهمومها في عوالم خاصة بها، بل يتعلق بأحداث تعني فاعلين آخ يرن بالضرورة، يمكن أن تستحضرهم الذاكرة بالسلب أو بالإيجاب. وهو ما يجعل بوح الذاكرة موضع اتهام فوري بالانتصار للذات وتغييب الموضوعية، وإنتاج الحقائق التي تتحكم فيها الخلفيات السياسية والشخصية أكثر مما يتحكم فيها الواقع الحقيقي، على نحوٍ قد يورطها بقصد أو من دونه في تزو ري التاريخ. ويبقى العنصر الحاسم هو منهجية التعامل مع الإنتاج الذاكراتي وأدوات ضبطه، واستخلاص ما هو موضوعي بعيدًا عن محاذ ري الذاتية التي تطرحها الذاكرة في هذا الصدد. وهذا ما يضع المؤرخ أمام أكثر امتحانات كتابة التاريخ صعوبة؛ لأنه يصبح مهددًا بالانسياق وراء انفعالات الذاكرة المنتصرة لنفسها ومواقف صاحبها، ما قد يضفي الصدقية على معطيات بعيدة عن الموضوعية، ق يربة من نزوات الذاكرة ورغباتها. تتعدد الأسباب الكامنة وراء عملية بوح الفاعل السياسي، فقد تقترن مثلًا بطلب من الرأي العام بعد قضاء المعني بالأمر مدة زمنية طويلة في مواقع المسؤولية. غير أن بوح الذاكرة في هذه الحالة قد يكون انتقائيًا، طالما أنّ الهدف ليس خدمة التاريخ، بقدر ما يكون رغبة في التحرر مما يعتبره الفاعل السياسي واجبًا. وقد يخضع هذا البوح للعديد من القيود أو الشروط التي تضعها الذاكرة لنفسها، تبعًا لطبيعة الفاعل نفسه أو الثقافة السياسية السائدة، التي تتميز ببعض الأعراف، من قبيل كتمان السر السياسي، وهو ما يؤثر في عملية البوح التي تقوم بها الذاكرة، على نحو يفضي إلى بوح دون مستوى انتظارات الرأي العام، مقارنةً بتاريخ الفاعل السياسي صاحب المذكرات ومكانته1. تحيلنا ذاكرة الفاعل السياسي على مجموعة من الأسئلة منها: أيّ حقيقة يجود بها بوح الفاعل السياسي؟ هل هي حقيقة ذاتية أم حقيقة تاريخية أم حقيقة سياسية؟ هل هي حقيقة مطلقة أم نسبية؟ جعلت هذه الأسئلة المؤرخين ينقسمون فيما بينهم حول طبيعة العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، بين من ريى وجود اتحاد بينهما، باعتبار أنّ الذاكرة "تموّن التاريخ" كما يذهب إلى ذلك جاك لوغوف2، ومن ريى أن الذاكرة والتاريخ لا  يمكن أن يلتقيا أبدًا، فلكل واحد منهما حقل اشتغال خاص به، وعلى المؤرخ أن يحافظ على المسافة الضرورية التي يفرضها عليه عمله العلمي، لكي لا يقع في فخ ما تنتجه الذاكرة سواء كانت فردية أو جماعية، لأن الذاكرة تبقى مهددة دائمًا بالخضوع لانفعالاتها والخلط بين المعيش والمنقول، الماضي والحاضر، الذاكرة الفردية والجماعية. وقد تعمل على تضخيم الأحداث أو تق يزمها، وممارسة ضغطها باستمرار على كتابة التاريخ بتعبير بيير نورا Nora Pierre3. وعلى الرغم من هذا التحذ ري من "فخاخ الذاكرة"، إن صح التعبير، فإنّ البعض يذهب إلى أنه لا يمكن استبعاد الذاكرة نهائيًا باعتبارها مصدرًا للتأريخ، بل يمكن أن تعتمد مصدرًا أساسيًا بعد إخضاعها لمنهج علمي تاريخي صارم. ولم تنج هذه الصرامة من علامات استفهام حسب أست يرد إرل Astrid Erll، التي أكدت أن المصادر التاريخية "العلمية" نفسها لم تكن يومًا "انعكاسًا نهًا وصادقًا للماضي "4. ويذهب بول ريكور في الاتجاه نفسه، عندما يؤكد أن المؤرخ يخضع لذاتيته، لكنه يستدرك بأنّ العامل المنهجي يحوّل ذاتيّته إلى "ذاتية تأملية" رصينة، تتحرّى الدقة والموضوعية وتوقعات القارئ5. ويصنع "مسافة ذاتية غير مرتبطة بالزمن. لأن دوره في نهاية المطاف هو الفهم دون تبرئة أو اتهام، طالما أنّ القاضي هو الذي يحكم ويعاقب، والمواطن هو الذي يناضل ضد النسيان ومن أجل إنصاف الذاكرة"6.

في هذا الإطار يمكن اعتبار كتاب بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة7، الذي يقدم فيه امبارك بودرقة (عباس) جزءًا من مساره السياسي في إطار حواره مع المؤرخ الطيب بياض، مادة رئيسة للمشتغلين في حقل الذاكرة وموضوعًا خصبًا للعلاقة الجدلية بين الذاكرة والتاريخ، لكونه يتطرق إلى أحداث بالغة الأهمية في تاريخ المغرب الراهن، وهي العمليات المسلحة التي وقعت سنة 1973، والتي كان بودرقة أحد الفاعلين الرئيسين فيها.

منهجية العمل: محاورة الذاكرة للوثيقة

جاء كتاب بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة في أربعة عشر فصلًا، عززت بوثائق متنوعة (مراسلات، تقار ري، قصاصات، وثائق رسمية)، أضفت في متن العمل وعدم وضعها في نهايته على شكل ملحق وثائقي، نوعًا من مواكبة الوثيقة لبوح الذاكرة، وأفرزت تناغمًا بين الذاكرة والوثيقة. وانبثقت هذه الفصول من تحديد المحاور الكبرى للحوار تفاديًا للتيه والانسياق مع سرديات الذاكرة، وكان لافتًا اعتماد المؤرخ تكتيك المباغتة بالأسئلة المحفزة لتقليص مساحة النسيان، وإجراء تم يرن المقارنات والمواجهات مع مضمون الوثائق أو ما ورد في الشهادات، وعمد إلى التوجيه المنهجي لبوح الفاعل السياسي، عبر ترتيب الأسئلة كرونولوجيًا ووضعها ضمن نسق يسمح بإبراز طبيعة البنية المفرزة للحدث، وذلك عبر استحضار تراجعي للأحداث التي لها علاقة سببية بأحداث 1973. لقد أتاحت مواكبة البوح بالوثيقة للمتلقي مج لًا للمقارنة بين الذاكرة ومضمون الوثيقة، مثلما فتحت له أيضًا مج لًا للتأويل والتفسير، يتجاوز ما قد يبدو احتكارًا لتفسير الأحداث وخلفياتها من جانب الفاعل السياسي. وكان هذا من نتائج ما يمكن وصفه بميثاق البوح الذي تعاقد عليه المؤرخ المُحاوِر، وامبارك بودرقة الشاهد. وبين الرغبة في الخضوع لشروط البوح والخضوع للصرامة المنهجية للمؤرخ، اختار بودرقة أن يقترب من الحقيقة التاريخية على حساب حقائق أخرى ذاتية أو سياسية يمكن أن تولّدها شروط البوح. منذ البداية يعلن عنوان الكتاب أنّ الأمر يتعلق بعملية بوح مقنّنة ومشروطة بوجود الوثيقة الشاهدة عليه. ولأن بودرقة هو من بادر إلى وضع ذاكرته تحت تصرف المؤرخ، فقد كان ضروريًا أن يُنَصّب هذا الأخير نفسه محاميًا للمتلقي، وأن يكون حصًا على أن ريفق البوح بوثائق معززة، تضع حدودًا للذاتية والانفعالات التي يمكن أن تنساق معها ذاكرة الفاعل السياسي. لذلك، كان عنوان الكتاب واضحًا، مختصرًا، د لا وجذابًا، لا يترك مج لًا لأيّ تأويل آخر غير ما يمكن أن يحيل إليه من كونه بوحًا مشروطًا بتوافر الوثيقة الشاهدة عليه. جاءت مقدمة الكتاب على شكل حوار غير مباشر بين امبارك بودرقة والمؤرخ الطيب بياض، يفصح فيه الأول عن دوافعه الذاتية وراء مبادرته بتدوين بوح ذاكرته. فلم يكن لبودرقة أن يبقى صامتًا بعد مسار سياسي طويل، واّطلّاعه على ما تضمّنته مذكرات أخرى حول نفس المرحلة ونفس الأحداث، خصوصًا أنّ الرجل كان مسلّحًا برصيد وثائقي مهمّ استطاع المحافظة عليه، رغم ظروف تنقّله الكثيرة في المنفى. ولم يكن بودرقة يعلم أنّ حرصه على دفع أعضاء التنظيم8 في فترةٍ ما لتدوين القرارات المتخذة، سيقدّم خدمة كبيرة لتاريخ المرحلة، بعدما أصبحت تلك الوثائق مادة تاريخية أساسية أطّرت بَوْحه (ص. 9). واعتبرها دلائل مادية يجب أن يطّلع عليها جيل الشباب لمعرفة الجذور التاريخية لبعض المشكلات التي تعانيها البلاد اليوم، ودفعه للعودة إلى الماضي ليس بهدف اجتراره، بل للانكباب على الحاضر بغاية فهم مستقبل أفضل واستشرافه (ص. 14). كان تأثّر بودرقة بالتقليد الفرنسي الذي يدفع الفاعل السياسي لكتابة مذكراته بالتعاون مع المؤرخ، هو الذي حفّزه على البحث عن مؤرخ محترف مثل الطيب بياض يدافع عن أهمية اقتراب المؤرخ من القضايا الراهنة باعتماد المسافة المنهجية، لتعويض غياب

المسافة الزمنية الكافية لمعالجة الأحداث من زاوية المقاربة التاريخية. وكان لافتًا أيضًا اختيار بودرقة لمؤرخ لا ينتمي إلى جيله لتأطير عملية بوح ذاكرته، فلم يكن الطيب بياض فاعلًا أو شاهدًا على الأحداث موضوع الكتاب، وهو ما أضفى قوة ودقة أكبر على أسئلته، وكان يدقق في كل المعطيات التي تتضمنها أجوبة بودرقة، خصوصًا أن الفترة موضوع الكتاب حافلة بالغموض والالتباس. وقد أقر بياض في مقدمة الكتاب بأنّ انتظارات القارئ من الذاكرة هي انتظارات متفاوتة، وأنّ الذاكرة كلما كان بوحها غ يزرًا ولّدت الم يزد من الأسئلة التي تخلق الاطمئنان لدى المتلقّي، وتضمن لكل ذي شكّ وغموض حضور هواجسه تجاه البوح. أكثر من ذلك، شمل اهتمام الطيب بياض حتى ما لم تبح به الذاكرة، خصوصًا حينما اعتبر أن للذاكرة رسائلَ في الصمت كما لديها في البوح (ص. 15). يَذكر المؤرخ بياض، المُحاوِر، أنه كان أمام تحديات كثيرة وهو بصدد تأطير بوح ذاكرة بودرقة، وبأنه كان على وعي بأن تركيبة الذاكرة معقدة يتداخل فيها ما تنتجه حقول معرفية عديدة، تبدأ بالتاريخ وتنتهي بالطب وعلم النفس، وهو ما يجعل التفاعل مع الذاكرة يقتضي استحضار ثلاثة أبعاد، الأول فينومينولوجي مرتبط بالذاكرة الفردية (الفاعل السياسي)، والثاني سوسيولوجي مرتبط بالذاكرة الجماعية (تمثل المجتمع للأحداث)، والأخير إبستيمولوجي مرتبط بالمعرفة التاريخية (المعطى التاريخي، الوثيقة). هذه الأبعاد الثلاثة ضرورية لإخضاع الذاكرة لمنهج المؤرخ الذي يشرح ما ورد فيها من معطيات (ص. 16). وفي مستوى آخر، يدافع الطيب بياض بقوة عن دور أساليب التعبير ونمط الكتابة في إيصال معاني البوح ورسائله، لذلك نجد أنه كان بارعًا في استدعاء الصورة البلاغية لتقديم وجهة نظره، من منطلق أنّ المعرفة التاريخية تبقى ناقصة ويتيمة من دون التعبير الأدبي9. اقتضت الصرامة المنهجية أن يبتعد بياض ما أمكن عن التفاعل الوجداني مع بوح ذاكرة بودرقة، ولأن بوح هذا الأخير يتعلق بثورة مسلحة، فقد كان من الضروري أن يشهر بياض أسلحته المنهجية في وجه ذاكرته، حتى تظل الموضوعية حاضرة في الحوار، لذلك نجده قد أطّر تصد ريه لهذا العمل بمجموعة من الدراسات المرتبطة بالذاكرة من قبيل أعمال بول ريكور وبيير نورا (ص. 16). انطلق البوح من مرحلة النشأة وتشكّل التمثلات الأولى لبودرقة، فطفولته كانت مؤطرة بذاكرة جمعيّة تحتفظ بجراح خلفها عنف الممارسات الاستعمارية التي امتدت إلى مسقط رأسه "دوار إداو كنيضيف"10، وكذا بذاكرة أس يرة تحمل ندوب معاناة الأب مع الاستعمار ومع تقلبات بداية الاستقلال. وتكشف دينامية بودرقة المبكرة عن شخصية شغوفة بالمعرفة، مبادرة إلى الانخراط في الفعل الثقافي والجمعوي والسياسي، فقد هاجر مبكرًا إلى مدينة سلا من أجل الدراسة وانخرط في تنظيمات متعددة، وانتقل متدرجًا من الكشفية والتنظيمات التلمذية إلى التنظيمات الطلابية والسياسية. وتميز بحسّ نضالي مبكر جعله ينخرط في تجربة مقاطعة دستور 1962 وهو لا زيال تلميذًا، وفي عدد من المبادرات الطلابية، من خلال انخراطه في أنشطة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بالجزائر (ص 82 - 91.) بعد العودة إلى المغرب، كان بودرقة ريى دائمًا أنّ مكانه الطبيعي يجب أن يكون في قلب الدينامية السياسية والتنظيمية، ودفعه هذا إلى اختيار مهنة المحاماة التي حررته من الالتزام المهني المقيّد بالزمن. وعوض أن يتحكم الوضع المهني في تطويع قناعاته، جعل هذا الوضع في خدمة قناعاته. ولم يكن للطيب بياض أن يتجاوز هذا المسار في تأطير بوح بودرقة، فكان لافتًا تسليطه الضوء على هذه التفاصيل، خصوصًا أنّ التركيز على الجانب الحميمي في الذاكرة يبعث الاطمئنان لدى المُحاوَر. وكان بياض يستثمر هذه التفاصيل في توجيه بودرقة ونقله من ذاكرة الأفراد إلى ذاكرة الأمكنة، مركّزًا في أسئلته على الثنائيات المتماهية في مسار بودرقة، العام/ الخاص، الداخل/ الخارج، السلمي/ المسلّح.

وقد حرص بودرقة على جعل ثنائية العمل السياسي العلني والعمل السري يسيران مثل خطّين متوازيَين لا  يلتقيان، وهو ما جّر عليه غضب الملك الراحل الحسن الثاني، الذي صرّح بأنه لا يمكنه التسامح مع "المحامي الذي يترافع نهارًا ويصنع القنابل ليلًا "، ويقرّ بودرقة بأنّ ثنائية العمل السياسي السلمي والمسلح العنيف ثنائية متعبة سيكولوجيًا ومنهكة معنويًا (ص. 168).

أحداث مارس 973:1 جرأة البوح

إن المتمعن في بوح بودرقة بخصوص أحداث 1973، يكشف جرأة الرجل في الإقرار بانخراطه في الإعداد للعمليات المسلحة. ففي الوقت الذي أبت فيه بعض المذكرات السياسية الإقرار بمسؤوليتها في بناء التنظيمات الس يرة، كشف بودرقة بكل موضوعية عن دوره في هذه التنظيمات، رغم رفضه للط يرقة والسرعة والعشوائية التي جرت بها. ولعل هذا ما دفعه إلى التنبؤ بفشلها في حينها، محمّلًا مسؤولية ذلك إلى بعض قيادات التنظيم السري الذين زجّوا بالمناضلين في أتون معركة غير متكافئة جعلتهم ضحايا رعونة القيادة. ومن أهم خلاصات بودرقة في هذا الإطار، هي كون استنساخ النماذج الثورية الأخرى (مثل كوبا) للتأسيس لتجربة ثورية مسلحة في المغرب يعدّ خيارًا فاشلًا؛ نظرًا إلى اختلاف النموذجين. أضف إلى ذلك أنّ القهر والظلم يوفران بيئة ملائمة للعمل السري الأكثر راديكالية، ومواجهة العنف بالعنف بمنطق المرغم؛ هذا العنف المتبادل الذي يكون في الغالب مدمرًا وغير منتج حسب ما خلص إليه بودرقة (ص 180 - 196). وإذا كان من الطبيعي أن يتبادر إلى ذهن المتلقّي سؤال بخصوص موضوعية هذا البوح في ظل اختلاف زمن الحدث مع زمن الحكي، فإنّ الطيب بياض استحضر هذه الأسئلة، من خلال حرصه على وضع بوح الذاكرة في سياقه الزمني الصحيح، عبر التمييز بين موقع الراوي خلال زمن الأحداث وموقعه بعد توافر مسافة زمنية فاصلة. يمكن أن نستنتج من خلال بوح بودرقة بعض المؤشرات الدالة على خصوصية المعارضة المغربية في رؤيتها وتمثّلها لطبيعة النضال الثوري، فقد كانت الشخصية المغربية حاضرة حتى في أشد فترات المعارضة شراسة، ولم تفلح عروض الرئيس الجزائري هواري بومدين بالقضاء على الملك الحسن الثاني في إغراء المعارضة. بل ساهمت، في رأي بودرقة، في دفعه هو ورفاقه إلى الانتصار للذّات، على الرغم من الخلاف مع الملك. وفي السياق نفسه، يحسم بودرقة في تجربة المعارضة المغربية، خصوصًا تجربة التنظيم السري 3 مارس 1973، فلا هي في نظره نموذج لحزب البعث ولا هي "ناص يرة" ولا هي "قذافية"، حيث حافظ الاتحاديون على مسافة من الجميع، ويكشف هذا عن خصوصية مغربية في النضال السياسي (ص 199 - 202). جاء استحضار أحداث مارس 1973 في الكتاب بعد ثمانية فصول ممهدة، حتى يوضع القارئ في صورة البنية المفرزة لهذا الحدث. ويمكن وصف بوح بودرقة بالنقد الذاتي الذي يصل حدّ القسوة، فهو يقرّ بأنّ التسرع والتهافت هما اللذان تحكّما في سير الأحداث التي حصدت في ركابها أرواحًا وشرّدت أب يراء؛ إذ إنّ الشروط اللازمة لإنجاح الثورة المسلحة لم تكن متوافرة بعد، واتسم التخطيط والتنفيذ بالعشوائية، بدليل أنّ إطلاق الرصاص في مولاي بوعزة11 جرى قبل أوانه من دون برمجة أو أخذ الإذن من قائدها الميداني محمد بنونة، إضافة إلى أنّ القاعدة المعوّل عليها لإنجاح الثورة كانت ضعيفة ومخترقة من الجواسيس والمخب يرن. واستهداف العمليات المسلحة لمجال جغرافي شاسع شمل مناطق كلميمة وقصر السوق وتنغير وإملشيل وأملاكو وغيرها، كان من نتائج تقاطع هوس الثورة بوهمها، في نظر بودرقة. وتبيّن بعض الوثائق المرفقة بالبوح المتعلق بالأحداث، حجم المعاناة والخذلان اللذين لاقاهما المشاركون بعد فشل العملية. ولم يتردد بودرقة في تصنيف جزء من عناصر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ضمن الذين خذلوا الثوار، مثلما لم يتردد في تحميل المسؤولية بالاسم لكل من أحمد خير (الميد) والفقيه البصري (ص 249 - 266).

كان لهذا الفشل تأثيرٌ كبير في المسار التنظيمي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية؛ إذ إنه دفعه إلى اتخاذ قرار القطع مع المغامرات المسلحة، التي تجر خيرة المناضلين إلى الإعدام وتورّط الحزب في تعقيدات مجانية، وتبنّي خيار النضال السلمي الديمقراطي. وفي مستوى آخر، فإن العلاقة السببية بين أحداث مارس 1973 والمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الوطني سنة 1975، وفّرت للطيب بياض مساحة إضافية لطرق أبواب ذاكرة بودرقة بخصوص امتدادات هذه المحطة المهمة، لذلك كان البوح أيضًا حول دور عبد الرحمن اليوسفي في هذه المرحلة، وخصوصية العلاقة التي جمعته ببودرقة، والتي أثمرت إقناعه بإصدار مذكراته المعنونة بأحاديث في ما جرى. ولم يخل بوح بودرقة من خلخلة بعض المعطيات التي كادت تصَّنَف في حكم المسلّمات، من قبيل رفض الزعيم الاستقلالي امحمد بوستة تشكيل الحكومة سنة 1993 بسبب وجود إدريس البصري، حيث وصف بودرقة هذا المعطى ب "غير الدقيق بالمرة" (ص. 309). نقف من خلال مذكرات بودرقة على مستوى آخر من مستويات البوح، حيث شاء له القدر أن يكون شاهدًا على البدايات الأولى للطرح الانفصالي الذي تبنّته المجموعة التي أسست "البوليساريو"، والتي بدأت في شكل حركة تحررية وحدوية مقاومة للاحتلال الإسباني للجنوب المغربي، وانتهت إلى حركة انفصالية خضعت لنزوات هواري بومدين، الذي كان يسعى، بتعبير بودرقة، إلى جعل الجغرافيا سلاحًا للانتقام من التاريخ. ويكشف بوح بودرقة عن امتحان الاختيار الذي وضع فيه المناضلون بين الوحدة الترابية للمغرب وتحقيق حلم الثوار المتمثل في إطاحة النظام المغربي، حيث انتصرت مرة أخرى الشخصية المغربية ومصلحة الوطن على مصلحة التنظيم، وجرى اختيار المضيّ قدمًا في مسار النضال السياسي في دولة موحّدة، وتبنّي مسار إصلاحي يقوم على التدرج عوض النضال الثوري، الذي يمكن أن يجهز على الدولة ويساهم في تشظي المجتمع في الآن نفسه. وقد كان الطيب بياض أشد إلحاحًا في فتح أبواب ذاكرة بودرقة، خصوصًا فيما يتعلق بتدخّل النظام الجزائري في توجيه التنظيم السري المغربي بالجزائر (ص 321 - 326). لم يكن مسار النضال السياسي هيّنًا، في رأي بودرقة، وإذا كان النظام السياسي المغربي كشف عن عدم ميله إلى استئصال التنظيمات السياسية المعارضة في تلك الفترة، فإنه أيضًا لم يتح لها هامشًا كبيرًا من الح يرة بعد اختيارها النضال السياسي السلمي، بدليل تعرّض أعضاء حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لحملات قمع واعتقال سنوات 1981 و 1984 و 1990. وعلى الرغم من ذلك، أصرّ بودرقة على أن يكون مناضلًا مساهمًا في المسار الجديد حتى وهو في منفاه في فرنسا، ولم يتوان عن تقديم الدعم المادي والتنظيمي والتنسيق بين مكونات المعارضة. وقدّر له أن يتبنّى ط يرق النضال الحقوقي الذي رأى فيه مدخلًا من مداخل النضال، من أجل إنصاف ضحايا الانتهاكات والأخطاء التي وقع فيها النظام والتنظيمات المعارضة على حدّ سواء، في نوع من الانسجام بين ما عبّر عنه من أسف على أخطاء المرحلة، وما يجب أن يكون عليه النضال لتجاوز تلك الأخطاء. ومن اللافت أن يصرّ بودرقة في سياق استخلاص العبر من تجربته النضالية، على اقتناعه بصوابية مواقفه السابقة، لكن في سياقاتها وما اقتضته خصوصيات المرحلة، وبقي في الوقت نفسه منسجمًا مع ذاته وما عبّر عنه في حينه، من كون التغيير في ممارسة القناعات يجب أن يشمل الأساليب وليس القناعات نفسها. ولم يتردد بودرقة في التعبير عن شعوره براحة الضمير بعد أداء المهمة النضالية بأبعادها الثلاثة، الثوري المسلح والسياسي والحقوقي، وهذا البعد الأخير أتاح له مدخلًا أفضل لخدمة البلاد. ويختصر الشاهد مساره في ثلاث محطات يعتبرها مهمات نضالية جليلة: أولاها الرحيل إلى الجزائر حيث أوقف ن يزف العبث بأرواح خيرة المناضلين، ثم الانتقال إلى فرنسا في مرحلة موالية والنضال من أجل عودة المنفيين، وأخيرًا العودة إلى المغرب والمساهمة في طيّ صفحة الانتهاكات وإنجاح تجربة العدالة الانتقالية (ص 376 - 378). وكشف بودرقة أنّ بَوحه لم ينته بعد، وأنّه مقبل على بوحٍ

آخر يتضمن الم يزد من المعطيات، ما يجعل بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة مجرد جولة من جولات أخرى من الحوار بين المؤرخ وذاكرة الفاعل السياسي؛ جولة تتجاوز فيها الذاكرة شروط البوح، وتكون فيها الحقيقة في حماية الأدوات المنهجية للمؤرخ. ختامًا، نؤكد ما خلص إليه الطيب بياض من كون الكتاب تمنًا إبستيمولوجيًا في مقابلة الشهادة بالوثيقة، وهو التم يرن الذي كان ناجحًا وأفرز مذكرات نوعية تقدّم خدمة جليلة لتاريخ المغرب الراهن، وتبقى نسبية الحقائق الواردة فيها رهينة بظهور معطيات أخرى.

المراجع

العربية

بودرقة، امبارك. أحداث 3 مارس 1973: بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة. حوار الطيب بياض. الكتاب الأول. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2020.

حبيدة، محمد. المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ، من المنهج إلى التناهج. الرباط: دار الأمان، 2018.

ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.

سوكاح، زهير. "الهوية بين الكتابة التاريخية والذاكرة الجمعية، نحو نموذج ذاكراتي فلسطيني". مجلة رؤى تربوية. العدد 27 (1988). يحياوي، ياسين. "الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث التاريخي: دراسة في نماذج مختارة من مؤرخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليات". أسطور. العدد 7 (كانون الثاني/ ينا ري 2013).

الأجنبية

Le Goff, Jacques. Histoire et mémoire. Collection Folio Histoire 20. Paris: Gallimard, 1988.

Ricœur, Paul. Histoire et vérité. Paris: Edition Esprit; Seuil, 1955.

الهوامش

  1. مثلًا النقاش الذي أثارته مذكرات الوز ري الأول السابق: عبد الرحمن اليوسفي، أحاديث في ما جرى، شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2018)، 3 ج.
  2. Jacques Le Goff, Histoire et mémoire , Collection Folio Histoire 20 (Paris: Gallimard, 1988), p. 82.
  3. ياسين يحياوي، "الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث التاريخي: دراسة في نماذج مختارة من مؤرخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليات"، أسطور، العدد 7 (كانون الثاني/ ينا ري 2013)، ص 115.
  4. زهير سوكاح، "الهوية بين الكتابة التاريخية والذاكرة الجمعية، نحو نموذج ذاكراتي فلسطيني"، مجلة رؤى تربوية، العدد 27 (1998)، ص 81.
  5. Paul Ricœur, Histoire et vérité (Paris: Edition Esprit; Seuil, 1955), pp. 23  -  24.
  6. بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 477.
  7. امبارك بودرقة (عباس)، أحداث 3 مارس 1973: بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة، حوار الطيب بياض، الكتاب الأول (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2020.)
  8. يقصد به التنظيم السري الذي كان تابعًا لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خلال سبعينيات القرن العش. يرن
  9. محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ، من المنهج إلى التناهج (الرباط: دار الأمان، 2018)، ص 134.
  10. ق يرة تقع في إقليم شتوكة آيت بها، بمنطقة سوس جنوب المغرب.
  11. ق يرة مغربية تقع في الأطلس المتوسط بإقليم خنيفرة، تبعد عن العاصمة الرباط حوالى 100 كلم.