مراجعة كتاب
Review of The History of the Print and Publishing Movement in Morocco During the Protectorate Period (1912-1955)
الملخّص
المؤلف: فوزي عبد الرزاق. عنوان الكتاب: تاريخ حركة الطباعة والنشر في المغرب خلال فترة الحماية (1912-1955). مكان النشر والناشر: الرباط: دار الأمان. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 376 صفحة.
Abstract
أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب Professor of Islamic Studies at Mohammed First University, Oujda, Morocco. youssefmadrari@hotmail.com
- تاريخ الطباعة
- الكولونيالية
- المغرب
- الكتابة التاريخية
- printing history
- Colonial Context
- Morocco
- Histography
| DOI: https://doi.org/10.31430/ZHZH1538 الرقم التعريفي: | |
|---|---|
| يوسف مدراري | Madrari *Youssef | |
أوالًا: سياق الكتاب
خصص الباحث العراقي الأميركي، فوزي عبد الرزاق، جَّلَ أعماله للتأريخ للكتاب في المغرب، من حيث الطبع والنشر، بين القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العش يرن. وقد أثمر جهده البحثي ثلاثة كتب: المطبوعات الحجرية في المغرب: فهرس مع مقدمة تاريخية1، ومملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب 1865 - 1912، وهو عبارة عن أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في جامعة بوسطن2، والكتاب ال ثالث الذي نحن بصدد مراجعته، والذي توّج به عبد الرزاق مسيرته العلمية في دراسة حركة الطباعة والنشر في المغرب. ولعل وظيفة المؤلف، باعتباره أمينًا لمجموعة الكتب والدوريات العربية في جامعة هارفارد، في الولايات المتحدة الأميركية، ساعدته كثيرًا في إنجاز مشروعه البحثي هذا. سبقت هذا المشروع العلمي لعبد الرزاق محاولات علمية للتأريخ للكتاب في المغرب؛ إذ يمكن القول إن هذا المنحى البحثي دشّنه كل من محمد بن شنب وليفي بروفنسال في معجمهما للمطبوعات الفاسية Fès de éditions des chronologique répertoire de Essai3، ثم دراسة جرمان عياش "ظهور الطباعة في المغرب"4، وكتاب عبد الله الجراري التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين من 1900 - 19725، وكذلك كتاب إدريس القيطوني معجم المطبوعات المغربية6، وكتاب محمد المنوني مظاهر يقظة المغرب7، وكذلك أعمال الباحثة لطيفة الكندوز8.
ثانيًا: فرنسا وتوظيف النشر والطباعة
قسّم المؤلف عصر الطباعة في عصر الحماية مرحلتين: تتمثّل المرحلة الأولى في فترة حكم المقيم العام الفرنسي ليوطي (1912 - 1925) الذي حرم المغاربة من امتلاك مطبعة؛ "فقد فضّلوا [أي الفرنسيين] احتكار وسيلة الطباعة وتوظيفها لصالحهم منذ عام الاحتلال وحتى نهاية سنة 1925، حيث أصبح الرباطي مصطفى بن عبد الله أول مغربي مسلم يمتلك مطبعة خاصة، يُد ريها بنفسه، وهي المطبعة الأهلية" (ص. 8). والمرحلة الثانية، مرحلة امتلاك المغاربة مطابع خاصة بهم. وقد احتلت مدينة فاس الصدارة في طبع الكتب، ثم تبعتها الرباط. هذا الكتاب هو الأول من نوعه في تتبع سياسة فرنسا في المغرب من حيث توظيف الطباعة وصناعة الكتاب من أجل تك يرس وجودها في المغرب تحت دعوى الإصلاح، وانعكاس التعاون والتعارض مع السياسة الفرنسية على حياة العلماء ومصالحهم. وقد بيّن عبد الرزاق أن إنشاء فرنسا للمطابع نابع في الدرجة الأولى من رغبة لديها في إقناع المغاربة بفائدة الوجود الفرنسي عن ط يرق طباعة كتب بعينها، مثل كتاب تفريح العامة والخاصة في نعت دولة فرنسا، لمؤلفه محمد عبد الوهاب القلقمي، وهذا الكتاب هو عبارة عن
مدح لفرنسا، حيث ختم مؤلفه مدحه بالقول: "ومن أراد محاربة هذه الدولة الفرنساوية الباسلة، فقد أفسد على نفسه دنياها وأُخراها " (ص. 111). وفي السياق نفسه طبعت السلطات الفرنسية كتاب الدرر الأوروباوية في تاريخ الأمة الفرنساوية لجول ك يركور (الرباط: 1926)، وكان هذا الكتاب ضمن المقرر الموجّه إلى أبناء الأعيان في المرحلة الثانوية، وفيه حديث عن تاريخ فرنسا، وأمثلة على تقدّمها وانتصاراتها، خصوصًا انتصارها على المسلمين في معركة بواتييه Poitier أو بلاط الشهداء (تش يرن الأول/ أكتوبر 732 م) (ص. 139) يشير عبد الرزاق إلى أن مطبعة مونشو Moncho Felix أقدمت على طبع العديد من الكتب التاريخية حول المغرب والأندلس، نتيجة رغبة الفرنسيين في إظهار تفوّقهم وتب رير وجودهم في المغرب أوصياء على المغاربة؛ إذ نشرت في عام 1934 العديد من الأعمال، مثل كتاب تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية، لمؤلف مجهول، باعتناء جورج كولان، وكتاب درة الحجال في أسماء الرجاللابن القاضي، باعتناء ب. س. علوش، وكتاب إكمال الإعلام فيمن بويع قبل الاحتلاملابن الخطيب. وتزامنت هذه الكتب التراثية مع المطالب الإصلاحية التي قُدّمت للسلطات. وهناك احتمال آخر هو ظهور كتب منصفة لتاريخ المغرب والأندلس، مثل كتاب أزهار البساتينالذي نقله إلى العربية أحمد بلاف يرج ومحمد الفاسي، ونشر في الرباط، في عام 1930، ثم أعدّ الوطنيون كتبًا تاريخية مدرسية لتعليم المغاربة تاريخ بلدهم (ص. 146). يذهب عبد الرزاق إلى القول إن توافر الكتب الإسلامية أصبح في الثلاثينيات ظاهرة بارزة في فترة الحماية الفرنسية، وذلك نابع من رغبتهم في المعرفة العميقة بالشعوب التي يستعمرونها (ص. 189)، على الرغم من أن هذا الأمر سابق لفترة الحماية؛ لأن سعي فرنسا للإحاطة بتاريخ المغرب وبناه سابق للفترة الاستعمارية. وأظهر الفرنسيون أيضًا عنايتهم بالكتب التراثية، وذلك من خلال منشورات المطبعة الجديدة لمونشو، ومن هذه الكتب: الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، لمؤلف مجهول، باعتناء ب. س. علوش (1936.) صلة الصلة لابن الزبير الأندلسي، باعتناء ليفي بروفنسال (1936.) البديع في وصف الربيع، للحميري، باعتناء هنري بيرس (1940.) مفيد العلوم ومبيد الهموم، لابن الحشاء الأندلسي، باعتناء جورج كولان وه. ب. ج. رورنو (1941.) كما رصد المؤلف عمل فرنسا، من خلال بعض مطبوعاتها، على تشجيع استعمال العامية على حساب العربية الفصحى. وفي هذا الإطار، صدر كتاب حكايات غربية بالدارجة الرباطية، للمستشرق لوي برونو (المطبعة البلدية، 1918)، وقد كتبه بمساعدة أستاذين مغربيَين: محمد بن إبراهيم الحجوي (الرباط)، ومحمد بوكيلي (فاس) (ص. 135).
ثالثًا: نشر الكتب: مكافأة فرنسا للمتعاونين معها
من الأمور التي ركّز عليها عبد الرزاق هو أنّ تعاون العديد من العلماء مع سلطات الاحتلال الفرنسي كان يضمن لهم نشر أعمالهم وتيسير سُبل توزيعها، من الأمثلة على هذا الشيخ عبد الحي الكتاني الذي نال بسبب تعاونه مع فرنسا – في نظر المؤلف - حظوة ومكانة في المجتمع العلمي المغربي. فقد عرض عليه ليوطي القيام بإصلاح القرويين، على الرغم من أنه لم يتجاوز السابعة والعش يرن عامًا من عمره (ص. 38). وكان يستقبل بحفاوة في جولاته في المغرب، وكان ذلك أيضًا مناسبة له لجمع المخطوطات من الأماكن التي زيورها، ما مكّنه من اقتناء مكتبة ضخمة، كان يستفيد منها المستشرقون (ص. 41). خلال فترة الحماية، صدر للكتاني خمسة عناوين، طُبعت في المطبعة الحج يرة، في فاس؛ ثم صدرت له ثلاثة كتب، طُبعت في المطبعة السلكية الحديثة. وأهم كتبه المنشورة في فترة
الحماية، كتاب فهرس الفهارس (1927)، ثم التراتيب الإدارية (1930)، و تبليغ الأمانة في مضار الإسراف والتبرج والكهانة (1933) (ص. 43). ومن الكتب التي كانت لها أهمية خاصة، كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد بن الحسن الحجوي، في أربعة أجزاء (1921 - 1926)؛ حيث شارك في نشره المطبعة البلدية في فاس ومطبعة إدارة المعارف الرسمية فيها أيضًا ومطبعة النهضة في تونس (ص. 118). و ريبط عبد الرزاق جهود فرنسا في إخراج كتاب الحجوي برغبتها في بناء مسجد باريس والمعهد الملحق به، وتوزيع الكتاب على بعض الشخصيات الإسلامية التي حضرت افتتاح المسجد (ص. 120). ويشير إلى أن هذا الكتاب شهادةٌ، خدمت الطرح الكولونيالي القائل إن الفقه يحمل عوامل ضعفه في نفسه، وإن الش يرعة ما عادت صالحة. أما الشخصية الثانية التي ركّز عليها عبد الرزاق، فهي شخصية أحمد بن العياشي سكي جر الذي كان من كبار الشيوخ التيجانيين، وبقي متعاونًا - بحسب عبد الرزاق - مع فرنسا إلى حين وفاته في عام 1944، وكان من أشهر قضاة المغرب (ص. 53)، وقد عبّرت مؤلفاته عن معارضة ونقد حاد لكل من يُعارض فرنسا، وقد تولّى سكي جر الرد على ابن الموقت المراكشي وكتابه مرآة المساوئ الوقتية الذي ربط فيه بين انتشار البدع والممارسات اللاأخلاقية والوجود الأجنبي، فهاجمه سكي جر في كتاب الحجارة المقتية لكسر مرآة المساوئ الوقتية (فاس: المطبعة الجديدة، 1937) (ص. 64). الشخصية الثالثة، هو محمد بن مصطفى بوجندار (ت. 1926)؛ إذ بسبب تجسسه لمصلحة الفرنسيين وعلاقته "المشبوهة" - بحسب معطيات عبد الرازق - مع ليوطي، عمل في بدايته مراسلًا في ج يردة السعادة، ثم موظفًا في مكتب الاستعلامات الفرنسي (ص. 74)، ثم أصبح مكلّفًا بتعليم العربية في المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البرب يرة، وكان تدريسه في هذه المدرسة مناسبة للاستفادة من المستشرقين، فأثمر ذلك كتابه الاغتباط بتراجم أعلام الرباط (ص. 84). ومن بين المؤشرات الدالّة على تعاون بوجندار - بحسب عبد الرزاق - مع السلطات الفرنسية هو كتابه شالة وآثارها (المطبعة الرسمية، 1921)؛ حيث ادّعى بوجندار وجود آثار رومانية في شالة، وأن الرومان وُجِدوا فيها قبل الإسلام. وطُبع كتابه بأسلوب فاخر، قياسًا على مطبوعات ذلك الوقت، وكان ليوطي يريد إهداء الكتاب إلى العديد من الشخصيات في المغرب وفرنسا، للفت نظرهم إلى وجود روماني سابق للإسلام في المغرب، ومن ثمّ يكون هذا مبررًا للوجود الفرنسي في المغرب (ص. 87). الكتاب الأخير لبوجندار هو الكلمات الذهبية في أخبار الرحلة المغربية لفخامة المسيو ميلران رئيس الجمهورية الفرنسية (المطبعة الرسمية، 1922)، وهو عبارة عن بروباغندا للدولة الفرنسية، طبعه مكتب الاستعلامات الفرنسي، وخُصّصت أرباحه لبوجندار نفسه. قرر المستشرقون الفرنسيون عقد مؤتمرهم في مدينة فاس؛ حيث شارك المهدي الحجوي بمحاضرته حول الحسن الوزان المشهور بليون الأف يرقي، وقد تباهى بمنجزات الوزان العلمية. ونشر هذه المحاضرة المهدي الحجوي في كتاب، لكن قرّظه عبد الرحمن بن زيدان وكتب له مقدمة، ثم قرّظه العياشي سكي جر (ص. 192). ويعكس كتاب الحجوي هذا المدى الذي وصل إليه التعاون بين بعض علماء المغرب والمستشرقين الفرنسيين والمتعاونين معهم.
رابعًا: الصراع السلفي الطرقي وأثره في نشر الكتاب في المغرب
في عام 1925، قام القباج بعمل مهم في عالم النشر، وهو الإنفاق من ماله الخاص على نشر كتاب إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة، للمكي الناصري، في مطبعة النهضة، في تونس، وتوزيعه في الرباط. وقد أثار الكتاب ردات فعل قوية بين الطرقيين، خصوصًا التيجانيين، ثم ردّ أخوه الأصغر، محمد اليمني الناصري، على منتقدي أخيه في كتاب ضرب نطاق الحصار على أصحاب
نهاية الانكسار، وبذلك فجّر هذان الكتابان صراعًا دينيًا في المغرب. والواقع أنه كان نقاشًا بخلفيات سياسية، بسبب الدور السلبي – بحسب عبد الرزاق - للطرقيين خلال حرب ال يرف (1920 - 1927) (ص. 169). كما مكّنت المطبعة الأهلية بعض المشايخ التيجانيين من طبع أعمالهم. ويشير عبد الرزاق إلى أن جَّلَ انتقادات السلفيين للتيجانيين كانت ذات طابع سياسي، أكثر من كونها مذهبية، لأن كثي يرن من شيوخ التيجانية كانوا متعاونين مع فرنسا، مثل سكي جر. ثم تطرق عبد الرزاق إلى بعض من سيرة المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان ومطبوعاته، إّلا أنه احتار في القول: هل كان ابن زيدان متعاونًا مع فرنسا؟ لأنه قد فُتح له الباب لينال وظائف راقية، مثل نائب رئيس المدرسة العسك يرة في مكناس (ص. 125). وكان ابن زيدان يتّهم الشباب الوطنيين بعدم احترام العلماء، خصوصًا في كتابه محاضرة في الأخلاق (فاس: المطبعة الجديدة، 1932) الذي حوى نقدًا لبعض الشباب الذين ينتقدون العلماء والشيوخ بسبب مواقفهم. ويميط عبد الرزاق اللثام عن ط يرقة ابن زيدان في التأليف، ولعله استكثر عليه كثرة مؤلفاته؛ حيث ذكر أنه كان يجمع العديد من الباحثين الشباب الذين يجمعون المادة، ثم يضع لمساته الأخيرة عليها ويضع اسمه (ص. 132). وتعتبر المطبعة العربية التي أسسها الشيخ التيجاني الأحسن البعقيلي من أنشط المطابع في الدار البيضاء، خصوصًا في مجال نشر الكتاب العربي، حيث نشرت بين عامَي 1934 و 1939 نحو خمسة وعش يرن عنوانًا. ويشير عبد الرزاق إلى أن أعمال الطباعة والنشر كانت من واجهات الصراع بين الطرقيين والوطنيين، وبين الوطنيين والسلطات الفرنسية أيضًا. كان البعقيلي (ولد في عام 1883)، في ق يرة أكضي بسوس من أشهر العلماء التيجانيين في المغرب في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، وكانت مطبعته وسيلة التيجانيين لنشر أعمالهم. وجاء في كتاب البعقيلي إيضاح الأدلّة والزلال الأصفي والسحر الحلال، أن البعقيلي، صاحب المطبعة العربية، "لا يطبع إّلا علمًا سالمًا من الشبه لمن أراد أن ينشر علمًا شرعيًا حنيفًا أو أشغ لًا تجارية" (ص. 240). كانت منشورات المطبعة العربية، في معظمها، دينية وتيجانية الميول، إضافة إلى بعض المؤلفات عن اللغة العربية، كما كانت غالبية مطبوعاتها من مؤلفات البعقيلي التي بلغت نحو خمسة عشر مؤلفًا. كان البعقيلي ينظر إلى السلفيين، من أمثال أبي شعيب الدكالي، على أنهم مارقون عن الدين، يجب عليهم التوبة، كما انتقد ابن الموقت المراكشي وأفكار محمد بن الحسن الحجوي، وذلك في كتابه ترياق لمن فسد قلبه ومزاجه. كان البعقيلي أشع ريًا وطرقيًا متعصّبًا، ويشير عبد الرزاق إلى أن كثرة فتحه للزوايا وتعيين المقدمين عليها، يدفعه إلى الاعتقاد أنه يخدم فرنسا، ولعل ما يُزكّي ذلك بالنسبة إلى عبد الرزاق هو سير العديد من جنود المدفعية في جنازته في عام 1949 (ص. 245).
خامسًا: المطابع الأهلية وتوظيف الكتاب من أجل القضية الوطنية
انتقل عبد الرزاق في كتابه إلى الحديث عن المطابع الأهلية في المغرب في عهد الحماية، وبدأ بالحديث عن المطبعة الأهلية، لصاحبها مصطفى بن عبد الله الذي يعتبر أول مسلم حصل على امتياز فتح مطبعة. وقد نشرت هذه المطبعة نحو ثلاثة وعش يرن عنوانًا بين عامَي 1926 و 1929، واعتمد على بعض الطلاب الذين كانوا يتعلّمون الطباعة من أجل تصحيح الكتب، مثل عباس التناني الذي صحح كتاب ألفية السيرة النبوية للعراقي. انتقل عبد الرزاق بعد ذلك إلى الحديث عن المطبعة الوطنية، لصاحبها عباس التناني وش يركه محمد القباج الكتبي، حيث امتدت فترة عملها بين عامَي 1929 و 1955، ونجح صاحباها في نشر ما يزيد على ثلاثة وسبعين عنوانًا؛ ما يجعلهما من أكبر الناش يرن المغاربة. وقد نجحت المطبعة الوطنية في طبع كتب مهمة، أهمها الأدب العربي في المغرب الأقصى، لمحمد بن العباس القباج، في جزأين،
ثم النموذج المهم من إصدارات المطبعة الوطنية هو كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس: أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس (سلا: شركة النشر المغربية؛ الرباط: المطبعة الوطنية، 1936)، لابن أبي زرع، حرّره وعلّق عليه محمد الهاشمي الفيلالي؛ ولهذا الكتاب أهمية كبرى، حيث يُعدّ مث لًا لتوظيف الوطنيين للكتاب التراثي في معركتهم ضد الدعاية الفرنسية، ومن أجل تعميق الوعي بالذات المغربية وقدراتها العسك يرة والفك يرة أيام كان المغاربة سادة في بلادهم، وفي الأندلس. وكان هذا الكتاب محَّطَ اهتمام الإسبان الذين نشروه وترجموه إلى الإسبانية في عام 1828، ثم بعد ذلك إلى الفرنسية في عام 1860، وسبب ذلك هو أن هذا الكتاب يضم تفاصيل عن غزوات المسلمين وإيقاع القتل بالإسبان والبرتغاليين وسبي النساء والأطفال. وقد ساعدت هذه المعطيات المستشرقين في الدعاية ضد المسلمين وإثارة الإسبان والفرنسيين ضد المسلمين وتحفيزهم لغزو بلادهم. وكان الكتاب مرجعًا لتأطير عدد من الموظفين الفرنسيين في المغرب (ص. 173). اعتمد الوطنيون المغاربة على نشر التراث من أجل تقوية الشخصية المغربية ودفع المغربي إلى النهوض من أجل تح رير بلاده، خصوصًا في منطقة النفوذ الإسباني. ومن تلك الكتب النبوغ المغربي، لعبد الله كنون (تطوان 1937)، وبنو عباد بإشبيلية، لعبد السلام أحمد الطود (تطوان 1949)، و دروس في التاريخ المغربي، لعبد الله الجراري وقد صدر في خمسة أجزاء بين عامَي 1935 و 1941، والبدائع: معجم مدرسي للأدباء المغاربة ومنتخبات من آثارهم، لعبد الوهاب بنمنصور (سلا: مطبعة الثقافة، 1938) (ص. 175). ثم المطبعة الاقتصادية لصاحبها مصطفى بنعبد الله التي أُسّست في عام 1934، حيث أصدر خلال فترة الحماية ما يزيد على ثلاثين عنوانًا، إضافة إلى إصدار ج يردة العلم. وقد طبعت المطبعة الاقتصادية لمؤلفين مغاربة وفرنسيين، مثل ليفي بروفنسال وجورج كولان وهنري بيرس، ومن الجزائ يرين محمد بخوشة التلمساني (ص. 185). وكذلك المطبعة الجديدة ومكتبتها لعبد الع زيز بوطالب، وهي موجودة في طالعة فاس. وقد كانت غالبية المطبوعات التي صدرت عنها ذات طبيعة دينية ووطنية، كما نشرت العديد من مؤلفات علال الفاسي المبكرة، ونشرت أيضًا الكتاب الوحيد لمحمد غازي (ولد في عام 1901)، وهو كتاب صغير عن العقيدة الإسلامية، صدر في عام 1931، وأصبح غازي في ما بعد مد يرًا لمجلة رسالة المغرب التي تنشر الفكر الوطني. ونشرت المطبعة الجديدة أيضًا بعضًا من أعمال الوطني القومي محمد القري الذي قتلته السلطات الفرنسية في عام 1937. خصص عبد الرزاق الفصل الأخير من كتابه الذي بين أيدينا للحديث عن مطابع تطوان والعرائش في منطقة النفوذ الإسباني: المطبعة المهدية لمحمد داوود، وتُظهر إحصاءاته وجود إحدى عشرة مطبعة في هذه المنطقة، ومطبعة واحدة في مدينة العرائش خلال فترة الحماية. كان داوود أول مد ري "لشركة المطبعة المهدية" التي أسّسها أحد روّاد الحركة الوطنية في منطقة النفوذ الإسباني، عبد السلام بنونة (ص. 259) الذي يُعتبر المؤسس الفعلي للمطبعة المهدية. ويعتبر بنونة شخصية وطنية عملية على المستوى التربوي والثقافي وخدمة المصلحة العامة. ومن أهم المشاريع السياسية التي حققها بنونة تعميق الصلات بين الوطنيين المغاربة والأمير شكيب أرسلان وأصدقائه، مثل الشيخ محمد رشيد رضا. واستورد بنونة مؤلفات أرسلان لتوزيعها على القرّاء، مثل كتاب لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهمومجلة الأمة العربية (ص. 265). كان داوود شخصية علمية لها وزنها، حيث كان مراسلًا لج يردة الأهرام المص يرة، مكلّفًا بتغطية حرب ال يرف، كما كان حاضرًا في "المؤتمر السادس لمعهد المباحث العليا المغربية"، في عام 1928 الذي عُقد تحت إشراف ليفي بروفنسال. ولعل أهم أعمال داوود هو إدارته المطبعة المهدية خلال فترة الحماية، حيث أنتجت نحو ثلاثة وستين عنوانًا باللغة العربية، إضافة إلى بعض الدوريات. ساهم أكثر من ثلاثين مؤلفًا بنشر أعمالهم في المطبعة المهدية، وكانت غالبيتهم
معاصرة، إضافة إلى بعض الأعلام من التراث، مثل ابن جزي والجرجاني والخزرجي، وكذا بعض الأجانب، مثل بخوشة والسقال من الجزائر، ومهران والوكيل من مصر، وبرك يرن وغيره من إسبانيا (ص. 268). وكان للمطبعة المهدية أيضًا مساهمة كبيرة في طبع العديد من الكتب المدرسية، حيث نشرت بين عامَي 1940 و 1955 نحو تسعة كتب مدرسية. وكان لها دور كبير في نشر الكتب التاريخية، مثل كتاب تقريب الأقصى من كتاب الاستقصا للرهوني (1931)، ولمحة عن تاريخ تطوان وعائلاتها الأندلسية الأصل، لعبد الرحيم العدي (1948). ويلاحظ ندرة الكتب السياسية التي أصدرتها المكتبة المهدية. ولعل من الكتب الأدبية المهمة التي صدرت عن المطبعة المهدية كتاب النبوغ المغربي، لعبد الله كنون، الذي نشره على نفقته، ومنعت السلطات الفرنسية دخوله إلى منطقة نفوذها (ص. 286). وقد تناول عبد الرزاق شخصية محمد بن الموقت المراكشي (1894 - 1950) الذي كان من أتباع الط يرقة الدرقاوية الفتحية، ثم انسلخ عنها بعدما تبيّن له أن رئيس الط يرقة فتح الله البناني كان مواليًا لفرنسا (ص 95 - 96). وقد كانت الكتب المبكرة لابن الموقت شبيهة بالكتب التي كتبها المتعاونون مع فرنسا، مثل كتابه تعطير الأنفاس في التعريف بالشيخ أبي العباس (1917)، ثم كتاب نور اليقين في مزايا سيد المتقينوالسعادة الأبدية في التعريف برجال الحضرة المراكشية. ومن الأمور الجد رية بالذكر هنا، هي أن ابن الموقت أقدم على طبع بعض كتبه في مصر، مثل كتابه الكشف والبيان عن حال أهل الزمان (القاهرة: البابي الحلبي وأولاده). لكن الكتاب الذي أثار نقاشًا كبيرًا هو كتابه الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية الذي عزا البدع والممارسات اللاأخلاقية إلى الوجود الأجنبي (ص. 98). ثم الكتاب الآخر الذي أثار الجدل هو كتاب الجيوش الجرارة في شرح القوة الجبارة، وهو نصرة للشاعر المراكشي عبد القادر حسن (ت. 1996) الذي قال في ديوانه الشعري أحلام الفجر (مراكش، 1936): "أنا قوة جبارة"، وتعرّض بذلك لنقد كبير من العلماء، لأن الجبار هو الله. وقد ارتأى سكي جر تأليف كتاب ينتقد فيه مؤَّلَف ابن الموقت بعد عام من صدوره، سمّاه الحجارة المقتية لكسر مرآة المساوئ الوقتية (فاس: المطبعة الجديدة، 1937). وفي عام 1946 ألّف ابن الموقت كتاب الرحلة الأخروية أو المقامة الباهرة (فاس: المطبعة العص يرة)، تنبأ فيه بقرب قيام الساعة (ص. 102).
خاتمة
يعتبر كتاب عبد الرزاق هذا مصدرًا مهمًا لدراسة الحركة الثقافية في المغرب إبان فترة الحماية الفرنسية، ولعل ما يُحسب لمؤلفه أن كتابه حافلٌ بالعديد من عناوين الأعمال العملية التي لفّها النسيان، وربطها بسياق الخضوع للاستعمار الفرنسي والسياق المحلي للفترة المدروسة. وفيه تأكيد أن نشر الكتب وطبعها في المغرب لم يكن ترفًا علميًا، بل كان مرتبطًا برهانات وطنية ورهانات التنافس بين الطرقيين والكثير من الشخصيات السلفية. وإجم لًا، فالكتاب ثري بالإشكالات التي يمكن تعميق البحث فيها، كما قد تُسعفنا مادته الخام لإنجاز م يزد من الدراسات في الموضوع. لكن الملاحظة التي نسجلها على الكتاب هو شدة الأحكام التي كان يطلقها على بعض الشخصيات العلمية، خصوصًا ما يتعلق بالجانب الأخلاقي والتعاون مع المحتل الفرنسي. والحال أن مثل تلك الأحكام تحتاج إلى رويّة وم يزد من البحث وتعدد الشهادات، أو على الأقل مساءلة تلك الأحكام في ضوء شهادات أخرى مضادة، تحقيقًا لم يزد من الموضوعية.
المراجع
العربية
عبد الرزاق، فوزي. المطبوعات الحجرية في المغرب: فهرس مع مقدمة تاريخية. الرباط: دار نشر المعرفة، 1989.
عياش، جرمان. "ظهور الطباعة في المغرب". هسبريس - تامودا. مج 5 (1964).
الكندوز، لطيفة. الطباعة والنشر بالمغرب 1282 - 1376 ه/ 1865 - 1956 م. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2014.
_______. المنشورات المغربية منذ ظهور الطباعة إلى سنة 1956. المغرب: وزارة الثقافة، 2004.
المنوني، محمد. مظاهر يقظة المغرب. ط 2. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 1985.
الأجنبية
الجراري، عبد الله. التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين من 1900 - 1972. 2 ج. ط 2. الرباط: منشورات مكتبة المعارف، الحسني، إدريس بن الماحي الإدريسي القيطوني. معجم المطبوعات المغربية. تقديم الشيخ عبد الله كنون. سلا: مطابع سلا،
Abdulrazak, Fawzi. "The Kingdom of the Book: The History of Printing as an Agency of Change in Morocco
between 1865 and 1912 '." PhD thesis, Boston University, 1990.
Ben Cheneb, Mohammed & Evariste Levi-Provençal. Essai de répertoire chronologique des éditions de Fès.
Alger: J. Carbonnel, 1921.
الهوامش
- فوزي عبد الرزاق، المطبوعات الحجرية في المغرب: فهرس مع مقدمة تاريخية (الرباط: دار نشر المعرفة، 1989.)
- Fawzi Abdulrazak, "The Kingdom of the Book: The History of Printing as an Agency of Change in Morocco between 1865 and 1912 '," PhD. Thesis, Boston University, 1990.
- Mohammed Ben Cheneb & Evariste Levi-Provençal, Essai de répertoire chronologique des éditions de Fès (Alger: J. Carbonnel, 1921).
- جرمان عياش، "ظهور الطباعة في المغرب"، هسبريس - تامودا، مج 5 (1964.)
- عبد الله الجراري، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين من 1900 - 72 19، 2 ج، ط 2 (الرباط: منشورات مكتبة المعارف، 1985.)
- إدريس بن الماحي الإدريسي القيطوني الحسني، معجم المطبوعات المغربية، تقديم الشيخ عبد الله كنون (سلا: مطابع سلا، 1988.)
- محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ط 2 (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 1985.)
- لطيفة الكندوز، المنشورات المغربية منذ ظهور الطباعة إلى سنة 1956 (المغرب: وزارة الثقافة، 2004)؛ لطيفة الكندوز، الطباعة والنشر بالمغرب 1282 - 1376 ه/ 1865 - 1956 م (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2014.)