Return to Article Details Importance of the Serial and Quantitative Methodology in History and its Application in the History of Lebanon

أهمية منهجية التاريخ التسلسلي والكمي في كتابة تاريخ لبنان

Importance of the Serial and Quantitative Methodology in History and its Application in the History of Lebanon

سعاد أبو الروس سليم

Souad Abou El-Rousse Slim

الملخّص

تستعرض الدراسة منهجيةً جديدةً في كتابة التاريخ، تنطلق من الحاضر، وتعتمد على الإحصاءات الرقمية المتسلسلة الممتدة لفترة زمنية طويلة، وتهتم بالعوامل والأبعاد الشاملة والعامة، لا الأحداث الآنية التي تقع ضمن ظروف محددة، وتتضافر هذه المنهجية مع اختصاصات أخرى في العلوم الإنسانية، وتشكل مرجعًا لها عبر الزمن، كالإحصاء، والجغرافيا، والمعلوماتية، والعلوم الاجتماعية. وتحلل الدراسة أعمال المؤرخين اللبنانيين الجدد الذين اعتمدوا هذه المنهجية في دراساتهم. فقد أدت دراسة التاريخ الديموغرافي، وتاريخ الأوقاف، والعادات والتقاليد، وجباية الضرائب، ودور النساء في التاريخ، إلى إدخال نمط حديث من الدراسات. وتُعد هذه المنهجية قادرة على إعادة الموضوعية إلى كتابة تاريخ لبنان، والمساهمة في التخفيف من حدة الخلاف بين المؤرخين.

Abstract

أستاذة التاريخ في جامعة البلمند ومديرة قسم التوثيق والتاريخ في معهد التاريخ والآثار وتراث الشرق الأدنى في الجامعة نفسها. Professor of History at the University of Balamand and Director of the Department of Archive and History of the Research Center of Oriental Heritage. Souad.slim@balamand.edu.lb

الكلمات المفتاحية:
  • ندوة أسطور
  • لبنان
  • الديموغرافيا
  • المنهج
Keywords:
  • Methodology
  • Ostour Seminar
  • Lebanon
  • Demography

مقدمة

يعاني المؤرخون في لبنان صعوبات كثيرة في التأريخ؛ فمن جهة، كل وثيقة تاريخية يمكن أن نجد لها وثيقة مضادة، إنه جدل الصراع بين المضاد والنقيض. ومن جهة أخرى، "إذا ضاعت الأصول [الوثائق] ضاع التاريخ"0، ولذلك بذل المؤرخون جهودًا كبيرة لجمع الوثائق المتفرقة في بيوت العائلات في مختلف بلدان الشرق الأوسط. نجد في وثائق وزارة الخارجية الفرنسية لعام 1920 وثائق متشابهة من عدة مناطق، تؤكد أن اللبنانيين كانوا يطالبون بانتداب السلطة الفرنسية. في حين أننا نعلم أن العديد من المناطق اللبنانية كانت تعارض ذلك. وفي مرحلة سابقة، يؤكد بعض المؤرخين أن كل أراضي جبل لبنان كانت مصنفة "ملك"؛ وهي ملك خاص لأهالي البلاد. في حين أفصحت الوثائق العثمانية عن أن العديد من الأراضي في جبل لبنان كانت أراضي تيمارية؛ أي أميرية، ضمن الصنف العسكري. ولا تزال العديد من الأراضي في عكار وفي الكورة مصنفة أميرية. وكانت أراضي دير البلمند2، قبل أن تتحول إلى أوقاف، مصنفة في الإحصاء العثماني عام 1520 أنها تيمار محمد كنفاني، وفي إحصاء عام 1157 كانت مصنفة تيمار قلعة طرابلس. يواجه المؤرخون صعوبات أخرى، تتمثّل في انتماءاتهم الطائفية والحزبية، وهذا دفعهم، أحيانًا، إلى تبادل التهم وتحميل مسؤوليات الحرب للفرقاء. وكأن التاريخ أصبح سلاحًا حادًا يُستعمل في المعارك الضارية. وخلال الحروب اللبنانية (1975 – 1990)، كان كل فريق يسترجع الماضي معتمدًا على وثائق ومراجع تثبت مزاعمه. ففي الصراع على الهوية اللبنانية، إن كانت عربية أو فينيقية، كان كل فريق يدعم آراءه بمراجع قيمة. ولم ينجُ كل من منصور ابن سرجون، جد القديس يوحنا الدمشقي، والبطريرك إلياس الرابع، الملقب ببطريرك العرب، من تهمة الخيانة. والدليل على ذلك هو الاهتمام الجامح بالشؤون التاريخية خلال الحرب الأهلية، في الندوات، والكتب، والبرامج التلفزيونية، والصحف. فنحن ننظر إلى الماضي، عندما يؤلمنا الحاضر. تنطلق الاتجاهات العلمية الحديثة لكتابة التاريخ من رفض للماضي في حد ذاته، وتوصي بالاعتماد على الحاضر والانطلاق منه، بحسب مقولة جان شيبو3 "لنمحُ صفحة الماضي " " rase table faisons passé Du "، حيث يطلق دعوة منهجية لتجاوز التاريخ السردي التقليدي والانطلاق من الحاضر لطرح إشكاليات جديدة. وهذا ما فعله المؤرخ اليوناني ثوقيديد Thucydides5، بحديثه المطوّل عن حرب البيلوبونيز8، التي شارك فيها، وهي حرب أهلية جرت بين مدينتَي إسبرطة وأثينا. وكذلك تحدث المؤرخ والصحافي الشهيد سمير قصير عن حرب لبنان قبل أن تنتهي، وأكد أنها من صنع اللبنانيين9. فالذي يكتب التاريخ هو من فشل في السياسة.

ومن يكتب التاريخ، يساهم في صنعه؛ إذ يؤثر في رؤية المستقبل من خلال الحاضر. فكيف نوفق في كتابة التاريخ بين الموضوعية المطلوبة والالتزام بصناعة الحاضر؟ إن الهدف الأساسي لهذه الدراسة هو عرض المنهجية الحديثة التي نشأت في فرنسا مع مجلة الأنال10، بالاعتماد على منهجية التاريخ الكمي التسلسلي11. وقد طبقت بعض الدراسات هذه المنهجية على تاريخ لبنان.

أوالًا: مفهوم التاريخ التسلسلي

تبني منهجية التاريخ التسلسلي بيانات متجانسةً ذات طابع إحصائي، تمتد لفترة زمنية منتظمة؛ قد تكون طويلة أو قصيرة. ويؤدي العنصر الكمّي دورًا ضمن التاريخ التسلسلي، وتصبح الأرقام الأداة الأساسية لفهم التطور التاريخي، سواء في مجال الزمن الطويل أو القصير، وفقًا للتقلبات والتحولات الظرفية12. أما في الطريقة التقليدية، فقد استُخدِمت المعطيات الرقمية بطريقة معزولة وفردية. تجعل منهجية التاريخ التسلسلي من التاريخ مادةً مفيدةً، لا ينحصر اهتمامها في الحدث الفردي، بقدر الاهتمام بالعناصر المتكررة القادرة على الاندماج ضمن سلسلة متجانسة. وقد تتوافق مثل هذه السلاسل مع سلاسل أُخرى تُستَخدم حاليًا في العلوم الإنسانية13. ولا يهتم هذا النوع من التاريخ بأي حدث فردي أو شخصية سياسية أو اقتصادية. وتتضمن هذه المعطيات تكرارًا للحقائق الأولية والبيانات الرقمية. ويمكن ألا تحتوي سلسلة المعطيات بيانات رقمية محددة، لكن يمكن التعامل معها بطريقة تسلسلية، عبر تعداد المعطيات ومعالجتها إحصائيًا. وتسمح لنا هذه المنهجية بالتحقق من المواقف التاريخية المعروفة، والبيانات المدرجة في الوثائق14. يمكن اعتبار هذه البيانات المتكررة في الوثائق دليلًا على نوع الحياة والعلاقات الاجتماعية ومستواها، خاصة في مجتمع له طرائقه ووسائل عيشه الخاصة، والعقليات والثقافات المرتبطة بكل مرحلة وبكل منطقة. وتسمح هذه المنهجية بالمزيد من الصدقية والدقة؛ لأنها تستوعب كًّمًا من المعلومات المتجانسة، المستقاة من الوثائق أو السجلات، على نحوٍ تتعدد فيه الإثباتات18.

ثانيًا: مفهوم التاريخ الكمي

إن استعمال الوثائق، على نحوٍ متكرر وإجمالي، من شأنه أن يزيد من مجالات الموضوعية في الحديث عن الأحداث التي نسعى لتحليلها والنتائج التي نريد إظهارها. ويمكن أن يؤدي استخدام الوثائق على نحوٍ إفرادي إلى نتائج متناقضة ومتضاربة؛ لذا كثيرًا ما يعود المؤرخون الجدد إلى وثائق الأوقاف، ويعتبر بعضهم أن توسّع الأوقاف كمًّيًا ومؤسساتيًا كان مجحفًا في حق الفلاحين

  1. Huguette Chaunu & Pierre Chaunu, Séville et l'Atlantique, 1504–1650: Structures et conjoncture de l'Atlantique espagnol et hispano‑américain , 3 vols. (Paris: École pratique des hautes études 'EHESS', 1995).
  2. Jacques Le Goff (ed.), La nouvelle histoire (Paris: Retz, 1978), p. 508.
  3. Pierre Chaunu, Histoire quantitative, histoire sérielle (Paris: SEDES, 1978), p. 121.
  4. François Furet & Pierre Nora (eds.), "Le quantitatif en histoire," in: Faire de l'histoire: Nouveaux problèmes, nouvelles approches, nouveaux objets: Nouveaux problems , vol. 1 (Paris: Gallimard, 1974), p. 49.
  5. Chaunu, p. 22.

الذين باعوا أراضيهم وأصبحوا شركاء المؤسسات الوقفية، بينما يعتبر مؤرخون آخرون أن الأوقاف، من حيث هي مؤسسة، كانت عادلة ومنصفة للفلاحين الذين تعلموا القراءة والكتابة، وتمكنوا من مواجهة تحديات عصر الحداثة. وتتناسب هذه المنهجية مع أنواع المحفوظات المكتشفة حديثًا في الأبرشيات والأديرة19 والمحاكم الشرعية. وفي العقود الخمسة الأخيرة، جرى الاستفادة من أنواع جديدة من الوثائق غير الرسمية، التي تعود إلى الأبرشيات والمحاكم الشرعية في المدن، وأخرى تعود إلى الأديرة في الأرياف والقرى. وتحتفظ الأديرة والأبرشيات والكنائس بنوع معيّن من الوثائق والسجلات التي تعتبر أساسية لدراسة التاريخ الديموغرافي. ونستخلص من دفاتر العماد والوفيات والزواج نسب التوالد، وعدد السكان، وتناقص الوفيات أو تكاثرها عبر المراحل والفترات التاريخية. وتبرز هذه الوثائق لنا أرقامًا وإحصاءات حول السكان والضرائب والإنتاج، يمكن أن نحللها استنادًا إلى المنهجية التسلسلية الكمية22. وقد وجدنا في هذه المحفوظات الأصول الرقمية التي إذا عالجها المؤرخون، فإنها تقدّم لهم الأجوبة المرتبطة مباشرةً بإشكالياتهم. فسجلات المحاسبة، وإحصاءات الأوقاف، ولوائح الضرائب والمساحة، تحمل معلومات وأرقامًا، إذا ما جرت معالجتها بالطريقة التسلسلية الصحيحة، تنير جوانبَ لا تزال مجهولةً في تاريخنا. أما الحواشي في المخطوطات الدينية وحجج تأسيس الأوقاف وعقود الزواج وعقود الخطبة والدعاوى والوصايا، فليست ذات طابع رقمي، إلا أن استعمالها بطريقة تسلسلية يفتح المجال للتعمق في الإطار السياسي والديني والأطر الإنسانية المختلفة، من أجل فهم التقاليد والعادات والطقوس الاجتماعية والذهنيات mentalités Les. إن مراجعة عقود الخطبة، التي لا تحتوي على معطيات رقمية، ودراسة لوائح هدايا "العربون"26 التي يقدمها الشاب للفتاة التي ينوي الزواج منها تفصح عن تحوّل العادات المحلية وتبني الهدايا الغربية، ف "الدبوس"32 استبدل ب "البروش"، والذخيرة [أو الوسام]33 استبدلت ب "المدليون". ثمّ إن دراسة حجج الشراء والوقف على الرغم من أنها لا تحتوي سوى على سعر الأرض، تدلّنا على توسع الأوقاف وازدهارها خلال القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر34. وهذا التاريخ التسلسلي، الذي يسمح لنا بدراسة التاريخ بدقة، يؤهلنا لفهم الحاضر الذي نعيشه. وهذه القراءة الدقيقة لحاضرنا تؤدي إلى الاستعداد الأفضل للمستقبل. وتسعى هذه المنهجية إلى تفضيل الجماعي على الفردي، والعام على الخاص. ولا يهتم هذا النوع من التاريخ بالحروب والمعارك والأحلاف، كما لا يبحث في قصص الملوك وحاشيتهم، بل هو تاريخ الجماعات المغيبة وطرائق عيشها وعملها وعلاقاتها ببعضها. إنه تاريخ الحياة اليومية وليس ما هو استثنائي في الحياة. ويسعى هذا التاريخ لإعادة بناء أجواء الأيام السابقة من الداخل، لكشف تحّولّات المجتمعات الإنسانية، عبر تغيير العادات الشعبية وتحوّل الملابس والغذاء. وتستخدم منهجية التاريخ الجديد إشكاليات معتمدة في بقية العلوم الإنسانية. قد دخل هذا النوع من التاريخ في حياة الإنسان ضمن المجتمع؛ إذ خرج من الخاص إلى العام، ومن الاستثنائي إلى ما له معنى عادي. ولم يتوقف التاريخ عن توسّع نطاقه؛ فيمكن أن يدمج في العلوم الاجتماعية والاقتصاد وعلم النفس والجغرافيا... إلخ، في حركة عابرة ومازجة للاختصاصات.

  1. Fernand Braudel, "Pour une histoire sérielle: Séville et l'Atlantique 1504-1650 note critique," Annales , vol. 18 (1963), pp. 541-550.
  2. Magda Nammour, "Evolution de la pratique des fiançailles chez les Grecs-Orthodoxes de Beyrouth à la fin du XIX ème siècle," Mémoire de maîtrise, Université Saint Joseph, Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Beyrouth, 1989.
  3. 16   "الدبوس" هو قطعة معدنية صغيرة تُثبت عادةً على اللباس، وتُستخدم في بعض المناطق اللبنانية للتعبير عن علامة مشاركة أو تضامن. ويُستخدم الدبوس المزين بالورد أو الحرير الأبيض في الخطوبة أو الأعراس لتثبيته على ملابس المدعوين علامةَ ترحيب. وفي بعض القرى، يُعتبر تثبيت الدبوس على ثوب الضيف دليلًا على قبوله ومحبته من أصحاب الدعوة.
  4. 17   الذخيرة قطعة من الذهب تعلق بسلسال بالرقبة، وهي عبارة عن علبة صغيرة توضع فيها ذخائر القديسين (عود صغير من الصليب أو خيط من زنار العذراء).

فإذا عملنا على موضوع توزّع الملكية في ضاحية بيروت أو في سهل البقاع في عام 2024، أو مشكلات تسويق التفاح في جبل لبنان، نكون بصدد البحث في مواضيع اجتماعية - اقتصادية. أما إذا عالجنا مثل هذه المواضيع منذ بضعة قرون، فإننا نكون بصدد البحث في مجال التاريخ الكمي التسلسلي. فهذا النوع من التاريخ يعطي العلومَ الإنسانية العمقَ اللازم في الزمن الذي يشكّل الإثبات الذي لا يمكن تأمينه للنتائج التي تتوصل إليها هذه العلوم. وتفترض هذه المنهجية تخطيًا للمعطيات التاريخية على مستويَي الزمان والمكان، فيصبح التاريخ في توسع مستمر يشمل عدة مجالات، إلى أن يمسك بتحليل نطاق التاريخ العالمي39. إن الثورة التي أحدثتها هذه التحولات في المنهجية غيرت مفهوم الزمن temps du notion La؛ فحولت الدراسات التاريخية اهتمامها عن مأساوية الحدث من أجل تحديد الإشكاليات والتعبير عنها، خصوصًا إذا ما كانت تندرج في الزمن الطويل. وبهذا، أصبح تاريخ التطور البطيء للحضارة المادية مندرجًا في نطاق تاريخ الإنسانية. أما بالنسبة إلى تاريخ المؤسسات الرهبانية، فتظهر المدة الزمنية بطريقتَين متناقضتَين: أولًا، المدى الطويل للاقتصاد الريفي التقليدي ولثقافة الفلاحين الشعبية المقيدة بالإنتاج والعادات الموروثة؛ ثانيًا، المدى القصير لمجال ثقافات النخبة، التي هي مصدر الابتكار والتحدي. في هذه الفترة التي كانت فيها الثقافات مرتبطة بالتراث وبالحياة الدينية، كانت الأديرة مراكز فكريةً، فقد أدى النتاج الكتابي الثقافي والديني دورًا كبيرًا في نهضة العالم العربي الأدبية. فالأديرة كانت أول مجال جرى فيه اعتماد الترجمات الفلسفية والتاريخية. وكان رجال الدين هم أول من عمل في مجال الترجمات؛ فمطران حلب، جرمانوس فرحات41، كان من أول من كتب وألّف في مجال اللغة العربية وقواعدها، والبطريرك الأنطاكي، أثناسيوس دباس42، ترجم عن اليونانية كتاب الفصاحة والمنطق. وأصبحت مادة المنطق تدرّس لطلاب اللاهوت في المدارس. وقد كتب العديد من الرهبان الحوليات التاريخية، كروفائيل كرامة، وحنانيا المنير، وعبد الله ابن طراد. ونرى نقولا الصائغ43 يعمل في مجال كتابة الشعر لمديح الأمراء. وقد جعلت هذه الحركة الثقافية البطريرك، دباس، يستقدم أول مطبعة عربية من رومانيا إلى حلب، وجعلت الشماس عبد الله الزاخر، الذي عمل في مطبعة حلب، يبتكر الأحرف العربية ويصمم أول مطبعة في دير مار يوحنا الشوير44. وهذا ما جعل الكثير من المؤرخين، مثل ألبرت حوراني، يعتبرون أن النهضة العربية بدأت في الشرق في القرن الثامن عشر، وليس خلال التاسع عشر؛ إذ توسعت وازدهرت مع حكم محمد علي في مصر46. ارتبط كل ذلك ارتباطًا وثيقًا بالتطور البطيء للاقتصاد الزراعي على المدى الطويل. وتبعدنا هذه المنهجية وهذا النوع من التاريخ عن التاريخ التقليدي للبنان، الذي غالبًا ما اقتصر على أخبار أعمال الأمير فخر الدين المعني الثاني والأمير بشير الثاني الشهابي،

  1. Chaunu, p. 129.
  2. نقولا الصائغ، هو شاعر وكاتب لبناني من القرن التاسع عشر، معروف بكتاباته في مدح الأمراء ورجال الدين، وله دور في الحياة الثقافية والأدبية في جبل لبنان. عمل في مجال الشعر والكتابة، وقد ساهم في دعم الحركة الثقافية التي رافقت النهضة العربية في الشرق الأوسط. 23   تُعدّ من أقدم المطابع العربية في الشرق، ولها دور ريادي في النهضة الثقافية العربية، خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أ سِست عام 1733. 24   ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1798 - 1939 (بيروت: دار نوفل، 2019)، ص 5.

وحروبهما. تقع هذه النزعة التاريخية ضمن إطار تاريخ متسلسل مرتبط بعلوم إنسانية أ خرى، وتهدف هذه المنهجية إلى أن تكون جزءًاُ فعليًا من دراسة أوسع حول شروط تطوير الأوقاف. وتثير هذه الشروط مشكلة تجديد منشآت المناطق التقليدية المحلية، من أجل إشراكها أكثر في التنمية الاقتصادية والثقافية للبلاد. إن قراءات البيانات المختلفة الموجودة في الوثائق الوقفية توحي بتفسيرات مختلفة، لا بل متناقضة فعلًا. فتعديلات الديون والإعفاءات الضريبية والمساهمات الغذائية، المدرجة في حسابات المزارعين، تشير إلى أن أديرة جبل لبنان أدت دورًا إنسانيًا رئيسًا. كما يُظهِر إلغاء عقود المزارعين واستيلاء الوقف على أراضي الفلاحين في الجبل، أن الإكليروس كان جزءًا من طبقة مالكي الأراضي (الأرستقراطيين). ووفقًا لهذا التفسير، فإنهم احتكروا الأرض إلى جانب الوجهاء الإقطاعيين مصدرًا رئيسًا للإنتاج. إنهم، جنبًا إلى جنب مع برجوازيي المدن، كانوا مُرابحين يرهقون كاهل الفلاحين المَدينين بفوائد مرتفعة.

ثالثًا: التسلسلي والكمي من خلال دراسة الأوقاف والأراضي

تُظهر دراسة إيرادات الأديرة ومصاريفها أن الوضع لم يكن واضحًا تمامًا. فسياسات الأديرة فيما يتعلق بالأراضي، سواء كانت محافِظَةً أو توسعيةً، تعاملت مع كل حالة على حدة؛ إذ لم تُتح حالها الاقتصادية والوضع العام في البلاد لها التأثير إلا ضمن الإمكانات المتوافرة. ولم يكن تأسيس الأوقاف أمرًا واضحًا، فالسكان الحاليون للقرى المحيطة بالمؤسسات الدينية غالبًا ما يشعرون بسلطة أخلاقية معينة تجاه الأراضي التابعة لتلك المؤسسات، مُدعين أن أجدادهم قد منحوا تلك الأراضي للكنيسة عن طريق تحويلها إلى أوقاف. مع ذلك، بعد العودة إلى الأرشيف، خصوصًا صكوك الشراء والوقف التي تحتفظ بها مختلف الأديرة، تحوّل الرهبان إلى أرستقراطية عقارية تستثمر في المضاربة في ربوع الأرض. إن الدراسة التسلسلية والكمية لحسابات الأديرة، من ضمنها سلسلة عائدات تقاسم المحاصيل ونفقاتها وسلسلة صكوك الملكية، تدفعنا إلى اعتماد موقف أكثر نسبيةً وحكم أقل صرامةً. فكثيرًا ما اتخذت الأديرة مبادرات وتدابير مختلفةً، تحت ضغط أزمات استثنائية أو أوضاع سياسية. ينبغي أن تسمح لنا دراسة الوثائق في مجملها، بطريقة متسلسلة، بأن نكون موضوعيينَ أكثر في ما يتعلق بمشكلات تاريخ الاقتصاد الوقفي. نرى من خلال دراسة بيانات دفتر حسابات الشركاء في دير مار يوحنا، أنه كلما كانت الدولة العثمانية وجباة الضرائب من المشايخ الملتزمين يزيدون من قيمة الضرائب، كان الدير يسقط حينًا ويخفف حينًا من متطلبات الفلاحين والمدفوعات الواجبة عليهم. وخلال القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، انتقلت ملكية الأراضي من عائلات "المقاطعجيين"48 إلى أوقاف الأديار؛ وبذلك تحولت عقود الشراكة من المغارسة التي تسمح بامتلاك قسم من الأرض في نهاية العقد إلى عقود مساقاة، حيث تُقسم المحاصيل والإنتاج عملًا بالشرع الإسلامي الذي يمنع اقتسام أراضي الأوقاف. فنتج من ذلك مطالبة الفلاحين الأديار بحصتهم من الأراضي، وهذا ما يدل على أنهم كانوا يجهلون قوانين الأراضي والأوضاع التي تحكم مصدر أرزاقهم49.

  1. 52   المقاطعجيون هم فئة من الإقطاعيين المحليين في الدولة العثمانية، كانوا يتولون إدارة جباية الضرائب في منطقة معينة تُعرف ب "المقاطعة"، بموجب نظام يُسمى "نظام الالتزام". وقد انتشر هذا النظام خصوصًا في بلاد الشام، ومنها جبل لبنان، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكانت "المقاطعة" وحدة مالية أو إدارية تُمنح للمقاطعجي مقابل دفع مبلغ مقطوع سنويًا للخزينة العثمانية. وكان للمقاطعجي سلطة واسعة تشمل جباية الضرائب من السكان، وإدارة الشؤون المحلية أحيانًا، واحتكار بعض الموارد الاقتصادية في المقاطعة. وغالبًا ما كان المقاطعجي من العائلات الكبيرة أو الزعامات الإقطاعية المحلية، فكوّن ثروة ونفوذًا عززا مكانته.
  2. Souad Abou el-Rousse Slim, Le métayage et l'impôt au Mont-Liban aux XVIIIe et XIXe siècles (Beyrouth: Dar el- mashreq, 1993), p. 75. 27   آل أبي اللمع هي واحدة من أبرز العائلات الإقطاعية المارونية في جبل لبنان، وكان لها نفوذ سياسي واجتماعي كبير، خاصة في منطقة المتن خلال العهد العثماني، من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر. تعود أصول العائلة إلى بلدة ريفون في قضاء كسروان، ثم استقرت في بيت مري وبعبدات وامتلكت أراضي واسعة في المتن الشمالي. وكان أصحابها من كبار المقاطعجيين في منطقة المتن، وتولوا مهمات جمع الضرائب (الالتزام) لصالح الدولة العثمانية، مع احتفاظهم بجزء من الإيرادات. كانت لهم علاقات وثيقة بالأمراء الشهابيين، وخاصة الأمير بشير الشهابي، وشغل بعضهم مناصب قضائية أو إدارية. امتلكوا أراضي واسعة، وباعوا أجزاءً كبيرة منها في القرن التاسع عشر، خاصة بعد ضعف النظام الإقطاعي وتحوّل العلاقات الزراعية.

وفي عام 1823، تقدم الفلاحون بدعوى ضد الدير طالبين جزءًا من الأرض التي كانوا يعملون فيها. ولعلّهم اعتادوا ذلك في عقود الشراكة مع الأمراء من آل أبي اللمع50 التي كانت عقود مغارسة، وكانت هذه الأراضي على الأرجح أميرية، إلا أن الأوضاع تغيرت، حينما أصبحت هذه الأراضي ضمن أوقاف الدير. وتحولت العقود إلى عقود مساقاة وتحولت الأراضي إلى أوقاف. والقانون في الشرع الإسلامي لا يسمح بتقسيم أراضي الأوقاف، وعقد المساقاة لا يفترض تقسيم الأرض، بل هو يتعلق بقسمة الإنتاج فحسب. وقد حكم في هذه القضية قضاة من محكمة صيدا الإسلامية ومن محكمة بيروت. ففي هذه المحاكم، يكون الحكم الصادر دائمًا لمصلحة الوقف61. كذلك كان الأمر في معاملات القسمة أو المبادلة، فأراضي الأوقاف التي لا تُباع ولا تُرهن يمكن أن تخضع للتبادل. أراد دير البلمند استبدال أرض في طرابلس بأرض في أميون الكورة. وبعد تخمين الإيرادات وقيمة الأراضي اتضح أن أرض أميون هي أعلى قيمة، فقرر القاضي في محكمة طرابلس أنها ستكون من حصة الدير ووافق على معاملة الاستبدال71. سبق الأحداث الطائفية في جبل لبنان، بين عامَي 1841 و 1860، تراجع أحوال العائلات المقاطعجية التي باعت أراضيها إلى الفلاحين جماعيًا. فعقود البيع في سجلات المحاكم الشرعية تتوزع على بضعة أسطر من السجل. أما تلك التي تتعلق ببيع آل جنبلاط82 لأراضيهم في إقليم التفاح إلى أهالي جزين وفي إقليم الخروب إلى أهالي شحيم، فتأخذ صفحة كاملة من سجلات محكمة صيدا. فربما شعر هؤلاء الفلاحون، الذين أصبحوا يملكون أراضيهم، بأنهم في غنى عن دفع الضرائب إلى الملتزمين القدامى92. كانت الدولة العثمانية، في مجال دراسة الأوقاف ونظام الأراضي، دولة إسلامية أرست المحاكم بحسب الشرع الإسلامي في الدولة التي حكمتها خلال 400 عام، لكنها خالفت قوانين الشرع الإسلامي في الخطوات الثلاث التي اتخذتها في مجال الوقف؛ فهذه القوانين التي أصدرتها الدولة العثمانية كانت منافية للشرع الإسلامي، وتمثلت الخطوة الأولى في أن الدولة حينما كانت في أوج قوتها تحتل الأراضي وتصطدم بكثرة الأوقاف، صادرت تلك الأوقاف لدى المسيحيين (كجبل آثوس) ولدى المسلمين (أوقاف جوامع القاهرة). فتصدى لهذا القرار العديد من القضاة والأئمة المسلمين الذين اعتبروا أن الشرع يحمي الأوقاف، حتى تلك التي لا تملك إثباتات مكتوبة. فيكفي أن لا يتذكر أحد أن الأرض لم تكن موقوفة. وتمثلت الخطوة الثانية في مبادرة السلاطين بوهب أقاربهم من النساء، أو أولادهم الذين لا يرثون العرش، أراضي من القطاع العام؛ أي من الأراضي الأميرية. وقد تبع بقية الحكام والمقاطعجيين ما فعله السلاطين، وخصّوا الأوقاف بأراضٍ أميرية، أصبحت تعرف بأنها أوقاف باطلة، ثم تمت تسوية أوضاعها مع الوقت. ذلك أن الشرع الإسلامي لا يسمح بوقف أراضٍ، إلا من تلك المصنفة ملكًا، ولا يستطيع الفرد أن يعطي أو يقف ما لا يملكه.

  1. آل جنبلاط هي واحدة من أعرق العائلات الدرزية في جبل لبنان، التي أدّت دورًا سياسيًا محوريًا من العهد العثماني إلى العصر الحديث. ارتبط اسم هذه العائلة تاريخيًا بمنطقة الشوف، وتحديدًا ببلدة المختارة التي لا تزال مقرها الرئيس حتى اليوم. وتعد من أهم المقاطعجيين في منطقة الشوف؛ ما منحها سلطة واسعة في جباية الضرائب والسيطرة على الأراضي. وقد تزعّمت الزعامة الدرزية في وجه منافسيها التقليديين آل أرسلان. وشاركت في الفتن الطائفية التي اندلعت في جبل لبنان خلال القرن التاسع عشر، خاصة أحداث عامَي 1840 و 1860، وكانت طرفًا أساسيًا في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من تقلص ثرواتها العقارية، فقد حافظت على نفوذها السياسي والاجتماعي، من خلال الحضور القوي في الدولة والبرلمان.
  2. 31   سجلات محكمة صيدا الشرعية.
  3. Souad Slim, The Greek Orthodox Waqf in Lebanon During the Ottoman Period (Beirut: Orient Institute, 2007), p. 61.
  4. 28   محفوظات دير مار يوحنا الشوير في المتن، دفتر الحجج لأراضي الدير.
  5. 29   محفوظات دير سيدة البلمند دفتر الحجج لأراضي الدير.

وقد جعلت هذه الخطوة حكام لبنان يهبون الأراضي الأميرية للأديرة؛ فتصبح منتجة وتدفع المزيد من الضرائب. أما بالنسبة إلى الخطوة الثالثة؛ فحتى القرن التاسع عشر كانت السلطات الدينية هي المسؤولة عن الأوقاف، فالذي يهب الأرض يصبح متوليًا على الوقف. فالدولة العثمانية، سعيًا منها للحصول على المزيد من الإيرادات الضرائبية، عينت متولين على الأوقاف من خارج الفئات الدينية من العلمانيين المتعلمين الذين يجيدون القراءة والكتابة، ويستطيعون تقديم الحسابات للدولة. وكان لهذه الإصلاحات تأثيرات متفاوتة على الصعيد الطائفي، ففي الوقت التي كانت هذه الخطوة ناجحة لدى المسيحيين ومنعشة لأوقافهم، كانت النتيجة غير مرضية لدى المسلمين؛ حيث تراجعت أوقافهم ولم تعد تُرَمَّم وأضفت طابعًا سيئًا على مشهد المدن، ذلك أن الأوقاف كانت تشغل جزءًا كبيرًا من أحياء المدن. والسبب في هذا الفرق هو أن المتولين العلمانيين لدى المسيحيين كانوا من الأعيان الأغنياء الذين عملوا على إنعاش الأوقاف، بينما كان المتولون الذين عينوا لدى المسلمين من المتعلمين البسطاء الذين استفادوا من استثمار الأوقاف.

رابعًا: التسلسلي والكمي من خلال التاريخ الديموغرافي

حققت دراسات التاريخ الديموغرافي تقدمًا ملحوظًا في تاريخ لبنان؛ فمعظم الدراسات الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية أصبحت تعتمد الديموغرافيا في بداية الحديث عن مواضيعها، في أغلب التحليلات ومختلف التأويلات. وظلّت الديموغرافيا والتعدادات السكانية من الأمور المحظورة والحساسة؛ لأسباب طائفية أو مذهبية. فالخصوم في مجال السياسة يهددون بعضهم بعضًا بالتعداد السكاني، كلما شبّ بينهم الخلاف. ولم يمنع هذا الأمر من ازدهار الدراسات في مجال التاريخ الديموغرافي. فالدراسات التي باشر بها دومينيك شوفاليه أظهرت أن المناطق الوسطى، التي تشمل أكبر نسبة من السكان، والتي يوجد فيها أقل نسبة من الأراضي الصالحة للزراعة، هي التي انطلقت فيها الثورات الملقبة بانتفاضات العوام، كما الثورات الفلاحية التي سرعان ما تحولت إلى صراعات طائفية. ونذكر من جيل المؤرخين المجددين إيلي إلياس، والأب متري جرداق، والأستاذة مي دايﭭي. فقد أبرزت دراسات إلياس أن إحصاءات السالنامة العثمانية لولاية بيروت هي الأكثر دقة مقارنةً بنتائج وفّرتها مصادر ومراجع أخرى. ومع أن مصدر هذه الإحصاءات كانت إدارة الدولة العثمانية، إلا أنها حصرت اهتمامها بالجباية الضرائبية، وليس لرسم أي سياسة اقتصادية أو سياسية أخرى. فقلما استفادت الدولة العثمانية من هذه الإحصاءات التي نالت أقصى الاهتمام من الدول الأوروبية التي اعتمدتها لتحديد مصالحها وتوجيهها.

  1. Ibid., p. 63.
  2. Ibid., p. 66.

وعمل جرداق أيضًا على مدينة بيروت وجبل لبنان، خلال مرحلة المطران غفرائيل شاتيلا، ورأى أن الأرثوذكس شكلوا الأكثرية في مدينة بيروت، وكانوا منتشرين في كل أنحاء متصرفية جبل لبنان، وحلوا في المرتبة الثانية بعد الموارنة. وأثبتت دايﭭي، في دراستها عن ديموغرافيا الأرثوذكس في مدينة بيروت، أن ارتفاع عدد السكان الملحوظ في مدينة بيروت ناتج من الموجات السكانية المهاجرة إلى بيروت، أكثر مما هو ناتج من حركة التوالد الطبيعي. وعمل عصام خليفة على المحفوظات العثمانية لرئاسة الوزراء في إسطنبول، وأظهر عبر دراساته عن الضرائب ارتباطها بالإحصاءات التي أجرتها الدولة العثمانية التي لم تكتفِ بتعداد السكان فقط، بل اهتمت أيضًا بالإنتاج والقطعان وحتى النحل. ودرس التاريخ الديموغرافي لمعظم القرى والمدن اللبنانية، مع ما كانت تدفعه من ضرائب أميرية وجزية عوارض سلطانية تثقل كاهل السكان. وهذه الضرائب، التي اقتصرت في بداية العهد العثماني على الميري (الضريبة على الإنتاج) والجزية (ضريبة شخصية يدفعها المسيحيون)، ازدادت مع تراجع الدولة العثمانية، وأصبحت تشمل البلص والطرح والعوارض السلطانية. وفي عهد الاحتلال المصري، أُضيفَت ضريبة شخصية هي ضريبة الفردة. سمحت دراسة الضرائب للعالمَين في مجال الديموغرافيا فيليب فارغ وبيير كورباج بالعودة إلى عهود قديمة للتعرف إلى عدد السكان في هذه المراحل القديمة. ففي كتابهما المسيحيون واليهود في العالمين العربي والتركي، تمكنا من خلال دراسة قيمة الضرائب من معرفة عدد السكان. وطُرحت معهما نظرية جديدة، فيما يتعلق بالعلاقات المسيحية - الإسلامية في بلادنا وفي المنطقة عامة. فاعتمادًا على دراسة أنطوان فتال للأوضاع القانونية، وكذلك اعتمادًا على دراسة أدمون رباط للحياة الاقتصادية والاجتماعية، نرى أن هذا الكتاب يعتبر أن نسبة التوالد عند الشعوب بقدر ما تكون مرتفعة، تكون أوضاعها مرفهة وجيدة. وأن انخفاض نسبة التوالد الطبيعي لدى السكان هو دليل على تراجع أوضاعهم وسوء معاملتهم. ويتابع هذا الكتاب أوضاع المسيحيين واليهود منذ الفتح العربي، ويؤكد أن عدد المسلمين في الشرق خلال القرن الأول من الفتح الإسلامي لم يتعّد 7 في المئة من نسبة السكان، وأن عدد المسيحيين في بلاد الشام ظلّ مستقرًا حتى فترة الحرب الصليبية (المدعوة لدى العرب حروب الفرنجة)؛ فقد بدأت أعدادهم تتضاءل حتى مرحلة حكم المماليك؛ إذ انخفضت نسبة المسيحيين إلى أن أصبحت 10 في المئة فقط من سكان الشرق. إلا أن التاريخ ليس بجامد، وهو يتحول باستمرار. وكثيرًا ما تحدّث المؤرخون عن وضع السكان المسيحيين المزدهر في بلاد الشام، حتى إنهم شغلوا مناصب مرموقة لدى الولاة العثمانيين ولدى القناصل الأجانب؛ إذ يؤكد المؤرخ عبد الغني عماد أنه كان في المدن الساحلية لبلاد الشام ما لا يقل عن 63 مسيحيًا موظفًا لدى الحكام العثمانيين يشغلون مناصب؛ منها: ترجمان، وكاتب، وأمين سر،

  1. 4   عصام كمال خليفة، أبحاث في تاريخ لبنان المعاصر (بيروت: دار الجيل، 1985.)
  2. May Davie, "Histoire démographique des Grecs orthodoxes de Beyrouth (1870–1939)," Mémoire de maîtrise, Université Saint Joseph, Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Beyrouth, 1987.
  3. Philippe Fargues & Youssef Courbage, Chrétiens et Juifs dans l'Islam Arabe et Turc (Paris: Payot, 1997), p. 30.
  4. Antoine Fattal, Le statut légal des non-musulmans en terre d'Islam (Beyrouth: Imprimerie catholique, 1958).
  5. Edmond Rabbat, La conquête arabe sous les premiers Califes (11/ 632-40 /661): Les Chrétiens dans L'Islam des Premiers Temps (Beyrouth: Publication de l'Université Libanaise, 1985).
  6. Fargues & Courbage, p. 160.

وأمين صندوق، وغيرها من الوظائف التي تساوي رتبة وزير في أيامنا هذه. وعلى الصعيد الديموغرافي، يؤكد لنا فارغ وكورباج أن عدد المسيحيين في أواخر العهد العثماني بلغ 26 في المئة من العدد الإجمالي السكان. هنالك مجال آخر مغيّب كلًّيًا عن تاريخ لبنان ألا وهو دور السيدات. ولا نعرف سوى الست نسب والدة الأمير فخر الدين والست نظيرة جنبلاط. وقد جمعت املي نصر الله ضمن ستة أجزاء سير 35 سيدة شرقية من ضمن 100 سيدة في العالم عملن في مجلات الأدب والفن والعلوم. وقد أجرت السيدة ناديا الجردي نويهض 50 مقابلة في كتابها نساء من بلادي، مع سيدات كان لهن دور في الحياة الاجتماعية. تشير دراسة حياة النساء في لبنان إلى تطور العقليات والعادات والتقاليد فيه؛ فقد كان دور المرأة في الزراعة والصناعة أساسيًا في عملية إنتاج الحرير. ففي الزراعة، كانت المرأة هي المسؤولة عن قطف أوراق التوت وإطعام دود القز وحل الشرانق، بينما كان الرجال يذهبون إلى البساتين لحراثتها وقطاف المواسم والاعتناء بالأشجار. وحينما دخلت المعامل الأجنبية إلى الجبل، كانت أولى العاملات فيها هن من نساء القرى. ومع انتشار المدارس، عملت العديد من النساء في مجال التعليم، فكانت مهنتا التعليم والتمريض من أول المجالات التي عملت فيها المرأة. وفي الشرق، تُعدّ المرأة أكثر من حافظ على عادات أهل البلاد وتقاليدهم. جرى تطبيق التاريخ التسلسلي على وثائق غير رقمية؛ ففي عقود الخطبة، التي درستها ماغدا نمور، كان الأب يمثل ابنته في عقد اتفاقية الخطبة، وكانت هدايا العربون التي يقدمها الخطيب إلى الفتاة هي من الهدايا التقليدية يتقدمها المحارم والمنديل والذخيرة والدبوس والبقجة المطرزة... إلخ. وفي نهاية القرن التاسع عشر، توسعت بيروت وارتبطت بالاقتصاد العالمي ودخلت البضائع الأجنبية إلى سوق الاستهلاك المحلي، وانتشر التعليم وبدأت العادات والتقاليد تتغير؛ فنرى أن الشقيق الأكبر حلّ مكان والده لتمثيل شقيقته بصفته وكيلًا عنها في عقد الخطبة. وأخذت هدايا العربون تتغيّر؛ فحلّ البروش بدلًا من الدبوس، والمدليون بدلًا من الذخيرة، ودخلت هدايا جديدة مثل علبة الخياطة وماكينة الخياطة. وبقيت المحارم والمناديل تتصدر لوائح العربون في كل العقود خلال تلك الفترة. وقد درست الباحثة مها كيال وثائق سجلات المحكمة الشرعية في مدينة طرابلس، وعقود الزواج التي تُسجل فيها كل أغراض الجهاز الذي تأتي به العروس إلى بيت زوجها، من ثياب وأوانٍ بيتية ومفروشات. هذه الأغراض التي تُعرض في الجهاز تُعتبر حصة الفتاة من إرث والدها مع "الدوطة" التي يدفعها الأب إلى صهره قبل الزواج. ولاحظت كيال تحولًا في طريقة اللبس وفي الأغراض المدوّنة في عقد الزواج، وهذا يدلّ على تغيير بطيء في العادات والتقاليد. وكانت العادة في طرابلس أن يُكتب عقد الزواج على قماش مربع من الحرير الأحمر مع توقيع الشهود والسلطات الدينية المشرفة على الإكليل. ومن المعروف أن قانون الإرث المعتمد في الدولة العثمانية كان هو المعتمد في الشرع الإسلامي ويُطبق على المسلمين والمسيحيين؛ أي أن ترث الفتاة نصف حصة الشاب. وقد جدت أورور عضاضة في دراستها وثائق الإرث في بيروت، أن الأرثوذكس

  1. 4   عبد الغني عماد، "تنامي دور الكتاب غير المسلمين وتأثيره في المجتمع المحلي في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر"، في: التعايش والنزاعات في بلاد الشام في العهد العثماني: العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين من خلال الحوليات ومؤلفات الرحالة (بيروت: جامعة القديس يوسف، المعهد الفرنسي للشرق الأدني، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، جامعة البلمند، 2014)، ص 101 - 117.
  2. Fargues & Courbage, p. 160. 47   املي نصر الله، نساء رائدات من الشرق (بيروت: دار الكتب الحديثة، 2001.)
  3. Nammour.
  4. Maha Kayal, "Le système socio-vestimentaire à Tripoli (Liban) entre 1885 et 1985," Thèse de doctorat, Université de Neuchâtel, Neuchâtel, Suisse, 1989.

حصتها من إرث والدها نقدًا في الدوطة، وفي الجهاز.

خاتمة

اليومية؛ ولم ترتبط بشخصيات مرموقة أو بأحداث فردية، بل هي تاريخ كل الناس. كان لهم حرية الاختيار بين تطبيق قوانين الإرث بحسب الشرع الإسلامي أو تطبيق أحكام الكنيسة الأرثوذكسية التي تعطي الفتاة

خلصت هذه الدراسة إلى أن المنهجية التسلسلية الكمية ليست مجرد تقنية بحثية، بل هي فلسفة جديدة لكتابة التاريخ؛ وهو تاريخ لا يقتصر على النخبة والأحداث الكبرى، بل يشمل حياة الناس العاديين وتحولاتهم اليومية. وبذلك، فإن هذه المنهجية تفتح آفاقًا واسعة لفهم أعمق وأشمل للماضي اللبناني؛ وهذا يمكننا من استشراف المستقبل على نحوٍ أفضل. كما أن الدراسات العلمية، التي تعتمد التاريخ التسلسلي الكمي، وتجمع بين التاريخ والعلوم الاجتماعية والإحصاء، أولت عنايتها لمسيرة الناس في حياتهم

  1. Aurore Adada, "L'héritage dans les familles bourgeoises grecque-orthodoxes de Beyrouth (1877–1920)," Mémoire de maîtrise, Université Saint Joseph, Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Beyrouth, 1997.

المراجع

العربية

الأب متري، جرداق. "الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للروم الأرثوذكس في مدينة بيروت ومتصرفية جبل لبنان 1860 – 1920 ". أطروحة دكتوراه. كلية التاريخ الفرع الأول. الجامعة اللبنانية. بيروت. 2007.

التعايش والنزاعات في بلاد الشام في العهد العثماني: العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين من خلال الحوليات ومؤلفات الرحالة. بيروت: جامعة القديس يوسف، المعهد الفرنسي للشرق الأدني، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، جامعة البلمند، 2014.

حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة 1798 - 1939. بيروت: دار نوفل، 2019.

خليفة، عصام كمال. أبحاث في تاريخ لبنان المعاصر. بيروت: دار الجيل، 1985.

رستم، أسد. مصطلح التاريخ. الجيزة: دار تراث للبحوث والدراسات، 2015.

شوفالييه، دومينيك. مجتمع جبل لبنان في الثورة الصناعية في أوروبا. ترجمة منى عبد الله عاقوري. مراجعة أحمد بيضون. بيروت: دار النهار للنشر، 1994.

قصير، سمير. حرب لبنان: من الشقاق الوطني إلى النزاع الإقليمي 1975 – 1982. ترجمة سليم عنتوري. بيروت: دار النهار للنشر، 2007. لبنان بين الدستورين 1876 – 1908. بيروت: الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية، دار سائر المشرق، 2020.

نصر الله، املي. نساء رائدات من الشرق. بيروت: دار الكتب الحديثة، 2001.

الأجنبية

Adada, Aurore. "L'héritage dans les familles bourgeoises grecque-orthodoxes de Beyrouth (1877–1920)." Mémoire

de maîtrise. Université Saint Joseph. Faculté des Lettres et des Sciences Humaines. Beyrouth. 1997.

Braudel, Fernand. "Pour une histoire sérielle: Séville et l'Atlantique 1504–1650 note critique." Annales. vol. 18 (1963).

Chaunu, Huguette & Pierre Chaunu. Séville et l'Atlantique, 1504–1650: Structures et conjoncture de l'Atlantique

espagnol et hispano‑américain. 3 vols. Paris: École pratique des hautes études (EHESS), 1995.

Chaunu, Pierre. Histoire quantitative, histoire sérielle. Paris: SEDES, 1978.

Davie, May. "Histoire démographique des Grecs orthodoxes de Beyrouth (1870–1939)." Mémoire de maîtrise.

Université Saint Joseph. Faculté des Lettres et des Sciences Humaines. Beyrouth. 1987.

Fargues, Philippe & Youssef Courbage. Chrétiens et Juifs dans l'Islam Arabe et Turc. Paris: Payot, 1997.

Fattal, Antoine. Le statut légal des non-musulmans en terre d'Islam. Beyrouth: Imprimerie catholique, 1958.

Gallon, Jacques, François Furet & Jacques Le Goff (eds.). Faire de l'histoire: Nouveaux problèmes, nouvelles

approches, nouveaux objets. vol. 1. Paris: Gallimard, 1974.

Kayal, Maha. "Le système socio-vestimentaire à Tripoli (Liban) entre 1885 et 1985." Thèse de doctorat, Institut

d'Ethnologie. Université de Neuchâtel. Suisse. 1989.

Le Goff, Jacques (ed.). La nouvelle histoire. Paris: Retz, 1978.

Nammour, Magda. "Evolution de la pratique des fiançailles chez les Grecs-Orthodoxes de Beyrouth à la fin du

XIX ème siècle." Mémoire de maîtrise. Université Saint Joseph. Faculté des Lettres et des Sciences Humaines.

Beyrouth. 1989.

Rabbat, Edmond. La conquête arabe sous les premiers Califes (11/632–40/661): Les Chrétiens dans l'Islam des

Premiers Temps. Beyrouth: Publication de l'Université Libanaise, 1985.

Slim, Souad Abou el-Rousse. Le métayage et l'impôt au Mont-Liban aux XVIIIe et XIXe siècles. Beyrouth: Dar

el-Mashreq, 1993.

_______. The Greek Orthodox Waqf in Lebanon During the Ottoman Period. Beirut: Orient Institute, 2007.