Return to Article Details The Historiography of Lebanese Cities

التأريخ للمدن اللبنانية

The Historiography of Lebanese Cities

خالد زيادة

الملخّص

* مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت.

Abstract

khaled.ziade@dohainstitute.org Director of Arab Center for Research & Policy Studies in Beirut.

الكلمات المفتاحية:
  • الاكتشافات الأثرية
  • فينيقيا
  • المماليك
  • بيروت
  • طرابلس
  • صيدا
  • الوثائق الشرعية
Keywords:
  • Tripoli
  • Mamluk Era
  • Beirute
  • Phoenicia
DOI: https://doi.org/10.31430/IJRH8530 الرقم التعريفي:
خالد زيادة | Ziadeh *Khaled
التأريخ للمدن اللبنانية
The Historiography of Lebanese Cities

مقدمة

عرف لبنان وفرة في الكتابات التاريخية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وذلك بعد أن أ علنت متصرفية جبل لبنان عام 1861 كيانًا إدارًّيًا يدير شؤونه مجلس موزع طائفيًا من أبناء المتصرفية ويحكمه متصرف عثماني مسيحي. وقد أنشئت بعد فترة وجيزة ولاية سوريا عام 1864 تمتد من حدود ولاية حلب إلى خليج العقبة، ولهذا ظهرت كتابات تاريخية لإثبات قِدم لبنان وهويته التي ترجع إلى العصر الفينيقي، وذلك في وقت ظهرت فيه كتابات عن تاريخ سوريا ترجع إلى أقدم العصور حتى العصر الحديث. وقد أفادت هذه الكتابات والمؤلفات من الاكتشافات الأثرية وطرائق البحث التاريخي ومنهجيته. وشغلت كتابة تاريخ المدن والعودة إلى ماضيها وآثارها حيّزًا بارزًا؛ ذلك أن الآثار إنما توجد في الحواضر التي توفر المواد التي يلجأ إليها المؤرخ لإثبات حجّته وتأكيدها. من هنا تأتي أهمية العودة إلى تاريخ المدن والبحث في الطرائق التي استطاع من خلالها المؤرخون تأكيد هوية راهنة في خضم الجدل حول الهوية والخصوصية. اعتمدنا في هذه الدراسة على طريقة تقوم على تقسيم التاريخ إلى حقبات، أو بالأحرى التركيز على حقبات كانت محلّ اهتمام المؤرخين، وهي ترجع إلى التاريخ القديم الفينيقي أو الروماني، والتاريخ الوسيط الإسلامي - وخصوصًا المملوكي - والتاريخ الحديث المعاصر. وعلى الرغم من أن العديد من المؤرخين يفترضون تاريخًا متواصلًا يربط ما بين العصور، فإن مؤرخين آخرين اختاروا دراسة حقبة من التاريخ. ولا شك في أن أغلب المدن في لبنان قد عرفت انقطاعًا بين تاريخها القديم والوسيط، وبين تاريخها القديم والحديث. من جهة أخرى، لا بدّ من الإشارة إلى التقدم في استخدام المصادر التاريخية وفق منهجيات تأخذ في الحسبان مسائل الاقتصاد والاجتماع والثقافة. ثمّ إنّ الكشف عن الوثائق القنصلية ووثائق المحاكم الشرعية قد أدّى خدمة كبرى لإعادة النظر في بعض المسلمات، لما توفره من مواد ومعطيات تفصيلية في مجالات شتّى؛ ما أدى إلى استفادة المؤرخين من علوم الاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا.

أوّالًا: أثر المناهج الحديثة

أسهم علم الآثار في أوروبا خلال القرن التاسع عشر في تطور كتابة تاريخ الحضارات والمدن، خصوصًا أن المدن المأهولة التي كانت لا تزال مراكز حيّة أو تلك التي اندثرت، كانت مواقع لمُدن ازدهرت في حقب متعاقبة من التاريخ. وقد عمد علم الآثار الأوروبي إلى التنقيب عن الحقب الفينيقية في لبنان، والآثار البيزنطية والرومانية. وعلى هذا النحو نشأ التقليد الذي يتناول تاريخ مدينة من المدن من أقدم العصور إلى الزمن الراهن، مع ما يعتري ذلك من تفاوت في تناول الحقب المتعاقبة. فبعض المدن التي ازدهرت في الفترات الفرعونية أو الرومانية انحسر حضورها في حقب لاحقة، لتعود وتزدهر في مرحلة من مراحل دول الإسلام في العصر الوسيط أو الفترة الحديثة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. من الكتب المبكرة التي اعتمدت على المصادر التاريخية الأوروبية كتاب تاريخ سوريا0 لجرجي يني، وقد أصدر هذا الكتاب عام 1881 وكان لا يزال شابّا، ومع ذلك فقد أظهر دأبًا ومثابرة في العودة إلى المصادر باللغات الأوروبية، فرنسية كانت أو إنكليزية، وهي مصادر أصبحت متوافرة في مكتبة الجامعة الأميركية. أما سوريا التي يتحدث عنها المؤِّلِف، ويعيد صياغة تاريخها القديم، فهي ولاية سوريا التي صدر فرمانها عام 1864، في إثر إعلان متصرفية جبل لبنان، وكانت تمتد من حدود ولاية حلب حتى خليج العقبة.

ويخصص يني الفصل الأول لجغرافيا سوريا القديمة ومحاصيلها، لينتقل بعد ذلك إلى فينيقيا التي يفرد لها صفحات طوال، باحثًا في أصول الفينيقيين ومستعمراتهم ولغتهم وديانتهم، ثم ينتقل إلى الدول التي سيطرت على سوريا من خارجها؛ من آشوريين وفرس وصولًا إلى حروب الإسكندر، ليصل إلى الفتح الإسلامي. أما سوريا المعاصرة، فكانت رابضة في أوائل القرن التاسع عشر تحت مظالم ولُاتها. وقبل انقضاء النصف الأول من هذا القرن، جاء أوروبيون وأميركيون كثيرون إلى سوريا وانتشروا فيها راغبين في بث المعرفة5. أما النصف الثاني من الكتاب، فيخصصه للحديث عن مدن سوريا؛ منها الإسكندرونة وأنطاكية وعسقلان وغزة. ويقدم تأريخًا مسهبًا لأشهَرها، مثل دمشق وحمص وبيروت وطرابلس، متعقبًا المراحل التاريخية وأبرز خصائصها ومعالمها، وقد أصبح كتاب تاريخ سوريا، مرجعًا للكتب التي ستستند إلى بعض معطياته، خصوصًا أنه كان الأول الذي يؤرخ للمدن وفق المنهجية الحديثة التي ترصد جغرافيتها، وتاريخها القديم، وصولًا إلى الحقبة المعاصرة. في عام 1913، أصدر أحمد عارف الزين كتاب تاريخ صيدا19، ويشتمل هذا الكتاب على تاريخها وسائر شؤونها منذ عمرانها إلى وقتنا الحاضر. وبعد مقدّمة الكتاب التي يذكر فيها أن الذين يكتبون التاريخ من دون عصبية قليلون جًّدًا بين الفريقين، أي الشرقيين والغربيين، يبيّن أنّ تمييز صحيح التاريخ من فاسده أصبح من أشق الأعمال. ولا أظن أنّ المؤرخ يسلم من الغلط وينجو من الشطط مهما بالغ في التمحيص. ويذكر أسماء الكتب التي أخذ عنها؛ منها مقدمة عبد الرحمن بن خلدون، وتاريخ أبي الفدا المختصر فيتاريخ البشر، والكامل في التاريخلعلي بن محمد بن الأثير، وابن القلانسي ذيل تاريخ دمشق، ورحلة محمد بن بطوطة المعروفة ب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. ومن مؤلفات القرن التاسع عشر دائرة المعارفلبطرس البستاني، وتاريخ سوريا الدنيوي والدينيليوسف الدبس، وتاريخ سوريا لجرجي يني وقاموس الكتاب المقدسللدكتور بوست، وكتب مترجمة مثل مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سوريا ولبنان من سنة 1840 إلى سنة 1910، وهو من تعريب فيليب وفريد الخازن، و الإلياذة: هوميروس، وهو من تعريب سليمان البستاني. ومن الكتب الإفرنجية كتاب لسائح فرنسي Gnerin، ومعجم لاروس، وتاريخ الفنون والآثار القديمة بالفرنسية. ويضيف أن الكتب المذكورة هي التي أخذ عنها مباشرة. أما ما نقله من خلال واسطة ما، فهو كثير أيضًا، ويُعلم ممّا يتضمّنه الكتاب. وتكمن أهمية ما ذكرناه في أن أحمد عارف الزين قد توافرت لديه مجموعة من المصادر الكلاسيكية في التراث الأدبي العربي، ومجموعة أخرى من الكتب المترجمة إلى العربية ومصادر فرنسية وإنكليزية. ويفيدنا ذلك من ناحية أننا إزاء أسلوب جديد في الكتابة يعتمد على تمحيص المعطيات أو نقدها، وأننا كذلك إزاء منهج جديد نلمسه في فهرس الكتاب. إلا أن تقسيم الكتاب نفسه يتبّع المنهج الموضوعي فيخصص فصلًا عن سوريا وفصلًا عن فينيقيا، ليصل إلى تاريخ صيدا. وهذا التقسيم من تأثير التأليف الأوروبي؛ إذ إن تأريخ المدن على هذا النحو الذي يبدأ من الحقبات القديمة إلى الحقبات المتوسطة والحديثة والمعاصرة لم يكن معروفًا في الآداب العربية، ثمّ إن الرجوع إلى مصادر منوعة بلغات متعددة هو مظهر من مظاهر الكتابة الحديثة.

قبل سنوات قليلة من إصدار أحمد عارف الزين كتابه، أصدر حكمت شريف يكن كتابًا عنوانه تاريخ طرابلس الشام33. وهو يبدأ بذكر جغرافية المدينة، وينتقل إلى تاريخها منذ العصور القديمة إلى العصر الوثني، ثم ينتقل إلى العصر المسيحي، فالإسلامي، فالصليبي، وصولًا إلى العصر العثماني؛ أي إنه يتبع تحقيبًا تتعاقب فيه الفترات تبعًا للتسلسل الزمني. وعلى غرار أحمد عارف الزين، يضمّن حكمت شريف كتابه نصوصًا وأشعارًا لرحالة زاروا طرابلس. أما مراجعه، فهي مطابقة تقريبًا لمراجع الزين؛ فهو يستند، مثلًا، إلى ابن الأثير وابن خلدون، والدويهي، والدبس، ويني وغيرهم. إن كتابة تاريخ مدينة على نحو يحفظ التسلسل الزمني من الماضي إلى الحاضر وتقسيم التاريخ إلى مراحل هو أسلوب ينتمي إلى الكتابة الحديثةللمدن المأخوذ عن طرائق الكتابة التاريخية الخاصة بالمدن في التأليف الأوروبي.

ثانيًا: التاريخ القديم

خلال تسلّم عزمي بيك ولاية بيروت، طلب إعداد تقرير عن أحوال الولاية40، وأسند هذه المهمة إلى موظفين إداريين، هما رفيق التميمي ومحمد بهجت. ويذكر المؤلفان في التقديم أن عزمي بيك عَرف شدّة الحاجة إلى ملء هذا الفراغ بوضع دليل علمي ومدني يستفيد منه موظفو الحكومة وطبقات الأهلين، وينير مستقبل البلاد العلمي41. وعلى الرغم من ظروف الحرب العالمية الأولى، فقد صدر التقرير في جزأين، ويتناول الجزء الأول القسم الجنوبي من ولاية بيروت، في حين يتناول الجزء الثاني القسم الشمالي منها. وفي التعريف، يُذكر أن الأبحاث تتناول الجغرافيا والتاريخ والأديان والاجتماع والصحة والآثار واللغة والأدبيات والفنون الجميلة والمعارف والزراعة والتجارة. أما الطريقة العلمية في البحث، فقد اعتمدت على أمرَين؛ يتمثّل أحدهما في العودة إلى المصادر العربية والمراجع باللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية، ويتمثّل ثانيهما في المعاينة الميدانية والانتقال من مدينة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى أيضًا، عبر وصف العادات والأحوال المعيشية. ومن الطبيعي أن تتعلق المعطيات بالمدن، وأن يصل عددها إلى 16 معطى في القسم الأول. ومن بينها صيدا وصور والنبطية وصفد وطبريا وعكّا... إلخ. أما في القسم الثاني، فيتناول المؤلفان عند الحديث عن المدينة، جغرافيتها وموقعها وتاريخها وآثارها واقتصادها وأحوالها الروحية والصحية والأدبية. لكن عزمي بيك المهتم بالمدن وتاريخها، والذي أشرف على هدم بيروت القديمة، كلّف الأب لويس شيخو بكتابة تاريخ بيروت45، وهذا ما يذكره المؤلف في توطئة الكتاب. يبدأ الأب شيخو في القسم الأول بالحديث عن موقع بيروت الجغرافي ويشير إلى جيولوجية بيروت، استنادًا إلى مراجع معاصرة. ويتعقب شيخو ممالك الفينيقيين الصغيرة والضيقة المساحة التي عادة ما تتنازع فيما بينها ممّا يعرّضها لأطماع الدول الكبرى من آشوريين وفراعنة. ويتعقب، أيضًا، تاريخ بيروت في عهود الآشوريين واليونان والسلوقيين والرومان، ويخصص فصلًا لمدرسة الفقه الروماني في بيروت التي كانت عامرة في أوائل القرن الثالث، ويرجع إلى مؤلفات لاتينية وغيرها ليتوسع في الحديث عن المدرسة التي يتقاطر إليها الطلاب من كل أرجاء الدولة الرومانية. أما أفول بيروت، فيردّه إلى الزلازل وصولًا إلى زلزال عام 551 م؛ إذ دُكّت أبنية بيروت وأصبحت قاعًا صفصفًا46.

أما تاريخ بيروت بعد الفتح العربي، فيبحث عنه في المصادر العربية، ومنها: فتوح البلدانلأحمد بن يحيى البلاذري، ومسالك الممالكلإبراهيم بن محمد الاصطخري، وصورة الأرضلمحمد بن حوقل، وسفرنامة لناصر خسرو، وغير ذلك من المؤلفات عمومًا. وأما ازدهار بيروت، فيعود إلى مطلع القرن التاسع عشر. ويعتمد في هذه المرحلة على الرحالة الأجانب مثل هنري غيز Guys Henri وهو يقول، في هذا السياق إن تجارة بيروت قد راجت بفضل الأجانب الذين استوطنوها بعد خروج المصريين. ويخصّص حيّزًا واسعًا لأحوال المسيحيين في تلك الفترة، ويتحدّث عن إقامة الإرساليات الكبوشية واللاتينية والعازارية واليسوعية، ويشير إلى ازدهار الآداب. ويذكر دور المرسلين البروتستانت منذ عام 1826، وجهود عالي سميث وفان ديك، والشيخ ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، الذين عرّبوا التوراة. ويذكر المطابع أيضًا. وفي هذا الصدد، يقول إن الكاثوليك احتاجوا إلى مطبعة كبيرة تفي بلوازم دينهم وتهذيب أولادهم. ومن بين المدارس، يذكر مدرسة بطرس البستاني الوطنية 1863، ومدرسة الحكمة 1876، ومدرسة الثلاثة أقمار الأرثوذكسية 1865. أما المسلمون، فقد عززوا مدارسهم. ومن بين مدارسهم يذكر المدرسة الرشدية، والمدرسة العلمية، والمدرسة العثمانية، والكلية الإسلامية (المقاصد). ويذكر، أيضًا، إنشاء زاكي كوهين مدرسة إسرائيلية عام 1857، خلفتها مدرسة الاتحاد الإسرائيلي. ويُنهي الكتاب بذكر المشاريع المدنية مثل جرّ مياه نهر الكلب، وازدهار التجارة، وتأسيس المصارف، وإنشاء مصانع الحرير والمطاحن البخارية. إنّ هذا الكتاب يُعدّ مرجعًا مهًّمًا؛ بالنظر إلى ما يُوليه من عناية لتاريخ بيروت القديم من خلال جمع المعطيات من مصادر أجنبية وعربية، إضافة إلى المعلومات حول بيروت المعاصرة ونشاطها الأدبي والتربوي مع التركيز على البيئة المسيحية وأنشطتها الدينية والتربوية.

ثالثًا: التاريخ الوسيط

تكشف الكتابات المبكرة عن المدن صيدا وطرابلس وبيروت عن أثر المؤلفات التي تُعنى بالتاريخ القديم لبلاد شرق المتوسط، ولا شك في أن جزءًا من هذه المعرفة الخاصة بالتاريخ الفينيقي قد تغذت من الاكتشافات الأثرية. ومن المعروف أنّ أول بعثة رسمية كانت برئاسة المستشرق إرنست رينان بعد أن كلّفه نابليون الثالث بذلك عام 1860. واستمرت بعثته حتى عام 1874، قدّم في إثرها دراسته عن جذور التاريخ الفينيقي. إن توافر المراجع والمصادر حول التاريخ القديم، وكذلك المصادر العربية التي أصبحت متاحة بسبب ما نُشر منها بفضل تحقيق مستشرقين أو دارسين عرب، أدى إلى بروز مَيلٍإلى كتابة تاريخ المدن، وربما يكون هذا الميل ناجمًا عن شعور بأنّ كتابة تاريخ لبنان كان مجالها جبل لبنان، فضلًا عن الإمارتين المعنية والشهابية، ومن بعدهما المتصرفية، مع إهمال مدن أخرى وتاريخها وأدوارها. وفي هذا السياق، لا يمكن أن نفصل الدوافع الشخصية التي تتلخص بتعلّق الكاتب بمدينته التي عاش فيها، وخبر حاضرها وشغف بماضيها. ومن الكتب التي يمكن ذكرها في هذا المجال كتاب سميح وجيه الزين تاريخ طرابلس قديمًاوحديثًا، وكتاب آخر نلمح فيه دوافع الانتماء لعصام شبارو تاريخ بيروت. وفي هذين الكتابين نجد تركيزًا على العصور الإسلامية. ولكن لا يستغرق التاريخ فيه قبل الفتح العربي سوى ثلاثين صفحة، في حين تستغرق العصور الإسلامية القسم الرئيس من الكتاب. ونذكر في هذا السياق كتاب

طه الولي، الذي يركز أيضًا على التاريخ الوسيط الإسلامي. ويمكن أن نعُدّه مقابلًا لكتاب الأب لويس شيخو وكل أولئك الذين امتدحوا التحديث لبيروت على النمط الغربي؛ إذ يقول: "جدير بالذكر أن تحرش هذه الحضارة الغربية بأهل هذه المدينة لم يكن وليد المصادفة البحتة، بل هو في الواقع جاء نتيجة تخطيط مدروس قام به دهاقنة الحضارة المذكورة الذين وجدوا في مدينة بيروت بالذات ما يمكنهم من إقامة رأس جسر لهم يتيح لمن يمتلكه أن يعبر عليه في طريقه إلى الشرق العربي كله، يتيح لمن يمتلكه أن يعبر في طريقه إلى المنطقة كلها [...] ولم يطل الزمن الذي احتاجته الحضارة الغربية حتى أصبحت بيروت أو كادت على صورة الغرب ومثاله في كل شأن من شؤونها تقريبًا". ومن ناحية أخرى، يستدرك طه الولي قائلًا: "بيروت هذه اللؤلؤة التي رافقتها أمواج البحر الأبيض المتوسط منذ إنشائها قبل نحو أربعة آلاف سنة على الساحل الشرقي لهذا البحر، وبرزت رافلة بأبهى حُلل الازدهار ومعالم التمدن والتقدم وأبواب الحياة والعمل فيها مشرعة لكل الذين التمسوا الرفاه والاستقرار والطمأنينة في ربوعها، وما لبثت أن امتدت رقعتها وترامت أرجاؤها وأبعادها حتى غدت أو كادت، بالإضافة إلى كونها عاصمة لبنان، تصبح كذلك عاصمة الانطلاق إلى الأحسن والأفضل في الشرق العربي كله". في ستينيات القرن العشرين حدث تطور في كتابة تاريخ المدن بالتركيز على العصر الوسيط؛ أي منذ الفتح العربي وحتى الحقبة المعاصرة، ويعود ذلك إلى جهد المؤرخ المصري السيد عبد العزيز سالم الذي كان أحد أساتذة جامعة بيروت العربية بُعَيد افتتاحها عام 1960. ففي دراسته تاريخ صيدا في العصر الإسلامي، يبدأ من تاريخها القديم، ويثير ملاحظة قلّما يهتمّ بها الباحثون في تاريخ المدن؛ لأن المدينة الحديثة ليست امتدادًا لصيدا القديمة. وبخصوص تاريخ صيدا القديم، يستعين بعدد قليل من المراجع الأجنبية، ويعتمد على مراجع معاصرة مثل مؤلفات أنيس فريحة، وفيليب حتّي، وأحمد عارف الزين، وأسد رستم. ويعتمد تاريخ صيدا بعد الفتح العربي على المصادر العربية المعروفة، مثل مؤلّفات البلاذري أحمد بن إسحاق اليعقوبي، وشمس الدين المقدسي، ومحمد بن جرير الطبري، وأحمد بن علي المقريزي، ويوسف بن تغري بردي. أما كتابه عن طرابلس، فهو أكثر إسهابًا؛ نظرًا إلى الأدوار التي أدّتها المدينة خلال العصور الإسلامية؛ إذ يقول: "لقد شهدت طرابلس منذ الفتح العربي الأول في خلافة عثمان بن عفان حتى الفتح العثماني في عام 922 م أحداثًا تاريخية عديدة، فكانت من بين مدن الشام التي ارتبطت بمصر الإسلامية في عصر الدولتين الطولونية والإخشيدية، وفي القسم الأول من عصر الدولة الفاطمية. وأخيرًا في عصر دولتَي المماليك البحرية والشراكسة، كما تمتعت بالاستقلال في إمارة بني عمار ما يقرب من نصف قرن من الزمن. وأصبحت أيام الحركة الصليبية مركزًا لكونتية طرابلس ما يزيد على 180 عامًا، ويسهب في دراسة تاريخ المدينة في عصر المماليك". قسم السيد سالم كتابه إلى قسمين؛ الأول لتاريخ طرابلس في العصور الإسلامية، والثاني لدراسة بعض المظاهر الحضارية من مساجد ومدارس وآثار حربية ومدنية. وفي هذا الكتاب رجع إلى المصادر والمؤلفات نفسها التي استخدمها في تاريخ صيدا، وهي تنتهي في مجملها إلى التأليف العربي الكلاسيكي.

يُكمل عمر عبد السلام تدمري ما بدأه سالم بخصوص تاريخ طرابلس، ويجعل من تاريخ الحقبة المملوكية موضوعًا لأغلب أبحاثه حول المدينة، ومنها تاريخ وآثار ومساجدومدارس طرابلس في عصر المماليك، وتاريخ طرابلس السياسي والحضاري (في جزأين). وقد اعتنى بإعداد موسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان الإسلامي. وله العديد من التحقيقات لمؤلفات ترجع إلى الفترة المملوكية. اجتذبت آثار طرابلس العديد من الدراسات، ومن بينها كتاب حياة سلام ليبيش، عمارة مدينة طرابلس المملوكية، وفيه خَصصت فصولًا للمساجد والمدارس والخانات والحمامات، ودرست في الفصل الخامس كتاب ضريح عز الدين أيبك، ونافورة عين التينة، والخانكاه، والمولوية. أما الفصل الأخير، فخصصته للطرائق والمواد المستخدمة في البناء والزخرفة. وفي الاتجاه نفسه، ألّف إبراهيم أبو طاحون كتاب عمارة وفنون طرابلس الشام، وفيه أبحاث مفصلة عن جامع طينال والمنابر المملوكية، وظاهرة الطبق النجمي، وجامع الأويسية، والحمام الجديد. نضيف إلى ما ذكرناه من قبل كتاب الخط العربي في العمارة، الذي شارك فيه باحثون كثيرون، تناولوا فيه الكتابات من حيث بنيتها ووظائفها وصيانتها وتوثيقها. لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى كتاب حسان سلامة سركيس تاريخ طرابلس وإقليمها في الحقب الصليبية. وفي إطار دراسة التراث الحرفي، ألّفت مها كيّال كتابًا عن الحرف بين التقليد والتجديد، تناولت فيه الحرف من حيث الطرائق التقليدية في التعليم والتلقين، وهي الحرف التي تُعرف بالحِرف التقليدية أو الشعبية. ودرست توزيعها، وذكرت أنّ أغلبها في المدينة القديمة، وتناولت أبرزها من حيث المواد المستخدمة: النحاس، والحديد، والزجاج، والفخار، والخشب، والصابون، والتنجيد، والغذاء، واللباس.

رابعًا: الوثائق العثمانية

حدثت في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته طفرة في استخدام وثائق المحاكم الشرعية في لبنان، علمًا أنّ هذه الوثائق استخدمها بعض الدارسين على نطاق ضيّق. نشير في هذا السياق إلى كتاب الأب إغناطيوس الخوري: مصطفى آغا بربر. ويذكر المؤلف في التقديم أن أسد رستم قد وضع بين يديه عُدة وافرة من الوثائق الخطية التي استنسخها من سجلات المحاكم الشرعية في مصر وفلسطين ولبنان وسورية. ويذكر، أيضًا، أنه استأذن حاكم الشرع في طرابلس للاطلاع على سجلات المحكمة الشرعية، في بداية خمسينيات القرن العشرين. ألّف طلال مجدوب كتابًا مسهبًا عن تاريخ صيدا الاجتماعي، تناول فيه الإدارة، والقضاء، والأمن، والزراعة، والضرائب والمالية، والتجارة، والحرف، والمواصلات، والعمران، والثقافة، والسكان، والحياة الاجتماعية، وذلك اعتمادًا على سجلات محكمة

  1. Hayat Salam-Liebich, The Architecture of the Mamluk City of Tripoli (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1983).

صيدا الشرعية وعددها 28 سجًّلا، وهي تبدأ عام 1285 ه/ 1868 م، وتنتهي عام 1336 ه/ 1916 م. واستعان بسجلات: مطرانية الروم الكاثوليك، وأوقاف صيدا، وبلدية صيدا، والدائرة العقارية، ودير المخلص، إضافة إلى سالنامة ولاية بيروت، وسالنامة دولة علية، وسالنامة المعارف العمومية. وألّف غسان منير سنو كتابًا عنوانه مدينة صيدا (1818 - 1860)، ويذكر المؤلف في التمهيد وصفًا تفصيليًا لأحوال سجلات صيدا الشرعية. ويشير إلى أهميتها في دراسة التاريخ العمراني والسكاني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويبيّن الإمكانات التي توفرها الوثائق الشرعية، بداية من طبوغرافيا المدينة وحاراتها ومعالمها إلى الحياة الإدارية، ثم أوضاع الأوقاف الاجتماعية والاقتصادية. وقد استخدم وثائق محكمة بيروت العديد من الباحثين، ومن بينهم حسان حلاق الأستاذ في جامعة بيروت العربية، الذي كتب العديد من الدراسات حول بيروت في القرن التاسع عشر اعتمادًا على وثائق من بينها سجلات المحكمة الشرعية. أما كتابه بيروت المحروسة في العهد العثماني، الذي لا يذكر فيه مصادره ومراجعه، فقد عاد فيه إلى سجلات المحكمة واستخدمها خصوصًا في الجوانب العمرانية؛ إذ خصص فيه فصولًا لأبراج بيروت وأسواقها والجوامع والزوايا والأفران والحارات والحمامات والخانات والساحات. ويتطرق الكتاب إلى فترة نهوض المدينة وخصوصًا في عصر التنظيمات العثماني، فيذكر مدارس بيروت وأبرزها جمعية المقاصد الخيرية. ويمكن اعتبار كتاب حسان حلاق أقرب في موقفه ومنهجه من طه الولي من حيث تعلّق أبحاثه، على نحو خاصّ، ببيروت الإسلامية، وتفصيله القول في أسماء عائلاتها وعلمائها. ومن بين الباحثين الذي اعتنوا باستخدام الوثائق الشرعية في أبحاثهم المحامي عبد اللطيف فاخوري. إلا أن جهده الرئيس وضعه في إنجاز كتابه منزول بيروت، الذي أراد فيه أن يصحح أخطاءً لبعض الباحثين الذين سبقوه. وهو إذ اعتمد أساسًا على السجلات الشرعية، فإنه رجع إلى صحافة القرن التاسع وبعض مؤلفات صالح بن يحيى، وأنيس فريحة، ونجم الدين الغزي، وغيرهم. ويقسم فاخوري كتابه إلى فصول، ويخصص الفصلَين الأول والثاني للعمران: البوابات والأبراج العسكرية، والمدينة، والقلعة، والطرقات، والأحياء، والأسواق، والحمامات، والزوايا. أما الفصل الثالث، فيخصصه للبيوت والبناء وهندسة البيوت وتقسيماتها. وأما الفصل الرابع، فيخصصه ل منزول بيروت، وتعريفه للمنزل المعدّ للضيوف، وقد عثر على ذكر أربعة منها ضمن آلاف الوثائق. ويخصص الفصل الخامس (الأخير) لعائلات بيروت. وللفاخوري كتاب آخر هو: تاريخ القضاء الشرعي في بيروت (1787 - 1917). وقد اهتمّت جمعية الحفاظ على تراث طرابلس بسجلات محكمة طرابلس الشرعية، وذلك عام 1982، حين صوّر عدد من أعضائها السجلات الأولى خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان. ونشر معهد العلوم الاجتماعية الفرع الثالث، السجل الأول العائد لعام 1077 ه/ 1666 م، مع مقدمة تحيط بالسجلات وعددها وأوضاعها وما تشتمل عليه من قضايا. وعمل عدد من الطلاب الأكْفاء، خلال السنوات اللاحقة، على إعداد رسائلهم من خلال فهرسة سجٍّلٍ من السجلات. وأعّد بعض الباحثين، أيضًا، دراسات في موضوع

السجلات. وقد نشرتُ كتابًا منهجيًا عبر قراءة السجلات عنوانه الصورة التقليدية للمجتمع المديني، ونشرتُ أيضًا معجمًا يشتمل على أبرز المصطلحات الواردة في السجلات الذي يمكن أن يستفيد منه العاملون على الوثائق الشرعية. ولا تقتصر دراسة الوثائق في المرحلة العثمانية على سجلات المحاكم الشرعية. فقد أنجز عصام خليفة العديد من الدراسات اعتمادًا على دفاتر التحرير أو "الطابو دفتري" في أرشيف رئاسة الوزراء في إسطنبول. وفي أطلس تاريخي، استطاع أن يستخلص المعطيات المتعلقة بالتقسيمات الإدارية والسكان والأديان والمذاهب، ذلك أنّ وثائق دفاتر التحرير تقدّم معلومات تفصيلية في المجالات المذكورة. واعتمادًا على دفاتر الطابو العثمانية أعّد خالد الجندي مؤلفًا ضخمًا عنوانهلواء طرابلس الشام، وفقًا لدفاتر الطابو العثمانية (1516 - 1579). وقد استعرض فيه قانون اللواء وأنواع الضرائب وأسماء النواحي، وفيه أيضًا مسح شامل لأحياء طرابلس ومحلاتها وأعدادها، فضلًا عن أسماء القرى في كل ناحية. ويذكر في مقدمة كتابه شرحًا لبعض المصطلحات، ومن بينها "مقاطعة" و"مال العشر" و"رسم العروس" و"رسم الخراج"، وغير ذلك. وللجندي عدة مؤلفات أخرى من بينها الإصلاحات العثمانية.

خامسًا: حداثة المدينة اللبنانية

يتصل طرفٌ من الحداثة بالحقبة العثمانية المتأخرة المعروفة باسم عصر التنظيمات الذي يبتدئ مع خط كلخانة عام 1939، والذي يتضمن العديد من المبادئ وخصوصًا إقرار مبدأ المساواة بين السكان. وقد شهد عصر التنظيمات إصلاحات في المجالات العسكرية والإدارة والتعليم والقضاء. كل ذلك، استدعى منهجيات بحثٍ تتجاوز ذكر الوقائع السياسية والمعالم الأثرية والحارات والعائلات. وقد أصبحت دراسة المدينة من اختصاص علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والاقتصاد والسكان. وإذ تجاوزت هذه الدراسة تاريخ الحقبات الطويلة، فإن المهمة أصبحت متمثلة في دراسة التحولات المتسارعة. إحدى الدراسات التي تتناول مدينة حديثة أعدّها باحث أميركي عن طرابلس، في ستينيات القرن العشرين، عنوانها طرابلس مدينة عربية حديثة، ويرجع اختياره لهذه المدينة إلى ثلاثة أسباب؛ فهي مدينة متوسطة، ليست صغيرة، وليست كبيرة بحيث تحتاج إلى وقت كثير لدراستها، ثمّ إنّ تركيبتها السكانية لا تشبه سائر المناطق اللبنانية، فضلًا عن أنها ليست مثل المدن الشهيرة على غرار حلب والقاهرة ودمشق والقدس؛ فهي تحتاج إلى انتباه أكبر. يتعرّض الكتاب إلى تاريخ المدينة منذ الفتح العربي والمراحل اللاحقة الصليبية والمملوكية والعثمانية. ففي بداية الحقبة العثمانية، تراجعت طرابلس. وفي نهاية الحقبة، بدأ التحديث.

  1. 3   عصام خليفة، أطلس تاريخي - نواحي لبنان في القرن السادس عشر: التقسيمات الإدارية، الديمغرافية، الأديان والمذاهب (بيروت: [د. ن].، 2004). 31   خالد الجندي، لواء طرابلس: إحصاءات في التقسيمات الإدارية والإسكانية والاقتصادية وفقًا لدفاتر الطابو العثمانية (1516 - 1579) (بيروت: المؤسسة الحديثة، 2024). 32   خالد الجندي، الإصلاحات العثمانية وأثرها على التعليم في ولاية بيروت (1887 - 1918) (إسطنبول: مركز التاريخ العربي للنشر، 2021).
  2. John Gulick, Tripoli a Modern Arab City (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1967) 34   طلال منجد، ساحة التل: لقاء التقليد والحداثة (طرابلس، لبنان: منشورات شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، 2021.)

يستعيد طلال منجد بدايات التحديث في مدينة طرابلس انطلاقًا من ساحة التل. وبعد تعريفه لمفهوم الساحة في المدينة الإسلامية، يتطرق إلى عصر التنظيمات العثمانية وأحداث النظام البلدي. ويستعرض ملامح التحديث الأولى مع زيارة مدحت باشا والي سوريا عام 1879 ونصيحته للوجهاء بتشكيل أول شركة مساهمة لإقامة خط تراموي بين المدينة والميناء. وتوالت في إثر ذلك إقامة الأبنية والإدارات في ساحة التل، ويتطرق إلى أبرز المعالم: المقهى، والملاهي، والفنادق، والإرساليات. وفي سياق التحديث الذي عرفته طرابلس، يُعرّف منير مخلوف بالصناعة في طرابلس، ويعالج في بداية كتابه الظروف الاقتصادية في لبنان الستينيات وأزمة بنك إنترا عام 1966، ويرى أن لبنان قد تجاوز الأزمة بسبب النظام الاقتصادي الليبرالي. أما طرابلس، فإنها تاريخيّا مرفأ مهم منذ أيام الفينيقيين، وهي تقع في محيط زراعي خِصب، وكانت لها أدوار في كل الحقبات التاريخية. وأما الصناعة في طرابلس، فقد كانت تتركز في مصانع السكر والمواد الغذائية والإسمنت والخشب والحديد والزجاج والصابون.

سادسًا: بيروت

تستقطب بيروت جُل الدراسات المتعلقة بالمدينة والحداثة. وعلى الرغم من تاريخها العريق وشهرة مدرسة الحقوق فيها خلال العصر الروماني، فإنّ التحديث قد نقلها من مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف نسمة في أول القرن التاسع عشر إلى مدينة يزيد عدد سكانها على مئة ألف نسمة في نهاية هذا القرن. وعلى الرغم من أن ازدهار بيروت يرجع، بحسب الباحثين، إلى فترة الحكم المصري (1832 - 1840) وإقامة الكرنتينا بجوار مرفئها، فإنّ اعتماد التجار الأجانب عليها قد حصل قبل ذلك؛ فالتجار الذين كانوا يقيمون في عكّا لجؤُوا إلى بيروت هربًا من حاكمها أحمد باشا الجزار، الذي يريد احتكار التجارة، ويضاف إلى ذلك سبب آخر متمثّل في الحصار الفرنسي الذي دفعهم إلى مغادرتها خوفًا من بطشه. ويقول شارل عيساوي: "إنه نتيجة اتساع تجارة سكان بيروت وطّد التجار الفرنسيون مركزهم في هذه المدينة، وحققوا بعض المنافع. وقبل عام 1814، وحتى بعدها، كان هناك تاجر أوروبي واحد في هذا الميناء. غير أن بيروت تُعدّ من أكثر موانئ الساحل السوري التجاري نشاطًا، ومن هنا نستطيع القول إن تأسيس البيوت التجارية الأوروبية، هو الذي منح بيروت أهميتها. فبداية بروز تلك الأهمية ترجع إلى الوقت الذي طُرد فيه الفرنسيون من الولاية (عكّا)". ولا شك في أن إجراءات إبراهيم باشا المصري والضمانات التي منحها للأوروبيين، إضافة إلى إقامة الكرنتينا، هي التي سرّعت من نمو بيروت. ويضيف عيساوي: "في عام 1838 أصبح في بيروت 67 بيتًا تجارًّيًا بينها 11 فرنسية، 8 إنكليزية و 14 من جنسيات أخرى، و 34 بيتًا للمسلمين والمسيحيين من أبناء البلاد". ويؤرّخ سمير قصير لبيروت في كتاب صدر عام 2003 (قبل استشهاده في 2 حزيران/ يونيو 2005)، ويضفي كتابه على النصب الذي أقيم له في وسط بيروت معنى إضافيًا. فالتاريخ الذي كتبه على درجة من الشمول، بحيث يصعب أن يضاهيه كتاب آخر في موضوعه. ولئن بدأ من تاريخ بيروت القديم، فإنه كان يتطلع إلى الاستثناء الذي مثلته بين المدن والعواصم في العالم العربي: "بيروت

  1. 3   منير مخلوف، الصناعة في طرابلس (1967 - 1975) (بيروت: دار أبعاد، 2009). 36   شارل عيساوي، التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب (1800 - 1914) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 257 - 258. 37   سمير قصير، تاريخ بيروت، ترجمة ماري طوق غوش، ط 4 (بيروت: دار النهار، 2023)، ص 22. 38   المرجع نفسه، ص 90. 39   المرجع نفسه، ص 153.

الساحة المعرفية، المدينة الجامعية، عاصمة الصحافة والمنشورات العربية، مركز الاستشفاء، مرفأ الترانزيت، عقدة المواصلات الجوية، السوق المفتوحة لكل الصفقات التجارية والمعرفية.. وظائف كثيرة أدّتها بيروت وتخطت الإطار الجغرافي للجمهورية اللبنانية". يرى قصير أنّ ثمة نَهْجين لدراسة تاريخ المدينة؛ أحدهما نَهْج الآثاريين أي علماء الأركيولوجيا، والآخر نَهْج دعاة التاريخ المعاصر الذي يبدأ بالدولة العثمانية. وهو يأخذ بالنهج الأول حينما يتعلق الأمر بتاريخها، ويأخذ بالنهج الثاني حين يتعلق الأمر بنهوضها الحديث. إن مجد بيروت القديم يعود إلى الفترة الرومانية حيث أصبحت مستعمرة ذات نفوذ واسع. والحفريات تظهر آثار حمامات ومدافن، وغيرها. وتعود شهرتها إلى مدرسة الحقوق. وقد بلغت المدينة مجدها في القرن الخامس الميلادي قبل أن يدمرها الزلزال ليطويها النسيان، خلال ما يزيد على خمسة قرون من الزمن، لتحضر من جديد مع الحملات الصليبية. وفي فترة فخر الدين المعني، عُدّت بيروت عاصمة للدولة التي أنشأها بحسب الرواية التمجيدية. فقد اعتنى الأمير المعني ببيروت من حيث التشجير وإنشاء الحدائق، واعتنى كذلك بقصرٍ أشرف على بنائه مهندس إيطالي، وبرج أيضًا، إضافةً إلى مسجد الأمير منذ عام 1620. خضعت بيروت لإبراهيم باشا المصري دون مقاومة، وكان عدد سكانها قد بلغ 20000 نسمة، وسرعان ما أقام فيها مجلسًا إدارًّيًا مكوّنًا مناصفة من أعضاء مسلمين ومسيحيين. وأقيم فيها المحجر الصحي (كرنتينا)، فصارت بيروت محطة إلزامية لكل المراكب البحرية. وقبل منتصف القرن أنشئت فيها قنصليات تمثّل كل الدول تقريبًا ومؤسسات تجارية وفنادق ومخازن مجهزة على أكمل وجه، وأقيم فيها كازينو فخم لا مثيل له في الأساكل. ونتيجة لهذا النمو، فقدت طرابلس أهميتها مثل غيرها من الأساكل في سوريا. شهدت بيروت انفجارًا سكانيًا منذ عام 1830، بداية النزوح السوري، الذي وصل إلى ذروته عام 1860. وإضافة إلى أحداث الجبل، فإن نجاح بيروت الاقتصادي كان عامل جذب؛ ما أدى إلى توسع المدينة عبر إنشاء شبكة مواصلات غيّرت حياة السكان. ونشأت شبكة رجال الأعمال المحليين، وقد استأثرت بقسم من التجارة الأوروبية، و"كان الشأن الاقتصادي هو المدخل الرئيسي لعودة نظام المِلل الذي يقوم على مبدأ أساسي هو حماية الطوائف غير المسلمة، وقد استغل من قبل التجار المسيحيين". وبقدر ما ظهرت في بيروت ملامح مدينة غربية، فإنها كانت أيضًا مدينة التنظيمات العثمانية. ويضاف إلى ذلك إنشاء المجالس في الولايات والعمران والتوسع والحدائق. وقد كانت روحية الإصلاح تحرّك الحكام والموظفين المحليين والأعيان. وكانوا كلهم مقتنعين بأن هذه هي "طريق المستقبل". ومن بين المؤَّلَفات التي تركز على لحظة التحوّل عام 1834، كتاب للمؤرخ الفرنسي دومينك شوفالييه. ويرى هذا المؤرخ أن تلك اللحظة كانت نهاية زمن الامتيازات أو ما سمي ب Levant du Echelles Les، فقد انفتحت بين بيروت وأوروبا تجارة لا تحدّها الشروط، وتعود إلى القرن السادس عشر. إن كتاب شوفالييه يستند إلى وثائق فرنسية وتقارير القناصل، وخصوصًا غيز والرحالة جيرار دونرفال. ويركز كتابه على خان الملح الذي يقع عند مدخل المرفأ، والذي استأجره القنصل غيز ليكون مكان إقامة للتجار الفرنسيين.

  1. Dominique Chevallier, Villes et Travail en Syrie du XIX ° aux XX° siècle (Paris: Éditions G.P. Maisonneuve et Larose, 1982), pp. 9-28.

تركّز ندى صحناوي في كتابها غربنة الحياة اليومية في بيروت، على دور التجار المسيحيين الذي كانت لهم سيطرة على كل التجارة السورية. وهؤلاء التجار هم طبقة محلية شكّلت ما يشبه طبقة برجوازية تماهت مع القيم الثقافية الغربية، وقد كانت المحرك لتغريب الحياة اليومية في بيروت. وتستعرض الباحثة التطورات المدينية منذ عام 1834؛ من رصف الشوارع إلى فرض شروط الصحة العامة والنظافة، ونشوء أحياء جديدة في رأس بيروت والأشرفية وهي الأحياء التي سكنتها البرجوازية الجديدة. وبعد استعراض تحديث المواصلات والإضاءة بالكهرباء وجرّ المياه، عرفت بيروت بناء خمسة مستشفيات في الوقت نفسه الذي عُدّ فيه الطب الشعبي غير قانوني. إذا كانت صحناوي قد استعرضت بعض مظاهر التغريب في بيروت، وركزّت في جانب من دراستها على دور البرجوازية المسيحية في تحديث بيروت، فإن كتاب نادر سراج بيروت جدل الهوية والحداثة، وهو كتاب موسوعي يدخل في التفاصيل وأثرها في الأفراد والبيئة الاجتماعية وخصوصًا الإسلامية منها، يُعَدّ مبحثًا في مجال الأنثروبولوجيا. وتبعًا لاختصاصه، يتعقّب تطور المفردات والمصطلحات والعلاقة بين العمران ومنظومات الأفراد والجماعات الحضرية واللغوية والثقافية والفكرية. ويمكن أن نَعُدّ كتاب الدويهي مقاهي بيروت الشعبية، نموذجًا لاستخدام طرائق البحث الأنثروبولوجي من جهة، والإضاءة على جانب آخر من بيروت عادةً ما أهمله الذين درسوا حداثة بيروت من جهة أخرى. وتعكس المقاهي، بوصفها مكانًا اجتماعًّيًا، حاجةً إلى الرعاية أو الضبط والمراقبة. فهذه المرافق التي يحتشد فيها الناس بهوياتهم ومشاربهم ومصالحهم المختلفة تحتاج إلى "ضابط يضبط حركتها"، وهذا الضابط "ليس بالضرورة من توكل إليه قانونًا هذه المهمة. بل الشخص الذي يمتلك رأسم لًا درج على نعته من قبل علماء الاجتماع ب 'الرأسمال العنفي'". وإذا كان أبناء ولاية بيروت قد رحبوا بالانقلاب وأرسلوا نوابهم إلى "مجلس المبعوثان"، فإن إدارة المتصرفية تمنّعت عن ذلك بحجة أنها تملك استقلالًا ذاتيًا. وأدت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى اندلاع الثورة العربية في الحجاز التي حظيت بتأييد مسلمين ومسيحيين، إلا أن نزعة موارنة جبل لبنان إلى الاستقلال بدولة، بدعم فرنسي، قد أصبحت أكثر وضوحًا. ترى كارلا إده في كتابها بيروت ولادة عاصمة، أن اختيار عاصمة لدولة لبنان الكبير كان نتيجةً لتسوية فرنسا سياستها في سوريا وتجديدها، ذلك أنها لا تستطيع الاتكال على دعم المسيحيين اللبنانيين فحسب؛ لهذا بحثت عن صيغة يقبل بها المسلمون وتحفظ صلتها بالمسيحيين في الآن نفسه. ومن ثمّ، عمدت فرنسا إلى إقناع الوجهاء بنوع من التعاون؛ بحيث تمنح الموارنة دولة لبنان وتجعل العاصمة بيروت. يجدر أن نذكّر بأن إعلان دولة لبنان الكبير، في أول أيلول/ سبتمبر 1920، قد جاء بعد خمسة أسابيع من معركة ميسلون (24 تموز/ يوليو 1920) التي أطاحت الحكومة العربية في دمشق. وفي إثر ذلك، طُِرد الملك فيصل، وُأُِخضعت سوريا للانتداب. وتَصف مي دافي في كتابها بيروت وضواحيها، تطور بيروت عبر ثلاث حقب (1840 - 1940). ففي المرحلة الأولى، كانت بيروت مدينة عربية من حيث بنيتها العمرانية والاقتصادية؛ حيث تشكّل السوق مركز المدينة، وتستقطب نشاطاتها الحرفية والتجارية،

  1. Nada Sehnaoui, L'occidentalisation de la vie quotidienne à Beyrouth (1860-1914) (Beirut: Éditions Dar An-Nahar, [n. d.]), p. 22. 42   نادر سراج، بيروت جدل الهوية والحداثة (بيروت: أنطوان للنشر، 2023)، ص 105. 43   شوقي الدويهي، مقاهي بيروت الشعبية (1950 - 1990) (بيروت: دار النهار، 2023). 44   المرجع نفسه، ص 15.
  2. Carla Eddé, Beyrouth, naissance d'une capitale (1918-1924) (Paris: Actes Sud, 2009).
  3. May Davie, Beyrouth et ses foubourgs (1840-1990) , une intégration inachevée (Beirut: Centre d'études et de recherches sur le moyen- orient contemporain 'CERMOC', 1996).

ويعيش في حاراتها أبناء من كل الطوائف الذين يمارسون حِرفهم وحياتهم. أما في المرحلة الثانية، فقد تحولت بيروت إلى مدينة برجوازية متوسطية، في حين تحولت في المرحلة الثالثة إلى مدينة كولونيالية. وهذا التطور الذي عاشته بيروت، خلال قرن من الزمن، يفسّر الإخفاق في تكامل المدينة واندماجها، فالسياسات المتبعة في حقبة الانتداب، ثم بداية من الاستقلال، كانت تقوم على إرضاء الزعماء وتحالفاتهم مع رجال الأعمال، وهو أمرٌ أدّى إلى سيطرة المصالح على التخطيط؛ ما نجم عنه وضعٌ تدميري؛ ليس بسبب الحرب فحسب، بل بسبب إهمال المناطق حول المركز، مثل الكرنتينا وسن الفيل والحازمية والحدث والشياح وبرج البراجنة، التي تتحكم فيها مجموعات مالية متعايشة مع النظام الطائفي. وبعد مئة وخمسين عامًا من خروج بيروت من أسوارها، لم تعُد بيروت موجودة؛ إذ أصبحت مجموعة من المساحات المفككة.

خاتمة

لم ينفصل التأريخ في لبنان عن السجالات المتعلقة بالهوية. فقد ركزت المؤلفات المبكرة في بدايات القرن العشرين على فينيقية المدن الساحلية، مثل صور وصيدا وطرابلس وأرواد، من خلال العودة إلى التاريخ القديم الذي صار متاحًا بفضل الأبحاث التاريخية والحفريات الأثرية التي قام بها أوروبيون وخصوصًا الفرنسيين؛ وذلك من أجل تأكيد خصوصية الهوية اللبنانية وتميزها من المحيط السوري والعربي. وقُبيل منتصف القرن العشرين ظهرت دراسات مقابلة تعتني بالتاريخ الوسيط وصولًا إلى الحقبة المملوكية وازدهار المدن، وخصوصًا مدينة طرابلس التي أصبحت نيابة سلطنة، ثم ولاية في الحقبة العثمانية. وفي مرحلة لاحقة، ولا سيما في ثمانينيات القرن العشرين، اكتشف الباحثون في تاريخ لبنان أهمية الوثائق، وخصوصًا وثائق سجلات المحاكم الشرعية، وهو الأمر الذي ضاعف الاهتمام بدراسة المدن من النواحي الاقتصادية والسكانية وغيرها. وتضاءل السجال حول الهوية في مقابل التركيز على الجوانب المنهجية المتعلقة باستخدام الوثائق، والاستفادة من الأبحاث في مجال التاريخ الاجتماعي. واستقطبت بيروت التي عرفت ازدهارًا ونمًّوًا منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر الدراسات التاريخية التي اعتنت بتاريخها القديم، وركزت على تاريخها الحديث؛ ما دفع المؤرخين إلى استخدام طرائق البحث الاقتصادية والأنثروبولوجية. فقد غيّرت الحداثة وظائف المدن على نحو أدّى إلى تبدّل طرائق البحث التاريخية.

المراجع

العربية

أبو طاحون، إبراهيم. عمارة وفنون طرابلس الشام [دراسات وبحوث]. القاهرة: الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع، 2014.

إسماعيل، السيد عبد العزيز. دراسة في تاريخ مدينة صيدا الإسلامي. بيروت: جامعة بيروت العربية، 1970.

______. طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، [د. ت].

التميمي، رفيق ومحمد بهجت. ولاية بيروت. بيروت: مطبعة الإقبال، 1916.

الجندي، خالد. لواء طرابلس: إحصاءات في التقسيمات الإدارية والإسكانية والاقتصادية وفقًا لدفاتر الطابو العثمانية (1516 - 1579). بيروت: المؤسسة الحديثة، 2024.

حلاق، حسان. بيروت المحروسة في العهد العثماني. بيروت: الدار الجامعية، 1987.

الخط العربي في العمارة: الكتابات في الآثار الإسلامية في مدينة طرابلس أيام المماليك. إشراف أمين البزري. لبنان: المؤسسة الوطنية للتراث، 1999.

الخوري، إغناطيوس طنّوس. مصطفى آغا بربر: حاكم طرابلس واللاذقية (1767 - 1834). لبنان: مطبعة الرهبانية اللبنانية، 1957. الدويهي، شوقي. مقاهي بيروت الشعبية (1959 - 1990). ط 2. بيروت: دار النهار، 2023.

زيادة، خالد. سجلات المحكمة الشرعية "الحقبة العثمانية": المنهج والمصطلح. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

الزين، أحمد عارف. تاريخ صيدا: يحوي تاريخها وسائر شؤونها منذ عمرانها إلى وقتنا الحاضر. صيدا: مطبعة العرفان، 1912. الزين، سميح وجيه. تاريخ طرابلس قديمًا وحديثًا. بيروت: دار الأندلس، 1969.

سراج، نادر. بيروت جدل الهوية والحداثة. بيروت: أنطوان للنشر، 2023.

شبارو، عصام. تاريخ بيروت من أقدم العصور حتى القرن العشرين. بيروت: دار مصباح الفكر، 1978.

شريف بك، حكمت. تاريخ طرابلس من أقدم أزمانها إلى هذه الأيام. منى حداد يكن ومارون عيسى الخوري. طرابلس، لبنان: دار الإيمان، 1987 [1906].

شيخو، لويس اليسوعي. بيروت: تاريخها وآثارها. بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين، 1925.

الولي، طه. بيروت في التاريخ والحضارة والعمران. بيروت: دار العلم للملايين، 1993.

عبد السلام تدمري، عمر. تاريخ وآثار ومساجد ومدارس طرابلس في عصر المماليك. طرابلس، لبنان: دار البلاد، 1974.

_______. تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور: عصر دولة المماليك - الجزء الثاني. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981.

_______. تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور، ج. 1. طرابلس، لبنان: مطابع دار البلاد، 1978. خليفة، عصام. أطلس تاريخي – نواحي لبنان في القرن السادس عشر: التقسيمات الإدارية، الديمغرافية، الأديان والمذاهب. بيروت: [د. ن].، 2004.

عيساوي، شارل. التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب (1800 - 1914). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990. فاخوري، عبد اللطيف. تاريخ القضاء الشرعي في بيروت (1787 - 1917). بيروت: مؤسسة نوفل، 2006.

_______. منزول بيروت. [د. م.]: نشر خاص، 2003.

قصير، سمير. تاريخ بيروت. ترجمة ماري طوق غوش. ط 4. بيروت: دار النهار، 2023.

كيّال، مها. تقليد وتجديد: دراسة للقطاع الحرفي في طرابلس. بيروت: اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلم والثقافة، 2002. مجذوب، طلال. تاريخ صيدا الاجتماعي (1840 – 1914). صيدا: المكتبة العصرية، 1983.

مخلوف، منير. الصناعة في طرابلس (1967 – 1975). بيروت: دار أبعاد، 2009.

منجد، طلال. ساحة التل: لقاء التقليد والحداثة. طرابلس، لبنان: منشورات شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، 2021. يني، جرجي. تاريخ سوريا. بيروت: المطبعة الأدبية، 1881.

الأجنبية

Chevallier, Dominique. Villes et travail en Syrie du XIX° aux XX° siècle. Paris: Éditions G.P. Maisonneuve et

Larose, 1982.

Davie, May. Beyrouth et ses foubourgs (1840–1990), une intégration inachevée. Beirut: Centre d'études et de

recherches sur le moyen-orient contemporain (CERMOC), 1996.

Eddé, Carla. Beyrouth, naissance d'une capitale (1918–1924). Paris: Actes Sud, 2009.

Gulick, John. Tripoli: A Modern Arab City. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1967.

Salam-Liebich, Hayat. The Architecture of the Mamluk City of Tripoli. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1983.

Sehnaoui, Nada. L'occidentalisation de la vie quotidienne à Beyrouth (1860–1914). Beirut: Éditions Dar An-Nahar,

[n. d.].