Return to Article Details Writing the General History of Tunisia over a Century: Changes and Challenges (1918-2019)

كتابة مجمل تاريخ تونس خلال قرن: التحوّلات والتحديات (1918 - 2019)

Writing the General History of Tunisia over a Century: Changes and Challenges (1918-2019)

محمد الأزهر غربي

الملخّص

تتناول هذه الدراسة الكتب التي دوّنت حول تاريخ البلاد التونسية خلال قرن (1918 - 2019) وهي كتابات حاولت كلها اختزال جل مراحل تاريخ البلاد بحسب فترات وقضايا معينة دون سواها. ويمكن تقسيمها إلى كتابات فردية وأخرى جماعية كتب بعضها بالفرنسية وبعضها الآخر بالعربية. ومهما كان أمر هذه الدراسات التاريخية فإنها دوّنت في سياقات حساسة كظرفيّة الهيمنة الاستعمارية ومرحلة الحركة الوطنية وبناء الدولة الوطنية وأزماتها. ومهما كانت "موضوعية" هذه الكتب الجامعة فإنها مرتبطة بالدولة والهوية وهي تعبير عن استراتيجيات الفاعلين سواء كانوا أفرادًا أو مجموعات.

Abstract

This study examines books written on the history of Tunisia over the century that passed from 1918 to 2019. These chronicles all seek to summarize the country's history according to specific time periods and issues, while excluding others. They can be divided into individual and collective works, some written in French and others in Arabic. Regardless of their nature, these historical studies were written within sensitive contexts, such as under colonial rule, the national movement, the building of the nation-state, and the state's subsequent crises. However "objective" these books may be, they are nonetheless linked to the state and identity, and they express the strategies of the actors involved, whether individuals or groups.

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية
  • الدولة
  • الأزمات
  • بناء الدولة الوطنية
  • الهيمنةالاستعمارية
Keywords:
  • Identity
  • State
  • Crises
  • Nation-State Building
  • Colonial rule
//d i
ف 31430/EZAB3831 /10
الت
ال ق
DOI: https://doi.org/10.31430/EZAB3831 الرقم التعريفي:
محمد الأزهر غربي*Mohamed Lazhar Gharbi |
كتابة مجمل تاريخ تونس خلال قرن: التحّولّات والتحديات)2019-1918(Writing the General History of Tunisia over a Century:
Changes and Challenges (1918 - 2019)

تُستخدَم كلمات وعبارات عديدة للحديث عن الكتابة التاريخية في بعض البلدان، وهي تحاول أن تجمّع في شيء من الاقتضاب مختلف الحقب التاريخية في ذلك البلد، وقد يقتصر الأمر على كلمة "تاريخ" التي تردف لاسم البلد مثل "تاريخ فرنسا" أو "تاريخ تونس" أو "تاريخ المغرب". وقد يقع اللجوء إلى عبارة Générale Histoire، التي قد تُترجَم إلى "التاريخ العام". وبصرف النظر عن الترجمة، فإن العبارة ليست نابعة من السياقات العربية أو المغاربية، ما دفع بعض من كتبوا في هذا الشأن إلى اختيار صيغ أخرى، مثل خلاصة تاريخ تونسلحسن حسني عبد الوهاب، وتونس عبر التاريخلمجموعة من المؤلفين، وهي إصدارات سنتناولها بالدرس والتدقيق. إضافة إلى ذلك، حبّذ البعض عبارة "التاريخ الجامع"، مثلما هو الشأن في تصدير للرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، ورد في كتاب تونس عبر التاريخ، ثمّ في مقال للطفي عيسى. وانفرد عبد الله العروي بكلمة "مجمل" التي جاءت في عنوان كتاب مجمل تاريخ المغرب. وفضّلنا استخدام هذه الكلمة في هذه الدراسة بالرجوع إلى معناها الذي يفيد الاقتضاب والتأليف. وقد نضطرّ إلى استخدام هذه العبارة أو تلك تجنبًا للتكرار فحسب. أمّا الفترة الزمنية التي تمسحها هذه الدراسة، فهي تمتد قرنًا، بدءًا بنهاية الحرب العالمية الأولى وصدور كتاب خلاصة تاريخ تونسسنة 1918 وصولًا إلى سنة 2019، تاريخ نشر كتاب صوفي بسيس باللغة الفرنسية بعنوان تونس من قرطاج إلى اليوم. ويبدو أن كتابة "التاريخ الجامع" كانت موجودة خلال الفترة القديمة، ولكنها كانت تنحو منحى واسعًا، وهو مرتبط بتطور الحضارات وتراجعها في سياق كوني عام، من ذلك بوليب وكتابه حول التاريخ العام وابن خلدون وكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر الذي اختُزل أحيانًا إلى عنوان تاريخ ابن خلدون. ومع بروز الدولة الحديثة في أوروبا وظهور الطباعة، بدأ نوع جديد من الكتابة التاريخية التي أصبحت تؤرخ لبلد دون سواه، نذكر من ذلك كتاب جان كوروزي حول كنوز تواريخ فرنسا. وكان المنعرج في القرن التاسع عشر، في سياق انتشار الأيديولوجيا القومية حيث تفنّن البعض في كتابة تاريخ بلدانهم، إلى أن تحوّل التاريخ إلى مادة تُدَرَّس في المعاهد والجامعات قصد ترسيخ المواطنة، فبرزت مؤلفات ذات صبغة بيداغوجية تُِّوِجت بكتابات أرناست لافيس الذي أسس للتاريخ الوضعي وللسردية الوطنية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ويتضح من خلال هذه الأمثلة السالفة الذكر أن كتابة التاريخ العام في البلدان الأوروبية انطلقت بمحاولات فردية استجابةً للسياقَين السياسي والثقافي اللذَين شهدتهما تلك البلدان. ويتبيّن حينئذ أن هذا الصنف من الكتابة مرتبط بالسياقات التاريخية

وباستراتيجية الفاعلين الذين ركّزوا على عدة ثنائيات، مثل المواطنة والانتماء، والماضي والراهن، والسياسي والأكاديمي؛ لصياغة تاريخ تسوده ثنائية أخرى هي الانتقاء والتوليف. ف "التاريخ الجامع" ليس تجميعًا لأحداث بلد معيّن بقدر ما هو انتقاء لأحداث ومسارات دون سواها بحسب تعقيدات الحاضر ومتطلبات المستقبل، ما جعل الكتابة التاريخية تتعدد وتتنوع بتغيّر السياقات والرهانات، فما يُدَوَّن في هذا الصدد لا يهم بالدرجة الأولى، بل الذي يهم هو الخلفيات والاستراتيجيات التي تتغيّر بين الفينة والأخرى. ولا نظن الأمر يختلف كثيرًا بالنسبة إلى بلدان المغرب خلال الحقبة الاستعمارية؛ حيث ركّزت الكتابات التاريخية الفرنسية على تاريخ الجزائر إلى حين ظهور كتاب حول شمال أفريقيا لفليكس قوتيي موضوعه أسلمة شمال أفريقيا وقرون المغرب المظلمة، قبل أن يظهر كتاب شارل أندري جوليان حول تاريخ شمال أفريقيا. وفيما يتعلّق بالبلاد التونسية، صدر سنة 1883 كتاب باللغة الفرنسية حول مجمل تاريخها، ابتداءً من سنة 1590 قبل الميلاد إلى حدود تسمية المقيم العام بول كمبون، كما صدر سنة 1938 كتابٌ ثانٍ باللغة نفسها حول "تاريخ تونس منذ بدايته إلى اليوم". ويدلّ ذلك على محاولة تجذير الوجود الفرنسي في تونس خلال مرحلتين مفصليتين من تاريخها، هما بداية الحماية ومخاطر اندلاع حرب عالمية ثانية. ولا يخفى أن بعض المحاولات تواصلت في السياق نفسه إلى حدود الاستقلال. يتبيّن حينئذ أنّ البلاد التونسية شهدت نسقًا سياسيًا وثقافيًا خاصًا بها طوال قرن من الزمن (1918 - 2019). وسنحاول، في هذه الدراسة، التطرق إلى الإشكالية الآتية: كيف تطوّرت كتابة مجمل تاريخ تونس؟ وما محدداتها؟ وتتفرّع من هذا السؤال المركزي أسئلة أخرى: من كتب هذا التاريخ؟ ولماذا كتب؟ وكيف كتب؟ وما الرهانات والتحولات والسياقات التي حدّدت هذا الصنف من الكتابة التاريخية؟ ويمكن أن نصنّف كتابة مجمل تاريخ تونس إلى تجارب فردية وأخرى جماعية.

أولًا: تجارب فردية ومسارات جماعية

تماشيًا مع المسار المتوسطي وربما العالمي لكتابة التاريخ حاول الإخباريون، بطريقتهم الخاصة، كتابة تاريخ جامع يتمحور حول البلاد التونسية والأسر الحاكمة. نذكر في هذا الصدد المؤنس في أخبار إفريقية وتونس لابن أبي دينار الذي خصصّ حيزًا مهمّا للدولة المرادية، وكذلك حسين خوجة في ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، وأحمد بن أبي الضياف في إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. وإن اهتمّت بعض كتابات القرن التاسع عشر بالرحلة، فإن تونس كانت حاضرة في مؤلفاتهم مثلأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالكلخير الدين التونسي و"القطر التونسي" في كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطارلمحمد بيرم الخامس. ويمكن أن نعتبر أن هؤلاء الإخباريين كتبوا ضربًا من ضروب مجمل تاريخ تونس ومهّدوا للكتابة الوطنية؛ ولذلك نشرت الدولة الوطنية غداة الاستقلال جلّ مؤلفاتهم. ويمكن أن نقارنهم من حيث المنهج

ونوع الكتابة التاريخية بمن دوّنوا تاريخ المغرب خلال الحقبة الحديثة، مثل أحمد بن خالد الناصري في كتاب الاستقصا الذي أرّخ للّسلّالات وللدول التي تعاقبت على المغرب الأقصى، من بداية انتشار الإسلام إلى حياة المؤلف. ومع تركيز هذه الكتابة الفردية على المجال شبه الوطني وعلى السلالات الحاكمة فإنها غالبًا ما أهملت الثقافات المحلية والحضارات السابقة للإسلام. ومع دخول الاستعمار إلى تونس سنة 1881، تغيّرت المعطيات حيث أصبحت دراسة تاريخ تونس بصفة خاصة والتاريخ الإسلامي بصفة عامة غائبة في المنظومة التعليمية الفرنسية. وفي ردة فعل على ذلك أقحمت الجمعية الخلدونية دراسة تاريخ تونس وجغرافيتها، ومن هنا جاءت الحاجة إلى كتابة تاريخ من صنف جديد تختلف عن كتابة الإخباريين وعن الكتابات الفرنسية.

1. خلاصة تاريخ تونس: التأسيس للوطنية التونسية في السياق الاستعماري على طريقة أرناست لافيس

بدأت تجربة التأسيس لتاريخ تونسي في شكل دروس ومحاضرات ومقالات قدّمها أفراد من النخبة التي تجسّدت في حركة الشباب التونسي التي ظهرت انطلاقًا من سنة 1907. وكان من بين هؤلاء البشير صفر الذي جُمعت مساهماته في هذا الحقل في كتاب نُشر لاحقًا سنة 1928 بعنوان مفتاح التاريخ، وهو يدلّ على الترابط العضوي منذ مرحلة التأسيس بين التاريخ والمطالب الوطنية، خاصة أنالمؤلّفيُعتبر من أبرز مؤسسي حركةالشباب التونسي. وفي المقابل برز أول مرة، بحسب علمنا، أثر تاريخي أنجزه مؤرخ تونسي تناول بالدرس تاريخ البلاد في معزل عن التقيد بالسلطة الحسينية؛ وهو خلاصة تاريخ تونسالذي نُشر أوّل مرة سنة 1918. وقد يعود هذا الأمر إلى أن هذا المؤرخ كان ذا أصول أندلسية مع أن والده كان في خدمة المخزن. ومهما يكن من أمر، فإن كتابخلاصة تاريخ تونسيمثّل تحوّلًا مفصليًا في الكتابة التاريخية التونسية، ويُعتبَر من هذا المنطلق مؤسسًا على عدة مستويات نقف عند أهمها:. أ دُوّن هذا الكتاب في نهاية الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها مجنّدون تونسيون ومغاربيون إلى جانب فرنسا التي قدّمت وعودًا لم تنجزها بعد انتهاء الحرب، بل زادت على إثرها في استغلال الثروتَين البشرية والطبيعية للبلاد، وهي سياسة تتضارب مع مبادئ ولسن التي دعت إلى حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. وفي هذا السياق، برز كتاب خلاصة تاريخ تونسليعبّر عن هويّة تاريخية وُجدت عبر العصور. ولذلك، نعتقد أن هذا الأثر التاريخي أسس للوطنية التونسية بصفتها تيارًا سياسيًا جديدًا نشأ في مدينة تونس التي امتزجت فيها عناصر ذات أصول مختلفة، مثل عبد العزيز الثعالبي يذ الأصول الجزائرية وأحمد سقا الوافد من المنستير وأبي القاسم الشابي الذي ينحدر من الجريد، وغيرهم من العناصر التي انصهرت في مدينة تونس وأصبحت تكوّن فئة جديدة تختلف عن فئة "البلدية" (الأعيان) والأتراك.

. ب قطع هذا الأثر الجديد من حيث التحقيب مع كتابات الإخباريين التي تنطلق من الحقبة الإسلامية للتأريخ للبلاد التونسية، حيث بدأ بالعصور القديمة وأوّلها "العهد القرطاجني"، الذي يرمز إلى وجود دولة وحضارة عريقة في "القطر التونسي". وليس من باب الصدفة أن يستخدم المؤلف فيما يتعلق بالحضارات الوافدة مصطلح "الاستيلاء الروماني" و"نظام الحماية الرومانية" و"الاستعمار الروماني". وفي ذلك تنديد مبطن بالاستعمار الفرنسي الذي توخّى الطريقة نفسها في استغلال البلاد والعباد. وإذا كان الأمر بديهيًا بالنسبة إلى البيزنطيين والوندال، فإن اللافت هو استخدام المؤلف لمصطلح "الاستيلاء العربي" و"غزو إفريقية"، ليتحدّث في الأخير عن "الفتح الحقيقي" على يد حسّان بن النعمان سنة 696 م، وعن مقاومة العنصر البربري المحلّي. ولم يتحدث المؤلف عن "استيلاء عثماني" وإنما أشار إلى "التنافس التركي الإسباني في تونس"، ليخلص إلى استخدام مصطلح "الفتح العثماني" شأنه، في هذا المضمار، شأن من سبقه من الإخباريين، وربما يعود ذلك إلى أن جدّه كان رئيسًا للتشريفات في القصر الحسيني، وكان والده مترجمًا في وزارة الخارجية التونسية وتقلّد عدة وظائف، منها تولّيه منصب عامل على عدة جهات. وبصرف النظر عن ذلك، فإنّه تحدّث عن إمارات ودول تونسية، مثل الدولة الأغلبية والدولة العبيدية والدولة الصنهاجية والدولة الموحدية والدولة الحفصية و"الإيالة التونسية" في العهد العثماني والدولة المرادية والدولة الحسينية و"تونس في عهد الحماية الفرنسية". وقد أضاف حمادي الساحلي، محقق الطبعة الأخيرة، فصلًا عن "تاريخ الحركة الوطنية التونسية" الذي لم يرد في النسخة الأصلية للكتاب.. ج لعلّ مما يميز هذا الكتاب، أيضًا، أنه تحدّث عن "قطر تونسي" بدأ بالتعريف به مبيّنًا أنه برز جغرافيًا وبشريًا منذ قرطاج في شكل دولة وحافظ على وجوده، وإن اختلفت التسمية من "إفريقية" إلى "إيالة" أو غيرهما. ولعلّ ما يثبت تميّز شخصية تونس هو بروز عمارة وثقافة تونسية إلى حدّ الحديث عن "تقدّم الحضارة التونسية"، التي جسّدها ظهور أعلام تونسيين أرّخ لهم المؤلف في آخر كل فصل، وهم حنّبعل وعبد الرحمن بن زياد وأسد بن الفرات وابن الجزار الطبيب والإمام سحنون والحسن بن رشيق والإمام ابن عرفة وابن خلدون وعزيزة عثمانة ويوسف صاحب الطابع وابن أبي الضياف، ومن اللافت غياب شخصيات تنتمي إلى مرحلة "الاستيلاء الروماني" و"الاستيلاء العربي"، ما عدا وصية عقبة بن نافع لابنه. ويمكن أن نعتبر في نهاية المطاف أن الدراسات التاريخية الفرنسية، التي تُرجع تاريخ تونس إلى الفترة الرومانية والتي تبدأ دائمًا بالتعريف بالحيّز الجغرافي، أثّرت في الرجل الذي كان ذا ثقافة مزدوجة وتقلّد عدة وظائف إدارية في نظام الحماية. كانت الغاية من هذا الكتاب توفير مادة للتدريس في المؤسسات التعليمية التونسية، وطُبع عدة مرات وبقي مرجعًا أساسيًا إلى. د اليوم، وكُتِب بروح ترفض الاستيلاء وتشعر بالانتماء إلى مجال تونسي قائم الذات عبر مختلف مراحل التاريخ، أفرز خلالها شخصيات وثقافة وعمارة تونسية. كان هذا الشعور أحيانًا في شكل تلميح في ثنايا الكتاب، يدركه القارئ الذي يقاسمه الوعي

نفسه، ولكنه ورد بوضوح في "فاتحة" الكتاب: "لكلّ شعب حياة تلخّصها الحوادث يقضيها في أدوار كما يمرّ الحي بأدوار العمر. وهي حياته الذاتية التي تميّزه عن غيره من الشعوب حسب السنن العمرانية والنواميس الكونية [...] ولكلّ أمة تاريخ تختلف أهميته باعتبار حظ تلك الأمة ومشاركتها في حوادث المجتمع العام، والمشاركة تكون على نسبة استعداد الأمة ومواهبها وموقعها الجغرافي [...] وإذا سرّح الإنسان بصره في الخريطة يرى بين الأقاليم المحيطة بالبحر المتوسّط بلادًا صغيرة تقسم ذلك البحر إلى نصفين وتشقّ حافاته ما بين الشرق والغرب على السوية، 'تبارك الله أحسن الخالقين'". وتلك البلاد الصغيرة هي "إفريقية" قديمًا و"القطر التونسي" اليوم. فهذه المنزلة الطبيعية جعلت "تونس" من أول الدنيا مسلك الذاهبين ومورد الوافدين ونصّبتها مطمحًا لآمال الفتاحين. برزت في جلّ كتابات مطلع القرن العشرين مصطلحات جديدة تتعلّق بالبلاد التونسية اختزلها ونظّر لها كاتب خلاصة تاريخ تونس، وهي "الشعب" و"الأمة" و"القطر". إنها الركائز الثلاث التي ستُبنى عليها لاحقًا فكرة "الوطنية التونسية". ومن هذا المنطلق، يمكن أن نعتبر أن عبد الوهاب صاحب الثقافتَين العربية والفرنسية قد اطلع على كتابات لافيس حول تاريخ فرنسا، وتأثّر بها وتوخّى المنهج الوضعي ساعيًا، مثله، للنبش في تاريخ بلاده للبحث عن "شخصية قاعدية" للوطن وأسس تاريخية للوطنية. ويمكن أن نقول إن هذا الأثر ساهم في وضع الأسس الأولى للوعي الوطني بتبنّي فكرة وجود شخصية تونسية عبر التاريخ. ولذلك صدر بعده مباشرة كتاب تونس الشهيدة للثعالبي، أبي الحركة الوطنية التونسية، ولئن لم يكن موضوعه التاريخ فإنه دافع عن مطالب الشعب التونسي انطلاقًا من إرثه الحضاري والتاريخي ومن واقعه تحت الاحتلال. وخطت بعض الكتابات الوطنية لاحقًا خطوات أخرى فنظّرت لوجود أمة تونسية، خاصة كتاب علي البلهوان نحن أمةالذي تحدّث عن الشخصية التونسية استنادًا إلى التاريخ، مثلما فعل إرناست رنان في أواخر القرن التاسع عشر. أصبح التاريخ كما كتبه التونسيون، خلال مرحلة الحماية، قاعدة للأيديولوجيا الوطنية وللشخصية التونسية، ومنطلقًا لمطالب تؤِّسِس لدولة مستقلة تقطع مع عصور الانحطاط ومع الهيمنة الاستعمارية، يُبنى على أساسها مجتمع تونسي صرف، ينحت معالمه المصير المشترك. وعلى هذا الأساس، تشبّع قادة الحركة الوطنية بمعرفة التاريخ، ووظفوه في كتاباتهم ومحاضراتهم ليبرزوا من خلاله وجود أمة تونسية، نحتتها مختلف الأطوار التاريخية. ويمكن أن نستدلّ في هذا الصدد بخطاب الحبيب بورقيبة أمام المجلس التأسيسي في 25 تموز/ يوليو 1957، الذي تعرّض فيه لتاريخ العائلة الحسينية وعلاقتها بفرنسا، الأمر الذي أضرّ بالشعب التونسي ممهّدًا بذلك لقرار إعلان الجمهورية. ومع خروج الاستعمار وبداية الدولة الوطنية، أصبحت الحاجة ملحّة إلى كتابة تاريخ تونسي صرف يواكب مرحلة إصلاح التعليم التي أُقِرّت سنة 1958، في وقت لا تزال فيه اللغة الفرنسية سائدة ولم يظهر فيه جامعيون تونسيون بارزون.

2. تاريخ تونس لمحمد الهادي الشريف: مدرسة الحوليات وتأكيد الذاتية التونسية

تلقّى الأستاذ الشريف تعليمه بالمدرسة الصادقية، وحصل على التبريز من الجامعة الفرنسية، ثم على الدكتوراه في التاريخ الحديث من الجامعة نفسها، وهو الاختصاص الذي درّسه بالجامعة التونسية. طلبت منه سنة 1977، بحسب شهادة الأستاذ عبد الحميد هنية، إحدى الجامعات الألمانية تقديم محاضرة حول تاريخ تونس، وبعد ذلك اقترحت عليه المؤسسة نفسها وضع كتاب مختصر حول تاريخ البلاد التونسية، فصاغه بالفرنسية ثم تُرجم في أواسط ثمانينيات القرن العشرين إلى العربية بعنوان: تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال. تطرّق هذا الكتاب إلى مراحل لم يخض فيها كتاب خلاصة تاريخ تونس؛ إذ عاد إلى ما قبل التاريخ ووصل إلى مرحلة الاستقلال. ولم يكن من الصعب على المؤلف تناول مسألة الدولة الوطنية، ولكنّه آثر الابتعاد عن دولة بورقيبة واللجوء إلى حقب تاريخية أخرى لإثبات فكرة واحدة هي وجود كيان قائم بذاته وضارب في القدم ودعّم هذه الفكرة لاحقًا في أطروحته، التي تحدّثت عن "ذاتية تونسية". وعلاوة على ذلك، يُعتَبر هذا الكتاب قطيعة مع ما نُشر سابقًا من حيث اللغة والمنهاج الذي كان خاضعًا للكتابة الأكاديمية الفرنسية، وخاصة مدرسة الحوليات، حيث توخّى مقاربة تحليلية وتأليفية مع اللجوء إلى تقديم بعض الفرضيات من دون الوقوف على التفاصيل والأحداث التي وضع جدولًا لأهمها في آخر الكتاب. مثّل الكتاب منعرجًا معرفيًا وربما إبستيمولوجيًا، فقد لفت النظر إلى عهود ما قبل التاريخ وتوخّى منهج الحوليات الذي أثّر في إنتاج المعرفة التاريخية في تونس. بل يمكن أن نعتبر أنه رسم ملامح البحث التاريخي في الجامعة التونسية للجيل الجديد من المؤرخين الشبان الذين تتلمذوا على الأستاذ الشريف، وقد حسم أيضًا عدة أمور، من بينها الذاتية التونسية وتشكّلها عبر التاريخ والتحقيب الذي ينصهر ضمن التحقيب الأوروبي والقطع مع ارتباط الكتابة التاريخية بالمطالب الوطنية. ويمكن أن نقارن هذا الأثر بمؤَّلَف مجمل تاريخ المغربالذي أصدره العروي سنة 1970، والذي كان، والحق يقال، أكثر تفصيلًا واتساعًا وشموليةً، وكانت غايته تجاوز الكتابة التاريخية الاستعمارية؛ ولذلك دوّن باللغة العربية شأنه في ذلك شأن كتاب صالح فركوس الموسوم ب: تاريخ الجزائر، ما قبل التاريخ إلى غاية الاستقلال. ويبقى السؤال مطروحًا: كيف نفهم هذه التجربة الفردية التي خاضها الشريف؟ أتُعبّر عن مرحلة من تطور البلاد أم عن تصور فردي أو عن فئة قد يكون لها موقف من الدولة الوطنية الناشئة؟ كيف نفهم الطلب الألماني لإنجاز هذا المؤلف في أواخر سبعينيات القرن العشرين؟

انطلاقًا من معرفتنا بالرجل وبكتاباته، نستطيع تقديم فرضية ترتكز على ثلاثة محددات أساسية في شخصيته تجسّدت في الكتاب قيد الدرس، وهي:. أ انتماؤه إلى فئة "بلدية" (أعيان) مدينة تونس التي كان لها موقف حذر من بورقيبة، الذي أقصاها من السلطة وصادر بعض ممتلكات أفرادها؛ الأمر الذي أثّر بصفة واعية أو لاواعية في موقف الشريف منه ومن حكمه، حيث أفضى لنا مرة أنه فرّ من دولة بورقيبة فوجد نفسه تحت وطأة دولة حسين بن علي التي كانت موضوع أطروحته.. ب إيمانه بالماركسية التي كان بورقيبة يحاربها وتوخّيه منهج المادية التاريخية في كتاباته وفي دروسه الجامعية التي انبهر بها أغلب طلبته، ومن هنا جاء اهتمامه بعلم الاجتماع الذي أقحمه في جل كتاباته، خاصة أنه مرّ بتجربة في مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية عمل فيها مع صوفية فرشيو وليليا بن سالم، ما أفرز ما يمكن أن نعتبره "الماركسية البلدية" التي تناهض في الوقت نفسه بورقيبة والحزب الشيوعي، وتستنكف باستحياء من "الأفاقيين" الجدد (ولو كانوا ماركسيين) الذين غزوا الجامعة التونسية بفضل إصلاح التعليم الذي تمّ سنة 1958.. ج يمثل الشريف شخصية مخضرمة، حيث تتلمذ على جيل من المؤرخين الفرنسيين، مثل أندري مارتال وجون قنياج وشارل أندري جوليان، ما جعله ينقل للجامعة التونسية إرث هذا الجيل الذي لم ينته تأثيره بعد الاستقلال. ولكن مع هذا التأثير المعرفي الفرنسي، لنا أن نتساءل: ما سبب اهتمام ألمانيا بتونس وطلبها إنجاز هذا الكتاب في نهاية سبعينيات القرن العشرين؟ انتهجت تونس، منذ بداية السبعينيات، سياسة الانفتاح الاقتصادي ومنحت رأس المال الأجنبي امتيازات بموجب "قانون أفريل 1972 ". وأدت هذه السياسة الاقتصادية التي توخاها الوزير الأول الهادي نويرة إلى نمٍّوٍ ما لبث أن توقّف سنة 1977، ليؤدي إلى أزمة 26 جانفي [كانون الثاني/ يناير] 1978 التي اصطدم خلالها العمال بالقمع الذي ترك عشرات الضحايا. يبدو أن هذه السياسة الليبرالية أغرت الألمان الذين كان سيّاحهم الوافدون على تونس من أكثر السيّاح الأوروبيين، وبحثوا عن سبل الاستثمار في هذا البلد. ولكن بصرف النظر عن الظرفيتَين الداخلية والخارجية، كان كتاب تاريخ تونسيعبّر عن وجود ذاتية تونسية تبحث لنفسها بعد عشرين سنة من الاستقلال عن مقومات التطور وعن مشاريع حداثية ترسّخ انتماءها الوطني، وتربطها بالآخر بعد أن تخلّصت من عقدة الاستعمار. هذا الكتاب، مثل صاحبه ومثل البلد الذي ينتمي إليه، هو بحث عن الذات وبحث عن الآخر. وهي القضية المركزية التي نجدها في كتاب جامع مختلف، يتمثل في كتاب صوفي بسيس باللغة الفرنسية الموسوم ب: تاريخ تونس منذ قرطاج إلى اليوم.

3. تاريخ تونس منذ قرطاج إلى اليوم: شخصية متعددة الأبعاد ومقاربة الأنثروبولوجيا التاريخية

يكتسي هذا الأثر أهمية بالغة، لأنه كُتب في سياق جديد عقب "الثورة التونسية"، ووضعته مؤرخة تونسية - فرنسية تنتمي إلى البرجوازية اليهودية ووُلدت بمدينة تونس سنة 1947، ثم انتقلت إلى فرنسا خلال ستينيات القرن العشرين لمواصلة دراستها حيث استقرّت نهائيًا، ولكنّها حافظت على جذورها التونسية وبقيت على صلة دائمة ببلدها الأصلي. وهي ابنة المؤرخة جوليات بسيس، وكان والدها ينتمي إلى الحزب الشيوعي، في حين كان جدّها ألبار بسيس قريبًا من الوطنيين وعضوًا بالمجلس القومي التأسيسي، وشغل منصب وزير في حكومة الطاهر بن عمّار.

جعلت هذه المعطيات صوفي بسيس متشبثة بانتمائها إلى تونس تشبّثها بالمكونات الأخرى لشخصيتها؛ وهو ما يبرز في مقالاتها الصحافية وفي كتاباتها التاريخية حول البلدان المغاربية والشرق في علاقته بالغرب. وكان الكتاب الذي أصدرته بالاشتراك مع سهير بلحسن حول بورقيبة ودفاعها عن الديمقراطية وعن المرأة في تونس تعبيرًا عن انتمائها إلى البلد. وقد أحيت "الثورة التونسية" في نفسها جذوة انتمائها إلى تونس؛ فأصدرت كتاب تونس من قرطاج إلى اليوم، لتعبّر عن الهوية المتجذرة لهذا البلد المتعدد الأبعاد، اعتمادًا على منهج الأنثروبولوجيا التاريخية الذي توخاه بعض المؤرخين ذوي الأصول اليهودية التونسية، مثل لوسات فالنسي. تناول هذا الكتاب كل الحضارات المتعاقبة على تونس، مبيّنًا ثوابت التعدد والتعايش مع قدرةٍ على الحراك والفعل والتحرر، وتميّز أيضًا بدراسته لتجربة الدولة الوطنية وما راكمته إلى جانب عديد المكاسب من أخطاء وضروب من الفشل، مثل عدم التوازن الجهوي الذي أفضى إلى أحداث الحوض المنجمي سنة 2008، وأحداث جانفي [كانون الثاني/ يناير] 2011. حاول هذا الكتاب أن يؤسس لهوية ثقافية تونسية منفتحة ومتعددة، في سياق حداثة كونية يتعايش فيها الأنا مع الآخر والشرق مع الغرب، وكأنّي به يعبّر عن تخوّف من انتكاسة قد تحدث إثر بعض السياسات المتوخاة بعد "الثورة التونسية". كتب التجارب الفردية التي تناولناها بالدرس ثلاثة أكاديميين، لكل منهم تكوينه ومقاربته لكتابة التاريخ، وهم: عبد الوهاب وهو ذو تكوين تونسي عربي فرنسي يمثّل جيلًا أوّلَ، والشريف ذو التكوين الصادقي والفرنسي وهو ينتمي إلى جيل ثانٍ، وبسيس ذات التكوين الفرنسي الصرف وهي من جيل ثالث. وكان كل كتاب معبّرًا عن رهانات ثلاثة لسياقات تاريخية مختلفة: رهان الأيديولوجيا الوطنية بالنسبة إلى خلاصة تاريخ تونس، ورهان الدولة الوطنية والتنمية بالنسبة إلى تاريختونس، ورهان الحداثة والهوية المتعددة الأبعاد في مرحلة العولمة عبّر عنها كتاب تونس من قرطاج إلى اليوم. أمّا من حيث مناهج الكتابة ونوعيتها، فإننا انتقلنا من كتابة كلاسيكية تستمد جذورها من الإخباريين التونسيين ومتأثرة بالمقاربة الوضعية للافيس (عبد الوهاب)، وتريد أن تبني سردية وطنية تونسية، إلى كتابة تتوخى طريقة الحوليات والمادية التاريخية (الشريف)، لتبيّن الثوابت المادية للدولة التونسية، لنصل في الأخير إلى كتابة منفتحة على الأنثروبولوجيا التاريخية (بسيس). وعلى الرغم من اختلاف هؤلاء المؤرخين الثلاثة في المرجعية الفكرية وفي مقاربة علم التاريخ، فإنهم اشتركوا في عدة جوانب، أهمها:. أ أسس كل منهم على طريقته الخاصة للشخصية التونسية، ويمثّل كل منهم مرحلة انتقالية في سياق المتغيرات العالمية: فعبد الوهاب انتقل من الكتابة الإخبارية إلى الكتابة الوطنية غداة الحرب العالمية الأولى وما أفرزته من إعادة التوازن في العالم؛ في حين انتقل الشريف في سياق ما بعد الاستعمار إلى الكتابة الوطنية اعتمادًا على مقاربة المادية التاريخية؛ وانتقلت بسيس في سياق العولمة و"الربيع العربي" من الكتابة الوطنية الضيقة إلى الوطنية المتعددة الأبعاد ذات المرتكزات الثقافية والأنثروبولوجية في سياق مواطنة كونية.. ب لعل من الغريب أو اللافت أن هؤلاء المؤرخين الثلاثة ينتسبون إلى عائلات وفئات محظوظة تنتمي كلّها إلى مدينة تونس؛ فعبد الوهاب نشأ في عائلة مخزنية، والشريف ينتمي إلى الأرستقراطية "البلدية" (الأعيان)، وبسيس أصيلة عائلة من البرجوازية اليهودية. أعَبَّر كل منهم عن مساره الفردي أم عن مساره العائلي أم عن المسار الجماعي للشخصية التونسية؟

. ج نعتبر أن كل واحد منهم عبّر، من خلال كتابته لتاريخ تونس، عن شخصيته على المستويات الفردية والعائلية والاجتماعية وكذلك الوطنية والحضارية. إنها أبعاد متداخلة لا يخلو منها أيّ إنتاج للمعرفة التاريخية التي لا تنتجها بالضرورة الحواضر الكبرى دون سواها. وكلّ ما في الأمر أنّ ما عاشته مدينة تونس من دينامية اقتصادية ومن حراك سياسي وثقافي، خلال الحقبة الحديثة والمعاصرة، هو الذي يفسّر صدور المؤلفات الثلاثة من مؤرخين نشؤوا وتعلّموا في العاصمة. فهل ينطبق الأمر نفسه على الكتابة التاريخية الجماعية؟

ثانيًا: المرحلة الأولى للكتابة الجماعية لمجمل تاريخ تونس: ترسيخ الدولة التونسية اعتمادًا على مناهج المدرسة التاريخية الفرنسية

شهدت البلاد التونسية في بداية ستينيات القرن العشرين أحداثًا جسامًا منها جلاء القوات الفرنسية عن بنزرت في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1963، والجلاء الزراعي في 12 أيار/ مايو 1964، وبداية سياسة التعاضد التي أُعِلن عنها إثر مؤتمر الحزب من السنة نفسها، ولكن تعرّضت سلطة بورقيبة لبعض الصعوبات، منها "المحاولة الانقلابية"، ما دفعه إلى حظر المعارضة السياسية وخاصة الحزب الشيوعي التونسي سنة 1963. في هذا السياق، تأكّد لبورقيبة أن الاستقلال وحده غير كافٍ لبناء دولة قوية، وأنّه لا بد من تركيز مقوماتها ودعائمها وتجذيرها في الواقع. وأوكلت هذه المهمة إلى الحزب والمنظمات الوطنية والدعاية السياسية وإلى سياسة ثقافية جديدة كان الشاذلي القليبي واضعها. ولم يمنع ذلك بورقيبة من التدخل بنفسه، واتخاذ بعض القرارات، مثل الدعوة إلى بعث مسرح تونسي وتكوين فرق جهوية، وكان يتابع بعضها، مثل الفرقة الجهوية بالكاف، حيث كان يتردّد باستمرار على هذه المدينة التي اشتغل بها أخوه ممرّضًا قبل الاستقلال وأقام معه فيها أحيانًا. وعلاوة على ذلك، كان بورقيبة عارفًا بالتاريخ العربي الإسلامي وبالتاريخ الفرنسي إلى حد الشغف، ولا يمكن مبدئيًا أن يتغافل عن عدم وجود كتاب يجمع مختلف مراحل تاريخ البلاد التونسية. في هذا السياق، استدعى بورقيبة، أثناء إقامته بالكاف، نخبة من الجامعيين وطلب منهم إصدار كتاب يؤرّخ لمختلف الحضارات التي تعاقبت على البلاد التونسية، والتي ساهمت في تأسيس الشخصية التونسية. متى كان هذا اللقاء؟ ومتى صدر الكتاب؟ اتصلنا بالمسؤولين الجهويين بمدينة الكاف في ذلك الوقت، ولم يقدّم لنا أحد تاريخ هذا اللقاء. وأفادنا الأستاذ عمار المحجوبي، الذي كان أحد الحاضرين في اللقاء، أن تحرير الكتاب استغرق سنتين. وهو ما يجعلنا نعتبر أن اللقاء كان في غضون سنة 1964، التي مثّلت منعرجًا في سياسة الدولة التونسية، كما أسلفنا. وصدرت عن الدار التونسية للنشر والتوزيع نسخة من الكتاب الجماعي نفسه باللغة الفرنسية، ولم يحمل الجزء الأول والثاني منها تاريخ النشر، في حين نُشر الجزء الرابع المتعلّق بالفترة المعاصرة سنة 1976، ولم يصدر الجزء الثالث الخاص بالفترة الحديثة سوى سنة 1983. وتكرر هذا التواتر في سنوات النشر في الطبعة المنقّحة والصادرة عن دار الجنوب للنشر من سنة 2003 إلى 2010، وقد وردت

في الجزء الرابع من هذه الطبعة كلمة للناشر يشير فيها إلى أهمية إعادة طبع الكتاب، وإلى لقاء بورقيبة بالجامعيين من دون الإفصاح عن سنة اللقاء، ونظرًا إلى أهمية هذا النصّ نورده في الهامش. تبيّن كلمة الناشر الواردة في تصدير الجزء الرابع لسنة 2010، والتي ذكرناها، الطلب السياسي لتركيز دعائم الدولة على أساس "الوحدة الوطنية"، التي هي في حاجة إلى أن تُبنى عن طريق كتاب جماعي في التاريخ يبيّن الروابط المشتركة بين مختلف مكوّنات الأمّة التونسية. وتؤكّد توطئة الجزء الأوّل من الطبعة ذاتها لسنة 2010 الأمر نفسه، حيث جاء فيها: "منذ أكثر من ثلاثين سنة أصدر جامعيون شبان بإيعاز من السلطة الوطنية كتابًا حول تاريخ تونس العام. وقد قوبل هذا الكتاب بالنجاح لأنه جاء استجابة لبعض الانتظارات". استجابت النخبة الجامعية الجديدة لطلب بورقيبة وتأسس بين الطرفين نوع من العقد الثقافي والسياسي في سياق نخوة الاستقلال، وكُتبت مختلف نسخ الكتاب باللغة الفرنسية في ظرفية لم يأخذ خلالها التعريب مكانته في الدولة ولدى النخبة المثقّفة التي تلقّى أغلب عناصرها تكوينًا فرنسيًا جعلها تقيم وشائج مع الثقافة الفرنسية أكثر من غيرها من الثقافات الأخرى، في وقت لا تزال فيه الجامعة التونسية بصدد النشأة. وكان من بين هؤلاء مؤلّفو هذا الكتاب الجماعي الذين تكوّنوا في الجامعات الفرنسية. وتظهر حينئذ المفارقة العجيبة، وهو أن التأسيس للدولة الوطنية وللشخصية التونسية كان بلغة، وربما بروح، أجنبية، وهو ما يبرز مرّة أخرى تواصل الارتباط بالثقافة الفرنسية. وتؤكد محتويات الكتاب ومصادره هذا الأمر. يحتوي هذا المؤلف الجماعي على أربعة أجزاء، وردت عناوينها في صيغة موحّدة مع أربعة عناوين فرعية خُصص كل منها لحقبة تاريخية معينة، وقد كتبه جامعيون من اختصاصات تاريخية مختلفة وردت أسماؤهم كما يلي في الطبعة الأولى الصادرة عن الدار التونسية للنشر والتوزيع التي أشرنا إليها سابقًا:

Histoire Générale de la Tunisie: Tome I: L ' Antiquité , écrit par Hédi Slim, Ammar Mahjoubi & Khaled Belkhoja. Histoire générale de la Tunisie: Tome II: Le Moyen- Âge (27 h-982/647h-1574), écrit par Hichem Djait, Mohamed Talbi, Frahat Dachraoui, Mohamed Dhouib et Mohamed Ali Mrabet. Histoire Générale de la Tunisie: Tome III: Les Temps Modernes (941-1274/ 1534-1881), écrit par Ezzedine Guellouz, Abdelkader Masmoudi & Mongi Smida Histoire Générale de la Tunisie: Tome IV: L ' époque contemporaine (1881-1956) , écrit par Ahmed Kassab.

وقد أدخلت على هذا الأثر تعديلات في الطبعة الصادرة عن دار الجنوب من سنةُ2003 إلى سنة 2010، تتمثّل في عمليّة إثراء للنصوص الأصلية أجراها أصحابها، مع إدراج صور لبعض اللوحات والقطع الأثرية للفترة القديمة، أضافها عبد المجيد النابلي، وأدرج

فوزي محفوظ في الجزء الثاني بعض الصور لمعالم ومواقع أثرية، وفعل أحمد السعداوي الأمر نفسه بالنسبة إلى الجزء الثالث. أمّا الجزء الرابع، فقد أقحم فيه نص لأحمد ونيس، وهو ليس مؤرّخًا، إلى جانب بعض المعلومات والصور الفنية والرسوم أضافها علي اللواتي ومراد الصقلي وكذلك شيراز مصباح ورابعة بن عاشور عبد الكافي. وهكذا، اتخذ الكتاب صبغة فنية جميلة، دعمت فصوله التاريخية. سنعتمد إذًا نسخة سنة 2010، للنظر في مضمون الكتاب مع الأخذ في الاعتبار الإضافات التي طرأت عليه من حيث المحتوى وأسماء المشاركين. بدأ الجزء الأول بتعريف الوسط الجغرافي، على غرار الدراسات الفرنسية في ذلك الوقت، وقد تناول الفترة القديمة بما فيها ما قبل التاريخ والسكان الأصليون الذين هم البربر. وخصص حيّزًا مهمّا لقرطاج وانتصاراتها ورموزها، في وقت كان فيه بورقيبة يعتبر نفسه "يوغرطة الذي انتصر"، وأنه "صنع أمّة من شتات". أصبحت حينئذ الأيديولوجيا الوطنية السائدة ترى أن تونس المعاصرة هي وريثة قرطاج القديمة. ولا يخرج محتوى الجزء الثاني عن السياق نفسه، حيث نظّر لوجود دولة، استنادًا إلى مرجعيات أخرى تختلف عن قرطاج وبطولاتها وأبطالها؛ إذ اعتبر محمد الطالبي، في مقدمة الجزء الثاني، أن "تاريخ البلاد التونسية الوسيط ابتدأ بنور الإسلام"، وأن "إفريقية هي التشكل الذي سبق البلاد التونسية الحالية"، وأن العرب أقاموا فيها "على أنقاض عالم اندثر وانتهى حضارة ناشئة وجديدة". يبدو، من خلال تحليل الطالبي، أن ثلاثة روافد انصهرت لتفرز الهوية التونسية، وهي الإسلام عقيدة، والعرب ثقافة، وإفريقية بوصفها أرضًا. أصبح المشكل حينئذ مشكل هوية الدولة والمجتمع، وكأن الصراع الذي كان خلال الحقبة الاستعمارية بين الإرث الروماني والإرث العربي قد عاد من جديد، ولكن في صيغة مغايرة؛ حيث أصبح محوره مرجعية الدولة الوطنية. لم يعد المشكل يتمثل في وجود تونس من عدمه عبر التاريخ، بل أصبح يكمن في مرجعية الدولة والثقافة الوطنية. ففي حين يرجعها بورقيبة ومختصو التاريخ القديم إلى قرطاج والبربر، يرجعها الطالبي إلى الإسلام والعرب. وبيّن الطالبي، في الفصل الذي حرّره حول "إفريقية في العهد الأغلبي"، أن إبراهيم الأول أسس "إمارة مستقلة". وخاض المؤِلّف في "حدود الإمارة" ووصل به الأمر إلى الحديث عن "دولة أغلبية" يكاد يقول "تونسية " أو "وطنية"، وهو يلتقي في هذا الشأن مع هشام جعيّط الذي كتب الفصل المخصص ل "الغزو العربي والإمارة"، ويختلف مع الطالبي في طبيعة ومرجعية هذه الإمارة التي كانت النواة الأولى لتشكّل دولة تونسية أصبح العنصر الفاعل فيها، بحسب جعيّط، هو الرافد العربي بلغته وثقافته ومشرقيته، ويكاد يقول ب "قوميته"، فالدولة الوطنية لا مستقبل لها إذا لم تنصهر في القومية العربية. ويؤكد ما ذهبنا إليه أن كلمة الإسلام شبه غائبة في الفصل الذي كتبه جعيّط، والذي طغت عليه كلمة "العربي"، على عكس الطالبي الذي ركّز على الإسلام باعتباره أيديولوجيا

جديدة ومؤسسة. وقد يعود هذا الاختلاف إلى الخلفية الأيديولوجية لكل منهما، وإلى تشبّث الطالبي بالإسلام وإيمان جعيّط بالقومية العربية، التي ساهم في التنظير لها في كتابه الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. وواصلت الفصول الأخرى من الكتاب نفسه الحديث عن الدولة والسيادة، بحسب المصطلحات التي يستخدمها كل مؤلّف. فلم يكن فرحات الدشراوي، أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية، يولي الفاطميين الذين أنشؤوا دولة بالمهدية قيمةً؛ وذلك لسببين: أولهما أيديولوجي إذ كانت تعتمد المذهب الشيعي، وثانيهما سياسي باعتبارها ذات منحى "إمبريالي"، دفعها إلى اختيار المشرق على حساب المغرب؛ فلم تساهم حينئذ في التأسيس للدولة التونسية. ويتضّح أن الدشراوي، شأنه شأن بورقيبة، حسم في ولاء تونس للشرق الذي لم يمنحها شيئًا سوى الإسلام، الذي هو أحد أهم مرتكزات الهوية التونسية. ولئن شكّل الصراع بين الفاطميين الذين انتقلوا إلى الشرق والزيريين الذين حكموا إفريقية بعدهم نقطة تعثّر في مسار إنشاء الدولة التونسية، فإنّ "الدولة الحفصية" ما لبثت أن أتمّت بناء هذه الدولة التي اختارت لها عاصمة جديدة هي مدينة تونس. يبدو أن الجزء الأول المخصص للفترة القديمة نظّر لوجود وحدة مجالية، تشكّلت أساسًا في عهد قرطاج و"أفريقيا الرومانية" مع شعورٍ بالانتماء إلى هذا المجال، أمّا الجزء المخصص للفترة الوسيطة فقد كُتب ب "عقل ووجدان"، بحسب عبارة الأستاذ محمد حسين فنطر، لأنه أرّخ وأسّس لظهور دولة تونسية انطلاقًا من مرجعيات مختلفة وصلت أوجها مع الدولة الحفصية، التي استقلت عن الموحدين كما استقل الولاة من قبل عن العباسيين. وإذا كان الأمر كذلك، فما الإضافة التي قدّمها الجزء الثالث المخصص للفترة الحديثة؟ واصل الجزء الثالث التأصيل لدولة تونسية، برهانات جديدة، لأن الأمر حُسم بالنسبة إلى وجود دولة راسخة متجذرة في هويتها، ولكن انطلاقًا من القرن السادس عشر، أصبح التح يد الأساسي هو ضرورة الدخول في مرحلة تاريخية جديدة، هي الانصهار في الحداثة الكونية. ولعل عنوان الجزء الثالث "الأزمنة الحديثة" يوحي بذلك بصفة واضحة. ويجدر توضيح بعض اللبس المتعلق بهذا العنوان. فلو كان "الفترة" أو "الحقبة الحديثة" لسلّمنا بأنه يرمز إلى المرحلة التاريخية الممتدة من القرن السادس عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر، ولكن عبارة "الأزمنة الحديثة" بصيغتها الفرنسية تعني ظاهرة الحداثة من حيث هي تيار جديد دخلت فيه الإنسانية. عاشت البلاد التونسية، على عكس الحقبة الوسيطة، تراجعًا واضطراباتٍ وصراعًا على السلطة فتح الباب أمام القوى المتوسطية من إسبان وعثمانيين، انتهى بتمركز هؤلاء في تونس سنة 1574. وتناول الكتاب المسألة باقتضاب في فصل واحد، جمع بين نهاية الدولة الحفصية وقدوم العثمانيين، على الرغم من اختلاف الظاهرتين، وكأنّها مسألة عابرة وعرضية مقارنةً بالفصول المخصصة ل "الدولة المرادية" و"حكومتها المركزية" ومختلف مؤسساتها، وكذلك ل "تونس الحسينية  ". وتدل هذه العبارة على أن تونس موجودة قبل الحسينيين الذين حكموها ابتداءً من سنة 1705، وهي التي كيّفت نظام حكمهم عبر تأثير المجتمع المحلي الذي استوعب العناصر التركية. وعلى هذا النحو، شهدت البلاد التونسية تطورًا تدريجيًا نحو الاستقلال عن الباب العالي، واستطاعت تنفيذ إصلاحات تحديثية، مثل "عهد الأمان" الذي فتح المجال سنة 1857 ل "حقوق الإنسان"، ومنح اليهود والمسيحيين أغلب الحقوق التي يتمتّع بها المسلمون، ومهّد بذلك ل "المواطنة". وحدّد دستور 1861 العلاقة بين السلطة والأهالي، ساعيًا لوضع أسس

"ملكية دستورية" تونسية، تكون الأولى في العالم الإسلامي. فعلى الرغم من الأزمات، تركّزت دولة ذاتية تونسية تعتمد على العنصر المحلي، وبدأت في إرساء مؤسسات حداثية، وجاء الاستعمار ليضع حًّدًا لهذه الديناميكية. أمّا الجزء الرابع، فهو يواصل تقريبًا التمشّي نفسه، بالحديث عن السيادة التونسية وعن مقاومة الاحتلال الفرنسي الذي جثم على البلاد بعد معاهدة باردو، التي وُِّقِعت في 12 أيار/ مايو 1881، وختم بالحديث عن الحركة الوطنية؛ وهو ما يجعل القارئ يدرك أنّ الاستعمار زائل لا محالة. فتونس هي الجوهر والاستعمار حدث طارئ لن يقضي على الجوهر الذي استعاد دولته في 20 آذار/ مارس 1956. ولكن مع هذا التواصل في التشديد على وجود دولة تونسية عبر التاريخ، فإنّ هذا الجزء الرابع تفرّد عن الأجزاء الثلاثة الأخرى بأنه كتبه مؤلف واحد، زيادة على أنه مختص في الجغرافيا، ونعني بذلك أحمد القصاب. ولا ندري، أيعود هذا الأمر إلى عدم وجود مختصين في التاريخ المعاصر، أم أنّ هذا المؤلّف فرض نفسه باعتباره مختصًا في الجغرافيا الريفية بما في ذلك الزراعة زمن الاستعمار؟ وبالفعل، بدا هذا الجزء الرابع بحديثه عن السكان وطرائق السيطرة على الأرض واستغلالها وانتشار المنتجات الصناعية وكأنه كتاب جغرافيا تاريخية. وربما يكون استبعاد الهادي الشريف، الذي كان أولى بتولّي المهمة في ذلك الوقت، قد أتاح له الفرصة ليؤلّف كتابًا شاملًا حول تاريخ تونس، والذي أشرنا إليه سابقًا في سياق التجارب الفردية لكتابة تاريخ البلاد. بدا الخيط الناظم بين مختلف أجزاء الكتاب هو تأكيد وجود كيان تونسي عبر التاريخ، ساهم الجزء الأول في تحديد مجاله التاريخي والحضاري، وبيّن الجزء الثاني تشكّل المرجعيات الثقافية لدولةٍ تونسية تحوّلت بحسب الفصل الثالث إلى شبه ملكية دستورية، بدأت تلامس الحداثة التي قضى عليها الاستعمار من دون أن يقضي على جذوة الدولة التي أعادت لها الروح الحركة الوطنية. وبدا هاجس وجود دولة تونسية عبر التاريخ طاغيًا لدى المؤلفين إلى حدّ المبالغة أو الإسقاط أحيانًا، كالحديث عن "ملكية دستورية " سنة 1861، أو اعتبار حكم محمد الصادق باي خاضعًا لهذا المبدأ. ومع الرغبة في التنظير لكيان تونسي عبر استنطاق الماضي، بقيت هذه القراءة الوطنية للتاريخ حبيسة الثقافة الفرنسية، من حيث تأثير المدرسة الوضعية والتحقيب المعتمد، والمدوّنة المصدرية، ولغة الكتابة. ولا شكّ في أنّ هذا الكتاب اعتمد أساسًا على الكتابات التاريخية الفرنسية التي تعود في أغلبها إلى الحقبة الاستعمارية ولم ينقدها، مثلما فعل العروي في مجمل تاريخ المغرب، وحافظ على التحقيب نفسه الذي اعتمده الفرنسيون من قبل (على الرغم من إضافة تواريخ هجرية في الجزأين الثاني والثالث)، ولم يُحدث بذلك قطيعة إبستيمولوجية على الرغم من تنظيره، من حيث المحتوى والرهانات، لدولة تونسية. وسيطرأ تحوّل في هذا الشأن في تجربتين لكتابة مجمل تاريخ تونس في مطلع القرن الحادي والعشرين، في سياق عولمة أصبحت تهدد الاقتصاديات والثقافات الوطنية والمحلية.

ثالثًا: المرحلة الثانية لكتابة مجمل تاريخ تونس: تجربتان متوازيتان قطعتا مع المدرسة الفرنسية وبروز مسألة الهوية

تتمثل التجربتان في أثرَين كُتبا تقريبًا في الوقت نفسه، خلال العشرية الأولى للقرن الحادي والعشرين، وكان كلاهما مشروعًا جماعيًا لكتابة تاريخ تونس العربية لغته. صدر أوّلهما سنة 2007 عن مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية، وتعَّثَر الثاني في عملية النشر الجماعي، فصدر في شكل أعمال فردية في فترة راوحت بين سنتَي 2012 و 2016.

1. التجربة الأولى: "تونس عبر التاريخ" لمجموعة من المؤرخين الجامعيين

حاولنا، مثلما فعلنا بالنسبة إلى الكتاب الجماعي الأول، أن نفهم الظروف التي أحاطت بمشروع كتاب تونس عبر التاريخ، فاتصلنا بالأستاذ خليفة شاطر الذي أشرف على وضعه، وقدّم لنا عديد المعطيات غير المعروفة في الوسط الجامعي، من بينها أن صاحب الفكرة هو الأستاذ الصادق شعبان، وقد اتصلنا به، فأمدّنا بمعلومات عن بداية المشروع ومختلف مراحله، موضحًا أن الفكرة راودته لمّا كان يشرف على معهد الدراسات الاستراتيجية خلال سنتَي 1997 - 1998. وكانت الغاية من المشروع تزويد الأجيال المقبلة بتصوّر واضح عن تاريخ البلاد وهويّتها، وذلك بإنجاز كتاب تأليفي في تاريخ تونس يتجاوز التحقيب والكتابة الكلاسيكية ويركّز على فكرة مقاومة الأهالي للغزاة، ويجذّر انتماء تونس في هويتها العربية الإسلامية، ويكون موجّهًا إلى الشباب. وقاد هذا التوجه، الذي اقتنع به الرئيس بن علي، الإعداد لحدثَين بارزين هما الاحتفال بعشرينية "التحوّل" و"سنة الحوار مع الشباب". وقد بيّن لنا الأستاذ الصادق شعبان أنه اتضح له أن البلاد كانت تعيش مشكلًا استراتيجيًا يهددها مستقبلًا، يتمثّل في عدم شعور الشباب بانتمائه إلى تونس، ولم تسمح تظاهرة "تونس ثلاثة آلاف سنة من التاريخ"، التي أشرف عليها رجاء فرحات سنة 1995، ببعث الوعي بالهوية الوطنية. وفكّر في إطار هذا التحدّي الاستراتيجي في وضع كتاب تاريخ، واستدعى، بصفته مشرفًا على معهد الدراسات الاستراتيجية، قرابة عشرين أستاذًا في الاختصاص وطلب منهم إنجاز كتاب يتمحور حول ثلاث أفكار رئيسة، هي:. أ تجاوز المنهاج السردي الذي يختزل تاريخ تونس في حضارات غازية تعاقبت على البلاد، وكأنّ التونسيين لا حول ولا قوّة لهم.. ب البحث عن خيط ناظم يكون بمنزلة القضية المركزية التي تتمحور حولها جلّ الأحداث.. ج تأكيد فكرة المقاومة وإبراز الانتصارات التي حققها التونسيون، ولو بعد حين، ما يدل على وجود شخصية تونسية صنعت التاريخ. ولإدراك الهدف المنشود، الذي هو ترسيخ الهوية الوطنية لدى الشباب، حُدّد المشروع في شكل عمل أكاديمي ضخم، تصاغ من خلاله لاحقًا محامل جديدة، كالروايات والأفلام وقصص للأطفال وغيرها. وللمحافظة على الصبغة الأكاديمية للكتاب، اختيرت سنة 1987 حدّا زمنيًا لعدم الخوض في مرحلة حكم بن علي، الذي قبل، بحسب رواية الأستاذ شعبان، المشروع بكل أركانه ومكوّناته من دون تدخّل منه أو مطالبة بإقحام شخصه أو حكمه في الكتاب. ويبدو لنا، من خلال هذه المعلومات وغيرها، أن شعبان كان يؤدّي دور المنظّر والمستشرف لمرحلة جديدة من نظام بن علي؛ إذ إنه أراد توظيف التاريخ لهذه الاستراتيجية، وقد واصل الإشراف على مشروع الكتاب بعد انتقاله إلى وزارة التعليم العالي سنة 2000. بعد مراعاة عديد الاعتبارات، أوكل إنجاز الكتاب الجامع إلى الأستاذ شاطر الذي قدّم لنا وثيقة تتضمن قائمة الأسماء المقترحة، مبيّنًا أنها أُعدّت على أساس التخصص والكفاءة، وليس على أساس الانتماء السياسي أو الأيديولوجي. وقد حدّد شاطر أهداف مشروع "الكتاب التونسي للتاريخ"، كما يلي:

توفير عمل تأليفي أكاديمي شامل لتاريخ تونس ينشر في مختلف الأوعية (كتاب-دائرة معارف-أقراص ممغنطة) ويراعي في نشراته مختلف المستويات. يسمح هذا العمل باستدراك مواطن نقص واضحة لأن القراء مضطرون إلى حد الآن إلى الاعتماد على كتب تجاوزتها الأحداث [...] كما أن مجموعة الكتب التأليفية التي نشرتها الشركة التونسية للتوزيع أصبحت لا تفي بالحاجة وقد اقتصرت على إعادة قراءة الأبحاث القديمة. يسمح هذا المشروع بتقديم بديل للكتب التي تجاوزها العصر مواكبًا الإنتاج الغزير الذي قدمته المدرسة التاريخية التونسية. يكتسي المشروع صبغة أكاديمية وبيداغوجية في الوقت نفسه، مع أخذه في الاعتبار المحامل الحديثة للمعرفة والاستناد إلى الكتابات الجامعية التونسية الجديدة، قصد التخلص من الكتب التي نُشرت باللغة الفرنسية واعتمدت على دراسات "قديمة" أنجزها أجانب، واعتمدها الجيل الأول من المؤرخين التونسيين الذين لم يتخلصوا من وطأة الماضي. يبدو أن هذا الكتاب سيكون تونسيًا "لحمًا ودمًا"، وسيعتمد اللغة العربية في وقت تبنّت فيه الدولة التعريب، واتخذت سياستها منحى عروبيًا، مناصرةً للعراق أثناء تعرّضه للغزو الأميركي. شعرنا بقراءتنا للمشروع في كل تفاصيله أنه يهيئ لوضع كتاب للمواطنة التونسية في أسسها وأبعادها التاريخية. وبالفعل أُعدّ هذا المشروع، وقُدّمت منه نسخة للأستاذ شعبان، لا تزال موجودة واطّلعنا عليها. وعلى هذا الأساس، بدأ إعداد الكتاب الجماعي الذي أنجز في ثلاثة أجزاء تقف عند نهاية حكم بورقيبة، وهي جاهزة مع بعض التصويبات البسيطة، تتعلّق بالرسم أو باللغة، خُطّت باللون الأخضر، نظنّ أنّ الأستاذ شعبان الذي تولى وزارة التعليم العالي هو الذي أجراها. نستنتج من خلال هذه المعلومات، التي صغناها انطلاقًا من الشهادات المذكورة، أنّ مشروع الكتاب كان نتيجة تفكير عميق، انطلق من معهد الدراسات الاستراتيجية الذي كان يشرف عليه الأستاذ شعبان، وأنّ هدفه كان أيضًا استراتيجيًا يرمي إلى تربية الشباب على المواطنة، في سياق مخاطر العولمة التي قد تهدد الهوية التونسية. وتحوّلت وجهة المشروع، فُأقحمت فيه معطياتٌ جديدة وجزءٌ خاص بحكم الرئيس بن علي. وبناءً على المعلومات التي استقيناها، فإنّ عبد العزيز بن ضياء الوزير المستشار برئاسة الجمهورية، هو الذي كان وراء هذه المسألة، وطالب بوضع جزء رابع خاص ب "التحوّل". وتعلّل شاطر عندئذ لبن ضياء بعدم تخصصه في التاريخ الراهن للإشراف على الجزء الرابع، فأوكلت المهمة إلى الوزير زهير مظفّر، الذي كان جامعيًا ومختصًا في القانون. وتعزز شهادة بعض الزملاء الذين ساهموا في كتابة الأجزاء الثلاثة الأولى شهادة شاطر، حيث أكّدوا أنهم كانوا بمنأى عن أي توظيف سياسي للمشروع، وأنهم لم يكونوا على علم بالجزء الرابع الذي كُتب بصفة منفصلة، وكانت الغاية منه محاولة إضفاء شرعية على حكم بن علي، الذي كان يمهّد لعهدة جديدة على رأس الدولة. وبصرف النظر عن كلّ هذه الملابسات، صدر كتاب تونس عبر التاريخ سنة 2007 قبيل انتخابات 2009 عن مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، وهو يشبه بذلك الكتاب الجماعي، الذي نشره المعهد الملكي للبحث التاريخي بالرباط سنة 2011 بعنوان تاريخ المغرب تحيين وتركيب، وأشرف عليه محمد القلبي. وقد قارن لطفي عيسى بين الأثرين. ويمكن مقارنته بالمؤلّف الجماعي الجزائر في التاريخ من العصور القديمة وحتى سنة 1954، الذي كُتب بطلبٍ من المركز الوطني للدراسات والبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة نوفمبر 1954، وأشرف عليه عثمان سع يد.

يبدو لنا حينئذ أن الدولة في بلدان المغرب أصبحت حريصة في سياق العولمة على إعادة إنتاج شرعيتها، مستندةً في ذلك إلى كل الآليات، بما فيها الكتابة التاريخية، وموِّظِفةً للغرض المؤسسات البحثية الرسمية. صدر كتابتونس عبر التاريخفي أربعة أجزاء، هي:. أ "العصور القديمة".. ب "من العهد العربي الإسلامي إلى حركات الإصلاح".. ج "الحركة الوطنية ودولة الاستقلال".. د "تونس التحوّل". يتضح أن الأجزاء الثلاثة الأولى، على عكس الجزء الرابع، خضعت لضوابط أكاديمية وكانت هواجس مؤلفيها علمية صرفة، وكُتبت بمقاربة جديدة نختزلها في ثلاث مسائل، هي: التحقيب، والتراث، والهوية. المسألة الأولى: بعد أن كان الحديث سائدًا عن فترة أو "مرحلة قديمة" شهدتها البلاد التونسية سمح تقدّم البحث التاريخي في هذا الحقل بالحديث عن "عهود قديمة" متعددة ومتباينة، ويبدو هذا منطقيًا ومقنعًا، على الرغم من أن البحث في هذا الاختصاص لم يصل في تونس إلى نقد الكتابة الفرنسية، مثلما فعل محمد بشير الشنيتي في الجزائر. أمّا التغيير الجوهري، فيتمثّل في أمرين، أوّلهما استخدام كلمتَي "العربي والإسلامي"، وكأن هذا التجميع حسمٌ للخلاف بين جعيّط والطالبي، أمّا ثانيهما فهو غياب تسمية "الحقبة الوسيطة" في عنوان الكتاب، وتوسيع قاعدتها الزمنية لتشمل مرحلة الإصلاح التي شهدها القرن التاسع عشر. وقد كان الأستاذ راضي دغفوس، في نقاشنا معه في عدة جلسات أكاديمية، من المدافعين عن هذا التحقيب، معتبِرًا أن الفترة الحديثة والمعاصرة تمّثلّان حقبة تاريخية واحدة. ولعلّه من اللافت أنه افتتح الجزء الثاني بمقدّمة تحدّث فيها عن الحدود الزمنية للمرحلة الوسيطة (من انتشار الإسلام إلى قدوم العثمانيين سنة 1574)، من دون الإشارة إلى أسباب التخلّي عن هذا التحقيب الكلاسيكي، واستبداله بتحقيب يدمج القرن التاسع عشر في الفترة الوسيطة. ومهما تكن مبررات هذا التحقيب، فإن الغاية منه، في رأينا، هي اختزال فترتين في جزء واحد لإفراد جزء خاص ب "التحوّل". وهو الهاجس نفسه الذي دفع إلى إدماج مرحلة الحركة الوطنية ودولة الاستقلال في جزء ثالث. نستنتج حينئذ أن الغاية من التحقيب المشار إليه لم تكن نتيجة تفكير ومراجعة أكاديمية مبرّرة ومعللّة على أساس معطيات أو فرضيات، بل كانت أساسًا ذات خلفيات امتزجت فيها السياسة بالمعرفة. أمّا المسألة الثانية، فهي إقحام صور لمعالم أثرية ومنشآت حضرية وأعلام. ولئن أ قحِمت في سنتي 2008 و 2010، كما أشرنا سابقًا، بعض مظاهر الآثار والتراث في كتاب Tunisie la de Générale Histoire، فإن المعطى الجديد فيتونس عبر التاريخ يكمن في كثافة صور هذه المعالم ورسومها إلى درجة تكاد فيها تعادل النصوص. وهو ما يدلّ على أنّ للكتاب غاية بيداغوجية واضحة،

جاءت في سياق إصلاح التعليم في حقل الإنسانيات في المعاهد الثانوية الذي أشرف عليه جامعيون، من بينهم محمد الشرفي وتوفيق العيادي وحمادي بن جاب الله، وإن كان كنه المنجزين يختلف تمامًا. يمثّل إقحام التراث بدرجة تكاد تتساوى مع التاريخ منعرجًا حاسمًا في الكتابة التاريخية في تونس. فما الغاية منه؟ وما الاستراتيجيات المعتمَدة فيه؟ لا يهمنا في هذا السياق البحث في الآثار أو في التراث الذي تُجريه المؤسسات البحثية، كالمعهد الوطني للتراث أو ما يبذله العلماء والباحثون، ولكن الذي يهمّنا هو تدريس هذَين الاختصاصَين في الجامعة. فقد دخل تدريس التراث وكذلك علم الآثار الجامعة التونسية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبداية تسعينياته وعشنا مع غيرنا هذه التجربة. وكان أوّل الأمر عن طريق شهادة مختصة في التراث أعدّتها خلال السنة الجامعية 1997 - 1998 جامعة تونس بالتعاون مع بعض المؤسسات من أحد البلدان الأوروبية. وما لبثت أن تبنّت وزارة التعليم العالي الاختصاص، ففُتح في العاصمة "معهد مهن التراث" سنة 2000، وُأحدثت شهادة ماجستير ثم لجنة دكتوراه في التراث بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية أشرف عليها الأستاذ دغفوس، وكانت تقتصر، بحسب ما كان يردّده، على ذوي "الاختصاص". وكانت هذه الهياكل تعمل مستقلّةً عن أقسام ولجان الماجستير والدكتوراه في التاريخ التي شملت كل المختصين في التراث والآثار، بمن في ذلك الباحثون المنتمون إلى المعهد الوطني للتراث. أدى عمل لجان التراث والآثار بهذه الصيغة إلى إثارة بعض الحيرة والتساؤلات لدى بعض المؤرخين، إلى أن بادرت وزارة التعليم العالي إلى توحيد هذه الاختصاصات، فأحدثت لجان "الدكتوراه في التاريخ والتراث والآثار". ولكن المسألة لم تُحسَم في مستويات أخرى، حيث شهدنا مناقشات أطروحات دكتوراه في الآثار، عِيبَ على أصحابها أنها خاضت في التاريخ، وأصبح بعض المختصين في الآثار والتراث يعتبر أن اختصاصه لا يتقيّد بتحقيب تاريخي ضيّق. ولا يكمن المشكل في النبش في هذا التراث أو التنقيب في هذه الآثار أو تدريس هذَين الاختصاصَين، بل إن هذا أمر محمود إذا ما قورن بنتائج البحث التاريخي، ولكن ما لا يستقيم معرفيًا هو أن تُجَرَّد دراسة التراث أو الآثار من المعرفة التاريخية، وأن تقتصر على جزئيات فنية وتقنية تتجاهل تلاقح العلوم وتداخل مختلف أصناف المعرفة. ومهما يكن من أمر، فإن التاريخ تراجع من حيث هو اختصاص وحقل بحثي لفائدة التراث. وقد يعود ذلك إلى عوامل موضوعية أدّت إلى تهميش التاريخ باعتبار أنّ الأنظمة القويّة تقصيه بصفته اختصاصًا. وتواصلت الوضعية في فترةٍ تفاقم فيها الطلب الاجتماعي على كتابة التاريخ غداة سنة 2010 وما بعدها. قد يكون في ذلك تقصير من المؤرخين الأكاديميين الذين بقوا في برجهم العاجي، وقد يكون الأمر مرتبطًا برغبة في إقصاء التاريخ لمحو الذاكرة الوطنية والهوية العربية انطلاقًا من توظيف التراث المادي أو غير المادي. أمّا فيما يخص المسألة الثالثة أو البعد الثالث للكتاب المتعلّق بالهوية، فقد أفصحت عنه منذ البداية "كلمة الرئيس زين العابدين بن علي" التي تصدّرت الجزء الأول منه، والتي اعتبرت أن "التاريخ بأخباره وبعبره ورموزه هو مبنى الهوية والعمود الفقري للشخصية الوطنية"، ورأت الكلمة نفسها أنّ للكتاب "بعدًا حضاريًا يتجاوز قيمته ومكانته الأكاديمية [...] إلى دلالات تكرّس تعلّقنا بهويتنا

وبأمجادنا التاريخية [...] وأن يؤلّف هذا الكتاب الجامع تونسيون، عملوا على تثبيت قراءة موضوعية وتحليل منهجي قويم يتجاوز تأثيرات قراءات التاريخ الذي كتبه غيرنا عنّا هو في حدّ ذاته نقلة جوهرية تكرّس تطوّر المدارس الفكرية التونسية في كلّ المجالات". يبدو لنا أنكتابتونس عبر التاريخيدافع في الوقت نفسه عن هويتَين: هوية غير معلَنة نستشفها من بعض النصوص وبعض المعالم أو المواقع، خاصة في الأجزاء الثلاثة الأولى، تدافع عن تعدد الانتماءات، وهوية علنية في متن الجزء الرابع الذي أشار إلى "إعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية" و"تحقيق المصالحة التاريخية في كلّ أبعادها وقطع الطريق أمام كل توظيف للهوية"، حيث مكّن "التغيير من وضع حد حاسم لجدل طويل حول الهوية والتاريخ بالتأكيد على الانتماء العربي الإسلامي". لقد تبنّى هذا المؤلّف الجماعي، خلافًا للكتب السابقة التي كانت تنظّر للوطنية ثم للدولة التونسية، الدفاعَ بصفة واضحة عن الهوية العربية الإسلامية لتقويض موقف بعض الأطراف، وثمّن في جزئه الرابع مكاسب "التحوّل" تمهيدًا لولاية أخرى للرئيس بن علي، ومن ثمّ، توظيف الكتاب، خلافًا لمن قدّموا المشروع الأوّل وعلى غير وعي من قبل أغلب من ساهموا فيه من المؤرخين، لاستراتيجيات سياسية واضحة كانت جزءًا من الحراك والتوتر السياسي والاجتماعي الذي عاشته تونس في مطلع القرن الحادي والعشرين، في سياق اختلال التوازن الذي أقحمته العولمة، وهي الظرفية نفسها التي برز فيها مشروعٌ ثانٍ لوضع كتاب يتناول مجمل تاريخ تونس.

2. التجربة الثانية بين الفشل والنجاح

يتمثّل الأمر في رغبةٍ مشتركة بين "مخبر دراسات مغاربية" والأستاذ عبد الرحمان أيوب الذي كان باحثًا عارفًا بالتاريخ، وكان في الوقت نفسه يدير مؤسسة نشر خاصة هي "تبر الزمان". كان المخبر في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس ويديره الأستاذ هنية، وكان يضم نخبة من المؤرخين ومن المختصين في مجالات أخرى. وقد اكتسب، بفضل تعدد الاختصاصات وشبكة العلاقات التي نسجها مع مؤسسات بحثية في الخارج، نوعًا من النضج المعرفي دفع أعضاءه إلى الرغبة في تجاوز ما هو متداوَل في حقل العلوم الإنسانية، بحثًا عن الانصهار في "المعرفة الكونية"، وهي عبارة كانت متداولة لدى البعض. انطلاقًا من هذه الاستراتيجية البحثية الجماعية، حصل لقاء سنة 2002 بين الأستاذَين هنية مدير المخبر وأيوب المشرف على دار تبر الزمان. واتفق الطرفان على نشر كتاب يتناول مجمل تاريخ تونس، يكون باللغة العربية وبمقاربة تأليفية ومحتويات جديدة لخّصها هذا الناشر كما يلي: "عقدت منشورات تبر الزمان العزم، منذ سنوات، على الخوض في مغامرة نشر تأليف يشمل تاريخ البلاد التونسية وشعوبها منذ أقدم العصور إلى اليوم. ويكون هذا التأليف في أجزاء مستقلّة وفي الآن متلاحقة يكمّل بعضها البعض، ويتوخى فيها مؤلّفها أنجع المناهج في استقراء الأحداث المؤسسة للتاريخ وفي تحليلها بحيث يرى قارئها من خلالها الإنسان وهو يصنع التاريخ [...] وبالرغم من التحريات التي تقوم، لا محالة، أمام مثل هذه المشاريع التي لا تستجيب سوى لقانون استقلالية الفكر وحريته، من ناحية، وللحرص على الدقة والتمحيص والإضافة والتجديد [...]، ما انفكّ هذا العزم ثابتًا لتتآلف "بغية" منشورات تبر الزمان مع نخبة من المؤرخين التونسيين الذين أسهم كبار مؤرخي الجامعة التونسية على وضعهم على درب البحث الجدّي ودراسة التاريخ دراسة حصيفة، موضوعية، متأنية، دقيقة". كانت بداية هذا المشروع الجماعي رغبة أكاديمية من كل الأطراف التي كان يحدوها وعي بأن البلاد التونسية تعيش منعطفًا تاريخيًا، على المؤرخ أن يساهم فيه بطريقته الخاصة. ولئن لم يكتب لهذا المؤلف الجامع الصدور في شكل سلسلة واحدة، كما سنبيّن لاحقًا، فإننا أدرجناه في هذا البحث لأن منطلقه كان جماعيًا وخضع لمنهاج موحّد في الكتابة التاريخية.

تكوّن فريق لوضع تصوّر للكتاب يضمّ مختصين في الفترات الأربع، وهم هنية (الفترة الحديثة)، ومحمد الطاهر المنصوري (الحقبة الوسيطة)، وحسين الجعاي يد (الفترة القديمة)، ومحمد الأزهر غربي (الفترة المعاصرة). وخلافًا لما اختاره الأستاذ الجعاي يد من رغبة في التعويل على الأستاذ المحجوبي لكتابة الجزء المتعلق بالتاريخ القديم، أبدى بقية الأساتذة عزمهم على التزام كل منهم بكتابة الجزء المتعلق باختصاصه، وتعهّد الأستاذ هنية بالتنسيق والإشراف. عُقدت عدة اجتماعات لضبط المعايير والقواسم المشتركة، كما عُقدت بين الفينة والأخرى اجتماعات مع الناشر. وحينما أُعِدّت النصوص النهائية لاحظنا تغيّبه عن مواعيد اللقاءات وشعرنا بتلكّئه التدريجي عن الوفاء بالتزاماته لأسباب لا نعلمها، ما عطّل نشر الأعمال التي كانت جاهزة، وخشينا أن تفقد طرافتها. وفي الأثناء، أقدم سنة 2012 على نشر تونس العثمانية الدولة والمجال المتعلق بالفترة الحديثة الذي أعدّه هنية واختار المحجوبي الانتظار، فصدر كتاب تونس في العهد الرومانيسنة 2016. وارتأى المنصوري إصدار تونس في العهد الوسيط، إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنةالمستقلّةسنة 2015، كما توخّينا الطريقة نفسها لنشر كتاب تونس رغم الاستعمارسنة 2013. صدرت الأجزاء الأربعة عن ثلاث دور نشر مختلفة، وفي تواريخ متباينة راوحت بين سنتَي 2012 و 2016، ولكنها كُتبت كلّها في سياق واحد خلال سنتَي 2003 و 2004، وكان للحملة الثانية على العراق وقعها على نفوسنا وربما على ما كتبنا، فجرى التأكيد على الدولة والمجال والغزو والاستعمار، ما يفسّر التساؤل الذي طرحناه فيما يخص الحملة على تونس سنة 1881، وهو "شرعية الغزو أم غزو الشرعية؟". وبصرف النظر عن السياق الدولي، فإن الوضع في البلاد التونسية التي ساندت العراق دولة وشعبًا لم يكن بالمستقر، حيث بدأ يتبدّد سراب "التحوّل"، وبرزت عديد الأزمات الاقتصادية التي كان لها، بلا ريب، تأثير في التفكير في إنجاز التجربتين: كتابتونس عبر التاريخ الذي أشرف عليه شاطر، والمشروع الذي أشرف على إنجازه هنية. ولكن هل يمكن أن نقارن بين الأثرَين؟

3. المقارنة بين التجربتين

اشترك الأثران في السياق الذي كُتبا فيه، وكذلك في الدفاع عن "تونس"؛ حيث تصدّرت هذه الكلمة العنوان العام لكتاب تونس عبر التاريخ وللأجزاء الأربعة الصادرة عن تبر الزمان ونقوش عربية ودار صامد. وإذ تفرّد الأثر الأول بالتراث والآثار وبتعدد مؤلفي الجزء الواحد واقتضاب النصوص لأسباب بيداغوجية مرتبطة بهدف الكتاب، فإنّ المنجز الثاني الذي استأثر كل مؤلّف بجزء منه، غلب عليه التحليل والتعمّق في دراسة الظواهر التاريخية وطرح الإشكاليات نفسها والموضوعات الموجودة ذاتها بطرائق تتماشى مع كل حقبة تاريخية. ويمكن أن نختزل إضافات الإصدار الذي أشرف عليه هنية في هذا الصدد، في ما يلي:. أ توظيف أحدث ما أفرزته الكتابة التاريخية التونسية والأجنبية والسعي قدر الإمكان لإثبات الذات التونسية في سياق المعرفة الكونية.. ب الدولة في سياق الحداثة الكونية: زعمت بعض الدراسات الغربية أن الدولة كانت نتيجة للحداثة الأوروبية، وبذلك تُسقط هذه المقاربة نفسها على غيرها من العوالم. سعينا جميعنا لإثبات أن الدولة كانت كيانًا قائمًا في بلاد المغرب منذ الفترة القديمة. وبيّن هنية، بصفة خاصة، أن الدولة الحديثة تشكّلت في تونس ضمن السيرورة الكونية، وهي ناتجة من ديناميكية خارجية وأخرى داخلية.

. ج تأكيد دور الفاعلين المحليين، من "أفارقة" و"بربر" و"قبائل" و"وطنيين"، في صنع الأحداث وتوجيهها، بحسب استراتيجياتهم التي طغت غالبًا على استراتيجيات الغزاة، وهو ما يفسّر العنوان الذي اخترناه "تونس رغم الاستعمار" وكذلك الذي اختاره المنصوري في عبارة "مستقلّة"، وما يفسّر أيضًا تطور النظام "التركي" في "تونس العثمانية" إلى نظام كان نتاجًا لتأثيرات الأهالي.. د دراسة المجال بصفته موضوعًا جديدًا، واعتباره أحد مقومات الدولة التي تحوّلت من دولة باتريمونيالية إلى دولة ترابية، وبرزت كلمة "المجال" في عنوان تونس العثمانية، بناء الدولة والمجال، وأكّد كتابتونس رغم الاستعمار تبنّي الدولة الباتريمونيالية الخطاب الإصلاحي و"تشكّل مجال جديد  ". ولذلك، فإن المحاولتَين قطعتا مع التجارب السابقة، من حيث اللغة والمقاربة وإقحام مواضيع جديدة تستند إلى كتابات المدرسة التاريخية التونسية، مثل مسائل المجال والتراث والآثار والحداثة، بصفتها محامل جديدة في دراسة الهوية في سياق مخاطر العولمة. يبدو في نهاية الأمر أن كل أثر، بل كل مؤِّلِف، دافع ضمن التجربتَين عن تونس التي ينتمي إليها، والتي يتصوّرها ويبنيها معرفيًا بطريقته الخاصة. يختزلها البعض في المجال والبعض الآخر في التراث والآثار، في حين يجسّدها غيرهم في الدولة، ويراها آخرون في الهوية. إنه البناء المشترك الذي صقله كلّ بطريقته وبأدواته، أو هي الحصن الذي لاذ به الجميع خاصة في فترات الأزمات والمخاطر. وبهذه الطريقة نرى المؤرخين يكتبون، ونراهم فاعلين ضمن استراتيجيات جماعية شأنهم شأن بقية الفاعلين الاجتماعيين، ونعتبر حينئذ أن التاريخ علم فاعل ومؤثّر، وإن سعى البعض لتهميشه واعتباره خارجًا عن إطار نحت ملامح المستقبل.

خاتمة

بدأت كتابة مجمل تاريخ تونس في شكل تجارب فردية في مرحلة مبكّرة، منذ مطلع القرن العشرين؛ نظرًا إلى التحديات التي أوجدها الحدث الاستعماري، وتواصلت بعد الاستقلال بصفة فردية وموازية للكتابة الجماعية، وذلك إلى حدود القرن الحادي والعشرين. وسواء كانت الكتابات فردية أو جماعية فإنها خضعت للسياقات نفسها، وعبّرت عن التحديات ذاتها التي نختزلها في ثلاث محطات أو تحولات أساسية: الكتابة الوضعية والتأسيس للوطنية التونسية: كان ذلك أساسًا في سياق الاستعمار، وعبّرت عنه الكتب التالية: خلاصة تاريخ تونس ومفتاح التاريخوكذلك نحن أمة، وإن لم يقتصر هذا الأثر على التاريخ ولم يكن صاحبه مؤرّخًا. الكتابة الوطنية لتثبيت دولة الاستقلال من دون فكّ الارتباط المعرفي بالمدرسة الفرنسية: كان ذلك في سياق بعض المخاطر التي هددت دولة الاستقلال، كأزمة التعاضد وانعكاسات الانفتاح الاقتصادي الذي أحدث عدة اضطرابات اجتماعية. وجاء الكتاب الجامع حول تاريخ تونس باللغة الفرنسية، وكتاب الشريف المتأثّر بمدرسة الحوليات حول الموضوع نفسه؛ لترسيخ هذا الكيان المتمثّل في الدولة التي تعود جذورها إلى قرطاج.

المدرسة التونسية والتنظير للهوية الوطنية: أثّرت العولمة سلبيًا في الدولة والاقتصاد والمجتمع؛ فبرزت تيارات محافظة وأخرى متحررة جدًّا، فظهر كتاب تونس عبر التاريخالذي يدافع عن "الوسطية"، في حين دافع الكتاب الذي أشرف عليه هنية عن حداثة الدولة، ونظَر كتاب بسيس لتعدد روافد الهوية التونسية. يمكن أن نجزم، في الختام، بأن كتابة مجمل تاريخ تونس، في مختلف صيغها ومراحلها، ساهمت في نحت معالم الشخصية التونسية بأبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية. وقد تكتفي كتابة التاريخ ضمن مواضيع ضيّقة أو محدّدة (خارج إطار التاريخ الجامع) بالحفاظ على مسافة تفصل بينها وبين الوطنية والدولة والهوية، أمّا كتابة مجمل التاريخ فلن تسلم من ذلك مهما كان السعي والقصد. ويتأكّد هذا المسار في تجارب أخرى في بلدان في محيطنا، مثل فرنسا والجزائر والمغرب. ففي فرنسا، ساهمت الكتابة التاريخية في التأسيس للوطنية ثمّ للجمهورية وصولًا إلى "هوية فرنسا" التي نظّر لها فرناند بروديل. أمّا في الجزائر، فقد وصل الأمر إلى امتزاج الفعل السياسي بالتاريخي (مثل كتاب الجزائر في التاريخ) حيث برز جيل من المؤرخين شارك في الثورة وأسهم في الكتابة التاريخية، نذكر من بينهم محمد حربي، وقد اعتُبِر هذا التمازج أمرًا محمودًا بل مطلوبًا، ولذلك تواصل تأثيره إلى اليوم، حيث أصبح التاريخ أداة نضال متواصل يجسّد الثورة ضد الاستعمار. وأمّا الكتابة التاريخية في المغرب الأقصى، فقد ركّزت، بحسب علمنا، على تجذير العلاقة التاريخية بين المخزن والبوادي وأعيان الدين والمدن (مثلًا الكتاب الجامع الذي أشرف عليه محمد القبلي)، الأمر الذي ساهم في نحت الشخصية المغربية. وتجسّدت العلاقة بين الكتابة الجماعية للتاريخ والطلب السياسي في جلّ البلدان بمحاولة السلطة توظيف بعض المؤرخين، واستخدام مؤسسات الدولة لإنتاج هذه المعرفة، التي يعسر عليها التحرر من بعض التأثيرات المباشرة أو غير المباشرة. وبذلك، يبدو التاريخ علمًا سياسيًا، بالمعنى الواسع للكلمة، مهما حاول كاتبه التحرر من وطأة السياسة ومن قيد الهوية وسلطة المجتمع.

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية. تونس: الدار العربية للكتاب، 2021.

ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ القاهرة: دار الكتاب المصري، 1999.

بحيرة، سعيد. قراءة أخرى في الهوية التونسية. تونس: المغاربية للطباعة وإشهار الكتاب، 2012.

بلهوان، علي. نحن أمة. تونس: دار الحرية، 1990.

بن سليمان، فاطمة. الأرض والهوية نشوء الدولة الترابية في تونس 1574 - 1881. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2009. بيرم الخامس، محمد. صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار. تحقيق علي الشنوفي ورياض المرزوقي وعبد الحفيظ منصور. تونس: بيت الحكمة، 1999.

التونسي، خير الدين. أقومالمسالك في معرفة أحوال الممالك. تحقيق المنصف الشنوفي. ط 2. تونس: الدار التونسية للنشر، 1986. الثعالبي، عبد العزيز. تونس الشهيدة. ترجمة حمادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988.

جعيط، هشام. الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. بيروت: دار الطليعة، 1984.

خوجة، حسين. ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان. تحقيق الطاهر المعموري. تونس: الدار العربية للكتاب، 1975.

الرعيني ابن أبي دينار، أبو عبد الله محمد. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. تحقيق محمد شمام. تونس: المطبعة العتيقة، ريدان، جلول. حسن حسني عبد الوهاب 1883 - 1968. تونس: منشورات نيرفانا، 2010.

السع يد، عثمان. الجزائر في التاريخ من العصور القديمة وحتى سنة 1954 ومن خلال تاريخ المغرب حتى الخلافة. الجزائر: دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، 2004.

شاطر، خليفة [وآخرون]. تونس عبر التاريخ، ج 1: العصور القديمة. تونس: مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، 2007.

_______. تونس عبر التاريخ، ج 2: من العهد العربي الإسلامي إلى حركات الإصلاح. تونس: مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، 2007.

_______. تونس عبر التاريخ، ج 4: تونس التحوّل. تونس: مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، 2007.

الشريف، محمد الهادي. تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال. ترجمة محمد الشاوش ومحمّد عجينة. تونس: دار سراس للنشر، 1980.

صفر، البشير. مفتاح التاريخ. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2009. عبد الوهاب، حسن حسني. خلاصة تاريخ تونس. تحقيق حمادي الساحلي. تونس: دار الجنوب للنشر، 2021. العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1984. عيسى، لطفي [وآخرون]. مساءلة الانتماء من منظور المباحث التاريخية التونسية. تونس: كلمة للنشر، 2021. غربي، محمد الأزهر. تونس رغم الاستعمار. تونس: نقوش عربية، 2013. فركوس، صالح. تاريخ الجزائر ما قبل التاريخ إلى غاية الاستقلال. عنابة: دار العلوم للنشر والتوزيع، 2005. المنصوري، محمد الطاهر. تونس في العهد الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنةاالمستقلّة. صفاقس: دار صامد، 2015. الناصري، أحمد بن خليل. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. القاهرة: مطبعة بولاق، 1895. هنية، عبد الحميد. تونس العثمانية بناء الدولة والمجال. تونس: تبر الزمان، 2012.

الأجنبية

Badie, Bertrand. L'Etat importé: L'occidentalisation de l'ordre politique. Paris: Fayard, 1992.

Bessis, Sophie. Histoire de la Tunisie: De Carthage à nos jours. Paris: Tallandier, 2019.

Bessis, Sophie & Souhayr Belhassen. Bourguiba. Paris: Éditions Elyzad/ Clairefontaine, 2012.

Boularès, Habib. Histoire de la Tunisie: Les grandes dates de la Préhistoire à la Révolution. Tunis: Cérès Éditions, 2012.

Braudel, Fernand. L'identité de la France. Paris: Flammarion, 1986.

Chérif, Mohamed Hédi. Pouvoir et société dans la Tunisie de Ḥusayn Ben ʿAlī. Tunis: Université de Tunis, 1982/

Corrozet, Jean. Trésors des histoires de France. Paris: Chez le fils du libraire parisien Galiot Corrozet, 1614.

De la Rive, Abel Carlin. Histoire générale de la Tunisie depuis l'an 1590 avant Jésus-Christ jusqu' en 1883. Tunis:

Librairie Demoflys, 1883.

Djaït, Hichem et al. Histoire générale de la Tunisie, Tome II: Le Moyen-Âge (27H-982/ 647H-1574). Tunis: Sud

Éditions, 2005.

Foulon, Éric. "Polybe et l'histoire universelle." Actes du 11ᵉ colloque de la Villa Kérylos à Beaulieu-sur-Mer les 13

& 14 Octobre 2000. Paris: Publications de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres, 2001.

Gautier, Émile Félix. L'islamisation de l'Afrique du Nord: Les siècles obscurs du Maghreb. Paris: Payot, 1927.

Guellouz, Ezzedine et al. Histoire Générale de la Tunisie: Tome III, Les Temps Modernes (941-1274H/ 1534-1881).

Tunis: Sud Éditions, 2010.

Julien, Charles-André. Histoire de l'Afrique du Nord des origines à 1830: Tunisie-Algérie-Maroc. Paris: Payot, 1931.

Kassab, Ahmed & Ahmed Ounaïes. Histoire Générale de la Tunisie: Tome IV , L'époque contemporaine (1881-1956).

Rabâa Ben Achour-Abdelkéfi et al. (coll.). Tunis: Sud Éditions, 2010.

Lavisse, Ernest. Histoire de France depuis les origines jusqu'à la Révolution. Paris: Hachette, 1911.

Michelet, Jules. Histoire de France. Paris: Librairie classique de L. Hachette, 1833.

Pellegrin, Arthur. Histoire de la Tunisie depuis les origines jusqu'à nos jours. Paris: Peyronnet, 1938.

Polybe. Histoire générale. Félix Bouchot (trad.). Paris: Charpentier, 1847.

Renan, Ernest. Qu'est-ce qu'une nation? Paris: Calmann-Lévy, 1883.