Return to Article Details Urban Development of Jerusalem under Jordanian Rule: Narrating the Jerusalem International Airport, 1948-1967

التطوّر الحضري لمدينة القدس خلال الفترة الأردنية: حكاية مطار القدس الدولي 1948 - 1967

Urban Development of Jerusalem under Jordanian Rule: Narrating the Jerusalem International Airport, 1948-1967

منصور النصاصرة

الملخّص

تذهب هذه الدراسة إلى أنّ مطار القدس، كونه بنية تحتية للنقل، قد مارس دورًا تمكينيًا حاسمًا في تطوّر القدس العربية، بصفتها حاضرة اجتماعية اقتصادية نابضة بالحياة، وربْطها بعواصم عربية وغربية، وجذب أعداد متزايدة من السياح والدبلوماسيين، إضافة إلى خلق مدى واسع من الفرص المتنوعة لأهل القدس والقرى الفلسطينية المجاورة. فقد يسَّرالمطار استثمارات جديدة، ووسّع ارتباطات الفلسطينيين والأردنيين والكويتيين والسعوديين والجزائريين والمصريين بالمدينة العربية وقَوَّاها؛ فجعل منها حاضرة شرق أوسطية متروبوليتانية. تتكشّف مركزية المطار لتشكل "القدس الجديدة" في المشهد الآخذ في التطوّر حول المطار، خلال هذين العقدين وفي الروايات الشفهية والاكتشافات الأرشيفية وشهادات الفلسطينيين والأردنيين والكويتيين؛ إذ يسَّرالمطار تمكين مواطني المدينة وتغيير مشهدها الحضري جذريًا. ثم جاء احتلال إسرائيل للمطار واقتطاعه من القدس العربية، بعد عام 1967، ليطلق أفولًا في الانبثاق الحضري للقدس التي وقعت تحت الإدارة الأردنية.

Abstract

This study argues that the establishment and expansion of Jerusalem Airport played a decisive role in the development of Jerusalem as a vibrant Arab metropolis, embedded within the social, political, and economic networks of the Arab region. It connected the city to Arab and Western capitals, attracted growing numbers of tourists and diplomats, and created a wide range of opportunities for Jerusalem's residents and the inhabitants of neighbouring Palestinian villages. The airport facilitated new investments and expanded and strengthened the ties of Palestinians, Jordanians, Kuwaitis, Saudis, Algerians, and Egyptians to the Arab city, transforming it into a cosmopolitan urban centre. It empowered the city's inhabitants and radically transformed its urban landscape. Israel's occupation of the airport and its severance from Arab Jerusalem after 1967 subsequently ushered in a period of decline following the urban emergence of Jerusalem under Jordanian administration.

الكلمات المفتاحية:
  • مطار القدس
  • قلنديا
  • شركة الطيران العربية
  • الحاضرة العربية
  • المتروبوليس
Keywords:
  • Jerusalem International Airport
  • Qalandia
  • Arab Airlines
  • the Arab City
  • Metropolis

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

//d i
ف 31430/BRCP2425 /10
الت
ال ق
DOI: https://doi.org/10.31430/BRCP2425 الرقم التعريفي:
منصور النصاصرة | Nasasra *Mansour
التطوّر الحضري لمدينة القدس خلال الفترة الأردنية:
حكاية مطار القدس الدولي 1967-1948
Urban Development of Jerusalem under Jordanian
Rule: Narrating the Jerusalem International Airport,
1948 - 1967

تذهب هذه الدراسة إلى أنّ مطار القدس، كونه بنية تحتية للنقل، قد مارس دورًا تمكينيًا حاسمًا في تطوّر القدس العربية، بصفتها حاضرة اجتماعية اقتصادية نابضة بالحياة، وربْطها بعواصم عربية وغربية، وجذب أعداد متزايدة من السياح والدبلوماسيين، إضافة إلى خلق مدى واسع من الفرص المتنوعة لأهل القدس والقرى الفلسطينية المجاورة. فقد يسَر المطار استثمارات جديدة، ووسّع ارتباطات الفلسطينيين والأردنيين والكويتيين والسعوديين والجزائريين والمصريين بالمدينة العربية وقَّوَاها؛ فجعل منها حاضرة شرق أوسطية متروبوليتانية. تتكشّف مركزية المطار لتشكل "القدس الجديدة" في المشهد الآخذ في التطوّر حول المطار، خلال هذين العقدين وفي الروايات الشفهية والاكتشافات الأرشيفية وشهادات الفلسطينيين والأردنيين والكويتيين؛ إذ يسّر المطار تمكين مواطني المدينة وتغيير مشهدها الحضري جذريًا. ثم جاء احتلال إسرائيل للمطار واقتطاعه من القدس العربية، بعد عام 1967، ليطلق أفولًا في الانبثاق الحضري للقدس التي وقعت تحت الإدارة الأردنية.

This study argues that the establishment and expansion of Jerusalem Airport played a decisive role in the development of Jerusalem as a vibrant Arab metropolis, embedded within the social, political, and economic networks of the Arab region. It connected the city to Arab and Western capitals, attracted growing numbers of tourists and diplomats, and created a wide range of opportunities for Jerusalem's residents and the inhabitants of neighbouring Palestinian villages. The airport facilitated new investments and expanded and strengthened the ties of Palestinians, Jordanians, Kuwaitis, Saudis, Algerians, and Egyptians to the Arab city, transforming it into a cosmopolitan urban centre. It empowered the city's inhabitants and radically transformed its urban landscape. Israel's occupation of the airport and its severance from Arab Jerusalem after 1967 subsequently ushered in a period of decline following the urban emergence of Jerusalem under Jordanian administration.

Visting Scholar, Ulster University, Belfast. m.nasasra261@gmail.com

مقدمة

شهدت الفترة الأردنية في القدس والضفة الغربية، التي امتدت عشرين عامًا، من منظور سكان الفضاءات الحضرية التي عُرفت لاحقًا باسم "القدس العربية"، تحولًا جذريًا في مشهدهم الحضري، وعلاقاتهم اليومية مع العالم العربي الأوسع، وقدرتهم على التأثير في مستقبلهم وتشكيله. كان العيش في ما تبقّى من هذه المدينة التي باتت مقسمة، والمناورة تحت سلطة سيادية جديدة وحولها، واختلاق فرص للتطور الشخصي والجماعي، عوامل تفرض عليهم عقبات عديدة ومركبة. وكان السكن في الفضاءات الحضرية للمدينة صعبًا دائمًا، وآثار الخسارة المؤلمة للشبكات الحضرية والموارد العديدة ما تزال قائمة؛ ما جعل البقاء، فضلًا عن التقدم، غير ممكن وشديد الصعوبة. يكشف الاستماع إلى قصص الناس الذين عاشوا في أحياء القدس وحواريها بعد النكبة - أي أولئك الذين عاشوا الحياة العملية والحب في مشهدها الحضري - عن سردية زاخرة بالأمل والعزم والفاعلية. فقد نجح المقدسيون في الاستفادة من الفرص، وأقاموا ارتباطات وشبكات، ومدّوا جسور التعاون مع غيرهم، وكانوا في كل يوم جديد يوجِدون فضاءً حضريًا، ويطوّرون حياتهم معًا إلى ما

بات يُعرَف خلال فترة الإدارة الأردنية باسم "القدس العربية"، تلك الحاضرة التي قُِّدِر لها أن تؤدي دورًا كبيرًا في أنحاء العالم العربي

كافة. إنها القصة التي لم تُروَ بعد لتشكّل هذه الحاضرة وتطور القدس التي وقعت تحت الإدارة الأردنية في سياقها الحضري بداية

من عام 1948. فقد أهملت حكاية أولئك الناس الذين صنعوا هذا التحول، وغُِّيِبت نضالاتهم، ولم تجد لها مكانًا في الدراسات

الأكاديمية العربية والأجنبية، وسقطت من الوعي الفلسطيني اليومي. وتحوّلت الأنظار بادلًا من ذلك إلى أماكن أخرى في الخطاب

العام والأدبيات الأكاديمية، وأُعطي المستويان الوطني والدولي الأفضليةَ. فركزت الأنظار على التغييرات التي أحدثها الإسرائيليون في القدس الحديثة "الشطر الغربي"، أو تحوّل شرق الأردن إلى المملكة الأردنية الهاشمية، ودمج كل منهما أراضيه الجديدة

في دولة ذات سيادة وحدود. وأُسقِطت "من الخريطة" العلاقات الحضرية العابرة للحدود لمدن عربية بعينها وحياتها المرتجلة، لمصلحة ديناميات "سياسات الدول العربية" وتأثيرها في سياسات الأردن.

تتناول هذه الدراسة الشطر الشرقي من مدينة القدس (أو ما يُعرف اليوم بمدينة القدس الشرقية)، التي وقعت تحت سلطة الإدارة الأردنية في الفترة 1948 - 1967.

وتؤكد الدراسة أنّ تقسيم المدينة إلى "شرق" و"غرب" هو أداة كولونيالية لفرض تسميات جديدة عليها من أجل طمس تاريخها وجغرافيتها التاريخية ومحوهما. لذلك نشير

هنا إلى المدينة دومًا باسم "القدس" أي الجزء الذي احتُلّ في عام 1967 ووقع تحت الإدارة الأردنية. أمّا الشطر الغربي فيطلَق عليه هنا "المدينة الحديثة" التي ضمّت

المراكز السياسية والاقتصادية للمدينة بداية من حي الطالبية والبقعة والقطمون ومأمن الله وشارع يافا، وصولًا إلى مشارف باب الخليل. فالإشارة إلى المدينة الحديثة

في هذا السياق يُقصد بها غربي المدينة اليوم. لذلك تستخدم الدراسة اسم القدس للإشارة إلى شرقي المدينة اليوم. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد قدس شرقية وقدس

غربية، فهذه تسميات كولونيالية هدفها تمزيق الجغرافيا التاريخية وتشبه سياسة الإنكليز في تقسيم البلدة التاريخية القديمة إلى أحياء منفصلة، مثل الحي الأرمني والحي

اليهودي والحي المسيحي والحي الإسلامي. كل هذه التسميات كولونيالية لا أساس لها في رواية المدينة (ينظر الخريطة 1). يُعَّرَب المصطلح Metropolitanism صوتيًا عادة إلى "المتروبوليتانية"، لكنه تعريب، وإن كان ينقل المصطلح الأجنبي نفسه إلى العربية، يظل غامض المعنى

والدلالة، وغريبًا عن شكل الكلمة العربية ولفظها. لذلك عُِّرِب هذا المصطلح، بناءً على استقراء حالات ظهوره في هذه الدراسة، إلى "انبثاق الحاضرة" أو "تشكل

الحاضرة"، أي تبلور هذه المدينة أو تلك بوصفها حاضرة، والحاضرة متروبوليس Metropolis، هي تجمّع حضري كثيف السكان، يحوي مناطق تجارية وصناعية وشبكة

نقل وبنية تحتية وإسكانًا، ويتّسم بالحداثة والتنوّع الثقافي والانفتاح على العالم. ويُعَّرَب مرادفه Urbanism إلى "التحول الحضري ". ينظر:

Fuad K. Malkawi, "The New Arab Metropolis: A New Research Agenda," in: Yasser Elsheshtawy (ed.), The Evolving Arab City (Abingdon: Routledge, 2011), pp. 27-36; Edward W. Soja, Postmetropolis: Critical Studies of Cities and Regions (Oxford: Blackwell, 2000). Haim Yacobi, "God, Globalization, and Geopolitics: On West Jerusalem's Gated Communities," Environment and Planning A , vol. 44 (2012), pp. 2705-2720; Haim Yacobi, "Borders, Boundaries, and Frontiers," in: Haim Yacobi & Mansour Nasasra (eds.), Routledge Handbook on Middle East Cities (Abingdon: Routledge, 2019). Joseph A. Massad, Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan (New York: Columbia University Press, 2001).

تحوّل هذه الدراسة مركز الاهتمام، إذ تبدأ من "تلك الأماكن الأخرى"، تحديدًا من القصص اليومية للفلسطينيين في القدس،

وهم يشقّون طريقهم في حيّز المدينة، وينخرطون في إعادة بناء عالمهم الحضري من الأنقاض التي خلّفها انسحاب القوات

الاستعمارية البريطانية من فلسطين، واستيلاء قوات الاحتلال الإسرائيلية على الضواحي الغربية للمدينة في أيار/ مايو 1948، ونكبة تهجير الفلسطينيين واتفاقية الهدنة لعام 1949. كشفت الدراسة أنّ هذه الفترة الممتدة حتى عام 1967 كانت زاخرة بالفرص والاستثمارات الجديدة، وأنّ المقدسيين كانوا خلالها مقبلين على التعليم العالي والسياسة والتجارة والحكم المحلي. وقد توافد أناس من الخارج على تلك الحاضرة، وبفضل أموالهم وعلاقاتهم السياسية، أوجدوا فضاءً كثيفًا وعلاقات متشعبة وشبكات اجتماعية

وسياسية واقتصادية متعددة المستويات. وتكشف نتائج الدراسة عن حالة إبداعية متطورة من تبلور الحاضرة العربية، ومثال للتحول الحضري الملحوظ، هو تشكّل " الشطر الشرقي للقدس"، على الرغم من الصدمة الحضرية الناجمة عن التمزيق والتقسيم والتهجير بعد هدنة عام 1949. وتكشف قراءة السجلات الأرشيفية الشخصية والاستماع إلى روايات الناس، على نحو غير متوقع، عن الدور الحاسم والمركزي الذي أدّاه مطار القدس الدولي، المعروف فلسطينيًا أيضًا باسم مطار قلنديا، في خلق تلك الطاقة والفاعلية والتمكين. كان هذا

الاكتشاف مفاجئًا، واستدعى فهمًا أعمق، تعمل عليه هذه الدراسة، التي تمثّل جزءًا من مشروع بحثي أوسع حول تطور الحاضرة

العربية الجديدة في القدس بعد عام 1948، من خلال سبر أغوار هذه النتيجة المحددة، من أجل فهم حيوية القدس التي وقعت تحت الإدارة الأردنية، وتطورها إجم لًا. انخرط مطار القدس ماديًا (بوصفه بنية تحتية للنقل ومشهدًا حضريًا وجغرافيًا) وذهنيًا عبر ما وفّره السفر من خلاله من تخّيلّاتٍ

ومعانٍ وشبكات في النسيج الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي اليومي لسكان المدينة الفلسطينية. كان المطار بعد النكبة يربط ستّين ألف فلسطيني في القدس، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ببقية العالم العربي والغربي، وقد أتاح هذا الارتباط بالخارج فرصة للفلسطينيين لاستثماره بطرائق إبداعية في تطوير ذواتهم فرديًا وجماعيًا. وأصبحت قلنديا منصة عالمية وإقليمية للوصول إلى القدس؛

ما أسهم في ربط المدينة بمدن ومستثمرين آخرين في المنطقة. فقد وفد دبلوماسيون وأكاديميون وأطباء ورجال أعمال من مدن عربية إلى هذه الحاضرة العربية، وأسهموا في تحوّلها الحضري اقتصاديًا وتعليميًا واجتماعيًا. تستند كتابة قصة المطار المسكوت

عنها إلى روايات يومية جُمِعت من أشخاص يعيشون حاليًا في عمّان والقدس، وإلى نتائج مقابلات معمّقة، ومجموعات أرشيفية

عربية ومقدسية عامة وخاصة، لتكون من الجهود الريادية الأولى في إبراز أصوات الناس الذين صنعوا فضاءات هذه القدس الجديدة وأماكنها. تقدّم المقاربة الإثنوغرافية والسردية لهذه البنية التحتية المهمة، وإسهامها في تشكّل المدينة العربية بوصفها حاضرة، فهمًا ظاهراتيًا شاملًا ومتحررًا من الاستعمار لنضالات المقدسيين المتواصلة منذ عام 1948 في سبيل المقاومة لإعادة تشكيل حيّز

حياتهم الحضرية اليومية. وتُطِوِّر الدراسة حجتها عبر ثلاث خطوات مركزية. يسلّط الجزء الأول الضوء على إنشاء المطار لخدمة سلاح الجو الملكي البريطاني،

ثم يتعقب تطوره المكاني إلى مطار مدني خلال فترة الإدارة الأردنية للقدس والضفة الغربية. ويمكن القول، تحديدًا، إنّ التوسّع السريع

لهذا المطار حتى يصبح محورًا لمجموعة متنوعة من شركات الطيران العربية والغربية، كان حافزًا مهًّمًا لاكتساب المدينة طابعًا عالميًا

بما يتّفق مع موضوع الدراسة، عُِّرِب المصطلح Mobility ب "السفر" أو "إمكانية السفر" وسهولة الحركة بين القدس والمدن العربية والغربية.

Sanja Lakić, Pedro Pereira & Graça Cordeiro (eds.), The Everydayness of Cities in Transition: Micro Approaches to Material and Social Dimensions of Change (Cham: Palgrave Macmillan, 2024).

جديدًا، ولتعزيز شعور المقدسيين بأنهم جزء من عالم حضري عربي أوسع، فضلًا عن المعاني التي أضفاها هذا الانتماء إلى العالم

العربي. ويتناول الجزء الثاني من الدراسة دور المطار في التحوّل المكاني للتجمعات الاقتصادية Agglomerations Economic،

ومناطق التنمية عبر هذا الفضاء الحضري، إذ يتقصّى تحديدًا تأثير وكالات الأسفار العربية والغربية، وإسهاماتها في تبلور علاقات

جديدة في المشهد الحضري. ثم يتقصّى الجزء الثالث الطرق والممرات التي أنشئت حول المطار (لا سيما الحي الكويتي في قلنديا)،

بفضل ارتباطه ببعثات دبلوماسية عربية وغربية ومؤسسات للتعليم العالي، ولدوره في تمكين المقدسيين من توسيع علاقاتهم التجارية والسياحية والاقتصادية. وتُختم الدراسة بتتبّع النتائج التي ترتّبت على القدس نتيجةً لاستيلاء الاحتلال الإسرائيلي على هذه البنية

التحتية الأساسية للنقل وإغلاقها عام 1967، حيث انفصل سكان المدينة عن العالم العربي، وفقدت المدينة طابعها بوصفها حاضرة عربية، وتلاشت الفرص المتاحة لخلق الفضاءات والأماكن اليومية.

بين عمّان والقدس: حكايات الناس والأرشيف والسفر

وظّفت الدراسة مناهج مختلفة، إثنوغرافية وأرشيفية، منها 25 مقابلة معمّقة شبه موجّهة (باللغتين العربية والإنكليزية)، أُجرِيت،

في القدس وعمّان وبيرزيت وبيت صفافا وقلنديا والدوحة ولندن وباريس، مع أناس سافروا عبر المطار، منهم طّلاب ورجال أعمال

ومسؤولون دبلوماسيون، فلسطينيون وأردنيون، عاشوا أو درسوا في القدس خلال فترة الإدارة الأردنية وبعدها (1948 - 1970). شملت المقابلات أيضًا طلابًا درسوا في مدارس القدس وكلّياتها حتى عام 1970، وطلابًا استخدموا مطار القدس في الفترة الأردنية لمواصلة

التعليم العالي في القاهرة وبيروت وطهران ودول الغرب، أو عملوا فترة طويلة في القطاع التعليمي في القدس. وأُجريت أيضًا مقابلات

مع فلسطينيين في القدس سافروا من القدس إلى الكويت ودول خليجية أخرى للعمل في مجالَي التعليم والنفط. وشملت أيضًا دبلوماسيين سابقين ومسؤولين متقاعدين في القدس وعمّان ولندن، ومقدسيين عاشوا في أحياء قريبة من مطار القدس وقرية قلنديا،

وكانت لهم تفاعلات يومية مع المحور الاقتصادي للقدس، حتى العقد الثامن من القرن العشرين. وبفضل هذه المقابلات وتلك المنهجية، تمكّنت من التنقيب في ذكريات أشخاص استخدموا المطار لأغراض مختلفة، وسرد قصة مطار القدس التي لم تُروَ بعد

ولا يُراد لها أن تروى، والمنافع التي جناها الفلسطينيون والأردنيون من استخدام المطار لأغراض مختلفة. وقد كان التأثير المكاني

للمطار في الناس وفي القدس نفسها جانبًا أساسيًا في تعقّب استخدام المطار ومنافعه. وإجم لًا، أفاد توظيف المجموعات الأرشيفية

المكتوبة باللغة العربية والمقابلات المعمّقة في تسليط الضوء على أصوات الناس الذين صنعوا فضاءات القدس حتى عام 1967 وبعده. وُظّف منهج ثانوي في هذه الدراسة، استخدم السجلات الأرشيفية والمجموعات الأرشيفية الخاصة والصحف الصادرة

باللغتين العربية والإنكليزية في عمّان والقدس. فتعتمد الدراسة على صحف عربية وأجنبية كانت تصدر في عمّان والقدس في الفترة

1948 - 1967. ورجعت الدراسة إلى المجموعات الأرشيفية الخاصة لعدد من المدارس في القدس، مثل أرشيفات الكلية الإبراهيمية ومدرسة المطران ومجموعة رامي النابلسي في البلدة القديمة. واعتمدت كذلك على الوثائق الخاصة لإيثيل مانين Mannin Ethel، التي عاشت في القدس خلال فترة الحكم الأردني (محفوظة حاليًا في جامعة إكستر University Exeter)، وأيضًا سجلات القنصلية

العامة البريطانية في القدس - الشيخ جراح. واستخدم المؤلف أرشيف السجلات العامة في لندن، وأرشيف مركز الشرق الأوسط Archives Centre East Middle في أكسفورد، وأرشيف إيرلندا الشمالية والأرشيف القومي الإيرلن يد في دبلن. واستخدم أرشيف الخطوط الجوية البريطانية في لندن، لإلقاء نظرة على تطوّر شركات الطيران العربية والأجنبية، وكذلك الأرشيف والإصدارات الإحصائية

على خلاف الشائع في تعريب الكلمة الإنكليزية Cosmopolitanism (والصفة Cosmopolitan) صوتيًا إلى "الكوزموبوليتانية"، تُعَّرَب هنا لغويًا ب "اكتساب/ إكساب

الطابع العالمي"، بمعنى ارتباط المدينة أو الشخص بالعالم عمومًا، ووجود العالم بتنوّعه في هذه المدينة أو تلك أو في شخصية هذا الإنسان أو ذاك.

الأردنية حول دور السياحة في اقتصاد القدس حتى عام 1967. واستندت الدراسة إلى المجموعة الأرشيفية الخاصة لمجلة القدس الشريففي عمّان، وأرشيفات إسرائيلية في القدس، التي قدّمت صورًا فوتوغرافية للمطار خلال فترة الحكم الأردني. واعتمدت على

السجلات الأرشيفية (باللغة العربية) لبلدية القدس العربية لتعقّب تطوّر المدينة خلال فترة الإدارة الأردنية. وقد ساعد هذا الفيض من

السجلات المكتوبة بلغات مختلفة، والمقابلات الإثنوغرافية شبه الموجّهة التي أُجريت في عمّان والقدس، في بناء صورة واضحة

المعالم لدور مطار القدس في حياة أهل فلسطين والمدينة ذاتها على مختلف المستويات.

محاور نظرية: المطارات والبنى التحتية التمكينية

تتوافر أدبيات أكاديمية حول المطارات بوصفها بنى تحتية للنقل، وعلاقاتها المادية والمكانية والذهنية المتطوّرة مع المجتمعات

الحضرية القريبة والبعيدة، تقدّم منظورًا تحليليًا مفيدًا لتقييم ما تقوله لنا الأدلة المستمدة من الواقع حول مركزية مطار القدس الدولي

بالنسبة إلى إمكانية السفر والتحوّل المكاني. فتوِّجِهنا الباحثة ناتالي روزو إلى دراسة علاقة المطارات بمحيطها الحضري، والاستماع

إلى التوقعات المسرفة والمتعارضة التي تتكشف في روايات من يستخدمون المطارات ويتأملون تأثيرها في الحيّز العام. وتذكّرنا بضرورة

تناول التأثير المكاني المحلّي، "فسواء كان المطار يقع داخل 'المدينة المضيفة' أو قريبًا منها أو خارجها أو بعيدًا عنها، فإنه يتطوّر

دائمًا ضمن علاقات تكافلية مع البيئة الحضرية التي يقع فيها، أي البيئة التي يخدمها ويعتمد عليها". يدلّ ذلك على أنه ينبغي لنا

أن نبحث عن التأثيرات الجغرافية المكانية الناتجة من تأثيرات الاحتشاد والتجمّع المكانيين، وظهور ما يسمّى "ممرات المطارات"

Corridors Airport، أي المناطق التي ترتبط بشبكة المطارات والطرق المترابطة في هذا الحيّز. ويطرح إيف بوكيه رأيًا مماثلًا، يركّز

على "النطاق المحلي"؛ إذ تؤدي المطارات إلى تحّولّات اجتماعية واقتصادية في المناطق الحضرية، من خلال خلق فرص عمل

مباشرة في فضاء المطار، وفرص عمل غير مباشرة عبر "المناطق المحلية". ويذهب بوكيه إلى أنّ المطارات لها بعد مكاني زماني، فكثيرًا

ما "يُعاد تنظيمها" ماديًا ومكانيًا بمرور الوقت، لتعزيز نجاح المدن واستدامتها المستقبلية، ما يسهم في تحوّل المناطق الحضرية. وإلى جانب الارتباطات الدينامية بين المطارات والمدينة، يشير آدي وغلاس ونيلس إلى الدور المركزي للبنى التحتية التي تربط بين المدن في تشكيل المناطق وتطويرها؛ إذ يكون للبنى التحتية في أيّ منطقة حضور مهمّ في الفضاء والحيّز، ما يساعد في

تبلور أهمية المنطقة ("مناطق المطارات" Regions Airport)، وشبكة العلاقات داخلها. تنطوي البنية المادية للمطارات على دلالة "غياب الحدود"، وحرية الفضاء، والقرب، وإمكانية السفر. وقد أشار عدد ممّن أجريت معهم المقابلات إلى هذه النقطة؛ إذ إنهم

أكدوا أنهم كانوا في زمن المطار ينظرون إلى عواصم عربية أخرى على أنها "في مدى وصولهم"، ومفتوحة لهم، وجزء من جماعتهم المتخيّلة، وتتيح العديد من الفرص، كل ذلك من خلال البنية المادية المتمثّلة في المطار. تتفق هذه التجارب اليومية والممارسات

الكاشفة عن الفاعلية مع فكرة أنّ الناس من خلال المطار "يعيشون الفرص المختلفة من خلال البنية التحتية". وتؤكد هذه التجارب أيضًا أنّ المطار يكون بمنزلة بوابة للتدفقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية الداخلة إلى المنطقة والخارجة منها. بيد أنّ غراهام ومارفن يذكّران بأنّ البنى التحتية للنقل تتسم بالهشاشة، ويمكن أن تفقد مكانتها سريعًا، أو أن تُستهدف بسهولة خلال

Nathalie Roseau, "Airports as Urban Narratives," Transfers 2, no. 1 (2012), pp. 32-54. Yves Boquet, "From Airports to Airport Territories: Expansions, Potentials, Conflicts," Human Geographies 12, no. 2 (2018), pp. 17-21. 10 Jean-Paul D. Addie, Michael R. Glass & Jen Nelles, "Regionalizing the Infrastructure Turn: A Research Agenda," Regional Studies, Regional Science , vol. 7, no. 1 (2020), pp. 10-26. 11 Stephen Graham & Colin McFarlane, Infrastructural Lives (Abingdon: Routledge, 2015).

الصراعات والحروب. ونتيجة ذلك، كلما "كانت الارتباطات التي تيسرها البنى التحتية مهمّة للحياة الحضرية المعاصرة"، كان تعطّل

هذه البنى التحتية بمنزلة انتزاع لقلب الحاضرة المدنية. يشير الباحث سفين كيسلرنغ إلى أنّ المطارات، إلى جانب دورها في تشكّل المناطق الحضرية، تكون أيضًا "بوابات العالم" و"مكانًا لإنتاج فرص العمل" و"آلات للسفر والسرعة"، وتتموضع ضمن دوائر عالمية وإقليمية. فتتحوّل المطارات إلى فضاءات

"جيوستراتيجية وجيوسياسية" تربط فضاءات مهمّة عبر العالم، وتشكّل الوعي العام اليومي في المدن. أضف إلى ذلك أنّ المطارات،

لكونها بنى تحتية ضخمة، "تعرف العلاقات والترابطات وتشكّلها في عالم من التدفقات والسفر"، ما يمكّننا من التفكير في الروابط العالمية وخلق المكان من منظور العلاقات المختلفة. ومن خلال تحليل المنظور التاريخي لظهور "السفر الجوي واختصار الزمان

والمكان" الذي يمكن أن تُحدِثه المطارات، تؤكد إيدا كراناكس فكرة اعتبار المطارات "آلات للسفر". تتفق هذه الرؤى تمامًا مع

نتائج بحثي التي تشير إلى أنّ الناس صاروا ينظرون إلى مطار القدس - قلنديا على أنّه بوابة (أسرع وأكفأ و"أحدث") إلى فرص العمل المتاحة على مستوى العالم وإلى الولوج إلى مسارات مهنية مستقبلية من خلال التعليم العالي. من الواضح أنّ "تبلور الحاضرة وتطورها" بوصفه منظورًا تحليليًا، وبوصفه عملية تربط الناس، يصلح إطارًا لفهم نتائج هذه الدراسة

التي تشير إلى أنّ "القدس في الفترة الأردنية" بدأت تتبلور حضريًا بعد النكبة، وبعد اتفاقية الهدنة عام 1949. وهنا يساعدنا فؤاد ملكاوي

بتأكيده أنّ "تشكّل الحاضرة بوصفها موضوعًا وفكرة مفاهيمية"، بمقاربته المتعددة التخصصات واهتمامه بتحوّل المدن، يجعلنا نركز

على "عملية التغير"، وعلى "الحركة" خلال الشبكات على مر الزمن، وعلى "التجمعات الاقتصادية" والتخيلات الاجتماعية. أضف إلى ذلك أنّ تناول تطوّر "القدس في الفترة الأردنية" على أنّه عملية "تشكّل حاضرة" (أي نشوء علاقات حضرية مكانية واجتماعية

اقتصادية وسياسية متعددة المستويات) يربط نتائج بحثي بالدراسات ذات الصلة، ومنها أهمية الشبكات الحضرية المحلية - المحلية العابرة للحدود، وتبلور "فضاء كثيف" من التفاعلات الاجتماعية المكانية المتعددة في الحيّز القريب، وتصوّر الناس أنهم يعيشون

في فضاء سياسي حضري عابر للحدود، والتحديات المتواصلة للهويات الحضرية ومعنى المكان الذي ينبثق من القدرة على السفر عن طريق المطارات Mobility Airport. وهنا نجد أنّ "القدس في الفترة الأردنية" التي تشكّلت من هذه البحوث (تسمّيها كيمبيرلي

كاتس "القدس الأردنية)" تتسم بأنها في حالة حركة وتطوّر مستمَّرَين، وأنها مرتجلة وتجريبية ومنفتحة وتبادلية. فأولئك الذين

12 Stephen Graham & Simon Marvin, Splintering Urbanism (London: Routledge, 2001), p. 23. 13 Sven Kesselring, "Global Transfer Points: International Airports and the Future of Cities and Regions," in: Alex Wall & Ute Knippenberger (eds.), Airports in Cities and Regions (Karlsruhe: Scientific Publishing, 2010). 14 Eda Kranakis, "European Civil Aviation in an Era of Hegemonic Nationalism, 1919–1933," in: Alexander Badenoch & Andreas Fickers (eds.), Materializing Europe (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010). 15 Malkawi, pp. 27-36. 16 Michael Peter Smith, Transnational Urbanism: Locating Globalization (Oxford: Blackwell, 2001). 17 Dorothee Brantz, Sasha Disko & Georg Wagner-Kyora (eds.), Thick Space: Approaches to Metropolitanism (London: Transaction Publishers, 2012). 18 Warren Magnusson, The Search for Political Space (Toronto: University of Toronto Press, 1996). 19 Michael Batty, The New Science of Cities (Cambridge, MA: MIT Press, 2013). 20 Kimberly Katz, Jordanian Jerusalem: Holy Places and National Spaces (Gainesville: University Press of Florida, 2005); Kimberly Katz, "Jerusalem under Jordanian Rule: New Historiographical Perspectives," Jerusalem Quarterly , vol. 73 (2018), pp. 6-25. 21 Doreen Massey, For Space (London: Sage Publications, 2005); Simone AbdouMaliq, Improvised Lives (Cambridge: Polity, 2019).

يسكنون فضاءاتها ينسجون من فاعليها غير المتجانسين وجوانبها المادية والذهنية، حاضرة متموضعة ومشروطة في حالة حركة يومية. وهذه الوضعية هي الهدية التي تقدّمها تلك البنية التحتية للنقل إلى الحياة اليومية في المدينة وضواحيها.

من مطار لسلاح الجو الملكي البريطاني إلى مطار مدني: نشأة مطار القدس

كان مطار القدس الدولي يُعرَف محليًا باسم "مطار قلنديا"، وقد بدأت قصته مع تاريخ السياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين

والشرق الأوسط. فقد أقيمت مطارات عسكرية في فلسطين والأردن والعراق والخليج جزءًا من سياسة استعمارية بريطانية لمراقبة

حدود الإمبراطورية والسيطرة على السكان المحليين، وبالدرجة الأولى لخدمة سلاح الجو الملكي البريطاني RAF , Airforce Royal، ودوريات الصحراء Patrol Desert، عبر المنطقة العربية. وأقيمت بعض المطارات ومدارج الهبوط الاضطراري للاستخدام المزدوج لسلاح الجو الملكي البريطاني وشركة الخطوط الجوية الإمبريالية البريطانية Airways Imperial British. وأقيمت قواعد جوية عسكرية بريطانية في أنحاء الشرق الأوسط كافة، منها أبو خير وهليوبوليس وحلوان والإسماعيلية وأبو صوير والخرطوم وعمّان وأريحا

ومعان وماركا والهني  يد، وغيرها. وكان سلاح الجو الملكي البريطاني، في حالة الاشتباك، يستخدم تلك المطارات العسكرية لقصف المدن والقرى في أثناء قمع الاضطرابات في أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط، كما حدث خلال الثورة الفلسطينية في عام 1936. أنشأت السلطات البريطانية في فلسطين مطار القدس الدولي إبّان العقد الثالث من القرن العشرين، واستُخدم في البداية

قاعدةً عسكرية صغيرة لتسهيل الاستراتيجيات الاستعمارية خلال فترة الانتداب. وكان التعاون الوثيق بين سلاح الجو الملكي البريطاني، والفيلق العربي الأردني، وراء إنشاء مطارات أخرى في أريحا وإربد وماركا ونابلس لخدمة سلاح الجو الملكي البريطاني

في عدة أغراض. وُأنشئت مطارات عسكرية أخرى في مدينة غزة وفي بلدة ماركا الأردنية لخدمة الإمبراطورية البريطانية وحلفائها المحليين في مهمّات عسكرية وسياسية متعددة. ومع نهاية الانتداب البريطاني، لم يكن مطار قلنديا يُستخدَم إلا في مناسبات خاصة،

بالدرجة الأولى في خدمة سلاح الجو الملكي البريطاني. واستخدمه المسؤولون البريطانيون للرحلات الداخلية في فلسطين، مثل الطيران إلى حيفا التي كانوا يبحرون منها إلى أوروبا. وبعد العقد الثالث من القرن العشرين، أخذت الخطوط الجوية الإمبريالية

22 Ignacio Farías & Thomas Bender (eds.), Urban Assemblages (Abingdon: Routledge, 2010). 23 Priya Satia, Spies in Arabia: The Great War and the Cultural Foundation of Britain's Covert Empire in the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2008); Mansour Nasasra, "The Frontiers of Empire: Colonial Policing in Southern Palestine, Sinai, Transjordan and Saudi Arabia," Journal of Imperial and Commonwealth History , vol. 49, no. 5 (2021), pp. 899-939. 24 Gerald Butt, History in the Arab Skies: Aviation's Impact on the Middle East (Nicosia: Rimal Publications, 2011); Peter Jarvis, Mapping the Airways (Gloucestershire: Amberley Publishing, 2016). 25 The Report of the Public Records of Northern Ireland (PRONI), Belfast, D567/2/39.

وُجدت قواعد أبي خير وهليوبوليس وحلوان والإسماعيلية وأبي صوير جميعها في مصر. ووُجدت قاعدة الهني يد البريطانية أو معسكر الهني يد في العراق قرب بغداد من

عام 1922 إلى عام 1937، ووُجدت قاعدة مطارات عسكرية بالقرب من البصرة في العراق بداية من عام 1920:. ينظر Butt.

26 Mansour Nasasra, "The Frontiers of Empire: Colonial Policing in Southern Palestine, Sinai, Transjordan and Saudi Arabia," Journal of Imperial and Commonwealth History , vol. 49, no. 5 (2021), pp. 899-939; Priya Satia, "The Defense of Inhumanity: Air Control and the British Idea of Arabia," American Historical Review , vol. 111, no. 1 (2006), pp. 16-51. 27 Yitzhak Ronen, "The Formation and Development of the Jordanian Air Force, 1948–1967," Middle Eastern Studies , vol. 40, no. 5 (2004), p. 160. 28 Henry Kendall, Jerusalem: The City Plan, Reservation and Development During the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty's Stationery Office, 1948), p. 2. 29 Butt, pp. 117-118.

البريطانية تستخدم المطارات العسكرية في فلسطين، مثل قلنديا وغزة واللد، بوصفها جزءًا من الشبكات الإمبريالية البريطانية عبر

الشرق الأوسط. ومن ذلك أن الكومودور الجوي، إتش جي براكلي Brackley. G. H، كتب من مقر سلاح الجو الملكي البريطاني عام 1945 حول دور سلاح الجو الملكي في فلسطين، مشيرًا إلى أن "حكومة فلسطين أنشأت مطار اللد ليكون جزءًا من المسار الجوي

الإمبريالي الرابط بين المملكة المتحدة والهند وأستراليا والشرق الأقصى". وكان الغرض الرئيس من المطارات في فلسطين هو أن "تُستخدم مطارات بديلة في الشرق الأوسط في حالة الثورات والاضطرابات السياسية" في مناطق نفوذ الاستعمار البريطاني. بعد زوال الاستعمار البريطاني عام 1948، وفصل القدس الحديثة (الشطر الغربي)، والنكبة واتفاقية الهدنة لعام 1949، سرعان ما فُصل شطرَا المدينة بأسوار وحواجز (مثل بوابة مندلباوم أو بوابة الدموع) ونقاط تفتيش؛ ما أدى إلى تدمير شركات، وتبديد ثروات،

وتمزيق عائلات وتهجيرها، وإغلاق مؤسسات تعليمية وثقافية. وصفت صحيفة ذي إلستريتيد لندن نيوز المشهد الحضري المنبثق حديثًا بعد النكبة بأن القدس "مدينة مقسمة سياسيًا إلى حد لا يقل حدةً عن حالة مدينة برلين، إذ يتبع نحو خُمسها الأردن، بينما يتبع

الباقي إسرائيل".

30 British Airways Archives, London, A Letter from Air Commodore H.G. Brackley, Headquarters, Transport Command, Royal Air Force, Bushy Park, 25 th July 1945.

المقصود بحكومة فلسطين هو حكومة فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني.

31 A Letter Entitled, "Location of Airfields," by Station Manager, Jerusalem, 8 June 1945, British Airways Archives, London. 32 Illustrated London News , 27/4/1957.

الخريطة (1)

القدس المقسمة عام 1949

المصدر: 26 / 322 WO: TNA

ظلّ مطار القدس، منذ النكبة وقرار التقسيم، تحت سيطرة الحكومة الأردنية التي سرعان ما قررت تشغيله في النقل، وبدأت في تحويله إلى مطار مدني دولي. جاء في صحيفة القدسأنّ المطار بدأ العمل للأغراض المدنية عام 1950. وفي عام 1951، شرع الأردنيون، بالتعاون مع سلاح الجو الملكي البريطاني، في إقامة مطار آخر في أريحا لاستخدامه لأغراض عسكرية. تذهب الباحثة كيمبرلي كاتس إلى أنّ المسؤولين الأردنيين أرادوا دمج القدس إداريًا باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الأردن، بل

إنّ بعضهم ذهب إلى حد اقتراح اعتبارها العاصمة الثانية للمملكة الأردنية الهاشمية. كان هؤلاء يرون أن تكون القدس العاصمة الروحية للأردن، وأن تظل عمّان العاصمة السياسية. وتشير كاتس إلى أنّ إسرائيل اعترضت على تولّي الأردن السيطرة على مطار

القدس الدولي بعد النكبة، لكن المجتمع الدولي لم يُعر اعتراضها اهتمامًا. وعلى الرغم من إقامة مطارات لاحقًا في إربد وأريحا، فقد ذكر مسؤولون حكوميون بريطانيون أنّ مطار القدس ظلّ المطار الرئيس الذي يربط القدس بعمّان وعواصم عربية أخرى وبعض الوجهات الدولية، عن طريق رحلات الطيران المستأجر.وعند

التخلي عن خطط لإنشاء مطار دولي في أريحا عام 1959، حظي مطار القدس باهتمام كبير وتمويل تطويري من السلطات الأردنية. كان مطار القدس الدولي يقع في مكان مهمّ جيوسياسيًا على الطريق السريع الرئيس بين رام الله والقدس، على مسافة عشرة

كيلومترات شمال القدس. وكان يقع تحديدًا على أراضي قرية قلنديا الفلسطينية، وما زال يحتل مكانة مرموقة في تاريخ المدينة وذاكرتها. وما تزال أسماء "حي المطار" و"شارع المطار" و"مسجد المطار" محفورة في الذاكرة الشفهية لأهالي قرية قلنديا وبلدات مجاورة، مثل بيت حنينا وكفر عقب وشعفاط والرام وبيرزيت. توضح السجلات البريطانية أنّ منطقة الهبوط في المطار لم تكن سوى مدرج وحيد، يبلغ عرضه 25 مترًا وطوله 1185 مترًا، يشمل

منطقتَي دوران على الطرفين، وباتجاه تقريبي 12 - 30. ويقيّم تقرير مبكر، عُثر عليه في الأرشيفات البريطانية وكتبه هنري مازن

Mazen Henri، بنية المطار وبناياته ومشهده الطبيعي. ويقدّم تقييمًا تفصيليًا لبنيته المادية في بداياته. من ذلك على سبيل المثال

أنّه يسجل أمرًا غريبًا في موقع المطار، يتمثّل في أنّ "طريق القدس - رام الله يقطع مدرج الهبوط بزاوية قائمة على وجه التقريب،

عند نقطة تبعد نحو 550 مترًا عن الطرف الشرقي للمدرج، وهو طريق كثيف الحركة، ولا مفر من إعاقة حركة المرور فيه قبل كل هبوط

وإقلاع". ومن الناحية اللوجستية، "لا يشتمل المطار على ممرات لحركة الطائرات على الأرض، وتستخدم الطائرات المدرج للحركة على الأرض والالتفاف في منطقتَي الدوران المخصصتَين عند طرفي المدرج". ويلخص مازن حال مرافق المطار بالقول إنّ "مبنى الركاب الصغير بالمطار يتكون من طابق أرضي وأول وسطح، وهو متين البناء وجميل المنظر، ويضم غرفة تفتيش للجمارك والشرطة

33 Nahed Awwad, "In Search of Jerusalem Airport," Jerusalem Quarterly , vol. 35 (2008), pp. 51-63.

34 القدس، 16 / 4 / 1967. صحيفة عربية يومية صادرة باللغة العربية، تأسست في القدس عام 1967، باندماج صحيفتَي الدفاعوالجهاد.

35 Ronen Yitzhak, “The Formation and Development of the Jordanian Air Force, 1948–1967,” Middle Eastern Studies , vol. 40, no. 5 (2004), p. 160. 36 Kimberly Katz, Jordanian Jerusalem: Holy Places and National Spaces (Gainesville: University Press of Florida, 2005), pp. 80-85. 37 Maha Samman & Yara Saifi, "Adapting Modernity: Designing with Modern Architecture in East Jerusalem,1948–1967," Journal of Design History , vol 34, no. 2 (2021),pp. 129–148.

38 الرحلات المستأجرة Flights Charter، أو الطيران المستأجر Charter Air، رحلات طيران لا تتبع جدول الرحلات المنتظمة، بل تُنَظَّم بحسب الطلب، بأن تُحجَز

الطائرة كلّها لمصلحة جهة بعينها أو فرد بعينه.

39 The National Archives, Kew Gardens - London, TNA: FO 371/142171. 40 Report on the Mission of the Royal Hashemite Kingdom of Jordan on the Airports of Jordan (Jerusalem, Jericho and Amman), 19 April-24 April, by Henri Mazen, TNA: FO 371/104943.

والسلطات الصحية، وغرفة فيها بضعة مراحيض صغيرة، وغرفة اتصالات، ولوحة توزيع هاتفية، ومكتبًا لإدارة شركات الطيران، وبرج

مراقبة. ولا توجد غرفة انتظار، ويضطر الناس إلى الانتظار في المطعم الصغير في المطار".

الصورة (1)

مطار القدس خلال الفترة الأردنية

المصدر: 104943 / 371 FO: TNA.

كان فلسطينيون محليون يؤمّنون خدمات للمسافرين، مثل تقديم الطعام وتوفير سيارات الأجرة. فتذكر الروائية البريطانية التي عاشت في القدس خلال فترة الحكم الأردني إيثيل مانين في مذكراتها الشخصية أنّ عائلة العلمي المقدسية المحلية كانت تدير خدمات تقديم الطعام في مطارَي عمّان والقدس. وظلّ خليل ومروان العلمي يعملان في مجال تقديم الطعام حتى عام 1967.

وظل عيسى حسن سلامة مسؤولًا عن المطبخ عشر سنوات، فكان يعدّ وجبات للمسافرين القادمين والمغادرين إلى وجهات عديدة. ويندرج ذلك ضمن ما أشار إليه الباحث سفين كيسلرنج من أنّ المطارات مولّدات لفرص العمل، فقد أتاح المطار فرصًا للمقدسيين والعائلات المحلية، وأسهم في التنمية الاقتصادية للمدينة.

42 Ethel Mannin Letters: Correspondence between Christoper Walker and Ethel Mannin on Palestine, 1968-80, EUL MS 452: University of

43 صلاح عبد الصمد، "كيف كان مطار القدس قبل إغلاقه؟ ولماذا يجب إعادة فتحه في أسرع وقت؟"، القدس، 16 / 4 / 1967.

41 The National Archives, London, TNA: FO 371/104943.

Exeter Special Collection.

44 Kesselring.

جاء في تقرير للسفارة البريطانية في عمّان أنّ تنفيذ توصيات مازن بتوسيع طاقة مطار قلنديا قد أوكل إلى مهندس مدني من لندن (مؤسس شركة فريدريك سنو وشركاه Partners & Snow Frederick)، كان يعمل استشاريًا لتوسيع المطار. وقد ذكرت وزارة الاتصالات الأردنية أن هذه الشركة اللندنية (التي صممت مطار غاتويك Airport Gatwick في لندن) زارت مطار القدس عام 1953، وعاينت المدرج ومبنى الركاب والمنطقة المحيطة بالتعاون مع الخبير الأردني راشد البديري مدير الطيران المدني في الأردن. درس الفريقان التقرير، ثم انتقلا إلى تنفيذ توصياته التي ضمت توسعة المطار وتطوير مرافقه المختلفة. كانت هذه الخطوة حاسمة لتوسيع "إمكانية السفر الجوي" Mobility Air لسكان فلسطين والأردن، وإتاحة فرص لشبكة علاقات جديدة مع العالمَين العربي والغربي.

شركات طيران عربية تخدم القدس: تشكّل الحاضرة العربية وتطوّرها

قبل وقت طويل من عام 1948، وحتى قبل عام 1967، استحوذت مدينة القدس على خيال الأوروبيين لكونها الأرض المقدسة. يذهب ياسر الششتاوي إلى أنّ المدن العربية تنشأ وتتطوّر عندما تقيم شبكات وتدفقات جديدة وقوية عابرة للحدود الوطنية، تربطها بدوائر حضرية إقليمية وعالمية، وهو ما يساعد، في رأيه، في تحويلها إلى حاضرة "عربية" جديدة. وتؤكد نتائج الدراسة أنّ تحوّل القدس إلى حاضرة عربية ارتبط بقرار العديد من شركات الطيران العربية توسيع استخدامها لمطار القدس مع مرور الوقت. يقدّم تقرير أرشيفي نادر عن مطار القدس، ظهر بعد عام 1951، صورة تفصيلية لشركات الطيران التي كانت تستخدم المطار يوميًا وأسبوعيًا. وكان من بين هذه الشركات شركة الطيران العربية وطيران الأردن وطيران جيبوتي Djibouti - Air وطيران لبنان وطيران الشرق الأوسط والخطوط الجوية القبرصية Airways Cyprus ومصر للطيران. وشملت المسارات المتاحة حينئذ عمّان - القدس - بيروت، وعمّان - القدس - القاهرة، وبيروت - القدس، ونيقوسيا - القدس، والقاهرة - القدس، والظهران - القدس، إلى جانب رحلات إقليمية ودولية أخرى ورحلات مستأجرة. تأسست شركة الطيران العربية (القدس المحدودة) عام 1953، وعُرفت في البداية باسم طيران شرق الأردن، وكانت واحدة من أهم الشركات الأردنية وأقدمها. افتتحت الشركة مكاتب لها في القدس وعمّان، ونظمت رحلات مباشرة يومية أو أسبوعية بين القدس وعدن وجدّة والعقبة وعمّان والقاهرة وبغداد ودمشق وبيروت. كانت طائرات شركة طيران الأردن وشركة الطيران العربية تهبط في القدس، وكانت مساراتهما هي عمّان - القدس – بيروت، وعمّان - القدس – القاهرة، برحلات ذهاب وعودة يومية. وكان

45 A Letter by Middle East Secretariat, Foreign office, London. British Embassy, Amman, June 26, 1953, TNA: FO 371/104/104943. 46 A Letter by Frederick S. Snow & Partners, addressed to the Hashemite Kingdom of Jordan, Ministry of Communication, Department of Civil Aviation, Amman, 5 March, 1953, TNA: FO 371/104943. 47 Rana Barakat, "Urban Planning, Colonialism and the Pro-Jerusalem Society," Jerusalem Quarterly , vol. 65 (2016), pp. 22. 48 Yasser Elsheshtawy (ed.), The Evolving Arab City: Tradition, Modernity and Urban Development (Abingdon: Routledge, 2011).

49 ينظر: Butt.

50 The National Archives, London, TNA: FO 371/104943.

51 عُرفت شركة طيران شرق الأردن Airways Transjordanian بداية من عام 1963 باسم الخطوط الجوية الملكية الأردنية Airlines Jordanian Royal.

52 الصريح، 24 / 4 / 1954. صحيفة سياسية اجتماعية ثقافية أردنية صدرت في عمان والقدس عام 1944، وتوقفت عن الصدور عام 1955.

53 The National Archives, London, TNA: FO 371/104943.

من أهم مسارات شركة الخطوط الجوية العراقية Airways Iraqi رحلة ذهاب وعودة أسبوعية بين بغداد والقدس. وقد أقلعت أول رحلة للخطوط الجوية الملكية الأردنية من القدس عام 1963، كانت متّجهة إلى جدّة للحج في مكة المكرمة. في عام 1955، توافرت إحدى عشرة شركة تعمل عبر المنطقة العربية، كان أهمها يخدم مدينة القدس. وكانت مصر للطيران أهم شركة طيران عربية تجوب الشرق الأوسط في ذلك الوقت، وكان لإدراجها القدس ضمن مساراتها تأثيرٌ شديد في ارتباط القدس

بالبلاد العربية. وكانت الشركة الأهم والأنشط إقليميًا في تقديم خدمات الطيران المستأجر إلى أيّ وجهة في أيّ وقت، ومنها الطيران

من القدس إلى وجهات عربية كثيرة. جاء في أرشيف الخطوط الجوية البريطانية في لندن Airways British أنّ مصر للطيران تأسست "شركة بريطانية - مصرية للنقل الجوي"، ثم مُنحت حقوقها لشركة مصر إير وشركة الخطوط الجوية المصرية. كانت شعبية شركة مصر

للطيران وانتشارها جاذبين للمتجهين من القدس إلى منطقة الخليج العربي للعمل، وللباحثين عن فرص التعليم العالي في أنحاء المنطقة العربية. جاء في نشرة "ألبينا أدفيرتايزر" المقدسية عام 1951 مقال عن الرحلات اليومية والمباشرة من القدس، يقول "إنك تستطيع أن تسافر جوًا إلى أي مكان بواسطة مصر للطيران، التي تطير إلى القاهرة وجنيف ونابولي وقبرص وإسطنبول والخرطوم

والأقصر Luxor، وأسمرة وأديس أبابا وعدن". وأتاحت رحلات يومية من القدس إلى القاهرة. وثمة شركات مهمة أخرى، كان من بينها طيران الشرق الأوسط التي تعمل منذ عام 1948 انطلاقًا من بيروت، والخطوط الجوية العراقية، وشركة الطيران العربية، وطيران

لبنان، والأخيرة شركة منافسة لشركة طيران الشرق الأوسط في بيروت. أتاحت الشركات الأربع ارتباطاتٍ وفرصًا كبيرة للمسافرين من

القدس وإليها.

54 إعلان للخطوط الجوية العراقية، 1 / 11 / 1963؛

University of Exeter Special Collections, Exeter.

55 فلسطين، 29 / 3 / 1963. بدأت مجلة عربية أسبوعية في يافا عام 1911، ثم تحوّلت إلى صحيفة يومية عام 1929، ثم انتقلت إلى القدس بعد النكبة.

56 Butt, p. 181. 57 Butt, pp. 151-152.

58 كانت وكالة فرانسيس ألبينا تورز للسياحة Tours Albina، التي أسسها المقدسي أنطون ألبينا عام 1949، وكانت مكاتبها في شارع صلاح الدين في القدس. أصدرت

الشركة نشرة إعلانية باللغة الإنكليزية باسم "ألبينا أدفيرتايزر" Advertiser Albina اطّلع عليها الباحث في الأرشيف القومي الإيرلن يد في دبلن.

59 The Albina Advertiser, May-June, 1951.

الصورة (2)

إعلان نشرة "ألبينا أدفيرتايزر" عن شركة مصر للطيران

. Department of Foreign Affairs , DFA / 5 / 305 / 62 / 1 Dublin المصدر:

تحدّث المؤرخ المقدسي خالد عودة الله في مقابلة عن أهمية المطار للمقدسيين، قائلًا إنّ "ذاكرة المطار ترتبط كثيرًا بقريتَي قلنديا وبيت

حنينا والقرى المقدسية المجاورة". ويروي كبار السن الفلسطينيون قصة المطار بوصفها جزءًا من صورة أوسع تشمل "زيارات العاهل الأردني

الملك حسين إلى بيت حنينا، وزيارات شاه إيران والعاهل المغربي محمد الخامس والشيخ صباح سالم الصباح والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وأفراد من العائلتَين الحاكمتَين الكويتية والسعودية إلى القدس"، وهي زيارات حظيت بمتابعة واسعة في الصحف الأردنية والمقدسية. ويروي آخرون ممّن أجريت معهم مقابلات قصة المطار بوصفه منصة سياسية مهمة للملك حسين حينما كان يزور القدس؛

ما جعل المطار رمزًا مهمًا للإدارة الهاشمية في القدس. وقد كرر العاهل الأردني و/ أو حكومته وكبار مسؤولي الجيش تأكيد سلطتهم

وسيطرتهم على القدس في مناسبات كثيرة، من خلال هبوطهم في المطار واستقبال المسؤولين والضيوف فيه. من ذلك على سبيل المثال أنّ طائرة الملك حسين هبطت في مطار القدس في آب/ أغسطس 1959 بعد زيارة دولية للملك، وهناك كان في استقباله "عائدًا

إلى الوطن" في القدس كبار المسؤولين الأردنيين، منهم رئيس الوزراء هزاع المجالي والأمير الحسن ومحافظ القدس والقائد العام للقوات المسلحة الأردنية وكبار جنرالات الجيش الأردني. لم يكن مطار القدس الدولي نقطة مركزية للفلسطينيين المسافرين إلى مدن أخرى في أنحاء المنطقة أو القادمين منها فحسب، بل كان أيضًا وسيلة استخدمها كثير من العرب والأجانب لأغراض متعددة، كما أشار كيسلرنغ، فقد أصبحت "شرائح أكبر من المجتمع تعتمد شيئًا فشيئًا على السفر والنقل الجويَين". وسلّط تقرير وزارة الخارجية البريطانية لعام 1951 الضوء على رحلات أخرى، إلى جانب الرحلات

الجوية اليومية والأسبوعية المنتظمة للركاب والجماعة الدبلوماسية، مثل طائرات الأمم المتحدة وطائرات الشحن من طراز "فيكرز فايكنغ" Viking Vickers التي كانت تستخدم المطار لأغراض عسكرية وإغاثية. وكانت رحلات الأمم المتحدة والرحلات المستأجرة من القاهرة لطائرات مصر للطيران تهبط في القدس بانتظام باعتبارها جزءًا من النقل العسكري و"الترانزيت". وكانت تهبط في المطار أحيانًا طائرات

صغيرة (أغلبها من طراز "كونصول" Consul أو "رابيد" Rapide أو "بيتشكرافت" Beechcraft). وعلى الرغم من محدودية الطاقة الاستيعابية للمطار ومرافقه، قُِّدِر عدد المسافرين الذين وصلوا إليه عام 1950 ب 7732 مسافرًا، منهم 6174 مسافرًا أجنبيًا. كان لهذه الأعداد، مع تنوّع هؤلاء الزوار وتعدد اهتماماتهم الاقتصادية والسياسية، دورٌ فعّال في إعادة تشكيل فضاءات

المدينة ودينامياتها منذ وقت مبكر. ويمكن ملاحظة أنّ هذه التحولات تمثّل أدلةً على بروز ما يسميه ديفيد هارفي "المدينة العالمية" City Cosmopolitan. ويوظف برانتز وساشا ديسكو وواغنر -  كيورا مصطلح "تشكّل الحاضرة"، الذي يتوافق أيضًا مع هذه النتائج ويُبرز دور المطار وأهمية مرافقه المختلفة.

60 خالد عودة الله، مقابلة شخصية، القدس، آذار/ مارس 2024. 61 هاني روحي الخطيب، مقابلة شخصية، عمان، نيسان/ أبريل 2024. 62 المساء، 3 / 11 / 1959؛ المساء، 27 / 1 / 1960؛ المساء صحيفة إخبارية عربية صدرت في عمان بداية من عام 1963. اطّلع الباحث على نسخ الصحيفة في مكتبة دار

إسعاف النشاشيبي في حي الشيخ جراح - القدس. 63 فلسطين، 20 / 8 / 1959.

64 Kesselring, p. 42. أوراق الأرشيف القومي البريطاني - لندن TNA: FO 371/104943. 65 66 Ibid. 67 Ibid. 68 David Harvey, Cosmopolitanism and the Geographies of Freedom (New York: Columbia University Press, 2009). 69 Dorothee Brantz, Sasha Disko & Georg Wagner-Kyora (eds.), Thick Space: Approaches to Metropolitanism (London: Transaction Publishers, 2012).

وكلاء سفر يغيّرون الجغرافيا المكانية الاقتصادية للقدس

بدأت القدس تحت الإدارة الأردنية بعد عام 1948 من وضعية بالغة السوء؛ إذ تسبّب اقتطاع مراكزها التجارية الرئيسة في تدمير

مشهدها الحضري وشبكات علاقاتها وحياتها الاقتصادية التي كانت تتمركز في أحياء المدينة الحديثة في الجهة الغربية مثل حي القطمون وحي الطالبية والبقعة وشارع يافا ومأمن الله. ومن جهة أخرى، فإنّ توظيف منظور يسلّط الضوء على دور المطارات في إحداث شبكات وتجمعات، وتأثيرها في التطوّر اللاحق للمدن، يساعدنا، كما أشار إيف باكيه، على إدراك أنّ المطارات قد تشجع أنشطة

اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، تشمل المكاتب والمتاجر والمراكز التجارية، وقد تتيح فرص عمل مثيرة. وقد بدأنا نشهد بالفعل تشكّل "جمهور جديد يعتمد على السفر الجوي"، وتحسّنًا في سفر الأفراد عبر الحدود بوصفه تعبيرًا عن أسلوب حياة مختلف في المدينة، بل

إننا على الأرجح أمام أدلة مبكرة على "التحوّل الحضري المرتبط بالمطارات" Urbanism Airport كما يشير إلى ذلك ماكس هيرش. كانت الحدود بين شطرَي مدينة القدس، الشرقي والغربي، في أعقاب النكبة واتفاقية الهدنة بين إسرائيل والأردن لعام 1949،

واضحة التحديد وتجسيدًا للهاجس الأمني لدى إسرائيل. وقد تسبب هذا التقسيم الكولونيالي، وما نتج منه من نقاط تفتيش وأسوار

وأسلاك شائكة واشتباكات، في حرمان القدس من الوصول إلى قلبها الاقتصادي والتجاري التاريخي الواقع حينئذ في الشوارع والأحياء العربية الرئيسة ومحيطها في المدينة الحديثة. ومن ذلك أنّ جورج هينتليان، في معرض وصفه للقلب التجاري للقدس قبل عام 1948، يذكر تفصيليًا المتاجر والمطاعم والبنوك والمقاهي والفنادق وغيرها من المؤسسات التي كانت تديرها قبل النكبة جماعة رجال الأعمال

العربية المقدسية، في حي مأمن الله وباب الخليل. وكانت القدس، كما جاء في تحليل رشيد الخال يد وسليم تماري، قد شهدت قبل النكبة إقامة مؤسسات جديدة. وكانت إقامة البنى التحتية، وتوسيع الكثافة الحضرية وشبكات السفر الجديدة، قد بدأت جميعها تغيّر

المشهد الحضري للمدينة، لا سيما تلك الفضاءات الواقعة خارج البلدة القديمة. ومن ذلك على سبيل المثال أنّ مؤسسات "فلسطين"

الحكومية الرسمية أنشئت في الجزء الغربي (المدينة الحديثة)، وما يزال كثير من بنايات هذه المؤسسات ينتصب بارزًا في مشهد

المدينة الحديثة حتى اليوم. وشُيّد عدد من المؤسسات الجديدة في الشطر الغربي من المدينة خلال فترة الانتداب، منها مستشفيات

ومكتب بريد ومدارس ومتاحف وبنايات مهمة أخرى؛ لخدمة الحجاج والسياحة الدينية. انتُزعت هذه البنايات والشركات والاستثمارات

والأموال (التي سُرقت من البنوك العربية والأجنبية في القدس) والارتباطات والعلاقات بعد أيار/ مايو 1948. كما يشير سليم تماري

ورشيد الخال يد، فقد حُرم المقدسيون أيضًا من خدمات مهمة كانت تقَّدَم في بنايات الخدمات العامة ومؤسساتها، في الشطر الغربي

من المدينة، منها مستشفيات ومكاتب بريد ومدارس عديدة. وقُطعت شبكات النقل والاتصالات الرئيسة (خطوط التلغراف ونظام السكة الحديدية) التي كانت تربط الناس في القدس قبل النكبة بالأقارب والمعارف وشركاء العمل في مراكز حضرية أخرى، مثل يافا وحيفا وغزة وبئر السبع. ذلك أنه ب "سبب النكبة، فقدنا الشطر الغربي من المدينة، بما فيه من فنادق ومراكز تجارية وأسواق رئيسة"، كما جاء في تقييم الوضع المثبت في محاضر الاجتماعات الأولى لبلدية القدس العربية في أعقاب التقسيم الاستعماري للمدينة.

70 Boquet, pp. 137-146. 71 Max Hirsh, Airport Urbanism: Infrastructure and Mobility in Asia (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2016). 72 George Hinltian, "'An Attempt to Reconstruct the Pre-1948 Commercial Center of Jerusalem'," in: Between the Archival Forest and the Anecdotal Trees (Birzeit: Ibrahim Abu Lughod Institute, 2004), pp. 25-33. 73 Rashid Khalidi & Salim Tamari (eds.), The Other Jerusalem: Rethinking the History of the Sacred City (Beirut: Institute for Palestine Studies, 2020).

74 القدس الشريف، حزيران/ يونيو 1988. 75 أرشيف بلدية القدس، 4960 - 02206، اجتماع بلدية القدس، 27 / 4 / 1964، بعنوان "مشروعات أمانة القدس وخططها العملية."

كانت منطقة باب الخليل وشارع يافا قبل النكبة ممَّرَين تجاريين مركزيين يربطان مراكز تجارية مختلفة، وكانا أيضًا بمنزلة القلب

الثقافي للمدينة. وكانت أسواق باب العامود ومأمن الله والمصرارة والمتاجر الأبعد داخل البلدة القديمة فضاءات اقتصادية رئيسة تسهم في الاقتصاد الكلي. فأصبح باب العامود بعد النكبة منطقة حدودية، وكان يتعرض للإغلاق فترات طويلة؛ ما يعني أنّ المدينة خسرت جزءًا كبيرًا آخر

من فضائها التجاري. ونتيجة لذلك، بدأت مراكز اقتصادية بديلة تتبلور في القدس في الفترة الأردنية، وهو التحوّل في الجغرافيا

المكانية للمدينة الذي حدث سريعًا، وكانت قوة الدفع الرئيسة وراءه هي الزيادة الكبيرة في عدد وكالات الأسفار والطلب على السفر

عبر مطار القدس الدولي. وذهبت الباحثة حنين نعامنة إلى أنّ "اتخاذ باب الساهرة، لا سيما شارع صلاح الدين، مركزًا جديدًا للقدس

بعد عام 1948، قد حدث من باب نقض المركزية" والتعافي السريع بعد النكبة. توضح التقارير الأرشيفية والمقالات الصحافية الأردنية أنّ الأهمية المستجدة لشارعَي صلاح الدين والزهراء، بوصفهما

منطقتين تجاريتين جديدتين، يمكن ربطها مباشرة بقصة مطار القدس وتأثير الشركات ووكالات الطيران الفلسطينية والعربية والغربية. فقد انتقل القلب الاقتصادي للمدينة صوب الشرق إلى باب الساهرة وشارع صلاح الدين ومنطقة المصرارة الحدودية، وسرعان ما تطوّرت هذه الشوارع بوصفها مناطق تجارية جديدة ذات تأثير متسلسل، جذب إليها المزيد من التجار والاستثمارات والشركات المعاد

تشكيلها. فقد جذب تجمّع مكاتب الخطوط الجوية وشركات النقل والشحن والسياحة والسفر شركات كثيرة أخرى جديدة أُعيد بناؤها

إلى الحيّز الاقتصادي المقدسي في باب الساهرة ومحيطها. على أنّ ذلك، بحسب المفكر بيتير تايلور، لم يكن "نموًا" فحسب، بل

كان "عملًا جديدًا" في المدينة، نشأ عن انتشار الابتكار "الذي يجمع بين تأثيرات التجمعات والشبكات والتأثيرات المحلية وغير

المحلية" من خلال العلاقات بين المدن. فاستثمر المقدسيون في قطاع السفر، وأخذوا يوفرون تذاكر طيران من خلال مطار القدس، وتذاكر حافلات إلى عمّان والعواصم العربية الأخرى. وسرعان ما فتحت شركات طيران عربية وأجنبية مكاتب لها في شارعَي

صلاح الدين والزهراء، اللذَين أصبحا المحور الاقتصادي الجديد للمدينة. وأصبح لوكلاء الطيران ومكاتب الشحن حضورٌ كبير في

شوارع باب الساهرة والزهراء وصلاح الدين والمصرارة، ما ينبئ عن ظهور ارتباطات واسعة النطاق مع العالم العربي من خلال مطار

القدس الدولي. لذلك تُظهِر الخرائط السياحية المنشورة في القدس، خلال فترة الإدارة الأردنية، مكاتب وكالات الطيران الأجنبية

والعربية بارزةً على امتداد هذه الأحياء الآخذة في النمو (ينظر الخريطة 2). وقد لاحظ هذا التطورَ الاستثنائي رئيسُ بلدية القدس

روحي الخطيب، الذي ذكر أن إحدى وعشرين وكالة طيران قد فتحت مكاتب لها في القدس، أغلبها في المحور الاقتصادي للمدينة المتمثّل في باب الساهرة. أوضح الباحث المقدسي عزام أبو السعود في مقابلة أنه "لا ينبغي النظر إلى شارعَي صلاح الدين والزهراء التجاريَين بمعزل عن

محيطَيهما، بل ينبغي فهمهما على أنهما يتفرعان من باب الساهرة، ويشّكلّان جزءًا من حي باب الساهرة الأكبر. كما أنّ الشوارع

المتصلة بهذا الممر تربطه بالأحياء المجاورة الشيخ جراح ووادي الجوز والمصرارة". وقد لقي تطوير هذه المحاور والمناطق المستجدة تشجيعًا من رئيس البلدية الذي تعاون مع رجال أعمال مقدسيين وعرب بارزين.

76 Hanin Naamneh, "A City Yet to Come: A Story of Arab Jerusalem, 1948–1967," PhD. Dissertation, London School of Economics, 2019. 77 Ibid., p. 220. 78 Peter Taylor, "Promiscuous Agglomerations," in: Edward Glaeser, Karima Kourtit & Peter Nijkamp (eds.), Urban Empires (Abingdon: Routledge, 2021), pp. 69-84.

79 مجلة القدس الشريف، حزيران/ يونيو 1988. 80 عزام أبو السعود، مقابلة شخصية، القدس، 2024.

دفع هذا التحوّل الاقتصادي السريع المزيد من التحّولّات في المشهد الحضري وفي تكثيف فضاء الارتباطات بين المدينة

وحيّزها العربي. ثم ظهرت مؤسسات فلسطينية أساسية، وبنايات تاريخية، ومتاجر ومَقاهٍومكتبات عامة، ومؤسسات ثقافية وتراثية،

ومكتب بريد، وفنادق ومحاكم ودور سينما ومراكز فنية ومقارّ أحزاب سياسية، والغرفة التجارية الصناعية العربية، لترسخ حضورها في

شارعَي صلاح الدين والزهراء؛ ما أسهم في التنمية التجارية والسياسية الشاملة لبلدية القدس في فترة الإدارة الأردنية. يشير أبو السعود، في تأريخه لشارع الزهراء، إلى ثراء تراثه الاجتماعي وتاريخه. فقد عاشت فيه عائلات مقدسية بارزة، منها عائلة رئيس البلدية الفلسطيني، ودعمت تطوير المشهد العام للشارع، وشجعت إسهامه في اقتصاد المدينة. وسارعت شركات تجارية وتسويقية متنوعة في شارع الزهراء، مثل شركة صلاح الدين الأردنية للسفر والشحن، إلى تأسيس مكاتبها الجديدة في مقابل فندق الزهراء الشهير. لم يكن النموّ في ريادة الأعمال يسير في اتجاه واحد، ولا كان موجّهًا إلى الداخل فحسب؛ إذ تُظهِر إعلانات اقتصادية وتجارية

منشورة في الصحف الأردنية في ذلك الوقت أنّ شركات مقدسية أقامت علاقات تجارية مع عواصم عربية وغربية. ومن ذلك أنّ وكالات مملوكة لمقدسيين استخدمت الشبكات والعلاقات التي أتاحتها البنية التحتية للنقل المتمثّلة في المطار؛ لمدّ علاقاتها

التجارية إلى عواصم أخرى، مثل القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد وإسطنبول. وأسرعت في التوسع إلى عواصم غربية، مثل لندن وباريس ونيويورك. وظهرت بعض الأنشطة السياحية والاقتصادية، بحلول العقد السابع من القرن العشرين، من جديد، حول باب العامود. وقد لاحظت إيثيل مانين ذلك عام 1966، وعلقت على الحيوية التي شهدتها بالقول: "تتوقف سيارات أجرة حول ساحة باب العامود، وتأتي إلى الساحة للراحة حافلات سياحية كبيرة، كأنها سفن في ميناء"، وإن كانت حوادث الاشتباكات الحدودية المتواصلة، وإطلاق النار المتكرر عبر هذه المنطقة الحدودية تحديدًا، قد أعاقت الأنشطة التجارية الفلسطينية حول باب العامود وحي المصرارة.

خرائط سياحية ووكالات طيران: من القدس إلى مدينة الكويت وما بعدها

كشفت البحوث الأرشيفية عن خريطة سياحية للقدس خلال فترة الإدارة الأردنية، أعدّها الأخوان جهشان عام 1952،

تبيّن مكاتب وكالات الطيران الرئيسة، ومنها طيران الأردن وطيران الشرق الأوسط وشركة الطيران العربية وطيران لبنان وطيران

فرنسا France Air، والخطوط الجوية الملكية الهولندية KLM , Airlines Dutch Royal، والخطوط الجوية العربية السورية Airlines Arab Syrian، ووكالة تيرا سانتا للسياحة Agency Tourist Santa Terra، ووكالة ألبينا تورز للسياحة، التي كانت تقع جميعها في شارعَي صلاح الدين والزهراء وعلى طول طريق شارع نابلس. ونشرت دار لورنس للسياحة Tourism for Print Lawrence في

وقت لاحق خريطة تفصيلية أخرى، تُظهِر وكالات الطيران الرئيسة ومكاتبها في شارعَي صلاح الدين والزهراء، ومنها طيران الشرق

الأوسط والكويت والجمهورية العربية المتحدة والخطوط الجوية الإسكندنافية والإيطالية والفرنسية والملكية الهولندية وسابينا.

81 عزام أبو السعود، عتبات باب الزهراء، التجمع السياحي المقدسي، القدس، 2017.

82 Mansour Nasasra, "Materializing an Arab Jerusalem: Narrating the Jerusalem Airport, 1948-1967," Space and Polity , vol.28, no. 3 (2024), pp. 338-371. 83 Ethel Mannin, The Night and Its Homing (London: Hutchinson, 1968), p. 20.

84 هما غطاس جهشان ومهيبة عكرا جهشان مؤلفا دليل سياحي بعنوان دليل للضفة الغربية لنهر الأردن. ينظر:

Ghattas J. Jahshan & Maheeba Akra Jahshan, Guide to the West Bank of Jordan , 1965.

85 خريطة من عام 1966، أعادت طباعتها دار الطفل العربي، متحف التراث الفلسطيني، 2018. كانت سابينا Sabena أو Sabeena شركة الطيران الوطنية لمملكة

بلجيكا في الفترة 1923 - 2001.

الصورة (3)

وكالات السفر في القدس العربية خلال فترة الإدارة الأردنية

صدرت عن الغرفة التجارية العربية بالقدس عام 1966

المصدر: اقتبست من أوراق رامي النابلسي, عقبة السرايا- القدس.

تقدّم لنا الخريطتان منطقة مزدهرة بأعمال تجارية وسياحية أنشأها تجار ورجال أعمال مقدسيون محليون، ساعدت في ربط

القدس بالعالم العربي اقتصاديًا وسياحيًا من خلال مطار القدس الدولي. وتذهب نعامنة في أطروحتها للدكتوراه إلى أنّ هذه الخرائط

تكشف عن "السياق العابر للحدود الوطنية الذي ربط القدس بغيرها من المراكز الحضرية العربية والأوروبية".

86 Naamneh, p. 266.

وتكشف الإعلانات في الصحف المحلية، التي نشرتها شركات الطيران الواقعة في شارعَي صلاح الدين والزهراء، عن جوانب

أخرى لتبلور الحاضرة العربية الذي عمّ المطار ومحيطه والمواقع المرتبطة به. كان الحج إلى مكة المكرمة أحد مسارات السفر المهمّة

التي سلكها المقدسيون، تمامًا كما كان بالنسبة إلى العرب المقيمين في القدس من مدن أخرى من أنحاء الشرق الأوسط. وقد كان

الطلاب والتجار والمسؤولون القنصليون والحكوميون من جميع أنحاء المنطقة يتوافدون إلى شارعَي صلاح الدين والزهراء لحجز

رحلاتهم المتّجهة إلى مكة المكرمة أو إلى أنحاء الشرق الأوسط أو إلى الغرب. وكان عدد من شركات الطيران العربية الأخرى قد انضم إلى خدمة مطار القدس بحلول العقد السابع من القرن العشرين، من بينها شركة ترانس أرابيا للطيران Airline Arabia - Trans؛ لاحقًا الخطوط الجوية الكويتية Airways Kuwaiti وطيران الأردن للأراضي المقدسة والخطوط الجوية الأردنية والخطوط الجوية الملكية الأردنية، والخطوط الجوية العربية السورية، وشركة الطيران العربية المتحدة، والخطوط الجوية الوطنية الكويتية، وطيران الشرق الأوسط، والخطوط الجوية القبرصية. تكشف الأرشيفات والمقابلات عن عنصر لافت للنظر في الروابط الآخذة في التنامي حينئذ بين القدس والمدن العربية الإقليمية. فقد اتضح أنّ العلاقات مع مدينة الكويت كانت قوية ومركزية خلال هذه الفترة، نتيجة للاهتمام الذي حظيت به المدينة لدى الخريجين الجدد وعائلاتهم، الذين انتقلوا إليها بحثًا عن فرص عمل في قطاعَي النفط والتعليم. وشهدت المدينة نموًا وتحولًا حضريًا

كبيرَين خلال العقدَين السادس والسابع من القرن العشرين؛ ما جذب إليها قوة عاملة من عدد من البلدان. وتُظهر الشهادات

الشفهية التي جُمعت في القدس وعمّان أنّ المقدسيين نظروا إلى الفرص المتاحة في الكويت على أنها مميزة؛ ما جعل هذا البلد

وجهتهم الأساسية. ولذلك كانت الرحلات الجوية المنتظمة إلى مدينة الكويت جاذبة لكثير من المقدسيين الذين كانوا يبحثون عن

عمل في السوق الكويتية المحلية في مجالات النفط والهندسة والتعليم، لا سيما بعد أن أُلغيت التأشيرات للفلسطينيين. تحدّث أشخاص ممّن أجريت معهم مقابلات من بلدات حول القدس العربية، مثل بيت حنينا وبيت صفافا، عن العمل في

الكويت. وينطبق ذلك بدرجة أوضح على قرية بيت صفافا المقسمة؛ إذ كانت الكويت الوجهة الأولى للمعلّمين من بيت صفافا "الأردنية" حتى عام 1967. وقد تذكرت السيدة ماجدة صبحي أنه "كان من الصعب أن تقابل عائلة واحدة في بيت صفافا لم تخض تجربة العمل في قطاع التعليم في الكويت. جلب ذلك ثروة وتنمية وتبرعات إلى بيت صفافا من الكويت. ومن ذلك أنّ مسجد قرية بيت صفافا القديمة، من بين مؤسسات أخرى، شيّدته عام 1966 عائلات كويتية وبعض ممن عملوا في الكويت". وثمة أدلة

أخرى تدلّ على أنّ الكويتيين استثمروا في العقارات والأعمال التجارية في القدس خلال فترة الحكم الأردني. وجاء المسؤولون الدبلوماسيون الكويتيون العاملون في القنصلية الكويتية أو الذين كانت لهم أعمال تجارية في المدينة من خلال المطار، وفي حالات كثيرة اصطحبوا معهم أطفالهم الذين ألحقوهم بمدارس مقدسية رائدة. وقد روى ريتشارد زنانيري مدير مدرسة المطران قائلًا:

87 طيران الأردن للأراضي المقدسة Land Holy the of Jordan Air هو الاسم الذي أطلق على شركة طيران الأردن، بعد أن استحوذت على شركة الطيران العربيةُ

Airways Arab، عام 1958، وتوقفت عن العمل عام 1961:. ينظر Butt.

Nahed Awwad, "In Search of Jerusalem Airport," Jerusalem Quarterly , vol. 35 (2008), pp. 51-63; Eldad Brin, "Gateway to the World: The Golden Age of Jerusalem Airport, 1948–76," Jerusalem Quarterly , vol. 85 (2021), pp. 61-80. 88 Yasser Mahgoub, "Kuwait: Learning from a Globalized City," in: Yasser Elsheshtawy (ed.), The Evolving Arab City: Tradition, Modernity and Urban Development (Abingdon: Routledge, 2011), pp. 27-36.

89 المساء، 3 / 1 / 1960. 90 ماجدة صبحي، مقابلة شخصية، بيت صفافا، حزيران/ يونيو 2024. 91 تُعرَف مدرسة المطران باسم مدرسة سانت جورج بالقدس Jerusalem , School s ' George. St، وهي مدرسة ثانوية تأسست في القدس عام 1899، وتقع في شارع

نابلس. يديرها اليوم السيد ريتشارد الزنانيري.

"أستطيع أن أؤكد، بناءً على السجلات الأرشيفية للمدرسة، أنّ المسؤولين الدبلوماسيين الكويتيين اعتادوا على استخدام المطار،

وأنهم كانوا يأتون بأولادهم للدراسة في مدرسة المطران. ومن ذلك أنّ الأمير ناصر صباح الأحمد الجابر الصباح من العائلة الحاكمة الكويتية درس في مدرسة المطران عام 1961 ". وقد أكدت الشيخة حصة صباح السالم الصباح هذه الرواية عن الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح وتلقّيه التعليم في مدرسة المطران في القدس. وثمة شخصية مقدسية أخرى تخرّجت في المدرسة عام 1960،

تُدعى وفا الكاظمي، أكدت في مقابلة أنّ "طلابًا من ليبيا، من عائلة السنوسي المالكة، تلقّوا تعليمهم في مدرسة المطران".

وتكشف رواية الطلاب العرب الذين جاؤوا من الكويت وليبيا للحصول على التعليم الثانوي في القدس أنها كانت خلال فترة الحكم الأردني حاضرة عربية.

الصورة (4)

قرية بيت صفافا المقسمة خلال فترة الحكم الأردني

المصدر: أرشيف الدولة الإسرائيلي، القدس: 3006 / 671 TAS: ISA.

92 ريتشارد الزنانيري، مقابلة شخصية، مدرسة المطران، القدس، 2024. 93 من سيرة الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، الابن الأكبر للشيخ صباح الأحمد الصباح الذي أصبح لاحقًا الأمير الخامس عشر لدولة الكويت. يؤكد ألبوم الشيخ ناصر

ووثائقه أنه درس في القدس. وتُظِه ر إحدى صوره في أثناء دراسته في مدرسة المطران بالقدس أنه قد أُرسل إلى لندن عام 1963 لحضور فعالية مدرسة المطران الصيفية

هناك. كان الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الدفاع لدولة الكويت. للمزيد عن الشيخ ناصر، ينظر: موقع ناصر صباح الأحمد الصباح،

شوهد في 15 / 4 / 2024، في: BPfp 9 L 1 / ps. acr:// https 94 وفا الكاظمي، مقابلة شخصية، القدس، 2024.

95 Soja.

عملت الخطوط الجوية الكويتية من مطار القدس، وكذلك الخطوط الجوية الوطنية الكويتية وترانس أريبيا للطيران. وقد جاء في صحيفة فلسطينأنّ شركة ترانس أريبيا للطيران ووكيلها المعروف شركة "الزيتونة للسياحة والسفر" كانا في يوم الإثنين من كل أسبوع يوفران تذاكر ذهاب وعودة من القدس إلى مدينة الكويت مقابل 19 دينارًا أردنيًا. وجاء في مجلة المهد أنّ مكاتب

الزيتونة كانت تقع في شارع الزهراء. وتشير الإعلانات في الصحف إلى أنّ رحلات الشركة من مدينة الكويت كانت تذهب إلى أغلب العواصم العربية، ومن بينها القدس والقاهرة وبيروت ودمشق والمنامة والدوحة، وكذلك إلى عبدان وطهران. تُعدّ الإعلانات الصحافية من تلك الفترة مؤشرًا جيدًا د لا على اتساع نطاق الوجهات العربية المتاحة للمسافرين المقدسيين،

والمعاني المرتبطة بتلك الرحلات. ومن ذلك أنّ الخطوط الجوية الأردنية Airways Jordan كانت عام 1963 تقدّم من مقرها في شارع

صلاح الدين رحلات ذهاب وعودة للحجاج من القدس إلى جدّة بالمملكة العربية السعودية. وكان مطار القدس قد أصبح حينذاك

بوابة استراتيجية، أتاحت للكثير من المسؤولين من العالم العربي إكمال حجهم إلى مكة المكرمة بالحج إلى الأراضي المقدسة والمسجد الأقصى. ونظّم طيران الشرق الأوسط والخطوط الجوية اللبنانية اللذَين افتتحا مكاتب لهما في شارع صلاح الدين، ثم توسّعا إلى باب الساهرة عام 1952، رحلات أسبوعية من القدس إلى كراتشي ومومباي ولندن بالتوقف في بيروت. ونظّم طيران

الشرق الأوسط رحلات جوية أخرى من ألمانيا عبر بيروت إلى القدس وعمّان. وقد ورد، في إعلان للشركة عام 1952، أنها شركة

مشهورة، كانت مكاتبها تربط بيروت بالقاهرة وبغداد وقبرص والظهران والكويت والقدس. وتكشف إعلانات الخطوط الجوية الملكية الأردنية عن نشاط كبير لهذه الشركة على مسار عمّان - مطار القدس، إلى جانب عدد

من المدن العربية الأخرى، منها بيروت والكويت والدوحة وجدّة والقاهرة. وكانت الخطوط الجوية العربية السورية، من مكاتبها

الكائنة أيضًا في شارع صلاح الدين، تنظّم هي الأخرى رحلات جوية أسبوعية من دمشق إلى مطار القدس. وقد ذكر الباحث إبراهيم مطر في مقابلة في شارع الزهراء أنّ "شركة الطيران العربية والخطوط الجوية اللبنانية افتتحتا مكاتب لهما في شارع صلاح الدين، وجذبتا الكثير من الطلاب المقدسيين من خلال تنظيم رحلات طلابية رخيصة إلى بيروت بداية من أواخر عام 1950  ". وافتتحت شركات طيران دولية أخرى مكاتب لها في القدس في شارع الزهراء وصلاح الدين. فكانت طائرات شركة طيران الهند India Air وطيران فرنسا والخطوط الجوية الملكية الهولندية تغادر القدس، عبر بيروت، إلى وجهات غربية أخرى مثل باريس

96 Brin, pp. 72-73.

97 فلسطين، 14 / 5 / 1963. 98 المهد، 5 / 6 / 1955. 99 المساء، 16 / 3 / 1963. 100 فلسطين، 29 / 3 / 1963. 101 المساء، 30 / 10 / 1959. 102 ربما تكون شركة الخطوط الجوية اللبنانية Airlines Lebanese هي نفسها شركة الخطوط الجوية الدولية اللبنانية Airways International Lebanese، التي بدأت

العمل مشغّل رحلات مستأجرة عام 1952، وبدأت عام 1956 العمل في الرحلات المجدولة، استحوذت عليها شركة طيران الشرق الأوسط بعد أن دُمّر أغلب أسطولها في

غارة إسرائيلية على مطار بيروت عام 1969:. ينظر Butt. 103 المساء، 30 / 10 / 1959. 104 المساء، 13 / 3 / 1963. 105 المجموعة الأرشيفية الخاصة لرامي النابلسي، عقبة السرايا، البلدة القديمة بالقدس. 106 فلسطين، 10 / 1 / 1963. 107 المساء، 16 / 3 / 1963. 108 إبراهيم مطر، مقابلة شخصية، القدس، كانون الثاني/ يناير 2024.

ولندن. وأعدّت الخطوط الجوية الملكية الهولندية مكاتبها في شارع صلاح الدين بالقدس إبّان العقد السابع من القرن العشرين،

وأعلنت عن رحلات إلى وجهات دولية أخرى عبر القدس. ودشّنت شركة طيران فرنسا مكاتبها في شارع الزهراء (في عمارة بركات) عام 1959، وأخذت تنظّم رحلات جوية من القدس، عبر بيروت، إلى باريس وأثينا وروما وميلانو وإسطنبول. ونظمت شركتا طيران فرنسا ولبنان رحلات أسبوعية من بيروت إلى القدس، ووفرتا رحلات مباشرة في يوم الثلاثاء من كل أسبوع من بيروت إلى إسطنبول والقاهرة ولندن ونيويورك. وأتاحت الشركتان أيضًا رحلات "من القدس إلى بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد والكويت وجدّة وإلى أنحاء

العالم العربي كافة".

الخريطة (2)

رحلات شركة الطيران العربية (القدس المحدودة) الأردنية، توضح وجهات الشركة من قلنديا، التي شملت عمّان

والقاهرة ودمشق والعقبة وجدّة وعدن وبغداد وأريحا

المصدر: صحيفة الصريح، 1954.

109 الجهاد، 3 / 7 / 1958. صحيفة يومية سياسية صدرت في القدس عام 1953، وتوقفت عام 1967. 110 المساء، 16 / 3 / 1963. 111 المساء، 23 / 12 / 1959.

112 The Albina Advertiser, Jerusalem, The National Archives of Ireland Collections, Dublin (NAI). May-June, 1951.

كان لحيوية مطار القدس دورٌ كبير في تنمية اقتصاد المدينة. فوسّع التجار خدماتهم، لا سيما في مجالَي تقديم الطعام وغيرها

من الخدمات استجابة للطلب المتزايد من الزوار والمسافرين. وكانت وكالة "ألبينا تورز للسياحة" تقدّم خدمات سياحية وجولات للسياح

والحجّاج، شملت تنظيم زيارات للمعالم السياحية والرحلات وحجز الفنادق وتأمين السيارات الخاصة إضافة إلى الجولات إلى القلعة

والمناطق المحيطة بها. وقد أدّت الشركة دورًا محوريًا في "جذب أعداد أكبر من السياح، وتشجيع تدفّق مزيد من الحجّاج، واستقطاب

شرائح أوسع من الزوار". وجاء في إعلان لها أنّ "أحد أسرار نجاح وكالة ألبينا تورز للسياحة يتمثّل في شعارها: أرباح قليلة وإيرادات كبيرة". ازداد عدد الفنادق ووكالات السفر والشحن والرحلات الجوية الجديدة سريعًا. وكان الاستثمار في الاقتصاد وإنشاء مصانع

صغيرة وأسواق وشركات حافلات أحد المحركات الرئيسة لجذب مزيد من الزوار الجدد إلى المدينة. وقد أرجع رئيس بلدية القدس ازدهار التنمية الاقتصادية في القدس إلى الدور المهمّ لمطار القدس وارتباطه بالعواصم العربية وما وراءها. وكانت سياسة الخطيب

المتمثّلة في جذب مزيد من التمويل والاستثمار من رواد أعمال عرب، عنصرًا مهمّا في هذا التجمّع الحضري.

الحي الكويتي في القدس: عقارات كويتية في قلنديا والبيرة ورام الله وضواحيها

دفع الارتباط بين مدينة الكويت والقدس، وإمكانية السفر بينهما، كثيرًا من الكويتيين إلى الاستثمار والإقامة في القدس

وضواحيها، وشراء عقارات، وإلحاق أبنائهم بأبرز المدارس في المدينة وفي بيرزيت. يذكّرنا الباحث فؤاد ملكاوي بأنّ "المدن تجمعات اقتصادية حضرية وثيقة الارتباط بمحيطها"، وبهذه الطريقة تتحوّل المدن إلى "حواضر جديدة". ويضيف أنّ الحاضرة تُعرَف

ب "الطابع العالمي لعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية". ويمكن أن نلاحظ تحوّل القدس إلى حاضرة في فاعلية الاستثمار

الكويتي في القدس وضواحيها؛ إذ يُعدّ حضور الكويتيين وإسهاماتهم فيها وفي رام الله والبيرة مث لًا واضحًا على هذا الإثراء، بل إنه

لا يزال حاضرًا حتى اليوم بالذكر والإشادة في الروايات الشفهية للفلسطينيين والكويتيين. ولا تزال إحدى الضواحي القريبة من مطار القدس تُعرَف محليًا باسم "الحي الكويتي"، نسبةً إلى الكويتيين الذين استثمروا

فيه وأقاموا عددًا من المنازل والمساجد. كان الموظفون الدبلوماسيون والدوليون الذين يأتون من خلال المطار على مرّ السنين

يصطحبون معهم عائلاتهم، واشترى كثيرون منهم منازل أو أقاموا بيوتًا بالقرب من المطار وفي ضواحي القدس، مثل رام الله والبيرة

وقلنديا. وتشير المقابلات التي أُجريت في لندن والقدس إلى أنّ الكويتيين كانوا يسافرون سنويًا إلى فلسطين، لا سيما خلال فصل

الصيف، وأنهم اشتروا منازل وعقارات هناك. وتشير الروايات إلى أنّ عائلات كويتية - من بين عائلات خليجية أخرى - اشتروا عقارات وأراضيَ بالقرب من المطار (حي المطار أو ما أطلق عليها محليًا الحيّ الشرقي لقلنديا)، وتظهر ذكرى وجودهم هناك خلال فترة الإدارة

الأردنية في المقابلات التي أُجريت مع سكان حاليين في أحياء قلنديا وشعفاط وبيت حنينا وبيت صفافا والرام. شارك الكويتيون في تطوير حي المطار ببناء المساجد وغيرها من المرافق. ويبرز تبرّعهم لبناء مسجد المطار، المعروف أيضًا

باسم مسجد عمر بن الخطاب، من الذكريات التي يستحضرها الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات؛ إذ قال جمال العبد الغفور إنّ "الكويتيين الذين اعتادوا على زيارة القدس من خلال المطار، تبرعوا بالمال لبناء المسجد الكائن في حي مطار قلنديا ومنازل أخرى

113 القدس الشريف، حزيران/ يونيو 1988.

114 Malkawi, p. 32. 115 Ibid., p. 33.

قريبة. كما تبرع عبد الله الهاجري من الكويت ببناء مسجد المطار - مسجد عمر بن الخطاب". وأشار الحاج شريف محمود عوض الله إلى أنه "لم تقتصر استثمارات الكويتيين على حي المطار (الحي الشرقي) القريب من مطار القدس، بل امتدت إلى رام الله والبيرة وبيت صفافا وشعفاط وبيرزيت". ونتيجة لذلك، توجد مساجد كثيرة في قلنديا وبيت صفافا وبيت لحم تقف اليوم شاهدة على الإرث الكويتي في القدس والضفة الغربية. كان الإسهام الكويتي في تشييد البنايات السكنية والترويحية والفنادق شديد الوضوح في القدس ورام الله ومناطق مجاورة أخرى. فيذكر الكويتي جمال العبد الغفور الذي زار القدس عام 1961 أنّ كويتيين كثرًا ممّن قدموا إلى الضفة الغربية والقدس استثمروا

في منازل في هذه المناطق؛ إذ قال: "كان ج يد راشد العبد الغفور يمتلك منزلًا في مدينة رام الله، على بعد أميال قليلة من مطار القدس". وتُظهِر سجلات الأراضي الفلسطينية في رام الله والبيرة أنّ راشد العبد الغفور اشترى قطعتَي أرض وسجّلهما باسمه في أيلول/ سبتمبر 1965. وأضاف جمال العبد الغفور: "كان منزل ج يد يسمى بالقصر لروعة الحجارة الحمراء النادرة التي كانت تزينه. وقد عشنا فيه أشهرًا

طويلة إلى أن استولى عليه الحاكم العسكري الإسرائيلي عام 1967. وبعد رحيل الحاكم العسكري بعد عقدين من الزمن، انتقلت عائلة فلسطينية إلى المنزل، وما زالوا يعيشون فيه حتى اليوم". وتظهِر ألبومات عائلة العبد الغفور من الكويت أنّ المنزل التاريخي كان

مكوّنًا من ثلاثة طوابق، وفيه حديقة جميلة وشرفات عديدة. وتُظهِر صور من ألبوم هذه العائلة الكويتية عددًا من أفراد العائلة في

حديقة البيت في رام الله عام 1965، وهم حمود راشد العبد الغفور ودلال وهند ونوار العبد الغفور. واستثمر فلسطينيون محليون أيضًا في الحي الكويتي وفي منطقة المطار حينما بدأت تزدهر. وقد سجّلت السيدة أم رياض

أبو عواد ضمن المقابلات التي أُجريت في بيرزيت أنّ "عائلات من بيرزيت وقرى أخرى، منها عائلة الزيتاوي، استثمرت في منطقة حي المطار، وبنت منزلها هناك الذي لم يكتمل إّلا بعد النكسة". وقد أسهم بناء المنازل الفلسطينية في حي المطار، جنبًا إلى جنب

مع المنازل التي بناها كويتيون، في نموّ الحي وفي ازدهار أنشطته التجارية، بفضل قربه من المطار. وأدّت شركة الزيتونة الكويتية

دورًا مركزيًا في تطوير العلاقة بين الكويت والقدس، حينما اتخذت من شارع صلاح الدين مركزًا لمكاتبها. واضطلعت الخطوط الجوية

الكويتية (ترانس أرابيا) بدور محوري في تسيير رحلات أسبوعية بين القدس والكويت؛ ما أسهم إلى حد بعيد في توطيد العلاقات بين البلدين وتعزيز الاستثمارات الكويتية في المدينة المقدسة. يذهب غراهام ومارفن إلى أنّ "الارتباطات الدولية المتزايدة بين المدن" أحد العوامل الرئيسة في تشكّل أحياء جديدة في المشهد الحضري. ولا ريب في أنّ مثال حي المطار يثبت التحّولّات المكانية التي تترافق مع نموّ الشبكات الدولية والإقليمية.

فقد تيسّرت عملية إعادة التنظيم المكاني التي شهدتها القدس بفضل شبكات النقل الكثيفة والمتوسعة التي ربطت مدن الضفة الغربية

بالقدس وبالمدن العربية، عبر البنية التحتية التي وفّرها المطار.

116 جمال يوسف العبد الغفور، مقابلة شخصية، لندن، 2025. 117 الحاج شريف محمود عوض الله، مقابلة شخصية، حي المطار، قلنديا، 2025. 118 دائرة تسجيل الأراضي الفلسطينية في رام الله والبيرة، 1965، الأرشيف الشخصي للسيد حمال العبد الغفور، الكويت. 119 جمال العبد الغفور، مقابلة شخصية، الدوحة، 2025. 120 السيدة حليمة شاكر أبو عواد، أم رياض، مقابلة شخصية، بيرزيت، 2025.

121 Graham & Marvin.

الصورة (5)

مسجد المطار

المصدر: تصوير المؤلف، 2025.

المطار بوابة جديدة إلى المدينة الفلسطينية

لا شك في أنّ تقصي الدينامية اليومية للمطار، بوصفه ساحة للقادمين والمغادرين من الدبلوماسيين وكبار الشخصيات من الغرب والعالم العربي، يسلّط الضوء على الحيوية المتزايدة لهذه "المدينة العادية" وتنوّع أساليب الحياة في فضاءاتها التي تشكّلت بعد عام

1948. فبعد تقسيم المدينة وتأسيس الإدارة الأردنية في القدس والضفة الغربية، أنشأت دول عربية وغربية قنصليات جديدة لها (مثل القنصلية السعودية والعراقية واللبنانية والسورية والكويتية) في الجزء الشرقي من المدينة، بالدرجة الأولى في الحي الدبلوماسي المعروف بالشيخ جراح. ثم لحقت بها العديد من المنظمات الدولية التي أسهمت هي الأخرى في إعادة تشكيل الجغرافيا المكانية للمدينة. كتبت الصحف المحلية المقدسية والأردنية بانتظام عن زيارات المسؤولين والبعثات الدبلوماسية والشخصيات الدينية من العالمَين

العربي والغربي عند وصولهم عبر مطار القدس. ومن ذلك على سبيل المثال أنّ صحيفة الجهاد كتبت عام 1958 أنّ "بعثة حكومية مغربية رسمية، ضمّت وزيرًا ومسؤولين حكوميين من مراكش، وصلت من جدّة عبر بيروت إلى القدس بعد انتهاء موسم الحج في مكة.

كان متصرف القدس في استقبالهم نيابة عن العاهل الأردني الملك حسين، ثم تابعوا طريقهم إلى الفندق الوطني في شارع الزهراء، الذي أقاموا فيه ثلاثة أيام، زاروا خلالها المسجد الأقصى والأماكن المقدسة في القدس". نرى في هذا المثال ممثلين مقدسيين يستقبلون شخصيات دبلوماسية عربية في المطار؛ ما يشير إلى الدور المركزي الذي أدّاه أهل المدينة المقدسيون في إدارتها. ونشرت مجلة الغد الفكرية الفلسطينية، التي ترأّس تحريرها عبد الغني الخطيب، تقارير كثيرة عن وفود رسمية عربية تصل للحج إلى الأماكن المقدسة، كان أغلبها يلتقي كبار الشخصيات الفلسطينية في مقدس، منها رئيس البلدية روحي الخطيب الذي سعى دائمًا

لبناء أواصر التعاون مع البلاد العربية وتشجيع السياحة العربية الوافدة. وجاء في المقابلات مع شخصيات سياسية مقدسية من القدس تفاصيل حول استقبالها "ممثلي الجمهورية العربية المتحدة وشخصيات دينية جاءت من مصر عن طريق شركة مصر للطيران". واستخدم أيضًا موظفون دبلوماسيون غربيون وقنصليون عرب المطار بانتظام بعد هبوطهم في بيروت ثم مواصلة الرحلة إلى القدس. يروي كاي بيرد في كتابه المدينة المقسمة ذكرياته حينما كان طفلًا في القدس خلال أوائل العقد السادس من القرن العشرين، ف "بعد قضاء ليلة واحدة في بيروت، ركبنا طائرة أصغر، وسافرنا إلى مطار قلنديا الصغير في القدس. كان على رجال الشرطة في كل مرة تهبط فيها طائرة في المطار أو تقلع منه أن يوقفوا حركة المرور على الطريق الممتد من القدس إلى قلنديا، لأنّ المدرج كان يتقاطع مع الطريق". وجاء رؤساء منظمات سياحية من الدول الأوروبية والإسكندنافية في زيارات رسمية لبناء علاقات سياحية مع الأردن ومع منظّمي الرحلات السياحية في القدس. وأوردت صحيفة المساء أنّ شخصيات دينية مهمّة من اليونان هبطت

في مطار القدس، من أبرزها بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس الذي ظلّ يؤم الصلاة في كنيسة القيامة طوال مدة

122 Jennifer Robinson, Ordinary Cities (Abingdon: Routledge, 2006).

123 الجهاد، 3 / 7 / 1958. 124 مجلة سياسية ثقافية اشتراكية أصدرتها رابطة المثقفين العرب في فلسطين عام 1945. 125 مجلة، الغد 13 آب/ أغسطس 1956. 126 هاني روحي الخطيب، مقابلة شخصية، عمان، 2023.

127 Brin. 128 Kai Bird, Divided City: Coming of Age between the Arabs and Israelis (London: Simon & Schuster, 2010).

129 فلسطين، 20 / 11 / 1963.

زيارته. واستقبل العاهل الأردني الملك حسين شاه إيران في المطار عام 1959 في زيارة غير مسبوقة وتاريخية للزعيم الإيراني إلى القدس والحرم الشريف. وهبط المغنّي والممثل المعروف فريد الأطرش "ملك العود" في المطار عام 1961، والتفّ حوله حشد كبير

من المعجبين في أثناء توجّهه إلى مكان إقامة حفله الغنائي. وكان مسيحيون أوروبيون وعرب من بلاد المشرق والمغرب ينزلون في المطار خلال المواسم الرئيسة للمسيحيين، ولا سيما عيدَي الفصح والميلاد. وكان مئات الحجّاج الأقباط يأتون عبر القاهرة في ذروة السنة المسيحية للمشاركة في احتفالات عيد الفصح.

ومثّل شهر نيسان/ أبريل ذروة هذه الزيارات وبلغ عددهم 1500 حاجّ. وكان حجّاج إيطاليون وألمان يأتون عبر الأردن، فتزدحم بهم

المدينة. وقد أوردت الصحف المحلية أنّ "فنادق القدس أعلنت حجز جميع غرفها طوال فترة الاحتفالات، إلى جانب عدد كبير من المنازل الخاصة والمدارس والأديرة لاستيعاب الزوار المسيحيين". كان الموظفون الدبلوماسيون والدوليون القادمون عبر المطار طوال العام يصطحبون عائلاتهم معهم. وقد أنشأ كثيرون منهم منازل بالقرب من المطار وفي القرى الفلسطينية المجاورة. ومن ذلك ما ذكره خالد عودة الله من أنّ "عائلات كويتية وسعودية، من بين عائلات أخرى، اشترت عقارات وأراضيَ بالقرب من المطار، وتظهر ذكرى وجودهم هناك خلال فترة الحكم الأردني في المقابلات

التي أُجريت مع سكان حاليين في أحياء قلنديا وشعفاط وبيت حنينا". وفي حديث مع أحد التجّار المقدسيين الذين استخدموا المطار

للسفر، قال إنّ "الكويتيين الذين اعتادوا على زيارة القدس من خلال المطار، تبرّعوا بالمال لبناء المسجد الكائن في مطار قلنديا

ومنازل أخرى قريبة". وعاش كثير من هذه العائلات في حي المطار كما يسمّى محليًا حتى اليوم. تكشف هذه الشهادات اليومية، التي جُمعت من صحف وسجلات أرشيفية ومقابلات، عن جغرافيا مكانية زاخرة بالدبلوماسية

واهتمام النخب الإقليمية والعالمية ومشاركتها، وهي جغرافيا تركّزت في بناية المطار وحولها ومن خلالها، وارتبطت بمواقعَ كثيرة ذات

أهمية تجارية ودينية وسياسية. كان هذا الفضاء للعلاقات السياسية ينبثق يوميًا خلال الفترة 1950 - 1967، التي كان المطار خلالها

بوابة الدخول إلى المدينة الفلسطينية.

المطار بوابة إلى التعليم العالي الفلسطيني: من القدس إلى القاهرة وبيروت والجزائر

كان الشباب الفلسطينيون، حتى خلال فترة الانتداب، طلابًا جادّين يسعون لاغتنام الفرص التعليمية في العالم العربي وخارجه.

فغادروا ديارهم إلى مدن عربية وأوروبية مختلفة للحصول على شهادات التعليم الثانوي والعالي. وتحتفظ السجلات الأرشيفية البريطانية والفلسطينية بأدلة كثيرة لمقدسيين، رج لًا ونساءً، تلقّوا تعليمهم في كامبريدج ولندن على سبيل المثال لا الحصر. واستمر

طلب الفرص التعليمية بعد عام 1948، وإن كان على نطاق أوسع، بفضل سهولة السفر التي أتاحها مطار القدس. فتوجّه الطلاب

إلى العالم العربي، تحديدًا إلى القاهرة وبيروت ودمشق وليبيا، طلبًا للتعليم العالي، في حين وفد معلمون وموظفون عرب وغربيون

130 المساء، 2 / 11 / 1959. 131 المساء، 3 / 11 / 1959. 132 فلسطين، 29 / 3 / 1963. 133 أ. المحتسب، مقابلة شخصية، القدس، آذار/ مارس 2024.

134 Jean Watt, Bristol Archives, OH 0693.

عبر المطار لاستقطاب هؤلاء الطلاب إلى بلدانهم ومؤسساتهم التعليمية. كان تعليم النساء في القدس وأماكن أخرى في فلسطين متاحًا خلال فترة الانتداب البريطاني. وتشير سجلات أرشيفية إلى أنّ كلية البنات- شميدت- في القدس كانت واحدة من المدارس

الرائدة في تعليم الفتيات، وكانت تعزز فرص التعليم العالي في العالمَين العربي والغربي. وقد ساعدت شبكات المطارات خلال

فترة الحكم الأردني في توسيع فرص التعليم العالي للنساء في مختلف أنحاء العالم العربي. تكشف الشهادات الشفهية التي جُمعت من القدس والقرى الفلسطينية المجاورة عن قصص ملهمة لطلاب سافروا إلى الخارج عبر

المطار ليواصلوا تعليمهم بعد عام 1950، وعن أثر هذه التجربة في مشاركتهم لاحقًا في تطوير القدس بعد عودتهم. يروي إبراهيم مطر الذي درس في الجامعة الأميركية في بيروت: "بدأت تعليمي العالي في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1959 مع عدد من الطلاب المقدسيين الآخرين. كانت بيروت ذات جاذبية كبيرة للطلاب المقدسيين، وجذبت المئات منهم إلى الجامعة الأميركية في بيروت. وكنّا قبل كل رحلة

نذهب إلى مكاتب شركة الطيران العربية في شارع صلاح الدين، ونشتري تذاكرنا بأسعار طلابية مخفضة، إذ كنا ندفع 12 دينارًا في التذكرة". أما الأستاذ شوكت أبو لبدة - أبو جلال، وهو فلسطيني يعيش حتى اليوم في عقبة السرايا، فحكى عن رحلة حياته التي بدأت بالتوجّه إلى الدراسة في بيروت: "كنت في بيروت عام 1967 طالبًا في السنة الرابعة بالجامعة العربية في بيروت. فقبل الحرب ببضعة

أشهر، ركبت رحلة أردنية من مطار القدس إلى بيروت، بعد أن اشتريت تذكرة من مكاتب مصر للطيران بشارع صلاح الدين. وبعد تخرجي من بيروت، أسست مكتبًا في القدس لتسهيل تسجيل الطلاب في الجامعات العربية في القاهرة وبيروت وبغداد وغزة". ورد في مقابلات أخرى: "لقد درسنا مع طلاب من القدس في جامعتي القاهرة والإسكندرية، وكنا نسافر بانتظام من مطار قلنديا على طائرات مصر للطيران إلى القاهرة بعد عام 1959. وكنا عند عودتنا وهبوطنا في المطار نشاهد رجال الشرطة والحرس الأردنيين يغلقون طريق رام الله - القدس". كانت القاهرة، بجامعاتها الرائدة مثل الأزهر وعين شمس، إحدى وجهات التعليم العالي الرئيسة للمقدسيين. وقد تيسّر هذا

الارتباط خلال فترة الانتداب بفضل خط السكة الحديدية الذي ربط المدينتين، ما شجع كثيرًا من الطلاب المقدسيين على إكمال

تعليمهم العالي في القاهرة. وقد استمر هذا الارتباط بعد عام 1948، على الرغم من قطع الخط؛ إذ تحوّل الطلاب إلى النقل الجوي

الذي أتاحه مطار القدس برحلاته الأسبوعية إلى القاهرة. وُأتيحَ التعليم العالي في مصر عبر المطار لطلاب من الضفة الغربية والقدس وغزة. وأفادت مقابلة أُجريت في عمّان مع أحد

الطلاب السابقين ما يلي: "رافقني وال يد وعائلتي من نابلس إلى مطار القدس عام 1966، وأنا في طريقي لبدء تعليمي العالي في جامعة عين شمس. كانت المغادرة إلى القاهرة لحظة فارقة في حياتي، لكنني لم أكن أعلم أنها ستكون تذكرة ذهاب بلا عودة. فقد اندلعت حرب عام 1967 وأنا في القاهرة، ولم أعد قط إلى قريتي. أكملت دراستي في جامعة عين شمس، وانتقلت إلى عمّان، ومنها

135 Brin, p. 68. 136 Charles Jones, Friends in Palestine (Richmond: Friends United Press, 1981).

137 تسمى كلية البنات في القدس College ' Girls Jerusalem، محليًا كلية شميدت للبنات College Girls s ' Schmidt، وهي مدرسة ثانوية ألمانية تأسست عام 1886.

138 Jerusalem and East Mission, Jerusalem Girls College Magazine , 1934, MECA/ Oxford: GB 165-0161.

139 إبراهيم مطر، مقابلة شخصية، شارع صلاح الدين، القدس، كانون الثاني/ يناير 2024. 140 الحاج شوكت أبو لبدة - أبو جلال، مقابلة شخصية، عقبة السرايا، القدس، حزيران/ يونيو 2023. 141 وفا الكاظمي، مقابلة شخصية، الشيخ جراح، القدس، أيار/ مايو 2024.

142 Jones.

إلى الكويت للعمل معلمًا في مدرسة سنوات حتى أزمة الكويت عام 1991. ثم عدت مع عائلتي إلى عمّان، ولم أزر قريتي (جماعين) في

نابلس منذ رحلتي الأخيرة من مطار القدس". وعمل معلمون من مصر في المدرسة الصلاحية في القدس. ودفعت هذه العلاقات التعليمية المتشابكة عائلات مصرية كثيرة إلى الاستقرار في القدس. سجّل الباحث المقدسي المحلي بشير عبد الغني بركات قصص حياة كثير من المقدسيين، منهم أطباء وموظفون في البلديات وأساتذة جامعات ووزراء وأطباء أسنان ومعلمون في المدارس وقضاة في المحاكم الشرعية وشخصيات دينية. وقد تلقّى كثيرون من هؤلاء تعليمهم العالي في جامعات عربية مثل جامعة الأزهر وجامعة القاهرة والجامعة العربية في بيروت وجامعة الإسكندرية، ودرس آخرون في جامعات أميركية وبريطانية، وكانوا جميعًا يسافرون ذهابًا وإيابًا عبر مطار قلنديا. ودرس قادة دينيون وسياسيون

مقدسيون، خلال فترة الحكم الأردني، في بغداد والأزهر في القاهرة، منهم مفتي القدس الحالي الشيخ عكرمة صبري وآخرون. التحق عدد كبير من الطلاب المقدسيين في الفترة الأردنية بكلية المعلمين في عمّان (دار المعلمين) وكلية بيت حنينا (الكلية

الريفية). كان هؤلاء الطلاب يسافرون إلى عمّان إما عبر مطار القدس وإما بحافلات من باب العامود إلى دوار العبدلي في عمّان.

وكان طلابٌ كثرٌ، بعد أن يتخرجوا في الجامعة الأميركية في بيروت وكلية المعلمين، يعملون في عمّان ودول الخليج، وظلوا يسافرون

جوًا من القدس ليحظوا بتلك الوظائف. وعاد آخرون ممّن حصلوا على شهادة كلية المعلمين إلى القدس، وعملوا في القطاع التعليمي

بالمدينة، وكان بعضهم يسافر يوميًا بالحافلة من القدس إلى وسط البلد والعبدلي في عمّان. وخدم المطار طلابًا عربًا قدموا للدراسة في المدارس الثانوية والكليات المختلفة في القدس وبيرزيت. وتقدّم سجلات الكلية

الإبراهيمية تفاصيل عن طلاب وصلوا بمفردهم من اليمن والسعودية ومصر والكويت والجزائر وعمّان. فتبيّن سجلات المدرسة

الواقعة في حي الصوانة أنّ طلابًا عربًا من مصر واليمن والجزائر والعراق والكويت كانوا معيدين فيها. ومن ذلك على سبيل المثال

أنّ خمسة طلاب جزائريين التحقوا بالكلية الإبراهيمية في القدس في عام 1961. وتبيّن سجلات الكلية الإبراهيمية أنّ عددًا من

الطلاب المعيدين فيها خلال العقد السابع من القرن العشرين كانوا من دول عربية، مثل السعودية والجزائر والعراق والكويت. ويذكر علي تابليت، الجزائري الذي درس في عمّان ونابلس عام 1961، أنّ "عشرات الطلاب من الجزائر التحقوا بالمدرسة الإبراهيمية في

القدس وعدد من المدارس الأخرى في نابلس وجنين عام 1961. فكنا ونحن طلاب عام 1961 نسافر جوًا من تونس إلى القاهرة، ثم إلى

عمّان. وبعد الوصول إلى عمّان، كنا نأخذ سيارة أجرة إلى نابلس ثم إلى القدس". وتشير المقابلات الشفهية إلى وصول العشرات من

الطلاب عبر المطار من السعودية للدراسة في مدرسة الروضة الحديثة الإسلامية التي تأسست في الشيخ جراح على يد حفيدات الشيخ

143 نامق سعيد الحاج أسعد، مقابلة شخصية، عمان، نيسان/ أبريل 2024. 144 القدس الشريف، تموز/ يوليو 1986. 145 بشير عبد الغني بركات، شخصيات القدس في القرن العشرين (القدس: مؤسسة دار الطفل العربي، 1958.) 146 المساء، 12 / 10 / 1959. 147 تأسست الكلية الإبراهيمية بالقدس عام 1931 - 1932 على يد الشيخ راشد القاسمي والشيخ عز الدين الشريف والأستاذ إبراهيم بدر. لاحقًا انضم إلى الطاقم التأسيسي

للكلية الأستاذ والقيادي الفلسطيني نهاد أبو غربية الذي أدى دورًا محوريًا في تطويرها حتى استقرت ببنايتها الحالية في حي الصوانة ويديرها اليوم الأستاذ عبد السلام

أبو رميلة. كانت الكلية تدرّس المنهاجَين المصري والأردني في الفترة الأردنية. أمّا غالبية الطلاب الذين تخرّجوا فيها فقد أكملوا دراساتهم العليا في القاهرة وبيروت

والجامعات العربية الأخرى. يديرها اليوم الأستاذ عبد السلام أبو رميلة. 148 رسالة من مدير الكلية الإبراهيمية موجهة إلى وزارة التربية والتعليم في عمان، لجنة الامتحانات، 19 / 4 / 1966. سجلات الكلية الإبراهيمية، الصوانة، القدس. 149 علي تابليت، مقابلة شخصية، الدوحة، 2024.

محمد الصالح في عام 1947. ويتضح من روايات الطلاب وسجلات المدارس أن القدس كانت "مدينة وحاضرة عالمية". فالمدينة، كما عبّر عنها إدوارد سوجا، "كانت نقطة محورية حضرية" ومترابطة مع العواصم العربية، استقطبت طلابًا من مختلف البلدان.

الاستثمار في مطار القدس والسياحة: العصر الذهبي لتطور الحاضرة العربية

تكشف هذه النتائج، وكذلك المواد الأخرى الوفيرة التي جُمعت من الصحف والإحصاءات الأردنية الرسمية المحفوظة في

الأرشيفات، أنّ فترة أوائل العقد السابع من القرن العشرين كانت العصر الذهبي لمطار القدس وللحاضرة العربية التي أسهم في تحقيقها. واستمرت أعداد الرحلات القادمة والمغادرة في الازدياد، إلى جانب تزايد أعداد المسافرين. وظلت وسائل الإعلام الأردنية تنشر هذه الإحصاءات في إطار متابعتها لتطوّر المدينة. وتشير هذه البيانات إلى أنّ شهر نيسان/ أبريل 1961 شهد وصول 375 طائرة

إلى قلنديا، ومغادرة 374 طائرة، حملت 9220 مسافرًا قادمًا و 8540 مسافرًا مغادرًا، إضافة إلى 210 مسافرين آخرين مرّوا بالمطار وهم

في طريقهم إلى وجهات أخرى. أما شباط/ فبراير 1963، وهو شهر الذروة لحركة الطيران في المدينة، فقد وصل فيه 3227 مسافرًا

على متن 248 رحلة، وغادر 3105 مسافرين على متن 252 رحلة. جاء في كتاب إحصاءات السياحة الأردني (1964) أّن 8172 سائحًا عربيًا وصلوا عبر المطار من عدن والجزائر والبحرين والعراق

والكويت ولبنان وليبيا والمغرب وقطر والسعودية والسودان وسورية وتونس والجمهورية العربية المتحدة واليمن. وشهد عام 1966 وصول سيّاح من 15 دولة عربية مختلفة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 10562 مسافرًا. وارتفعت أعداد السياح من الدول الآسيوية على

نحو ملحوظ عام 1966. أما شركات الطيران العاملة في القدس فكانت الخطوط الجوية الملكية الأردنية والخطوط الجوية الكويتية والخطوط الجوية السورية وطيران الجمهورية العربية المتحدة وشركة الطيران العربية وطيران الشرق الأوسط. كان تنامي أعداد السياح والحجاج الغربيين الذين أخذوا يصلون إلى القدس مباشرة، بادلًا من المرور بعمّان، أحد أسباب هذه

الزيادة الكبيرة. ويقول بوكيه إنّ "السياحة تستفيد بشدة من وجود مطار". وقد أدّت الأهمية المتزايدة لمطار القدس إلى جعل

عمّان محطة عبور (ترانزيت) للسياح المتجهين إلى المدينة وأماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية. ويشير إلداد برين إلى هذا

التحوّل فيقول إنّ "مطار القدس كان الوجهة النهائية لنحو ثلثي المسافرين جوًا إلى الأردن إبّان منتصف العقد السابع من القرن

العشرين، أي ضعف عدد المسافرين الذين كانت عمّان وجهتهم النهائية". كانت مركزية القدس بوصفها عاصمة تجارية وروحية

السبب الرئيس لارتفاع أعداد السياح الغربيين إلى القدس مقارنةً بعمّان. ومن ذلك أنّ عيد الميلاد لعام 1966 شهد تدفقًا كثيفًا للسياح

150 Harvey.

151 فلسطين، 10 / 5 / 1961. 152 فلسطين، 8 / 3 / 1963. 153 المملكة الأردنية الهاشمية، إحصاءات السياحة (عمان: هيئة السياحة الأردنية، 1964)، ص 12 - 130. 154 المملكة الأردنية الهاشمية، إحصاءات السياحة (عمان: مطبعة وزارة السياحة والآثار، 1966)، ص 12 - 13. 155 دائرة الإحصاء الهاشمية، عمان، 1964.

156 Boquet, p. 138. 157 Jamil Dukhgan & Falestin Naili, "The 1963 General Plan for Jerusalem: The Unrealized Vision for the Eastern Part of the City," Jerusalem Quarterly , vol. 92 (2022), pp. 124-142. 158 Brin, p. 65.

من أوروبا والشرق الأوسط، الذين واصلوا التسوّق حتى الأيام القليلة الأولى من عام 1967، بحسب تقرير للقنصلية البريطانية في

القدس، بتاريخ 4 كانون الثاني/ يناير 1967. ومن اللافت أنّ "عيد الميلاد في ذلك العام اجتذب إلى القدس سياحًا أكثر مما كان متوقعًا حتى الأسبوع الذي سبق العيد. فامتلأ نحو 60 في المئة من أماكن الإقامة الفندقية، وكان المطار مزدحمًا إلى حد بعيد".

ويضيف التقرير أنّ تدفق آلاف السياح إلى المدينة خلال عيد الميلاد على طيران الشرق الأوسط وشركات أخرى أسهم في ازدهار المتاجر والشركات المحلية في شارع صلاح الدين والزهراء وباب الساهرة. وكانت شركات حافلات جديدة تنقل السياح من القدس إلى بيت لحم، وأُتيحَ لهم ركوب طائرات من المطار لرؤية الأراضي المقدسة من الجو طوال يوم كامل. لقد ساهمت هذه الزيادة في أعداد الزوار، والتحّولّات في أنماط التجمع والسفر، إلى جانب الاستثمارات الجديدة في أنحاء

الحاضرة العربية وبناء الفنادق، في دفع القادة المحليين والوطنيين إلى التركيز على تحسين البنية التحتية الحضرية للمدينة التي كانت آخذة في التوسع. وبعد التخلي عن خطة إنشاء مطار دولي في أريحا عام 1959، تحوّل التركيز إلى تطوير البنية التحتية لمطار القدس.

فقد اقترحت شركة فريدريك إس سنو وشركاه - وهي شركة هندسية استشارية بريطانية سبق لها أن قدمت استشارات بشأن مطارات غاتويك وعمّان والكويت - على الملك حسين عام 1959 خطة عامة لزيادة عدد المسافرين إلى 575 ألفًا على مدى ثلاث سنوات.

وذهب حازم نسيبة من وزارة الاقتصاد في عمّان في تقييمه لمقترح الشركة إلى أنّ "تنفيذ هذا المشروع يرجح أن يزيد إيرادات الأردن

من النقد الأجنبي من 7 ملايين دولار إلى 20 مليونًا". مرّ بعض الوقت قبل أن تتحول هذه الخطط إلى واقع ملموس، على الرغم من أنّ القادة المحليين في القدس كانوا قد شددوا

مرارًا وتكرارًا على أهمية المطار ضمن خططهم الأوسع لتطوير المدينة. ومن ذلك أنّ توسيع المطار كان جزءًا من المشروع الجديد

الذي قدّمه رئيس بلدية القدس روحي الخطيب لتطوير المدينة عام 1963. وشمل المشروع أيضًا تطوير عدد من المرافق في المدينة، منها مشروعات للمياه والكهرباء ومستشفيات ومدارس. وكان وزير النقل الأردني، ولاحقًا محافظ القدس، داود أبو غزالة يعمل

في الوقت نفسه على توسيع السياحة إلى الأماكن المقدسة في القدس وعمّان، معتبِرًا أنّ تحسين البنية التحتية وأنظمة الاتصالات

بين مطارَي عمّان والقدس أمر لا غنى عنه لتحقيق هذا الهدف. وأوردت صحيفة فلسطينفي أيار/ مايو أنّ السلطات قامت

بتطوير مدرج المطار، وتحديث الاتصالات اللاسلكية مع مطارَي دمشق وعمّان، وتحسين مرافق المطار المختلفة. أكدت الخطة العامة أهمية مطار القدس وضرورة تطويره ليصبح مركزًا سياحيًا ومركزًا للترانزيت، مستقلًا عن عمّان.

كان هذا التحرك لإحداث تحّول بنيوي في السفر كاشفًا عما أسماه كيسلرنغ "اكتساب الحياة الحديثة الطابع العالمي"

159 A Confidential Report by the British-Consulate Jerusalem, 04 January, 1967, Political Affairs, Internal Disturbance and Riots, Jerusalem area, TNA: FCO 17/206. 160 The Albina Advertiser, Jerusalem, May-June, 1951. 161 Fredric S. Snow & Partners to M. Adams, Levant Section, Foreign Office, Whitehall-London. Report on the Development of Jerusalem airport, 16 March 1959, TNA: FO 371/142171. 162 British Embassy, Amman, July 1, 1959. A.K. Rothnie, Levant Department, Foreign Office, TNA: FO 371/142171.

163 كان روحي الخطيب آخر رئيس بلدية للقدس في الفترة الأردنية، وقد طُرد إلى الأردن في عام النكسة بعد سقوط القدس في عام 1967. وكان قد عُيّن قائمًا بأعمال

رئيس بلدية القدس عام 1957، وكان قبل ذلك مديرًا لفندق إمباسادور هوتل Hotel Ambassador في حي الشيخ جراح. ينظر: أوراق الأرشيف القومي البريطاني في لندن،

. TNA: FO 371 / 127884 164 المنار، 1 / 1 / 1963. صحيفة عربية أسسها محمود الشريف في القدس عام 1960، أدمجت مع صحيفة فلسطينعام 1967 لتحلّ محلهما صحيفة الدستور الأردنية. 165 فلسطين، 23 / 5 / 1963.

Life Modern of Cosmopolitisation The. وقد وضع الخطة روحي الخطيب واستشاري التخطيط لمدينة القدس هنري كيندال Kendall Henry الذي دعا إلى توسيع المطار ليصبح المحرّك الرئيس لتوسيع السياحة وتحقيق النموّ المستمر لاقتصاد المدينة.

ويكتسب مقترح كيندال أهمية خاصة لأنه تضمّن "مخططًا لمنطقة المطار" وخطة تفصيلية وخريطة توضح المناطق المحيطة بالمطار

التي كان ينبغي أخذها في الاعتبار بوصفها جزءًا من تطوير مجمع المطار بأكمله. وشملت "مدينة المطار" City Airport المتخَّيَلة

لمستقبل الحاضرة مناطق سكنية ودور عبادة ومدارس ومركزًا مجتمعيًا وعياداتٍ وفنادقَ وسوقًا وطرقًا ومحطاتِ وقود وفضاءاتٍ عامةً

مفتوحة. وتضمنت الخطة أيضًا تطوير بلدة بيت حنينا القريبة وقرى قلنديا وكفر عقب وجبع والرام وشعفاط. ومن اللافت أنّ خطة كيندال جاءت بعنوان "مطار القدس: مخطط تفصيلي للمدينة" Scheme Planning Town Detailed: Airport Jerusalem، واقترحت الخطة إنشاء عمارات سكنية وفنادق جديدة بالقرب من المطار لاستيعاب الزيادة في أعداد المسافرين الوافدين، إلى جانب تطوير مواصي بيت حنينا ومارس الطويل وأرض القطي وخلة الجسور ووادي الرام. ومن أجل ذلك، اقترح كيندال أن تشتري البلدية 42 دونمًا قبل

إطلاق الخطة. لقد كانت "المنطقة المحيطة بالمطارات"، بتعبير بوكيه، مهمّة أيضًا للنموّ الاقتصادي للمنطقة، ولذلك استهدفها

مخطط كيندال لتطوير المدينة. وكانت هناك حاجة إلى مساحات كبيرة من الأراضي لتوسيع مطار القدس. ظلّت محاضر بلدية القدس فترة تتحدث عن تنفيذ بعض مشروعات خطة كيندال المرتبطة بتطوير منطقة المطار الأوسع، لا سيما في قرى شعفاط وعناتا وبيت حنينا وجبع وحزما. كان أبرز هذه المشروعات إقامة منطقة صناعية في شعفاط، وهي إحدى القرى الرئيسة على الطريق المؤدي إلى المطار. فيذكر المحضر أنّ "البلدية قررت شراء قطعة أرض تقع ضمن أراضي قرية شعفاط القريبة من طريق عناتا، بهدف تحويلها إلى منطقة صناعية". وجاء في المحضر أيضًا أنّ الأهالي أصحاب الأرض قد أنشؤوا بالفعل عددًا من المتاجر والبنايات السكنية الجديدة؛ ما أسهم في تطوير المنطقة إلى منطقة تجارية. وهكذا أصبح المطار "محركًا للنمو

الحضري" في المنطقة المحيطة وفي توسيع المدينة. وقد شمل التحوّل الحضري المنطقة المحيطة بالمطار بإنشاء متنزهات

ومرافق مجتمعية.

166 Kesselring, p. 95. 167 A Report from Henry Kendall to Paul Howell, British Embassy in Beirut, Entitled Airport Area Detailed Plan Town Planning Scheme and Regional Plan of Jerusalem, 21.10.1963, TNA: FO 957/264; Henry Kendall, Jerusalem: The City Plan, Reservation and Development during the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty's Stationery Office, 1948), p. 2. 168 Boquet, pp. 140-143.

169 محضر أمانة القدس وقراراتها (الفترة الأردنية)، 9 كانون الثاني/ يناير 1965. تقرير بعنوان "تطوير المنطقة الصناعية في قرية شعفاط". حضر الاجتماع روحي

الخطيب (رئيس البلدية) ونهاد أبو غربية وموسى البيطار وخضر أبو صوى وإبراهيم طليل وفائق بركات وراشد النشاشيبي وعبد الغني النتشة وزكي الغول. ينظر: بلدية

القدس، أرشيف بلدية القدس العربية، ملف رقم 8936 - 435429 - 092.

170 Boquet, p. 138. 171 Roseau, p. 41.

النفاثة الكبيرة، وأن يضمن تسهيلات إضافية للمسافرين والسياح".

عام 1993 باسم "ذا ستار" Star The، وتوقفت في آب/ أغسطس 2011. 173 فلسطين، 14 / 2 / 1966. 174 القدس، 9 / 4 / 1967.

الشكل (1)

مخطط هنري كيندال لتطوير وتوسيع منطقة مطار القدس والقرى المجاورة

المصدر: 264 / 957 FO: TNA

شرعت البلدية والحكومة الأردنية والمستثمرون الفلسطينيون والعرب في تنفيذ خطة كيندال في أواخر عام 1966. وقد ذكرت صحيفة جيروزالم ستار أنّ توسيع المطار يتوقع أن "يوفر الخدمات على مدار الساعة، ومرافق هبوط وإقلاع أفضل وأسهل للطائرات

كانت مرحلة التنفيذ، كما أعلن رئيس هيئة الطيران المدني أميل القبيسي، تستوجب إغلاق المطار ثلاثة أشهر. وأعلن وزير النقل سعيد الدجاني أنّ موظفي مطار القدس سينقلون مؤقتًا إلى مطار عمّان بدءًا من نيسان/ أبريل 1967، بسبب إغلاق مطار القدس

في 25 نيسان/ أبريل. كما فقد أربعة وعشرون موظفًا مقدسيًا آخرون وظائفهم مؤقتًا بسبب إغلاق المطار. وكانت خطة التنفيذ

تقتضي تحويل الرحلات الجوية إلى عمّان حتى إعادة فتح مطار القدس بعد توسعته، التي كان متوقعًا أن تتمّ في نهاية عام 1968.

172 Jerusalem Star , 28/12/1966;

"جيروزالم ستار" صحيفة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية صادرة باللغة الإنكليزية، ظهرت في القدس عام 1966، ثم توقفت بعد ستة أشهر، وأعيد إحياؤها في عمان

وأعلن عادل الخال يد من وزارة النقل في نيسان/ أبريل أنّ الحكومة خصصت ميزانية قدرها 5. 3 ملايين دولار لتطوير المطار وتوسيع مرافقه. وقيل إنّ الأردنيين والأميركيين قدّموا الدعم المادي لتطوير المطار. وذكر الخال يد بعد بضعة أيام أنّ تكاليف

توسيع المطار وتطويره ستكون 4 ملايين دولار. هبطت آخر رحلة في مطار القدس على الساعة الثالثة عصرًا من يوم 14 نيسان/ أبريل، قادمة من بيروت. ولم يُسمَح للرحلة

التالية من دمشق، المقَّرَر وصولها في الساعة الخامسة مساء، بالهبوط في قلنديا، فحُِّوِلت إلى عمّان. وجاء هذا الإجراء نتيجة خطط

الإغلاق المؤقت للمطار من أجل توسعته، وليس بسبب أيّ تصاعد للتوتر في المنطقة.

إغلاق بوابة المطار واحتلال الحاضرة العربية

مع وصول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى قلنديا، في 7 حزيران/ يونيو 1967، أغلقت بوابة المطار، التي كانت في الوقت ذاته

بوابة القدس والضفة الغربية على العالم. وتُظِه ر صورة أرشيفية إسرائيلية (ينظر الصورة 5)، قوات ودبابات إسرائيلية تسيطر على مبنى

المسافرين بالمطار، ما يشير إلى نهاية التحوّل الحضري المرتبط بالمطار ووصول سيطرة أشبه بعالم السجون على الحياة اليومية

في الحاضرة المقدسية والعربية.

الصورة (5)

سقوط المطار: صورة للقوات الإسرائيلية في مطار قلنديا

المصدر: 3006 / 671 TAS: ISA

175 القدس، 7 / 4 / 1967؛ 16 / 4 / 1967. 176 القدس، 13 / 4 / 1967. 177 القدس، 28 / 4 / 1967. 178 القدس، 16 / 4 / 1967. 180 ينظر:

Dominique Moran, Carceral Geography: Spaces and Practices of Incarceration (London/ New York: Routledge, 2015); Dominique Moran &

أرشيف الدولةفي القدس ISA: TAS 671/3006. 179

Anna K. Schliehe (eds.), Carceral Spatiality: Dialogues between Geography and Criminology (London: Palgrave Macmillan, 2017).

عملت إسرائيل، بعد نكسة عام 1967 واحتلال القدس، على محو المطار من ذاكرة المقدسيين عبر إعادة تسمية المكان بالعبرية باسم مستوطنة "عطاروت" Attarot، وبناء معبر قلنديا الاستعماري الذي فصل القدس عن الضفة الغربية بالقرب من المطار. واستمر المطار في العمل فترة مؤقتة، تحت إدارة إسرائيلية كاملة، بموظفين وجمارك وشرطة إسرائيليين. ومُنع الفلسطينيون من استخدامه

منذ لحظة سقوطه واحتلاله عام 1967. ومع وجود الاحتلال، تغيرت أنماط الرحلات الجوية على الفور، فلم تعد الوجهات السابقة إلى أنحاء العالَمين العربي والغربي متاحة، حيث رفضت غالبية خطوط الطياران العربية والأجنبية من الهبوط في أرض المطار المحتلة. وسارعت سلطات الاحتلال، على الرغم من الإدانة الدولية، إلى طرح خطط لتطوير البنية التحتية للمطار بما يضمن استمرار تشغيل مرافقه في خدمة المصالح المدنية والتجارية الإسرائيلية. وفي هذا السياق، أطلق رئيس بلدية القدس الإسرائيلي، تي يد كوليك Kollek Teddy، مبادرات لتطوير المطار ليغدو المطار الدولي الثاني في إسرائيل بعد مطار اللد التاريخي. وقد ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنّ "رئيس البلدية تي يد كوليك طلب من أحد الخبراء أن يحدد تكلفة إطالة مدرج مطار القدس وتوسيعه بما يتيح للطائرات النفاثة الإقلاع بحمولة كاملة من الركاب إلى أوروبا، الأمر الذي من شأنه أن يزوّد إسرائيل بمطار دولي ثانٍ. وأضافت التقارير أنّ

الأوساط السياحية أبدت حماسة كبيرة لهذا المشروع، انطلاقًا من الاعتقاد أنّ وجود مطار في القدس سيحفّز الحج والسياحة عمومًا،

فضلًا عن مساهمته في تخفيف الضغط عن مطار اللد- بن غوريون". ذكرت صحيفة جيروزالم بوستأنه "خُِّصِص مبلغ 300 ألف دولار أميركي لإجراء تحسينات في مطار القدس، لا سيما

لتجديد المدرج وتركيب أضواء لتيسير الهبوط الليلي. وستجعل هذه التحسينات المطار، الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم عطاروت، آمنًا لاستقبال طائرات من طراز هيرالد Herald وداكوتا Dakota ودي سي 6 6 DC، والأخيرة طائرة رباعية المحركات تتسع لنحو 110

ركاب، على أنّ استخدام المطار سيقتصر، في المرحلة الراهنة، على الخدمات الجوية المحلية". عبّر المقدسيون المقيمون في محيط حي المطار عن قلقهم من أن يؤدي التوسع المزمع للمطار آنذاك إلى مصادرة أراضيهم

ومنازلهم، على غرار ما حدث خلال العقد الأخير لأراضي قرية قلنديا المحاذية للمطار، ومع توسعة مستوطنة عطاروت المجاروة. وتُعدّ

الخطط الاستيطانية الرامية إلى الاستيلاء على أراضي المطار، إلى جانب إصدار أوامر هدم في حقّ بيوت تاريخية في حي المطار

والحي الشرقي أحدث تجليات السياسات الهادفة إلى استهداف إحدى أهم بوابات الحرية الفلسطينية، التي ظلّت قائمة حتى عام 1967. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت مخططات إسرائيلية لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية على أرض المطار وإخطار العديد من البيوت بالهدم والمصادرة وفصل القدس كلًّيًا عن الضفة الغربية وبلدات كفر عقب وقلنديا. هكذا، استهدفت إسرائيل المطار وهو آخر الرموز

السياسية الوطنية الأردنية والفلسطينية في القدس.

181 Jerusalem Post , 14/2/1968.

182 صحيفة سياسية وثقافية تصدر باللغة الإنكليزية في فلسطين المحتلة بداية من عام 1932 باسم بالستاين بوست Post Palestine، ثم أخذت اسمها الحالي

عام 1950.

الصورة (6)

مطار القدس اليوم وتدمير معالمه وحصاره بالأسلاك والسواتر الترابية

المصدر: تصوير المؤلف 2025.

وضع استيلاء إسرائيل على المطار حًّدًا لسهولة السفر الجوي التي كانت متاحة لسكان القدس وللفلسطينيين عامّة، وأجبرهم

على الخضوع لأنظمة ومسارات سفر بديلة ومعقدة للوصول إلى المدن العربية وسائر وجهات السفر الغربية. وقد ترتّب على فقدان

هذه البنية التحتية الحيوية للنقل خراب واسع، تمثّل في تفكّك العديد من الدوائر الاجتماعية والاقتصادية الحيوية والفضاءات العامة

وتآكل شبكات العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا السياق، كُِّبِل تبلور القدس بوصفها حاضرة حضرية بفعل فضاء

أشبه بالحصار فرضته إسرائيل على شكل المدينة وسكانها؛ ما قيّد الحرية والفاعلية، وأنتج فضاءات حضرية مغلقة جديدة، وأخضع

الحياة اليومية لمنطق أمني إسرائيلي دائم. ومع إغلاق هذه البوابة الفلسطينية الدولية الفريدة على العالم، تلاشت المقوّمات المادية

والذهنية التي نسجت حضور القدس الحضري خلال الفترة الأردنية على امتداد عقدين. واليوم، لا يرى الفلسطينيون في محيط المطار التاريخي سوى معبر قلنديا الاستعماري، الذي يفصل القدس عن الضفة الغربية ويكرّس المعاناة اليومية للفلسطينيين.

خاتمة: قراءة الدور الحضري للقدس من بوابة مطارها الدولي

تكشف هذه الدراسة أنّ القدس تطورت بوصفها مدينة في حالة حركة متواصلة: مدينة مرتجلة وتجريبية، تنتج "فرصة لفضاء" غير

متوقّع. ومن خلال عيون سكانها الفلسطينيين، تتبدّى شبكة من العلاقات المادية والاجتماعية والاقتصادية في تطوّر دائم، بما يجعلها

حاضرة في طور التشكّل والنشوء، ويتأتّى ذلك، على وجه التحديد، من تفاعل البنية التحتية للنقل مع الحياة اليومية، تفاعل يتقدم "من الأسفل

183 Massey; Simone.

إلى الأعلى"، وينطوي على فاعلية اجتماعية وشبكات علاقات اقتصادية وسياسية نشطة. ويعود الفضل في ذلك إلى أولئك الفلسطينيين الذين يسكنون المكان بوصفهم فاعلين حضريين، فيبنون مجتمعًا مدينيًا حًّيًا، ويعيدون، في الآن نفسه، تخيّل الحضري وإنتاجه. كانت

البنية التحتية الحضرية للنقل مكوّنًا أساسيًا في تمكين اقتصاد القدس خلال الفترة الأردنية. وقد أسهمت هذه البنية، على وجه الخصوص،

في إعادة تشكيل مكانة القدس ضمن جغرافيتها العربية الأوسع، ودفعها نحو مزيد من التطور؛ إذ إنّ البنية التحتية الإقليمية لا تشغل حيّزًا

في الفضاء فحسب، بل تنتج الفضاء ذاته، بما يتيح تبلور معنى المنطقة وأنماط العلاقات داخلها. ويتجلى أحد المكونات الأساسية لتشكّل القدس، بوصفها حاضرة عربية متروبوليتانية، في مطارها وارتباطه بشبكات إقليمية وعالمية أوسع، أسهمت هي نفسها في تكريس هذه المكانة.

فالمطار، بوصفه إحدى المؤسسات المهيمنة في المدن العالمية، كما تشير روزو، يُظهِر "قوة المدينة وفخرها". تكشف نتائج هذه الدراسة أنّ مطار القدس، خلال الفترة 1950 - 8 نيسان/ أبريل 1967، كان أحد المحاور الاجتماعية الاقتصادية المركزية، وأحد مولدات الدخل للمدينة الآخذة في التشكّل في الفترة الأردنية. فقد أصبح المطار، وفقًا لبوكيه، "محرّكًا للنمو المحلي

والإقليمي"؛ لما أسهم به في تنشيط الحركة الاقتصادية داخل الفضاء الحضري للمدينة. وأدّى المطار دور بوابة رئيسة لوصول

المدينة إلى العوالم الحضرية الإقليمية والعالمية، ولوصول هذه العوالم إلى القدس. ومن خلال تفاعل المطار المادي والذهني مع المشهد الحضري، ومع سكان المدينة وتطلّعاتهم ورؤاهم للإمكانات المتاحة، أسهم في تبلور حاضرة عربية لم يكن لها نظير بعد النكبة. وتمثلت أبرز تجلّيات هذا الأثر في تحفيز السياحة الدينية، وتوسّع الاستثمارات الاقتصادية، وإعادة تشكيل ارتباط المدينة

سياسيًا بالمناطق الحضرية العربية الإقليمية الرئيسة، وتحسين هذا الارتباط. وتذهب حنين نعامنة إلى أنّ وجود المطار "أسهم في

تحويل الاقتصاد المحلي، بجعل السياحة المصدر الرئيس لاقتصاد المدينة". وتشير أيضًا عمليات التغيير الناجمة عن نشوء علاقات وشبكات جديدة، وجهود سد الثغرات في النسيج الاقتصادي للمدينة المتشكّلة، وخلق فرص للأفراد والمبادرين، إلى تبلور مناخ جديد قائم على إعادة الترتيب المكاني ونشوء "التجمعات الاقتصادية" والمراكز التجارية في المدينة. ويؤكد ذلك ما يسميه فؤاد ملكاوي "تبلور الحاضرة" الناشئة عن فاعلية محلية وأفعال إبداعية. وقد أحدث المطار تحوّلًا في الديناميات الاجتماعية السياسية

والاقتصادية بين عمّان والقدس والكويت وبيروت، وأعطى النمو الاقتصادي دفعة قوية. ولا ريب في أنّ الإحساس بالمدينة، بوصفها

حاضرة، وكثافة الشبكات التي تشعّ منها وإليها، وحيوية التجارب في مجالات الثقافة والتعليم والحياة المدنية وريادة الأعمال، تشهد

جميعها على أنّ القدس بعد النكبة وفي الفترة الأردنية قد أصبحت محورًا إقليميًا جديدًا ومدينة متروبوليتانية. لقد وفّر المطار، بوصفه بنية تحتية للنقل، وظائف لم تكن موجودة من قبل لسائقي سيارات الأجرة وعمال الفنادق والمرشدين السياحيين وموظفي المكاتب السياحية وناقلي البضائع. ويَّسرَ إقامة أعمال تجارية محلية في كل من البلدة القديمة (مثل باب الخليل

وباب العامود) ومناطق التنمية الجديدة في شوارع صلاح الدين والزهراء وحي باب الساهرة والمصرارة. وكان دور البنية التحتية للنقل جليًا أيضًا في تطوير التجارة والسياحة والتعليم العالي في القدس. وأكّد غراهام ومارفن أنّ "الحضري لا يكون في أغلبه سوى بنية

184 Soja; Graham & Marvin. 185 Henri Lefebvre, The Urban Revolution (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2003). 186 Graham & Marvin, p. 13. 187 Addie, Glass & Nelles, pp. 17-21. 188 Roseau, p. 41. 189 Boquet, p. 138. 190 Naamneh, p. 260. 191 Malkawi, pp. 28-32.

تحتية، وأنّ أغلب البنية التحتية تشكّل النسيج المادي والاجتماعي التقني للمدن، وأنّ المدن والبنية التحتية تتشكلان وتتطوران معًا بسلاسة في المجتمع المعاصر". وقد كان لاستثمار الأردنيين والكويتيين وأهالي القدس في البنية التحتية للمدينة دورٌ كبيرٌ

في تطوير المدينة إلى حاضرة عربية متروبوليتانية؛ إذ إنّ توسيع قطاعَي الصناعة والتجارة حظي باهتمام بالغ، وهما من المشروعات التي تؤكد الأدبيات الأكاديمية أهميتها لإنشاء حاضرة عربية قابلة للاستمرار والتطوّر. وترتبط المطارات أيضًا بالتنمية الاقتصادية الإيجابية. وقد تجلّى ذلك في حالة تطوير المناطق التجارية في القدس، حيث كان للمطار دور كبير في بروز شارعَي صلاح الدين والزهراء بوصفهما منطقتين اقتصاديتين جديدتين خلال الفترة الأردنية. وتقدّم السجلات الأرشيفية، إلى جانب المقالات في الصحف الأردنية، صورة تفصيلية عن مركزية هذا الفضاء الريادي ودوره في ربط القدس بالحياة الحضرية الإقليمية والعالمية الأوسع. وقد أدى ظهور "مدينة المطار" و"شارع المطار" و"ممرات المطار" الجديدة إلى إيجاد فضاء كثيف، ربط ضواحي المدينة بالضفة الغربية وغزة. وأحدث تحوّلًا جذريًا في العلاقة بين القدس وعمّان؛ إذ إنه ربط المدينتين

سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. لقد سهّل المطار تبادلات ثقافية جديدة مع العالمَين الحضريَين العربي والغربي؛ فجلب المزيد من السياح للترفيه، والفنانين

لتقديم حفلات موسيقية، وأسهم في تعزيز تبادل العائلات والفرص التعليمية والعلاقات الدبلوماسية والتجارية. وأتاح للمقدسيين فرصًا للعمل في بلدان الخليج العربي الآخذة في النموّ، مثل الكويت والسعودية، وفتح أمام طلاب القدس آفاقًا للتعليم العالي في

جامعات القاهرة وبيروت، إضافةً إلى كليات تأهيل المعلمين في عمّان. ولعل الأهم من ذلك أنّ مطار القدس أتاح تأسيس حاضرة عربية إقليمية؛ إذ إنه يسّر نشوء علاقات اقتصادية واجتماعية ويومية

من خلال لقاء الطلاب العرب والأوروبيين، ووفود الأطباء، والشخصيات الدينية، والسياسية، والقادة والملوك العرب والغربيين، إضافة إلى السياح والحجاج في فضاء حضري آخذ في التطوّر. كان للتجار والتجارة المحلية والإقليمية دورٌ محوري في تبلور القدس، بوصفها حاضرة عربية، كانت التنمية الاقتصادية أحد

مقوماتها الأساسية. وقد وثّقت وكالة السفر الفلسطينية المحلية المعروفة باسم فرانسيس ألبينا تورز للسياحة الحركة الاقتصادية في المدينة، عبر نشرة إعلانية دورية بعنوان "ألبينا أدفيرتايزر"، التي سجّلت الأنشطة السياحية والاقتصادية المزدهرة، إلى جانب الإعلان عن الرحلات الجوية من القدس وعمّان، وتشجيع الزوار على الحجز في الفنادق، والمشاركة في رحلات الحج والجولات

السياحية. ويشير تقرير عام 1964، بعنوان "مشروعات مديرية القدس - أمانة القدس"، إلى أنّ "أهالي القدس ومسؤوليها قد أنشؤوا خلال الخمس عشرة سنة الماضية مركزًا تجاريًا جديدًا خارج أسوار المدينة، وشجعوا الأنشطة السياحية من خلال مطار

القدس، وتأسيس فنادق ووكالات أسفار وأسواق عامة، وتطوير خدمات الكهرباء. وكان للبلدية أيضًا دور في توفير خدمات النظافة

192 Graham & Marvin, 2001, p. 179. 193 Soja. 194 Ibid. 195 Saulo Cwerner, Sven Kesselring & John Urry (eds.), Aeromobilities (Abingdon: Routledge, 2008). 196 Soja, p. 71. 197 The Albina Advertiser, Jerusalem, May-June, 1951.

والمياه والطرق وإنشاء معابر المشاة وشبكات الصرف الصحي، ومواقف الحافلات، وسوق الخضروات، وإنارة الشوارع وغيرها من الخدمات الأساسية". وكان مما أسهم في تمكين سكان القدس وتيسير الاستثمار والتجمع، وإحداث تحوّل في العلاقات السياسية والمكانية

الاقتصادية، ذلك التفاعل اليومي بين السكان والمدن الرئيسة والعواصم في العالم العربي، مثل عمّان والقاهرة وبغداد ودمشق

وبيروت وجدّة والكويت. ومن هنا، تبرز أهمية السرد والتذكّر والتأمّل في قصة النسج التاريخي لهذا النسيج الحضري، وفي هذا

الفضاء الكثيف الناشئ الذي أتاح تشكّل الحاضرة، وحرية السفر، ونشوء "القدس في الفترة الأردنية". ويشمل ذلك الاستماع إلى استمرارية القدس وسكانها ومؤسساتها وشبكاتها وأشكالها الحضرية، وما تكشّف عن ذلك من صمود ومقاومة وفاعلية، أي تكوّن

حاضرة متروبوليتانية، في مواجهة سياسات الاحتلال وسلطاته، ومحاولات طمس المكان، أو باختصار، سياسات تحويل الحاضرة العربية إلى فضاء مغلَق أمام الفلسطينيين والعالم العربي. شكر يتقدم المؤلف بالامتنان الجزيل إلى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على دعمه لنشر هذه الدراسة الريادية، مع تقدير خاص للزميلتين في المركز العربي آيات حمدان ولورا الصياح على الدعم المستمر أثناء مراجعتها. ويتقدم بالشكر لملاحظات بروفيسور بروس ستانلي Stanley Bruce وبيتر لونير Leuner Peter لما لها من أثر كبير في إثراء مسوّدتها، ويعرب عن تقديره للأستاذ الدكتور

كارل أوكونر Conner ' O Karl لتنظيمه ندوة عُرضت خلالها المسوّدة الأولى في جامعة أولستر University Ulster في إيرلندا الشمالية،

حيث كان المؤلف أستاذًا زائرًا عام 2024. ويثمّن جهود طاقم مكتبة دار إسعاف النشاشيبي في حي الشيخ جراح ودار الطفل العربي، وإدارة الكلية الإبراهيمية في القدس،

وجمعية يوم القدس في عمّان، إضافة إلى فرق الأرشيفات والمكتبات في لندن وبلفاست والقدس وعمّان. ويقدّر السيد هاني الخطيب

على فتح أرشيف والده روحي الخطيب في عمّان، لأغراض البحث. ويعرب عن امتنانه للزملاء في الكويت، وهم عبد الله النج يد

(أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الكويت)، ود. سندس الراشد (رئيسة اللجنة الوطنية للمتاحف في الكويت)، لإتاحة بعض المقابلات والاّطلّاع على الأوراق الرسمية المتعلقة برواية الحي الكويتي في القدس، وكذلك للقائمين على مركز البحوث والدراسات الكويتية على دعمهم المتواصل. وأخيرًا، يخصّ المؤلف بالشكر إلى رامي نصر الله على متابعته هذه الدراسة وكتابة ملاحظاته القيّمة،

ويقدّر أيضًا مساهمة طالبتَي الدكتوراه ردينة الموماني وميرفت أبو هدوبة، والكاتب الروائي فراس بقاعين ومصطفى قاسم وزياد أبو لبن.

198 بلدية القدس، تقرير بعنوان "مشروعات أمانة القدس"، 27 نيسان/ أبريل 1964، أرشيف بلدية القدس، ملف رقم 4960 - 02206. 199 للمزيد من النقاش، ينظر:

Sara Fregonese, "Atmospheric Urban Geopolitics," in: Simon Goldhill (ed.), Being Urban. Community, Conflict and Belonging in the Middle East (London/ New York: Routledge, 2020); N. Abourahme, The Time beneath the Concrete: Palestine between Camp and Colony (Durham: Duke Unversity Press, 2025); Dorota Golanska, "Slow Urbicide: Accounting for the Shifting Temporalities of Political Violence in the West Bank," Geoforum , vol. 132 (June 2022), pp. 125-134.

المراجع

العربية

أبو السعود، عزام. عتبات شارع الزهراء. القدس: التجمع السياحي المقدسي. 2017. بركات، بشير عبد الغني. شخصيات القدس في القرن العشرين. القدس: مؤسسة دار الطفل العربي، 1958.

الأجنبية

Abourahme, Nasser. The Time beneath the Concrete: Palestine between Camp and Colony. Durham: Duke University Press, 2025. Abowd, Thomas. "The Politics and Poetics of Place: The Baramki House." Jerusalem Quarterly. vol. 21 (2004). ________. Colonial Jerusalem: The Spatial Construction of Identity and Difference in a City of Myth, 1948–2012. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2014. Abu Al Saud, Azam. 'Atabat Shari' Azzahra. Jerusalem, 2017. Addie, Jean-Paul D., Michael R. Glass & Jen Nelles. "Regionalizing the Infrastructure Turn: A Research Agenda." Regional Studies, Regional Science. vol. 7, no. 1 (2020). Amiry, Suad. "Gabi Baramki Visits the Museum of Coexistence." Jerusalem Quarterly. vol. 51 (2012). Awwad, Nehad. "In Search of Jerusalem Airport." Jerusalem Quarterly. vol. 35 (2008). Badenoch, Alexander & Andreas Fickers (eds.). Materializing Europe: Transnational Infrastructures and the Project of Europe. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010. Barakat, Rana. "Urban Planning, Colonialism and the Pro-Jerusalem Society." Jerusalem Quarterly. vol. 65 (2016). Batty, Michael. The New Science of Cities. Cambridge, MA: MIT Press, 2013. Between the Archival Forest and the Anecdotal Trees: A Multidisciplinary Approach to Palestinian Social History. Birzeit: Ibrahim Abu Lughod Institute of International Studies, Birzeit University, 2004. Bird, Kai. Divided City: Coming of Age between the Arabs and Israelis. London: Simon & Schuster, 2010. Boquet, Yves. "From Airports to Airport Territories: Expansions, Potentials, Conflicts." Human Geographies: Journal of Studies and Research in Human Geography. vol. 12, no. 2 (2018). Brantz, Dorothee, Sasha Disko & Georg Wagner-Kyora (eds.). Thick Space: Approaches to Metropolitanism. London: Transaction Publishers, 2012. Brin, Eldad. "Gateway to the World: The Golden Age of Jerusalem Airport, 1948–76." Jerusalem Quarterly. vol. 85 (2021). Butt, Gerald. History in the Arab Skies: Aviation's Impact on the Middle East. Nicosia: Rimal Publications, 2011. Cwerner, Saulo, Sven Kesselring & John Urry (eds.). Aeromobilities. Abingdon: Routledge, 2008. Dukhgan, Jamil & Falestin Naili. "The 1963 General Plan for Jerusalem: The Unrealized Vision for the Eastern Part of the City." Jerusalem Quarterly. vol. 92 (2022).

Elsheshtawy, Yasser (ed.). The Evolving Arab City: Tradition, Modernity and Urban Development. London: Routledge, 2008. Elsheshtawy, Yasser (ed.). The Evolving Arab City: Tradition, Modernity and Urban Development. Abingdon: Routledge, 2011. Farías, Ignacio & Thomas Bender (eds.). Urban Assemblages. Abingdon: Routledge, 2010. Glaeser, Edward, Karima Kourtit & Peter Nijkamp (eds.). Urban Empires: Cities as Global Rulers in the New Urban World. Abingdon: Routledge, 2021. Goldhill, Simon (ed.). Being Urban: Community, Conflict and Belonging in the Middle East. London/ New York: Routledge, 2020. Golanska, Dorota. "Slow Urbicide: Accounting for the Shifting Temporalities of Political Violence in the West Bank." Geoforum. vol. 132 (June 2022). Gottesfeld, Daniel & Ronen Yitzhak. "Normalization in a War Environment." Mediterranean Studies. vol. 27, no. 1 (2019). Graham, Stephen & Colin McFarlane. Infrastructural Lives. Abingdon: Routledge, 2015. Graham, Stephen & Simon Marvin. Splintering Urbanism. London: Routledge, 2001. Harvey, David. Cosmopolitanism and the Geographies of Freedom. New York: Columbia University Press, 2009. Hirsh, Max. Airport Urbanism: Infrastructure and Mobility in Asia. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2016. Jarvis, Peter. Mapping the Airways. Gloucestershire: Amberley Publishing, 2016. Jones, Charles. Friends in Palestine. Richmond: Friends United Press, 1981. Katz, Kimberly. Jordanian Jerusalem: Holy Places and National Spaces. Gainesville: University Press of Florida, 2005. ________. "Jerusalem under Jordanian Rule: New Historiographical Perspectives." Jerusalem Quarterly. vol. 73 (2018). Kendall, Henry. Jerusalem: The City Plan, Reservation and Development during the British Mandate, 1918–1948. London: His Majesty's Stationery Office, 1948. Khalidi, Rashid & Salim Tamari (eds.). The Other Jerusalem: Rethinking the History of the Sacred City. Beirut: Institute for Palestine Studies, 2020. Kimberly, Katz (ed.). Jordanian Jerusalem: Holy Places and National Spaces. Gainesville: University Press of Florida, 2021. Lakić, Sanja, Pedro Pereira & Graça Cordeiro (eds.). The Everydayness of Cities in Transition: Micro Approaches to Material and Social Dimensions of Change. Cham: Palgrave Macmillan, 2024. Lefebvre, Henri. The Urban Revolution. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2003. Magnusson, Warren. The Search for Political Space. Toronto: University of Toronto Press, 1996. Mannin, Ethel. The Night and Homing. London: Hutchinson, 1966. Maraqa, J. S. "The Population of Jerusalem and Palestine." Al Quds al-Sharif Newsletter. vol. 16 (1986). Massad, Joseph A. Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan. New York: Columbia University Press, 2001.

Massey, Doreen. For Space. London: Sage Publications, 2005. Moran, Dominique. Carceral Geography: Spaces and Practices of Incarceration. London/ New York: Routledge, 2015. Moran, Dominique & Anna K. Schliehe (eds.). Carceral Spatiality: Dialogues between Geography and Criminology. London: Palgrave Macmillan, 2017. Naamneh, Hanin. "A City Yet to Come: A Story of Arab Jerusalem, 1948–1967." PhD. Dissertation. London School of Economics, 2019. Nassar, Issam. "'A Liminal Existence in Jerusalem': Al Baq'a 1949." Jerusalem Quarterly. vol. 36 (2009). Nasasra, Mansour. "The Frontiers of Empire: Colonial Policing in Southern Palestine, Sinai, Transjordan and Saudi Arabia." Journal of Imperial and Commonwealth History. vol. 49, no. 5 (2021). Nasasra, M. "Materializing an Arab Jerusalem: Narrating the Jerusalem Airport, 1948-1967," Space and Polity. vol.28, no. 3 (2024). Robinson, Jennifer. Ordinary Cities. Abingdon: Routledge, 2006. Ronen, Yehuda. "The Formation and Development of the Jordanian Air Force, 1948–1967." Middle Eastern Studies. vol. 40, no. 5 (2004). Roseau, Nathalie. "Airports as Urban Narratives: Toward a Cultural History of Global Infrastructures." Transfers. vol. 2, no. 1 (2012). Samman, Maha, and Yara Saifi. “Adapting Modernity: Designing with Modern Architecture in East Jerusalem, 1948–1967.” Journal of Design History 34, no. 2 (2021): 129–148. Satia, Priya. "The Defense of Inhumanity: Air Control and the British Idea of Arabia." American Historical Review. vol. 111, no. 1 (2006). ________. Spies in Arabia: The Great War and the Cultural Foundation of Britain's Covert Empire in the Middle East. Oxford: Oxford University Press, 2008. Simone, AbdouMaliq. Improvised Lives. Cambridge: Polity, 2019. Smith, Michael Peter. Transnational Urbanism: Locating Globalization. Oxford: Blackwell, 2001. Soja, Edward W. Postmetropolis: Critical Studies of Cities and Regions. Oxford: Blackwell, 2000. Spark, Muriel. The Mandelbaum Gate: A Novel. New York: Welcome Rain Publishers, 2012. Wall, Alex & Ute Knippenberger (eds.). Airports in Cities and Regions: Research and Practice. Karlsruhe: Scientific Publishing, 2010. Yacobi, Haim. "God, Globalization, and Geopolitics: On West Jerusalem's Gated Communities." Environment and Planning A. vol. 44 (2012). Yacobi, Haim & Mansour Nasasra (eds.). Routledge Handbook on Middle East Cities. Abingdon: Routledge, 2019. Yitzhak, Ronen. "The Formation and Development of the Jordanian Air Force, 1948–1967." Middle Eastern Studies. vol. 40, no. 5 (2004).